النص المفهرس
صفحات 521-540
الجزء الثالث عشر
٥٢١
كتاب الوقف
قلتُ: لكنْ في "مَعروضاتِ" المفتي "أبي السُّعودِ": ((أنّه في سنةِ إحدى وخمسينَ
وتسعمائةٍ: وَرَدَ الأمرُ الشَّرِيفُ.
إنسانٌ فيه ببدلٍ أكثرَ عَلَّةً وأحسنَ صُقْعاً، فيجوزُ على قولِ "أبي يوسفَ"، وعليه الفتوى كما في
"فتاوى قارئ الهداية"(١)، قالَ صاحبُ "النّهر" في كتابه "إجابة السَّائل"(٢): ((قولُ "قارئ الهداية" : -
والعملُ على قولِ "أبي يوسف" - مُعارَضٌ بما قالَهُ "صدر الشَّريعة"(٣): نحنُ لا نُقتي به، وقد شاهدْنا
في الاستبدال ما لا يُعَدُّ وَيُحصَى، فإنَّ ظلمةَ القضاةِ جعلوهُ حِيْلةً لإبطالِ أوقافِ المسلمينَ، وعلى
تقديرِهِ فقد قالَ في "الإسعاف"(٤): المرادُ بالقاضي: هو قاضي الجنَّةِ المفسَّرُ بذي العِلْمِ والعَمَلِ اهـ.
ولعمري إنَّ هذا أعزُّ من الكبريتِ الأحمرِ، وما أراهُ إلَّ لفظً يُذكَرُ، فالأحرى فيه السَّدُّ، خوفاً من
مُحَاوَزَةِ الحدِّ، واللهُ سائلٌ كلَّ إنسانٍ)) اهـ. قالَ العلَّمَةُ "البيري" بعدَ نقلِه: ((أقولُ: وفي "فتح
القدير"(٥): والحاصلُ: أنَّ الاستبدالَ إمَّا عن شرطِ الاستبدالِ، أَوْ لا عن شرطِه: فإنْ كانَ لخروجٍ
الوقفِ عن انتفاعِ الموقوفِ عليهم فينبغي أنْ لا يُختَلَفَ فيه، وإنْ كانَ لا لذلكَ بل ◌َفَقَ أَنَّه أمكنَ أنْ
يُؤْخَذَ بثمِنِهِ ما هو خيرٌ منه معَ كونِهِ مُنتَفَعاً به فينبغي أنْ لا يجوزَ؛ لأنَّ الواجبَ إبقاءُ الوقفِ على ما
كانَ عليه دونَ زيادةٍ، ولأَنَّه لا مُوجِبَ لتجويزِهِ؛ لأنَّ الُوجِبَ في الأوَّلِ الشَّرطُ، وفي الّاني
الضَّرورةُ، ولا ضرورةَ في هذا؛ إذ لا تَجِبُ الزِّيادةُ بل نبقيهِ كما كانَ اهـ. أقولُ: ما قالَهُ هذا المحقّقُ
هو الحقُّ الصَّوابُ)). اهـ كلامُ "البيري"، وهذا ما حرَّرَهُ العِلَّمَةُ "القَنَلِي" كما قدَّمْناهُ(٦).
[٢١٥٢٦] (قولُهُ: قلتُ: لكنْ إلخ) استدراكٌ على الصُّورةِ الرَّابعةِ المذكورةِ.
٣٨٩/٣
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في استبدال الوقف صـ ٤٣ -.
(٢) "إجابة السائل باختصار أنفع الوسائل" لعمر بن إبراهيم بن محمد، سراج الدين، المعروف بابن نجيم المصريّ
(ت ١٠٠٥ هـ) و "أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل": للقاضي أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد، نجم الدين وقيل:
برهان الدين الطّرسوسيّ الدِّمشقي (ت ٧٥٨ هـ). ("كشف الظنون" ١٨٣/١، "إيضاح المكنون" ٢٥/١، "الدرر
الكامنة" ٤٣/١، "خلاصة الأثر" ٢٠٦/٣، "هدية العارفين" ٧٩٦/١).
(٣) "شرح الوقاية": كتاب الوقف ٣٤٢/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٤) "الإسعاف": باب في الوقف الباطل وفيما يبطلُهُ صـ٣٦ -.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤٤٠/٥. وعبارة "الفتح": ((إما عن شرطه الاستبدال)).
(٦) المقولة [٢١٥١٩] قوله: ((وشرط في "البحر")).
حاشية ابن عابدين
٥٢٢
كتاب الوقف
بمنعِ استبدالِهِ، وأَمرَ أن يَصِيرَ بإذنِ السُّلطانِ تَبَعاً لتَرجيحِ "صَدرِ الشَّريعةِ"(١))). انتهى،
فليحفظ. وفيها(٢) أيضاً: ((لو شَرطَ الواقفُ العَزَلَ والنَّصْبَ وسائرَ الَّصرُّفَاتِ لِمَن يَتولَّى
مِن أولادِهِ ولا يُداخِلُهُم أحدٌ مِن القُضاةِ والأُمراءِ، وإنْ داخُلُوهُمْ فعليهم لعنةُ اللهِ، هل
يُمكِنُ مُداخَلْتُهُم؟ فأجاب: بأنَّه في سنةِ أربعٍ وأربعين وتسعمِائَةٍ قد حُرِّرت هذه
الوَقفَّاتُ الَمشروطةُ هكذا، فالمُتُولُّونَ لو مِن الأُمراءِ يَعرِضونَ(٣) الدَّولةِ العلَيَّةِ على مُقْتَضَى
الشَّرعِ، ومَن دُونَهم رُتْبَةً يَعرِضُ بآرائِهم مع قُضاةِ البلادِ على مُقْتَضَى (٤) المشروعِ مِن
.....
الموادِّ لا يُخالِفُ القُضاةُ المُتولِّينَ، ولا المُتُولُونَ القُضاةَ، بهذا وَرَدَ الأمرُ الشَّرِيفُ».
[٢١٥٢٧) (قولُهُ: بمَنْعِ استبدالِه) أي: استبدالِ العامِ إذا قلَّ رَيْعُهُ ولم يَخرُجْ عن الانتفاعِ
بالكُلِّةِ، وهو الصُّرةُ الرَّابعةُ بقرينةِ قولِهِ: (تَبَعاً لترجيحِ "صدر الشَّريعة"))، فإنَّ الَّذِي رجَّحَهُ هو
هذهِ الصُّورةُ كما علمتَهُ آنفاً.
[٢١٥٢٨] (قولُهُ: فالمُنُولُّونَ إلخ) لا يخفى ما في هذهِ العبارةِ من الرَّكاكةِ، والظَّاهرُ: أَنَّها معرَّبةٌ
من عبارةٍ تركَّةٍ، وحاصلُها: أَنَّ وَرَدَ الأمرُ بعدمِ العملِ بهذا الشَّرطِ فإذا كانَ المتولّي من الأمراءِ
لا يَستَقِلُّ بنفسِهِ، بل يَعرِضُ أمرَ الوقفِ على الدَّولةِ العليَّةِ أي: على السُلطانِ؛ لقربِ الأميرِ منه،
(قولُهُ: لا يخفى ما في هذهِ العبارةِ من الرَّكاكةِ إلخ) في "السِّنديّ": ((فيرشدونَهم حكامُهم وقضاتُهم على
مُقْتَضَى الشَّرعِ، فدلالةُ الحكَّامِ وإرشادُ القضاةِ يُوجَبِ الشَّرعِ لا يكونُ من قبيلِ المُداخَلةِ المنهيِّ عنها من
الواقفِ؛ لأنَّ المُداخَلَةَ المنهيَّ عنها أنْ يأتيَهم القاضي أو يأمرَهم ابتداءً وهم كارهونَ، وهؤلاءٍ لَمَّا عرضوا ما
أشكلَ عليهم واسترشدوا وعملوا بما أُرشدوا كانوا معصومينَ من هجوم مَن سِواهم عليهم، وقولهُ: ((بآرائهم))
أي: بمقاصدِهم، وقولُهُ: ((معَ قضاةِ البلادِ)) أي: يذهبونَ إليهم حتّى تدلّهم على الأمرِ المشروعٍ)) اهـ.
(١) "شرح الوقاية": كتاب الوقف ٣٤٢/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٢) أي: في "معروضات" المفتي "أبي السعود".
(٣) في "د" و"و": ((هم يعرضون)).
(٤) ((مُقتضى)) ساقطة من "د" و"و".
الجزء الثالث عشر
٥٢٣
كتاب الوقف
فالواقفونَ لو أرادوا أيَّ فسادٍ صَدرَ يَصدُرُ وإذا داخَلَهم القُضاةُ والأُمراءُ فعليهم
اللَّعنةُ فهُم الملِعُونون؛ لِما تقرَّرَ: أنَّ الشَّرائطَ الْمُخالِفةَ للشَّرعِ جميعَها لغوٌ وباطلٌ)).
انتهى، فليُحفظ. (بَنى على أرضٍ (١) ثمَّ وَقَفَ البِناءَ) قَصْدًا (بِدُونِها؛ إن الأرضُ
مَملوكةً لا يَصِحُّ)
فيتصرَّفُ بالوقفِ برأي السُّلطانِ على مُقْتَضَى الشَّرعِ الشَّرِيفِ، وإنْ كانَ الُتولِّي ◌َّن دونَ الأمراءِ
في الرُّبَةِ، وهو مَن لا وصولَ له بنفسِه إلى السُّلطانِ يعرِضُ أمرَ الوقفِ برأي الأمراءِ على القضاةِ
ليتصرَّفَ معَهم على وَفَقِ المشروعِ من الموادِّ الحادثةِ، ولا يُخالِفُ المتولِّي القاضيَ إذا أمرَهُ
بالمشروعِ، ولا القاضي المتولِّيَ إذا كان تصرُّفُ المتولّي على وَفقِ المشروعِ.
/ ٢١٥٢٩) (قولُهُ: فالواقفونَ إلخ) حاصلُهُ: أنَّ الواقفينَ إذا شرطوا هذا الشَّرطَ وَلَعَنوا مَن
يُداخِلُ النَّاظرَ من الأمراءِ والقضاةِ كانوا همُ الملعونِينَ؛ لأَنَّهم أرادوا بهذا الشَّرطِ: أَنَّه مهما صَدَرَ
من النَّاظِرِ من الفسادِ لا يُعارِضُهُ أحدٌ، وهذا شَرْطٌ مُخالِفٌ للشَّرعِ، وفيه تفويتُ المصلحةِ
للموقوفِ عليهم وتعطيلُ الوقفِ، فلا يُقبَلُ كما قدَّمناهُ(٢) عن "أنفع الوسائل".
(٢١٥٣٠] (قولُهُ: بَنى على أرضٍ إلخ) كانَ المناسبُ لـ "المصنْفِ" ذكرَ هذهِ المسألةِ عندَ
قولِهِ(٣): ((ومنقولٌ فيه تعاملٌ)) لِما تقرَّرَ: أنَّ البناءَ والغِراسَ من قسمِ المنقولِ، ولذا لا تجري فيه
الشُّفْعَةُ كما سنحقّقُهُ(٤) في بابِها، ولَزِمَ من ذكرِها هنا الفصلُ بينَ مسائلِ الاستبدالِ والبيعِ.
مطلبٌ في وقفِ البناءِ بدونِ أرضٍ
(٢١٥٣١] (قولُهُ: ثُمَّ وَقَفَ البناءَ قَصْداً) احترزَ به عن وقفِهِ تَبَعاً للأرضِ فَإِنَّه جائزٌ بلا نزاعٍ،
ثُمَّ اعلمْ أنَّ العلَّمَةَ "قاسم" أفتى: بأنَّه لا يَصِحُّ وقفُ البناءِ بدونِ أرضٍ، وعزاهُ إلى "الأصلِ"(٥) للإمامِ
(١) في "و": ((الأرض)).
(٢) المقولة [٢١٥٢٣] قوله: ((وزاد ابن "المصنّف" في "زواهره")).
(٣) ص ٤٤٩ - "در".
(٤) المقولة [٢٩٣٣٣] قوله: ((وشرطها إلخ)) وما بعدها.
(٥) نسخة "الأصل" التي بين أيدينا ليس فيها كتاب الوقف.
حاشية ابن عابدين
٥٢٤
كتاب الوقف
"محمَّدٍ" وإلى "هلال بن يحيى البصريِّ" و"الخصَّافِ" (١) وإلى "الواقعاتِ" و"المضمراتِ"، وقالَ:
((ُيُحْتمَلُ هذا المنعُ أنْ يكونَ لا لعدمِ التّعارفِ، بل لأنَّ غيرَ المنقولاتِ تبقى بنفسِها مدَّةً طويلةً،
فتكونُ [٣/ ق١٢٥ /ب] مُتَأَبِّدةً، بخلافِ البناءِ، فإنَّه لا بقاءَ له بدونِ الأرضِ فلا يَتِمُّ التَّخريجُ، فَتَبَتَ أَنَّه
باطلٌ بالاتّفاقِ، والحكمُ به باطلٌ)). اهـ مُلخّصَاً.
قلتُ: لكنْ في "البحر"(٢) عن "الذّخيرة": ((وَقَفَ البناءَ من غيرِ وقفِ الأصلِ لم يَجُزْ، هو
الصَّحيحُ؛ لأَنَّه منقولٌ وقفُهُ غيرُ متعارفٍ، وإذا كانَ أصلُ الْبُقْعَةِ موقوفاً على جهةِ قُرْبٍ فَنَى عليها
بناءً ووَقَفَ بناءَها على جهةِ قُرْبةٍ أخرى اختلفوا فيه)) اهـ.
مطلبٌ: مُناظَرَةُ "ابنِ الشِّحْنة" معَ شيخِه العلاّمةِ "قاسم" في وقفِ البناء
فهذا صريحٌ بأنَّ عَلَّةَ عدمِ الجوازِ كونُهُ غيرَ متعارَفٍ، لا لِما ذكرَهُ العلاَّمةُ "قاسم"، فحيثُ
تُعُورِفَ وقَفُهُ جازَ، وعن هذا خالفَهُ تلميذُهُ العلاَّمةُ "عبدُ البرِّ بنُ الشِّحْنة" بعدَمَا جَرَى بينَهما كلامٌ
في مجلسِ السُّلطانِ الملكِ الظَّاهرِ(٣) (سنةَ ٨٧٢ هـ)، وقالَ(٤): ((إِنَّ النَّاسَ من زمنٍ قديمٍ نحوٍ مائني
سنةٍ وإلى الآنَ على جوازِهِ، والأحكامُ به من القضاةِ العلماءِ متواترةٌ، والعرفُ جارٍ به فلا ينبغي
أنْ يُتوقّفَ فِيه)) اهـ. وردّهُ العلامةُ " محمَّد بنُ ظَهِيْرَة القرشيُّ(٥) - كما في "فتاوى الكازرونيِّ" -
(قولُهُ: بل لأنَّ غيرَ المنقولاتِ تَبْقَى بنفسِها مدًَّ إلخ) لا يُنَاسِبُ ذكَرُهُ، وعبارةُ "السِّندِيِّ": ((لأَنَّ المنقولاتِ
إلخ)) بحذفِ لفظٍ: ((غيرَ)) والقصدُ: أَنَّه لا يجوزُ وقفُهُ وإنْ جرى به التّعاملُ لِما ذكرَهُ من العَلَّةِ.
(١) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يقفُ الأرضَ من أرض الخراج إلخ صـ٣٢ -.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٠/٥.
(٣) هو الملك الظاهر خُشْقَدَم، المتوفى سنة ٨٧٢ هـ ("تاريخ الخلفاء" للسيوطي صـ٦٠٨-، "الذيل التام" للسخاوي ٢٠٨/٢ -
٢٠٩)، وقد صرح العلامة "ابن الشحنة" باسمه عند ذكره هذه المسألة في "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الوقف ق ١٨١ /أ.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الوقف ق ١٨١ /أ.
(٥) تقدمت ترجمته ٩٩/٧.
الجزء الثالث عشر
٥٢٥
كتاب الوقف
بما حاصلُهُ: ((أَنَّه خالفَ نصوصَ المذهبِ على عدم جوازِه، وخالفَ شيخَهُ الَّذي أجمعَ علماءُ
عصرِهِ من المذاهبِ الأربعةِ على علمِه وقبولِ قولِهِ، وأَنَّه اعتمدَ على قولٍ مرجوحٍ، وأنّه احتجّ
بالعُرفِ وعملِ القضاةِ، والعرفُ لا يُصادِمُ المنقولَ، وحكمُ القضاةِ بالمرجوحِ لا يَنْفُذُ)) اهـ.
قلتُ: لا يخفى عليكَ أنَّ المُفْتَى به الَّذي عليه المتونُ جوازُ وقفِ المنقولِ الْمُتَعارَفِ، وحيثُ صارَ
وقفُ البناءِ مُتَعَارَفاً كانَ جوازُهُ مُوافِقاً للمنقولِ، ولم يُخالِفْ نصوصَ المذهبِ على عدمِ جوازِه؛
لأَنّها مبنيّةٌ على أَنَّه لم يَكُنْ مُتُعارَفاً كما دلَّ عليه كلامُ "الدَّخيرة" المارُّ(١)، ويأتي(٢) قريباً نصُرُّ
"الخصَّاف" على جوازِه إذا كانَ البناءُ في أرضٍ مُحَتَكَرةٍ، هذا واَّذي حرَّرَهُ في "البحر"(٣) - أخذاً من
قولِ "الظَّهيريَّةِ"(٤): وأمَّا إذا وقفَهُ على الجهةِ الَّتِي كَانَت البُقْعَةُ وَقْفاً عليها جازَ اتفاقاً تَبَعاً للبُقْعةِ - ((أَنَّ
قولَ "الذَّخيرة" : - لم يَجُزْ هو الصَّحيحُ - مقصورٌ على ما عدا صورةَ الاتفاقِ، وهو ما إذا كانَت الأرضُ
مِلْكاً أو وَقْفً على جهةٍ أخرى، قالَ: وقصرَهُ "الطَّرَسُوسِيُّ) (٥) على الِلْكِ، وهو غيرُ ظاهرٍ)) اهـ.
قلتُ: وهو كذلك فإنَّ شرْطَ الوقفِ التَّأبيدُ، والأرضُ إذا كانَت مِلْكاً لغيرِهِ فللمالكِ
استردادُها وأمرُهُ بَنَقْضِ البناءِ، وكذا لو كانَت مِلْكاً له فإنَّ لورثْتِهِ بعدَهُ ذلكَ، فلا يكونُ الوَقْفُ
مُؤبَّداً، وعلى هذا فينبغي أنْ يُسَنى من أرضِ الوقفِ ما إذا كانَت مُعدَّةً للاحتكارِ؛ لأنَّ البناءَ يبقى
فيها، كما إذا كانَ وقفُ البناءِ على جهةِ وقفِ الأرضِ، فإِنَّه لا مُطالِبَ لَقْضِهِ، والظَّاهرُ: أنَّ هذا
وجهُ جوازِ وقفِه إذا كانَ مُتُعارَفً، ولهذا أجازوا وقفَ بناءِ قنطرةٍ على النَّهرِ العامّ، وقالوا: إنَّ بناءَها
لا يكونُ ميراثً، وقالَ في "الخانَّة"(٦): ((إنَّه دليلٌ على جوازِ وقفِ البناءِ وحدَهُ))، يعني: فيما سبيلُهُ
البقاءُ كما قلنا، وبه يتّضِحُ الحالُ ويزولُ الإشكالُ، وَيَحصُلُ الْنّوفيقُ بينَ الأقوالِ.
(١) في هذه المقولة.
(٢) المقولة [٢١٥٣٨] قوله: ((أو إجارة)).
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٠/٥.
(٤) "الظهيرية": كتاب الوقف - الفصل الثالث في وقف المنقول وفي الولاية في الوقف ق ٢١٣/ب.
(٥) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة السادسة في وقف البناء والغراس بدون الأرض صـ٧٨ -.
(٦) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرَّجل يجعل داره مسجداً إلخ ٢٩٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٥٢٦
كتاب الوقف
وقيل: صَحَّ(١)، وعليه الفتوى.
سُئِلَ "قارئ الهدايةِ" عن وقفِ البناءِ والغِراسِ بلا أرضٍ، فأجابَ: الفتوى على
صحَّةِ ذلكَ، ورجَّحهُ شارحُ "الوهبانيةِ"، وأقرَّهُ "المصنّفُ" معلِّلاً بأنه منقولٌ فيه تعاملٌ
فيتعيّنُ به الإفتاءُ، (وإنْ موقوفةً على ما عيَّنَ البناءَ له جازَ) تَبَعاً (إجماعاً، وإن)
الأرضُ (لجهةٍ أخرى فمُختَلَفٌ فيه) والصَّحيحُ الصِّحَّةُ كما في "المنظومةِ المحِّيةِ"(٢).
وسُئِلَ "ابنُ نُحَيم"(٣) عن وقفِ الأشجارِ بلا أرضٍ، فأجابَ: ((يَصِحُّ.
(٢١٥٣٢] (قولُهُ: وقيلَ: صَحَّ، وعليه الفتوى) أَخَذَهُ من إطلاقِ ما نقلَهُ عن "قارئ الهداية"(٤)،
فقد قالَ في "البحر"(٥): ((إنَّ ظاهرَهُ: أَنَّه لا فرقَ بينَ أنْ تكونَ الأرضُ مِلْكاً أو وَقْقً))، لكنَّه مُخالِفٌ
لِما حرَّرَهُ كما علمتَهُ آنفاً، ولِما يأتي(٦) عن "فتاواهُ"، وقد علمتَ ما فيه من مُنافِتِهِ للتَّأْبِيدِ، وعن
هذا نصَّ في "الخانَة"(٧) وغيرِها: على أنَّه لا يجوزُ وقفُ البناءِ في أرضٍ هي عارِيَّةٌ أو إجارةٌ كما
يأتي (٨)، فيجبُ حَمْلُ كلامِ "قارئ الهداية" على غيرِ المِلكِ.
٣٩٠/٣
(٢١٥٣٣ ] (قولُهُ: وأقرَّهُ "المصنّفُ(٩)) ليسَ في عبارتِه التَّصريحُ بالِلْكِ، وأمَّا "شارحُ الوهبانَّة"
فليسَ في كلامِه تصريحٌ بترجيحِهِ، فإنَّه قالَ(١٠) نَظْماً:
وتجويزُ إيقاف البنا دونَ أرضهِ ولو تلك مِلْكَ الغيرِ بعضٌ يُقَرِّرُ
/ ٢١٥٣٤] (قولُهُ: والصَّحيحُ الصِّحَّةُ) أي: إذا كانَت الأرضُ مُحتَكَرَةً كما علمتَ، وعن هذا
(١) في "و": ((يصحُّ)).
(٢) "المنظومة المحبية": من كتاب القضاء صـ٣٦ -.
(٣) "فتاوى ابن نجيم": كتاب الوقف صـ ٩٢ - (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٤) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في وقف الغراس دون الأرض ص ١٠٤ -.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٠/٥.
(٦) صـ ٥٢٦-٥٢٧ - "در" ..
(٧) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ ٢٩٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) صـ ٥٢٧-٥٢٨ - "در".
(٩) "المنح": كتاب الوقف ١/ق ٢٧٠/ب.
(١٠) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الوقف ق ١٨١/أ.
الجزء الثالث عشر
٥٢٧
كتاب الوقف
لو الأرضُ وَقْفاً، ولو لغيرِ الواقِفِ)). وسُئِلَ(١) أيضاً: عن البناءِ والغراسِ(٢) في الأرضِ
الْمُحَتَكَرَةِ، هل يجوزُ بيعُهُ ووَقْفُهُ؟ وهل يجوزُ وَقْفُ العينِ المرهونةِ أو المستأجرةِ؟
فأجاب: ((نَعَمْ)). وفي "البزازيَّةِ"(٣): ((لا يجوزُ وقفُ البناءِ في أرضِ عاريَّةٍ.
قالَ في "أنفع الوسائل"(٤): ((إنُّ لو بَنَى في الأرضِ الموقوفةِ المستأجرةِ مسجدً إنَّه يجوزُ))، قالَ(٤):
((وإذا جازَ فعلى مَن يكونُ حَكَرُهُ؟ والظَّاهرُ: أَنَّه يكونُ على المستأجِرِ ما دامَتِ المدَّةُ باقيةً، فإذا
انقضَت ينبغي أنْ يكونَ [٣/ق ١٢٦/أ] من بيتِ مالِ الخَراجِ وأخواتِهِ ومصالحِ المسلمينَ)).
[٢١٥٣٥] (قولُهُ: لو الأرضُ وَقْفاً) مبنيٌّ على ما مَشَى عليه "المتنُّ".
[٢١٥٣٦) (قولُهُ: في الأرضِ المُحتكَرَةِ) أصلُ الحَكْرِ: المنعُ، "بحر "(٥) عن "الخطط " (٦)، وفي
"الخيريَّة"(٧): ((الاستحكارُ: عقدُ إجارةٍ يُقْصَدُ به استبقاءُ الأرضِ مُقرَّرَةً للبناءِ والغَرْسِ أو لأحدِهما)).
[٢١٥٣٧] (قولُهُ: فأجابَ: نَعَمْ) أي: يجوزُ بِيعُهُ ووقفُهُ: أمَّا البيعُ فقدَّمنا(٨) الكلامَ عليه مُحرَّراً في
أوَّلِ كتابِ الشّركةٍ، وأمَّا وقفُ المأجورِ ففي "البحر "(٩): ((يَصِحُّ ولا تَبطُلُ الإجارةُ، فإذا انقضَت
أو ماتَ أحدُهما صُرِفَ إلى جهاتِ الوقفِ)) اهـ. وأمَّا وقفُ المرهونِ فسيأتي(١٠) بيانُهُ قبيلَ الفصلِ،
(قولُهُ: قالَ في "أنفع الوسائل ": إنّه لو بَنَى في الأرضِ الموقوفةِ المستأجرةِ المسجدَ إنَّه يجوزُ إلخ) لكنْ لا يُعطَى
حكمَ المسجدِ من كلِّ وجهٍ، فلا يَحرُمُ على الجُنُبِ دخولُهُ؛ لعدمٍ خروجِ الأرضِ عن وَقِْها الأصليِّ كما هو ظاهرٌ.
(١) "فتاوى ابن نجيم": كتاب الوقف صـ ٨٨-٩١ - بتصرف (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٢) في "د": ((الغرس)).
(٣) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثالث - نوعٌ في ألفاظ جارية في الوقف ٢٦٦/٦ (هامش "الفتاوى الهندية")
وفيها: ((العلوية)) بدل ((عارية)) وهو تحريف.
(٤) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة السادسة في وقف البناء والغراس بدون الأرض صـ ٨٠ -.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٠/٥ باختصار.
(٦) "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" لأبي العباس أحمد بن علي بن عبد القادر، تقي الدين المقريزيّ
(ت ٨٤٥هـ). ("كشف الظنون" ١٨٨٩/٢، "التبر المسبوك" صـ ٢١ -، "هدية العارفين" ١٢٧/١).
(٧) "الفتاوى الخيرية": كتاب الإجارة ١٣٨/٢، وعبارتها: ((يقصد به استيفاء الأرض مقرّرة إلخ))، وهو تحريف.
(٨) ص ٥٢٧-٥٢٨ - "در".
(٩) "البحر": كتاب الوقف ٢٠٥/٥.
(١٠) المقولة [٢١٥٦٩] قوله: ((وبطلَ وقفُ راهِنٍ مُعْسٍ)).
حاشية ابن عابدين
٥٢٨
كتاب الوقف
أو إجارةٍ))،
وأمَّا وقفُ الشَّجَرِ فهو كوقفِ البناءِ، وفي "البزَّازيَّة"(١): ((غَرَسَ شجرةً وَوَقَفَها: إنْ غَرَسَها على
أرضٍ مملوكةٍ(٢) يجوزُ وقَفُها تَبَعاً للأرضِ، وإنْ بدونِ أصلِها لا يجوزُ، وإنْ كانَت في أرضٍ موقوفةٍ:
إنْ وقفَها على تلكَ الجهةِ جازَ كما في البناءِ، وإنْ وقفَها على جهةٍ أخرى فعلى الخلافِ المذكورِ
في وقفِ البناء)) اهـ.
٢١٥٣٨١] (قولُهُ: أو إجارةٍ) يُستَثَنَى منه ما ذكرَهُ "الخصَّاف"(٣): من أنّ الأرضَ(٤) إذا كانَت
متقرِّرةً للاحتكارِ فإنَّه يجوزُ، "بحر "(٥)، قالَ في "الإسعاف" (٦): ((وذَكَرَ في أوقافِ "الخصَّاف"(٧): أنَّ
وقفَ حوانيتِ الأسواقِ يجوزُ إنْ كانَت الأرضُ بإجارةٍ في أيدي الَّذِينَ بَنَوها لا يخرجُهم السُّلطانُ
عنها مِن قِبَلِ أَنَّا رأيناها في أيدي أصحابِ البناءِ توارثوها، وتُقْسَمُ بينَهم لا يتعرَّضُ لهم السُّلطانُ
فيها ولا يُعِجُهم، وإنّا له عَلَّةٌ يأخذُها منهم، وتداوَلَها خَلَفٌ عن سَلَفٍ، ومَضَى عليها الدُّهورُ
وهي في أيديهم يتبايعونَها وَيُؤَجِّرُونَها، وتجوزُ فيها وصاياهم ويَهدِمونَ بناءَها وَيُعِيدونَهُ، ويبنونَ.
(قولُهُ: غَرَسَ شجرةً ووقفَها: إنْ غَرَسَها على أرضٍ مملوكةٍ يجوزُ إلخ) أصلُ المسألةِ على ما ذكرَهُ
"السِّنديُّ" عن "أنفع الوسائل": ((وأمَّا إذا غَرَسَ شجرةً ووقفَها: إنْ غَرَسَها في أرضٍ غيرِ موقوفةٍ فلا
يخلو. إمَّا إنْ وقفَها بموضعِها من الأرضِ فَيَصِحُّ تَبَعاً للأرضِ بُحُكْمِ الاتّصالِ إلخ)).
(١) "البزازية": كتاب الوقف - نوع في ألفاظ جارية في الوقف ٢٦٥/٦- ٢٦٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في هامش "م": ((قوله: إنْ غَرسَها على أرضٍ مَملُوكةٍ إلخ)) في "البحر" عن "الظهيريَّة" ما نصُّه: ((وإذا غَرَسَ
شجرةٌ وَوَقَفَها: إن غَرَسَها في أرضٍ غير مَوْقُوفَةٍ لا يخلو: إنْ وَقْفَها فِي مَوضعها مِن الأرض صَحَّ تَبَعاً للأرض بحكم
الاتّصال ... )) إلى آخر العِبارة. وبهذا تَعلَمُ ما في عِبارة "المحشِّي" اهـ.
(٣) لم نعثر عليها في مظانّها من "أحكام الأوقاف".
(٤) عبارة "الأصل" و "ب" و"أ" و"ك": ((من الأرض)) وما أثبتناه من "م": هو الموافق لعبارة "البحر" المنقول عنه.
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢١٩/٥.
(٦) "الإسعاف": باب بيان ما يجوزُ وقفُهُ وما لا يجوز إلخ صـ٢٥-٢٦ -.
(٧) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يَقِفُ الأرضَ من أرض الخراج إلخ صـ ٣٤ - بتصرف.
الجزء الثالث عشر
٥٢٩
كتاب الوقف
وأمَّ الزِّيادُ(١) في الأرضِ الْمُحتكَرَةِ ففي "المنيةِ": ((حانوتٌ لرجلٍ في أرضٍ وَقْفٍ، فأبى
صاحبُهُ أنْ يستأجرَ الأرضَ بأجرِ المثلِ، إنِ العِمارةُ لو رُفِعَتْ تُستأجَرُ بأكثرَ مَّا استأجرَهُ(٢)
غيرَهُ، فكذلكَ الوقفُ فيها جائزٌ)) اهـ. وأقرَّهُ في "الفتح"(٣)، وذَكَرَ (٣) أيضاً: أنَّه مُخصِّصٌ لإطلاق
قوله: ((أو إجارةٍ))، وقد علمتَ وجهَهُ، وهو بقاءُ التَّأبيدِ، وهو مُؤْيِّدٌ لِما قلنا من تخصيصِ الوقفِ
بما إذا كانَت الأرضُ مُحَتَكَرَةً.
مطلبٌ في وقفِ الكِرْدارِ والكَدكِ
(تتمَّةٌ)
في "البَزَّازِيَّة"(٤): ((وقُفُ الكِرْدارِ بدونِ الأرضِ لا يجوزُ، كوقفِ البناءِ بلا أرضٍ)) اهـ. وفي
مزارعةِ "الخيريَّةِ "(٥): ((الكِرْدارُ: هو أنْ يُحدِثَ المزارعُ في الأرضِ بناءً أو غِراساً أو كِبْساً بالتّرابِ،
صرَّحَ به غالبُ أهلِ الفتاوى)) اهـ.
قلتُ: فعلى هذا ينبغي النَّفصيلُ في الكِرْدَارِ، فإنْ كانَ كِيْساً بالتّرابِ فلا يَصِحُّ وقِفُهُ، وإنْ
كانَ بناءً أو غيراساً ففيه ما مرَّ(٦) في وقفِ البناءِ والشَّحرِ، ومن الكِرْدارِ ما يُسمَّى الآنَ كَدَكاً في
حوانيتِ الوقفِ ونحوِها من رُقُوفٍ مركَّةٍ في الحانوتِ وأغلاقٍ على وجهِ القَرارِ، ومنه ما يُسمَّى
قيمة في البساتينِ وفي الحَمَّاماتِ، وقد أوضحناهُ في "تنقيح الحامديَّة(٧)، والظَّاهُ: أَنَّه لا يَصِحُّ وقفُهُ
لعدمِ العرفِ الشَّائعِ، بخلافٍ وقفِ البناءِ والشَّجرِ فإنَّه ◌َمّ شاعَ وذاعَ في عامَّةِ البقاعِ.
مطلبٌ في زيادةِ أجرةِ الأرضِ الْمُحتَكَرِ
[ ٢١٥٣٩] (قولُهُ: وأمَّ الزِّيادةُ في الأرضِ المحتكرةِ إلخ) مَحَلُّ ذكرِ هذهِ المسائلِ في أوَّلِ الفصلِ
(١) في "د" و"و": ((وأمَّا حكم الزِّيادة)).
(٢) في "د": ((يستأجره)).
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣١/٥.
(٤) "البزازية": كتاب الوقف - نوع في ألفاظ جارية في الوقف ٢٦٥/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الفتاوى الخيرية": ١٦٧/٢ بتصرف.
(٦) صـ ٥٢٦ - "در".
(٧) "العقود الدريَّة في تنقيح الفتاوى الحامديَّة": كتاب المساقاة - باب شدّ المسكة ١٩٩/٢.
حاشية ابن عابدين
٥٣٠
كتاب الوفف
أُمِرَ (١) برفع العِمارةِ وَتُؤْجَّرُ لغيرِهِ، وإلاَّ تُتْرَكْ في يدِهِ بذلكَ الأجرِ)). ومثلُهُ في "البحر"،
الآتي(٢)
(٢) عندَ ذكر إجارةِ الوقفِ.
والحاصلُ: أنَّ مُستأجرَ أرضِ الوقفِ إذا بَنَى فيها ثمَّ زادَت أجرةُ المثلِ زيادةً فاحشةً: فإِمَّا أنْ
تكونَ الرِّيادةُ بسببِ العِمارةِ والبناءِ، أو بسببِ زيادةٍ أجرةِ الأرضِ في نفسِها، ففي الأوَّلِ: لا تلزمُهُ
الزِّيادةُ؛ لأَنّها أجرةُ عِمارتِهِ وبنائِهِ، وهذا لو كانَتِ العِمارةُ مِلْكَهُ، أمَّ لو كانَت للوقفِ كما لو بَنَى
بأمرِ النَّظرِ لَيَرجِعَ على الوقفِ تلزمُهُ الزِّيادةُ، ولهذا فَّدَ بالمحتكرةِ، وفي الثَّاني: تلزمُهُ الزّيادةُ أيضاً
كما يأتي (٢) بيانُهُ في الفصلِ.
٢١٥٤٠٦) (قولُهُ: أُمِرَ برفعِ العِمارةِ) ينبغي تقييدُهُ بما إذا لم يَضُرَّ رفعُهُ بالأرضِ أخذاً ما بعدَهُ.
(٢١٥٤١] (قولُهُ: وَتُؤَخَّرُ لغيرِهِ) لأنَّ النَّقصادَ عن أجرِ المثلِ لا يجوزُ من غيرِ ضرورةٍ، "بحر "(٣).
مطلبٌ في استبقاءِ العِمَارةِ بعدَ فراغٍ مدَّةِ الإجارةِ بأجرِ المِثْلِ
(٢١٥٤٢] (قولُهُ: وإلاَّ تتركْ في يدِهِ بذلكَ الأجرِ) لأنَّ فيه ضرورةً، "بحر "(٣) عن "المحيط"،
وظاهرُ الَّعليلِ تَرِكُها بيدِهِ ولو بعدَ فراغٍ مدَّةِ الإجارةِ؛ لأَنَّه لو أُمِرَ بِرَفْعِها لُتُؤخَّرَ من غيرِهِ يلزمُ ضررُهُ،
وحيثُ كانَ يَدِفَعُ أجرةَ مِثْلِها لم يُوجَدْ ضَرَرٌ على الوقفِ فُتَرَكُ في يدِهِ لعدمِ الضَّررِ على الجانبينِ،
وحينئذٍ [٣/ق ١٢٦ /ب] فلو ماتَ المُستأجِرُ كانَ لورثتِهِ الاستبقاءُ أيضاً إلَّ إِذا كانَ فِيه ضَرَرٌ على الوقفِ
بوجهٍ ما؛ بأنْ كانَ هو أو وَارتُهُ مُفْلِساً، أو سِّئَ الْمُعامَلَةِ، أو مُتَغّباً يُخشَى على الوقفِ منه، أو غيرَ
ذلكَ من أنواعِ الضَّررِ كما في "حاشية الخير الرَّمليِّ" من الإِجاراتِ، وأفتى به في "فتاواه
الخيريَّةِ(٤)، لكنَّه مُخالِفٌ؛ لإطلاقِ المتونِ والشُّروحِ: من (٥) أنَّه بعدَ فراغِ المدَّةِ يُؤمَرُ بالرَّفْعِ والتّسليمِ،
(١) في "و": ((أمره)).
(٢) المقولة: [٢١٦١١] قوله: ((والمستأجر الأول أَوْلى إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٦/٥.
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الإجارة ١١٥/٢.
(٥) في "الأصل": ((مع))، وهو تحريف.
الجزء الثالث عشر
٥٣١
كتاب الوقف
وفيه: ((لو زِيدَ عليه؛ إنْ إجارتُهُ مُشاهَرَةً.
٣٩١/٣
وبه أفتى في "الخيريَّة"(١) أيضاً قبيلَ بابِ ضمانِ الأجيرِ في خصوصِ الأرضِ المُحتَكَرَةِ.
قلتُ: لكنْ ينبغي تخصيصُ إطلاقِ المتونِ والشُّروحِ، وإخراجُ الأرضِ الْمُعَدَّةِ للاحتكارِ
من هذا الإطلاقِ ليتوافقَ كلامُهم، ويُؤيِّدُ ذلكَ ما مرَّ(٢) عن "الخصَّاف": من صحَّةِ وقفِ
البناءِ في الأرضِ المُحتَكَرَةِ، وقدَّمنا(٢) وجهَهُ: وهو أنَّ البناءَ عليها يكونُ على وجهِ الدَّوامِ،
فيبقى الَّأبيدُ المشروطُ لصحَّةِ الوقفِ، ومثلُ ذلكَ غالبُ القُرَى الَّتِي هِي وَقْفٌ أو لبيتِ المالِ،
فإنَّ أهلَها إذا علموا أنَّ بناءَهم وغِراسَهم يُقْلَعُ كلَّ سنةٍ وَتُؤْخَذُ القريةُ من أيديهم وتُدفَعُ
الغيرِهِم لَزِمَ خرابُها وعدمُ مَن يقومُ بعِمارتِها، ومِثْلُ ذلكَ أصحابُ الكِرْدَارِ في البساتينِ
ونحوِها، وكذا أصحابُ الكَدَكِ في الحوانيتِ ونحوِها، فإنَّ إبقاءَها في أيديهم سببٌ لِعِمارتِها
ودوامٍ استغلالها، ففي ذلكَ نَفْعٌ للأوقافِ وبيتِ المالِ، ولكنْ كلُّ ذلكَ بعدَ كونِهِمْ يُؤْدُّونَ
أجرةَ مِثْلِها بلا نُقْصانِ فاحشٍ، وهذا خلافُ الواقعِ في زمانِنا، ولا حولَ ولا قوَّةً
إلاّ باللهِ العليِّ العظيمِ.
وهذا خلاصةُ ما حرَّرَتُه في رسالَتي المسمّاةِ "تحريرَ العبارةِ فيمَن هو أحقُّ بالإِجارةِ"(٣)، فعليكَ بها
فإنَّها بديعةٌ في بابِها، مُغْنَيَّةٌ لطلّبِها، وللهِ تعالى الحمدُ.
[٢١٥٤٣] (قولُهُ: وفيه) أي: في "البحر "(٤)، وعزاهُ إلى "المحيط" وِغيرِهِ.
٢١٥٤٤١ ] (قولُهُ: لو زِيدَ عليه) أي: من غيرِ أنْ يزيدَ أجرُ المِثْلِ في نفسِهِ، "فتاوى الخيريَّةِ" (٥)،
ويدلُّ له قولُهُ الآتي (٢): ((والظَّاهرُ: أَنَّه لا تُقبَلُ الزّيادةَ إلخ)) فَظَهَرَ أنَّ المرادَ زيادةُ مُتَعَنّتٍ، فافهم.
(١) "الفتاوى الخيرية": كتاب الإجارة ١٣٨/٢.
(٢) المقولة [٢١٥٣٨] قوله: ((أو إجارة)).
(٣) انظر الرسالة المذكورة ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين": ١٤٨/٢.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٦/٥ - ٢٥٧.
(٥) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ٢١٢/١-٢١٣ بتصرف.
(٦) ص ٥٣٤ - "در".
حاشية ابن عابدين
٥٣٢
كتاب الوقف
تُفْسَحُ عندَ رأسِ الشَّهرِ، ثم إنْ ضَرَّ رفعُ البناءِ لم يُرفَعْ، وإن لم يَضُرَّ رُفِعَ أو يتمَّكُهُ
القيِّمُ برضى المستأجرِ، فإنْ لم يَرْضَ تَبقى إلى أن يَخلُصَ مِلْكُهُ، "محيط". بَقِيَ لو
إجارتُهُ مُسانَهةً أو مدَّةً طويلةً،
[٢١٥٤٥) (قولُهُ: تُفسَخُ عندَ رأسِ الشَّهرِ) أي: قبلَ دخولِهِ؛ لأَنَّه إذا استأجرَ مُشاهَرَةً كلَّ
شهرِ بكذا تَصِحُّ في الشَّهرِ الأوَّلِ فقط، وكلمَّا دخلَ شهرٌ صحَّتْ فيه.
/ ٢١٥٤٦] (قولُهُ: أو يتملَّكُهُ القيِّمُ) هذا فيما إذا ضَرَّ رفعُ البناءِ، فكانَ عليه أنْ يقولَ: فإنْ لم
يَضُرَّ رُفِعَ، وإِنْ ضَرَّ لا، بل يتمَلَّكُهُ القَيِّمُ إلخ، وعبارةُ "البحر "(١): ((يُنظَرُّ إنْ كانَت أجرتُهُ مُشاهَرَةً
(قولُ "الشَّارِحِ": فإنْ لم يرضَ ببقى إلى أنْ يَخلُصَ مِلْكُهُ) ولا يكونُ بناؤُهُ مانعاً من صحَّةِ الإجارةِ لغيرِهِ؛
إذ لا يدَله حيثُ لا يَملِكُ رفعَهُ، والظَّاهرُ: أَنَّه إذا لم يرضَ القَيِّمُ لا يلزمُهُ أجرةٌ لبنائِهِ؛ لأَنَّه إنّا يبقى لمصلحةِ .
الوقفِ لا لمصلحتِهِ، ولو أُلزِمَ بالأجرةِ لَزِمَ عليه ضَرَرانِ، إجبارُهُ على النّرَبُّصِ إلى وقتِ النّخُلُّصِ، وإلزامُهُ بالأجرةِ
ولم يُعْهَدْ نظيرُهُ في الشَّرعِ، ولأَنّه إذا أُخِذَ بالأجرةِ أُخِذَ برفعٍ مِلْكِهِ وتخليصِهِ عن الوقفِ، كذا قالَ "الرَّملِيُّ". هذا
وقد صرَّحَ في "الخلاصة" وغيرِها: ((في حانوتٍ وُقِفَ وعِمارتُهُ لغيرِهِ أبى صاحبُ العِمارةِ أنْ يستأجرَ العرصةَ
بأجرِ مثلها: إنْ كانَت بحالٍ لو رُفِعَت العِمارةُ تُستأجَرُ بأكثرَ يُكلَّفُ برفعِ العِمارةِ، ولو أخَّرَها مِن غيرِهِ معَ
العِمارةِ لا يجوزُ، فينبغي أنْ لا تجوزَ الإجارةُ هنا أيضاً إلاَّ إذا أجَّرَ العَرْصةَ معَ العِمارةِ فأجازَ صاحبُ العِمارةِ
فتجوزُ وَيُقَسَمُ الأجرُ عليهما، قالَ في "البَزَّازِيَّةُ": ولو كانَ البناءُ مِلْكاً والعَرْصَةُ وَقْفً وأخَّرَ المُتولّي بإذنِ مالكِ البناءِ
فالأجرُ يُقْسَمُ على البناءِ والعَرْصةِ، وَيُنظَرُ بكم يُستأجَرُ كلٌّ، فما أصابَ البناءُ فهو لمالكِهِ)) اهـ. وقد ذكرَهُ
"الشَّارِحُ" في بابِ ما يجوزُ من الإجارةِ. اهـ "سنديّ".
(قولُهُ: أي: قبلَ دخولِهِ إلخ) فيه: أنَّ الفسخَ كما يَصِحُّ قبلَ دخولِ الشَّهرِ مضافً يَصِحُّ عندَ رأسٍ
الشَّهرِ، فلا داعيَ لهذا النَّفسيرِ، وحقُّهُ أنْ يقولَ: ((أو قبلَ دخولِهِ)).
(قولُهُ: هذا فيما إذا ضَرَّ رفعُ البناءِ إلخ) فيه: أنَّ تَمُلُّكَ النّاظرِ برضى المالكِ لا يختصُّ بمسألةِ الضَّرْرِ،
وثَما يدلُّ لذلكَ عبارةُ "البحر" المذكورةُ، نَعَمْ حقُّ التّعبيرِ أنْ يقولَ "الشَّارِحُ" عقبَ قولِهِ: ((لم يُرِفَعْ)):
((ثُمَّ اللَّاظِ أنْ يتملَّكَهُ برضى الْمُسْتأجِرِ إلخ)).
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٥٦/٥-٢٥٧ بتصرف معزيًّاً لـ"المحيط" وغيره.
الجزء الثالث عشر
٥٣٣
كتاب الوقف
إذا جاء رأسُ الشَّهرِ كانَ للقّيِّمِ فَسْخُ الإجارةِ، ثُمَّ يُنظَرُ إنْ كانَ رفعُ البناءِ لا يَضُرُّ بالوقفِ فله رفعُهُ؟
الأَّه مِلْكُهُ، وإنْ كانَ يَضُرُّ به فليسَ له رفعُهُ؛ لأَنَّه وإنْ كانَ مِلْكَهُ فليسَ له أنْ يَضُرَّ بالوقفِ، ثُمَّ إِنْ
رَضِيَ الْمُسْتأجِرُ أنْ يتملَّكَهُ القَيِّمُ للوقفِ بالقيمةِ مبنيًّ أو منزوعً أَيُّهما كانَ أخفَّ يتملَّكُهُ القَيِّمُ، وإِنْ
لم يَرْضَ لا يتملَّكُ؛ لأنَّ الَّمِلُّكَ بغيرِ رضاهُ لا يجوزُ، فيبقى إلى أنْ يَخُلُصَ(١) مِنْكُهُ)) اهـ.
قلتُ: سيأتي(٢) في كتابِ الإِجاراتِ: أَنَّه إنْ ضَرَّ يتمَّكُهُ القَّيِّمُ لجهةِ الوقفِ حَبْراً على
المستأجرِ كما في عامَّةِ الشُّروحِ فُعوَّلُ عليها؛ لأنَّها لنقلِ المذهبِ، بخلافِ نُقُولِ الفتاوى اهـ. وذَكَرَ
مثلَهُ في "المنح"(٣) هناكَ.
وحاصله: أَنَّهم في الفتاوى كـ: "المحيط "(٤) و"الخانَيَّة"(٥) و"العماديَّة" جعلوا الخيارَ
للمُستأجِرِ ولو كانَ القَلْعُ يَضُرُّ، وأصحابُ الشُّروحِ جعلوا الخيارَ للَّاظِرِ إنْ ضَرَّ، وإلاَّ فللمُستأجِرٍ،
ولا يخفى أنَّ كلَّ فَمَا في "الفتاوى" و"الشُّروحِ" مُخالِفٌ لِما مرَّ(٦) من قوله: ((وإلَّ تتركْ في يدِهِ))
كما نَّهنا عليه آنفاً، وعلمتَ التَّوفيقَ على الَّحقيقِ.
(قولُهُ: بالقيمةِ مبنيًّ أو منزوعاً إلخ) والّذي قالوهُ في الغصبِ والإِجارةِ: إذا مضَت مدَّتُها والرَّفعُ
يَضُرُّ أَنَّه يتملَّكُهُ بقيمتِهِ مُستحِقَّ القَلْعِ.
(١) في هامش "م": ((قوله: فيبقى إلى أنْ يَخُلصَ إلخ، أي: يبقى البناءُ في الأرضِ إلى أن يَخْلُصَ مِلْكُ الباني، ويُؤْجِّرها القيِّم
ببنائها لكنْ بإذنه؛ ثُمَّ يَقْسِمُ الأَجرَ على مثل قيمةِ أجر الأرض، ومثلٍ أجرِ البناء، وتَقَلَ شيخُنا عن "الرَّملي" أنَّ
الظَّاهرَ: أن القيِّمَ لا يُعطي البانيَ شيئاً، بل يكونُ كلُّ الأجرِ لِحَهِةِ الوقف)) اهـ.
(٢) انظر "الدر" عند المقولة [٢٩٥٣٢] قوله: ((أنه يتملِّكه)).
(٣) "المنح": كتاب الإجارة ٣/ق٢/ب.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الوقف - الفصل السادس في الولاية في الوقف ٣/ق ١٠/أ - ب.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في إجارة الأوقاف ومزارعتها ٣٣٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) صـ ٥٣٠ - "در".
حاشية ابن عابدين
٥٣٤
كتاب الوقف
والظَّاهرُ: أَنَّه لا تُقبَلُ الزِّيادةُ دَفْعاً للضَّرَرِ عليه، ولا ضرَرَ على الوقفِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ
إنّا كانت بسببِ البناءِ لا لزيادةٍ في نفسِ الأرضِ))، انتهى. وأمَّا وَقْفُ الإقطاعاتِ؛
ففي "الَّهِ"(١): ((لا يجوزُ إلاّ إذا كانتِ الأرضُ مَواتاً، أو مِلْكاً للإمامِ فَأقطَعَها
رجلاً))، قالَ(١): ((وأغلَبُ أوقافِ الأمراءِ بمصرَ إنَّا هو إقطاعاتٌ)).
[٢١٥٤٧ ) (قولُهُ: والظَّاهرُ: أَنَّه لا تُقبَلُ الرِّيادةُ إلخ) حاصلُهُ: أَنَّها مِثْلُ المُشاهَرَةِ؛ فإنَّه في
المُشاهَرَةِ لا تُقبَلُ الزِّيادةُ أيضاً، بل يَصِبِرُ إلى انتهاءِ الشَّهرِ.
والحاصلُ: أَنَّه لا تُقبَلُ الرِّيادةُ في كلِّ الصُّورِ حيثُ لم تَزِدْ أجرةُ مثِلِه في ذاتِها؛ للزومِ
العقدِ وعدمٍ مُؤْجِبِ الفسخِ(٢)، فلو قالَ: ((والظَّاهرُ: أَنَّها كذلكَ)) لكانَ أخصرَ وَأَولى، أفادَهُ
"الخير الرَّمليُّ" في "حاشية البحر".
مطلبٌ مهمٌّ في وقفِ الإِقطاعاتِ
/٢١٥٤٨] (قولُهُ: وأمَّا وَقْفُ الإِقطاعاتِ إلخ) هي ما يُقْطِعُهُ الإِمامُ أي: يُعطِيهِ مِنَ
الأراضي رَقَبَةً أو مَنْفعةً لِمَن له حقٌّ في بيتِ المالِ، وحاصلُ ما ذكرَهُ صاحبُ "البحر" في
رسالتِهِ: [٣/ق١/١٢٧] "النّحفة المرضيَّة في الأراضي المصريّة"(٣): ((أَنَّ الواقفَ لأرضٍ من
الأراضي لا يخلو: إمَّا أنْ يكون مالكاً لها من الأصلِ بأنْ كانَ من أهلِها حينَ يَمُنُّ الإمامُ على
أهلِها، أو تلقَّى الِلْكَ من مالكِها بوجهٍ من الوجوهِ، أو غيرَهما، فإنْ كانَ الأَوَّلَ فلا خفاءَ في
صحَّةٍ وقفِهِ لوجودٍ مِلْكِهِ، وإنْ كانَ الواقفُ غيرَهما: فلا يخلو إمَّا أنْ تكونَ(٤) وصَلَت إلى يدِهِ
بإقطاعِ السُّلطانِ إِيَّها له، أو بشراءٍ من بيتِ المالِ من غيرِ أنْ تكونَ مِلْكَهُ، فإنْ كانَ الأَوَّلَ:
فإنْ كانَت مَوَاتً أو مِلْكاً للسُّلطانِ صحَّ وقَفُها، وَإِنْ كانَت مِن حقِّ بيتِ المالِ لا يَصِحُّ، قَالَ
الشَّيخُ "قاسم": إنَّ مَن أقطعَهُ السُّلطانُ أرضاً من بيتِ المالِ مَلَكَ المنفعةَ بمقابلةِ مَا أُعِدَّ له، فله
إجارتُها وتَبطُلُ موتِه أو إخراجه من الإقطاع؛ لأنَّ للسُّلطانِ أنْ يُخرِجَها منه)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/ب.
(٢) في هامش "م": ((قوله: وعدم موجبِ الفَسْخِ إلخ))، أي: الآن، وإلا فهي تُفْسخُ في آخِرِ المدَّةِ اهـ.
(٣) انظر الرسالة المذكورة ضمن "مجموع رسائل ابن نجيم": صـ ٥٥ -٥٦ -.
(٤) ((تكون)) ساقطة من "الأصل" و"ك" و"م" و"ب".
الجزء الثالث عشر
٥٣٥
كتاب الوقف
مطلبٌ في أوقافِ الملوكِ والأمراءِ
وإنْ وصلَت الأرضُ إلى الواقفِ بالشّراءِ من بيتِ المالِ بوجهٍ مسوَّعٍ فإنَّ وقفَهُ صحيحٌ؛ لأَنَّه
مَلَكَها ويُراعَى فيها شروطُهُ سواءٌ كانَ سلطاناً أو أميراً أو غيرَهما، وما ذكرَهُ "السُّيُوطِيُّ" - مِن أَنّه
لا يُراعَى فيها الشَّرائطُ إنْ كانَ سلطاناً أو أميراً - فمحمولٌ على ما إذا وصلَت إلى الواقفِ بإقطاعٍ
السُّلطانِ من بيتِ المالِ، أو بناهُ على أصلٍ في مذهبِه، وإنْ كانَ الواقفُ لها السُّلطانَ من بيتِ المالِ
من غيرِ شراءٍ فأفتى العلاَّمةُ "قاسم" بأنَّ الوقفَ صحيحٌ، أجابَ به حينَ سُئِلَ عن وقفِ السُّلطانِ
"حَقْمَقِ"(١) فَإِنَّه أرصدَ أرضاً من بيتِ المالِ على مصالحِ مسجدٍ، وأفتى بأنَّ سلطانً آخرَ لا يَملِكُ
إبطالَهُ)). اهـ حاصلُ ما في الرِّسالةِ.
قلتُ: وما أفتى به العلاَّمةُ "قاسم" مُشكِلٌ؛ لِما تقدَّمَ(٢): من أنَّها إنْ كانَت من حقٍّ بيتِ
المال لا يَصِحُّ، وكذا ما سيذكرُهُ(٣) "الشَّارحُ" في فروعِ الفصلِ الآتي عن "المبسوط": من أنَّ
للسُّلطان مخالفةَ شرطِ الواقفِ إذا كانَ غالبُ جهاتِ الوقفِ قُرَّى ومزارع؛ لأنَّ أَصلَها لبيتِ المالِ
أي: فلم تكنْ وقفاً حقيقةً بل هي إرصادٌ أخرجَها الإِمامُ من بيتِ المالِ وعَنَها لَمن يستحقُّ منه من
العلماءِ ونحوِهم كما أوضحناهُ(٤) في بابِ العُشْرِ والخَراجِ والجِزْيةِ، وقدَّمنا(٤) هناكَ: أَنَّه إذا لم يُعَلَمْ
شراؤُهُ لها ولا عدمُهُ فالظَّاهرُ: أَنَّه لا يُحكَمُ بصحَّةٍ وقفِها؛ لأنَّ شَرْطَهُ المِلْكُ ولم يُعلَمْ، ولا يلزمُ علمُهُ
مَن وقفَهُ لها؛ لأنَّ الأَصلَ بقاؤُها لبيتِ المالِ كما يُفيدُهُ المذكورُ عن "المبسوط"، ولهذا أفتى المولى "أبو
السُّعود": ((بأنَّ أوقافَ الملوكِ والأمراءِ لا يُراعَى شرطُها؛ لأَنَّها من بيتِ المالِ أو تَؤُولُ إليه)) اهـ.
٣٩٢/٣
(١) الملك الظَّاهر أبو سعيد حَقْمَق بن عبد الله العلائي الظَّاهريّ، سلطان الدِّيار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية
(ت ٨٥٧هـ). ("الضوء اللامع" ٧١/٣، "النجوم الزاهرة" ٢٥٦/١٥و ٤٤٩، "شذرات الذهب" ٤٢٥/٩).
(٢) في هذه المقولة.
(٣) ص ٦٥٩ - "در".
(٤) المقولة [١٩٩٩٢] قوله: ((وبه عُرِفَ إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٥٣٦
كتاب الوقف
يجعلونَها مُشتَراةً صُوْرةً مِن وكيلٍ بيتِ المالِ)). وفي "الوهبانية"(١): [الطويل]
ولو وَقَفَ السُّلطانُ مِن بيتِ مالِنا لمصلحةِ عمَّتْ يجوزُ
وأمَّا ما ذكرَهُ في "النَّهر" هناكَ(٢) - من قولِهِ: ((وإذا لم يُعرَفِ الحالُ في الشِّراءِ من بيتِ المالِ
فالأصلُ هو الصِّحَّةُ)) - فالظَّاهرُ: أنَّ معناهُ إذا عُلِمَ الشّراءُ ولكنْ لم يُعَلَمْ حالُهُ هل هو صحيحٌ أم
لا؟ لعدم وجودِ شرطِه؛ لأَنَّه لا يَصِحُّ الشّراءُ من بيتِ المالِ إلَّ إذا كانَ بالمسلمينَ حاجةٌ كما مرَّ( ٣)
هناكَ، فُيُحمَلُ على الأصلِ وهو الصِّحَّةُ، فافهم. ولعلَّ مرادَ العلاَّمةِ "قاسم" بقولِه: ((إِنَّ الوقفَ
صحيحٌ)) أي: لازمٌ لا يُنقَضُ على وجهِ الإرصادِ المقصودِ منه وصولُ المستحقّيْنَ إلى حقوقِهم، ولم
يُرِدْ حقيقةَ الوقفِ، وقدَّمنا(٤) تمامَ ذلكَ هناكَ فراجعْهُ.
[ ٢١٥٤٩] (قولُهُ: يجعلونَها مُشْتَرَاةً صُوْرةً) أي: بدون شرائطِهِ المُسوِّغةِ؛ لعدمِ احتياجٍ بيتِ
المالِ إلى بيعِها في هذهِ الدَّولةِ العثمانيةِ أعزَّ اللهُ بها الإسلامَ والمسلمينَ، ومقتضاهُ: أَنَّه لا يكونُ وَقْفاً.
حقيقةً بل هو إرصادٌ كما علمتَهُ مَّا حرَّرناهُ آنفاً، فلم يَكُنْ مَّا جُهِلَ حالُ شرائِهِ حتّى يُحمَلَ على
الصِّحَّةِ، فافهم.
[٢١٥٥٠] (قولُهُ: لمصلحةٍ عَمَّتْ) كالوقفِ على المسجدِ، بخلافِه على مُعيّنٍ وأولادِهِ فإنَّه
لا يَصِحُّ وإِنْ جَعَلَ آخرَهُ للفقراءِ كما أوضحَهُ العلاَّمةُ "عبدُ البَرِّ بنُ الشِّحْنة"(*)، "ط"(٦).
(قولُهُ: كما أوضحَهُ العلاَّمةُ "عبدُ البرِّ بنُ الشِّحْنة") لكنْ نازعَهُ في ذلكَ بعضُ معاصريهِ، وجعلُ
المصلحةِ العامَّةِ مالاً كافيةٌ لصحَّةِ الوقفِ كما أوضحَ ذلكَ في "شرحِهِ"، وعملُ مصرَ في الإرصاداتِ على
ما قالَهُ الْمُعارِضُ خلافَ مَا جَرَى عليه "ابنُ الشِّحْنة".
(١) "المنظومة الوهبانية": كتاب الوقف صـ ٥٠- (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) "النهر": باب العشر والخراج ق ٣٣٠/ب.
(٣) ١٢/ ٦٨٠ - ٦٨١ "در".
(٤) المقولة [١٩٩٩٢] قوله: ((وبه عُرِفَ إلخ)).
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الوقف ق ١٩٠/أ.
(٦) "ط": كتاب الوقف ٥٤٨/٢.
الجزء الثالث عشر
٥٣٧
كتاب الوقف
،ويُؤْحَرُ
.. .
قلتُ: وفي "شرحها" لـ "الشُّرنبلاليِّ": ((وكذا يَصِحُّ إذنُهُ بذلكَ إنْ فُتِحَتْ
عَنْوَةً لا صُلْحاً؛ لبقاءٍ مِلْكِ مالِكِها قبلَ الفتحِ)). (أطلقَ) القاضي (بيعَ الوقفِ ......
٢١٥٥١١) (قولُهُ: وَيُؤْجَرُ) لأنَّ بيتَ المالِ مُعَدٌّ لمصالحِ المسلمينَ، فإذا أَبَّدَهُ على مصرفِهِ الشَّرعيِّ
يُثابُ لا سيَّما إذا كانَ يَخافُ عليه أمراءَ الجَوْرِ الَّذينَ يصرفونَهُ في غيرِ مَصْرِفِهِ الشَّرعيِّ، فيكونُ قد
مَنَعَ مَن يَجِيءُ منهم ويتصرَّفُ ذلكَ النَّصرُّفَ، ذكرَهُ العِلَّمَةُ "عبدُ البَرِّ) (١)، "ط)" (٢)، ومُفادُهُ: أَنَّه
إرصادٌ لا وَقْفٌ حقيقةً كما قدَّمناهُ(٣).
(٢١٥٥٢) (قولُهُ: قلتُ: إلخ) أصلُهُ ما في "الخانَّةِ"(٤): ((لو أنَّ سلطاناً أَذِنَ لقومٍ أنْ يجعلوا
أرضاً من أراضي بلدةٍ حوانيتَ موقوفةً [٣/ق١٢٧/ب] على المسجدِ، أو أمرَهم أنْ يزيدوا في
مسجدِهم، قالوا: إنْ كانَت البلدةُ فُنِحَت عَنْوَةً يَنفُذُ؛ لأَنّها تصيرُ مِلْكاً للغانمينَ فيجوزُ أمرُ السُّلطانِ
فيها، وإذا فُتِحَت صُلْحاً تبقى على مِلْكِ مُلاَّكِها فلا يَنفُذُ أمرُهُ فيها)) اهـ.
قلتُ: ومُفادُ الَّعليلِ: أنَّ المرادَ بالمفتوحةِ عَنْوَةً الَّتي لم تُقْسَمُ بِينَ العَائِينَ؛ إذ لو قُسِمَت
صارَت مِلْكاً لهم حقيقةً، فتأمَّل.
مطلبٌ في إطلاقِ القاضي بيعَ الوقفِ للواقفِ أو لوارثِهِ
(٢١٥٥٣] (قولُهُ: أطلقَ القاضي) أي: أجازَ، "ط)"(٥) عن "الواني" (٦).
[٢١٥٥٤] (قولُهُ: بيعَ الوقفِ) أي: كلِّهِ أو بعضِهِ كما أفتى به المولى "أبو السُّعود" فقالَ:
((إنْ لم يكنْ مُسجَّلاً وباعَهُ برأي الحاكمٍ يَبطُلُ وقفيَّةُ ما باعَهُ، والباقي على ما كانَ))، كما نقلَهُ
(١) أي: "ابن الشِّحنة" في "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الوقف ق ١٩٠/أ ومن ((يثاب لا سيَّما)) إلى
((فيكون)) ساقط من نسختنا.
(٢) "ط": كتاب الوقف ٥٤٨/٢.
(٣) المقولة [٢١٥٤٨] قوله: ((وأما وقف الإقطاعات إلخ)) وما بعدها.
(٤) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسحداً أو خاناً أو سقاية أو مقبرة ٢٩٣/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "ط": كتاب الوقف ٥٤٩/٢.
(٦) تقدمت ترجمته ٦٥٥/١.
حاشية ابن عابدین
٥٣٨
كتاب الوقف
غيرِ المُسجَّلِ لوارثِ الواقفِ فباعَ صَحَّ) وكانَ حُكْماً يُطْلانِ الوقفِ؛ لعدمِ
تسجيلِهِ، حتى لو باعَهُ الواقفُ، أو بعضَهُ، أو رجعَ عنه ووقَفَه لجهةٍ أُخرى وحُكِمَ
بالثَّاني قبلَ الْحُكْمِ بلزومِ الأوَّلِ صحَّ الثّاني؛ لوقوعِهِ في مَحَلِّ الاجتهادِ ..
عنه المصنّفُ في "المنح"(١).
[٢١٥٥٥ : (قولُهُ: غيرِ الْمُسجَّلِ) معنى قولِهِم: ((مُسجَّلاً)) أي: محكوماً بلزومِهِ بأنْ صارَ الُّومُ
حادثةً وَقَعَ الََّازِعُ فِيها فحَكَمَ القاضي باللُّزومِ بوجهِه الشَّرعيِّ، "رمليّ"، وسُمِّيَ مُسجَّلاً؛
لأنَّ المحكومَ به يُكتَبُ في سجلِّ القاضي.
[٢١٥٥٦ ] (قولُهُ: وكانَ حُكْمً ببطلانِ الوَقْفِ) الضَّمِيرُ في ((كانَ)) عائدٌ إلى إطلاقِ القاضي،
وعبارةُ "البزَّازِيَّةِ"(٢): ((كانَ حُكْماً بصحَّةٍ بيعِ الوقفِ)) اهـ. والظَّاهرُ: أنَّ الحكمَ(٢) ببطلانِ الوقفِ
يكونُ بعدَ بيعِهِ، تأمَّل.
(قولُهُ: والظَّاهرُ: أنَّ الحكمَ بُطْلانِ الوقفِ يكونُ بعدَ بيعِهِ) كأَنَّه فَهِمَ أنَّ الحكمَ بِالْبُطْلانِ إلَّا
يكونُ بعدَ النَّنازعِ في صحَّةِ البيعِ ليكونَ في ضمنِ حادثّةٍ، وقد علمتَ أنَّ الظّاهرَ من كلامِهم هنا: أنَّه
حُكْمٌ ضِمْنِيٌّ لا يتوقَّفُ على كونِهِ في ضمنٍ حادثةٍ، وَيَدُلُّ لذلكَ ما قالوهُ هنا: إنّه لو كَتَبَ القاضي
شهادتَهُ على صَكِّ البيعِ، وقد كتبَ فيه: باعَ بيعاً جائزاً صحيحاً كانَ حُكْمًاً بصحَّةِ البيعِ وبُطْلانِ الوقفِ
اهـ. نَعَمْ فِي الصُّورةِ المذكورةِ في "الشَّارحِ" ثانياً لا بدَّ من المرافَعةِ واستيفاءِ شرائطِ الحكمِ كما في
"السِّنديّ"، ففي "المنح" عن "الخلاصة": ((رجلٌ وَقَفَ محدوداً ثُمَّ باعَهُ، وكَبَ القاضي شهادتَهُ على
صكِّ البيعِ يكونُ قضاءً بصحَّةٍ البيعِ ونَقْضِ الوقفِ، هكذا أفتى "الأُوْزْ حَنْدِيُّ"، وهذا إذا كَتَبَ الشَّهادةَ
على وجهٍ لا يَدُلُّ على صحَّةِ البيعِ بأنْ كَنَبَ: أقرَّ البائعُ بالبيعِ، أَمَّا إذا كَبَ: شَهِدَ بذلكَ وفي الصَّكِّ
باعَ بيعاً جائزاً صحيحاً كانَ حُكْمً بصحَّةِ البيعِ وبُطْلانِ الوقفِ، وأصلُ هذا في بيوعِ "الجامع الصَّغِير")) اهـ.
(١) "المنح": كتاب الوقف ١/ق ٢٧٠/ب.
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المقدمة ٢٤٧/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في هامش "م": ((قوله: والظّاهر: أنَّ الحكم إلخ))، فيه: أنَّه يقتضي اشتراطَ تقدُّم الدَّعوى والمنازَعة، والأمرُ ليس
كذلك، بل مجرَّدُ الإذنِ كافٍ في صحَّة البيع وإبطال الوقف اهـ.
الجزء الثالث عشر
٥٣٩
كتاب الوقف
كما حقَّقَه "المصنّفُ".
[٢١٥٥٧] (قولُهُ: كما حقَّقَهُ "المصنّفُ) (١)) حيثُ ذكرَ: ((أَنَّ هذا ليسَ مبنيًّاً على قولِ الإِمامِ
فقط بعدمٍ لزومِ الوقفِ قبلَ التَّسجيلِ، بل هو صحيحٌ على قولِهما أيضاً؛ لوقوعِهِ في فصلٍ مُحتَهَدٍ فيه
كما صرَّحَ به في "البزَّازيَّة(٢)، ويؤيِّدُه قولُ "قارئ الهداية(٣): إذا رجعَ الواقفُ عمَّا وقفَهُ قبلَ
الحكمِ بلزومِهِ صَحَّ عندَهُ، لكنَّ الفتوى على خلافِهِ وأَنَّه يلزمُ بلا حكمٍ، ومعَ ذلكَ إذا قَضَى بصحَّةِ
الرُّجوعِ قاضٍ حنفيٌّ صحَّ ونفذَ، فإذا وقفَهُ ثانياً على جهةٍ أخرى وحكمَ به حاكمٌ صحَّ ولزمَ،
وصارَ المعتبرُ الَّانِيَ لِأَيُِّهِ بالحكمِ اهـ. وبه يندفعُ ما ذكرَهُ العلاّمةُ "قاسمٌ" وَمَن تَبعَهُ من عدمِ النَّفَاذِ
معلِّلاً: بأنّه قضاءٌ بالمرجوحِ اهـ. وليسَ كذلكَ لِما في "السِّراحَيَّة "(٤): من تصحيحِ أنَّ المفتيَ يُفتي
بقولِ "الإمامِ" على الإطلاقِ، ثُمَّ بقولِ "أبي يوسفَ"، ثمَّ بقولِ "محمَّدٍ"، ثمَّ بقولِ "زفر" و"الحسن
ابنِ زياد"، ولا يتخيّرُ إذا لم يكنْ مجتهِداً، وقولُ "الإِمامِ" مصحَّحْ أيضاً، فقد جزمَ به بعضُ أصحابِ
المتونِ ولم يعوِّلوا على غيرِهٍ، ورجَّحَهُ "ابنُ كمالٍ" في بعضِ مؤلّفاتِهِ، وإذا كانَ في المسألةِ قولان
مصحَّحان يجوزُ القضاءُ والإفتاءُ بأحدِهما)). هذا حاصلُ ما ذكرَهُ "المصنّفُ"، وفيه نظرّ؛ فإنَّ
كتبَ المذهبِ مُطبِقَةٌ على ترجيحِ قولِهما بلزومِهِ بلا حكمٍ، وبأنّه المفتى به، وفي "الفتح"(٥):
((أَنّه الحقُّ)) كما مرَّ(٦)، فعلى المفتي والقاضي العملُ به. وأمَّا قولُهُ: ((جزمَ به بعضُ أصحابِ
المتونِ إلخ)) فيه أنَّهم ذكروا أوَّلاً قولَ "الإمامِ"؛ لكونِ المتونِ موضوعةً لنقلِ مذهبِهِ، ثُمَّ ذكروا قولَهما
وفرَّعوا عليه، وأمَّا قولُ "السِّراحَيَّة": ((إنَّ المفتيَ يُفتي بقولِ "الإِمامِ" على الإطلاقِ ولا يتخيّرُ))
(١) "المنح": كتاب الوقف ١/ ق ٢٧٠ /ب.
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المقدمة ٦ / ٢٤٨ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة الرُّجوع عن الوقف صـ٢٦-٢٧ - بتصرف.
(٤) "السراجية": كتاب أدب المفتي والتنبيه على الجواب ٤٨١/٢ بتصرف (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٥) لم نعثر عليها في مظانّها من "الفتح".
(٦) في هذه المقولة.
حاشية ابن عابدين
٥٤٠
كتاب الوقف
٣٩٣/٣
فذاكَ في غيرِ ما صرَّحَ أهلُ المذهبِ بترجيحِ خلافِهِ، ولذا قالَ: ((إذا لم يكنْ مجتهداً)) ولا شكَّ أنَّ
أهلَ الاجتهادِ في المذهبِ رجَّحوا قولَهما، فعلينا اتّباعُ ترجيحِهم، وإلاَّ كانَ عبثاً، كما رجَّحوا
قولَهما في المزارعةِ والحَجْرِ، فثبتَ أنَّ قولَهُ مرجوحٌ، والقضاءُ بالمرجوحِ غيرُ صحيحٍ، وأمَّا ما
أفتى به "قارئ الهداية"(١) فقد أفتى نفسُهُ بخلافِه، وقال(١): ((لكنَّ الفتوى على قولِهما: أنَّه
لا يُشتَرطُ للزومِه شيءٌ ثَمَا شرطَهُ "أبو حنيفةً". فعلى هذا الوقفُ هو الأوَّلُ، وما فعلَهُ ثانياً
لا اعتبارَ به إلاَّ إنْ شرطَهُ في وقِفِهِ)) اهـ. وعن هذا قالَ في "البحر "(٢): ((ولو قضى الحنفيُّ بصحَّةٍ بيعِهِ
فحكمُهُ باطلٌ؛ لأَنَّه لا يصحُّ إلاَّ بالصَّحيحِ المفتى به، فهو معزولٌ بالنّسبةِ إلى القَولِ الضَّعِيفِ، ولذا
قالَ في "القنية"(٣): فالبيعُ باطلٌ ولو قضى القاضي بصحَّتِهِ، وقد أفتى به العلاَّمةُ "قاسمٌ"، وأمَّا ما
أفتى به "قارئ الهداية"(٤) من صحَّةِ الحكمِ ببيعِهِ قبلَ الحكمِ بوقفِهِ فمحمولٌ على أنَّ القاضيَ
مجتهدٌ، أو سهوٌ منه)) اهـ، فافهم.
(قولُهُ: فذاكَ في غيرِ ما صرَّحَ أهلُ المذهبِ بترجيحِ خلافِهِ إلخ) تقدَّمَ ما في هذا في "رسم المفتي".
(قولُهُ: وأمَّا ما أفتى به "قارئ الهداية" من صحَّةِ الحكمِ بسبعِهِ قبلَ الحكمِ بوقفِهِ فمحمولٌ على أنَّ القاضي
مجتهدٌ، أو سهرٌ منه) في كلامٍ "البحر" ومَن تبعَهُ مناقشاتٌ، منها: أنّه حملَ فتوى "قارئ الهداية" على القاضي
المجتهدِ، وذلكَ ينافيهِ قولُهُ: ((قاضٍ حنفيٌّ)). ومنها: أنَّ قَولَهَ: ((أنَّ قولَ "الإِمامِ" مرجوحٌ منوعٌ))، فإِنَّه مصخَّحٌ
أيضاً، ولا يقالُ: إنّه وإنْ صُحِّحَ لم يُفْتِ به أحدٌ، كما ذكرَهُ صاحبُ "البحر" في أوَّلِ كتابِ الوقفِ، والقضاةُ
منوعونَ عن القضاءِ بغيرِ المُغْتَى به في المذهبِ؛ لأَنّ تقولُ: إنْ أرادَ أنَّه لم يُفْتِ أحدٌ من الحنفيَّةِ بقولِ "الإمامِ" من عدمٍ
لزومِهِ إلَّ بحكمِ الحاكمِ فقد يُسلَّمُ ذلكَ، وإنْ أرادَ أنّه لم يُفْتِ أحدٌ منهم فيما إذا أطلقَ القاضي بيعَ الوقفِ غيرِ
المسحَّلِ للوارثِ بجوازٍ البيعِ فغيرُ مسلَّمٍ لِما مرَّ من إفتاءِ "قارئ الهداية" و"أبي السُّعود"، وهو الّذي تقدَّمَ
عن "الخلاصة" و"البزَّزيَّة"، و"طهير الدِّين"، و"شمس الأئمّة الأُوْزْجَنْديّ"، و"خير الدِّين الرَّمليِّ"، وصاحبِ "البحر"
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في الرُّجوع عن الوقف صـ ١٠٧ -.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٢/٥ بتصرف.
(٣) "القنية": كتاب الوقف - باب في بيع الموقوف ونقضِ الموقوف ق٩٣/أ.
(٤) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في بيع الدَّار الموقوفة صـ٥ ١٠ -.