النص المفهرس
صفحات 441-460
الجزء الثالث عشر
٤٤١
کتاب الوقف
قلتُ: لكنْ سيجيءُ - مَعزّاً لـ "فتاوى مُؤَيَّد زاده"(١) -: ((أَنَّ للواقِفِ الرُّجوعَ في
الشُّروطِ ولو مُسجَّلاً)). (أَتَّحَدَ الواقِفُ والجهةُ، وقَلَّ مَرَسُومُ بعضِ الموقوفِ عليه)
بسببٍ خَرَابٍ وَقِفِ أحدِهِما (جازَ للحاكِمِ أن يَصرِفَ مِن فاضلِ الوَقفِ الآخَرِ
عليه(٢)؛ لأنَّهما حينئذٍ كشيء واحدٍ، (وإن اختلَفَ أحدُهُما).
في صدرِ العبارةِ، لكنْ هذا إِنَّا يَظهَرُ على قولِ "الإِمامِ": بعدمٍ لُزُومِ الوَقْفِ قبلَ الحُكْمِ، ولذا لم
يَذكُرِ الَّسجيلَ في "الخالنَّة"(٣) حيثُ قالَ: ((وَقَفَ ضَعَةً في صحَّتِهِ على الفقراءِ وأخرَجَها من يدِهِ
إلى المتولّي، ثمَّ قالَ لوصِّهِ عندَ الموتِ: أَعطٍ من غلَّتِها لفلان كذا ولفلان كذا، فحَعُلُهُ لأولئكَ
باطلٌ؛ لأَنَّها صارَت للفقراءِ أوَّلاً، فلا يَمِلِكُ إبطالَ حقّهم إلاّ إذا شَرَطَ في الْوقفِ أنْ يَصرِفَ غَنَّها
إلى مَنْ شاءَ)) اهـ. والمرادُ ببطلانِهِ: أنَّه لا يكونُ حقًّ لازماً لفلانٍ فِي غَلَّةِ الوقفِ، فلو كانَ فلادٌ
فقيراً لا يَلْزَمُ إعطاؤُهُ، بل له أنْ يُعطِيَ غيرَهُ.
[٢١٣٨٢] (قولُهُ: لكنْ سيجيءُ(٤) أي: آخرَ الفصلِ الآتي، وفيه كلامٌ سيأتي(٥).
(٢١٣٨٣] (قولُهُ: أَّحَدَ الواقفُ والْجِهَةُ) [٣/ ١/١١٤] بأنْ وَقَفَ وقَفَينِ على المسجدِ، أحدُهما
على العِمارةِ والآخرُ إلى إمامِهِ أو مؤذّنِهِ، والإِمامُ والمؤذِّثُ لا يَستَقِرُّ لقلَّةِ المرسومِ، للحاكمِ الدَّيِّنِ
أنْ يَصرِفَ مِن فَاضِلٍ وَقْفِ المصالحِ والعِمارةِ إلى الإمامِ والمؤذّنِ باستصوابِ أهلِ الصَّلاحِ من
أهلِ المَحَلَّةِ إنْ كانَ الواقفُ مُتَّحِداً؛ لأنَّ غَرَضَهُ إحياءُ وَقْقِهِ، وذلكَ يَحصُلُ بما قُلْنَا، "بحر "(٦)
عن "البرَّازيَّة"(٧)، وظاهرُهُ: اختصاصُ ذلكَ بالقاضي دونَ النَّاظِرِ.
[٢١٣٨٤] (قولُهُ: بسببِ خَرَابِ وَقْفِ أحدِهما) أي: خرابِ أماكنِ أحدِ الوقفَينِ.
(١) "فتاوى عبد الرحمن بن علي بن مؤيّد" الشهير بمؤيّد زاده الأماسي الروميّ (ت٩٢٢هـ) ("الفوائد البهية" صـ ٨٩-،
"الكواكب السائرة" ٢٣٢/١، "الشقائق النعمانية" صـ ١٧٦-، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٤٢/٢).
(٢) في "د" و"و": ((إليه)).
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو خاناً إلخ ٢٩٦/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) صـ ٧١٨ - وما بعدها "در".
(٥) المقولة [٢١٨٥٩] قوله: ((وإن كانوا أصلح)).
(٦) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٤/٥.
(٧) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّته وفساده وفيه نوع من وقف المنقول ٢٦١/٦ (هامش الفتاوى الهندية)
حاشية ابن عابدين
٤٤٢
کتاب الوقف
بأنْ بَنِى رَجُلانِ مَسجدَينٍ أو رجلٌ مسجداً ومَدرسةً ووَقَفَ عليهما أوقافاً
(لا) يجوزُ له ذلك، (ولو وَقفَ العَقَارَ بَبَقَرِه وأَكَرتِه) - بفتحتين -:
[٢١٣٨٥] (قولُهُ: بأنْ بَنَى رجلانِ مسجدَينٍ) الظَّاهرُ: أنَّ هذا من اختلافِهما معاً، أمَّا اختلافُ
الواقفِ ففيما إذا وَقَفَ رِجُلانٍ وقفَيْنِ على مسجدٍ.
[٢١٣٨٦) (قولُهُ: لا يجوزُ له ذلكَ) أي: الصَّرفُ المذكورُ، لكنْ نَقَلَ في "البحر"(١) بعدَ هذا
عن "الولوالحيَّة"(٢): ((مسجدٌ له أوقافٌ مختلفةٌ لا بأسَ للقَيِّمِ أنْ يَخِطَ غَلَّها كلَّها، وإنْ خَرِبَ
حانوتٌ منها فلا بأسَ بعِمارتِهِ من غَلَّةِ حانوتٍ آخرَ؛ لأنَّ الكلَّ للمسجدِ ولو كانَ مختلفاً؛ لأنَّ
المعنى يَجمَعُهما)) اهـ، ومثلُهُ في "البزَّازِيَّةِ"(٣)، تأمَّل.
(تنبيةٌ)
قالَ "الخيرِ الرَّمليُّ": ((أَقولُ: ومن اختلافِ الجهةِ ما إذا كانَ الوَقْفُ مَنْزِلَيْنِ، أحدُهما
للسُّكْنى والآخرُ للاستغلالِ، فلا يُصرَفُ أحدُهما للآخرِ، وهي واقعةُ الفتوى)) اهـ.
[٢١٣٨٧] (قولُهُ: ولو وَقَفَ العقارَ) هو الأرضُ مبنيَّةً أو غيرَ مبنيّةٍ، "فتح (٤)، وفي "القاموس"(٥):
(قولُهُ: لكنْ نَقَلَ في "البحر" بعدَ هذا عن "الولوالحيّة": مسجدٌ له أوقافٌ مختلفةٌ إلخ) غايةُ ما تُفيدُهُ
عبارتُهُ جوازُ الصَّرْفِ للعِمارةِ، وأمَّا صَرْفُ غَلَّةِ أحدِ الوقفَينِ لمصَرِفِ الآخرِ فَمَسْكوتٌ عنه، فيكونُ
العملُ حينئذٍ بما يُفيدُهُ كلامُ "المصنّفِ".
(قولُهُ: ومن اختلافِ الجهةِ ما إذا كانَ الوَقْفُ مَنزلَين إلخ) ومن اختلافِها أيضاً - كما أفادَهُ
"السِّنديُّ" عن "الخير الرَّمليِّ " أيضاً - ما لو وَقَفَ أحدُهما على قُرَّاءِ المسجدِ والآخرُ على ترميمِهِ.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٣٤/٥.
(٢) "الولوالجية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المسجد وفيما هو من مصالحه إلخ ق ١٥١/ب.
(٣) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الرابع في المسجد وما يتصل به ٢٦٩/٦ -٢٧٠ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٩/٥.
(٥) "القاموس": مادة ((عقر)).
الجزء الثالث عشر
٤٤٣
كتاب الوقف
عَبِيدُهُ(١) الحَرَّاثونَ (صحَّ) استِحساناً تَبَعاً للعَقارِ،.
((هو الضَّيْعَةُ))، وهو المناسِبُ لقولِهِ: ((يَقرِهِ إلخ))، "نهر "(٢).
[٢١٣٨٨] (قولُهُ: عبيدُهُ الحرَّاثونَ) الأَكَرةُ: الحرَّائونَ، مِنْ: أَكَرْتُ الأرضَ: حَرَتْتُها، وَاسمُ
الفاعلِ: أَكَّارٌ للمبالغةِ، "مصباح)(٣)، والمرادُ: أَنَّهم إذا كانوا عبيدَهُ صَحَّ وقفُهم تَعاً للأرضِ، وكذا
آلاتُ الحِراثةِ كما في "البحر"(١".
٣٧٢/٣
مطلبٌ في وقفِ المنقولِ تبعاً للعقارِ
[٢١٣٨٩] (قولُهُ: صحَّ استحساناً إلخ) لأنّه قد يَثْبُتُ مِنَ الْحُكْمِ تَبَعاً ما لا يَتْبُتُ مقصوداً
كالشِّرْبِ في البيعِ، والبناءِ في الوقفِ، وهذا قولُ "أبي يوسف"، و"محمَّدٌ" معَهُ؛ لأَنَّ أجازَ إفرادَ بعضِ
المنقولِ بالوقفِ فالنَّبَعُ أَولى، قالَ في "الإسعاف" (٥): ((وَيَدخُلُ في وقفِ الأرضِ ما فيها من الشَّجِرِ
والبناءِ دونَ الزَّرعِ والنَّمرةِ، كما في البيعِ، ويَدخُلُ أيضاً الشِّرْبُ والطَّريقُ كالإِجارةِ، ولو جَعَلَها مَقَبُرةً
وفيها أشجارٌ عِظامٌ وأبنيةٌ لا تَدخُلُ، ولو زادَ فِي وَقْفِ الأرضِ: ((بحقوقها وجميعٍ ما فيها ومنها))،
وعلى الشَّجرةِ ثمرةٌ قائمةٌ يومَ الوقفِ، قالَ "هلال": لا تَدخُلُ قياساً، وفي الاستحسان: يَلزَمُهُ
التَّصدُّقُ بها على وجهِ الَّذْرِ لا الوقفِ، وذكرَ "النَّاطفيُّ): إذا قالَ: ((بحقوقِها)) تَدخُلُ في الوقفِ،
وهذا أَولى، خصوصاً إذا زادَ: ((يجميعِ ما فيها ومنها))، ولو وَقَفَ داراً بجميعٍ ما فيها، وفيها حَمَامَاتٌ
يَطِرْنَ، أو بيتاً وفيه كُوَّاراتُ عَسَلٍ يَدخُلُ الحَمَامُ والنَّحْلُ تَبَعاً للدَّارِ والعَسَلِ، كما لو وَقَفَ
ضَيْعَةً وذَكَر ما فيها من العبيدِ والدّواليبِ وآلاتِ الحراثةِ)). اهـ ملخَّصاً. وقولُهُ: ((وذَكَرَ ما
فيها إلخ)) يُفيدُ عدمَ الدُّخولِ بلا ذِكرِهِ، وبه صرَّحَ في "الفتح"(٦)، وقد اختَصَرَ في "البحر)"(٧) عبارةَ
(١) في "و": ((وهم عبيدُهُ)).
(٢) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٢/ب.
(٣) "المصباح المنير": مادة ((أكثر)).
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٦/٥ بتصرف.
(٥) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز وما يدخل تبعاً وما لا يدخل إلخ صـ٢٣ -.
(٦) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٠/٥.
(٧) انظر "البحر": كتاب الوقف ٢١٦/٥.
حاشية ابن عابدين
٤٤٤
كتاب الوقف
وجاز وَقفُ القِنِّ على مَصالحِ الرِّباطِ، "خلاصة"، ...
"الإسعاف" اختصاراً مُخِلاًّ.
مطلبٌ: لا يُشترَطُ التَّحديدُ فِي وَقفِ العَقَارِ
(تنبية)
لم يَذْكُرِ "المصنّفُ" لصحَّةِ الوقفِ اشتراطَ تحديدِ العَقَارِ؛ لأنَّ الشَّرطَ كونُهُ معلوماً، وقولُ
"الفتح"(١): ((إذا كانَت الدَّارُ مشهورةً معروفةً صحَّ وقفُها وإنْ لم تُحدَّدِ استغناءً بشُهْرتِها عن
تحديدِها)) اهــ ـ ظاهرُهُ: اشتراطُ التَّحديدِ، ولا يَخْفَى ما فيه، بل ذلكَ شرطٌ لقَبولِ الشَّهادةِ
بوقفَتِها، وتمامُهُ في "البحر"(٢)، وقالَ في "أنفع الوسائل"(٣) - بعدَما قسَّمَ مسألةَ التّحديدِ إلى سبعِ
صورٍ -: ((وأمَّا الصُّورةُ الثّالثةُ - أي: ما لو لم يُحَدِّدها أصلاً، وهم لا يَعرِفُونَها(٤) - فقالَ
"الخصَّاف" (٥) فيها: الوَقْفُ باطلٌ إلاَّ أنْ تكونَ مشهورةً، وقالَ "هلال": الشَّهادةُ باطلةٌ
ولا شكَّ أنَّ الأوَّلَ يحتاجُ إلى تأويلٍ، - بمعنى أنَّ الشَّهادةَ باطلةٌ كما قالَ "هلالُ" وغيرُهُ -
ولا يُجُوزُ العملُ بظاهرِهِ؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُشترَطُ لصحَّتِهِ التِّحديدُ في نفسِ الأمرِ، ولاَ يَجُوزُ الحُكمُ
بإبطالِهِ بمجرَّدٍ قولِ الشُّهودِ: لم يُحدِّدها لنا ولا نعرفُها ولا هي مشهورةٌ)). اهـ ملخّصاً.
[٢١٣٩٠] (قولُهُ: وجازَ وَقْفُ القِنِّ على مَصالحِ الرِّبَاطِ) ظاهرُهُ: جوازُ وقفِهِ استقلالاً، ويؤيِّدُهُ
أَنَّ ذَكَرَهُ في "الفتح"(٦) عن "الخلاصة"(٧) في مسائلِ وقفِ المنقولِ الَّذي حَرَى فيه التَّعامُلُ،
(١) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٩/٥.
(٢) انظر "البحر": كتاب الوقف ٢١٧/٥.
(٣) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة الخامسة من المتفرقات: إذا قال: اشهدوا أني وقفت داري إلخ
صـ ٢١٠-٢١١ -.
(٤) في نسخة "أنفع الوسائل" التي بين أيدينا: ((وهم يعرفونها)) بالإِثبات، وهو خطأ.
(٥) "أحكام الأوقاف": باب الشَّهادة في الوقف وما يدخلُ في ذلك ص٢٧٩-٢٨٠ -.
(٦) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٢/٥.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث - في صحَّة الوقف إلخ - جنس آخر في وقف المنقول ق٣٢٥/أ.
الجزء الثالث عشر
٤٤٥
كتاب الوقف
ونَفْقَتُهُ وجِنايتُهُ في مالِ الوَقفِ. ولو قُتِلَ عَمْداً.
فكانَ يَنْبغِي لـ "الشَّارِحِ" [٣/ق١١٤ /ب] ذِكرُهُ بعدَ قولِ "المصنّفِ"(١): ((ومنقولٍ فيه تعاملٌ))؛ لئلاً
يُتُوهَّمَ أنْ المرادَ أَنَّه وَقَفَهُ تَبَعاً للرِّبَاطِ كما تَوهَّمَهُ فِي "البحر" حيثُ قَالَ(٢): ((وأمَّا وَقْفُ العِيدِ تَبَعاً
للمدرسةِ والرِّباطِ فسيأتي أنَّه جوََّهُ بعضُ المشايخِ)) اهـ. معَ أَنَّه فيما سيأتي(٣) إِنّا ذَكَرَ ما في
"الفتح" عن "الخلاصة".
[٢١٣٩١] (قولُهُ: وَنَفَقْتُهُ) أي: وإنْ لم يَشرِطْها الواقفُ، وفي "الإسعاف" (٤): ((لو
شرَطَها مِن الغَلَّةِ ثُمَّ مرِضَ بعضُهم استحقَّها إنْ شَرَطَ إجراءَها عليهم ما داموا أحياءً، وإنْ
قالَ: ((لعملِهم)) لا يَجِرِي شيءٌ على مَن تَعَطَّلَ عن العملِ، ولو باعَ العاجزَ واشتَرَى
بثمنِهِ عبداً مكانَهُ جازَ)) اهـ. وقالَ(٥) في موضعٍ آخرَ: ((وكذلكَ الدَّواليبُ والآلاتُ،
يَبيعُها ويَشترِي بثمنها ما هو أصلحُ للوقفِ)).
(٢١٣٩٢] (قولُهُ: وجِنايتُهُ في مالِ الوَقفِ) وعلى المتولّي ما هو الأصلحُ من الدَّفعِ أو الفداءِ،
ولو فَدَاهُ بأكثرَ من أرشِ الجنايةِ كانَ مُتُطَوِّعاً في الرَّائدِ فَيَضمَنُهُ من مالِهِ، وإِنْ فداهُ أهلُ الوقفِ كانوا
متطوّعينَ، ويَبقَى العبدُ على ما كانَ عليه من العملِ، "إسعاف"(٦).
(قولُ "الشَّارِحِ": ونَفَقْتُهُ وجِنايتُهُ في مالِ الوَقْفِ إلخ) أي: ولو كانَ الواقفُ مختلفاً، ويكونُ العبدُ
حينئذٍ من حملةِ المصالِحِ الموقوفِ عليها، فَبِذَا يَزُولُ توقُّفُ "ط"، تأمَّل. لكنَّ هذا ظاهرٌ إذا كانَ الوقفُ
على المصالِحِ، وأمَّا إذا كانَ لشراءِ خبزٍ لأهلِ الرِّباطِ أو لِعمارةٍ أو نحوِ ذلكَ فلا يَظْهَرُ.
(١) صـ ٤٤٩ - "در".
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢١٨/٥.
(٣) المقولة [٢١٤٠٥] قوله: ((ويدفع ثمنه مضاربة أو بضاعة)).
(٤) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف - فصل فيما يجعل للمتولّي من غلّة الوقف صـ٥٩ ..
(٥) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفُهُ وما لا يجوز إلخ صـ٢٤٠ ..
(٦) "الإسعاف": باب الولاية على الوقف - فصل فيما يجعل للمتولّي من علّة الوقف ص٠ ٦ ..
حاشية ابن عابدين
٤٤٦
كتاب الوقف
لا قَوَدَ فيه، "بزازيَّةِ"(١)، بل تَجبُ قِيمتُهُ لْيُشْتَرَى بها بَدَلُهُ. (كـ) ما صحَّ وَقِفُ
(مُشاعِ قُضِيَ بَجَوازِهِ)؛
[٢١٣٩٣] (قولُهُ: لَا قَوَدَ فِيهِ) كأنَّ وجهَهُ: أنَّ في القَوَدِ ضَرَرَ الوَقْفِ بفواتِ البدل. اهـ
"ح"(٢). والظَّاهرُ: أنَّ محلّ ما ذُكِرَ فيما إذا رَضِيَ القاتلُ بدفعِ البدلِ، أمّا إذا لم يَرْضَ إلاَّ بتسليمِ
نفسِهِ للقصاصِ فإنَّه لا يُحبَّرُ؛ لأنَّ القصاصَ عندَنا هو الأصلُ، "ط)" (٣).
[٢١٣٩٤] (قولُهُ: بل تَجِبُ قيمتُهُ) كما لو قُتِلَ خطأً، ويَشترِي به المتولّي عبداً ويَصِيرُ وَقْفاً،
كما لو قُتِلَ المدبَّرُ خطأً وأَخَذَ مولاهُ قيمتَهُ فإِنَّه يَشترِي بها عبداً ويَصِيرُ مدَّراً، وقد صرَّحَ به في
"الذَّخيرة" عن "الخصَّاف"(٤)، "بحر "(٥).
مطلبٌ في وقفِ المُشاعِ المَقْضِيِّ بِهِ
[٢١٣٩٥) (قولُهُ: كما صحَّ وَقفُ مُشاعٍ قُضِيَ بجوازِهِ) وَيَصِيرُ بالقضاءِ متَّفْقاً عليهِ، والخلافُ
في وقفِ المشاعِ مبنيٌّ على اشتراطِ الَّسليمِ وعدمِهِ؛ لأنَّ القِسْمَةَ مِن تمامِهِ، فـ "أبو يوسفَ" أجازَهُ؟
لأنّه لم يَشْترِطِ الَّسليمَ، و"محمَّدْ" لم يُجِزْهُ لاشتراطِهِ الَّسليمَ كما مرَّ(٦) عندَ قولِهِ: ((وَيُفرَزَ))
(قولُهُ: والظَّاهرُ: أنَّ محلَّ ما ذُكِرَ فيما إذا رَضِيَ القاتلُ بدفعِ البدلِ إلخ) سيأتي له في الجناياتِ
التّصْرِيحُ بانقلابِ القَوَدِ مالاً، وعلَّلَ في "الشُّرُ نبلاليّة" عدمَ القصاصِ باشتباهِ مَن له الحقُّ بناءً على
الاختلافِ في تعريفِ الوقفِ.
(١) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثالث: في صحَّته وفساده وفيه وقف النقلي والشائع ـ نوع في وقف المنقول ٢٦٠/٦
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "ح": كتاب الوقف ق٢٧٣/ب.
(٣) "ط": كتاب الوقف ٥٣٩/٢.
(٤) لم نعثر عليها في "أحكام الأوقاف".
(٥) "البحر": كتاب الوقف ٢١٧/٥.
(٦) المقولة [٢١٣٢٨].
الجزء الثالث عشر
٤٤٧
كتاب الوقف
لأَنَّه مُحَتَهَدٌ فيه، فللحنفيِّ المقلِّدِ أن يَحكُمَ بصحَّةٍ وَقفِ الْمُشاعِ وبُطلانِهِ؛.
........
وقدَّمنا(١): أنَّ محلّ الخلافِ فيما يَقبَلُ القِسْمةَ بخلافِ ما لا يَقبَّلُها، فيجوزُ اتفاقاً إلاَّ في المسجدِ
والمقُبُرةِ، وقدَّمنا(١) بعضَ فروعِ ذلكَ.
[٢١٣٩٦] (قولُهُ: لِأَنَّ مُحَتَهَدٌ فيه) أي: يَسوغُ فيه الاجتهادُ لعدمٍ مخالفتِهِ لنصٌ أو إجماعٍ.
مطلبٌ مهمٌّ: إذا حَكَمَ الحنفيُّ بما ذهبَ إليه "أبو يوسف" و"محمَّدٌ"
لم یکنْ حاکماً بخلافِ مذهبهِ
[٢١٣٩٧) (قولُهُ: فللحنفيِّ المقلِّ إلخ) أفادَ: أنَّ المرادَ بقولِهِ: ((قُضِيَ بجوازِهِ)) ما يَشْمَلُ قضاءَ
الحنفيِّ، وإنَّا خَصَّهُ بالتّفريعِ؛ لئلاّ يُتَوهَّمَ أنَّ المرادَ به من مذهبٍ آخرَ؛ لأنَّ إمامَ مذهبنا غيرُ قائلٍ به،
لكنْ لَمّا كانَ قولُ أصحابِهِ غيرَ خارجٍ عن مذهبِ صحَّ حُكمُ مقلِّهِ به، ولذا قالَ في "الدُّرِ"(٢)
من كتابِ القضاءِ عندَ الكلامِ على قضاءِ القاضي بخلافٍ مذهبِهِ: ((إنَّ المرادَ به خلافُ أصلٍ
المذهبِ، كالحنفيِّ إذا حَكَمَ على مذهبِ الشَّافعيِّ، وأمَّا إذا حَكَمَ الحنفيُّ بِما ذهبَ إليه
"أبو يوسف" أو "محمَّدٌ" أو نحوُهما من أصحابِ "الإِمامِ " فليسَ حُكْماً بخلافِ رأيهِ)) اهـ. فقد
أفادَ: أَنَّ أقوالَ أصحابِ "الإِمامِ" غيرُ خارجةٍ عن مذهبِهِ، فقد نَقَلوا عنهم أنّهم ما قالوا قولاً إلاَّ هو
٣٧٣/٣ مرويٌّ عن "الإِمامِ"، كما أوضحتُ ذلكَ في شرحٍ منظومَتي في "رسم المفتي" (٣).
مطلبٌ مهمٌّ: إشكالٌ في وقفِ المنقولِ على النَّفْسِ
وبهذا يَرتفِعُ الإشكالُ المشهورُ اَلَّذِي ذَكَرَهُ الإِمامُ "الطَّرَسُوسيُّ" في "أنفع الوسائل (٤)،
والعلاَّمةُ "ابنُ الشِّلْبِيِّ" في "فتاواهُ"، وهو: أنَّ وقفَ الإنسانِ على نفسِهِ أجازَهُ "أبو يوسفَ" ومَنَعَهُ
"محمَّدٌ" كما سيأتي(٥)، ووَقْفُ المنقولِ كالبناءِ بدونِ أرضٍ والكتبِ والمصحفِ مَنَعَهُ "أبو يوسف"،
(١) المقولة [٢١٣٢٨] قوله: ((ويفرز)).
(٢) "الدرر والغرر": ٤٠٩/٢-٤١٠.
(٣) "عقود رسم المفتي": ٢٥/١ ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين".
(٤) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة الرابعة في وقف الإنسان على نفسه صـ٧٥ ..
(٥) المقولة [٢١٥٠٦] قوله: ((وجاز جعل غلّة الوقف لنفسه إلخ)).
حاشية ابن عابدين
٤٤٨
كتاب الوقف
لاختلافِ التِّرجيح، وإذا كان في المسألةِ قولانِ مُصحَّحان جازَ الإِفتاءُ والقضاءُ
بأحدِهِما، "بحر"(١) و"مصنّف"(٢)
وأجازَهُ "محمَّدٌ"، فوَقْفُ المنقولِ على النَّفْسِ لا يقولُ به واحدٌ منهما، فيكونُ الحكمُ به ملفَّقاً من
قولَينِ، والحُكْمُ الملفَّقُ باطلٌ بالإجماعِ كما مرَّ(٢) أوَّلَ الكتابِ، وبه يَنْدَفعُ ما أجابَ به
"الطَّرَسُوسيُّ (٤): من أَنَّه في "منية المفتي" أفادَ جوازَ الحكمِ الملفَّقِ، وتمامُ ذلكَ مبسوطٌ في كتابِنا
"تنقيح الحامديَّة"(٥) في البابِ الأُوَّلِ من الوقفِ.
[٢١٣٩٨] (قولُهُ: لاختلافِ التّرجيحِ) فإنَّ كلاّ من قولِ "أبي يوسف" وقولِ "محمَّدٍ" صُحِّحَ
بلفظِ الفتوى كما مرَّ(٦).
مطلبٌ فيما إذا كانَ في المسألةِ قولان مصحَّحان
[٢١٣٩٩] (قولُهُ: قولان مصحَّحانٍ) أي: وقد تساويًا في لفظَي التَّصحيحِ، وإلاَّ فالأولى الأخذُ بما
هواكدُ في الّصحيحِ، كما لو كانَ أحدُهما بلفظِ (الصَّحِيحِ))، والآخرُ بلفظِ ((عليه الفتوى))، فإِنَّ الثَّانِيَ
أقوى، وكذا لو كانَ أحدُهما في المتونِ، أو كانَ ظاهرَ [٣/ق١١٥ /أ] الرِّوايةِ، أو كانَ عليهِ الأكثرُ، أو
كانَ هو الأَرفقَ بِالنَّاسِ، فإنّه إذا صُحِّحَ هو ومُقابِلُهُ كانَ الأخذُ به أَولى كما قدَّمِنَاهُ(٧) في أوَّلِ الكتابِ.
[٢١٤٠٠] (قولُهُ: بأحدِهما) أي: بأيِّ واحدٍ منهما أرادَ، لكنْ إذا قَضَى بأحدِهما في حادثةٍ
ليسَ له القضاءُ فيها بالقولِ الآخرِ، نَعَم يَقضِي به في حادثةٍ غيرِها، وكذا الْمُفْتِي، وَيَنبغِي أنْ يكونَ
مَطمَحُ نظرِهِ إلى ما هو الأرفقُ والأصلحُ، وهذا معنى قولِهِم: إنَّ المُفِتِيَ يُفِي بما يَقَعُ عندَهُ
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢١٨/٥.
(٢) "المنح": كتاب الوقف ١/ق ٢٦٩/ب، ق ٢٧١/أ.
(٣) ٢٤٤/١ "در".
(٤) "أنفع الوسائل": مسائل الوقف - المسألة التاسعة والعشرون: المحجور عليه لسفه أو دين إذا وقف هل يصحُ أم لا؟ ص١٥٥ -.
(٥) انظر "العقود الدرّية في تنقيح الفتاوى الحامدية": ١٠٨/١.
(٦) المقولة [٢١٣٣١] قوله: ((هذا بيان)).
(٧) المقولة [٤٧٣] قوله: ((وفي وقف "البحر" إلخ)).
الجزء الثالث عشر
-
٤٤٩
کتاب الوقف
(و) كما صَحَّ أيضاً وَقفُ كلِّ (مَنقولٍ) قَصْداً (فيه تَعاملٌ) للنَّاسِ (كفأسٍ ........
من المصلحةِ، أي: المصلحةِ الدِّينَّةِ لا مصلحتِهِ الدُّنيويَّةِ.
مطلبٌ فِي وَقفِ الَقُولِ قَصْداً
[٢١٤٠١] (قولُهُ: كلّ منقولٍ قَصْداً) أمَّا تَبَعاً للعقارِ فهو جائزٌ بلا خلافٍ عندَهما كما مرَّ(١)،
كما لا خلافَ في صحَّةٍ وقفِ السِّلاحِ والكُرَاعِ أي: الخيلِ؛ للآثارِ المشهورةِ(٢)، والخلافُ فيما
سِوِى ذلكَ، فعندَ "أبي يوسف": لا يجوزُ، وعندَ "محمَّدٍ": يجوزُ ما فيه تَعامُلٌ من المنقولاتِ،
واختارَهُ أكثرُ فقهاءِ الأمصارِ كما في "الهداية"(٣)، وهو الصَّحيحُ كما في "الإسعاف" (٤)، وهو قولُ
أكثرِ المشايخِ كما في "الظَّهيريَّة"(٥)؛ لأنَّ القياسَ قد يُترَكُ بالتّعاملِ، وَنَقَلَ في "المحتبى" عن
"السِّير"(٦) جواز وقفِ المنقولِ مطلقاً عندَ "محمَّدٍ"، وإذا جُرَى فيه التعاملُ عندَ "أبي يوسف"،
وتمامُهُ في "البحر"(٧)، والمشهورُ الأوَّلُ.
(١) المقولة [٢١٣٨٩] قوله: ((صحَّ استحساناً إلخ)).
(٢) منها حديث أبي هريرة ◌ُ عن النبي ﴿ قال: ((ما يَنْقُم ابنُ جميل إلاَّ أنّه كان فقيراً فأغناه النه، وأمَّا حالذ فإنَكم
تظلمون خالداً، فقد احتبس أَدْرُعَه وأعتادَه في سبيل الله، وأما العَبَّاس فهي عليه صدقةٌ ومثلها، أما علمت أنَّ عمَّ
الرجلِ صِنوُ أبيه)).
رواه ورقاء بن عمر اليَشْكُري وشُعيب بن أبي حمزة وأبو أويس عبد الله بن عبد الله الأصبحي وأبو إسحاق
وموسى بن عُقبة وعبد الرحمن بن أبي الزناد كنَّهم عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به.
أخرجه أحمد ٢٢٢/٢، ٢٢٣، والبخاري (١٤٦٨) في الزكاة - باب قوله تعالى ﴿ وَفِي الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ لَّه [التوبة:
٦٠] الآية، ومسلم (٩٨٣) في الزكاة - باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، وأبو داوود (١٦٢٣) في الزكاة -
بابٌ في تعجيل الزكاة، والترمذي (٣٧٦١) في المناقب - باب مناقب العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، والنسائي
٣٤/٥ في الزكاة - باب إعطاء السيِّد المال بغير اختيار المصدِّق، وأبو عبيد في "الأموال" (١٨٩٨)، وابن خزيمة (٢٣٣٠)،
وابن حبان (٣٢٧٣)، والدار قطني ١٢٣/٢، والبيهقي ١٦٤/٦، من طرقٍ عن أبي الزناد به، إلا أنّه عند الترمذي مختصرٌ
على قوله: ((إنَّ عَمَّ الرجل صنوُ أبيه)) وقال: حسن صحيح غريب.
(٣) "الهداية": كتاب الوقف ١٦/٣.
(٤) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه إلخ - فصل في وقف المنقول أصالةً صـ ٢٨ -.
(٥) "الظهيرية": كتاب الوقف - القسم الأول - الفصل الثالث في وقف المنقول إلخ ق ٢١٣ / ب.
(٦) انظر "شرح السِّير الكبير": باب الحبيس في سبيل الله ٢٠٨٣/٥.
(٧) انظر "البحر": كتاب الوقف ٢١٨/٥.
حاشية ابن عابدين
٤٥٠
کتاب الوقف
وقَدُومٍ) بل (ودَراهمَ ودنانيرَ)، قلتُ: بل وَردَ الأمرُ للقُضاةِ بالحُكمِ به كما في .....
[٢١٤٠٢] (قولُهُ: وَقَدُومٍ) بفتحِ أوَّلِهِ وضمِّ ثانيهِ مخفَّفاً ومثقَّلاً.
مطلبٌ في وقفِ الدَّراهمِ والدَّنانیرِ
[٢١٤٠٣] (قولُهُ: بل ودراهمَ ودنانيرَ) عَزَاهُ في "الخلاصة"(١) إلى "الأنصاريِّ" - وكانَ من
أصحابِ "زفرَ" - وعزاهُ في "الخانَيَّة" إلى "زُفرَ" حيثُ قالَ (٢): ((وعن "زِفرَ"))، "شُرُ نُبلاليّةُ"(٣).
وقالَ "المصنّفُ" في "المنح"(٤): ((وَلَمّا جَرَى الَّعاملُ في زمانِنا في البلادِ الرُّومِيَّةِ وغيرِها في وقفٍ
الدَّرَاهِمِ والدَّنانيرِ دَخَلَت تحتَ قولِ "محمَّدٍ" المُفْتَى به في وقفِ كلِّ منقولٍ فيه تعاملٌ كما لا يَخَفَى،
فلا يُحتاجُ على هذا إلى تخصيصِ القولِ بجوازِ وقفِها لمذهبِ الإمامِ "زُفرَ" من روايةٍ "الأنصاريّ"،
والله تعالى أعلمُ، وقد أفتى مولانا صاحبُ "البحر "(٥) بجوازٍ وقفِها، ولم يَحكِ خلافاً)) اهـ. ما في
"المنح". قالَ "الرَّمليُّ": ((لكنْ في إلحاقِها منقولٍ فيه تعاملٌ نَظَرِّ؛ إذ هي ◌َّا لا يُنتَفَعُ بها مع بقاءٍ
عينها على مِلْكِ الواقفِ، وإفتاءُ صاحبِ "البحر" بجوازٍ وقفِها بلا حكايةٍ خلافٍ لا يَدُلُّ على أنَّهُ
داخلٌ تحتَ قولِ "محمَّدٍ " المُفَتَى به في وقفِ منقولٍ فيه تعاملٌ؛ لاحتمالِ أَنَّه اختارَ قولَ "زفر" وأفتى
به، وما استدلَّ به في "المنح" من مسألةِ البقرةِ الآتيةِ ممنوعٌ بما قلنا؛ إذ يُنتَفَعُ بَلَبِها وسَمْنِها معَ بقاءِ
عينِها، لكنْ إذا حَكَمَ به حاكمٌ ارتَفَعَ الخلافُ)). اهـ ملخَّصاً.
قلتُ: إِنَّ الدَّرَاهِمَ لا تتعيَّنُ بِالتَّعبينِ، فهي وإنْ كانَت لا يُنتَفَعُ بها معَ بقاءِ عينِها لكنَّ بدلَها
(قولُهُ: لا تتعيَّنُ بالنَّعيينِ، فهي وإنْ كانَت لا يُنْتَفَعُ بها إلخ) إِنَّا ذَكَرُوا ذلكَ في عقودِ المعاوضاتِ
خاصَّةً، تأمَّل. وعبارةُ "الفتح" تُفِيدُ نِسبةَ المسألةِ لـ"زفرَ" خاصَّةً، ولم يَذكُرْ ما يَدُلُّ لدعواهُ من نسبةٍ
القولِ بوقفِ الدَّراهمِ والمكيلِ والموزونِ لـ "محمَّدٍ"، وأيضاً دَعْوَى أنَّ الدَّراهمَ لا تَتَعَّنُ بالتَّعيينِ لا تُحدِي
نَفْعاً في المكيلِ والموزونِ، فإنّهُما يَتَعِيَّنَانِ به.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده إلخ ق ٣٢٤/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ - فصلٌ في وقف المنقول ٣١١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٧/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "المنح": كتاب الوقف ١ / ق ٢٦٩ /ب.
(٥) "فتاوى ابن نجيم": كتاب الوقف صـ٨٩ - (هامش "الفتاوى الغيائية").
الجزء الثالث عشر
٤٥١
كتاب الوقف
"مَعروضاتٍ" المفتي "أبي السُّعودِ"، ومَكيلٍ ومَوزونٍ فُيُباعُ ويُدفَعُ ثَمنُهُ مُضاربةً أو بضاعةً،
قائمٌ مَقامَها لعدمٍ تعُنُها، فكأنَّها باقيةٌ، ولا شكَّ في كونِها من المنقولِ، فحيثُ حَرَى فيها تعاملٌ
دخلَت فيما أجازَهُ "محمَّدٌ"، ولهذا لَمّا مَثَّلَ "محمَّدٌ" بأشياءَ جرى فيها التّعاملُ في زمانِهِ قالَ
في "الفتح"(١): ((إنَّ بعضَ المشايخِ زادوا أشياءَ من المنقولِ على ما ذكرَهُ "محمَّدٌ" لَمّا رَأَوا
جَرَيَانَ الْتّعاملِ فيها))، وذكرَ منها مسألةَ البقرةِ الآتيةِ(٢)، ومسألةَ الدَّراهمِ والمَكِيلِ حيثُ
قالَ: ((ففي "الخلاصة(٢): وَقَفَ بقرةً على أنَّ ما يخرجُ من لَبِها وسَمْنِها يُعطَى لأبناءِ السَّبِيلِ،
قالَ: إِنْ كانَ ذلكَ في موضعٍ غَلَبَ ذلكَ في أوقافِهِم رجوتُ أنْ يكونَ جائزاً، وعن "الأنصاريّ" .-
وكانَ من أصحابِ "زفر" - فيمَن وَقَفَ الدَّراهمَ أو ما يُكالُ أو ما يُوزَنُ أيجوزُ ذلكَ؟ قالَ: نعم،
قيلَ: وكيفَ؟ قالَ: يَدْفَعُ الدَّراهمَ مضاربةً ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بها في الوجِهِ الَّذِي وَقَفَ عليهِ، وما يُكَالُ أو
يُوزَنُ يُباعُ ويُدفَعُ ثمنُهُ لمضاربَةٍ أو بضاعةٍ، قالَ: فعلى هذا القياسِ إذا وَقَفَ كُرَّاً من الحنطةِ على
شرطٍ أنْ يُقْرَضَ للفقراءِ الَّذِينَ لا بَذْرَ لهم لَيَزْرَعُوهُ لأَنفسِهِم، ثُمَّ يُؤْخَذَ منهم بعدَ الإدراكِ قَدْرُ
القَرْضِ، ثمَّ يُقْرضَ لغيرِهم من الفقراءِ أبداً، على هذا السَّبِيلِ يَجِبُ أنْ يكونَ جائزاً، قالَ: ومثلُ
هذا كثيرٌ في الرَّيِّ وناحيةِ دَنباوَنْد(٤)) اهـ. وبهذا ظَهَرَ صَحَّةُ ما ذَكَرَهُ "المصنّفُ" من إلحاقِها
بالمنقولِ المتعارَفِ على قولِ "محمَّدٍ" المُفْتَى به، وإنَّا خَصُّوها بالنَّقْلِ عن "زفر"؛ لأَنَّها لم تكنْ
مُتْعَارَفَةً إذ ذاكَ، ولأَنَّه هو أَّذي قالَ بها ابتداءً، قالَ في "النّهر "(٥): ((ومُقْتَضَى ما مرَّ عن "محمَّدٍ":
عدمُ جوازِ ذلكَ - أي: وقفِ الحنطةِ في الأقطارِ المصرِيَّةِ - لعدمٍ تَعَارُفِهِ بالكلَِّّةِ، نَعَمْ وَقْفُ
[٣/ ق١١٥/ب] الدَّراهمِ والدَّنانيرِ تُعُورِفَ فِي الدِّيَارِ الرُّومِيَّةِ)) اهـ.
[٢١٤٠٤] (قولُهُ: ومَكِيلٍ) معطوفٌ على قولِ "المصنّفِ": ((ودراهمَ)).
[٢١٤٠٥)] (قولُ: ويُدفَعُ ثَمِنُهُ مُضَاربةً أو بِضاعةٌ) وكذا يُفْعَلُ في وقفِ الدَّراهمِ والدَّانِيِ، وما خَرَجَ
٣٧٤/٣
(١) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣١/٥- ٤٣٢.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده إلخ ق ٣٢٤/ب ـ ٣٢٥/أ.
(٤) في النسخ جميعها: ((دوماوند))، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لـ "الفتح"، (ودنّباوند): جبل من
نواحي الرَّي، فتحها سعيد بن العاص أيام عثمان بن عفان وذلك في سنة ٢٩ أو ٣٠ هـ. ("معجم البلدان" ٥٤٠:٢).
(٥) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥١/ب.
حاشية ابن عابدين
٤٥٢
كتاب الوقف
فعلى هذا لو وَقَفَ كُرَّاً على شَرطِ أنْ يُقْرِضَه لِمَن لا بَذْرَ له لَيَزْرَعَه لنفسِهِ، فإذا أَدْرَكَ
أَخَذَ مِقدارَهُ ثمَّ أقرَضَه لغيرِهِ وهكذا جاز، "خلاصة"(١)، وفيها (٢): ((وَقَفَ بقرةً على
أنَّ ما خَرجَ مِن لَبِها أو سَمْنِها للفُقْراءِ؛ إن اعتادوا ذلك رَجَوْتُ أن يجوزَ))، (وقِدْرِ
وجنازةٍ) وثيابِها ومُصحَفٍ وكُنُبٍ؛ لأَنَّ التَّعاملَ يُترَكُ به القياسُ؛.
من الرِّبْحِ يُتُصَدَّقُ به في جهةِ الوَقْفِ، وهذا هو المرادُ في قولِ "الفتح"(٣) عن "الخلاصة"(٤): ((ثمَّ
يُصدَّقُ بها))، فهو على تقديرِ مضافٍ أي: بربحِها، وعبارةُ "الإسعاف" (٥): ((ثُمَّ يُتصدَّقُ بالفَضْلِ)).
[٢١٤٠٦) (قولُهُ: فعلى هذا) أي: القولِ بصحَّةٍ وقفِ المَكِيلِ.
[٢١٤٠٧] (قولُهُ: وجنازةٍ) بالكسرِ: النَّعْشُ، وثيابُها: ما يُغطّى به المِيْتُ وهو في النَّعْشِ، "ط)(٦).
مطلبٌ في التّعامُلِ والعُرفِ
[٢١٤٠٨] (قولُهُ: لأنَّ التّعاملَ يُتْرَكُ به القياسُ) فإنَّ القياسَ عدمُ صحَّةٍ وقفِ المنقولِ؛ لأنَّ مِنْ
شرطِ الوقفِ الَّأبيدَ، والمنقولُ لا يَدُومُ، وَالَعاملُ كما في "البحر"(٧) عن "الَّحرير"(٨) هو الأكثرُ
استعمالاً، وفي "شرح البيري" عن "المبسوط "(٩): ((أَنَّ النَّبتَ بالعُرفِ كالنَّابتِ بِالنَّصِّ)) اهـ. وتمامُ
تحقيقِ ذلكَ في رسالِنا المسمَّاةِ "نشرَ العَرْف في بناءِ بعضِ الأحكامِ على العُرفِ"(١٠).
وظاهرُ ما مرَّ(١) في مسألةِ البقرةِ اعتبارُ العُرفِ الحادثِ، فلا يَلْزَمُ كونُهُ من عهدِ الصَّحابةِ،
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده إلخ - جنس آخر في وقف المنقول ق ٣٢٤/ب بتصرف.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده إلخ - جنس آخر في وقف المنقول ق٣٢٥/ب بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٢/٥.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده إلخ ق ٣٢٤/ب.
(٥) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه إلخ صـ٢٦ -.
(٦) "ط": كتاب الوقف ٥٣٩/٢.
(٧) "البحر": كتاب الوقف ٢١٩/٥.
(٨) "التحرير": المقالة الأولى - الفصل الخامس في تقسيم المفرد إلى حقيقة ومجاز - مسألة: الحقيقة المستعملة أولى من المجاز إلخ صـ ١٨٣ -.
(٩) "المبسوط": كتاب الوكالة - بابٌ من الوكالة بالبيع والشراء ٤١/١٩.
(١٠) انظر الرسانة الذكورة ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين": ١١٥/٢.
(١١) المقولة [٢١٤٠٣] قوله: ((بل ودراهم ودنانير)).
الجزء الثالث عشر
٤٥٣
كتاب الوقف
لحديثٍ (١): ((ما رآهُ المسلمونَ حَسَناً فهو عند اللهِ حَسَنٌّ)، بخلافٍ ما لا تَعامُلَ فيه کثیابٍ
وكذا(٢) هو ظاهرُ ما قدَّمناهُ(٣) آنفاً من زيادةِ بعضِ المشايخِ أشياءَ جَرَى التّعاملُ فيها، وعلى هذا
فالظّاهرُ: اعتبارُ العُرفِ في الموضعِ أو الزَّمانِ الَّذي اشْتَهَرَ فيه دونَ غيرِهِ، فَوَقْفُ الدَّراهمِ
مُتُعارَفٌ في بلادِ الرُّومِ دونَ بلادِنا، ووقفُ الفأْسِ والقَدُومِ كانَ مُتعارَفاً في زمنِ المتقدِّمِينَ ولم
نَسمَعْ به(٤) في زمانِنا، فالظَّاهرُ: أَنَّه لا يَصِحُّ الآنَ، ولَيْن وُجِدَ نادراً لا يُعتبَرُ؛ لِمَا عَلِمتَ من أنَّ
التّعاملَ هو الأكثرُ استعمالاً، فتأمَّل.
[٢١٤٠٩] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) رواهُ "أحمد" في كتابٍ "السُنّةِ"(٥) - ووَهِمَ مَنْ عزاءُ لـ "المسند" -
من حديث أبي وائلٍ عن ابن مسعودٍ، وهو موقوفٌ حسنٌ، وتمامُهُ في "حاشيةِ الحَمَويّ"(٦)
(١) الصَّحِيحُ أنَّ الحديثَ موقوفٌ على عبد الله بن مسعود، أخرجه أحمد في "المسند"٣٧٩/١، والحاكم في "المستدرك" ٧٨/٣،
والطبراني في "الكبير" (٨٥٨٢)، والبزارُ (١٨١٦) كلهم من طريق أبي بكر بن عَّاش عن عاصم عن زِر عن عبد الله بن
مسعود قال: ((إِنَّ اللهَ نَظَرَ في قلوبِ العبادِ، فوجَدَ قلبَ محمَّد:﴿ٌ خَيرَ قلوبِ العبادِ، فاصطفاه لنفسه فابتعته برسالته، ثم نظر في
قلوب العباد بعد قلب محمد﴿ فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى
المسلمون حَسَناً فهو عند الله حسنٌ، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيءٌ)). وتابعه ابن عُبينة عن عاصم ذكره الدار قطني في "العلل"
٦٦/٥، وخالفه المسعودي وحمزة الزَّيات فروياه عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله فذكره وأخرجه الطيالسي (٢٤٦)،
والطبراني في "الكبير" (٨٥٨٣)، وابن الأعرابي في "معجمه" ق ٢/٨٤، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" ٣٧٥/١، والخطيب في
"الفقيه والمتفقه" (٤٤٥) كُلَّهم عن المسعودي وتابعه الأعمش فيما رواه عبد السَّلام بن حرب عنه عن أبي وائل عن عبد الله
فذكره، أخرجه الطبراني في "الكبير" (٨٥٩٣)، قال الدار قطني في "العلل" ٦٧/٥ وخالفهم نُصير بن أبي الأشعث فرواه عن
عاصم عن المسَّب بن رافع ومسلم بن صُبيح عن عبد الله اهـ. وأخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٤٤٦) من طريق أبي
معاوية عن الأعمش عن مالك ابن الحارث عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله: ((ما رأى المؤمنون حسناً فهو عند الله
حسنٌ وما رأى المؤمنون سيئاً فهو عند الله سيء)). وقال الدارقطني في "العلل" ٦٧/٥: وقال ابن عيينة عن الأعمش عن
مالك بن الحارث عن عبد الله اهـ. أما مرفوعاً، فأخرجه الخطيب في "تاريخه" (١٨٤٣) عن سليمان بن عمرو النخعي حدثنا
أبان بن أبي عياش وحميد الطويل عن أنس به مرفوعاً، قال الخطيب: تفرَّد به أبو داود النخعي. اهـ وهو متروك كَذَّب.
(٢) في "الأصل": ((وهذا)).
(٣) المقولة [٢١٤٠٣] قوله: ((بل ودراهم ودنانير)).
(٤) في "الأصل" و"ك" و"ب" و"آ": ((فيه)).
(٥) لم تثبت نسبة هذا الكتاب للإمام أحمد، وقد تُكُلّمَ فيه.
(٦) "غمز عيون البصائر": القاعدة السادسة: العادةُ محكّمةٌ ٢٩٥/١.
حاشية ابن عابدين
٤٥٤
كتاب الوقف
وَمَتَاعٍ، وهذا قولُ "محمَّدٍ"، وعليه الفتوى، "إختيار"(١). وأَلحقَ في "البحرِ" السَّفينةَ
بِالَّاعِ، وفي "البزَّازِيّةِ"(٢): ((جاز وَقْفُ الأَكسيَةِ على الفُقَراءِ، فتُدفَعُ(٣) إليهم شتاءً،
ثُمَّ يَرُدُّونها بعدَهُ)). وفي "الدرر"(٤): ((وَقَفَ مُصحَفاً على أهلِ مسجدٍ للقِراءةِ(٥)؛ ....
عن "المقاصدِ الحسنة"(٦) لـ "السَّخاويّ".
[٢١٤١٠] (قولُهُ: ومَتَاعٍ) ما يُتَمتَّعُ به، فهو عطفُ عامٌّ على خاصٍّ، فيشمَلُ ما يُستَعمَلُ
في البيتِ من أثاثِ المنزلِ كفِراشٍ وبِساطٍ وحَصِيرٍ لغيرِ مسجدٍ، والأواني والقُدُورِ، نَعَمْ تُعُورفَ
وَقْفُ الأواني من النّحاسِ، ونصَّ المتقدِّمُونَ على وقفِ الأواني والقُدُورِ المحتاجِ إِليها في غَسلِ الموتى.
[٢١٤١١] (قولُهُ: وهذا) أي: جوازُ وقفِ المنقولِ المتعارَفِ.
[٢١٤١٢] (قولُهُ: وَأَحَقَ في "البحر)"(٧) السَّفينةَ بالمناعِ) أي: فلا يَصِحُّ، لكنْ قالَ شيخٌ
مشايخِنا "السَّائِحانيُّ": ((إِنَّهم تعامُلُوا وقفَها فلا تَردُّدَ في صحَّتِهِ)) اهـ. وكأنَّه حَدَثَ بعدَ صاحبٍ
"البحر"، وألحقَ في "المنح(٨) وَقْفَ البناءِ بدونِ الأرضِ، وكذا وَقْفَ الأشجارِ بدونِهِ؛ لأَنَّهُ منقولٌ
فيه تَعَامُلٌ، وتمامُهُ في "الدُّرِّ المنتقى)(٩)، وسيأتي (١٠) عندَ قولِ "المصنّف": ((بنى على أرضٍ إلخ)).
[٢١٤١٣] (قولُهُ: جازَ وَقْفُ الأَكْسَيَةِ إلخ) قلت: وفي زمانِنا قد وَقَفَ بعضُ المتولّينَ
على المؤذِّنينَ الفِراءَ شتاءً ليلاً، فينبَغِي الجوازُ سَيَّما على ما مرَّ عن "الزَّاهديِّ"، فتدَّر، "شرح
(١) "الإختيار": كتاب الوقف ٤٢/٣-٤٣ بتصرف.
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - نوع في ألفاظ جارية في الوقف ٢٦٥/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "و": ((فيدفع)).
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٦/٢ -١٣٧.
(٥) في "و": ((لقراءة القرآن)).
(٦) كذا نسبه السَّخاوي في "المقاصد الحسنة" ص ٥٨١ - رقم (٩٥٩) إلى "السُّنة" لأحمد ووَهَّم من عزاه إلى "المسند" مع أنّه
مُخَرَّجٌ في "المسند" ٣٧٩/١ كما تقدَّم، ولم أجده في "كتاب السّنة" المنحول لأحمد بعد كثرة البحث، والله أعلم.
(٧) "البحر": كتاب الوقف ٢١٩/٥.
(٨) "المنح": كتاب الوقف ١/ ق ٢٧٠/ب.
(٩) انظر "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٣٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(١٠) المقولة [٢١٥٣٠] قوله: ((بنى على أرضٍ)).
الجزء الثالث عشر
-
٤٥٥
كتاب الوقف
إِنْ يُحصَونَ جازَ، وإنْ وَقَفَ على المسجدِ جاز، ويُقرأ فيه ...
الملتقى"(١)، أي: ما ذَكَرَهُ "الزَّاهديُّ" في "المجتبى" من جوازِ وقفِ المنقولِ مطلقاً عندَ "محمَّدٍ"،
ولا يَخْفَى أنَّ هذا في وقفِ نفسِ الأكسيةِ، أمَّا لو وَقَفَ عَقاراً وشَرَطَ أنْ يُشترَى مِن رَبِعِهِ أَكْسِيَّةٌ
للفقراءِ أو المؤذِّنينَ فلا كلامَ فيه كما أفادَهُ "ط)" (٢).
مطلبٌ: متى ذَكَرَ للوَقفِ مَصرِفاً لا بُدَّ أن يكونَ فيهم تنصيصٌ على الحاجةِ
[٢١٤١٤] (قولُهُ: إِنْ يُحصَونَ جازَ) هذا الشَّرطُ مبنيٌّ على ما ذَكَرَهُ "شمسُ الأئمَّةِ" من
الضَّابطِ، وهو: أنَّه إذا ذَكَرَ للوقفِ مَصرِفاً لا بُدَّ أنْ يكونَ فيهم تنصيصٌ على الحاجةِ حقيقةٌ
كالفقراءِ، أو استعمالاً بينَ الَّاسِ كاليَتَامَى وَالزَّمْنى؛ لأنَّ الغالبَ فيهم الفقرُ، فَيَصِحُّ للأغنياءِ
والفقراءِ منهم إنْ كانوا يُحصَونَ، وإلاَّ فلفقرائهم فقط، ومتى ذَكَرَ مَصْرِفاً يَستوِي فيه الأغنياءُ
والفقراءُ؛ فإنْ كانوا يُحصَونَ صحَّ باعتبارِ أعيانِهم، وإلاَّ بَطَلَ، ورويَ عن "محمَّدٍ": أنَّ مالا يُحصَى
عشرةٌ، وعن "أبي يوسف": مائةٌ، وهو المأخوذُ به عندَ البعضِ، وقيلَ: أربعونَ، وقيلَ: ثمانونَ
[١/١١٦/٣]، والفتوى أنَّ مُفوَّضٌ إلى رأي الحاكمِ، "إسعاف"(٣) والبحر "(٤).
[٢١٤١٥] (قولُهُ: وإنْ وَقَفَ على المسجدِ جازَ) ظاهرُهُ: أَنَّه لا يُشتَرطُ فيه كونُ أهْلِهِ
◌َّن يُحصَونَ؛ لأنَّ الوقفَ على المسجدِ لا على أهلِهِ كما هو الْمُتبادِرُ من المقابلةِ، ولعلَّ وجهَهُ:
(قولُهُ: لأنَّ الوقفَ على المسجدِ لا على أهلِهِ إلخ) فيه: أَنَّه لا معنى ◌ِجَعْلِ المسجدِ موقوفاً عليه؛ إذ لا يَنْتَغِعُ
بالمصحفِ، والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ وقفٌ على أهلِ المسجدِ بتقديرِ مضافٍ، ويُقَّدُ جوازُ الوقفِ بما إذا كانَ أهْلُهُ
يُحصَونَ، أو هو روايةٌ أخرى قائلةٌ بصحَّةِ الوقفِ بدونِ إحصاءٍ، والظَّاهرُ: ما فعلَهُ في "الدُّرر" وَتَبْعَهُ "الشَّارِعُ" من
أنَّ هذهِ المسألةَ ليسَ فيها اختلافٌ؛ إذ مجرَّدُ ذِكرِ أَنَّه يُقرأُ فيه في المسجدِ في موضعٍ وذِكْرٍ أَنَّه لا يكونُ محصوراً على
هذا المسجدِ في موضعٍ لا يَدُلُّ على الخلافِ، غايةُ الأمرِ: أنَّه بَّنَ فِي الأوَّلِ أَنَّه يُقرأ في المسجدِ ولم يبِّن حكمَ القراءةِ
في غيرِهِ بل سَكْتَ عنه، وَّنَ في الموضعِ الآخرِ ما سَكَتَ عنه، ومجرَّدُ هذا لا يُوجِبُ القولَ بالاختلافِ، وما
في "القنية" لا يَدُلُّ عليه أيضاً؛ إذ غايةُ ما أفادَهُ عبارتُها أَنَّه ليسَ للواقفِ دفعُهُ لغيرِ أَهلِ المَحْلَّةٍ، ومَفادُهُ: أنَّ هذا
(١) "الدر المنتقى": كتاب الوقف ٧٣٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "ط": كتاب الوقف ٥٣٩/٢.
(٣) "الإسعاف": باب في ألفاظ الوقف وأهله ومحلّه وحكمه صـ١٧- ١٨ -.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٤/٥ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٤٥٦
كتاب الوقف
ولا يكونُ مَحصوراً على هذا المسجدِ، وبه عُرِفَ حُكُمُ نقلِ كُبِ الأَوقافِ مِن مَحالِّها
للانتفاعِ بها، والفقهاءُ بذلك مُبتَلَون، فإنْ وَقفَها على مُستحقّي وَقِفِهِ.
أنّه (١) يَصِيرُ كالّصيص على التَّأبيدِ بمنزلةِ الوقفِ على عِمارةِ مسجدٍ معيَّنٍ، فإنَّه يَصِحُّ في المختارِ(٢)
لتأْبُدِهِ مسجداً كما قدَّمناهُ(٣) عندَ قولِهِ: ((ويُحعَلَ آخرُهُ لجهةِ قريةٍ لا تَنْقَطِعُ)).
[٢١٤١٦] (قولُهُ: ولا يكونُ مَحصوراً على هذا المسجدِ) هذا ذَكَرَهُ في "الخلاصة"(٤) بقولِهِ:
((وفي موضعٍ آخرَ ولا يكونُ إلخ)) أي: وذُكِرَ في كتابٍ آخرَ، فهو قولٌ آخرُ مُقَابِلٌ لقولِهِ: ((ويُقرأُ
فيه))، فإنَّ ظاهرَهُ أَنَّ يكونُ مقصوراً على ذلكَ المسجدِ، وهذا هو الظَّاهرُ حيثُ كانَ الواقفُ عَيَّنَ
ذلكَ المسجدَ، فما فعلَهُ صاحبُ "الدُّرِرِ"(٥) - حيثُ نَقَلَ العبارةَ عن "الخلاصة"، وأَسقَطَ منها قولَهُ:
((وفي موضعٍ آخرَ)) - غيرُ مناسبٍ؛ لإيهامِهِ أَنَّه من تتمَّةِ ما قبلَهُ، إلاَّ أنْ يكونَ قد فَهِمَ أنَّ قولَهُ:
((ويُقرأُ فيه)) محمولٌ على الأولويَّةِ، فيكونُ ما ((في موضعٍ آخرَ)) غيرَ مخالفٍ له، تأمَّل. لكنْ في
"القنية"(٦): ((سبَّلَ (٧) مُصحَفاً في مسجدٍ بعينِهِ للقراءةِ ليسَ له بعدَ ذلكَ أنْ يَدَفَعَهُ إلى آخرَ من غيرِ
أهلِ تلكَ المَحَلَّةِ للقراءةِ))، قالَ في "الَّهر (٨): ((وهذا يُوافِقُ القَولَ الأوَّلَ لا ما ذُكِرَ في موضعٍ آخرَ))
اهـ. فهذا يُفيدُ أَنَّهما قولان مُتغايران، خلافً لِمَا فَهِمَهُ فِي "الدُّرر"، وتبعَهُ "الشَّارِحُ".
[٢١٤١٧) (قولُهُ: وبِهِ عُرِفَ حُكْمُ إلخ) الْحُكْمُ هو ما بيَّنَهُ بعدُ بقولِهِ: ((فَإِنْ وَقَفَها إلخ))،
الوقفَ يكونُ على أهلٍ مَحلَّةِ المسجدِ لا لغيرِهم، وتَعُّنُ المسجدِ للقراءةِ فيه أو عدمُهُ لا دلالةَ عليه في عبارتِها، ثمَّ
رأيتُ ما يأتي في الفروعِ المهمَّةِ المذكورةِ في الشَّرحِ أنَّ الإرصادَ على المِلْكِ إرصادٌ على المالكِ، وفي
"الْقُهِستانيّ": ((وصحَّ وقفُ منقولٍ فيه تعاملٌ كالمصحفِ الموقوفِ على أهلِ المسجدِ ويُقرَأُ فيه وفي غيرِهِ)).
(١) في "الأصل": ((أن)).
(٢) في "ب": ((المحتار)) بالحاء، وهو تصحيف.
(٣) المقولة [٢١٣٣٠] ..
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده إلخ ق ٣٢٤/ب.
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الوقفت ١٣٧/٢.
(٦) "القنية": كتاب الوقف - باب في مسائل متفرقة ق ٩٤/أ.
(٧) أي: جعله في سبيل الله، كما في "القاموس": مادة ((سَبَلَ)).
(٨) "النهر: كتاب الوقف ق ٣٥٣ أب.
الجزء الثالث عشر
٤٥٧
کتاب الوقف
لم يَجُزْ نَقُلُها، وإنْ على طَلبةِ العِلمِ وجَعَلَ مَقرَّها في خِزانِهِ التي في مَكان كذا، ...
"ط " (١)
[٢١٤١٨] (قولُهُ: لم يَحُزْ نَقُها) ولا سيَّما إذا كانَ النَّاقلُ ليسَ منهم، "نهر"(٢)، ومُفادُهُ: أَنَّه
عَّنَ مكانَها بأنْ بنى مدرسةً وعَيَّنَ وَضْعَ الكتبِ فيها لانتفاعٍ سُكَّانِها.
مطلبٌ فِي حُكمِ الوَقفِ على طَلَبةِ العِلمِ
٣٧٥/٣
[٢١٤١٩] (قولُهُ: وإِنْ على طَلَبةِ العِلْمِ إلخ) ظاهرُهُ: صحَّةُ الوقفِ عليهم؛ لأنَّ الغالبَ فيهم
الفقرُ كما عُلِمَ من الصَّابِطِ المارِّ آنفاً(٣)، وفي "البحر "(٤): ((قالَ "شمسُ الأئمَّةِ": فعلى هذا إذا
وَقَفَ على طلبةِ العلمِ في بلدةٍ كذا يجوزُ؛ لأنَّ الفقرَ غالبٌ فيهم، فكانَ الاسمُ مُنِئاً عن الحاجةِ))،
ثُمَّ ذكرَ الضَّابِطَ المارّ.
قلتُ: ومقتضاهُ: أَنَّهم إذا كانوا لا يُحصَونَ يَخْتُصُّ بفقرائهم، فعلى هذا وَقْفُ المصحفِ في
المسجدِ والكتبِ في المدارسِ لا يَحِلُّ لغيرِ فقيرٍ، وهو خلافُ المُتبادِرِ من عبارةِ "الخلاصة"
و "القنية"(٥) في الُصحَفِ، وقد يُقالُ: إنَّ هذا فَما يستوي في الانتفاعِ به الغنيُّ والفقيرُ كما
سيأتي(٦): من أنَّ الوقفَ على ثلاثةِ أُوجهٍ، منها ما يستوي فيه الفريقانِ كرِباطٍ وخانٍ ومَقَابِرَ
وسِقايةٍ، وعلََّهُ في "الهداية"(٧) بأنَّ أهلَ العُرفِ يريدونَ فيه النِّسويةَ بِينَهم، ولأنَّ الحاجةَ داعيةٌ، وهنا
كذلكَ، فإنَّ واقِفَ الكتبِ يَقصِدُ نَفْعَ الفريقَينِ، ولأَنَّه ليسَ كلُّ غنيِّ يَجِدُ كلَّ كتابٍ يُرِيدُهُ
خصوصاً وقت الحاجةِ إليهِ.
(١) "ط": كتاب الوقف ٥٣٩/٢.
(٢) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٣/أ.
(٣) المقولة [٢١٤١٤] قوله: ((إِنْ يُحصَون جاز)).
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٥/٥.
(٥) "القنية": كتاب الوقف - باب في مسائل متفرقة ق ٩٤/أ.
(٦) صـ ٥٥٠- "در".
(٧) "الهداية": كتاب الوقف ٢١/٣.
#
حاشية ابن عابدين
٤٥٨
کتاب الوقف
ففي جوازِ النَّقلِ تَردُّدٌ))، "نهر"(١
مطلبٌ فِي نَقلِ كتبِ الوَقفِ مِن مَحلّها
[٢١٤٢٠) (قولُهُ: ففي جوازِ النَّقلِ تردّدٌ) الَّذي تَحَصَّلَ مِن كلامِهِ أَنَّه إذا وَقَفَ كُباً وعَيَّنَ
موضِعَها؛ فإِنْ وَقَفَها على أهلِ ذلكَ الموضعِ لم يَحُرْ نَقْلُها منه لا لهم ولا لغيرِهم، وظاهرُهُ: أَنَّه لا يَحِلُّ
لغيرِهم الانتفاعُ بها، وإِنْ وَقَفَها على طلبةِ العلمِ فلكلِّ طالبٍ الانتفاعُ بها في مَحَلِّها، وأمَّا نَقْلُها منه ففيهِ
تردُّدٌ ناشئٌّ لَّا قَدَّعَهُ(٢) عن "الخلاصة" من حكايةِ القولَينِ: مِن أَنَّه لو وَقَفَ المصحفَ على المسجدِ -
أي: بلا تعيينِ أهلِهِ - قيلَ: يُقرَّأُ فيه - أي: يَخْتَصُّ بأهلِهِ المتردِّدينَ إليه - وقيلَ: لا يُخْتَصُّ به - أي: فَيَجُوزُ
تَقُلُهُ إلى غيرِهِ - وقد عَلِمتَ تقويه العولِ الأوَّلِ بما مرَّ(٣) عن "القنية"، وبَقِيَ ما لو عَمَّمَ الواقفُ بأنْ وَقَفَهُ
على طلبةِ العلمِ، لكنّهُ شَرَطَ أنْ لا يُخرَجَ من المسجدِ أو المدرسةِ كما هو العادةُ، وقدَّمنا(٤) عندَ قولِهِ:
((ولا يُرهَنُ)) عن "الأشباه " أنّ لو شَرَطَ أنْ لا يُخرَجَ إلاَّ برهنٍ لا يَبْعُدُ وجوبُ أَتْبَاعِ شَرْطِهِ، وحَمَلَ
الرَّهنَ على المعنى الُغويِّ تبعاً لِما قالَهُ "السُّكَيُّ" ، ويؤيِّدُهُ ما قدَّمناءُ(٥) قبيلَ قولِهِ: ((والِلْكُ يَزُولُ)) عن
"الفتح" من قولهِ: ((إنَّ شرائطَ الواقفِ معتّرةٌ إذا لم تخالفِ الشَّرعَ، وهو مالكٌ فله أنْ يَحَعَلَ مَالَهُ حيثُ
شاءَ ما لم يكنْ معصيةً، وله أنْ يَخُصَّ صنفاً من الفقراءِ))، وكذا سيأتي(٦) في فروعِ الفصلِ الأوَّلِ أنَّ
قولَهم: شَرْطُ الواقفِ كنصِّ الشَّارِعِ، أي: في المفهومِ والدِّلالةِ ووجوبِ العملِ به.
قلتُ: لكنْ لا يَخَفَى أنَّ هذا إذا عُلِمَ أنَّ الواقفَ نفسَهُ شَرَطَ ذلكَ حقيقةً، أمَّا مجرَّدُ كتابةٍ ذلكَ
على ظهرِ الكتبِ كما هو العادةُ فلا يَثبتُ به الشَّرِطُ، وقد أَخْبَرني بعضُ قُوَّامٍ مدرسةٍ [١١٦/٣ /ب] أنَّ
واقفَها كَتَبَ ذلكَ لْيُجعَلَ حيلةً لمنعٍ إعارةٍ مَن يُخشى منه الضَّيَاحُ، واللهُ سبحانَهُ أعلمُ.
(١) "النهر": كتاب الوقف ق ٣٥٣/أ بتصرف.
(٢) ص ٤٥٤ - "در".
(٣) المقولة [٢١٤١٦] قوله: ((ولا يكون محصوراً على هذا المسجد)).
(٤) المقولة [٢١٣٤٠] قوله: ((فبطل إلخ)).
(٥) المقولة [٢١٢٨٦] قوله: ((على المذهب)).
(٦) صـ ٦٥١ - "در".
الجزء الثالث عشر
٤٥٩
كتاب الوقف
(ويُبدَأُ مِن غَلَّتِهِ بِعِمارَتِهِ)
مطلبٌ: يُبدَأُ مِن عَلَّةِ الوَقفِ بعِمارَتِه
[٢١٤٢١] (قولُهُ: ويُبدَأُ من غَلَّتِهِ بعِمارتِهِ) أي: قبلَ الصَّرفِ إلى المستحقّينَ، قالَ
"الْقُهِستانِيُّ)(١): ((العِمارةُ بالكسرِ: مصدرٌ أو اسمُ ما يُعمَرُ بِه المكانُ، بأنْ يُصرَفَ إلى الموقوفِ
عليه حتَّى يَبْقَى على ما كانَ عليه دونَ الزِّيادةِ إنْ لم يَشْتَرِطْ ذلكَ كما في "الرَّاهديِّ" وغيرِهِ، فلو
كانَ الوَقْفُ شجراً يَخَافُ هلاكَهُ كانَ له أنْ يَشْترِيَ من غَلَّتِهِ قصيلاً(٢) فَيَغْرِزَهُ؛ لأنَّ الشَّحِرَ يَفْسُدُ
على امتدادِ الزَّمانِ، وكذا إذا كانَتِ الأرضُ سَبَخَةً(٣) لا يَبتُ فيها شيءٌ كانَ له أنْ يُصلِحَها كما
في "المحيط"(٤)) اهـ. ومثلُهُ في "الخانّة"(٥) وغيرِها.
مطلبٌ: دفعُ الْمُرصَدِ مُقدَّمٌ على الدَّفعِ للمستحقينَ
ودَخَلَ في ذلكَ دَفْعُ الْمُرِصَدِ الَّذي على الدَّارِ، فإنَّه مُقَدٌَّ علَى الدَّفعِ للمستحقِينَ كما في "فتاوى"
تلميذِ "الشَّارحِ" المرحومِ الشَّيخِ "إسماعيل"(٦)، وهذهِ فائدةٌ جليلةٌ قلَّ مَن تَنَّه لها، فإنَّ الْمُرصَدَ دَينٌ
على الوقفِ لضرورةٍ تعميرِهِ، فإذا وُجِدَ في الوقفِ مالٌ ولو في كلِّ سنةٍ شيءٌ حَتَّى تَتَخَنَّصَ رَقَبَةُ
الوقفِ ويَصِيرَ يُؤْجَّرُ بأُجرَةِ مِثِهِ لَزِمَ الَنَّاظرَ ذلكَ، ولا حولَ ولا قوَّةً إلاّ باللهِ العليِّ العظيمِ.
(قولُهُ: بأنْ يُصرَفَ إلى الموقوفِ عليه حَتَّى يَبْقَى على ما كانَ عليه إلخ) أي: فالمرادُ بالوقفِ الَّذي
يُبدَّأُ من غَلَّتِهِ بعِمارتِهِ العينُ الموقوفةُ للغَلَّةِ، والعينُ الموقوفُ عليها كالمسجدِ؛ إذ لا شكَّ أنَّ كلاَّ موقوفٌ
عليهِ الغَلَّةُ، بمعنى أنّهما مشروطٌ صَرْفُ الغَلَّةِ إلى عِمارتِهما.
(قولُهُ: فلو كانَ الوَقْفُ شَجَراً يَخافُ هلاكَهُ كانَ له أنْ يَشتريَ من غَلَّتِهِ قصيلاً إلخ) فالمرادُ
بالعِمارةِ إبقاءُ الموقوفِ على ما كانَ عليه زَمَنَ الواقفِ، ودفعُ الْمُرصَدِ مُلحَقٌّ ومُقاسٌ على العمارةِ وليسَ
داخلاً فيها، والأَولى أنْ يُرادَ بالعمارةِ ما فيه نموُّ غَلَّةِ الوَقْفِ وما كانَ فيه بقاؤُهُ، فَيَدخُلُ مَا ذُكِرَ.
(١) "جامع الرموز": كتاب الوقف ١٦٤/٢.
(٢) قال في "اللسان": مادة ((قصل)): ((القَصِيل ما اقْتَصِلَ [اقتطع] من الزرع أخضَر))، والمراد الغِراسُ الصغيرة.
(٣) قال في "اللسان": مادة ((سبخ)): ((والسََّخَةُ: أرضٌ ذاتُ مِلحٍ ونَزْ، والأرضُ المالحةُ)) اهـ.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الوقف - الفصل السابع في تصرُّف القيِّم في الأوقاف وهو أنواع ٣/ ق ٨/ ب.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في الأشجار ٣١٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) هي "الفتاوى الإسماعيلية" لأبي إسماعيل بن علي بن رجب المعروف بابن الحايك الدمشقي (ت ١١٣ ١همم) إ سناك
الدرر" ٢٥٦/١، "منتخبات التواريخ لدمشق" ٦١٨/٢، "هدية العارفين" ٢١٩/١).
حاشية ابن عابدين
٤٦٠
كتاب الوقف
مطلبٌ: كونُ التّعميرِ من الغَلَّةِ إن لم يكنِ الخَرابُ بِصُنعِ أحدٍ
وذَكَرَ في "البحر"(١): ((أَنَّ كونَ التّعميرِ من غَلَّةِ الوقفِ إذا لم يكنِ الخَرابُ بصُنْعِ أحدٍ، ولذا
قالَ في "الولوالحيَّةُ(٢): رجلٌ آخَرَ دارَ الوَقْفِ فحَعَلَ المستأجرُ رِواقَها مَرَبَطاً للدَّوَابِّ وخرَّبَها
يَضْمَنُ؛ لأَنَّه فَعَلَ بغيرِ إذنٍ)) اهـ.
مطلبٌ: عِمارةُ الوقفِ على الصِّفةِ الَّتي وقفَهُ
(تنبية)
لو كانَ الوقفُ على مُعَّنِ فالعِمارةُ في مالِهِ - كما سيأتي(٣) - بِقَدْرِ ما يَقَى الموقوفُ على
الصَِّةِ الَّتِي وَقَفَهُ، فإِنْ خَرِبَ يُبَنَّى كذلكَ ولا تَجُوزُ الزِّيادةُ بلا رِضاهُ، ولو كانَ على الفقراءِ
فكذلكَ، وعندَ البعضِ تجوزُ، والأوَّلُ أصحُّ، "هداية"(٤) ملخَّصاً.
وبه عُلِمَ أنَّ عِمارةَ الوقفِ زيادةً على ما في زمَنِ الواقفِ لا تجوزُ بلا رضى المستحقِّينَ،
وظاهرُ قولِهِ: ((بقَدْرِ ما يَبقَى إلخ)) منعُ البياضِ والحُمْرةِ(٥) على الحيطانِ من مالِ الوقفِ إنْ
لم يكنْ فَعَلَهُ الواقفُ، وإِنْ فَعَلَهُ فلا مَنْعَ، "بحر"(٦).
(قولُهُ: لو كانَ الوَقْفُ على مُعَيَّنٍ إلخ) رجلٍ أو رجالٍ، وسيأتي التَّكُلُّمُ على هذا، فتأمَّلْه.
(قولُهُ: وظاهرُ قولِهِ: ((بِقَدْرِ ما يَبقَى إلخ)) مَنْعُ البياضِ والحُمْرةِ على الحيطانِ إلخ) هذا إذا لم يَزِدْ
أَجرُهُ بما ذُكِرَ.
(١) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٥/٥.
(٢) "الولوالجية": كتاب الوقف - الفصل الأول في المسجد وفيما هو من مصالحه إلخ ق ١٥٢/ب.
(٣) صـ ٤٧٧ - "در".
(٤) "الهداية": كتاب الوقف ١٧/٣.
(٥) في هامش "م": ((قوله: مَنْعُ البياضِ والحُمْرَةِ إلخ)) قالَ شيخُنا: وقد رأيتُ تقييدَ ذلك بما إذا لم يُورِثِ البياضُ والحُمْرةُ
زيادةُ في الأجر، فإن كان كذلك فلا مَنْعَ، ثُمَّ قال: وهو تقييدٌ حَسَنٌ، وَيَظهَرُ أنَّ الزِّيادة في أماكنه كذلك. اهـ.
(٦) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٥/٥.