النص المفهرس

صفحات 421-440

الجزء الثالث عشر
٤٢١
كتاب الوقف
وإنْ كانَت داراً واحدةً لا يُمكنُ أَنْ تُقَسَّطَ بينَهم لا يَسْكِنُها إلاَّ مَن جَعَلَ لهمُ الواقفُ السُّكنى دونَ
غيرِهم من نساءِ الرِّجالِ ورجالِ النّساءِ)) اهـ، أي: لأنَّ الواقفَ قَصَدَ صيانَتَهم وسَتْرَهم، فلو سَكَنَ
زوجُ امرأةٍ معَها ولها في هذهِ الدَّارِ أَخَوَاتٌ مثلاً كانَ فِيهِ بِذْلَةٌ لهنَّ بدخولِ الرَّجلِ عليهِنَّ كما في
"الخصَّاف"(١)، بخلاف ما إذا كانَ لكلِّ منهم حُجْرَةٌ لها بابٌ يُغَلَقُ، فإنَّ لكلِّ أَنْ يَسْكُنَ بأهلِهِ
وحَشَمِهِ وجميعٍ مَن معَهُ كما في "الخصَّافِ"(١) أيضاً، وقدَّمنا (٢) فِي السَّرقةِ: أنَّ المقصورةَ الحجرةُ
بلسانِ أهلِ الكوفةِ، وأَنَّهَ ذَكَرَ "محمَّذٌ" فيما لو أَخْرَجَ السَّارِقُ السَّقَةَ إلى صحنِ الدَّارِ أَنَّه إنْ كانَ فيها
مقاصيرُ فأخرجَها من مقصورةٍ إلى صحنِ الدَّارِ قُطِعَ، قَالَ في "الفتح"(٣) هناكَ: ((أي: إذا كانَتِ الدَّارُ
عظيمةٌ فيها بيوتٌ كلُّ بيتٍ يَسكّنُهُ أهلُ بيتٍ على حِدَتِهِم، وَيَستَغَنُونَ بِه استغناءَ أهلِ المنازلِ بمنازلهم
عن صحنِ الدَّارِ، وإِنَّا يَنْتَفِعُونَ به انتفاعَهم بالسِّكَّةِ)) اهـ. وهل المرادُ هنا بالحُجرةِ كَذلكَ؟ الظَّاهرُ
نَعَم كما يفيدُهُ قولُ "الخصَّفِ"(٤): ((لكلِّ أَنْ يَسكُنَ في حجرٍ بِأهلِهِ وحَشَمِهِ وجميعٍ مَن معَهُ)) ثُمَّ
قد صرَّحَ "الخصَّاف (٥): ((بأنّه إذا لم يكنْ فيها حُجَرٌ لا تُقَسَمُ ولا يَقَعُ فيها مُهَايَأَةٌ بِينَهم))،
وظاهرُهُ: أَنَّه لو كانَ فيها حُجَرٌ لا تَكفِيهم فهي كذلكَ، أي: يَسكُها المستَحِقُّونَ فقط دونَ نساءٍ
الرِّجالِ ورجالِ الّساءِ، ولذا قالَ في "الفتح"(٦) بعدَ نقلِهِ كلامَ "الخصَّاف": ((وعن هذا تَعرِفُ أَنَّه لو
سَكَنَ بعضُهم فلم يَحِدِ الآخَرُ موضِعًاً يَكَفِيهِ لا يَستوجِبُ أُجرَةَ حصَّتِهِ على السَّاكِنِينَ، بل إنْ أَحَبَّ
أنْ يَسْكُنَ مِعَهُ فِي بُقعةٍ من تلكَ الدَّارِ بلا زوجةٍ أو زوجٍ، وإلاَّ تَرَكَ المَتَضَيِّقُ وخَرَجَ أو جَلَسُوا معاً،
كلٌّ في بُقعةٍ إلى جنبِ الآخرِ))، ثمَّ ذَكَرَ(٩): ((أنَّ "الخصَّافَ" لم يخالفْهُ أحدٌ فيما ذَكَرَ، كيفَ
وقد نَقَّلوا إجماعَهم على الأصلِ المذكورِ؟! أي: على قولهم: لو كانَ الكلُّ وقفاً على أربابه وأرادوا
(١) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يجعل داره موقوفة ليسكنها إلخ صـ٦٦ -.
(٢) المقولة [١٩٢٦٦] قوله: ((المتسعة جداً)).
(٣) "الفتح": كتاب السَّرقة - باب ما يقطع فيه وما لا يقطع - فصل في الحرز والأخذ منه ٥ /١٤٧.
(٤) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يجعل داره موقوفة ليسكنها إلخ صـ٦٦ -.
(٥) "أحكام الأوقاف": باب الرجل يجعل داره موقوفة ليسكنها إلخ ٥ ٦٤- بتصرف.
(٦) "الفتح": كتاب الوقف ٤٢٦/٥ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٢٢
کتاب الوقف
فُيُقْسَمُ الْمُشاعُ، وبه أَفتى "قارئُ الهدايةِ"(١) وغيرُهُ (إذا كانت) القِسمةَ (بين الواقِفِ
و) شَرِيكِهِ (المالِكِ)، أو الواقفِ الآخَرِ أو نَاظِرِه.
القسمةَ لا يَجُوزُ(٢) التَّهايؤُ)) اهـ، لكنْ هذا يُشكِلُ على قولِ "الشَّارحِ": ((بل يَتَهَايَؤُونَ))،
والّوفيقُ - كما أفادَهُ "الخيرِ الرَّمَلِيُّ" - بَحَمْلِ ما في "الخصَّاف" وغيرِهِ من عدمٍ جوازِ القسمةِ والتّهايُقِ
على قِسمةِ النَّلُّكِ جبراً، وما في "الشَّرِحِ" تبعاً لـ "الإسعاف(٢) وغيرِهِ على قِسمةِ الْتّراضي بلا لزومٍ،
ولذا قالوا: ولمن أبى منهم بعدَ ذلكَ إبطالُهُ.
مطلبٌ في قسمةِ الواقفِ معَ شریکِهِ
[٢١٣٤٤] (قولُهُ: فَيُقْسَمُ المشاعُ) فإذا تَقَاسَمَ الواقفُ معَ شريكِهِ فوقَعَ نصيبُ الواقفِ
في موضعٍ لا يَلزَمُهُ أنْ يَقِفَهُ ثانياً؛ لأنَّ القِسمةَ تَعْبِينُ الموقوفِ، وإذا أرادَ الاجتنابَ عن الخلافِ
[٣ /ق ١١١ / ب] يَقِفُ المقسومَ ثانياً، "بحر "(٤) عن "الخلاصة"(٥)، أي: إذا لم يكنْ مَحكُوماً بصِحَّتِه؛
إذ بَعدَ الْحُكْمِ لم يَبْقَ خلافٌ.
(قولُ "الشَّارِحِ" فُيُقْسَمُ الْمُشاعُ إلخ) لكنَّ هذهِ القسمةَ لا يَجري فيها الإجبارُ، ففي "المنح" عن
"أنفع الوسائل": ((أَنَّ القاضيّ لا يجوزُ له أنْ يَقْسِمَ قِسمةَ جمعِ بينَ المِلكِ والوقفِ على وجهِ الإجبارِ،
بمعنى: أَنَّه إذا طَلَبَ ذلكَ ناظرُ الوقفِ وامتنعَ الشَّرِيكُ المالكُ عن القسمةِ لا يُحِرُهُ القاضي ويَقْسِمُ،
بل لا بُدَّ أنْ يكونَ على وجهِ التّراضي من الشُّركاءِ كلّهم)) اهـ "سنديّ".
(قولُهُ: والتَّوفيقُ - كما أفادَهُ "الخيرِ الرَّمليُّ" - بحملٍ ما في "الخصَّاف" وغيرِهِ من عدمٍ جوازٍ
القسمةِ والتَّهايُقِ على قِسمةِ التَّمُكِ إلخ) الأظهرُ في التّوفيقِ: حملُ ما في "الخصَّاف" على ظاهرِ الرِّوايةِ
- والوقفُ للغَلَّةِ - وما في "الإسعاف" وغيرِهِ على روايةِ "أبي يوسف" كما عُلِمَ ثَمَا تَقَدَّمَ.
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في المهايأة صـ٦٨ -.
(٢) عبارة "الفتح": ((وأرادوا القسمة لا تجوز، وكذا التهايؤ)).
(٣) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المشاع وقسمته والمهايأة فيه صـ٢٩ -.
(٤) "البحر": كتاب الوقف ٢١٣/٥ بتصرف.
(٥) "خلاصة الفناوى". كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده - جنس آخر في وقف المشاع ق ٣٢٤/ب.

الجزء الثالث عشر
٤٢٣
كتاب الوقف
إن اختلفت جهةٌ وَقفِهما، "قارئُ الهداية"(١). ولو وَقفَ نصفَ عَقار كُلُّه له ..
مطلبٌ: قاسَمَ وجَمَعَ حصَّةَ الوقفِ في أرضٍ واحدةٍ جازَ
وفي "البحر"(٢) عن "الظَّهِيرِيَّة"(٣): ((ولو كانت له أرَضونَ ودورٌ بينَهُ وبينَ آخرَ، فوقَفَ
نصيبَهُ، ثمَّ أرادَ أنْ يُقَاسِمَ شريكَهُ وَيَحمَعَ الوقفَ كلَّهُ في أرضٍ واحدةٍ ودارٍ واحدةٍ فَإِنَّه جائزٌ في
قولِ(٤) "أبي يوسف" و"هلالِ")) اهـ.
مطلبٌ: لو كانَ في القسمةِ فَضْلُ دراهمَ من الواقفِ صِحَّ لا من الشَّرِيكِ
وفي "الفتح"(٥): ((ولو كانَ في القِسمةِ فضلُ دراهمَ - بأنْ كانَ أحدُ النّصفينِ أجودَ - فحَعَلَ
يإزاءِ الجُودِ دراهمَ فإنْ كانَ الآخِذُ للدَّراهمِ هو الواقفَ - بأنْ كانَ غيرُ الموقوفِ هو الأحسنَ -
لا يَجُوزُ؛ لأَنَّه يَصِيرُ بائعاً بعضَ الوقفِ، وإنْ كانَ الآخِذُ شريكَهُ - بأنْ كانَ نصيبُ الوقفِ أحسنَ -
جازَ؛ لأنَّ الواقفَ مشترٍ لا بائعٌ، فكأنَّه اشترى بعضَ نصيبِ شريكِهِ فوقَفَهُ)) اهـ. لكنْ في
"الإسعاف"(٦): ((وما اشتراهُ مِلكٌ له ولا يَصِيرُ وقفاً)) ومثلُهُ في "الخانَيَّة(٧)، وكذا في "البحر" (٨)
عن "الظَّهِيرِيَّة"(٩)، تأمَّل.
مطلبٌ: إذا وَقَفَ كلَّ نصفٍ على حِدَةٍ صارَا وقفَيْنِ
[٢١٣٤٥] (قولُهُ: إنِ اختلفَتَ جِهَةُ وَقْفِهما) أي: بأنْ كانَ كلُّ وقفٍ منهما على جهةٍ غيرِ الجهةِ
٣٦٨/٣
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في قسمة الوقف بين الشركاء صـ٩٨ - بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الوقف ٢١٣/٥.
(٣) "الظهيرية": كتاب الوقف - الفصل الثاني في وقف المشاع وفيما يدخل تحت الوقف تبعاً ق ٢١٢/أ.
(٤) عبارة "البحر" و"الظهيرية": ((فإنه جائز في قياس قول "أبي يوسف")).
(٥) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٣/٥.
(٦) "الإسعاف": فصل في وقف المنقول أصالةٌ صـ٣١ -.
(٧) "الخانية": كتاب الأوقاف - فصل في وقف المشاع إلخ ٣٠٤/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "البحر": كتاب الوقف ٢١٣/٥.
(٩) "الظهيرية": كتاب الوقف - الفصل الثاني في وقف المشاع وفيما يدخل تحت الوقف تبعا فى ٩/٢١٢

حاشية ابن عابدين
٤٢٤
کتاب الوقف
فَالقاضي يَقسِمُه مع الواقِفِ، "صدر الشَّريعة" (١) و"ابن الكمال". وبعد مَوتِه لورثتِه
ذلك، فَيَفرِزُ القاضي الوَقفَ مِن المِلكِ، ولهم بَيعُهُ، به أفتى "قارئُ الهداية".
واعتمَدَهُ في "المنظومة المحبَّة"(٢)، (لا الموقوفِ عليهِم).
الأُخرى، لكنَّ هذا النَّقييدَ مخالفٌ لِما في "الإسعاف"(٣) حيثُ قالَ: ((ولو وَقَفَ نِصفَ أرضِه على
جهةٍ معيَّةٍ، وجَعَلَ الولايةَ عليه لزيدٍ في حياتِه وبعدَ مماِهِ، ثمَّ وَقَفَ النّصفَ الآخرَ على تلكَ الجهةِ
أو غيرِها، وجَعَلَ الولايةَ عليه لعمرو في حياتِه وبعدَ وفاتِه يَجُوزُ لهما أنْ يَقْتسِمَا ويأخُذَ كلُّ
واحدٍ منهما النّصفَ فيكونُ في يدِهِ؛ لأَنَّه لَمّا وَقَفَ كلَّ نصفٍ على حدَّةٍ صارَا وقفَيْنِ وإِن
اتَّحدتِ الجهةُ، كما لو كانَت لشريكينِ فَوَقَفَاها كذلكَ)) اهـ.
[٢١٣٤٦) (قولُهُ: فالقاضي يقسِمُهُ معَ الواقفِ) أي: بأنْ يَأْمُرَ رجلاً بأنْ يقاسِمَهُ، وله طريقٌ
آخرُ كما في "الفتح"(٤): ((وهو أنْ يَبِيعَ نصيبهُ الثَّانِيَ من رجلٍ، ثُمَّ يُقاسِمَ المشتريَ، ثُمَّ يَشتريَ
ذلكَ منه إنْ أحبَّ، وهذا لأنَّ الواحدَ لا يَصلُحُ أنْ يكونَ مُقَاسِماً ومُقَاسَمَاً)) اهـ.
[٢١٣٤٧] (قولُهُ: به أفتى "قارئُ الهداية") حيثُ قالَ(٥): ((نَعَمْ تَجُوزُ القِسمةُ ويُفْرَزُ الوقفُ
من المِلكِ، ويُحكَمُ بصحَّتِها، ويجوزُ للورثةِ بيعُ ما صارَ إليهم بالقِسمةِ، وإذا قَسَمَ بينَهم مَن هو
عالِمٌ بالقِسمةِ إنْ شاءَ عَّنَ جِهَةَ الوقفِ وجِهَةَ الملكِ بقولِهِ، والأولى أنْ يَقْرَعَ بينَ الْجُزْأَينِ نفياً
للتُّهَمةِ عن نفسِهِ)) اهـ.
(قولُهُ: أي بأنْ يَأمُرَ رجلاً بأنْ يقاسِمَهُ إلخ) أو يَتَولَّى ذلكَ بنفسِهِ.
(١) "شرح الوقاية": كتاب الوقف - فصل ومن بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه إلخ ٣٤٣/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٢) "المنظومة المحبية": من كتاب القضاء صـ ٤٠ -.
(٣) "الإسعاف": باب بيان ما يجوز وقفه وما لا يجوز إلخ - فصل في وقف المشاع وقسمته والمهايأة فيه صـ٣٢ -.
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٣/٥.
(٥) "فتاوى قارئ الهداية: مسألة في الوقف الشائع صـ ٣٤ -.

الجزء الثالث عشر
٤٢٥
کتاب الوقف
فلا يُقْسَمُ الوَقفُ بين مُستحقِّيْهِ إجماعاً، "درر"(١) و"كافي"(٢) و"خلاصة"(٣)
وغيرها؛ لأنَّ حقّهُم ليس في العَينِ، وبه جَزمَ "ابنُ نُخَيمٍ" في "فتاواه"(٤)، وفي
"فتاوى قارئ الهداية"(٥): ((هذا هو المذهبُ))، وبعضُهُم جوَّزَ ذلك، ولو سَكَنَ
بعضُهُم ولم يَجِد الآخَرُ مَوْضِعاً يَكفيهِ فليسَ له ◌ُجرةٌ، ولا له أن يقولَ: أنا أَستعمِلُ
بقدرِ ما استَعملَّهُ؛ لأنَّ المهايأةَ إنَّما تكونُ بعد الخصومةِ، "قنية١(٦). نعم لوٍ استَعمَلَهُ
كلَّهُ أحدُهُم بالغَلَبةِ بلا إذنِ الآخَرِ لَزِمَه أجرُ حِصَّةٍ شَرِيكِهِ ولو وَقْفاً على سُكناهُما،
[٢١٣٤٨] (قولُهُ: فلا يُقْسَمُ الوقفُ بينَ مستحقِيهِ إجماعاً) وكذا لا يجوزُ الَّهايؤُ فيه حَبْراً، كما
حرَّرناهُ آنفاً.
[٢١٣٤٩) (قولُهُ: وبعضُهم جوَّرَ ذلكَ) هذا ضعيفٌ لمخالفتِهِ الإجماع.
[٢١٣٥٠] (قولُهُ: لأنَّ المهايأةَ إنَّ تكونُ بعدَ الخصومةِ) مفهومُهُ ثبوتُ المهايأةِ له بعدَ الخصومةِ
في المستقبل، وقد علمتَ أنَّ لا مُهايأةً في الوقفِ، نعم هذا في المِلكِ كما مرَّ(٧) قبيلَ الوقفِ نظماً.
(٢١٣٥١] (قولُهُ: لَزِمَهُ أجرُ حصَّةٍ شريكِهِ) لأَنّه لَمّا استَعمَلَهُ بالغلبَةِ صارَ غاصِباً، ومنافعُ
الوقفِ (٨) مضمونةٌ على المفتى به، بخلافِ المسألةِ الَّتِي قَبْلَ هذهِ؛ لأنَّ السَّاكنَ فيها غيرُ غاصبٍ كما
أفادّهُ في "الَّهر " (٩) و"الخيرُ الرَّملِيُّ"، خلافاً لِما تَوَهَّمَهُ في "البحر "(١٠).
[٢١٣٥٢] (قولُهُ: ولو وقفاً على سُكْناهما) أي: وإنْ كانَ مَن له السُّكنى ليسَ له الإِيجارُ
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢ بتصرف.
(٢) "كافي النسفي": كتاب الوقف ١/ق ٢٧٢/أ بتصرف.
(٣) "الخلاصة": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف وفساده ق ٣٢٤/ب
(٤) "فتاوى ابن نجيم": كتاب الوقف صـ ٩٨- (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٥) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في الوقف الشائع صـ ٢٥ -.
(٦) "القنية": كتاب الوقف - باب في سكنى الوقف والإحارة بأقلَّ من أجرة المثل إلخ ق ٩٠/أ.
(٧) صـ ٣٦٨ - "در".
(٨) في "الأصل": ((الغصب))، والمقصود: منافع الوقف المغصوب كما في "الفتاوى الخيرية": ١٧٤/١.
(٩) "النهر": ق ٣٥٤/أ - ب.
(١٠) "البحر": كتاب الوقف ٢٢٤/٥.

حاشية ابن عابدين
٤٢٦
كتاب الوقف
بخلافِ المِلكِ الْمُشترَكِ ولو مُعَدًّا للإجارةِ، "قنية"(١). قلتُ: ولو بَعضُهُ مِلكٌ وبعضُهُ
وقفٌ، ويأتي في الغَصبِ.
كما قدَّمناهُ(٢) عن "الإسعاف"؛ لأنَّ هذا تضمينٌ لا إيجارٌ قصديٌّ.
[٢١٣٥٣) (قولُهُ: بخلافِ المِلكِ المشترَكِ) أي: بينَ بَالِغَيْنِ، فلو أحدُهما يتيماً وسَكَنَهُ الآخَرُ
لَزِمَهُ أجرُ حصَّةِ اليتيمِ.
[٢١٣٥٤) (قولُهُ: ولو مُعَدًّا للإجارةِ) لأَنَّه سَكَّنَهُ بتأويلِ مِلكِ كما يأتي في الغصبِ. اهـ
!!! "(٣)
[٢١٣٥٥] (قولُهُ: ولو بعضُهُ مِلكٌ وبعضُهُ وقفٌ) جملةُ المبتدأ والخبرِ وما ◌ُطِفَ عليها خبرُ كانَ
المقدَّرةِ بعدَ ((لو))، واسمُها مستترٌ فيها عائدٌ على المكانِ المستعمَلِ المُحَدَّثِ عنهُ، والولوعُ
بالاعتراضِ بمنعُ الاهتداءَ إلى طريقِ الصَّابِ، فافهم.
[٢١٣٥٦) (قولُهُ: ويأتي (٤) في الغصبِ) في بعضِ النُسخِ بدونِ واو على أَنَّه جوابُ ((لو))
الأخيرةِ، لكنَّ نُسَخَ إثباتِها أحسنُ؛ لأنَّ غالبَ ما ذَكَرَ هنا من مسائلِ الغصبِ يأتي في بابِهِ،
وإنْ كانَت الأخيرةُ لم تُذكَرْ فيه نصًّا لكنَّها معلومةٌ؛ لأَنْهم نَصُّوا هناكَ على تضمينِ منافعِ الوقفِ،
(قولُ "الشَّارحِ": ولو بعضُهُ مِلكٌ وبعضُهُ وقفٌ إلخ) في "شرح الملتقى": ((والمعتمدُ لزومُ الأجرِ
على الشَّريكِ والزَّوجِ في دارِ اليتيمِ المِلكِ كالوقفِ خلافاً لِما في "الصَّرفَيَّة")) اهـ. فالتَّعميمُ في كلامٍ
"الشَّارِحِ" إنَّا يَظهَرُ على ما في "الصَّيْرِفَيَّةَ"، إلاَّ أنْ يكونَ مرادُهُ أَنَّه استعملَهُ الموقوفُ عليه فلا يَلْزَمُ أجرةُ
حصَّةِ الملكِ، بخلاف ما إذا استعمَلَهُ الشَّرِيكُ المالِكُ فَيَلزَمُهُ أجرةُ حصَّةِ الوقفِ.
(١) "القنية": كتاب الوقف - باب في سكنى الوقف والإجارة بأقلَّ مِنْ أجرة المثل إلخ ق ٩٠/أ بتصرف.
(٢) المقولة [٢١٣٤٣] قوله: ((بل يتهايؤون)).
(٣) "ح": كتاب الوقف ق ٢٧٣/ب.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٣١٤٦٧] قوله: ((بالغلبة)).

الجزء الثالث عشر
٤٢٧
كتاب الوقف
(ويَزُولُ مِلكُه عن المسجدِ والمُصلِّى)
ولم يقيِّدوهُ بما إذا لم يكنْ بعضُهُ مِلكاً، على أنَّه في الغصبِ قالَ(١): ((أمَّا فِي الوقفِ إذا سَكَنَهُ
أحدُهما بالغَبةِ بلا إذنٍ لَزِمَ الأجرُ (٢))) اهـ. فقولُهُ: ((إذا سَكَنَهُ أحدُهما)) - أي: أحدُ [٣/ ق١١٢/أ]
الشَّريكينِ - يَشْمَلُ الشَّرِيكَ في الملكِ أو في الوقفِ، واحترزَ بـ: ((الغلبةِ)) عمَّا إذا لم يجدْ شريكُ
الوقفِ مَوضِعاً يَسكُنُ فِيه فخَرَجَ باختيارِهِ كما مرَّ(٣)، وأمَّا إذا كانَتِ الدَّارُ كُّها وقفاً فإنَّ السَّاكنَ
يَلِزَمُهُ أجرُها ولو كانَ بتأويلٍ مِلكٍ، كما إذا اشتراها ثمَّ ظَهَرَ أَنَّها وقفٌ كما قدّمنا(٤).
مطلبٌ في أحكامِ المسجدِ
[٢١٣٥٧] (قولُهُ: وَيَزُولُ مِلكُهُ عن المسجدِ إلخ) اعلمْ أنَّ المسجدَ يُخالِفُ سائرَ الأوقافِ في
عدمِ اشتراطِ التَّسليمِ إلى المتولّي عندَ "محمَّدٍ"، وفي منعِ الشُُّوعِ عندَ "أبي يوسف"، وفي خروجِهِ
عن ملكِ الواقفِ عندَ "الإِمامِ" وإنْ لم يَحكُمْ به حاكمٌ كما في "الدُّرر"(٥) وغيرِهِ.
[٢١٣٥٨] (قولُهُ: والمصلَّى) شَمِلَ مصلَّى الجنازةِ ومصلَّى العيدِ، قالَ بعضُهم: يكونُ مسجدً،
حتّى إذا ماتَ لا يُورَثُ عنهُ، وقالَ بعضُهم: هذا في مصلّى الجنازةِ، أَمَّا مصلَّى العيدِ لا يكونُ مسجداً
مطلقاً، وإنَّما يُعطى له حُكْمُ المسجدِ في صحَّةِ الاقتداءِ بالإمامِ وإنْ كانَ منقصِلاً عن الصُّفوفِ،
وفيما سوى ذلكَ فليسَ له حُكْمُ المسجدِ، وقالَ بعضُهم: يكونُ مسجداً حالَ أداءِ الصَّلاةِ لا غير،
وهو والجَبَّانةُ سواءٌ، ويُحَنِّبُ هذا المكانُ عمَّا يُحِنَّبُ عنهُ المساجدُ احتياطاً. اهـ "خانية"(٦)
و"إسعاف"(٧). والظَّاهرُ: ترجيحُ الأَوَّلِ؛ لأَنَّه في "الخانيَّة " يُقدِّمُ الأشهرَ.
(١) انظر "الدر" عند المقولة [٣١٤٦٦] قوله: ((إذا أسكنه أحدهما)).
(٢) في النسخ جميعها: ((الآخر)) وهو تحريف، وما أثبتناه من عبارةٍ "الدر".
(٣) المقولة [٢١٣٤٣] قوله: ((بل يتهايؤون)).
(٤) المقولة [٢١٣٤١] قوله: ((لزم أجر المثل)).
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢.
(٦) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو حانوتا إلخ ٢٩١/٣ (هامش"الفتاوى الهندية).
(٧) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّفايات إلخ صـ٧٦ - بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٢٨
كتاب الوقف
بالفِعلِ و(بقولِهِ: جعلتُهُ مَسحِداً) عند "الثّاني"،
[٢١٣٥٩] (قولُهُ: بالفعلِ) أي: بالصَّلاةِ فيه، ففي "شرح الملتقى"(١): ((أَنَّه يَصِيرُ مسجداً
بلا خلافٍ))، ثمَّ قالَ(٢) عندَ قولِ "الملتقى": ((وعندَ "أبي يوسف" يَزُولُ بمجرَّدِ القَولِ)): ((ولم
يُرِدْ أَنَّه لا يَزُولُ بدونِهِ؛ لِما عرفتَ أَنَّه يَزُولُ بالفعلِ أيضاً بلا خلافٍ(٢)) اهـ.
قلتُ: وفي "الدَّخيرة": ((وبالصَّلاةِ بجماعةٍ يَقَعُ الَّسليمُ بلا خلافٍ، حَتَّى إِنَّه إذا بَنَى مسجداً
وأَذِنَ للَّاسِ بِالصَّلاةِ فيه جماعةً فإِنَّه يَصِيرُ مسجداً)) اهـ. ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بالفعلِ الإفرازُ، ويكونُ
بياناً للشَّرِطِ الَّفْقِ عليه عندَ الكلِّ كما قدَّمناه(٤) من أنَّ المسجدَ لو كانَ مُشاعًاً لا يَصِحُّ إجماعاً،
وعليهِ فقولُهُ: ((عندَ "الثّاني")) مرتبطٌ بقولِ "المتنِ": ((بقولِهِ: جعلتُهُ مسجداً))، وليسَتِ الواوُ فيه
بمعنى ((أو)) فافهم. لكنْ عندَهُ لا بُدَّ من إفرازِهِ بطريقِهِ، ففي "النّهر"(٥) عن "القنية" (٦): ((جَعَلَ
وسطَ دارِهِ مسجدً، وأذِنَ للَّاسِ بِالدُّخولِ والصَّلاةِ فيه إنْ شَرَطَ معَهُ الطَريقَ صارَ مسجداً في
قولِهم جميعاً، وإلاَّ فلا عندَ "أبي حنيفةً"، وقالا: يَصِيرُ مسجداً، ويَصِيرُ الطَّريقُ من حقِّهِ من غيرِ
٣٦٩/٣ شرطٍ، كما لو آجَرَ أرضَهُ ولم يَشترِطِ الطَّريقَ)) اهـ. وفي "القُهِستانيِّ(٧): ((ولا بُدَّ من إفرازِهِ
- أي: تميزِهِ - عن ملكِهِ من جميعِ الوجوهِ، فلو كانَ العُلْوُ مسجداً والسُّفْلُ حوانيتَ أو بالعكسِ
(قولُهُ: وَيَصِحُّ أنْ يُرادَ بالفعلِ الإفرازُ إلخ) لكنَّ المتبادِرَ مِن ذكرِ الجارِّ في المعطوفِ هو الاحتمالُ
الأوَّلُ، وعليه الواو بمعنى ((أو)).
(قولُهُ: لكنْ عندَهُ) أي: عندَ "الإمامِ".
(١) "الدر المنتقى": كتاب الوقف - فصلٌ: إذا بنى مسجداً لا يزول ملكه ٧٤٧/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الوقف - فصلٌ: إذا بنى مسجداً لا يزول ملكه ٧٤٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) في "الأصل": ((بلا خلافٍ أيضاً)).
(٤) المقولة [٢١٣٢٨] قوله: ((ويفرز)).
(٥) "النهر": كتاب الوقف - فصل لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ق ٣٥٦/أ.
(٦) "القنية": كتاب الوقف - باب المساجد وما يتعلق بها ق ٩٠/أ - ب.
(٧) "جامع الرمور": كتاب الوقف ١٦١/٢.

الجزء الثالث عشر
٤٢٩
كتاب الوقف
(وشَرطَ "محمَّدٌ") و"الإِمامُ" (الصَّلاةَ فيه)
لا يَزُولُ مِلِكُهُ؛ لتعلُّقِ حقِّ العبدِ به كما في "الكافي")).
(تنبيةٌ)
ذَكَرَ في "البحر"(١): ((أَنَّ مُفادَ كلامِ "الحاوي" اشتراطُ كونِ أرضِ المسحدِ مِلكً للباتي)) اهـ.
لكنْ ذَكَرَ "الطَّرَسُوسيُّ" جوازَهُ على الأرضِ المستأجرةِ أخذاً من جوازِ وقفِ البناءِ كما سنذكرُّهُ(٢)
هناكَ، وسُئِلَ في "الخيريَّة"(٢) عمَّن جَعَلَ بيتَ شَعْرٍ مسجدً، فأفتى: ((بأَنَّه لاَيَصِحُّ)).
[٢١٣٦٠] (قولُهُ: وشَرَطَ "محمَّدٌ" و"الإِمامُ " الصَّلاةَ فيه) أي: معَ الإفرازِ كما عَلِمتَهُ. واعلمُ أنَّ
الوقفَ إِنَّا احتيجَ في لزومِهِ إلى القضاءِ عندَ "الإِمامِ"؛ لأنَّ لفظَهُ لا يُنبِئُ عن الإخراجِ عن الملكِ،
بل عن الإبقاءِ فيه لِتَحصُلَ الغَلَّةُ على مِلكِهِ فَتَصدَّقَ بها، بخلافِ قولِهِ: جعلتُهُ مسجدً؛ فإنَّه
لا يُنِئُ عن ذلكَ لِيحتاجُ إلى القضاءِ بزوالِهِ، فإذا أذِنَ بالصَّلاةِ فيه قَضَى العُرفُ بزوالِهِ عن مِنْكِهِ،
ومقتضى هذا: أَنَّه لا يُحتاجُ إلى قولِهِ: ((وقَفْتُ)) ونَحْوِهِ، وهو كذلكَ، وأَنَّه لو قالَ: وقفتُهُ
مسجدً، ولم يَأْذَنْ بالصَّلاةِ فيه ولم يُصَلِّ فيه أحدٌ أَنَّه لا يَصِيرُ مسجداً بلا حُكْمٍ، وهو بعيدٌ، كذا
في "الفتح"(٤) ملحّصاً. ولِقائلِ أنْ يقولَ: إذا قالَ: جعلتُهُ مسجداً فالعرفُ قاضٍ وماضٍ بزوالِهِ عن
مِلكِهِ أيضاً غيرُ متوقّفٍ على القضاءِ، وهذا هو الَّذِي يَنبغِي أنْ لا يُتَرَدَّدَ فِيه، "نهر "(٥).
(قولُهُ: وهو بعيدٌ إلخ) لا بُعْدَ فيه معَ معرفةِ وجهِهِ، وذلكَ أنَّه بالقولِ لم يَحصُلِ التّسليمُ الَّذي هو
شرطٌ، بخلافِ الصَّلاةِ فيه معَ الإِذنِ، فإنّه يَحصُلُ التَّسليمُ معَ ما يَدُلُّ على الخروجِ، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٦٩/٥.
(٢) المقولة [٢١٥٣٤] قوله: ((والصحيح الصحّة)).
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب الوقف ١٩٨/١.
(٤) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٤٤٤/٥.
(٥) "النهر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ق ٣٥٦) بـ.

حاشية ابن عابدين
٤٣٠
كتاب الوقف
بجماعةٍ، ..
قلتُ(١): يَلْزَمُ على هذا أنْ يُكتَفَى فيه بالقولِ عندَهُ، وهو خلافُ صريحِ كلامِهم، تأمَّل.
وفي "الدُّر المنتقى" (٢): ((وقدَّمَ في "التنوير" و "الدُّرر)"(٣) و"الوقاية (٤) وغيرِها قولَ "أبي
يوسفَ"، وعَلِمتَ أرجحَّتَهُ في الوقفِ والقضاءِ)) اهـ.
(٢١٣٦١] (قولُهُ: بجماعةٍ) لأَنَّه لا بُدَّ من التَّسليمِ عندَهما خلافاً لـ "أبي يوسف"، وتَسلِيمُ كلِّ
شيءٍ بحسبِهِ، ففي المقبُرَةِ بدفنٍ واحدٍ، وفي السِّقَايةِ [٣/ ق١١٢ /ب] بشُرِبِهِ، وفي الخانِ بنزولِهِ كما في
"الإسعاف" (٥). واشتراطُ الجماعةِ؛ لأنّها المقصودةُ من المسجدِ، ولذا شَرَطَ أنْ تكونَ جَهراً بأذانِ
وإقامةٍ، وإلاَّ لم يَصِرْ مسجداً، قالَ "الرَّلعيُّ"(٦): ((وهذهِ الرِّوايةُ هي الصَّحيحةُ))، وقالَ في
"الفتح"(٧): ((ولو أَتَّحدَ الإِمامُ والمؤذِّثُ، وصلَّى فيه وحدَهُ صارَ مسجداً بالاتفاق؛ لأنَّ الأداءَ على
هذا الوجهِ كالجماعةِ))، قالَ في "الَّهر"(٨): ((وإذ قد عَرفتَ أنَّ الصَّلاةَ فيه أُقيمَت مُقَامَ الَّسليمِ
عَلِمتَ أَنَّه بالتَّسليمِ إلى المتولّي يكونُ مسجداً دونَها - أي: دونَ الصَّلاةِ - وهذا هو الأصحُّ كما في
"الزَّيلعيّ (٩) وغيرِهِ، وفي "الفتح"(١٠): وهو الأوجهُ؛ لأنَّ بالتَّسليمِ إليه يَحصُلُ تمامُ التَّسليمِ إليه تعالى،
وكذا لو سلَّمَهُ إلى القاضي أو نائبهِ كما في "الإسعاف"(١١)، وقيلَ: لا، واختارَهُ "السَّرْ خسيُّ")) أهـ.
(١) في هامش "م": ((قوله: قلت: يَلْزَمُ على هذا إلخ)) فيه: أنَّ الإذنَ بالصَّلاة قولٌ أيضاً، على أنَّ قولَه: جَعَتُه مسجداً
أَصْرَحُ من الإذن بِالصَّلاة فيه. وفرَّق شيخُنا بين القولين بأنَّ الإذن بالصَّلاةِ يَقتضِي النَّسليمَ إلى العامَّة، ويُفيدُ جَعْلَهُ
مسحداً أيضاً، وشَرْطُ "الإِمامِ" الفعلَ ليس إلاَّ لما فيه من الَّسليمِ، وقد وُجِدَ في الإذنِ دون قولِهِ: ((جَعَلْتُه مسجداً)) اهـ.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الوقف - فصلٌ: إذا بنى مسجداً لا يزول ملكه ٧٤٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢.
(٤) "الوقاية": كتاب الوقف صـ١٣٢ -.
(٥) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّقايات إلخ صـ٧٧ -.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه إلخ ٣٣٠/٣.
(٧) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٤٤٤/٥ بتصرف.
(٨) "النهر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ق ٣٥٦ /ب.
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يزل ملكه عنه إلخ ٣٣٠/٣.
(١٠) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجد بأحكام إلخ ٤٤٤/٥.
(١١) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّقايات إلخ صـ٧٥ -.

الجزء الثالث عشر
٤٣١
كتاب الوقف
وقيل: يَكفي واحدٌ، وَجَعَلَهُ في "الخانَيَّة" ظاهرَ الرِّوايةِ.
(فرعٌ)
أرادَ أهلُ المَحَلَّةِ نَقضَ المسجدِ وبناءَهُ أَحْكَمَ من الأوَّلِ، إِنِ الباني .......
[٢١٣٦٢] (قولُهُ: وقيل: يكفي واحدٌ) لكنْ لو صلَّى الواقفُ وحدَهُ فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَكَفِي؛ لأنَّ
الصَّلاَةَ إِنَّا تُشترَطُ لأجلِ القبضِ للعامَّةِ، وقبضُهُ لنفسِهِ لا يَكفِي، فكذا صلاُهُ، "فتح"(١) و "إسعاف"(٢).
(٢١٣٦٣) (قولُهُ: وَجَعَلَهُ في "الخانيّة"(٣) ظاهرَ الرِّوايةِ) وعليه المتوثُ كـ"الكنز"(٤) و"الملتقى" (٥)
وغيرِهما، وقد علمتَ تصحيحَ الأوَّلِ، وصحَّحَهُ في "الخانَّة"(٦) أيضاً، وعليه اقتَصَرَ في الكافي
الحاكم"، فهو ظاهرُ الرِّوايةِ أيضاً.
[٢١٣٦٤) (قولُهُ: إِنِ الباني إلخ) المتبادِرُ من العبارةِ(٧) أنَّ المرادَ باني المسجدِ أوَّلاً،
لكنَّ المناسبَ أنْ يُرادَ مريدُ البناءِ الآنَ، وفي "ط (٨) عن "الهنديَّةِ"(٩): ((مسجدٌ مبنيٌّ أرادَ رجلٌ
(قولُهُ: لكنَّ المناسبَ أنْ يُرادَ مريدُ البناءِ الآنَ إلخ) لكنْ يكونُ في عبارتِهِ رَكَاكَةٌ، فإنّه جَعَلَ
موضوعَها إرادةً أهلِ المحَلَّةِ فلا يُناسِبُ التَّفصيلُ بَعْدُ، وَيَصِحُّ أنْ يُرادَ الباني الأوَّلُ، ويُجعَلُ موضوعُها أنَّه
حيٌّ، فإنَّ أهلَ المحَلَّةِ إذا أَرادُوا ذلكَ، وكانَ الباني منهم يَكُونُ لهم ذلكَ لطلِهِ معَهم، وإنْ كانَ الباني
من غيرِهم لا يكونُ لهم ذلكَ؛ لكونِ الولايةِ له ما دامَ حيًّا، لا لأهلِ المحلَّةِ، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٤٤٤/٥.
(٢) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّقايات إلخ صـ٧٥ -.
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو خاناً أو سقاية أو مقبرة ٢٩٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الوقف - فصل في بيان أحكام المسجد والخان والمقبرة ونحوها ٣٤٧/١.
(٥) "ملتقى الأبحر": كتاب الوقف - فصلٌ: إذا بنى مسجداً لا يزول ملكه ٧٤٧/١.
(٦) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو خاناً أو سقاية أو مقبرة ٢٩٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) في هامش"م" قوله: ((المتبادِرِ مِن العبارة إلخ)) وجهُ التّادُرِ، أنَّ موضوعَ المسألةِ في أنّ مريدَ الهدْمِ والبناءِ هم أهلُ
الْمَحَلّة، وحيثُ كانَ الموضوعُ ذلك لا يَصِحُّ التفصيلُ بقوله: ((فإن كان الباني من أهل تلك المحلّة إلخ))، فعنى كلِّ
حال لا تَخلوُ العبارةُ عن محذورٍ، اهـ.
(٨) "طّ: كتاب الوقف ٥٣٦/٢.
(٩) "الفتاوى الهندية": كتاب الوقف - الباب الحادي عشر في المسجد وما يتعلَّقُ به - الفصل الأول فيما يصيرُ بهاء
مسجداً إلخ ٤٥٧/٢ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٣٢
كتاب الوقف
مِن أهلِ المَحَلَّةِ لهم ذلك، وإلاَّ لا، "بزَّازِيَّةِ"(١). (وإذا جَعَلَ تحتَهُ سِردابً(٢) ◌َصالِحِه)
أي: المسجدِ (جازَ) كمَسحدِ القُدسِ، (ولو جَعلَ لغَيْرِها ...
أنْ يَنْقُضَهُ وبِينَيَهُ أحكمَ، ليسَ له ذلكَ؛ لأَنَّه لا ولايةَ لهُ، "مضمرات"، إلاَّ أنْ يَخَافَ أَنْ يَنْهَدِمَ إنْ لم
يُهدَمْ، "تار خانيَّةً"(٣)، وتأويلُهُ: إنْ لم يكنِ الباني من أهلِ تلكَ المحَلَّةِ، وأمَّا أهلُها فلهم أنْ يَهدِموهُ
ويُحدِّدوا بناءَهُ وَيَفرُشُوا الحصيرَ وَيُعلّقوا القناديلَ، لكنْ من مالِهم لا من مالِ المسجدِ إلَّ بأمرٍ
القاضي، "خلاصة"(٤)، ويَضَعُوا حِيضانَ الماءِ للشُّربِ والوضوءِ إنْ لم يُعرَفْ للمسجدِ بانٍ، فإِنْ
عُرِفَ فالباني أَولى، وليسَ لورثتِهِ مَنْعُهم من نقضِهِ والزِّيادةِ فيهِ، ولأهلِ المحَلَّةِ تحويلُ بابِ المسجدِ،
"خانَّةُ"(٥)، وفي "جامع الفتاوى"؛ لهم تحويلُ المسجدِ إلى مكانٍ آخرَ إنْ تَرَكوهُ بحيثُ لا يُصلَّى فيه،
ولهم يَبْعُ مسجدٍ عتيقٍ لم يُعرَفْ بانيِهِ وصَرْفُ ثمنِهِ في مسجدٍ آخرَ. اهـ "سائحانيّ")) اهـ.
قلتُ: وفي "الهنديَّة"(٦) آخرَ البابِ الأوَّلِ من إحياء المواتِ نقلاً عن "الكبرى": ((أرادَ أنْ يَحِفِرَ
بئراً في مسجدٍ من المساجدِ، إذا لم يكنْ في ذلكَ ضررٌ بوجهٍ من الوجوهِ وفيه نفعٌ من كلِّ وجهٍ فله
ذلكَ، كذا قالَ هنا، وذكرَ (٧) في بابِ المسجدِ قبلَ كتابِ الصَّلاةِ: لا يَحْفِرُ ويَضمَنُ، والفتوى على
المذكور هناك (٨)) اهـ. وقد ذَكَرَ في "البحر "(٩) جُملةً وافيةً من أحكامِ المسجدِ، فراجعْهُ.
[٢١٣٦٥) (قولُهُ: وإذا جَعَلَ تَحَنَهُ سِرداباً) جمعُهُ: سَراديبُ، وهو بيتٌ يُتْخَذُ تحتَ الأرضِ لغرضٍ
(قولُ "المصنّفِ": لمصالِحِهِ) ليسَ بقيدٍ، بل الحُكمُ كذلكَ إذا كانَ يَتَفِعُ به عامَّةُ المسلمينَ على ما أفادَهُ
في "غاية البيان" حيثُ قالَ: ((أَورَدَ الفقيهُ "أبو اللَّيث" سؤالاً وجواباً، فقالَ: فإِنْ قِيلَ: أليسَ مسجدُ بيتِ المقدسِ
(١) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الرابع في المسجد وما يتصل به ٢٨٦/٦ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "و": ((سرداب)).
(٣) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد ٨٤٤/٥ بتصرف.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الرابع في المسجد ق٣٢٥/ب.
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو خاناً أو سقاية أو مقبرة ٢٩٣/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الفتاوى الهندية": كتاب إحياء الأموات ٣٨٩/٥ بتصرف.
(٧) أي صاحب "الفتاوى الكبرى".
(٨) في النسخ جميعها: ((هنا))، وما أثبتناه من "الهندية".
(٩) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٦٨/٥ وما بعدها.

الجزء الثالث عشر
٤٣٣
كتاب الوقف
أو) جَعَلَ (فوقَهُ بيتاً، وجَعَلَ بابَ المسجدِ إلى طريقٍ، وعَزَلَه عن مِلكِهِ لا) يكونُ مَسجداً
(وله بَيْعُهُ، ويُورَثُ عنه) خِلافً لهما (كما لو جَعَلَ وَسطَ دارِهِ مَسجِداً.
تبريدِ الماءِ وغيرِهِ، كذا في "الفتح"(١)، وشَرَطَ في "المصباح"(٢) أنْ يكونَ ضيِّقاً، "نهر " (٣).
[٢١٣٦٦] (قولُهُ: أو جَعَلَ فوقَهُ بيتاً إلخ) ظاهرُهُ: أَنَّه لا فرقَ بينَ أنْ يكونَ البيتُ للمسجدِ
أَوْ لا، إلاَّ أَنَّه يُؤخَذُ من التَّعليلِ أَنَّ محلَّ عدمٍ كونِهِ مسجدً فيما إذا لم يكنْ وقفاً على مصالحِ
المسجدِ، وبه صرَّحَ في "الإسعاف"(٤) فقالَ: ((وإذا كانَ السِّرِدابُ أو العُلْوُ لمصالحِ المسجدِ أو كانَا
وقفاً عليهِ صارَ مسجداً)) اهـ "شُرُ نِبِلالَة" (٥)، قالَ في "البحر" (٦): ((وحاصلُهُ: أَنَّ شَرْطَ كونِهِ
مسجداً أنْ يكونَ سُفْلُهُ وعُلْوُهُ مسجدً ليَنقَطعَ حقُّ العبدِ عنهُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾.
[الجنّ: ١٨]، بخلافٍ(٧) ما إذا كانَ السِّرِدابُ والعُلْوُ موقوفاً لمصالحِ المسجدِ، فهو كسردابٍ بيتٍ
المقدسِ، هذا هو ظاهرُ الرِّوايةِ، وهناكَ رواياتٌ ضعيفةٌ مذكورةٌ في "الهداية)(٨))) اهـ.
[٢١٣٦٧) (قولُهُ: كما لو جَعَلَ إلخ) ظاهرُهُ: أَنَّه لا خلافَ فيهِ، معَ أنَّ فيه خلافَهما أيضاً
٣٧٠/٣
تَحَتَّهُ مِحَتَمَعُ الماءِ والنَّاسُ ينتفعونَ به؟! قيلَ: إذا كانَ تَحَتَهُ شيءٌ يَنتَفِعُ به عامَّةُ المسلمينَ يَحُوزُ؛ لأَنَّه إذا انتَفَعَ به
عامّتُهم صارَ ذلكَ اللهِ تعالى أيضاً)) اهـ. ومنه يُعلَمُ حكمُ كثيرٍ من مساجدِ مصرَ الَّتي تحتَها صهاريجُ ونحوُها.
(قولُهُ: ظاهرُهُ: أَنَّه لا خلافَ فيه، معَ أَنَّ فيه خلافَهما إلخ) قد يُقالُ: ظاهرُ الَّشْبِيهِ يُفيدُ أنَّ فيه خلافَهما،
وما ذكرَهُ في "البحر" يفيدُ ترجيحَ قولِهما إذا كانَ له جماعةٌ إذا أغلِقَ البابُ ولا يَمنعونَ غيرَهم في سائرِ الأوقاتِ.
(١) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٤٤٤/٥.
(٢) "المصباح المنير": مادة ((سردَ)).
(٣) "النهر": كتاب الوقف - فصل لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ق ٣٥٦/ب.
(٤) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّقايات إلخ صـ٧٦ -.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الوقف ١٣٥/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام ٢٧١/٥ باختصار.
(٧) في هامش "م": ((قوله: بخلاف ما إذا كان إلخ)) هذه العبارة تُوهِمُ أَنْه لا يكونُ مسجداً إذا كان العُلُوُ والسُّفْلُ موقوفاً، وهو
خلاف ما صرَّح به في "الإسعاف"، ولعلَّ في العبارة كلاماً سَقَطَ من قلم الناسخ ترتّبَ عليه قوله: ((بخلاف إلخ)) اهـ.
(٨) "الهداية": كتاب الوقف - فصلٌ: وإذا بنى مسجداً لم يَزُل ملكه عنه إلخ ١٩/٣.

حاشية ابن عابدين
٤٣٤
كتاب الوقف
وَأَذِنَ الصَّلاةِ فيه) حيثُ لا يكونُ مَسجدً إلاَّ إذا شَرطَ الطَّريقَ، "زيلعي"(١)
(فرعٌ)
لو بَنى فوقَهُ بيتاً للإمامٍ لا يَضُرُّ؛ لأَنَّه مِن المَصالِحِ، أَمَّا لو ثَّت المسجديَّةُ، ثمَّ
أرادَ البناءَ مُنِعَ، ولو قالَ: عَنَيتُ ذلك لم يُصَدَّق، "تاتر خانيَّة". فإذا كان هذا في الواقفِ
فِكيفَ بِغَيرِهِ؟! فَيَحِبُ هَدمُهُ ولو على جدارِ المسجدِ. ولا يجوزُ أَخْذُ الأُجرةِ منه، ..
كما قدَّمناهُ(٢) عن "القنية"، ونحوُهُ في "الهداية"(٣)، فكانَ المناسبُ ذِكْرَ قولِهِ: ((خلافاً لهما)) بعدَ
هذهِ المسألةِ ليكونَ راجعاً للمسائلِ الثَّلاثِ.
[٢١٣٦٨] (قولُهُ: وَأَذِنَ الصَّلاةِ) اللَّمُ للَّعليلِ لا صِلَةُ: ((أَذِنَ))، والأوضحُ: وأذِنَ للَّاسِ
بالصَّلاةِ فيه، والمرادُ: الإذنُ معَ الصَّلاةِ؛ إذ لو لم يُصَلِّ فيه أحدٌ لا يَصِحُّ في المسجدِ المفرَزِ، فهنا
أَولى كما لا يَخِفَی.
[٢١٣٦٩] (قولُهُ: أمَّا لو تَمَّتِ المسجديَّةُ) أي: بالقولِ [٣ ق١/١١٣] على المفتَى به، أو بالصَّلاةِ
فيه على قولِهما، "ط)"(٤)، وعبارةُ "الَّار خانَّةُ"(٥): ((وإنْ كانَ حينَ بناهُ خَلَّى بِينَهُ وبِينَ النّاسِ، ثمَّ
جاءَ بعدَ ذلكَ يَبْنِي لا يُثَرَكُ)) اهـ. وبه عُلِمَ أنَّ قولَهُ في "النّهر"(٦): ((وأمَّا لو تَّتِ المسحديَّةُ، ثمَّ
أرادَ هَدْعَ ذلكَ البناءِ فإِنَّه لا يُمَكَّنُ من ذلكَ إلخ)) فيه نظرِّ؛ لأَنَّه ليسَ في عبارةِ "الَّتَار خائنَّة" ذِكْرُ
الهدمِ وإنْ كانَ الظَّاهرُ أنَّ الحكمَ كذلكَ.
[٢١٣٧٠] (قولُهُ: فإذا كانَ هذا في الواقفِ إلخ) من كلامِ "البحر"(٧)، والإشارةُ إلى المنعِ من البِنَاءِ.
(٢١٣٧١] (قولُهُ: ولو على جدارِ المسحدِ) معَ أنَّه لم يَأخُذْ من هواءِ المسحدِ شيئاً. اهـ "ط))(٨).
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يَزُل مِلْكه عنه إلخ ٣٣٠/٣ بتصرف.
(٢) المقولة [٢١٣٥٩] قوله: ((بالفعل)).
(٣) "الهداية": كتاب الوقف - فصلٌ: وإذا بنى مسجداً لم يَزْل مِلْكه عنه إلخ ١٩/٣.
(٤) "ط": كتاب الوقف ٥٣٧/٢.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد ٨٤٤/٥.
(٦) "النهر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ق ٣٥٦/ب.
(٧) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧١/٥ بتصرف.
(٨) "ط": كتاب الوقف ٥٣٧/٢.

الجزء الثالث عشر
٤٣٥
كتاب الوقف
ولا أن يَجعَلَ شيئاً منه مُستَغَلاَّ ولا سُكنى، "بزَّازِيَّة".
ونقلَ في "البحر"(١) قبلَهُ: ((ولا يُوضَعُ الجِذْعُ على جدارِ المسجدِ وإِنْ كانَ مِنْ أَوْقَافِهِ)) اهـ.
قلتُ: وبه عُلِمَ حُكْمُ ما يَصِنَعُهُ بعضُ جيرانِ المسجدِ مِنْ وَضْعِ جذوعٍ على جدارِهِ، فإنّه
لا يَحِلُّ ولو دَفَعَ الأُجِرَةَ.
[٢١٣٧٢) (قولُهُ: ولا أنْ يَجعَلَ إلخ) هذا ابتداءُ عبارةِ "البزَّازِيَّةِ"(٢)، والمرادُ بالمستغَلِّ أنْ يُؤْخَّرَ
منه شيءٌ لأجلِ عِمارتِهِ، وبالسُّكنى محلّها، وعبارةُ "البزَّازِيَّة" على ما في "البحر "(٣): ((ولا مَسْكَناً))،
وقد ردَّ في "الفتح"(٤) ما بحثَهُ في "الخلاصة" (٥): ((مِن أَنَّه لو احتاجَ المسجِدُ إلى نَفَقَةٍ تُؤَخَّرُ
(قولُهُ: وقد رَدَّ في "الفتح" ما بحثَهُ في "الخلاصة": مِن أَنَّه لو احتاج المسجدُ إلى نفقةٍ تُؤَخَّرُ قِطْعَةُ منه
بقدرِ ما يُنفَقٌ عليه: بأنَّه غيرُ صحيحٍ إلخ) قالَ "السِّندِيُّ": ((لكنْ أفتى "الرَّمليُّ" بخلافِ ما هنا في عدَّةِ أسئلةٍ،
ففي "فتاواهُ": سُئِلَ في مدرسةٍ احتاجت إلى نفقةٍ لعِمارةٍ ما حَرِبَ منها، وليسَ هناكَ ما يُعمَرُ به من الوقفِ،
هل يجوزُ أنْ تُؤخَّرَ قطعةٌ منها بقدرِ ما يُنفَقُ عليها أم لا؟ أجابَ: مقتضى ما في "الخلاصة" جوازُ ذلكَ، فإنَّه
قالَ: ولا يُؤَاجَرُ(٦) فَرَسُ السَّبِيلِ إلَّ إذا احتيجَ لنفقتِهِ، فيؤَاجَرُ بِقَدْرِ ما يُنفَقُ عليه. وهذهِ المسألةُ دليلٌ على أنَّ
المسجدَ المحتاجَ إلى النّفْعَةِ تُؤَاجَرُ(٧) قِطعةٌ منه بقدرِ ما يُنفَقُ عليه اهـ. وبه يُعلَمُ الحُكمُ في المدرسةِ بالأولى، وقد
بَحَثَ فِيه "الطَّرَسُوسيُّ" بحثً يُوحُ ردُّهُ ولا اعتبار ببحثه(٨)، فقد قالَ المحقّقُ "ابنُ الهمام": إنَّ "الطّرَسُوسيَّ"
لم يكنْ من أهلِ الفقْهِ، وقد نَقَلَ كثيرٌ من أهلِ العلمِ عن "النَّاطفيِّ" الاستدلالَ المذكورَ وسَلَّموا له تخريجَهُ،
ومعلومٌ أنَّ الفرقَ بينَ "النّاطفيّ" و"الطَّرَسُوسيِّ" كما بينَ السَّماءِ والأرضِ، وحيثُ كانَ النَّاظرُ مُصلِحاً
لا يُخشى الفسادُ، ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ﴾ [البقرة: ٢٢٠]))، إلى آخرِ عبارتِهِ.
(١) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧٠/٥.
(٢) "البزازية": كتاب الوقف - الفصل الثامن في المتفرقات ٢٨٥/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧١/٥.
(٤) "الفتح": كتاب الوقف ٤٣٢/٥.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الوقف - الفصل الثالث في صحَّة الوقف إلخ - جنس آخر في وقف المنقول ق ٣٢٥/أ.
(٦) في "ب": ((ولا يؤجر))، وما أثبتناه من "الفتاوى الخيرية".
(٧) في "ب": ((تؤجّر)) وما أثبتناه من "الفتاوى الخيرية".
(٨) في "ب": ((والاعتبار بصحَّته)) وهو خطأ، وما أثبتناه من "الفتاوى الخيرية" ١٢٨/١.

حاشية ابن عابدين
٤٣٦
کتاب الوقف
(ولو خَرِبَ ما حولَهُ وَاسْتُغنِيَ عنه يَبقَى مَسجِداً عند "الإِمامِ" و"الثّاني") أبداً إلى
قيامِ السَّاعةِ (وبه يُفتى) "حاوي القدسي" (١). (وعادَ إلى المِلكِ) أي: مِلكِ الباني
أو وَرَثْتِهِ (عند "محمَّدٍ")،
قِطعةٌ منه بقدرِ ما يُنفَقُ عليهِ)): ((بأَنَّه غيرُ صحيحٍ)).
مطلبٌ في حُرمةِ إحداثِ الخَلَواتِ في المساجدِ(٢)
قلتُ: وبهذا عُلِمَ أيضاً حُرمةُ إحداثِ الْخَلواتِ في المساجدِ كَّي في رِواقِ المسجدِ الأمويِّ،
ولا سيّما معَ(٣) ما يتَرَتَّبُ على ذلكَ من تقديرِ المسجدِ بسببِ الطَّخِ والغَسلِ ونحوِهِ، ورأيتُ تأليفاً
مستقلاًّ في المنعِ من ذلكَ.
مطلبٌ فيما لو خرِبَ المسجدُ أو غيرُهُ
[٢١٣٧٣] (قولُهُ: ولو خرِبَ ما حولَهُ إلخ) أي: ولو معَ بقائِهِ عامراً، وكذا لو خَرِبَ وليسَ لهُ
ما يُعمَّرُ به وقد استَغَنَى النَّاسُ عنه لبناءِ مسجدٍ آخرَ.
[٢١٣٧٤] (قولُهُ: عندَ "الإِمامِ" وَ"الثّاني") فلا يَعُودُ ميراثً، ولا يَجُوزُ نقُلُهُ ونقلُ مالِهِ إلى
مسجدٍ آخرَ، سواءٌ كانوا يُصلُّونَ فيه أَوْ لا، وهو الفتوى، "حاوي القدسيّ"، وأكثرُ المشايخِ عليه،
"مجتبى"، وهو الأوجهُ، "فتح"(٤). اهـ "بحر "(٥)، قالَ في "الإسعاف"(٦): ((وذَكَرَ بعضُهم أنَّ قَولَ
"أبي حنيفةً" كقولِ "أبي يوسف"، وبعضُهم ذكرَهُ كقولِ "محمَّدٍ")).
[٢١٣٧٥) (قولُهُ: وعادَ إلى المِلكِ عندَ "محمَّدٍ") ذكرَ في "الفتح"(٧) ما معناهُ: ((أَنَّه يتَفَرَّعُ على
الخلافِ المذكورِ ما إذا انهَدَمَ الوقفُ وليسَ له من الغَلَّةِ ما يُعَمَّرُ بِهِ، فُيُرجَعُ إلى الباني أو ورثتِهِ عندَ
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الوقف - فصلٌ: جعل مسجداً تحته سرداب وفوقه بيت ق٩٩/ب بتصرف.
(٢) هذ المطلب من "الأصل".
(٣) ((مع)) ليست في "ب" و"م
(٤) "الفتح": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٤٤٦/٥.
(٥) "البحر": كتاب الوقف - فصلّ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧٢/٥.
(٦) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّقايات إلخ صـ٧٧ -.
(٧) "الفتح": كتاب لوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٤٤٦/٥.

الجزء الثالث عشر
٤٣٧
كتاب الوقف
وعن "الثّاني": يُنقَلُ إلى مسجدٍ آخَرَ بإذنِ القاضي (ومِثْلُهُ) في الخِلافِ المذكورِ
(حشيشُ المَسجِدِ، وحُصُرُه مع الاستغناءِ عنهُما،.
"محمَّدٍ" خلافا لـ "أبي يوسف"، لكنْ عندَ "محمَّدٍ" إنَّا يَعودُ إلى مِلكِهِ مَا خَرَجَ عن الانتفاعِ المقصودِ
للواقفِ بِالكُلَّةِ، كحانوتٍ احترقَ ولا يُستأجُرُ بشيءٍ، ورِباطِ وحَوضِ مَحَلَّةٍ خِرِبَ وليسَ له ما
يُعمَّرُ به، وأمَّا ما كانَ مُعَدًَّ للغلَّةِ فلا يَعودُ إلى الملكِ إلاَّ نِقْضُهُ، وَتَبقَى ساحتُهُ وقفاً تُؤخَّرُ ولو بشيءٍ
قليلٍ، بخلافِ الرِّباطِ ونحوِهِ، فإنَّه موقوفٌ للسُّكنى وامتَعَتْ بانهدامِهِ، أمَّا دارُ الغَّةِ فإنّها قد تَخْرَبُ
وتَصِيرُ كَوماً، وهي بحيثُ لو نُقِلَ نِقْضُها يَستأجِرُ أرضَها مَن يبني أو يَغْرِسُ ولو بقليلٍ، فَيُعْفَلُ(١)
عن ذلكَ وتُباعُ لواقفِها معَ أَنَّه لا يَرجِعُ إليه منها إلاَّ النّقضُ))، واستَنَدَ في ذلكَ لـ "الخانَّةَ"(٢)
وغيرِها، وظاهرُ كلامِهِ اعتمادُهُ.
مطلبٌ في نقلٍ أنقاضِ المسجدِ ونحوِهِ
[٢١٣٧٦) (قولُهُ: وعن "الَّانِي" إلخ) جَزَمَ به في "الإسعاف"(٣)، حيثُ قالَ: ((ولو خَرِبَ
المسجدُ وما حولَهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عنه لا يَعُودُ إلى مِلكِ الواقفِ عندَ "أبي يوسفَ"، فُباعُ نِقْضُهُ
بإذنِ القاضي، ويُصرَفُ ثمنُهُ إلى بعضِ المساجدِ)) اهـ.
[٢١٣٧٧] (قولُهُ: ومثلُهُ حشيشُ المسجدِ إلخ) أي: الحشيشُ الَّذِي يُفرَشُ بدلَ الحُصُرِ كما
يُفْعَلُ في بعضِ البلادِ كبلادِ الصَّعيدِ كما أخبرني به بعضُهم، قَالَ "الزَّيلعِيُّ(٤): ((وعلى هذا حصيرُ
المسجدِ وحشيشُهُ إذا استُغنِيَ عنهما يَرجِعُ إلى مالكِهِ عندَ "محمَّدٍ"، وعندَ "أبي يوسف": يُنقَلُ إلى
مسجدٍ آخرَ، وعلى هذا الخلافِ الرِّباطُ والبئرُ إذا لم يُنتَفَعْ بهما)) اهـ. وصرَّحَ في "الخانيّة "(٥)
(١) في "ك": ((فيفضل))، وهو تحريف.
(٢) "الخانية": كتاب الوقف - فصل في ألفاظ الوقف ٢٨٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الإسعاف": باب بناء المساجد والرُّبُط والسِّقايات إلخ صـ ٧٧ -.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الوقف - فصلٌ: ومن بنى مسجداً لم يَزُل ملكه عنه إلخ ٣٣١/٣
(٥) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً أو خاناً أو مقبرة ٢٩٣/٣ (هامس "العدوى الهندية")

حاشية ابن عابدين
٤٣٨
كتاب الوقف
و) كذا (الرِّباطُ والبئرُ إذا لم يُنتفَعِ بهِما، فُيُصرَفُ وَقْفُ المسجدِ والرِّبَاطِ والبئرِ)
والحَوضِ (إلى أقربِ مسجدٍ أو رِباطٍ أو بئٍ) أو حوضٍ (إليه)، تفريعٌ على قولِهما،
"درر"(١). وفيها(٢): ((وَقَفَ ضَيعةً على الفُقْراءِ وسلَّمَها للمُئُولِّي، ثمَّ قال لوَصِّه: أَعطِ
مِن غَلَتِها فُلانً كذا وفُلاناً كذا (٣) لم يَصِحَّ؛ لخروجِهِ عن مِلْكِهِ بالتّسجيلِ،.
بأنَّ الفتوى على قولِ "محمَّدٍ"، قالَ في "البحر"(٤): ((وبه عُلِمَ أنَّ الفتوى على قولِ "محمَّدٍ" في
آلاتِ المسجدِ، وعلى قولِ "أبي يوسف" في تأبيدِ المسجدِ)) اهـ. والمرادُ بآلاتِ المسجدِ نحوُ القِندیلِ
والحصيرِ، بخلافِ أنقاضِهِ؛ لِما قدَّمنا(٥) عنه قريباً ((من أنَّ الفتوى على أنَّ المسجدَ لا يَعُودُ ميراثاً،
ولا يَجُوزُ نقلُهُ ونقلُ مالِهِ إلى مسجدٍ آخرَ)).
[٢١٣٧٨] (قولُهُ: وكذا الرِّبَاطُ) هو الَّذي يُبنَى للفقراءِ، "بحر"(٦) عن "المصباح"(٧).
[٢١٣٧٩) (قولُهُ: إلى أقربِ مسجدٍ أو رِباطٍ إلخ) لفٍّ ونشرٌ مرتّبٌ، وظاهرُهُ: أَنَّه لا يجوزُ
صَرْفُ وَقْفِ مسجدٍ خَرِبَ إلى حوضٍ وعكسُهُ، وفي "شرح الملتقي(٨): [٣/ ق١١٣ /ب] ((ُصرَفُ
وَقَفُها لأقربِ مُجانِسٍ لها)). اهـ "ط ١ (٩).
[٢١٣٨٠] (قولُهُ: تفريعٌ على قولِهما) أي: قولُهُ: ((فُيُصرَفُ إلخ)) مُفرَّعٌ على قولِ "الإمامِ"
(١) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٦/٢ بتصرف.
(٣) ((كذا)) ليست في "ب" و"و".
(٤) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧٣/٥.
(٥) المقولة [٢١٣٧٤] قوله: ((عند "الإِمام" و"الثاني")).
(٦) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧٥/٥.
(٧) "المصباح المنير": مادة ((ربط)).
(٨) "الدر المنتقى": كتاب الوقف - فصلٌ: إذا بنى مسجداً لا يزول مِلْكُه ١ / ٧٤٨ بتصرف (هامش "مجمع الأنهر").
(٩) "ط": كتاب الوقف ٠,٥٣٨/٢

الجزء الثالث عشر
٤٣٩
كتاب الوقف
٣٧١/٣
و "أبي يوسف": إنَّ المسجدَ إذا خَرِبَ يَقَى مسجدً أبداً، لكنْ عَلِمتَ أنَّ المُفْتَى به قولُ
"أبي يوسف": إِنَّه لا يَجُوزُ نقلُهُ ونقلُ مالِهِ إلى مسجدٍ آخرَ كما مرَّ(١) عن "الحاوي"، نَعَم هذا
الَّفريعُ إِنَّا يَظهَرُ على ما ذَكَرَهُ "الشَّارِحُ" من الرِّوايةِ الثّانيةِ عن "أبي يوسف"، وقدَّمنا(٢) أَنَّه جَزَمَ
بها في "الإسعاف"، وفي "الخانّة"(٢): ((رِبَاطٌ بعيدٌ استَغنى عنه المارَّةُ وبجنِهِ رِباطٌ آخرُ، قالَ السَّيِّدُ
الإِمامُ "أبو شجاع(٤): تُصرَفُ عَلَّهُ إلى الرِّباطِ الثّاني، كالمسجدِ إذا خَرِبَ وَاسْتَغْنَى عنه أهلُ
القريةِ، فِرُفِعَ ذلكَ إلى القاضي فَبَاعَ الخَشَبَ وصَرَفَ الَنَّمِنَ إلى مسجدٍ آخرَ جازَ، وقالَ بعضُهم:
يَصِيرُ ميراثاً، وكذا حوضُ العامَّةِ إذا حَرِبَ)) اهـ. ونَقَلَ في "الذَّخيرةِ" عن شمسِ الأئمَّةِ
"الحَلْوانِيّ": ((أَنَّ سُئِلَ عن مسحدٍ أو حوضٍ خَرِبَ ولا يُحتاجُ إليه لتفرُّكِ النَّاسِ عنهُ، هل للقاضي
أنْ يَصرِفَ أوقافَهُ إلى مسجدٍ أو حوضٍ آخرَ؟ فقالَ: نعم))، ومثلُهُ في "البحر "(٥) عن "القنية" (٦)،
ولـ "الشُّرُ نبلاليّ" رسالةٌ(٧) في هذهِ المسْأَلَةِ اعْتَرَضَ فيها ما في "المتنِ" تَبَعاً لـ"الدُّرر"(٨) بما مرَّ(٩)
عن "الحاوي" وغيرِهِ، ثُمَّ قالَ: ((وبذلكَ تَعلَمُ فتوى بعضِ مشايخٍ عَصْرِنا، بل ومَنْ
قَبْلَهم كالشَّيخِ الإِمامِ "أمينِ الدِّين بنِ عبد العال"، والشَّيخِ الإِمامِ "أحمدَ بنِ يونسَ الشِّلبِيِّ(١٠)،
(١) المقولة [٢١٣٧٤] قوله: ((عند "الإمام" و"الثاني")).
(٢) المقولة [٢١٣٧٦] قوله: ((وعن "الثاني" إلخ)).
(٣) "الخانية": كتاب الوقف - باب الرجل يجعل داره مسجداً إلخ - فصل في المقابر والرِّباطات ٣١٥/٣ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(٤) تقدمت ترجمته ٦٧/٢.
(٥) "البحر": كتاب الوقف - فصلٌ: لما اختصَّ المسجدُ بأحكام إلخ ٢٧٣/٥.
(٦) "القنية": كتاب الوقف - باب في المساجد والأوقاف التي يستغنى عنها ق ٩١/أ.
(٧) المسماة "سعادة الماجد بعمارة المساجد" لأبي الإخلاص حسن بن عمار الوفائي الشُّرنبلائي المصريّ (ت ١٠٦٩ هـ).
("إيضاح المكنون" ١٥/٢، "خلاصة الأثر" ٣٨/٢، "التعليقات السنية" صـ٥٨، "هدية العارفين"٢٩٢/١).
(٨) "الدرر والغرر": كتاب الوقف ١٣٥/٢.
(٩) المقولة [٢١٣٧٤] قوله: ((عند "الإمام" و"الثاني")).
(١٠) أبو العباس أحمد بن يونس بن محمَّد، شهاب الدين المعروف بابن الشِّلْبى المصري (ت٩٤٢هــ). ( الكواكب الطائرة
١١٥/٢، "شذرات الذهب" ٣٨٢/١٠).

حاشية ابن عابدين
٤٤٠
كتاب الوقف
فلو قبلَهُ صحَّ)).
والشَّيخِ "زينِ بنِ نجيم"، والشَّيخِ "محمَّد الوفائيّ(١)، فمنهم مَن أفتى بنقلِ بناءِ المسجدِ، ومنهم مَن
أفتى بنقلِهِ ونقلِ مالِهِ إلى مسجدٍ آخرَ، وقد مشَى الشَّيخُ الإِمامُ "محمَّدٌ بنُ سراج الدِّين الحانوتيُّ" على
القَولِ المُفْتَى به مِن عدمٍ نَقْلِ بناءِ المسجدِ ولم يُوافِقِ المذكورِينَ)) اهـ. ثمَّ ذَكَرَ "الشُّرُ نبلاليُّ":
((أنَّ هذا في المسجدِ، بخلافِ حوضٍ وبئرٍ ورِباطٍ وداَّةٍ وسيفٍ بِتَغْرٍ وقنديلٍ وبساطٍ وحصيرِ مسجدٍ،
فقد ذَكَرَ في "الَّار خانَّةً"(٢) وغيرِها جوازَ نقلِها)) اهـ. قلتُ: لكنَّ الفرقَ غيرُ ظاهرٍ، فليُتأمَّل.
والّذي يَنبغِي متابعةُ المشايخِ المذكورينَ في جوازِ النَّقْلِ بلا فرقٍ بينَ مسجدٍ أو حوضٍ كما
أفتى به الإِمامُ "أبو شجاع" والإِمامُ "الحَلْوانِيُّ"، وكَفَى بهما قُدُوَةً، ولا سيَّما في زماننا؛ فإنَّ
المسجدَ أو غيرَهُ من رباطٍ أو حوضٍ إذا لم يُنقَلْ يأخُذُ أنقاضَهُ اللُّصوصُ والمتغَلّونَ كما هو
مُشاهَدٌ، وكذلكَ أو قافُهُ يَأْكُلُها النُّظَّارُ أَو غيرُهم، ويَلزَمُ من عدمِ النَّقَلِ خَرَابُ المسجدِ الآخرِ
المحتاجِ إلى النَّقَلِ إليه، وقد وَقَعَتْ حادثةٌ سُئِلْتُ عنها في أميرٍ أرادَ أنْ يَنقُلَ بعضَ أحجارِ مسجدٍ
خرابٍ فِي سَفْحِ قاسيونَ بدمشقَ لْيُبّطَ بها صحنَ الجامعِ الأمويِّ، فَأَقْتَيْتُ بعدمِ الجوازِ متاَبَعَةٌ
لـ "الشُّرُ بِلالِيِّ" ، ثُمَّ بَلَغَني أنَّ بعضَ المتغَلِّينَ أَخَذَ تلكَ الأحجارَ لنفسِهِ، فَنَدِمتُ على مَا أَقَيتُ به،
ثمَّ رأيتُ الآنَ في "الذَّخيرة" قالَ: ((وفي "فتاوى النَّسفيِّ": سُئِلَ شيخُ الإسلامِ عن أهلِ قريةٍ رَحلوا
وتداعَى مسجدُها إلى الخَرابِ، وبعضُ المُتَغَلّةِ يستولونَ على خَشَبِهِ وَيَنْقُلُونَهُ إلى دُوْرِهم، هل
لواحدٍ [مِنْ] أهلِ المحلّةِ(٢) أنْ يَبِيعَ الخشبَ بأمرِ القاضي ويُمسِكَ الثَّمنَ لِيَصرِفَهُ إلى بعضِ المساجدِ
أو إلى هذا المسجدِ؟ قالَ: نعم، وحَكَى: أَنَّه وَقَعَ مثلُهُ في زمنٍ سيِّدِنا الإمامِ الأجلِّ في رباطٍ في
بعضِ الطّرقِ حَرِبَ ولا يَنْتَفِعُ المارَّةُ به، وله أو قافٌ عامرةٌ، فسُئِلَ: هل يجوزُ نقلُها إلى رباطٍ آخرَ
يَنتَفِعُ الَّاسُ به؟ قَالَ: نَعَم؛ لأنَّ الواقفَ غَرَضُهُ انتفاعُ المارَّةِ، وَيَحصُلُ ذلكَ بِالَّاني)) اهـ.
(٢١٣٨١] (قولُهُ: فلو قبلَهُ) أي: قبلَ الَّسجيلِ الَّذي هو الحُكْمُ لا مجرَّدُ التَّسليمِ الَّذي
(١) محمّد بن محمود محيي الدين المُغْلَوي الوفائي الرّوميّ (ت٩٤٠هـ). ("الشقائق النعمانية" صـ ٢٨٧-، "الكواكب
السائرة" ٥٨/٢ وفيه: وفاته (٩٦٣هـ)، "هدية العارفين" ٢٣٤/٢).
(٢) "التاتر خانية": كتاب الوقف - الفصل الحادي والعشرون في المساجد - نوع منه إذا جعل أرضاً له مسجداً إلخ ٨٤٧/٥.
(٣) نقول: ما بين منكسرين زيادةٌ يقتضيها السياق، وقد نبّه عليه مصحح "ب" بقوله: ((قوله: هل لواحد لأهل المحلّة
إلخ)) هكذا بخطه، ولعل الأولى: من أهل المحلّة تأمُّل، اهـ.