النص المفهرس
صفحات 61-80
الجزء الثالث عشر
٦١
باب المرتد
الفرقةَ المصيبةَ تعتقدُ ولايَتَهُ، والأُخرى بخلافِها، ثمَّ قالَ: ((والقولُ الفصلُ عندِي فيهِ طريقةٌ لا يرضاها
الفِرْقَتانِ، وهي: اعتقادُ ولايِتِهِ وتحريمُ النَّظرِ في كتبهِ، فقد نُقِلَ عنه أَنَّ قالَ: نحنُ قومٌ يَحِرُمُ النَّظرُ في
كتبنا، وذلكَ أنَّ الصُّفيَّةَ تواطؤوا على ألفاظٍ اصْطَلَحوا عليها، وأرادوا بها معانيَ غيرَ المعاني المتعارفةِ
منها بينَ الفقهاءِ، فمَن حَمَلَها على معانيها المُتَعارَفِ كُفِرَ، نَصَّ على ذلكَ "الغزاليُّ" في بعضِ كتبِهِ،
وقالَ: إِنَّه شبيهٌ بالمتشابهِ في القرآنِ والسَُّّةِ كالوجهِ واليدِ والعينِ والاستواءِ، وإذا تَبَتَ أصلُ الكتابِ
عنه فلا بدَّ مِن ثبوتِ كلِّ كلمةٍ؛ لاحتمالِ أنْ يَدُسَّ فيه ما ليسَ منه من عدوٍّ أو مُلْحِدٍ أو زنديقٍ،
وثبوتٍ أَنَّهَ قَصَدَ بهذهِ الكلمةِ المعنى المتعارَفَ، وهذا لا سبيلَ إليهِ، ومَن ادَّعاهُ كُفِرَ؛ لأَنَّه مِن أمورٍ
القلبِ الَّتي لا يطَِّعُ عليها إلاَّ اللهُ تعالى، وقد سألَ بعضُ أكابرِ العلماءِ بعضَ الصُّوقَّةِ: ما حمَلَكُمْ على
أَنْكم اصطلحتُم على هذهِ الألفاظِ الَّتِي يُستشنعُ ظاهرُها؟ فقالَ: غَيرَةً على طريقِنا هذا أنْ يدَّعيَهُ مَن
لا يُحسِنُهُ وَيَدْخُلَ فِيه مَن ليسَ أهلَهُ، والمتصدِّي لَّظرِ(١) في كتِهِ أو إقرائِها لم يَنْصَحْ نفسَهُ ولا غيرَهُ
من المسلمينَ، ولا سيّما إنْ كانَ مِن القاصرينَ عن علومِ الظَّهرِ؛ فإِنَّه يَضِلُّ ويُضِلُّ، وإنْ كانَ عارفاً
فليسَ من طريقتِهم إقراءُ المريدينَ لكتبهم، ولا يُؤخَذُ هذا العلمُ من الكتبِ)) اهـ مُلخَّصاً، وذَكَرَ في
محلِّ آخرَ(٢): ((سمعتُ أنَّ الفقيهَ العالمَ العلاَّمةَ "عزَّ الدِّين بنَ عبدِ السَّلامِ)" كانَ يَطعَنُ في "ابنِ
عربيٍّ " ويقولُ: هو زنديقٌ، فقالَ له يوماً بعضُ أصحابِهِ: أريدُ أنْ تُرِيَني [٣/ق ٦٥/أ] القُطْبَ،
فأشارَ إلى "ابنِ عربيٍّ"، فقالَ له: أنتَ تَطعَنُ فيهِ! فقالَ: حَتَّى أصونَ ظاهرَ الشَّرعِ أو كما
قالَ)) اهـ. وللمحقّقِ "ابنِ كمال باشا" فَتْوَى قالَ فيها بعدَ ما أبدعَ في مدحِهِ: ولهُ مصنَّفَاتٌ
كثيرةٌ منها: "فصوصٌ حِكَمَّةٌ" و"فتوحاتٌ مكيَّةً"، بعضُ مسائِلِها مفهومُ النَّصِّ والمعنى وموافقٌ
للأمرِ الإلهيِّ والشَّرعِ النّبويِّ، وبعضُها خَفِيٌّ عن إدراكِ أهلِ الظَّهرِ دونَ أهلِ الكشفِ والباطنِ،
(١) في "ك": ((والمتعدِّي للنَّقل)).
(٢) انظر "تنبيه الغبي في تنزيه ابن عربي": ص ٥٧-٥٨ -.
حاشية ابن عابدين
٦٢
باب المرتد
الذي أَعتقدُهُ وأَدينُ اللهَ به: أَنَّه كان ◌َتُه شيخَ الطَّريقةِ حالاً وعِلْماً، وإمامَ الحقيقةِ
حقيقةً ورَسْماً، ومُحيِيَ رُسومِ المعارفِ.
ومَن لم يطَّعْ على المعنى المُرَامِ يَجِبُ عليهِ السُّكوتُ في هذا المقامِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ - عِلٌّّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنّهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
(٢٠٣٥٢) (قولُهُ: شيخَ الطَّريقةِ حالاً وعِلْماً) الطَّريقةُ هي: السِّرةُ المختصَّةُ بِالسَّالكينَ إلى اللهِ تعالى
من قطعِ المنازلِ والنّقي في المقاماتِ والحالُ عندَ أهلِ الحقِّ: ((معنَى يَرِدُ على القلبِ من غيرِ تصنَّعٍ
ولا اجتلابٍ ولا اكتسابٍ مِن طَرَبٍ أو حُزْنٍ أو قَبْضِ أو بَسْطٍ أو هيبةٍ(١)، ويزولُ بظهورِ صفاتٍ
النّفْسِ سواءٌ تَعَقَّهُ المِثْلُ أَوْ لا، فإذا دامَ وصارَ مَلَّكَّةً يُسمَّى مَقَامً، فالأحوالُ مَوَاهِبٌ، والمقاماتُ تحصُلُ
ببذلِ المجهودِ))، والعلمُ: هو الاعتقادُ الجازمُ المطابقُ للواقعِ، ((ومنه فَعْليٌّ: وهو ما لا يُؤْخَذُ من الغيرِ))،
((وانفعاليٌّ: ما أُخِذَ من الغيرِ)) اهـ. من "تعريفاتِ السَّيِّدِ الشَّرِيفِ"(٢) قُدِّسَ سِرُّهُ.
٢٩٤/٣
[٢٠٣٥٣) (قولُ: وإمامَ الحقيقةِ) هي مشاهدةُ الرُّبويّةِ بالقلبِ، ويُقالُ: هي سرِّ معنويٌّ لا حدَّ
له ولا جهةَ، وهي والطَّريقةُ والشَّريعةُ متلازمةٌ؛ لأنَّ الطَّريقَ إلى اللهِ تعالى لها ظاهرٌ وباطنٌ،
فظاهرُها الشّريعةُ والطَّريقةُ وباطنُها الحقيقةُ، فبطونُ الحقيقةِ في الشَّريعةِ والطَّريقةِ كبطونِ الزُّبِدِ في
لبنِهِ، لا يُظفَرُ من اللَّبَنِ بُرُبدِهِ بدونِ مَخْضِهِ، والمرادُ من الثَّلاثةِ إقامةُ العبوديةِ على الوجهِ المرادِ من
العبدِ اهـ. من "الفتوحاتِ الإِلهَّةِ" لـ "القاضي زكريا"(٣).
[٢٠٣٥٤] (قولُهُ: حقيقةً ورَسْماً) الحقيقةُ: ضدُّ المجازِ، والرَّسمُ: الأَثْرُ أو بقيَُّهُ أو ما
لا شخصَ له من الآثارِ، جمعُهُ: أَرْسُمٌ وَرُسُومٌ، "قاموس"(٤)، والمرادُ: أَنَّه الإمامُ من جهةِ الحقيقةِ
ونفسِ الأمرِ ومن جهةِ الأثرِ الظَّاهِرِ للبصرِ.
(١) في "الأصل" و"ك" و"آ" و"ب": ((أو هيئة))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "التعريفات".
(٢) "التعريفات": صـ ١٨٣،١١٠، ٢٠٠،١٩٩، ٢٠١ -.
(٣) تقدمت ترجمته ١٩٩/١.
(٤) "القاموس": ((الحق)) و((الرَّسم)) .
الجزء الثالث عشر
٦٣
باب المرتد
فِعلاً واسماً، [بسيط]:
إذا تَغَلغلَ فكرُ الَرءِ فِي طَرَفٍ مِن عِلْمِهِ غَرِقَتْ فيه خَوَاطِرُهُ
عُبابٌ لا تُكدِّرُهُ الدِّلاءُ، وسَحَابٌ تَتقاصَى عنه الأنواءُ، كانت دَعوتُهُ تَخْرِقُ السَّبعَ
الطِّاقَ، وتُفرَّقُ بركاتُهُ فتملأُ الآفاقَ، وإِنِّي أَصِفُه وهو - يَقيناً - فوق ما وَصفْتُه، ..
[٢٠٣٥٥] (قولُهُ: فِعْلاً واسماً) أي: أحيى آثارَها من جهةِ الفعلِ والاسمِ حتّى صارَتٍ
المعارفُ فاعلةً أفعالَها ومشهورةً بينَ النّاسِ.
[٢٠٣٥٦)] (قولُهُ: إذا تَغَلْغَلَ إلخ) هذا بيتٌ من بحرِ البسيطِ، والتغلغلُ: الدُّخولُ والإسراعُ،
والفِكرُ بالكسرِ ويُقْتَحُ: إعمالُ النّظرِ فِي الشَّيءٍ، والخاطرُ(١): الهاجسُ، "قاموس"(٢)، وهو ما يَخطُرُ
في القلبِ من تدبيرِ أمرٍ، "مصباح"(٣).
[٢٠٣٥٧] (قولُهُ: عُبَابٌ) كغُرابٍ: مُعظَمُ السَّيْلِ وكَثْرَتُهُ أو مَوْجُهُ، و ((الدِّلاءُ)): جمعُ دلوٍ،
أي: لا يتغيّرُ بأخذِ الدِّلاءِ منه؛ لأَنّها لا تَصِلُ إلى أسفلِهِ لکثرتِهِ.
[٢٠٣٥٨)] (قولُهُ: تَتَقَاصَى عنه الأنواءُ) الَّقاصي: بالقافِ والصَّادِ المهملةِ: الَّباعدُ، والأنواءُ:
جمعُ نَوْءٍ وهو: النَّجمُ، واستَنَاءَهُ: طَلَبَّ نَوْءَهُ أي: عطاءَهُ، "قاموس"(٤)، أي: أَنَّه سحابٌ تتباعدُ عن
مَطَرِهِ وَفَيْضِهِ النِّجومُ الَّتي يكونُ المطرُ وقتَ طلوعِها، أو تتباعدُ عنهُ عطايا النَّاسِ أي: لا تُشْبِهُهُ.
[٢٠٣٥٩) (قولُهُ: الآفاقَ) جمعُ أُفْقِ بضمٌّ، وبضمَّتينِ: النَّاحيةُ وما ظَهَرَ من نواحي
الفَلَكِ، "قاموس"(٥).
[٢٠٣٦٠) (قولُهُ: وهو يقيناً) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ تقديرهُ ((أيقِنُهُ)) جملةٌ معترضةٌ بينَ
المبتدأ والخبرِ، "ط" (٦).
(١) في "ب": ((الخطر))، وهو تحريف.
(٢) "القاموس": مادة ((الغل)) و((الفكر)) و((الخاطر)).
(٣) "المصباح المنير": مادة ((خطر)).
(٤) "القاموس": مادة ((ناء)).
(٥) "القاموس": مادة ((أفق)) وعبارته: ((أو ما ظهر)) بدل ((الواو)).
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٤/٢.
حاشية ابن عابدين
٦٤
باب المرتد
وناطقٌ بما كتبتُهُ، وغالبُ ظِّي أَنّي ما أَنصفتُهُ [من البسيط]:
دَعِ الجَهُولَ يَظُنُّ الجهلَ عُدوانا
وما عَليَّ إذا ما قلتُ مُعتَقَدي
أقامَهُ حُجّةً للهِ بُرهانا
واللهِ واللهِ واللهِ العظيم ومَن
ما زدتُ إلاَّ لعَلِّي زدتُ نُقصانا))
إنَّ الذي قلتُ بعضٌ مِن مَناقِهِ
إلى أن قالَ: ((ومِن خواصِّ كُتُبِهِ أَنَّه مَن واظبَ على مُطَلَعَتِها انشَرَحَ صدرُهُ لفَكِّ الْمُعَضِلاتِ،
وحلِّ المُشكِلاتِ)). وقد أثنى عليه الشيخُ العارفُ "عبدُ الوهاب الشَّعرانيُّ" سِيّما
في كتابه "تنبيه الأغبياء على قَطْرةٍ من بَحْرِ عُلُوم الأولياء"(١)، فعليك به، وباللهِ التّوفيقُ))
(٢٠٣٦١) (قولُهُ: وناطقٌ بما كتبتُهُ) المرادُ: أَنَّ مُقِرُّ بِهِ، وأنَّ القولَ طابقَ الفعلَ، "ط)"(٢)، والجملةُ
عطفٌ على ((أصفُهُ)).
[٢٠٣٦٢] (قولُهُ: ما أنصفتُهُ) يُقالُ: أنصفتُهُ إنصافاً عاملتُهُ بالعدلِ والقِسْطِ، "مصباح"(٣).
(٠٣٦٣ ٢)] (قولُهُ: وما عليَّ) ((ما)) استفهاميَّةٌ أو نافيةٌ، أي: وما عليَّ شيءٌ.
(٠٣٦٤ ٢] (قولُهُ: يَظُنُّ الْجَهْلَ) أي: يظنُّ الجهلَ في غيرِهِ، فهو مفعولٌ أوَّلٌّ، أو يَظُنُّ الظَّنَّ
الجهلَ، فهو مفعولٌ مطلقٌ، وقولُهُ: ((عدواناً)) أي: ظُلْماً مفعولٌ لأجلِهِ أو حالٌ، وهذا أَولى ◌َّا
قيلَ: إنَّ الجهلَ بمعنى المجهولِ مفعولٌ أوَّلٌّ، و (عُدْواناً)) مفعولٌ ثانٍ، أي: ذا عُدْوانٍ، فافهم.
[٢٠٣٦٥)] (قولُهُ: بُرهاناً) هو الحجَّةُ، "قاموس"، فهو حالٌ مؤكّدةٌ، "ط)"(٤).
(٢٠٣٦٦) (قولُهُ: مِنْ مناقِبِهِ) جمعُ مَنقَبَةٍ: وهي المَفْخَرَةُ، "قاموس "(٥)، "ط)" (٦).
[٢٠٣٦٧) (قولُهُ: إلَّ لَعَلِّي) أي: لكنْ أخافُ وأُشْفِقُ أَنِّي زِدْتُ من جهةِ النَّقْصانِ والتَّقصيرِ
(١) "تنبيه الأغبياء على قَطْرةٍ من بَحْر عُلُوم الأولياء" لأبي محمد عبد الوهاب بن أحمد بن عليّ الشَّعْراني (ت٩٧٣هـ).
("إيضاح المكنون" ٣٢٣/١، "الكواكب السائرة" ١٧٦/٣، "هدية العارفين" ٦٤١/١).
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتدِّ ٤٨٤/٢.
(٣) "المصباح المنير": مادة ((نصف)).
(٤) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٤/٢.
(٥) "القاموس": مادة ((نقب)).
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٤/٢.
الجزء الثالث عشر
٦٥
باب المرتد
(و) الكافرُ بسبب اعتقادِ (السِّحرِ) لا توبةَ له (ولو امرأةً) في الأصحِّ؛
في حقّهِ، فـ ((نقصاناً)) تميزٌ لا مفعولُ ((زدتُ))؛ لئلاّ يَرِدَ عليهِ ما قيلَ في: ((زادَ النَّقصُ)) إنّه
لا مناسبةَ بينَ الزِّيادةِ والنَّقصِ حَتَّى يتسلَّطَ أحدُهما على الآخرِ.
مطلبٌ في السَّاحرِ و الزِّنديقِ
[٢٠٣٦٨] (قولُهُ: والكافرُ بسببِ اعتقادِ السِّحرِ) في "الفتح" (١): ((السِّحرُ حرامٌ [٣/ ق٦٥/ب]
بلا خلافٍ بينِ أهلِ العلمِ، واعتقادُ إِباحتِهِ كفرٌ، وعن أصحابِنا و"مالكٍ" و"أحمد": يُكْفَرُ السَّاحرُ
بتعلُّمِهِ وفعلِهِ سواءٌ اعتقدَ الحرمةَ أَوْ لا ويُقْتَلُ، وفيهِ حديثٌ مرفوعٌ: ((حدُّ السَّاحرِ ضَرْبةٌ
بالسَّيفِ)) (٢)، يعني: القتلَ، وعندَ "الشَّافعيِّ": لا يُقتَلُ ولا يُكَفَرُ إلَّ إذا اعتقدَ إباحتَهُ، وأمَّا الكاهنُ
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٣/٥ باختصار.
(٢) أخرج الترمذي (١٤٦٠) في الحدود - باب حد السَّاحر، والدَّار قطني ١١٤/٣ في الحدود والديات، والطبراني
(١٦٦٥)، والحاكم ٣٦٠/٤ في الحدود، وابن عدي في "الكامل" ٢٨٥/١، وابن قائع في "معجمه" (١٥٠) وعنه
أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" [البقرة: ١٠٢]، وأبو نعيم في "المعرفة" (١٥٩٠)، والبيهقي ١٣٦/٨ في القَسامة -
باب حد السَّاحر، كُلُّهم من طريق أبي معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جُندب الخير قال رسول
اللهَ﴿: ((حدُّ السَّاحر ضربةٌ بالسيف)) وفيه قصة. قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا
الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يُضَعَّفُ في الحديث، والصحيح عن جندب موقوف اهـ.
وأخرج عبد الرزاق (١٨٧٥٢) في الحدود - باب قتل السَّاحر، عن ابن عيينة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن
مرسلاً، وكأنَّ إسماعيلَ اضطرب فيه. قال أبو نعيم: ورواه خالد العَبْدي عن الحسن عن جُندب فرفعه، ثم أخرجه
في "المعرفة" (١٥٨٩)، والطبراني (١٦٦٦)، من طريق خالد بن عُبيد الباهلي مولاهم عن الحسن بن أبي الحسن
قال: ((جاء جُندب وقوم يلعبون ويأخذون بأعين الناس يَسْحَرون، فضرب رجلاً منهم ضربةً بالسيف فقتله، فرُفِع
إلى السُّلطان فقال جُندب .... ))، فذكره مرفوعاً، وخالفه أشعث أخرجه الحاكم ٣٦١/٤، من طريق أشعث بن عبد
الملك عن الحسن فذكر نحوه موقوفاً على جُندب، وأخرج البخاري في "التاريخ الكبير" ٢٢٢/٢، والدار قطني
١١٤/٣، والبيهقي ١٣٦/٨، وأبو نعيم في "المعرفة" (١٥٨٨)، وابن منده كما في "الدر" [الأنبياء - ٣] من طرقٍ.
عن هُشيم وخالد الواسطي عن خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي عن جُندب فذكر القصة، وأخرجه البخاري
في "التاريخ"، وعزاه ابن عبد البر في "الاستيعاب" ٢١٩/١ في ذيل "الإصابة" إلى علي بن المديني عن عبد الواحد =
حاشية ابن عابدين
٦٦
باب المرتد
فقيلَ: هو السَّاحرُ، وقيلَ: هو العرَّافُ الَّذِي يَحْدِسُ(١) وَيَتَخرَّصُ، وقيلَ: مَن له مِن الجنِّ مَن يأتيهِ
بالأخبارِ، وقالَ أصحابنا: إن اعتقدَ أنَّ الشَّيَاطِينَ يفعلونَ لهُ ما يشاءُ كَفَرَ، لا إنْ اعتقدَ أَنَّه تخييلٌ،
(قولُهُ: هو العرَّافُ الَّذي يَحْدِسُ إلخ) حَدَسَ - من بابِ ضَرَبَ -: ظَنَّ ظَنَّاً مُؤَكَّداً كما
في "المصباح".
= عن عاصم عن أبي عُثمان قال: ((رأيت الذي يلعبُ بين يدي الوليد بن عقبة ... ))، وفيه: ((فقام إليه جُندب بن
كعب فضرب وَسَطَه بالسيف ... ))، قال علي بن المديني: وحدثنا جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن إبراهيم
فذكر قصةً طويلةً وسمَّى الساحرَ أبا بُستان. وعلَّقه البخاري في "التاريخ" عن الأعمش عن إبراهيم قال: أُراه عن
عبد الرحمن بن يزيد أن جُندباً قَتَل السَّاحرَ زمن الوليد بن عقبة.
وأخرج البيهقي ١٣٦/٨ من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود فذكر القصة ولم يسمِّ القائل.
وأخرج ابن أبي شيبة ٥٨٣/٦ في الحدود - ما قالوا في السَّاحر وما يصنع به، وأبو بكر الخلاَّل كما في
"تفسير ابن كثير" [البقرة - ١٠٢] من طريق يحيى بن سعيد حدثني أبو إسحاق ــ أي الشيباني - عن حارثة
قال ... فذكره.
وأخرج عبد الرزاق (١٨٧٤٨) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار سمعت بَحَالة التيمي ... فذكر قصة مجوس هَجَر
وقال: ((كتب عُمر إلى جَزْء بن معاوية عمِّ الأحنف بن قيس أن اقتل كلَّ ساحر، وفرِّق بين كل امرأة وحريمها في كتاب
الله، قال: قتلنا ثلاث سواحر قال: وأما شأن أبي بستان فإن النبي مح له قال لجندب: ((جُندب وما جندب يضرب ضربة
بالسيف يَفرقُ بها بين الحق والباطل))، ثم ذكر قصة الوليد بن عقبة مع جُندب عندما قتل الساحر.
أخرجه البخاري (٣١٥٦) في الجزية والموادعة - باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، وأبو داود
(٣٠٤٣) في الخراج والفيء - باب أخذ الجزية من المجوس، وأحمد ١٩٠/١، ١٩١، ١٩٤، والحميدي (٦٤)،
وسعيد بن منصور (٢١٨٠)، وعبد الرزاق (١٨٧٤٦)، والشافعي في "الرسالة" (١١٨٣)، والشَّاشي (٢٥٤)
و(٢٥٥)، وابن أبي شيبة ٥٨٣/٦، وأبو عبيد في "الأموال" (٧٧)، وأبو يعلى (٨٦٠) و(٨٦١)، والبزار (١٠٦٠)
"بحر"، والبيهقي ١٣٦/٨ في القسامة - باب حد السَّاحر وغيرهم من طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن بَحَالة
فذكر نحو حديث ابن جُريج السابق، وأخرجه عبد الرزاق (١٨٧٥٦)، عن معمر عن عمرو ... به، وأخرج سعيد ابن
منصور (٢١٨١) عن عوف بن عبَّاد المازني عن بَحَالة قال: كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما فذكر نحوه.
(١) عبارة "الفتح": ((يحدث ويتخرَّص)).
الجزء الثالث عشر
٦٧
باب المرتد
وعندَ "الشَّافعيِّ": إن اعتقدَ ما يُوجِبُ الكفرَ مثلَ التَّقْرُّبِ إلى الكواكبِ وأَنَّها تَفْعَلُ ما يلتمسُهُ
كَفَرَ، وعندَ "أحمد": حُكْمُهُ كالسَّاحِ، في روايةٍ: يُقْتَلُ، وفي روايةٍ: إنْ لم يَتُبْ، وَيَجِبُ أنْ
لا يُعدَلَ عن مذهبِ "الشَّافِعِيِّ" في كُفْرِ السَّاحِرِ والعرَّفِ وعدمِهِ، وأمَّا قتلُهُ فَيَحِبُ ولا يُستتابُ
إذا عُرِفَت مُزَاوِلْتُهُ لعملِ السِّحرِ؛ لسعيهِ بالفسادِ في الأرضِ، لا بمجرَّدٍ علمِهِ إذا لم يكنْ في
اعتقادِهِ ما يُوجِبُ كُفْرَهُ)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّه اختارَ أَنَّه لا يُكَفَرُ إلَّ إذا اعتقدَ مُكَفِّراً، وبِهِ حَزَمَ في "الَّهر)(١)، وتبعَهُ "الشَّارِحُ"،
وأَنَّه يُقْتَلُ مطلقً إِنْ عُرِفَ تَعَاطِيهِ لهُ، وَيُؤْيِّدُهُ ما في "الخانَة"(٢): ((أَتَّخَذَ لُعْبَةً ليُفْرِّقَ بِينَ المرءِ وزوجِهِ،
قالوا: هو مُرْتَدٌّ ويُقْتَلُ إنْ كانَ يَعْتَقِدُ لها أثراً ويَعتَقِدُ النَّفْرِيقَ من اللُعْبةِ؛ لأَنَّه كافرٌ)) اهـ. وفي "نور
العين" عن "المختاراتِ"(٣): ((ساحرٌ يَسْحَرُ ويدَّعِي الْخَلْقَ من نفسِهِ يُكَفَرُ ويُقْتَلُ لردَّتِهِ، وساحرٌ
يَسْحَرُ وهو جاحدٌ لا يُستتابُ منهُ ويُقْتَلُ إذا تَبَتَ سحرُهُ؛ دفعاً للضَّررِ عن النَّاسِ، وساحرٌ يَسْحَرُ
تجرِبةً ولا يَعتقِدُ بهِ لا يُكَفَرُ، قَالَ "أبو حنيفةً": السَّاحرُ إذا أقرَّ بسحرِهِ أو تَبَتَ بالبيّنةِ يُقتَلُ ولا يُستتابُ
منهُ، والمسلمُ والذّمِّيُّ والحُرُّ والعبدُ فيه سواءٌ، وقيلَ: يُقْتَلُ السَّاحرُ المسلمُ لا الكتابيُّ، والمرادُ من
السَّاحِرِ غيرُ المشعوذِ ولا صاحبِ الطَّلْسَمِ ولا الَّذي يعتقدُ الإِسلامَ، والسِّحْرُ في نفسِهِ حقٌّ أمرٌ كائنٌ
إلاَّ أَنَّه لا يَصِلُحُ إِلَّ للشَّرِّ والضَّررِ بِالخَلْقِ، والوسيلةُ إلى الشَّرِّ شرٌّ فيصيرُ مذموماً)) اهـ.
والفرقُ بينَ الَّلاثةِ: أنَّ الأَوَّلَ مُصرِّحٌ بما هو كفرٌ، والنَّانِيَ لا يَدْرِي كيفَ يقولُ كما وَقَعَ
الَّعبيرُ به في "الخانيَّة"(٤)؛ لأَنَّهُ جاحدٌ، ويُعَلَمُ منهُ أنَّ الأوَّلَ لا يُستتابُ أيضاً، أي: لا يُمْهَلُ طَلَباً
٢٩٥/٢
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٥/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الحظر والإباحة - فصل في التسبيح والتسليم والصَّلاة على النبي صَ لّ ٤٢٨/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "مختارات النوازل": كتاب الكراهية - فصل فيما يوجبُ الكفرَ وفيما لا يوجبُه ق ٩٢/ب -٩٣/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الحظر والإباحة - فصل في التسبيح والتسليم والصَّلاة على النبي محطّ ٤٢٨/٣-٤٢٩، وكتاب
الحدود - فصل فيما يوجبُ التعزيرَ وما لا يوجبُ ٤٨١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية")، وعبارتها في الموضعين:
((ولا يدري كيف يفعلُ)).
حاشية ابن عابدين
٦٨
باب المرتد
السَعِها في الأرضِ بالفسادِ، ذكرَهُ "الزَّيلعيُّ) (١)، ثمَّ قال(١): (و) كذا الكافرُ بسبب (الزَّندقةِ)
لَّوبةِ؛ لأَنّها لا تُقبَلُ منهُ في دفعِ القتلِ عنه بعدَ أخذِهِ كما يأتي؛ دفعاً للضَّررِ عن النَّاسِ كَقُطَّاعٍ
الطَّريقِ والخَّاقِ وإِنْ كانوا مسلمينَ، وبه عُلِمَ أنَّ الثّالثَ وإنْ كانَ لا يُكفَرُ لكنَّهُ يُقْتَلُ أيضاً؛
للاشتراكِ في الضَّررِ، وأنَّ تقييدَ "الشَّارحِ" بكونِهِ كافراً بسببِ اعتقادِ السِّحرِ غيرُ قيدٍ، بل يُقْتَلُ
ولو كانَ كافراً أصلياً ولم يُكَفَرْ باعتقادِهِ، نعم لَّا كانَ كلامُ "المصنّف" في المسلمِ الَّذِي ارتدَّ فَّدَ
بذلكَ، تأمَّل. وعُلِمَ بهِ وبما نقلناهُ عن "الخانَيَّة": أَنَّه لا يُكَفَرُ بمجرَّدٍ عَمَلِ السِّحرِ ما لم يكنْ فيهِ
اعتقادُ أو عَمَلُ ما هو مُكفّرٌ، ولذا نَقَلَ في "تبيينِ المحارم)"(٢) عن الإمامِ "أبي منصور": ((أنَّ
القولَ بأنَّه كفرٌ على الإطلاقِ خطٌ، ويجبُ البحثُ عن حقيقتِهِ فإنْ كانَ في ذلكَ ردُّ ما لَزِمَ في
شرطِ الإِيمان فهو كُفْرٌّ، وإلاَّفلا)) اهـ.
والظَّاهرُ: أنَّ ما نقلَهُ في "الفتح" عن أصحابِنا مبنيٌّ على أنَّ السِّحرَ لا يكونُ إلَّ إذا تضمَّنَ
كفراً، ويأتي(٣) تحقيقُهُ، وقدَّمنا (٤) في خطبةِ الكتابِ تعدادَ أنواعِ السِّحرِ، وتمامُ بيانِ ذلكَ في رسالتنا
المسمّاةِ "سلَّ الحسامِ الهِنْدِيّ لُنُصْرة مولانا خالدِ النَّقشبنديّ" (٥).
(٢٠٣٦٩) (قولُهُ: لِسَعْبها إلخ) أي: لا بسببِ اعتقادِها الّذي هو ردَّةٌ؛ لأنَّ المرتدَّةَ لا تُقْتَلُ عندَنا،
ومُقابِلُ الأصحِّ ما في "المنتقى": أنَّها لا تُقْتَلُ بل تُحَبَسُ وتُضْرَبُ كالمرتدَّةِ كما في "الزَّيلعيّ"(٦).
[٢٠٣٧٠) (قولُهُ: وكذا الكافرُ بسببِ الرَّندقةِ) قالَ العلاَّمةُ "ابنُ كمال باشا" في رسالتِهِ(٧):
(١) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب المرتدين ٢٩٣/٣.
(٢) "تبيين المحارم": الباب السادس في السِّحر ق ٢٢/أ.
(٣) المقولة [٢٠٣٨٠] قوله: ((لكن في حظر "الخانية")).
(٤) المقولة [٣٠٤] قوله: ((والسِّحر)).
(٥) انظر الرسالة المذكورة ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين": ٣٠١/٢.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب المرتدين ٢٩٣/٣.
(٧) المسماة "تصحيح لفظ الزِّنديق وتوضيح معاني الدَّقيق" لأحمد بن سليمان، شمس الدين المعروف بابن كمال باشا
الروميّ (ت ٩٤٠هـ). ("الشقائق النعمانية" صـ ٢٢٦ -، "الكواكب السائرة" ١٠٧/٢، "الفوائد البهية" صـ ٢١-،
"هدية العارفين" ١٤١/١).
الجزء الثالث عشر
٦٩
باب المرتد
٠٠
((الرِّنْديقُ في لسانِ العربِ يُطلَقُ على مَن يَنْفِي الباري تعالى، وعلى مَن يُثبتُ الشَّرِيكَ، وعلى مَن يُنكِرُ
حِكْمَتَهُ، والفرقُ بينَهُ وبينَ المرتدّ: العُمُومُ الوَجْهِيُّ؛ لأَنَّه قد لا يكونُ مرتداً كما لو كانَ زنْديقاً أصليّاً
غيرَ مُنْتَقلٍ عن دينِ الإسلامِ، والمُرْتُّ قد لا يكونُ زِنْدِيقاً كما لو تَنَصَّرَ أوْ تَهَوَّدَ، وقد يكونُ مسلماً
فيتَزَندقُ، وأمَّا في اصطلاحِ الشَّرعِ فالفرقُ أظهرُ؛ لاعتبارِهم فيهِ إبطانَ الكفرِ والاعترافَ بنبوَّةِ نَِّا ◌ِ ◌ّ
على ما في "شرحِ المقاصدِ"(١)، لكنَّ القيدَ الَّانِيَ في الرِّنديقِ الإِسلاميِّ، بخلافٍ غيرِهِ [٣/ ق ٦٦ /١].
مطلبٌ في الفرقِ بينَ الزِّديقِ والمنافقِ(٢) والدَّهريِّ و المُلْجِدِ
والفرقُ بينَ الزِّديقِ والمنافقِ والدَّهريِّ والُلْحِدِ معَ الاشتراكِ في إبطانِ الكفرِ: أنَّ المُنَافَقَ غِيرُ
مُعَتْرِفٍ بُوِ نِّنا ﴿، والدَّهريَّ كذلكَ معَ إنكارِهِ إسنادَ الحوادثِ إلى الصَّانعِ المختارِ سبحانَهُ وتعالى،
والمُلْحِدَ - وهو مَن مالَ عن الشَّرعِ القويمِ إلى جهةٍ مِن جهاتِ الكفرِ، مِن أَلْحَدَ في الدِّينِ: حادَ
وعَدَلَ - لا يُشترَطُ فيهِ الاعترافُ بنُبوةِ نِّنا ﴿، ولا بوجودِ الصَّانِعِ تعالى، وبهذا فارقَ الدَّهريَّ
أيضاً، ولا إضمارُ الكفرِ وبِهِ فارقَ المنافقَ، ولا سَبْقُ الإسلامِ وبِهِ فارقَ الْمُرْتَدَّ، فَالْمُلْحِدُ أوسعُ فِرَقِ
الكفرِ حدًّاً أي: هو أعمُّ من الكلِ)). اهـ ملخصاً.
قلتُ: لكنَّ الرِّنديقَ باعتبارِ أَنَّه قد يكونُ مسلماً وقد يكونُ كافراً مِن الأصلِ لا يُشتَرطُ فيهِ
الاعترافُ بالنبوةِ، وسيأتي(٣) عن "الفتح " تفسيرُهُ بِمَن لا يتديَّنُ بدينٍ، ثُمَّ بِيَّنَ حكمَ الرِّنديقِ فقالَ(٤):
((اعلمْ أَنَّه لا يخلو إمّا أنْ يكونَ معروفاً داعياً إلى الضَّلالِ أوْ لا، والثّاني ما ذكرَهُ صاحبُ
"الهداية" في "الَتجنيس" مِن أَنَّه على ثلاثةِ أوجهٍ: إمَّا أنْ يكونَ زِنْدِيِقاً من الأصلِ على الشِّركِ،
أو يكونَ مسلماً فيَتَزَندَقَ أو يكونَ ذِمِّاً فيَزَندقَ، فالأَوَّلُ يُتَركُ على شِرْكِهِ إنْ كانَ من العَجَمِ،
(١) "شرح المقاصد": المبحث الثامن: حُكم المؤمن والكافر والفاسق ٢٣٠/٥.
(٢) ((والمنافق)) ساقطة من "ك".
(٣) صـ ٧٦ - "در".
(٤) أي: "ابن كمال باشا" في رسالته.
حاشية ابن عابدين
٧٠
باب المرتد
لا تَوبةَ له، وجعلَهُ في "الفتح"(١) ظاهرَ المذهبِ، لكنْ في حَظْرِ "الخانيةِ"(٢): الفتوى
على أنّه (إذا أُخِذَ) السَّاحرُ أو الزِّنديقُ المعروفُ الدَّاعي (قبل تَويتِه) ثُمَّ تابَ
لم تُقْبَلْ توبتُه ويُقتَلُ، ولو أُخِذَ بعدَها قُبُلَتْ، وأفاد في "السِّراجِ":
أي: بخلافِ مشركِ العربِ فَإِنَّه لا يُتْرَكُ، وَالثَّانِي يُقْتَلُ إنْ لم يُسْلِمْ؛ لأَنَّه مُرْتَدٌ، وفي الثّالثُ يُترَكُ
على حالِهِ؛ لأنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدةٌ. اهـ، والأوَّلُ أي: المعروفُ الدَّاعي: لا يخلو مِن أنْ يتوبَ
بالاختيارِ ويَرْجِعَ عمَّ فيهِ قبلَ أنْ يُؤْخَذَ أوْ لاَ، والثَّانِي يُقْتَلُ دونَ الأَوَّلِ)). اهـ وتمامُهُ هناكَ.
[٢٠٣٧١) (قولُهُ: لا توبةَ لهُ) تصريحٌ بوجهِ الشَّبهِ، والمرادُ بعدمِ الَّبِةِ: أَنَّها لا تُقبَلُ منه في نَفْي
القتلِ عنهُ كما مرَّ(٢) في السَّابِّ؛ ولذا نَقَلَ "البيريُّ" عن "الشُّمُنِيِّ" بعدَ نقلِهِ اختلافَ الرِّوايةِ في
القَبولِ وعدمِهِ: ((أنَّ الخلافُ في حقِّ الدُّنيا، أمَّا فيما بينَهُ وبينَّ اللهِ تعالى فتُقبَلُ تَوَتُهُ بلا
العاليوفونية بعد
خلافٍ)) أهم، ونحوُهُ في "رسالةِ ابْنِ كَمَال".
(٠٣٧٢ ٢)] (قولُهُ: لِكنْ في خَظْرِ "الخَانيَّةِ" إلخ) استدراكٌ على "الفتح" حيثُ لمَ يَذكُرْ هذا
الَّفْصَيلَ، وَنَقَلَ في "النّهرِ"(٤) عين "الدِّرايةِ" روايتينِ في القَبولِ وعدمِهِ، ثُمَّ قَالَ(٤): ((وينبغي أنْ
يكون هذا النَّفْصِيلُ مَحْمَلَ الرِّوايتينِ)) اهـ.
(٢٠٣٧٣] (قولُهُ: المعروفُ) أي: بالزَّندقةِ، ((الدَّاعِي)) أي: الَّذِي يدعُوَ النَّاسَ إلى زَنْدَقْتِهِ،
اهم "ح"(٥)، فإِنْ قِلتَ: كيفَ يكونُ معروفً داعياً إلى الضَّلالِ وقد اعتُبِرَ في مفهومِهِ الشَّرعيِّ أنْ
يُبْطِنَ الكفرَ؟!
قلتُ: لا بُعْدَ فِيهِ فَإِنَّ الزِّنِدِيقَ يُمَوِّهُ كُفْرَهُ وَيُرَوِّجُ عقيدِتَهُ الفاسِدَةَ وَيُخْرِجُها في الصُّورِةٍ
الصَّحيحةِ، وهذا معنى إبطان الكفرِ، فلا يُنافِي إظهارَهُ الدَّعوى إلى الضَّلالِ، وكونَهُ معروفاً
بالإِضلال. اهـ "ابنُ كمال"
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٢/٥.
(٢) "الخانية": فصل في التسبيح والتسليم والصَّلاة على النبي * ٤٢٩/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(١)
(٣) المقولة [٢٠٣٣٠] قوله: ((لكن صرَّح في آخر "الشِّفاء" إلخ)).
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٥/ب.
(٢)
(٥) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/ب بتصرف.
المة
الجزء الثالث عشر
٧١
باب المرتد
((أَنَّ الخَّاقَ لا توبةَ له))، وفي "الشُّمُنِيِّ": ((الكاهنُ قيل: كالسَّاحرِ))، وفي
"حاشية البيضاويٍّ" لـ "مُنلا خسرو"(١) :.
(٢٠٣٧٤) (قولُهُ: أنَّ الخَّاقَ لا توبةَ لهُ) أفادَ بصيغةِ المبالغةِ أنَّ مَن خَفَقَ مرَّةً لا يُقْتَلُ، قالَ
"المصنّفُ (٢) قبيلَ الجهادِ: ((ومَن تكرَّرَ الْخَنْقُ منهُ في المِصْرِ قُتِلَ بِهِ، وإلاَّ لَا)). اهـ "ط" (٣).
قلتُ: ذِكرُ الخَّقِ هنا استطراديٌّ؛ لأنَّالكلامَ في الكافرِ الَّذِي لا تُقْبَلُ توبْتُهُ، والخَّاقُ غيرُ كافٍ،
. وإنَّ لا تُقَلُ توبتُهُ لسعيهِ في الأرضِ بالفسادِ ودفعٍ ضررِهِ عن العبادِ، ومثلُهُ قطَّاعُ الطَّريقِ.
مطلبٌ في الكاهنِ و العرّافِ
[٢٠٣٧٥) (قولُهُ: الكاهنُ قيلَ: كالسَّاحِرِ) في الحديثِ: (( مَن أَتَّى كاهناً أو عَرَّفاً فصدَّقَهُ بما
يقولُ فقد كَفَرَ بما أُنزِلَ على محمَّدٍ ))(٤). أخرَجَهُ "أصحابُ السُّنْنِ الأربعةِ"، وصحَّحَهُ "الحاكم"
(١) حاشية المولى "محمد بن فرامرز" الشهير بـ مُلا خسرو (ت ٨٨٥ هـ) على "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" لأبي
سعيد عبد الله بن عمر، ناصر الدِّين، المعروف بالبيضاوي الشيرازي (ت ٦٨٥هـ) وقيل غير ذلك. ("كشف
الظنون" ١٨٦/١، "الضوء اللامع" ٢٧٩/٨، "شذرات الذهب" ٦٨٥/٧، "الفوائد البهية" ص ١٨٤-).
(٢) "المنح": كتاب السَّرقة - باب في بيان أحكام قطع الطريق ١/ق ٢٤٠/ب بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٥/٢.
(٤) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤) في الطب - باب في الكهَّان، والترمذي (١٣٥) في الطهارة - باب في كراهية إتيان الحائض، والنسائي
في "الكبرى" (٩٠١٧) في عشرة النساء، وابن ماجه (٦٣٩) في الطهارة - باب النهي عن إتيان الحائض، والدارمي (١١٣٦) في
الطهارة - باب من أتى امرأته في دبرها، وأحمد ٤٠٨/٢، ٤٧٦، والطحاوي في "شرح المعاني" ٤٥/٣ في النكاح - باب وطء
النساء في أدبارهن، والعُقيلي ٣١٨/١، وابن عدي ٢٢٠/٢، والبيهقي ١٩٨/٨ وغيرهم من طرقٍ عن حماد بن سلمة عن
حكيم الأَثْرَم عن أبي تَمِيمة الهُحَيْمِي عن أبي هريرة أن النبي ◌َ ◌ّ قال: ((من أتى حائضاً أو امرأةً في دبرها أو كاهناً فصدَّقَه بما
قال فقد كفر بما أنزل على محمد ◌ٍ﴿))، استغربه الترمذي وقال: ضعَّف محمد - البخاري - هذا الحديث من قبل إسناده، وقال: لا
نعرف لأبي تميمة سماعاً من أبي هريرة، وحكيم وثقه أبو داود وابن حبان وابن المديني في رواية، وأخرج الحاكم ٨/١ في
الإِيمان، والبيهقي ١٣٥/٨ في القسامة - باب تكفير السَّاحر من طريق عُبيد الله بن موسى وروح بن عبادة عن عوف عن
خِلاَس ومحمد عن أبي هريرة ◌َظُه قال رسول الله :﴿ ((من أتى عَرَّافاً أو كاهناً فِصَدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على
محمد ﴿)). وأخرجه أحمد ٤٢٩/٢ حدثنا يحيى بن سعيد عن عوف حدثني خِلاسٌ عن أبي هريرة والحسنُ عن النبي ◌ِ ﴿ر =
٢٩٦/٣
حاشية ابن عابدين
٧٢
باب المرتد
= فذكره، قال أحمد: خِلاَس لم يسمع من أبي هريرة شيئاً، قال البخاري: روى عن أبي هريرة وعلي صحيفةٌ. فإن حَفِظَ
عوفٌ ذِكرَ محمد من سيرين مع خِلاَس فالحديثُ صحيح كما قال الحاكم، وأخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" ٤٤/٣
من طريق إسماعيل بن عيَّش عن سهيل عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ حكيم الأثرم، وغيرُ إسماعيل
لا يذكر (عَرَّافاً). قال العُقيلي ٣١٨/١: ورواه جماعة عن ليث بن أبي سُليم عن مجاهد عن أبي هريرة موقوفاً.
وأخرج البزار (٣٥٧٨) "بحر"، والطبراني ١٨/(٣٥٥) عن أبي حمزة العطار عن الحسن عن عمران بن حصين قال
رسول اللـه * ((ليس منا من تطيّر ... ، ومن أتى كاهناً فصَدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد {ٌ))، وهذه الزيادة
ليست عند الطبراني، وأخرجه البزار (٣٠٤٥) "كشف" - قال ابن حجر في "الفتح" ٢٦٧/١٠: بسندين جيدين - وأخرج
أبو نُعيم في "الحلية" ١٠٤/٥، وابن عدي في "الكامل" ٣ /٢٨٢، ٢٣٩/٧، والدارقطني في "الأفراد" ق ٢١٨/ب من طريق
يحيى الحِمَّاني ثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن أبي إسحاق ثنا هُبيرة بن يَرِيْم عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً.
وبَّن الدارقطني في "العلل" ٢٨٢/٥: أنَّ الحِمَّاني رفعه، وهو غير محفوظ، وتابعه ثابتٌ الزاهد عن التوري عن أبي إسحاق،
قال: وكلُ من رواه عن أبي إسحاق غيرُ من ذكرنا فقد وقفه وهو الصواب، وقال مُفَضَّل بن صالح عن أبي إسحاق عن
أبي الأحوص عن عبد الله وَهِم في ذلك، وهذا أولى من تردُّد ابن عدي فالحِمَّانِي تُكُلّمَ فيه، وأخرجه البزار (١٨٧٣) حدثنا
عبد الله بن سعيد ثنا أبو خالد به موقوفاً، وأخرجه كذلك أبو يعلى (٥٤٠٨)، والشاشي في "مسنده" (٨٩١)، وأبو داود
الطيالسي (٣٨٢)، والبيهقي ١٣٦/٨، والخطيبُ في "تاريخه" ٦٠/٨ من طرقٍ عن سفيان وشعبة وعمرو بن قيس وإبراهيم
ابن طَهمان وعبد الله بن زيد كلَّهم عن أبي إسحاق عن هُبيرة بن يَريم عن ابن مسعود موقوفاً، قال ابن حجر في "الفتح":
إسناده جيد، لم يصرِّح برفعه ولكن مثلُه لا يُقال بالرأي. وأخرجه أبو داود الطيالسي (٢٥٢٥) حدثنا المسعودي عن جامع
ابن شَدَّاد عن الأسود بن هلال قال عبد الله: ((ألا إنّ العرَّفِينَ كُھَّان العجم، فمن آمن بكاهن فقد كفر بما أنزل على محمد
◌َّ)). وقال أبو بكر أي: ابن أبي شيبة كما في "المطالب العالية" ١٠٤/٣ حدثنا أبو معاوية ثنا الشيباني عن أبي إسحاق عن
جامع بن شَدَّاد به، وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٠٠٠٥) من طريق عبد العزيز بن مسلم عن الأعمش عن إبراهيم عن
علقمة عن عبد الله موقوفاً. وأخرجه في "الأوسط" (١٤٧٦) من طريق سعيد بن عامر حدثنا شعبة عن سَلَمة بن كُهِيل عن
أبي الزعراء عن ابن مسعود موقوفاً. وقال: لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا سعيد، وأخرجه ابن عدي في "الكامل" ٤/٥
من طريق العباس بن الفضل الأنصاري عن شعبة عن سَلَمة عن حُبَّة عن ابن مسعود موقوفاً، وعباس متروك.
وأخرجه مسلم (٢٢٣٠) في السلام - باب تحريم الكَهَانة، وأحمد ٣٨٠/٥،٦٨/٤، والبخاري في "التاريخ الأوسط"
(١١٣٨)، وأبو نعيم في "الحلية" ٤٠٦/١٠ - ٤٠٧، و"تاريخ أَصبهان" ٢٢٦/٢ كلُّهم من طريق يحيى وعبد الله بن رجاء عن عبيد
الله عن نافع عن صَفيَّة عن بعض أزواج النبي عن النبي ◌ُّ قال: ((مَن أَتَى عَرَّافً فصَدَّقه بما يقول لم تُقَبَل له صلاة أربعينَ يوماً)).
وخالفهم الدَرَاوَرْدِي [وهو مضطرب الحديث] عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً مثله، أخرجه البخاري في "الأوسط"
(١١٣٩)، والطبراني في "الأوسط" (١٤٢٤)، ورواه الدَّرَاوَرْدِي عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عُبيد =
الجزء الثالث عشر
٧٣
باب المرتد
٠٠
عن أبي هريرةَ، والكاهنُ - كما في "مختصر النّهايةِ"(١) لـ "السُّيوطيِّ" : - ((مَن يَتَعَاطَى الخبرَ عن
الكائناتِ في المستقبلِ، ويدَّعي معرفةَ الأسرارِ، والعَرَّافُ: المُنَجِّمُ، وقالَ "الخطّابِيُ)(٢): هو الّذي
يَتَعاطى معرفةَ مكانِ المسروقِ والضَّالةِ ونحوِهما)) اهـ.
والحاصلُ: أنَّ الكاهنَ مَن يدَّعي معرفةَ الغيبِ بأسبابٍ وهي مختلفةٌ، فلذا انقسمَ إلى أنواعٍ
متعدِّدةٍ كالعرَّفِ والرَّالِ والْنَجِّمِ، وهو الَّذي يُخِرُ عن المستقبلِ بطُلُوعِ النَّجمِ وغُرُوبِهِ، والَّذيّ
يَضْرِبُ بالَحَصَى، والّذي يدَّعي أنَّ له صاحباً مِن الجنِّ يُخبِرُهُ عمَّا سيكونُ، والكلُّ مذمومٌ شرعاً
محكومٌ عليهم وعلى مُصَدِّقِهم بالكفرِ.
مطلبٌ في دعوى علمِ الغيبِ
وفي "البزَّازِيَّة"(٣): ((ُكَفَرُ بادِّعاءِ علمِ الغيبِ، ويإتيانِ الكاهنِ وتصديقِهِ(٤)، وفي
"الَّار خانَّةً"(٥): يُكَفَرُ بقولِهِ: أنا أعلمُ المسروقاتِ، أو أنا أُخبرُ عن إخبارِ الجِنِّ إِيَّايَ)) اهـ.
= قالت: سمعت عمر بن الخطاب فذكره مرفوعاً، أخرجه البخاري في "الأوسط" (١١٣٧)، والطبراني في "الأوسط"
(٩١٧٢) وقال: لم يروه عن أبي بكر إلا الدَّرَاوردي وهذا الذي رجَّحَهُ أبو حاتم كما في "العلل" ٢٦٩/٢، وقال: رواه
العُمَري عبد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً، والصَّواب ما رواه الدَّرَاوردي عن أبي بكر عن نافع عن أبيه عن صفية عن
عمر، وقد بانَ من هذا الحديث مصداقُ قولِ أحمدَ: إنَّ أحاديث الدَّرَاوردي تشبه أحاديث عبد الله العمري ... قال: وليس
هذا يشبه حديث عبيد الله إذا كان غلطاً، والناس يروون عن عبد الله العمري كما وصفنا اهـ بتصرف. وأخرجه الطبراني في
"الكبير" ٢٢/(١٦٩)، وفيه سليمان بن أحمد الواسطي متروك، و"الأوسط" (٦٦٧٠) من حديث أنس تفرد به ابنُ أبي
السَّرِيّ عن رِشدين، وهما ضعيفان. قال ابن حجر في "الفتح": سندُه ليّن.
(١) "مختصر النهاية" المسمى "الدر النّثير" لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السُّيوطي (ت٩١١هـ)، اختصر "النهاية
في غريب الحديث" لأبي السَّعادات مبارك بن محمد بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري (٦٠٦ هـ). ("كشف الظنون"
١٩٨٩/٢، "وفيات الأعيان" ١٤١/٤، "طبقات الشافعية الكبرى" ٤٢/٧، "الضوء اللامع" ٦٥/٤، "النور السافر" صـ ٥٤-).
(٢) "معالم السنن": كتاب الطِّب - باب النّهي عن إتيان الكاهن ٢١٢/٤ بتصرف.
(٣) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأً - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون -
النوع الثاني فيما يتعلق بالله تعالى ٣٢٣/٦ - ٣٢٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) قوله: ((وبإتيان الكاهن وتصديقه)) ليست في "البزازية".
(٥) "التاتر خانية": كتاب أحكام المرتدِّين - فصل فيما يعود إلى الغَيْب ٤٧٧/٥ باختصار.
حاشية ابن عابدين
٧٤
باب المرتد
((الدَّاعي إلى الإلحادِ، والإِباحيُّ كالزِّنديقِ))، وفي "الفتح"(١): ((والمُنافِقُ الذي يُبطِنُ
الكُفرَ ويُظهِرُ الإِسلامَ كالزِّنديقِ.
قلتُ: فعلى هذا أربابُ التَّقاويمِ مِن أنواعِ الكاهنِ؛ لادِّعائِهِمُ العلمَ بالحوادثِ الكائنةِ، وأمَّا
ما وَقَعَ لبعضٍ [٣/ق ٦٦/ب] الخواصِّ كالأنبياءِ والأولياءِ بالوَحىِ أو الإِلهامِ فهو بإعلامٍ مِن اللهِ تعالى،
فليسَ ثَّا نحنُ فيهِ. اهـ ملخصاً مِن "حاشية نوحِ"(٢) من كتابِ الصَّومِ.
قلتُ: وحاصلُهُ: أنَّ دعوى علمِ الغيبِ مُعارِضةٌ لنصِّ القرآنِ فُيُكفَرُ بها، إلاّ إذا أسندَ ذلكَ
صريحاً أو دِلالةً إلى سببٍ من اللهِ تعالى كوحىٍ أو إلهامٍ، وكذا لو أسندَهُ إلى أَمارةٍ عاديَّةٍ بجعلِ اللهِ
تعالى، قالَ صاحبُ "الهداية" في كتابِهِ "مختارات الّوازلِ"(٣): ((وأمَّا عِلْمُ النُّحومِ فهو في نفسِهِ
حسنٌ غيرُ مذمومٍ؛ إذ هو قسمانٍ: حسابيٌّ: وأَنَّه حقٌّ، وقد نَطَقَ بهِ الكتابُ، قال تعالى:
﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾(٤) [الرَّحْمنَ: ٥]، أي: سيرُهما بحسابٍ، وَاستدلاليّ - تسيرِ النُّحِومِ
وحَرَكةِ الأفلاكِ على الحوادثِ بقضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِهِ، وهو جائزٌ- کاستدلالِ الطَّبِيبِ بَالنَّبَضِ
على الصِّحَّةِ والمرضِ، ولو لم يعتقدْ بقضاءِ اللهِ تعالى أو ادَّعى علمَ الغيبِ بنفسِهِ يُكَفَرُ)) اهـ.
وتمامُ تحقيقِ هذا المقامِ يُطلَبُ من رسالتنا "سلُّ الْحُسَامِ الهِنْدِيِّ" (٥).
[٢٠٣٧٦) (قولُهُ: الدَّاعي(٦) إلى الإلحادِ) قدَّمنا (٧) عن "ابنِ كمال" بيانَهُ.
مطلبٌ في الإباحيّ(٨)
[٢٠٣٧٧] (قولُهُ: والإِباحيُّ) أي: الَّذي يعتقدُ إباحةَ الْمُحَرَّماتِ، وهو مُعْتَقَدُ الزَّنادقةِ،
(١) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٢/٥
(٢) تقدمت ترجمته ٣٨٠/١.
(٣) "مختارات النوازل": كتاب الكراهية - فصل فيما يوجبُ الكفر وفيما لا يوجبُهِ ق٩٣/أ بتصرف .. ...
(٤) نقول: في النسخ جميعها: ﴿والشمس .. ﴾ بالواو، والآية ما أثبتناهِ، وقد نَّه عليه مصحِّحُ "ب".
رؤية واقعية
(٥) انظر "سَلُّ الحسام الهندي": ٢/ ٣١١ ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين".
(٦) في "الأصل" و"ك" و"آ" و"ب": ((والدَّاعي)) بزيادة الواو.
(٧) المقولة [٢٠٣٧٣] قوله: ((المعروف)).
(٨) هذا المطلب من "الأصل" و"ك" ..
الجزء الثالث عشر
٧٥
باب المرتد
ففي "فتاوى قارئ الهداية"(١): ((الرِّنديقُ: هو الّذي يقولُ ببقاءِ الدَّهرِ، ويَعتَقِدُ أنَّ الأموالَ والحُرَمَ
مُشترَكةٌ)) اهـ. وفي "رسالةِ ابنِ كمال" عن الإمامِ "الغزاليّ" في كتابِ "التَّفرقةِ بينَ الإسلامِ
والرَّندقةِ (٢): ((ومن جِنْسِ ذلكَ ما يدَّعيهِ بعضُ مَن يدَّعي التّصوُّفَ أَنَّهِ بَلَغَ حالةً بينَهُ وبينَ اللهِ
تعالى أسقطَتْ عنهُ الصَّلاةَ وحَلَّ لهُ شربُ المُسْكِرِ والمعاصِي وأكلُ مالِ السُّلطانِ، فهذا ثَّا لا أَشُكُّ
في وجوبِ قتلِهِ؛ إذ ضَرَرُهُ في الدِّينِ أعظمُ، وَيَنْفتِحُ بهِ بابٌ من الإباحةِ لا ينسَدُّ(٣)، وضررُ هذا فوقَ
ضَرَرِ مَن يقولُ بالإِباحةِ مطلقاً؛ فإنَّه يُمْتَنَعُ عن الإصغاءِ إليهِ لظهورٍ كُفْرِهِ، أمَّا هذا فيَزْعُمُ أَنَّه
لم يَرْتَكِبْ إلَّ تخصيصَ عمومِ التَّكليفِ من ليسَ لهُ مثلُ درجتِهِ فِي الدِّينِ، وَيَتَدَاعَى هذا إلى أنْ
يدَّعِيَ كلٌّ فاسقٍ مثلَ حالِهِ)). اهـ ملخصاً.
مطلبٌ في أهلِ الأهواءِ إذا ظَهَرَتْ بِدْعَتُهم
وفي "نور العين" عن "التمهيدِ"(٤): ((أهلُ الأَهواء إذا ظَهَرَتْ بِدْعتُهم بحيثُ تُوجِبُ الكفرَ
فإنّه يُباحُ قتلُهم جميعاً إذا لم يَرْجِعوا ولم يَتُوبوا، وإذا تابوا وأسلموا تُقبَلُ توبتهم جميعاً إلاّ الإِباحيَّةَ
والغاليةَ والشِّيعةَ مِن الرَّوافضِ والقَرَامِطةَ والزَّنادقةَ من الفلاسفةِ لا تُقبَلُ توبتهم بحالٍ من الأحوالِ،
ويُقْتَلُ بعدَ الَّّوبةِ وقبلَها؛ لأَنَّهم لم يعتقدوا بالصَّانعِ تعالى حتى يتوبوا ويرجعوا إليهِ، وقَالَ بعضُهم:
إِنْ تابَ قبلَ الأخذِ والإظهارِ تُقبَلُ توبتُهُ، وإلاَّ فلا، وهو قياسُ قولِ أبي حنيفةً"، وهو حسنٌ جدًّاً،
فأمَّا في بِدْعةٍ لا تُوجِبُ الكفرَ فإنَّه يَجِبُ الَّعزيرُ بأيٍّ وجهٍ يُمكِنُ أنْ يمنعَ عن ذلكَ، فإنْ لم يمكنْ
بَلَا حَبْسٍ وَضَرْبٍ يجوزُ حبسُهُ وضربُهُ، وكذا لو لم يُمكِنِ المنعُ بَلاَ سَيفٍَ إِذْ كَانَ رُئِيسَهم
ومُقْتِدَاهَم جازَ قتُلُهُ سياسةً وامتناعًاً، والمبتدِعُ لو لِهُ دِلالَةٌ ودعوةٌ للنّاسِ إلى بدعتِهِ ويُتوهَّمُ منهُ
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في الزِّنديق صـ ١٢٠ -.
(٢) "التفرقة بين الإسلام والزَّندقة": صـ١٣٨-، لأبي حامد محمد بن محمد بن محمد حُجَّة الإِسلام الغزالي الطُّوسي
الشافعي (ت٥٠٥هـ). ("إيضاح المكنون" ٣٠٠/١، "طبقات الشافعية الكبرى" ١٠١/٤، "شذرات الذهب"
١٨/٦، "هدية العارفين" ٧٩/٦).
(٣) في "ك": ((لا يندر))، وهو تحريف.
(٤) ثمة كتابان بهذا الاسم، "التمهيد لقواعد التوحيد" لأبي المعين النسفي (ت٥٠٨هـ)، و "التمهيد في بيان التوحيد" للساطي.
انظر "كشف الظنون" ٤٨٤/١.
حاشية ابن عابدين
٧٦
باب المرتد
الذي لا يَتَدَيَّنُ بدِينٍ، وكذا مَن عُلِمَ أَنَّه يُنكِرُ في الباطنِ بعضَ الضَّرورياتِ كحُرْمةٍ
الخمرِ، ويُظهِرُ اعتقادَ حُرمتِهِ))، وتمامُهُ فيه، وفيه(١): ((يُكَفَرُ السَّاحرُ بتَعلُّمِه(٢)
وفعِلِهِ، اعتقدَ تَحريمَهُ أَوْ لا، ويُقتَلُ)) انتهى،
أنْ يَنشُرَ البدعةَ وإنْ لم يُحكَمْ بكفرِهِ جازَ للسُّلطانِ قتُهُ سياسةً وزَجْرً؛ لأنَّ فسادَهُ أعلى وأعمُّ
حيثُ يُؤَثِّرُ في الدِّينِ، والبدعةُ لو كانَتْ كُفْراً يُبَاحُ قتلُ أصحابِها عامًّا، ولو لم تكنْ كُفراً يُقْتَلُ
مُعَلِّمُهم ورئيسُهم زَجْراً وامتناعاً)) اهـ.
[٢٠٣٧٨) (قولُهُ: الَّذي لا يتديَّنُ بدينٍ) يُحتمَلُ أنْ يكونَ المرادُ بِهِ الَّذِي لا يَستَقِرُّ على دينٍ، أو
الَّذي يكونُ اعتقادُهُ خارجاً عن جميعِ الأديانِ، والنَّاني هو الظَّاهرُ مِن كلامِهِ الَّذي سنذكرُّهُ(٣) عنهُ،
وقدَّمنا(٤) عن "رسالة ابنِ كمال" تفسيرَهُ شرعاً: بَمَن يُطِنُ الكفرَ، وهذا أعمُّ.
[٢٠٣٧٩) (قولُهُ: وتمامُهُ فيهِ) أي: في "الفتح"(٥) حيثُ قالَ: ((وَيَجِبُ أنْ يكونَ حكمُ المنافقِ
في عدمٍ قَبَولِنا توبتَهُ كالرِّنديقٍ؛ لأنَّ ذلكَ في الرِّنديقِ لعدمِ الاطمئنانِ إلى ما يُظهِرُ من الّويةِ إذا كانَ
يُخِفِي كفرَهُ الَّذي هو عدمُ اعتقادِهِ دِيناً، والمنافقُ مثلُهُ في الإخفاءِ، وعلى هذا فطريقُ العلمِ بحالِهِ إِمَّا
بأنْ يَعْثُرَ بعضُ النَّاسِ عليهِ، أو يُسِرَّهُ إلى مَن أَمِنَ إليهِ)) اهـ.
مطلبٌ: حكمُ الدُّروزِ والَيامنةِ والنّصيريَّةِ والإسماعيلية
(تنبيةٌ)
يُعَلَمُ عَمَّا هنا حكمُ الدُّروزِ والتَّيامنةِ(٦)، فإِنَّهم في البلادِ الشَّامِيَّةِ يظهرونَ الإِسلامَ والصَّوَمَ
٢٩٧/٣
(١) أي: في "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٣/٥.
(٢) في "ط": ((بعلمه)).
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) المقولة [٢٠٣٧٠] قوله: ((وكذا الكافر بسبب الزَّندقة)).
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٢/٥.
(٦) نقول: كُلُّ مَنْ شهد أنَّه لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله وآمنَ باللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر
والقدر خيره وشرِّه وأقام الصلاة وآتى الزَّكاة وصَام رمضان وحجَّ البيت وأحلَّ الحلال وحرَّم الحرام ولم ينكر
شيئاً من المعلومات من الدين بالضرورة، ولا ظهر منه ما يقدح في شيء من أركان الإيمان الستة وأركان الإسلام =
الجزء الثالث عشر
٧٧
باب المرتد
والصَّلاةَ معَ أَنّهم يعتقدونَ تناسخَ الأرواحِ وحِلَّ الخمرِ والزِّنى، وأنَّ الألوهَّةَ تَظْهَرُ في شخص بعدَ
شخصٍ، وَيَجْحَدونَ الحشرَ والصَّمَ والصَّلاةَ والحجّ، ويقولونَ: المُسَمَّى بها غيرُ المعنى المرادِ، ويتكلّمونَ
في جنابِ نِّ يَّ كلماتٍ فظيعةً، وللعلَّمةِ المحقّقِ "عبد الرَّحمن العماديّ" فيهم [٣/ ق١/٦٧] فْوى
مطوَّةٌ، وَذَكَرَ فيها: ((أَنّهم يَنْتَحِلونَ عقائدَ النِّصيريَّةِ والإسماعيليَّةِ الَّذين يُلْقَبُونَ بِالقَرَامِطةِ والباطِيَّةِ الَّذين
ذكرَهم صاحبُ "المواقفِ"(١)، ونَقَلَ عن علماءِ المذاهبِ الأربعةِ أَنَّه لا يَحِلُّ إقرارُهم في ديارِ الإسلامِ
بجزيةٍ ولا غيرِها، ولا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا ذبائحُهم))، وفيهم فَتْوى في "الخيريَّة(٢) أيضاً فراجعْها.
والحاصلُ: أَنَّهم يَصْدُقُ عليهم اسمُ الرِّنديقِ والمنافِقِ وَالْحِدِ، ولا يخفى أنَّ إقرارَهم
بالشَّهادتينِ معَ هذا الاعتقادِ الخبيثِ لا يجعلُهم في حكمِ المرتدِّ لعدمِ الَّصديقِ، ولا يَصِحُّ إسلامُ
أحدِهم ظاهراً إلاَّ بشرطِ الَّرِّي عن جميعِ ما يُخَالِفُ دينَ الإِسلامِ؛ لأنّهم يدَّعونَ الإِسلامَ ويُقِرُّونَ
بالشَّهادتينِ، وبعدَ الظَّفَرِ بهم لا تُقبَلُ تويْتُهم أصلاً، وذَكَرَ في "النَّتر خانيَّةَ"(٣): ((أَنَّه سُئِلَ فقهاءُ
سَمَرْقَندَ عن رجلٍ يُظهِرُ الإِسلامَ والإِيمانَ، ثمَّ أقرَّ بأنّي كنتُ أعتقدُ معَ ذلكَ مذهبَ القَرَامطةِ
= الخمسة المذكورة، فهو مسلمٌ مؤمنٌ له ما لنا وعليه ما علينا، بغضِّ النّظر عن الأسماء المذكورة.
على أن الإِمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى جمعٍ لا إلى تفريقٍ، وعلى العلماء والدعاة إلى الله عز وجل أن
يلتزموا منهج جمع الأمة وتأليف قلوبها وتقريب مذاهبها لتعود أمة واحدةً على الحق معتصمةً بحبل الله المتين متمسكةً
بالكتاب والسنة بعيدةً عن منهج الفرقة والخصومة والمنازعة في الدين، عملاً بقوله تعالى ﴿وَلَا تَشَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْوَتَذْهَبَ
رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقوله تعالى
﴿إِنَّ هَذِّ أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةٌ وَأَنَارَبُّكُمْ فَاعْبُدُونٍ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. اهـ
(١) "المواقف": صـ٤٢١-، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، عضد الدولة الإيجي الفارسيّ (ت ٧٥٦هـ). (كشف
الظنون" ١٨٩١/٢، "الدرر الكامنة" ٣٢٢/٢، "مجمع الآداب في معجم الألقاب" ٤١١/١، "هدية العارفين" ٥٢٧/٥).
(٢) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير - باب المرتدين ١٠٧/١.
(٣) "التاتر خانية": كتاب أحكام المرتدين - فصل في أصحاب الأهواء ٥٤١/٥.
حاشية ابن عابدين
٧٨
باب المرتد
لكنْ في حَظْرِ "الخانية": ((لو استعملَهُ للتّجرِبةِ والامتحان ولا يَعتقدُهُ لا يُكَفَرُ))).
٠
وأدعو إليهِ، والآنَ تُبْتُ وَرَجَعْتُ، وهو يُظهِرُ الآنَ ما كانَ يُظهِرُهُ قبلُ مِن الإسلامِ والإيمانِ؟ قالَ
"أبو [محمد](١) عبدُ الكَرِيم بنُ محمَّدٍ": قَبْلُ القَرَامِطةِ واستئصالُهم فَرْضٌ، وأمَّا هذا الرَّجلُ الواحدُ
فبعضُ مشايخِنَا قالَ: يُتَغْفَّلُ ويُقْتَلُ(٢)، أي: تُطلَبُ غَفْتُهُ فِي عِرْفَانِ مذهبِهِ، وقَالَ بعضُهم: يُقْتَلُ
بلا استغفالٍ؛ لأنَّ مَن ظَهَرَ منهُ ذلكَ ودَعَا النَّاسَ لا يُصدَّقُ فيما يدَّعي بعدُ من الّوبةِ، ولو قُبِلَ منهُ
ذلكَ لهدمُوا الإِسلامَ وأضلُّوا المسلمينَ من غيرِ أنْ يُمكِنَ قتُهم))، وأطالَ في ذلكَ، وَنَقَلَ عِدَّةً
فتاوى عن أئمتنا وغيرِهم بنحوِ ذلكَ، لكنْ تَقَدَّمَ(٣) اعتمادُ قَبولِ الَّوبةِ قبلَ الأخذِ لا بعدَهُ.
[٢٠٣٨٠)] (قولُهُ: لكنْ فِي حَظْرِ "الخانَّة "(٤)) أي: في كتابِ الحظرِ والإباحةِ منها، والاستدراكُ
على قولِ "الفتح": ((أَوْ لا))، أي: أو لم يَعْتَقِدْ تحريَمَهُ، وقدَّمنا (٥) أَنَّه في "الفتح" نَقَلَ ذلكَ عن
أصحابنا، وأَنَّه اختارَ أَنَّه لا يُكَفَرُ ما لم يعتقدْ ما يُوجِبُ الكفرَ، لكنَّهُ يُقْتَلُ، ولعلَّ ما نقلَهُ عن
الأصحابِ مبنيٌّ على أنَّ السِّحرَ لا يَتِمُّ إلَّبما هو كفرٌ كما يفيدُهُ قولُهُ تعالى: ﴿ وَمَايُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ
حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرَّ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وعلى هذا فغيرُ المُكَفِّرِ لا يُسمَّى سِحْراً، ويُؤْيِّدُهُ
ما قدَّمناهُ(٥) عن "المختارات" مِن أنَّ المرادَ بالسَّاحِرِ غيرُ المشعوذِ، ولا صاحبِ الطّْسَمِ،
ولا مَن يعتقدُ الإِسلامَ أي: بأنْ لم يَفْعَلْ أو يَعْتَقِدْ ما يُنَافِي الإِسلامَ، ولذا قالَ هنا: ((ولا يَعْقِدُهُ))،
فقد عُلِمَ أَنَّه لا يُسمَّى ساحراً ما لم يَعتقِدْ أو يَفْعِلْ ما هو كفرٌ، واللهُ سبحانَهُ أعلمُ.
(١) ((محمد)) ساقط من جميع النسخ وما أثبتناه من "التاتر خانية". وهو أبو محمد عبد الكريم بن محمد بن موسى
الميغي السمر قندي البخاري (ت٣٧٨ هـ) انظر ترجمته في "الجواهر المضية" ٤٥٧/٢ ووفاته فيه (٣٩٨هـ)،
و"الفوائد البهية" صـ ١٠١ -، ووفاته فيه (٣٩٠هـ)، و"اللباب" ٢٠١/٣، و"معجم البلدان" ٢٨٢/٥.
(٢) ((يُقتَلُ)) ساقط من "ك".
(٣) صـ ٧٠ - "در".
(٤) "الخانية": فصل في التسبيح والتسليم والصَّلاة على النبيمخطّ ٤٢٨/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) المقولة [٢٠٣٦٨] قوله: ((والكافرُ بسببِ اعتقاد السِّحر)).
الجزء الثالث عشر
٧٩
باب المرتد
وحينئذٍ فالمُستَثَنَى أحدَ عشَرَ. (و) اعلم أنَّ (كلَّ مسلمٍ ارتدَّ فإنّه يُقْتَلُ إنْ لم يُتُبْ إلَّ)
جماعةً: (المرأةُ).
مطلبٌ: جملةُ مَن لا تُقْبَلُ توبِتُهُ
[٢٠٣٨١) (قولُهُ: فالمُستَى أَحَدَ عَشَرَ) أي: مِن قولِهِ: ((وكلُّ مسلمٍ ارتدَّ فتوبتُهُ مقبولةٌ)) إلاّ(١)
أحدَ عَشَرَ: مَن تكرَّرَتْ ردَّتُهُ، وسابَّ النَّبِيَِّ﴿، وسابَّ أحدِ الشَّيخينِ، والسَّاحرَ، والرِّنْديقَ،
والخَّاقَ، والكاهنَ، والمُلْحِدَ، والإباحيَّ، والمنافقَ، ومُنكِرَ بعضِ الضَّرورياتِ باطنً. اهـ "ح"(٢).
قلتُ: لكنَّ السَّاحِرَ لا يلزمُ أنْ يكونَ مرتداً بأنْ يكونَ مسلماً أصليّاً ثُمَّ فَعَلَ ذلكَ، فإنَّه يُقْتَلُ
ولو كافراً كما مرَّ(٣)، والخَّاقَ غيرُ كافرٍ وإِنَّا يُقتَلُ لسعيهِ بالفسادِ كما قدَّمناهُ(٤)، وأمَّا الزِّنديقُ
الدَّاعي والمُلْحِدُ وما بعدَهُ فيكفي فيهِ إظهارُهُ للإسلامِ وإنْ كانَ كافراً أصلّاً، فعُلِمَ أنَّ المرادَ بيانُ
جملةٍ مَن لا تُقْبَلُ توبتُهُ سواءٌ كانَ مسلماً ارتدَّ أو لم يَرْتَدَّ، أو كانَ كافراً أصلياً، وعليهِ فكانَ
المناسبُ ذكرَ قُطَّاعِ الطَّريقِ، وكذا أهلُ الأهواءِ كما مرَّ(٥) عن "الَّمهيدِ"، وكذا العَوانِيُّ كما مرَّ(٦)
في بابِ الّعزيرِ، وكذا كلُّ مَن وَجَبَ عليهِ حدَّ زنىًّ أو سرقةٍ أو قَذْفٍ أو شُرْبٍ، وأمَّا ذِكرُ سابٌ
النَِّيِّ ◌َ﴿ أو أحدِ الشَّيخينِ فقد علمتَ ما فِيهِ(٧).
مطلبٌ: جملةُ مَن لا يُقتَلُ إذا ارتدَّ
[٢٠٣٨٢) (قولُهُ: المرأةُ) يُستَثَنَى منها المرتدَّةُ بالسِّحرِ كما مرَّ(٨)، وهو الأصحُّ كما في "البحر "(٩).
(١) ((إلا)) ساقطة من نسخة "ح" التي بين أيدينا.
(٢) "ح": کتاب الجهاد - باب المرتد ق٢٦٥/ب بتصرف.
(٣) المقولة [٢٠٣٦٨] قوله: ((والكافرُ بسببِ اعتقاد السِّحر)).
(٤) المقولة [٢٠٣٧٤] قوله: ((إنَّ الخَنَاقَ لا توبةَ له)).
(٥) المقولة [٢٠٣٧٧] قوله: ((والإِباحيُّ)).
(٦) المقولة [١٨٩٠٦] قوله: ((والأَعْوِنة)).
(٧) انظر المقولة [٢٠٣٢٢] وما بعدها وصده - وما بعدها.
(٨) المقولة [٢٠٣٦٩] قوله: ((لسعيها إلخ)).
(٩) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٩/٥.
حاشية ابن عابدين
٨٠
باب المرتد
والخُنْثَى، ومَن إسلامُهُ تَبَعاً، والصَّبِيُّ إذا أسلمَ،
(٢٠٣٨٣] (قولُهُ: والخُنَى) أي: المُشكِلُ، فإنَّه إذا ارتدَّ لم يُقتَلْ ويُحبَسُ وَيُحَبَرُ على الإسلامِ،
"بحر "(٥) عن "النَّتر خانيَّة"(١).
[٢٠٣٨٤] (قولُهُ: ومَن إسلامُهُ تَبَعاً) صوابُهُ (تَبَعٌ)). اهـ "ح"(٢)، قالَ في "البحر"(٣) عن
"البدائع"(٤): ((صبِيٌّ أبواهُ مسلمانِ حَتَّى حُكِمَ ياسلامِهِ تَبَعاً لأبويهِ فَبَلِغَ كافراً ولم يُسمَعْ منه إقرارٌ
باللّسانِ بعدَ البلوغِ لا يُقْتَلُ؛ لانعدامِ الرِّدَّةِ منهُ إذ هي اسمٌ للَّكذيبِ بعدَ سابقةِ التَّصديقِ، ولم يُوجَدْ منه
الَّصديقُ بعدَ البلوغِ، حَتَّى لو أقرَّ بالإِسلامِ ثمَّ ارتدَّ يُقْتَلُ، ولكنَّهُ فِي الأُولِى يُحَسُ؛ لأنَّه كانَ لهُ حكمُ
الإِسلامِ قبلَ البلوغِ تَبَعاً، والحكمُ في أكسابِهِ كالحكم في أكسابِ المرتدّ؛ لأَنَّه مُرْتَدٌ حُكْمَاً)) اهـ.
[٢٠٣٨٥) (قولُهُ: والصَّبيُّ إذا أسلمَ) أي: استقلالاً بنفسِهِ لا تَبَعاً لأبويهِ، وإلاّ فهو المسألةُ
المارَّةُ(٥)، وأطلقَ عدمَ قتِلِهِ فشَمِلَ ما بعدَ البلوغِ، ففي "البحر" (٦): ((لو بَلَغَ مرتدًا لا يُقْتَلُ
استحساناً؛ [٣/ق٦٧/ب] لقيامِ الشُّبهةِ باختلافِ العلماءِ في صِحَّةِ إسلامِهِ))، وسيأتي(٧) الكلامُ في
إسلامِهِ وردَّتِهِ، وَبَقِيَ مسألةٌ أُخرى ذكرَها في "البحر (٨) و"الفتح"(٩) عن "المبسوطِ" (١٠) وهيَ: ما
لو ارتدَّ الصَّبِيُّ في صِغَرِهِ، فَعُلِمَ أنَّ الأُولى فيما إذا ارتدَّ حالَ البلوغِ أي: قبلَ أنْ يُقِرَّ بِالإِسلامِ.
(قولُهُ: لقيامِ الشُّهةِ باختلافِ العلماءِ فِي صِحَّةِ إسلامِهِ إلخ) فإنَّ "زُفَرَ" و"الشَّافِعِيَّ" مُخالِفَانِ فِي صِحَّةِ إسلامِهِ
على ما ذكرَهُ "الْحَشِّي" فيما يأتي عن "الفتح"، وكلامُ "المصنّفِ" شاملٌ لِما إذا ارتدَّ حالَ صِغَرِهِ أو بعدَهُ، تأمّل.
(١) "التاتر خانية": كتاب أحكام المرتدين - فصل في المتفرِّقات ومسائل المرتدَّة ٥٥٤/٥ نقلاً عن "السراجية".
(٢) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/ب.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٨/٥.
(٤) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأما أحكام المرتدين إلخ ١٣٥/٧.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٥٠/٥ بتصرف.
(٧) انظر المقولة [٢٠٥٣١] قوله: ((وإذا ارتدَّ صبيٌّ عاقلٌ صحَّ)) وما بعدها.
(٨) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٥٠/٥.
(٩) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣١/٥.
(١٠) "المبسوط": كتاب السِّير - باب المرتدين ١٢٣/١٠.