النص المفهرس
صفحات 461-480
الجزء الثالث عشر
--
٤٦١
كتاب الوقف
ثُمَّ ما هو أقربُ لعِمارَتِه، كـ: إمامٍ مسجدٍ، ومُدرِّسٍ مدرسةٍ، يُعطَون بِقَدْرِ
كِفَايَتِهم، ثمَّ السِّراجُ والبِساطُ.
مطلبٌ: يُبدَّأُ بعدَ العِمارةِ بما هو أقربُ إليها
[٢١٤٢٢] (قولُهُ: ثمَّ ما هو أقربُ لِعِمارتِهِ إلخ) أي: فإنِ انتهتْ عِمارتُهُ وفَضَلَ من الغَّةِ شيءٌ
يُبدَأُ بما هو أقربُ للعمارةِ، وهو عِمارتُهُ المعنويَّةُ الَّتي هي قيامُ شعائرِهِ، قالَ في "الحاوي القدسيِّ)"(١):
((والّذي يُبدَأُ به من ارتفاعٍ الوقفِ - أي: من غلَّتِهِ - عِمارتُهُ، شَرَطَ الواقفُ أَوْ لا، ثُمَّ ما هو أقربُ
إلى العِمارةِ وأعمُّ للمصلحةِ، كالإِمامِ للمسجدِ والمدرِّسِ للمدرسةِ، يُصرَفُ إليهم إلى قَدْرِ كفايتهم،
ثُمَّ السِّرَاجُ والبساطُ كذلكَ إلى آخرِ المصالحِ، هذا إذا لم يكنْ مُعيَّناً فإنْ كانَ الوقفُ مُعيَّناً على
شيءٍ يُصرَفُ إليه بعدَ عِمارةِ البناءِ)) اهـ. قالَ في "البحر"(٢): ((والسِّرَاجُ بالكسرِ: الْقَنَادِيلُ، ومرادُهُ
معَ زَيْتِها، والبِساطُ بالكسرِ أيضاً: الحَصِيرُ، ويُلحَقُ بهما معلومُ خادمِهما، وهو الوَقَّادُ والفرَّاشُ
فَيُقَدَّمانِ، وقولُهُ: ((إلى آخرِ المصالحِ)) - أي: مصالحِ المسحدِ - يَدخُلُ فيه المؤذِّثُ والَنَّاظِرُ، وَيَدخُلُ
تحتَ الإمامِ الخطيبُ؛ لأنَّه إمامُ الجامعِ)) اهـ ملخَّصاً. ثُمَّ لا يَخْفَى أنَّ تعبيرٌ "الحاوي" بـ: (ثُمَّ))
يُفيدُ تقديمَ العِمارةِ على الجميعِ كما هو إطلاقُ المتونِ، فُيُصرَفُ إليهم الفاضلُ عنها، خلافاً لِما
يُوهِمُهُ كلامُ "البحر"، نعم كلامُ "الفتح" الآتي يُفيدُ المشاركةَ، ويأتي(٣) بيانُهُ، فافهم.
٣٧٦/٣
(٢١٤٢٣) (قولُهُ: بَقَدْرِ كِفايِهم) أي: لا بقَدْرِ استحقاقِهم المشروطَ لهم، والظَّاهرُ: أنَّ قولَ
(قولُ "الشَّارِحِ": بِقَدْرِ كِفايتِهِم إلخ) قالَ "السِّنديُّ": ((فيه نظرٌّ؛ فإنَّ كفايتهم قد تزيدُ على المشروطِ
لهم وقد تَنقُصُ عن أجرٍ عملِهم، والمقصودُ أَنَّه يُعطَى لهم أقلُّ من معلومِهم توفيراً لحقِّ العِمارةِ)).
(قولُهُ: والّذي يُبدَّأُ به من ارتفاعِ الوقفِ - أي من علَّتِهِ - عِمارَتُهُ إلخ) قَالَ "البرجنديُّ": ((المرادُ
بارتفاعِ الوقفِ: المنافعُ الَّتِي تَحصُلُ منه، وهو من إطلاقِ العوامِّ حيثُ يُسمُّونَ ما يَحصُلُ من الزَّرْعِ
ارتفاعاً، يُريدونَ بذلكَ الحاصلَ بالرِّفاعِ، وهو رَفْعُ الزَّرعِ إلى البَيْدَرِ بعدَ الحصادِ)). انتهى.
وأقولُ: غايةُ الأمرِ: أنّه استعمالٌ مجازيٌّ وليسَ بخطأٍ، فتأمَّل اهـ. "حَمَويّ" على "الكنز".
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الوقف - فصلٌ: لايباع الوقفُ ولا يوهبُ إلخ ق ١٠٠ !!.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٢/٥.
(٣) المقولة [٢١٤٢٦] قوله: ((وتُقطَعُ الجهاتُ)).
حاشية ابن عابدين
٤٦٢
كتاب الوقف
"الحاوي": ((هذا إذا لم يكنْ مُعَّناً إلخ)) راجعٌ إليهِ كما فَهِمَهُ في "شرح الملتقى"(١)، وقالَ: ((إِنَّ
فَرْضَ المسألةِ فيما إذا كانَ الوقفُ على جملةِ المستحقِّينَ بلا تعيينٍ قَدْرِ لكلِّ، فلو به فلا يَنْبَغِي جَعْلُ
الحُكْمِ كذلكَ)) اهـ. أي: بل يُصرَفُ إلى كلِّ منهم القَدْرُ الَّذِي عَّنَهُ الواقفُ، ثمَّ قالَ في "شرح
الملتقى"(١): ((ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: لا فرقَ بينَ الَّعيينِ وعدمِهِ؛ لأنَّ الصَّرْفَ إلى ما هو قريبٌ من
العِمارةِ كالعِمارةِ، وهي مقدّمةٌ مطلقاً، ويُقوِّيهِ تجويزُهم مخالفةَ شرطِ الواقفِ في سبعةِ مسائلَ، منها:
الإِمامُ لو شَرَطَ له ما لا يَكْفِيهِ يُخالَفُ شَرطُهُ)) اهـ.
قلتُ: وهذا مأخوذٌ من "البحر"(٢)؛ حيثُ قالَ: ((والتّسويةُ بالعِمارةِ تَقْتَضِي تقديمهما - أي:
الإِمامِ والمدرِّسِ - عندَ شرطِ الواقفِ: أَنَّه إذا ضاقَ رَيْعُ الوقفِ قُسِمَ الرَّيْعُ عليهم بالحِصَّةِ، وأنَّ هذا
الشَّرطَ لا يُعتَبَرُ)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ الوجه [٣/ق١١٧/أ] يقتضي أنَّ ما كانَ قريباً مِن العِمارَةِ يُلحَقُ بها في التَّقْدِيمِ
على بقيَّةِ المستحقّينَ، وإِنْ شَرَطَ الواقفُ قِسْمةَ الرَّيْعِ على الجميعِ بالِصَّةِ، أو جَعَلَ لكلِّ قَدْراً
وكانَ ما قدَّرَهُ للإمامِ ونحوِهِ لا يكفيهِ فُيُعطى قَدْرَ الكفايةِ؛ لئلاَّ يَلزَمَ تعطيلُ المسجدِ، فيقدَّمُ أوّلاً
العمارةُ الضَّروريةُ ثُمَّ الأَهُمُّ فالأهمُّ من المصالحِ والشَّعائرِ بِقَدْرِ ما يَقُومُ به الحالُ، فإنْ فَضَلَ شيءٌ
يُعطى لبقيَّةِ المستحقّينَ؛ إذ لا شكَّ أنَّ مرادَ الواقفِ انتظامُ حالِ مسحدِهِ أو مدرستِهِ، لا محرَّدُ انتفاعِ
أهلِ الوقفِ وإِنْ لَزِمَ تعطيلُهُ، خلافاً لِما يُوهِمُهُ كلامُ "الحاوي" المذكورُ، لكنْ يُمكِنُ إرجاعُ
الإشارةِ في قولِ "الحاوي": ((هذا إذا لم يكنْ مُعيّناً إلخ)) إلى صدرِ عبارتِهِ، يعني: أنَّ الصَّرفَ إلى
ما هو أقربُ إلى العمارةِ كالإِمامِ ونحوِهِ إلَّا هو فيما إذا لم يَكُنِ الوقفُ معيّناً على جماعةٍ معلومينَ
كالمسجدِ والمدرسةِ، أمَّا لو كانَ مُعَّناً كالدَّارِ الموقوفةِ على الدُّرَّةِ أو الفقراءِ فإِنَّه بعدَ العِمارةِ يُصرَفُ
الرَّيْعُ إلى ما عَّنَهُ الواقفُ بلا تقديمٍ لأحدٍ على أحدٍ، فاغتنمُ هذا التَّحريرَ.
(١) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٤٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٠/٥-٢٣١.
الجزء الثالث عشر
٤٦٣
كتاب الوقف
كذلك إلى آخرِ المصالِحِ، وتمامُهُ في "البحر"(١)، (وإنْ لم يَشترطْهُ الواقِفُ)؛ لُبُوتِهِ
اقتضاءً، وتُقطَعُ الجهاتُ للعِمارةِ إنْ لم يُخَفْ ضَررٌ بَيِّنٌ، "فتح"، فإنْ خِيفَ كـ: إمامٍ
وخطيبٍ وَفَرَّاشٍ قُدِّموا؛.
[٢١٤٢٤) (قولُهُ: كذلكَ) أي: بقَدْرِ الكفايةِ لا بقَدْرِ الشَّرطِ، وأمَّا قولُهُ الآتي(٢): ((فُيُعطَوا
المشروطَ)) وقولُهُ(٣): ((فلهم أجرةُ عمِلِهِم)) فيأتي(٣) الكلامُ فيه.
[٢١٤٢٥] (قولُهُ: لُبُوتِهِ اقتضاءً) لأنَّ قصدَ الواقفِ صَرْفُ الغَلَّةِ مؤَّداً، ولا تبقى دائمةً
إلاَّ بالعِمارةِ، فَتْبُتُ شرطُ العِمارةِ اقتضاءً، "بحر "(٤)، ومثلُها: ما هو قريبٌ منها كما قرَّرناهُ آنفاً.
مطلبٌ فِي قَطْعِ الجِهاتِ لأجلِ العِمارَةِ
[٢١٤٢٦) (قولُهُ: وَتُقْطَعُ الجهاتُ) أي: تُمنَعُ من الصَّرفِ إليها، وعبارةُ "الفتح"(٥): ((وتُقْطَعُ
الجهاتُ الموقوفُ عليها للعمارةِ إنْ لم يُخَفْ ضَرَرٌ بِّنٌ، فإنْ خيفَ قُدِّمَ)) اهـ. أي: أنَّ مَن يُخافُ
بقطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ كإمامٍ ونحوِهِ يُقدَّمُ، أي: على بقيَّةِ المستحقّينَ - فَمن ليسَ في قطعِهِمْ ضَرَرٌ، بِيِّنٌ -
لا على العِمارةِ، فافهم. إلاَّ أنْ يكونَ المرادُ العِمارةَ الغيرَ الضَّروريةِ فإِنَّ الإِمامَ يُقدَّمُ عليها، ويُحتمَلُ أنَّ
المرادَ من قولِهِ: ((قُدِّمَ)) أَنَّه لا يُقطَعُ بقرينةِ صدرِ العبارةِ، لكنْ يَصِيرُ مُفادُهُ أنَّ مَن في قطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ
يساوي العِمارةَ، فُيُصرَفُ أوّلاً إليها وإليهِ، وهو خلافُ الْمُفادِ من التّعبيرِ بـ ((ثمَّ)) في عبارةِ "الحاوي"
كما مرَّ(٦)، فإمَّا أنْ يُرادَ بـ ((ثمَّ)) معنى (الواوٍ)) كما هو مُفادُ كلامِ "البحر"(٧)، أو يُرادَ بالعمارةِ
- فيما مرَّ(٨) - الضَّروريةُ، كرفعٍ سقفٍ أو جدارٍ، فُيُصرَفُ الرَّيعُ إليها أوَّلاً كما هو مُفادُ المتونِ،
ثُمَّ الفاضلُ إلى الجهاتِ الضَّروريةِ الأهمِّ فالأهمِّ، دونَ غيرِها كالشَّاهدِ والجابي وخازنِ الكتبِ
(١) انظر "البحر": كتاب الوقف - مسائلُ مهمَّةٌ في العمارة - المسألة السادسة: في بيان من يقدم مع العمارة ٢٣٠/٥ وما بعدها.
(٢) ص ٤٦٤ - "در"، وقد اعتمدنا هناك نسخة: ((فُعطى المشروطُ)) لا ((فيعطوا)).
(٣) صـ ٤٦٨ - "در".
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٥/٥.
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٥/٥.
(٦) المقولة [٢١٤٢٢] قوله: ((ثمَّ ما هو أقربُ لعمارتِهِ إلخ)).
(٧) أي المارّ في المقولة [٢١٤٢٢].
(٨) في هذه المقولة.
حاشية ابن عابدين
٤٦٤
کتاب الوقف
فُيُعطَى(١) المشروطُ لهم،
ونحوِهم، ويُرادُ بما في "الفتح" العمارةُ الغيرُ الضَّروريةِ، فُتُقَدَّمُ الجهاتُ الضَّروريةُ عليها أو تُشاركُها
إذا كانَ الرَّيْعُ يكفي كُلّ منهما، ثمَّ لا يَخْفَى أَنَّ لو احتيجَ قطعُ الكلِّ للعِمارةِ الضَّروريةِ قُدِّمَت
على جميعِ الجهاتِ؛ إذ ليسَ من النّظرِ خَرَابُ المسجدِ لأجلِ إمامٍ ومؤذِّدٍ.
فالحاصلُ: أَنَّ الَّرْتيبَ المستفادَ من عبارةِ "الحاوي" بالنَّظرِ إلى تقديمِ العِمارةِ الضَّروريةِ على
جميعِ الجهاتِ، والمشاركةَ المفادةَ من عبارةِ "الفتح" بالنَّظرِ إلى غيرِ الضَّروريةِ، أو إذا كانَ في الرَّيْعِ
زيادةٌ على الضَّروريةِ، ثُمَّ رأيتُ في "حاشيةِ الأشباه"(٢) الَّصريحَ بَحَمْلِ ما في "الحاوي" على ما قلنا.
[٢١٤٢٧) (قولُهُ: فُعطَى المشروطُ لهم) برفعِ ((المشروطُ)) نائبَ فاعلِ (يُعطَى))، وفي بعضٍ
النّسخِ: ((فُعْطَوا)) بالجزمِ بحذفِ النُونِ عطفاً على (قُدِّموا)) ونَصْبِ ((المشروطَ)) مفعولٌ ثانٍ،
واعتُرِضَ: بأنَّ ما ذَكَرَهُ تابَعَ فِيه "الَّهِرَ"(٣)، وهو خلافُ ما مرَّ(٤): ((من أَنَّهم يُعطَونَ بِقَدْرِ
كِفِاِهم))، وخلافُ ما في "البحر "(٥): ((مِن ◌ِخْذٍ قَدْرِ الأُجْرةٍ)).
قلتُ: لا يَخَفَى عليكَ أنَّ قولَ "الفتح" المارَّ(٦): ((وتُقَطَعُ الجهاتُ إلخ)) معناهُ: أنَّ مَن يُخافُ
بقطعِهِ ضَرَرٌ بيِّنٌ لا يُقطَعُ معلومُهُ المشروطُ له، بل يُقدَّمُ ويَأخذُهُ، بخلافٍ غيرِهِ من المستحقّينَ
كالنّظرِ والشَّادِّ(١٧) والمُباشِرِ ونحوِ ذلكَ، فإنّه يُقَطَعُ ولا يُعطَى شيئاً، أي: إلاَّ إذا عَمِلَ زمنَ العِمارةِ
فله قَدْرُ أجرتِهِ فقط لا المشروطُ، فإنَّه في "الفتح"(٨) قالَ بعدَ قولِهِ: ((قُدِّمَ)): ((وأمَّا النَّظرُ فإنْ كانَ
المشروطُ له من الواقفِ فهو كأحدِ المستحقّينَ، فإذا قُطِعُوا للعِمارةِ قُطِعَ إلاَّ أنْ يَعمَلَ كالفاعلِ والبنّاءِ
(١) في "ط": ((فيعطوا))، وقد أشار "ابن عابدين" إليها.
(٢) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف ٢٤٧/٢.
(٣) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٤/ب.
(٤) المقولة [٢١٤٢٣] قوله: ((بقدر كفايتهم)).
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٦/٥.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) الشادّ: ترادف كلمة ((التفتيش)) ويسمَّى متولي هذه الوظيفة الشَّاد مضافاً إليها جهة الاختصاص مثل: شاد
الجوالي، وشاد الأوقاف، وشاد الزكاة، وشاد الدواوين وغيرها. "التعريف مصطلحات صبح الأعشى" لمحمد
قنديل التقلي صـ ١٩٣-، وسيأتى تعريفه في المقولة [٢١٤٤٣].
(٨) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٥/٥.
الجزء الثالث عشر
٤٦٥
كتاب الوقف
٣٧٧/٣
ونحوِهما فيأخُذُ قَدْرَ أجرتِهِ، وإنْ لم يَعمَلْ لا يأخذُ شيئاً)) اهـ. ولهذا قالَ في "النّهر"(١): ((وأفادَ
في "البحر": أنَّ ◌َما يُخَافُ بقطعِهِ الضَّررُ البِّنُ الإِمامُ والخطيبُ، فَيُعطيَانِ المشروطَ لهما، أمَّا الُباشرُ
والشَّدُّ إذا عَمِلا زمنَ العِمارةِ، فإِنَّا يَستحِقَّانِ بِقَدْرِ أُحرةِ عملِهما، لا المشروطَ)) اهـ. لكنَّ
[٣/ق١١٧/ ب] الظَّاهرَ: أنَّ قولَهُ: ((وأفادَ في "البحر")) سَبْقُ قلمٍ، وصوابُهُ: وأفادَ في "الفتح"(٢)؛ لأنَّ
ما ذَكَرَهُ هو مُفادُ كلامِ "الفتح" كما عَلِمَتَهُ، وأمَّا ما في "البحر" فإنَّه خلافُ هذا؛ لأَنَّه بعدَمَا ذَكَرَ
كلامَ "الفتح" قالَ(٣): ((فظاهرُهُ: أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المستحقّينَ زِمَنَ العِمارةِ يَأْخُذُ قَدْرَ أُجرتِهِ، لكنْ
إذا كانَ مَّا لا يُمكِنُ تركُ عملِهِ إِلاَّ بضَرَرٍ بِّنِ كالإِمامِ والخطيبِ، ولا يُراعى المعلومُ المشروطُ زمنَ
العِمارةِ، فعلى هذا إذا عَمِلَ الُباشِرُ والشَّادُّ زَمَنَ العمارةِ يُعطَيانِ بِقَدْرٍ أُجرةِ عملِهما فقط، وأمَّا ما
ليسَ في قطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ فإنَّه لا يُعطَى شيئاً أصلاً زمنَ العِمارة)) اهـ. وأنتَ خبيرٌ بأنَّ ما نَسَبَهُ إلى
ظاهرِ "الفتح" خلافُ الظَّاهرِ، فإنَّ ظاهرَ "الفتح": أنَّ مَن لا يُقطَعُ يُعطى المشروطَ لا الأجرَ، ومَن
يُقْطَعُ - وهو مَن ليسَ في قطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ - لا يُعطَى، ثمَّ ذَكَرَ: أنَّ الَّاظِرَ ثَمَن يُقطَعُ، وأَنَّه إذا عَمِلَ
فله قَدْرُ أجرتِهِ، أي: لا ما شَرَطَهُ(٤) له الواقِفُ، فأفادَ: أنَّ مَن يُقطَعُ كالَّاظِرٍ لا يُعطَى شيئاً إلاّ إذا
عَمِلَ، وهذا كلُّهُ كما ترى مخالفٌ لِما فهمَهُ في "البحر": مِن أنَّ مَن لا يُقْطَعُ كالإِمامِ له الأجرُ إذا
عَمِلَ، ومَن يُقْطَعُ لا يُعطَى شيئاً أصلاً، أي: لا أَجْراً ولا مشروطاً وإنْ عمِلَ، وفيه أيضاً: أنَّه جَعَلَ
للشَّادِّ والمباشرِ أُجرةً إذا عَمِلًا، ومقتضاهُ: أَنَّهما من الشَّعائرِ الَّتي لا تُقْطَعُ، وهو خلافُ ما صرَّحَ
(قولُهُ: لأنَّ ما ذَكَرَهُ هو مُفادُ كلامِ "الفتح" إلخ) نَعَم ما ذكرَهُ مُفادُ "الفتح"، إلاَّ أنَّ قولَهُ: أمَّا
المباشِرُ والشَّادُّ إلخ إنَّا هو من كلامِ "البحر"، ولا وجودَ له في "الفتح".
م
(١) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٤/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٥/٥.
(٣) أي صاحب "البحر": كتاب الوقف ٢٢٦/٥.
(٤) في "الأصل": ((شرط)).
حاشية ابن عابدين
٤٦٦
كتاب الوقف
به نفسُهُ بعدَ نحوِ ثلاثٍ أوراقٍ، نَعَمْ هو موافِقٌ لِما بحثَّهُ في "الأشباه"(١): ((مِن أَنَّه يَنبغِي أنْ يُلحَقَ
بهؤلاءِ - يعني: الإِمامَ والمدرِّسَ والخطيبَ - المؤذِّثُ(٢) والميقاتيُّ والَنَّاظِرُ، وكذا الشَّادُّ والكاتبُ
والجابي زمنَ العمارةٍ)) اهـ. لكنْ رَدَّ في "الَّهر"(٣) ما في "الأشباه": ((بأَنَّه مخالفٌ لصريحِ كلامِهم
كما مرَّ، بل النَّاظِرُ وغيرُهُ إذا عَمِلَ زَمَنَ العِمارةِ كانَ له أجرُ مثِلِهِ كما جَرَى عليه في "البحر"، وهو
الحقُّ)) اهـ. ومرادُهُ بما جَرَى عليه في "البحر": ما نقلَهُ عن "الفتح"، ومرادُهُ بقولِهِ: ((بل الَّاظِرُ
وغيرُهُ)) أي: مَن ليسَ في قَطْعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ، ووجهُ مخالفتِهِ للمنقولِ: أنَّ هؤلاءِ لهم أُجرةُ عملِهِم إذا
عَمِلوا زمنَ العِمارةِ، فإلحاقُهم بالإمامِ وأخويهِ يقتضي أنَّ لهم المشروطَةُ(٤) وليسَ كذلكَ كما دلَّ
عليه كلامُ "الفتح"، وبه ظَهَرَ خَلَلُ ما في "البحر" وصحَّةُ ما ذكرَهُ "الشَّارِحُ" تَبَعاً لـ"النّهر"، خلافاً
لمّن نَسَبَهما إلى عدمِ الفهمِ، فافهم. نعم في عبارةِ "البحرِ" و"الَّهر" خَلَلٌ من وجهٍ آخرَ، وهو: أنَّ
كلامَهما مبنيٌّ على أنَّ المرادَ بالعملِ في عبارةِ "الفتح" عَمَلُهُ في وظيفتِهِ وهو بعيدٌ؛ لأَنّه إذا عَمِلَ في
وظيفتِهِ وأُعطيَ قَدْرَ أجرتِهِ لم يُقطَعْ، بل صَدَقَ عليه أنّ قُدِّمَ كغيرِهِ ثَمن في قطعِهِ ضَرَرٌ كالإِمامِ، وهذا
خلافُ ما مرَّ(٥) من تقديمِ الأهمِّ فالأهمِّ، وأيضاً مَن لم يَعمَلْ عَمَلَهُ المشروطَ لا يُعطَى شيئاً أصلاً
ولو كانَ في قَطِعِهِ ضَرَرٌ، فلا فَرْقَ بينَهُ وبينَ غيرِهِ، فَتَعَّنُ حَمَلُ العَملِ في كلامِ "الفتح" على العملِ في
الَّعميرِ، وعبارةُ "الفتح" صريحةٌ (٥) في ذلكَ، فإنّه قالَ (٦): ((إلَّ أَنْ يَعمَلَ كالفاعلِ والبنّاءِ ونحوِهما
فَأخُذُ قدرَ أُجرتِهِ)) اهـ.
(قولُهُ: والمؤذّن والميقاتيُّ) عبارةُ "الأشباه" بدونِ واوٍ في ((المؤذّنِ)) على ما نَقَلَهُ عنه في "النّهر ".
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٢-٢٣٣ -.
(٢) في "ب" و"م": ((والمؤذن)) بواو قبله، وما أثبتناه من بقية النسخ هو الصواب الموافق لعبارة "الأشباه"، والله أعلم،
وقد أشار إليه "الرافعي" رحمه الله.
(٣) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٤/ب.
(٤) في "ب": ((المشروط)).
(٥) المقولة [٢١٤٢٣] قوله: ((بقدر كفايتهم)).
(٦) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٥/٥.
الجزء الثالث عشر
٤٦٧
كتاب الوقف
لكنْ هو مقَّدٌ بما إذا عَمِلَ بأمرِ القاضي؛ لِما في "جامع الفصولَين"(١): ((لو عَمِلَ المتولّي فِي الوقفِ
بأجرِ جازَ ويُفتَى بعدمِهِ؛ إذ لا يَصلُحُ مؤجِراً ومستأجِرً، وصحَّ لو أمرَهُ الحاكمُ أنْ يَعمَلَ فيه)) اهـ.
وعليه فما في "القنية"(٢): ((إذا عَمِلَ القيِّمُ في عمارةِ المسجدِ والوقفِ كعملِ الأخيرِ لا يَسْتَحِقُّ
أجراً)) - محمولٌ على ما إذا كانَ بلا أمرٍ الحاكمِ، والظَّاهرُ: أنَّ النَّاظرَ غيرُ قيدٍ، بل كلُّ مَن عمِلَ في
النَّعميرِ مِن المستحقّينَ له أُجرةُ عمِلِهِ، وإِنَّا نصُّوا على النَّاظِ؛ لأَنَّه لا يَصُلُحُ مؤجِراً ومستأجراً، أي:
مستأجراً لنفسِهِ، فإذا كانَ بأمرِ الحاكمِ كانَ الحاكمُ هو المستأجرَ له، بخلافٍ غيرِهِ مِن المستحقّينَ؛
فإنَّالمستأجِرَ له هو النّظرُ، فلا شُبْهَةَ في استحقاقِهِ الأُجرةَ كالأجنبيٍّ، وحيثُ حَمَلنا كلامَ "الفتح"
على ما قلنا صارَ حاصلُهُ: أنَّ مَن في قطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ لا يُقطَعُ زمنَ الَّعميرِ، أي: بل يَبقَى على ما
شرَطَ لهُ الواقفُ، وأمَّا غيرُهُ فِيُقطَعُ ولا يُعطى شيئاً أصلاً وإِنْ عمِلَ في وظيفتِهِ، نَعَمْ يُعطَى لكلِّ
أُجرةُ عمِلِهِ إذا عَمِلَ في العِمارةِ ولو هو النَّاظرَ لكنْ لو بأمرِ الحاكمِ، وبهذا التَّقريرِ سَقَطَ ما
قدَّمناه(٣) عن "الّهر" في الردِّ على "الأشباه": ((إذ لا أُجرةَ على العملِ في غيرِ التَّعميرِ))، ثمَّ الظَّاهُ:
أنَّ المرادَ بالمشروطِ ما يَكفيهِ؛ لأنَّ المشروطَ له من الواقفِ لو كانَ دونَ كفايتِهِ وكانَ
لا يَقومُ بعملِهِ إلاَّ بها يُزادُ عليهِ، وَيُؤَيِّدُهُ ما سيأتي(٤) في فروعِ الفصلِ الأوَّلِ: أنَّ للقاضي الزِّيادةَ
على معلومِ الإمامِ إذا كانَ لا يكفيهِ، وكذا الخطيبُ.
(قولُهُ: وبهذا النَّقريرِ سَقَطَ ما قدَّمناهُ عن "النَّهر" في الرَّدِّ على "الأشباه" إلخ) فيه: أَنَّه في "الأشباه"
أَحَقَ المؤذِّنَ وما عُطِفَ عليه بالإمامِ وما ◌ُطِفَ عليه، ولا يَصِحُّ هذا الإِلحاقُ؛ لاقتضائِهِ أنَّ المؤذِّنَ ومَن
معَهُ لهم المشروطُ بمباشرةِ الوظيفةِ معَ أَنَّهم إِنَّا يَستحِقُونَ الأجرةَ إذا باشروا عَمَلَ العِمارةَ كما قدَّمَهُ،
وبما قرَّرَهُ لا يَسقُطُ رَدُّ "النَّهر" على "الأشباه".
(١) "جامع الفصولين": الفصل السابع والعشرون في تصرُّفات الأب والوصيّ والقاضي والمتولّي إلخ ٢٨/٢.
(٢) "القنية": كتاب الوقف - باب في تصرُّفات القيِّم في الأوقاف ق ٩١/ب.
(٣) في هذه المقولة.
(٤) صـ ٦٥٩ - وما بعدها "در".
حاشية ابن عابدين
٤٦٨
كتاب الوقف
وأمَّا النَّاظِرُ والكاتبُ والجابي؛ فإِنْ عَمِلوا زَمنَ العِمارةِ فلهم أُجرةُ عَملِهم
لا المشروطُ، "بحر"(١). قال في "النّهر": ((وهو الحقُّ، خلافاً لِمَا في "الأشباه"(٢
))،
وفيها(٣) عن "الذَّخيرةِ": ((لو صَرَفَ الناظرُ لهم مع الحاجةِ إلى التّعميرِ.
قلتُ: بل الظَّاهرُ: أنَّ كلَّ مَن في قطعِهِ ضَرَرٌ بِّنٌ فهو كذلكَ؛ لأَنَّه في حُكْمِ العِمارةِ
[٢/ ق١١٨/ أ) فهو مثلُ ما لو زادَت أجرةُ الأخيرِ في الَّعميرِ، وأمَّا لو كانَ المشروطُ له أكثرَ من قَدْرِ
الكفايةِ فلا يُعطَى إلاَّ الكفايةَ في زمنِ التّعميرِ؛ لأنَّه لا ضرورةَ إلى دفعِ الزَّائدِ المؤدِّي إلى قطعٍ غيرِهِ،
فُيُصرَفُ الزَّائِدُ إلى مَن يليهِ من المستحقّينَ، وعلى هذا يحصُلُ الْتَّوفيقُ بينَ ما مرَّ(٤) عن "الحاوي":
من أَنَّهم يُعطَونَ بِقَدْرِ كفائِهِم وبينَ ما اسْتُفِيدَ من "الفتح": من أنَّهم يُعطَونَ المشروطَ.
والحاصلُ ثَمّ تقرَّرَ وتحرَّرَ: أَنَّه يُبدأُ بالتّعميرِ الضَّروريِّ، حَتَّى لو استغرقَ جميعَ الغَلَّةِ صُرِفَت
كلُّها إليه، ولا يُعطَى أحدٌ ولو إماماً أو مؤذّناً، فإنْ فَضَلَ عن التّعميرِ شيءٌ يُعطى ما كانَ أَقْرِبَ إليه
٣٧٨/٣ ◌َمّا في قطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ، وكذا لو كانَ التَّعميرُ غيرَ ضروريٍّ بأنْ كانَ لَا يُؤدِّي تركُهُ إلى خَرَابِ العينِ
لو أُخْرَ إلى عَلَّةِ السَّةِ القابلةِ(٥)، فَيُقدَّمُ الأهمُّ فالأهمُّ، ثمَّ مَن لا يُقطَعُ يُعطَى المشروطُ له إذا كانَ قَدْرَ
كفايِهِ وإلاَّ يُزادُ أو يُنقَصُ، ومَن لم يكنْ في قَطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ قُدِّعَتِ العِمارةُ عليه وإنْ أَمكَنَ تأخيرُها
إلى غلَّةِ العامِ القابلِ كما هو مقتَضَى إطلاقِ المتونِ، ولا يُعطَى شيئاً أصلاً وإنْ باشَرَ وظيفتَهُ مادامَ
الوقفُ محتاجاً إلى التَّعميرِ، وكلُّ مَن عَمِلَ من المستحقّينَ في العِمارةِ فله أُجرةُ عمِلِهِ لا المشروطُ
ولا قَدْرُ الكفايةِ، فهذا غايةُ ما ظهرَ لي في تحريرِ هذا المقامِ الَّذِي زلَّت فيه أقدامُ الأفهامِ.
[٢١٤٢٨] (قولُهُ: وأمَّا النَّاظِرُ والكاتبُ إلخ) قد علمتَ ما في هذا الكلامِ وما ادَّعاهُ
في "النَّهر "(٦): أَنَّ(٧) الحقُّ مخالفاً لِما في "الأشباه" بما حرَّرناهُ آنفاً.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٦/٥.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٢ - بتصرف.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٧ -.
(٤) المقولة [٢١٤٢٢] قوله: ((ثُمَّ ما هو أقربُ لعمارتِهِ إلخ)).
(٥) في "ب": ((لقابلة)) دون ألف وهو خطأ.
(٦) "النهر": کتاب الوقف ق ٣٥٤/ب.
(٧) في "ك": ((من أنّه)).
الجزء الثالث عشر
٤٦٩
كتاب الوقف
ضَمِنَ))، وهل يَرجِعُ عليهم؟ الظَّاهرُ: لا؛ لِتَعدِّيهِ بالدَّفع،
[٢١٤٢٩] (قولُهُ: ضَمِنَ) هذا إذا كانَ في تأخيرِ التَّعميرِ حَرابُ عينِ الوقفِ، وإِلاَّ فَيَجُوزُ
الصَّرِفُ للمستحقِّينَ وتأخيرُ العِمارةِ للغَلَّةِ الثَّنيةِ إذا لم يُخَفْ ضَرَرٌ بِيِّنٌ، فإنْ خِيفَ قُدِّمَ كما في
"الرَّواهر" عن "البحر"(١)، "در منتقى"(٢).
[٢١٤٣٠] (قولُهُ: الظَّاهرُ: لا) قياساً على مُودَعِ الابنِ إذا أنفَقَ على الأبوينِ بلا إذنِهِ ولا إذنِ
القاضي فإِنَّه يَضْمَنُ بلا رجوعٍ عليهما؛ لأَنَّه بالضَّمانِ تبيَّنَ أَنَّه دَفَعَ مالَ نفسِهِ وأَنَّه متبرِّعٌ،
"(بحر"(٣)، وفيه نَظَرٌ بل له الرُّجوعُ(٤) ما دامَ المدفوعُ قائماً، لا لو هَلَكَ؛ لأَنَّه هبةٌ، "نهر "(٥).
أقولُ: لا وجه لجعلِهِ هبةً، بل هو دفعُ مالٍ يستحقُّهُ غيرُ المدفوعِ إليهِ على ظنِّ أَنَّه يستحقُهُ
المدفوعُ إليهِ، فينبغي الرُّجوعُ قائماً أو مُستَهلَكاً كدَفْعِ الدَّينِ المظنونِ، بخلافٍ مُودَعِ الابنِ فَإِنَّه
مأمورٌ بالحفظِ، "رمليّ" ملخَّصً، ونحوُهُ في "شرح المقدسيِّ"، ونقلَ "ط )" (٦) نحوَهُ عن "البيريّ".
والحاصلُ: أنَّ الظَّاهرَ الرُّجوعُ مُطلَقً، لا عدمُهُ مُطلَقً ولا الَّفصيلُ.
(قولُهُ: بخلافٍ مُودَعِ الابنِ فإِنَّه مأمورٌ بالحفظِ إلخ) أي: فَضَمَانُهُ لتركِهِ الحفظَ لا لأَنَّه دَفَعَ المالَ
لغيرِ مستحقّهِ؛ لِما أنَّ نَفَقَةَ الابنِ ونحوِهِ تُحِبُ بدونِ قضاءٍ، ولذا كانَ الضَّمانُ عليه قضاءً لا ديانةً،
وأصلُ هذهِ العبارةِ: بخلافِ مودَعِ الابنِ لتعدِّيهِ بالدَّفْعِ؛ لأنَّه مأمورٌ بالحفظِ فقط.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٥/٥.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٤١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٥/٥ - ٢٢٦.
(٤) في هامش "٢": ((قوله: بل له الرُّجوعُ إلخ))، مقتضَى هذا: أنْ تَكُونَ مسألةُ الوديعةِ المقاسُ عليها كذلك، مع أنَّ
أَحَداً من الفقهاء لم يُفصِّلْ فِي عَدَم رجوعِ المودَعِ، بل اتََّقَت كلمتُهم على إطلاقٍ عَدَمِ الرُّجوع، والفرقُ غيرُ ظاهر.
قاله شيخنا. ثم قال: ويَظهَرُ لي: أنَّ مسألةَ الوديعةِ مِن قَبِيلٍ قضاءِ الدَّينِ عن الأجنبيِّ؛ لأن النَّفَقَّةَ دَينٌ على الابنِ
المودِعِ، وقد يَتَبَرَّعُ المودَعُ بالدَّفْعِ إلى الأبوين وقضاءِ الدَّينِ عن المودِعِ من مالِ نفسِه لِلْكِهِ له بالضَّمانِ اهـ.
(٥) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٤/ب.
(٦) "ط": كتاب الوقف ٥٤١/٢.
حاشية ابن عابدين
٤٧٠
كتاب الوقف
وما قُطِعَ للعِمارةِ يَسقُطُ رأساً، وفيها (١): ((لو شَرطَ الواقفُ تقديمَ العِمارةِ ثُمَّ
الفاضلُ للفُقْراءِ أو للمُستحِقّين، لَزِمَ الناظرَ إمساكُ قَدْرِ العِمارةِ كلَّ سنةٍ وإنْ لم
يَحْتَجْهُ الآنَ؛ لجوازٍ أنْ يَحدُثَ حَدَثٌ ولا غَلَّةَ، بخلافِ ما إذا لم يَشترِطْهُ(٢)،
فليُحفظِ الفَرقُ بين الشَّرطِ وعدَمِهِ)). وفي "الوهبانية"(٣) :.
[٢١٤٣١] (قولُهُ: وما قُطِعَ إلخ) في "الأشباه "(٤): ((إذا حَصَلَ تعميرُ الوقفِ في سنةٍ وقُطِعَ
معلومُ المستحقّيْنَ كُلُّهُ أو بعضُهُ فما قُطِعَ لا يبقى دَيناً لهم على الوقفِ؛ إذ لا حقَّ لهم في الغَلَّةِ زمنَ
التّعميرِ، وفائدتُهُ: لوجاءَت الغَلَّةُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيةِ، وفاضَ شيءٌ بعدَ صرفٍ معلومِهم هذهِ السَّنَةَ
لا يعطيهم الفاضلَ عوضاً عمَّا قُطِعَ)) اهـ.
[٢١٤٣٢) (قولُهُ: قَدْرِ العِمارةِ) أي: القَدْرِ الَّذي يَغِلِبُ على ظنّهِ الحاجةُ إليه، "حَمَويّ"(٥)،
ويَصرِفُ الزِّيَادَةَ على ما شَرَطَ الواقفُ، "أشباه"(٦).
[٢١٤٣٣] (قولُهُ: ولا غَلَّةَ) أي: والحالُ أَنَّه لا غَلَّةَ للأرضِ حينَ يَحدُثُ حَدَثٌ.
[٢١٤٣٤] (قولُهُ: فليُحفَظِ الفرقُ إلخ) قالَ في "الأشباه"(٧): ((فيفرَّقُ بينَ اشتراطِ تقديمٍ
(قولُهُ: أي القَدْرِ الَّذي يغلبُ على ظَنَّهِ الحاجةُ إليه إلخ) قد يُقالُ: قَدْرُ ما يُحتاجُ إليه في المستقبلِ غيرُ
معلومٍ؛ إذ هو غيرُ منضبطٍ فلا يُدَرَى القَدْرَ الَّذي يُرصَدُ للعِمارةِ، وغايةُ ما يُقالُ: إنَّ الأمرَ مُفُوَّضٌ للَّاظِرِ
فَيَرِصُّدُ القَدْرَ الَّذِي يَغْلِبُ على ظنّهِ الحاجةُ إليه. اهـ "سنديّ" عن "الحَمَويّ". وقالَ: ما ذكرَهُ "الشَّارحُ" قولُ
الفقيهِ "أبي اللَّيث" - ولا يُعارَضُ ما سواهُ من الأقوالِ، والنَّفْسُ به تنشرحُ - وقولُ "أبي بكر": لا يجوزُ صَرْفُ
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٩ - بتصرف.
(٢) في "د" و"ط": ((يشرطه)).
(٣) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الوقف ١٧٨ /ب بتصرف.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٧ -.
(٥) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف ٢٥٨/٢.
(٦) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٨ - بتصرف.
(٧) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٩ -.
الجزء الثالث عشر
٤٧١
کتاب الوقف
((لو زاد المُتولِّي دَانِقاً على أجرِ المِثْلِ ضَمِنَ الكُلَّ؛ لوقوعِ الإجارةِ له))، وفي "شَرِحِها"
لـ "الشُّرنبلاليِّ" عند قوله: [الطويل]
إمامٌ خطيبٌ والمؤذِّنُ يَعِبُرُ
وَيَدخُلُ فِي وَقَفِ المَصالِحِ قِيمٌ
العِمارةِ كلَّ سنةٍ والسُّكوتِ عنه، فإِنَّه معَ السُّكوتِ تُقَدَّمُ العِمارةُ عندَ الحاجةِ إليها، ولا يُدَّخَرُ لها
عندَ عدمِ الحاجةِ إليها، ومعَ الاشتراطِ تُقدَّمُ عندَ الحاجةِ ويُدَّخَرُ لها عندَ عدمِها ثمَّ يُفرَّقُ الباقي؛
لأنَّ الواقِفَ إنَّا جَعَلَ الفاضلَ عنها للفقراءِ)) اهـ "ط))(١).
[٢١٤٣٥] (قولُهُ: لو زادَ المتولّي دَانِقاً) صورتُهُ: استأجرَ الْمُتولّي رجلاً في عِمارةِ المسجدِ بدرهمٍ
ودائقٍ، وأجرةُ مثلِهِ درهمٌ ضَمِنَ جميعَ الأجرةِ من مالِهِ؛ لأَنَّ زادَ في الأجرِ أكثرَ مَما يتغابنُ فيه النَّاسُ،
فيصيرُ مستأجراً لنفسِهِ فإذا نَقَدَ الأجرَ من مالِ المسجدِ كانَ ضاءِناً، "بحر"(٢) عن "الخانَيَّةِ"(٣).
والدَّاتقُ: سُدُسُ الدِّرهمِ، وَالَدَارُ على ما لا يتغابنُ فيه، أي: ما لا يقبَلُ النَّاسُ الغَبْنَ فِيهِ؛ إذ ما دونَهُ
يسيرٌ لا يمكنُ الاحترازُ عنه.
[٢١٤٣٦] (قولُهُ: وفي "شرحِها") خبرٌ مقدَّمٌ، وجملةُ قولِهِ: ((الشَّعائرُ إلخ)) قُصِدَ بها لفظُها
مبتدأٌ مؤخّرٌ.
[٢١٤٣٧] (قولُهُ: فِي وَقْفِ المصالِحِ) أي: فيما لو وَقَفَ على مصالِحِ المسجدِ.
[٢١٤٣٨] (قولُهُ: يَعْبُرُ) من العُبُورِ بمعنى الدُّخولِ.
شيءٍ للفقراءِ ولو اجتمعَت عَلَّةٌ كثيرةٌ؛ لأَنَّه يجوزُ أنْ يَحدُثَ للمسجدِ حَدَثٌ والدَّارُ بحالٍ لا تغلُّ، وقد سُئِلَ
العلاَّمةُ "أبو السُّعود العماديُّ": هل يلزمُ الحفظُ لِعمارةِ الوقفِ قبلَ أنْ يُحتاجَ إلى الَرَمَّةِ؟ فأجابَ: بأَنَّه لا يلزمُ،
وإِنَّا يُؤْمَرُ بالحفظِ بعدَ الاحتياجِ للعِمارةِ. اهـ من "السِّنديّ".
(١) "ط": كتاب الوقف ٥٤١/٢.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢٦١/٥.
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يقفُ أرضَهُ على نفسه وأولاده إلخ - فصل في إجارة الأوقاف ومزراعتها
٣٣٤/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٤٧٢
كتاب الوقف
((الشَّعائرُ التي تُقدَّمُ - شَرطَ أم لم يَشرِطْ - بعد العِمارةِ هي: إمامٌ، وخطيبٌ
ومُدرِّسٌ، ووَقَّادٌ، وفَرَّاشٌ، ومُؤذِّدٌ، وناظِرٌ، وَثَمنُ زيتٍ، وقَناديلَ، وحُصُرٍ، وماءِ
وُضوءِ، وكُلفةُ نَقَلِهِ للمِيضَأَةِ. فليس مُباشِرٌ وشاهدٌ.
[٢١٤٣٩] (قولُهُ: الَّتِي تُقَدَّمُ) أي: على بقيَّةِ المستحقّينَ بعدَ العِمارةِ الضَّروريَّةِ.
[٢١٤٤٠] (قولُهُ: إمام وخطيبٌ إلخ) ظاهرُهُ: أنَّ جميعَ مَن ذُكِرَ يكونُ في قطعِهِ ضَرَرٌ بِّنٌ،
وخصَّهُ في "النّهر "(١): (([٣/ق ١١٨ /ب] بالخطيبِ فقط بشرطِ أنْ يَتْحِدَ في البلدِ كمكّةً والمدينةِ، ولم
يُوجَدْ مَن يَخطُبُ حِسْةٌ بإذنِ الإِمامِ)) اهـ. وفيه نَظَرٌ كما في "الحَمَوِيِّ)(٢).
[٢١٤٤١] (قولُهُ: مُبَاشِرٌ) انظرْ ما المرادُ بهِ.
[٢١٤٤٢) (قولُهُ: وشاهدٌ) قيلَ: المرادُ به كاتبُ الغَيبةِ المعروفُ بالنَّقطجيِّ بعرفِ أهلِ الشَّامِ.
(قولُ "الشَّارِحِ" وثمنُ زيتٍ وقناديلَ إلخ) في "الخانيّة،": ((رجلٌ أوصى بثلثِ مالِهِ لأعمالِ البِرِّ هل يجوزُ
أنْ يُسَرِجَ المسجدُ منه؟ قالَ الفقيهُ "أبو بكر": يجوزُ، ولا يجوزُ أنْ يزادَ على سراجِ المسجدِ؛ لأنَّ ذلكَ إسرافٌ
في رمضانَ وغيرِهِ، ولا يُزَّيَّنُ المسجدُ بهذهِ الوصيّةِ)) اهـ. ومقتضاهُ: مَنعُ الكثرةِ الواقعةِ في رمضانَ في مساجدٍ
القاهرةِ ولو شَرَطَ الواقفُ؛ لأنَّ شرطَهُ لا يُعتبرُ في المعصيةِ، وفي "القنية": ((وإسراجُ السُّرُجِ الكثيرةِ في السِّككِ
ليلةَ براءة بدعةٌ))، ثمَّ قالَ: ((ويجوزُ على بابِ المسجدِ في السِّكَّةِ والسُّوقِ)). من "السِّنديّ"، وانظره.
(قولُهُ: ظاهرُهُ: أنَّ جميعَ مَن ذُكِرَ يكونُ في قطعِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ إلخ) فيه تأمُّلٌ، فإنَّ كلامَهُ فِي الشَّعائرِ،
ولا شكَّ أنَّ جَمِيعَ مَن ذُكِرَ منها وإنْ كانَ بعضُها في قطعِهِ ضَرَرٌ بِّنٌ.
(قولُهُ: وفيه نَظَرِّ كما في "الحَمَويّ) قالَ: إذ المرادُ بالضَّررِ البِّنِ تعطيلُ المَحَلِّ من الجماعةِ والجمعةِ.
(قولُهُ: انظرْ ما المرادُ به) هو في عرفِ مصرَ: مُلاحِظُ ومُتفقّدُ أحوالِ الوقفِ من عِمارةٍ وسُكْنى وخُلُوٌ
أماكنَ ولزومٍ عِمارةٍ ونحوِ ذلكَ.
(١) "النهر": كتاب الوقف ق٣٥٤ /ب.
(٢) "غمز عيون البصائر": کتاب الوقف ٢٢٠/٢.
الجزء الثالث عشر
٤٧٣
کتاب الوقف
وشادٌّ وجابٍ(١) وخازنُ كُتُبٍ من الشَّعائرِ، فَتَقديُهُم في دفترِ المحاسباتِ ليس بشَرعي.
ويَقَعُ الاشتباهُ فِي بَوَّابٍ ومُزُمَّلاتِيِّ،.
[٢١٤٤٣] (قولُهُ: وشادٌّ) هو الملازمُ للمسحدِ مثلاً لتفقُّدِ حالِهِ من تنظيفٍ ونحوهٍ، "ط (٢)،
وقيلَ: هو المسمَّى بـ: ((الدّعجيِّ)).
قلتُ: ويؤيِّدُه ما في "القاموس"(٣): ((الإشادةُ: رفعُ الصَّوْتِ بالسَّيِّءٍ(٤) وتعريفُ الضَّالةِ،
و[الإهلاكُ (٥)]، و[الشِّياد(٦)]: الدُّعامُ بالإِبلِ، ودَلْكُ الطَّبِ بالجِلدِ)) اهـ.
[٢١٤٤٤] (قولُهُ: ومُزَمَّلاتِيٌّ) هو الشَّادي(٧) بعرفِ أهلِ الشَّامِ، "درٌّ منتقى)(٨)، وقيلَ: هو في
عُرْفِ أهلِ مصرَ: مَن ينقلُ الماءَ من الصَّهريجِ إلى الجِرَارِ، وفي "القاموس" (٩): ((مُزَمَّلَة كمُعَظَّمَة الَّتِي
يُرَّدُ فيها الماءُ(١٠))).
(قولُهُ: هو الملازمُ للمسجدِ إلخ) فسَّرَهُ الشَّيخُ "محمَّد بالي": بأَنَّه مَن يحمِلُ إلى الوقفِ شيئاً يُحتاجُ إليه في
العمارةِ. اهـ "سنديّ". وفسَّرَ في "شرح الأشباه": ((الشَّادِّ(١١): بمن يشهدُ بما يتعلَّقُ بالوقفِ، ونَقَلَ عن التيسير
الوقوف" أنَّ من حقّهِ - أي: الشَّادِّ - الرِّفْقَ واللَّطفَ بالبَّتِينَ، وأنْ لا يُشْغِلَ أحداً فوقَ طاقتِهِ ولا يُحيعَهُ، بل يُمكّنُهُ
من الأكلِ أو يطعمُهُ، وعليه أنْ يطلقَهُ أوقاتَ الصَّلواتِ معَ الاحتياطِ في ذلكَ للوقفِ)) اهـ.
(١) في "ط": ((وجابي)).
(٢) "ط": كتاب الوقف ٥٤١/٢.
(٣) "القاموس": مادة ((شَيّد)).
(٤) في النسخ جميعها وفي نسخة من نسخ القاموس ((بالشيء)) بالشين، وما أثبتناه هو المراد ومعنى هذه العبارة: ((رفع
الصوت بما يكره صاحبه)) وهو شبه التنديد كما قاله اللّيث انتهى. نقلاً عن هامش نسخة "القاموس" التي بين أيدينا.
(٥) في النسخ جميعها: ((والإهلال))، وما أثبتناه في نسختنا من "القاموس".
(٦) في النسخ جميعها: ((والشِّيادة))، وما أثبتناه في نسختنا من "القاموس".
(٧) في "٢" و"ب" و"الأصل": ((الشَّاوي)) بالواو، وما أثبتناه من "ك" وهو الموافق لنقل "الدر المنتقى".
(٨) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٤٣/١ (هامش "مجمع الأنهر"). ،
(٩) "القاموس": مادة ((زمل)).
(١٠) ذكر في "القاموس" أن لفظة: ((مُزَمَّلة)) عراقَّة.
(١١) في مطبوعة التقريرات: ((الشاهد)).
حاشية ابن عابدين
٤٧٤
کتاب الوقف
قالَهُ في "البحر". قلتُ: ولا تَردُّدَ في تقديمٍ بَوَّابٍ ومُزمَّلاتيّ وخادمٍ مِطهَرٍ)).
انتهى. قلتُ: إنَّما يكونُ المدرِّسُ من الشَّعائرِ لو مُدرِّسَ المدرسةِ كما مرَّ(١) أمَّا
مدرِّسُ الجامِعِ فلا؛ لأَنَّه لا يَتعطَّلُ لغَيَتِهِ، بخلافِ المدرسةِ حيثُ تُقفَلُ أصلاً، وهل
يَأْخُذُ أَيَّمَ البَطالَةِ كـ: عيدٍ ورمضانَ؟ لم أَره.
[٢١٤٤٥) (قولُهُ: قَلَهُ في "البحر") أي: قالَ ما مرَّ(٢) من قولِهِ: ((الشَّعائرُ)) إلى هنا.
[٢١٤٤٦] (قولُهُ: قلتُ: ولا تردُّدَ) ردٌّ على قولِ "البحر": ((ويقعُ الاشتباهُ إلخ)).
[٢١٤٤٧] (قولُهُ: انتهى) أي: كلامُ "الشُّرُبلاليّ" في "شرح الوهبانيّة".
مطلبٌ فيمَن لم يُدرِّسْ؛ لعدمٍ وجودِ الطَّلبةِ
[٢١٤٤٨] (قولُهُ: لو مدرِّسَ المدرسةِ) ولا يكونُ مدرِّسُها مِن الشَّعائرِ إلَّ إذا لازمَ النَّدريسَ
على حُكمِ الشَّرْطِ، أمَّا مدرِّسو زمانِنا فلا، "أشباه"(٣). ولو أنكرَ النَّاظرُ ملازمةَ المدرِّسِ فالقولُ
للمدرِّسِ بيمينِهِ، وكذا لورثِهِ لقيامِهِم مَقامَهُ، وكذا كلُّ ذي وظيفةٍ، وتمامُهُ في "حاشية الرَّمليّ" عندَ
قولِ "البحر"(٤): ((السَّادسةُ)). وفي "الحَمَويّ(٥): ((سُئِلَ المصنّفُ(٦) عمَّن لم يدرِّسْ لعدمٍ وجودٍ
الطَّلبةِ، فهل يستحقُّ المعلومَ؟ أجابَ: إنْ فَرَّغَ نفسَهُ للَّدريسِ بأنْ حَضَرَ المدرسةَ المعَنَةَ لتدريسِهِ
استحقَّ المعلومَ؛ لإمكانِ الَّدريسِ لغيرِ الطَّبةِ المشروطينَ، قالَ في "شرح المنظومة"(٧): المقصودُ من
المدرِّسِ يقومُ بغيرِ الطَّلبةِ، بخلافِ الطَّالبِ فإنَّ المقصودَ لا يقومُ بغيرِهِ)) اهـ. وسيأتي(٨) قبيلَ
الفروعِ: أنَّه لو درَّسَ في غيرِها لتعذُّرِهِ فيها ينبغي أنْ يستحقَّ العُلُوفَةَ، وفي "فتاوى الحانوتيّ"(٩):
٣٧٩/٣
(١) صـ ٤٦١ - "در".
(٢) ص ٤٧٢- "در".
(٣) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف صـ٢٣٣ -.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٠/٥.
(٥) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب الوقف ٢٤٦/٢.
(٦) أي: "ابن نجيم".
(٧) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الوقف ق ١٨٧/ب بتصرف.
(٨) صـ ٦٤٥ - "در".
(٩) تقدمت ترجمتها ٤٠٧/٤.
الجزء الثالث عشر
٤٧٥
كتاب الوقف
وينبغي إلحاقُهُ بَبَطالَةِ القاضي، واختلفوا فيها، و(١) الأصحُّ أَنَّه يأخُذُ؛ لأَنَّها للاستراحَةِ،
"أشباه" من قاعدةٍ: العادةُ مُحكَّمةٌ،
((يستحقُّ المعلومَ عندَ قيامِ المانعِ من العملِ، ولم يكنْ بتقصيرِهِ، سواءٌ كانَ ناظراً أو غيرَهُ كالجابي)).
مطلبٌ في استحقاقِ القاضي والمدرِّسِ الوظيفةَ في يومِ البَطَالِةِ
[٢١٤٤٩] (قولُهُ: وينبغي إلحاقُهُ بِبَطَلَةِ القاضي إلخ) قالَ في "الأشباه"(٢): ((وقد اختلفوا في أخذٍ
القاضي ما رُتْبَ له في بيتِ المالِ في يومٍ بَطَالِهِ، فقالَ في "المحيط ": إنّه يأخذُ؛ لأَنَّه يستريحُ لليومِ الّاني،
وقيلَ: لا. اهـ، وفي "المنية": القاضي يستحقُّ الكفايةَ من بيتِ المالِ في يومِ البطالةِ في الأصحِّ، وفي
"الوهبانيّة"(٣): أَنَّه الأظهرُ، فينبغي أنْ يكونَ كذلكَ في المدرِّسِ؛ لأنَّ يومَ البطالةِ للاستراحةٍ، وفي الحقيقةِ
تكونُ للمُطالعةِ والتَّحرِيرِ عندَ ذوي الهمَّةِ، ولكنْ تعارفَ الفقهاءُ في زمانِنا بَطالةً طويلةً أدَّت إلى أنْ
صارَ الغالبُ البطالةَ، وَأَيَّامُ الَّدريسِ قليلةٌ)) اهـ. وردَّهُ "البيريُّ" بما في "القنية"(٤): إنْ كانَ الواقفُ
قدَّرَ للدَّرسِ لكلِّ يومٍ مبلغاً فلم يُدرَّسُ يومَ الجمعةِ أو الثَّلاثاءِ لا يَحِلُّ له أنْ يأخُذَ، ويُصرَفُ أجرُ
هذين اليومينِ إلى مصارفِ المدرسةِ من المَرَمَّةِ وغيرِها، بخلاف ما إذا لم يُقدِّرْ لكلِّ يومٍ مبلغاً، فإنَّه
يَحِلُّ لَه الأَخَذُ وإنْ لم يُدرِّسْ فيهما للعُرِفِ، بخلافِ غيرِهما من أيَّامِ الأسبوعِ، حيثُ لا يَحِلُّ له
أخذُ الأجرِ عن يومٍ لم يدرِّسْ فيه مطلقاً، سواءٌ قدِّرَ له أجرُ كلِّ يومٍ أوْ لا. اهـ، "ط " (٥).
قلتُ: هذا ظاهرٌ فيما إذا قدَّرَ لكلِّ يومٍ درَّسَ فيه مبلغاً، أمَّا لو قالَ: يُعطَى المدرِّسُ كلَّ يومٍ
كذا، فينبغي أنْ يُعطى ليومِ البَطالةِ الْمُتعارفةِ، بقرينةِ ما ذكرَهُ في مقابلِهِ من البناءِ على العُرفِ، فحيث
كانَتِ البطالةُ معروفةً في يومِ الثّلاثاءِ والجمعةِ، وفي رمضانَ والعيدينِ يَحِلُّ الأخذُ، وكذا لو بَطَلَ
(١) ((الواو)): ليست في "و".
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة: العادة محكمة - حكم البطالة في المدارس إلخ صـ١٠٥ -.
(٣) "المنظومة الوهبانية": فصلٌ من كتاب أدب القاضي صـ ٥٤ - (هامش "المنظومة المحبية").
(٤) نقول: لم نعثر على هذا النقل في "القنية" بعد بحث طويل، والظاهر: أنه من كلام "البيري" فهمه عن قوله في "القنية"
٨٨/ب نقلاً عن "المحيط": ((ُيُدرِّس بعضَ النّهارِ في مدرسةٍ وبعضَه في مدرسةٍ أخرى ولا يُعلَمُ شرط الواقف يستحقُّ
غْلة المدرِّس في المدرستين)) اهـ فقوله: ((ولا يُعلَمُ شرطُ الواقفِ)) يدلُّ بمفهوم المخالفة أنه إذا علم شرط الواقف تقيَّد به
كما هي المسألة التي بين أيدينا ومعلومٌ أن مفهوم المخالفة معتبرٌ في الكتب الفقهية ويدلُّ عليه قولُهُ: ((بخلاف ما إذا لم
يقدِّر [الواقف] لكل يومٍ مبلغاً فإنه يحلُّ له الأخذُ وإن لم يدّرس للعرف)).
(٥) "ط": كتاب الوقف ٥٤١/٢-٥٤٢.
حاشية ابن عابدين
٤٧٦
كتاب الوقف
وسيجيءُ ما لو غابَ، فليُحفَظْ. (ولو) كان الموقوفُ (داراً فعِمارتُهُ على مَن له
السُّكْنى) ولو مُتعدِّدًا مِن مالِهِ.
في يومٍ غيرِ معتادٍ لتحريرِ درسٍ، إلَّ إذا نصَّ الواقفُ على تقييدِ الدَّفعِ باليومِ الَّذي يُدرِّسُ فيه كما
قلنا، وفي الفصلِ الثَّامنَ عشرَ مَن "الََّار خانيَّةً"(١): ((قالَ الفقيهُ "أبو اللَّيث": ومَن يأخذُ الأجرَ من
طلبةِ العلمِ في يومٍ لا درسَ فيه أرجو أنْ يكونَ جائزاً - وفي "الحاوي"(٢): إذا كانَ مشتغلاً
بالكتابة والتدریس)) اهـ.
[٢١٤٥٠] (قولُهُ: وسيجيءُ(٣)) أي: عن "نظم الوهبانيَّة" بعدَ قولِهِ: ((ماتَ المؤذِّثُ والإِمامُ)).
مطلبٌ (٤): عِمارةُ مَن له السُّكْنِى مِلْكٌ له
[٢١٤٥١] (قولُهُ: على مَن له السُّكْنِى) أي: على مَن يَستَحِقُها، ومُعادُهُ: أَنَّهِ لوكانَ بعضُ
المستحقّيْنَ غيرَ ساكنٍ فيها يلزمُهُ النَّعميرُ معَ السَّاكنينَ؛ لأنَّ تركَهُ لحقّهِ لا يُسقِطُ حقَّ الوقفِ،
فَيَعْمُرُ معَهم، وإلاَّ تؤخَّرْ [٣/ق١١٩/أ] حصَُّه كما يأتي(٥).
[٢١٤٥٢] (قولُهُ: مِن مالِهِ) فإذا رمَّ حِيْطانَها بالآجُرِّ أو أدخلَ فيها جِذْعاً ثُمَّ ماتَ ولا يُمْكِنُ
نَزْعُ ذلكَ فليسَ للورثةِ نزعُهُ، بل يُقالُ لَمن له السُّكْنى بعدَهُ: اضمنْ لورثْتِهِ قيمةَ البناءِ، فإنْ أَبى
أُوجِرَتِ الدَّارُ وصُرِفَتِ الغَلَّةُ إليهم بِقَدْرِ قيمةِ البناءِ ثُمَّ أعيدَتِ السُّكْنى إلى مَن له السُّكَّنى، وليسَ
له أنْ يَرْضَى بالهَدْمِ والقَلْعِ، وإنْ كانَ مَا رَمَّ الأوَّلُ مثلَ تحصيصِ الحيطانِ وتطيينِ السُّطوحِ وشبهِ
ذلكَ؛ لم يَرجِعِ الورثةُ بشيءٍ، "بحر "(٦) عن "الظَّهيريَّة"(٧)، أي: لأنَّ ما لا يُمكِنُ أخذُ عينِهِ فهو
(قولُهُ: قالَ الفقيةُ "أبو اللَّيث": ومَن يأخذُ الأجرَ من طلبةِ العلمِ في يومٍ لا درسَ فيه أرجو أنْ يكونَ جائزاً)
لعلَّ إطلاقَ الفقيهِ "أبي الّيث" بناءً على أنَّ الطَّالبَ للعلمِ لا يخلو عن نوعٍ تحصيلٍ، نقلَهُ "الحَمَويُّ"، "سنديّ".
(١) "التاتر خانية": كتاب الوقف - في الرَّجل يقفُ على جماعة ثم يستثني بعضهم إلخ ٨١٥/٥ ..
(٢) لم نعثر عليها في كتاب الوقف من نسخة "الحاوي القدسي" التي بين أيدينا.
(٣) صـ ٦٥١ - "در".
(٤) في "م": ((مطلب في)).
(٥) المقولة [٢١٤٥٦] قوله: ((ولو أبى من له السُّكْنى)).
(٦) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٤/٥ بتصرف.
(٧) "الظهيرية": كتاب الوقف - القسم الثاني - الفصل الرابع في تصرُّفات القَوَّام على الأوقاف إلخ ق ٢٢٢/أ بتصرف.
الجزء الثالث عشر
٤٧٧
کتاب الوقف
لا مِن الغَلَّةِ؛ إذ الغُرْمُ بالغُنمِ، "درر"(١). (ولم يَزِد في الأصحِّ) يعني: إنَّما تَجِبُ
العِمارةُ عليه بِقَدْرِ الصِّفةِ التي وَقفَها الواقِفُ،.
في حكمِ الهالكِ، بخلافِ الآجُرِّ والجذْعِ، ولو بَنَى الأوَّلُ ما يُمكِنُ رفعُهُ بلا ضررٍ أُمِرَ الورثةُ
برفعِهِ، وليسَ للَّاني تمُّكُهُ بلا رضاهم كما في "الإسعاف" (٢)، وفي "البحر "(٣) عن "القنية(٤):
((لو بَنَّى واحدٌ من الموقوفِ عليهم بعضَ الدَّارِ وطَّنَ البعضَ وخصَّصَ البعضَ وَبَسَطَ فيه الآجرَّ
فَطَلبَ الآخِرُ حصَّتَهُ ليسكنَ فيها فمنعَهُ حَتّى يدفعَ حصَّةً ما أنفقَ ليسَ له ذلكَ، والطِّينُ والْجَصُّ
صارَ تَبَعاً للوقفِ، وله نَقْضُ الآجُرِّ إنْ لم يَضُرَّ)).
مطلبٌ: مَن له السُّكْنى لا يَملِكُ الاستِغِلالَ، واخْتُلِفَ في عَكسِهِ
[٢١٤٥٣] (قولُهُ: لا من الغَلَّةِ) لأنَّ مَن له السُّكنى لا يَمِلِكُ الاستغلالَ بلا خلافٍ، واختُلِفَ
في عكسِهِ، والرَّاجحُ الجوازُ كما حرَّرَهُ "الشُّرُ بلاليُّ" في رسالةٍ(٥)، ويأتي(٦) تمامُّهُ قريباً.
[٢١٤٥٤) (قولُهُ: إذ الغُرْمُ بالغُنْمِ) أي: المضرَّةُ بمقابلَةِ المنفعةِ.
[٢١٤٥٥] (قولُهُ: بِقَدْرِ الصِّفَةِ الَّتي وقفَها الواقفُ) هذا مُوافِقٌ لِما قدَّمناهُ(٧) عن "الهداية" عندَ
قولِهِ: ((يُدُأُ من عَلَّتِهِ بعِمارتِهِ))، والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ منه منعُ الزِّيادةِ بلا رضاهُ كما يفيدُهُ تمامُ عبارةٍ
(قولُهُ: والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ منه منعُ الزِّيادةِ إلخ) خلافُ الظَّاهرِ من هذهِ العبارةِ ومن عبارةٍ
"الهداية"، والظَّاهرُ: القولُ باختلافِ الرِّوايةِ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٧/٢ بتصرف.
(٢) "الإسعاف": باب الوقف على أهل بيته وآله وجنسه إلخ - فصل في وقف داره على سكنى أولاده إلخ صـ١٢٥ -.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٥/٥.
(٤) "القنية": كتاب الوقف - باب فيما يتعلَّقُ بعمارة الوقف والبناء ق ٩٣/ب.
(٥) مسمَّةٍ "تحقيق السؤدد باشتراط الريع أو السُّكْنى في الوقف للولد" لأبي الإخلاص حسن بن عمار الوفائي الشرنبلانيّ المصريّ
(ت ١٠٦٩ هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٦٥/١، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية" ص٥٨-، "هدية العارفين" ٢٩٢/١).
(٦) المقولة [٢١٤٦٤] قوله: ((لأنه لا سُكْنى له)).
(٧) المقولة [٢١٤٢١].
حاشية ابن عابدين
٤٧٨
كتاب الوقف
(ولو أَبَى) مَن له السُّكْنى (أو عَجَزَ) لفَقرِهِ (عَمَرَ الحاكِمُ) أي: آجَرَها الحاكمُ منه
أو مِن غيرِهِ وعَمَرَها (بِأُجرَّتِها) كعِمارةِ الواقِفِ، ولم يَزِد في الأصحِّ إلاَّ بِرِضَى
مَن له السُّكْنى، "زيلعيّ". ولا يُحبَرُ الآبي على العِمارةِ».
"الهداية"(١)، وكذا ما يأتي (٢) عن "الزَّيلعيِّ"، فلا ينافي ما في "الإسعاف"(٣): ((من أَنَّه يقالُ له:
رُمَّها مَرَمَّةً لا غنى عنها، وهي: ما يمنَعُ من خَرَابِها، ولا يلزمُهُ أزيدُ من ذلكَ)) اهـ. فلا يلزمُهُ إعادةُ
البياضِ والحُمْرَةِ، ولا إعادةُ مثلٍ ما حَرِبَ في الْحُسْنِ وَالنَّاسِةِ، هذا ما ظهرَ لي.
[٢١٤٥٦] (قولُهُ: ولو أَبَى مَن لَه السُّكْنى) أي: كلُّهم أو بعضُهم، فيؤجِّرُ حصَّةَ الآبي
ثُمَّ يردُّها إليه كما في "القُهِستانيِّ" (٤) و"الدُّرِّ المنتقى"(٥) و"الإسعاف"(٦).
[٢١٤٥٧] (قولُهُ: عَمَرَ الحاكمُ) أي: أو المتولِّي، "قُهِستانيّ"(٧)، قالَ في "البحر "(٨).
((ولو قالوا: عمَرَها المتولّي أو القاضي لكانَ أَولى)).
[٢١٤٥٨] (قولُهُ: كعِمارةِ الواقفِ) أتى به معَ علمِهِ ثَمّا تقدَّمَ للاستثناءِ، "ط "(٩).
[٢١٤٥٩] (قولُهُ: ولم يَزِدْ فِي الأصحِّ) يشيرُ إلى أنَّ فيه خلافاً، لكنْ هذا ذكرَهُ "الزَّلعيُّ))(١٠)
(قولُهُ: فيؤجِّرُ حصَّةَ الآبي ثُمَّ يردُّها إليه إلخ) أي: بعدَ قِسْمةِ الموقوفِ، وإلاَّ تكونُ الإجارةُ فاسدةً
للشُُّوعِ، وعبارةُ "الإسعاف": ((ولو امتنعَ أحدُ الموقوفِ عليهم من الْتِّرميمِ تُقْسَمُ الدَّارُ ويُؤخَّرُ نصيبُهُ
مدَّةً يَحصُلُ منها قَدْرُ ما ينوبُهُ لو دفعَ من عندِهِ ثمَّ بعدَ ذلكَ يُرَدُّ إليه نصيبُهُ)) اهـ. نعم إذا أجَّرها لباقي
الموقوفِ عليهم صحَّت، وانظرْ حكمَ ما إذا لم تقبلِ القِسْمةً ولم يحصلْ تراضٍ على المُهايأةِ.
(١) "الهداية": كتاب الوقف ١٧/٣.
(٢) في هذه الصحيفة "در".
(٣) "الإسعاف": باب الوقف على أهل بيته وآله وجنسه إلخ - فصل في وقف داره على سُكنى أولاده إلخ صـ١٢٥ -.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الوقف ١٦٤/٢.
(٥) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٤٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) "الإسعاف": باب الوقف على أهل بيته و آله و جنسه إلخ- فصل في وقف داره علی سکنی أولاده إلخ صـ١٢٥ -.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الوقف ١٦٤/٢ بتصرف.
(٨) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٦/٥.
(٩) لم نعثر عليها في نسخة "ط" التي بين أيدينا.
(١٠) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف ٢٣٦/٥.
الجزء الثالث عشر
٤٧٩
كتاب الوقف
ولا تَصِحُّ إجارةُ مَن له السُّكْنِى،
في الموقوفِ على الفقراءِ، وقدَّمناهُ(١) أيضاً عن "الهداية"، وكلامُنا الآنَ في الموقوفِ على معيَّنِ أي:
كذرِيَّةِ الواقفِ ونحوِهم ثمّن عيَّنَ لهم السُّكْنِى، وظاهرُ كلامِهم: أنّه لا خلافَ في عدمِ الزِّیادةِ فیه.
مطلبٌ فيما لو آجَرَ مَن له السُّكنى
٣٨٠/٣
. [٢١٤٦٠] (قولُهُ: ولا تَصِحُّ إجارةُ مَن له السُّكْنِى) أي: إذا لم يكنْ متولّياً ولو زادَت(٢) على
قَدْرِ حاجتِهِ ولا مستحِقَّ غيرُهُ كما قدَّمْناهُ(٣) عندَ قولِهِ: ((ولا يُقْسَمُ))، وقدَّمنا(٤) هناكَ ما لو
ضاقَت على المستحقّينَ، وكذا لا تَصِحُّ إجارةُ مَن له الغَلَّهُ كما في "البحر "(٥)، وسيأتي(٦) في قولِ
"المصنّفِ": ((والموقوفُ عليه الغَلَّهُ لا يَمِلِكُ الإِجارةَ)). بَقِيَ لو آجرَ ولم تصحّ، ينبغي أنْ تكونَ
للوقفِ، "بحر"(٧)، لكنْ قالَ "الحانوتيُّ": ((إنَّه غاصبٌ، وصرَّحوا بأنَّ الأجرةَ للغاصبِ)) اهـ.
قلتُ: هذا مبنيٌّ على مذهبِ المتقدِّمينَ، والمُفَتَى به ضمانُ منافعِ الوقفِ كما سيأتي (٨) قُبَيلَ
قولِهِ: ((يُفْتَى بالضَّمَانِ فِي غَصْبِ عقارِ الوقفِ))، فإذا كانَت الغَلَّةُ أو السُّكْنى له وحدَهُ ينبغي
أنْ تكونَ الأجرةُ له، وإلاَّ فللكلِّ، تأمَّل.
(قولُهُ: هذا مبنيٌّ على مذهبِ المتقدِّمِينَ إلخ) فيه: أنَّ الخلافَ بينَ المتقدِّمِينَ والمتأخّرِينَ إنَّا هو في
ضمانِ منافعِ الوقفِ، وهذا ليسَ الكلامُ فيه، ولا خلافَ بينَهم في أنَّ الأجرةَ للغاصبِ، وهو بإجارتِها
صارَ غاصباً فتكونُ الأجرةُ له وهو موضوعُ المسألةِ.
(١) المقولة [٢١٤٢١] قوله: ((ويبدأ من غلّته بعمارته)).
(٢) في "ب": ((زدت)).
(٣) المقولة [٢١٣٤٢] وما بعدها.
(٤) المقولة [٢١٣٤٣] قوله: ((بل يتهايؤون)).
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٦/٥.
(٦) صـ ٨ ٥٦ - "در".
(٧) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٦/٥.
(٨) المقولة [٢١٦٢٦] قوله: ((فعلى المستأجر المسمَّى إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٤٨٠
كتاب الوقف
بل المتولِّي أو القاضي، (ثُمَّ رَدَّها) بعد التّعميرِ (إلى مَن له السُّكْنى) رِعايةً للحَقِّينِ،.
مطلبٌ: لا يَملِكُ القاضي التَّصرُّفَ في الوَقفِ معَ وُجُودِ ناظرٍ ولو مِن قِبَلِه
[٤٦١(٢) (قولُهُ: بل المتولّي أو القاضي) ظاهرُهُ: أنَّ للقاضي الإجارةَ ولو أَبى المتولّي، إلاَّ أنْ يكونَ
المرادُ التَّوزِيعَ، فالقاضي يُؤَجِّرُها إنْ لم يكنْ لها متولِّ، أو كانَ وأَبِى الأصلحَ، وأمَّا معَ حضورِ المتولّي
فليسَ للقاضي ذلكَ، "بحر"(١)، وفي "الأشباه"(٢) في قاعدةٍ: الولايةُ الخاصَّةُ أقوى من الولايةِ العامَّةِ - بعدَ
أَنْ ذَكَرَ فروعاً -: ((وعلى هذا لا يَمِلِكُ القاضي النَّصرُّفَ في الوقفِ معَ وجودِ ناظرٍ ولو مِن قِيَلِه)) اهـ.
قالَ "الرَّملِيُّ": ((وسيأتي أنَّ ولايةَ القاضي متأخّرةٌ عن المشروطِ له ووصيِّهِ، تَنَّه)) اهـ.
ومُفادُهُ: أَنَّه ليسَ له الإِيجارُ معَ حضورِ المتولّي، وَأَيَّدَهُ "الرَّمليُّ" في محلِّ آخرَ، واستندَ له بالقاعدةِ
المارَّةِ، لكنَّه نَقَلَ بعدَهُ عن أوقافِ "هلال": ((أنَّ القاضيَ إذا آجرَ دارَ الوقفِ أو وكيلَهُ بأمرِهِ
جازَ))، قالَ: ((وظاهرُهُ: إطلاقُ الجوازِ معَ وجودِ المتولّي، ووجهُهُ ظاهرٌ)) أهـ. لكنْ في "فتاوى
الحانوتيّ": ((أنَّ تنصيصَهم على أنَّ القاضيَ محجورٌ عن النّصرُّفِ في مالِ اليتيمِ عندَ وصيِّ الَّتِ أو
القاضي يقتضي بالقياسِ عليه أنَّه هنا كذلكَ، فلا يُؤَجِّرُ إلَّ إذا لم يكنْ مُتَولِّ أو كانَ وامتنعَ)) اهـ.
وعليه [٣/ ق١١٩/ب] يُحمَلُ كلامُ "هلال".
(تنبيةٌ)
لم يذكرِ الشَّارحونَ حكمَ العِمارةِ من المتولّي أو القاضي، وفي "المحيط": ((أَنَّها لصاحبٍ
السُّكْنِى؛ لأنَّ الأجرةَ بدلُ المنفعةِ، وهي كانت له فكذا بدلُها، والقيِّمُ إنَّا آجرَ لأجلِهِ)) اهـ.
ومقتضاهُ: أَنَّه لو ماتَ تكونُ ميراثاً كما لو عمَرَها بنفسِهِ، "بحر "(٣).
[٢١٤٦٢) (قولُهُ: رِعايةً للحقّينِ) حقِّ الوقفِ وحقِّ صاحبِ السُّكْنى؛ لأَنَّه لو لم يعمُرْها تفوتُ
(قولُهُ: ولو أبى المتولّي إلخ) كذا عبارةُ "البحر"، والأولى: ولو رَضِيَ المتولّي.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٦/٥.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأول: القواعد الكلية - القاعدة السادسة عشرة صـ١٨٧ -.
(٣) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٦/٥ بتصرف.