النص المفهرس

صفحات 21-40

الجزء الثالث عشر
٢١
باب المرتد
قَّد بإسلام المرتدِّ؛ لأنَّ الكُفَّارَ أصنافٌ خمسةٌ: مَن يُنكِرُ الصَّانعَ، كـ: الدُّهْرِيَّةِ،
ومَن يُنكِرُ الوَحدانّةَ كـ: التَّنويَّةِ، ومَن يُقِرُّ بهما لكنْ يُنكِرُ بعثةَ الرُّسُلِ كـ: الفلاسفةِ،
في "شرحِ الملتقى"(١)، "ط" (٢).
[٢٠٢٩٨] (قولُهُ: قَّدَ بإسلامِ المرتدِّ) أي: في قولِهِ: ((وإسلامُهُ)).
مطلبٌ في أنَّ الكفّارَ خمسةُ أصنافٍ وَ ما يُشتَرَطُ في إسلامِهم
[٢٠٢٩٩)] (قولُهُ: لأنَّ الكفَّارَ) أي: بكفرٍ أصليّ، والمرتدُّ كفرُهُ عارضٌ.
[٢٠٣٠٠) (قولُهُ: كالدُّهْرِيَّةِ) بضمِّ الدَّالِ(٢) نسبةً إلى ((الدَّهْرِ)) بفتحِها، سُمُّوا بذلكَ لقولِهم:
وما يُهلِكُنَا إلَّ الدَّهُرُ، "ح"(٤).
(٢٠٣٠١] (قولُهُ: كـ: التَّنويَّةِ) وهم المجوسُ القائلونَ بإلهينٍ أو كالمجوسِ كما في [٣/ ق ٦٠ /أ)
"(أنفعِ الوسائلِ"(٥)، ومقتضاهُ: أَنَّهم غيرُهُم وهو الَّذِي حقَّقَهُ "ابنُ كمال باشا" نقلاً عن "الآمديّ"،
معَ مشاركةِ الكلِّ في اعتقادِ أنَّ أَصلَ العالمِ النُّورُ والظُلمةُ، أي: النُّورُ المسمَّى ((يَزْدَان))، وشأنُهُ
خلقُ الخيرِ، والظُلمةُ المسمَّةُ (أَهْرَمَنْ))، وشأنُها خلقُ الشَّرِّ.
[٢٠٣٠٢) (قولُهُ: كـ: الفلاسفةِ) أي: قومٍ منهم كما في "النَّهر"(٦)، وإلاَّ فجمهورُ الفلاسفةِ
(قولُهُ: أو كالمجوسِ كما في "أنفع الوسائل") عبارةُ "أنفع الوسائل" عن "البدائع": ((وصِنْفٌ
منهم يُقرِّونَ بِالصَّانِعِ ويُنكِرونَ توحيدَهُ وهم الوثنيَّةُ والمجوسُ، وصِنْفٌ كالمجوسِ إلخ)).
(١) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب المرتد ٦٨٠/١ - ٦٨١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٠/٢.
(٣) نقول: والفتحُ أرجحُ، ولذا قدَّمه في "القاموس" مادة ((دهر)).
(٤) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/ب.
(٥) "أنفع الوسائل": مسألة إسلام الصبيّ العاقل وارتداده صحيح صـ ٦١ -.
(٦) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٦/أ.

حاشية ابن عابدين
٢٢
باب المرتد
ومَن يُنكِرُ الكُلَّ كـ: الوَثَنّةِ، ومَن يُقِرُّ بالكلِّ لكنْ يُنكِرُ عُمومَ رسالةِ المصطفىِ ◌ّ
كـ: العِيسويَّةِ، ..
يُثِتونَ الرُّسُلَ على أبلغِ وجهٍ لقولِهم بالإيجابِ. اهـ "ح"(١). أي: باللّومِ والتَّوليدِ لا بالاختيارِ؛
لإنكارِهم كونَهُ تعالى مختاراً، ويُنكِرونَ كونَها بنزولِ الَلَكِ من السَّماءِ وكثيراً فَمَا عُلِمَ بالضّرورةِ
٢٨٦/٣ مجيءُ الأنبياءِ بهِ كحَشْرِ الأجسادِ والجنَّةِ والنَّارِ.
والحاصلُ: أَنّهم وإنْ أثبتوا الرُّسَلَ لكنْ لا على الوجهِ الَّذي يُثِنُهُ أهلُ الإسلامِ كما ذكرَهُ في
"شرحِ المسايرة"(٢)، فصارَ إثباتُهم بمنزلةِ العدمِ، وعليهِ فَيَصِحُّ إطلاقُ "الشَّارِحِ"، تأمَّل.
(٢٠٣٠٣) (قولُهُ: كـ: الوثنيَّةِ) فيهِ: أنَّ الوثنيَّةَ لا يُنكِرُونَ الصَّنِعَ تعالى كما لا يخفى، "ح "(٣)، قالَ
في "شرح السِّيرِ"(٤): ((وعبدةُ الأوثانِ كانوا يُقِرُّونَ بِاللهِ تعالى، قالَ تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ
لَيَقُولُنَّاللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ولكنْ كانوا لا يُقِرُّونَ بالوحداتَّةِ، قالَ تعالى: ﴿إِذَاقِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّا
اٌللَّهُ يَسْتَكْبُونَ﴾ [الصافات: ٣٥])) اهـ. وهذا زادَهُ في "الدُّرر"(٥) على ما في "البدائع"(٦)، وتبعَهُ
"الشَّارِحٌ"، والظَّاهرُ: أنَّ صاحبَ "البدائع" أدخلَهُ فِي الَّنويَّةِ؛ لأنّهم جعلوا معَ اللهِ تعالى معبوداً ثانياً
وهو أصنامُهم، فهم مُنكِرِونَ للوحدانيَّةِ كالمجوسِ، وحكمُهم في الإسلامِ واحدٌ كما تعرفُهُ.
[٢٠٣٠٤] (قولُهُ: كـ: العِيْسَوَّةِ) هم قومٌ مِن اليهودِ يُنسَبونَ إلى "[أبي] عيسى الأصفهانيِّ"
اليهوديِّ(٧)، "ح"(٨).
(١) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/ب.
(٢) "المسامرة شرح المسايرة": بعثة الأنبياء جائزة صـ٢٢٢ -.
(٣) "ح": کتاب الجهاد - باب المرتد ق٢٦٥ /ب.
(٤) "شرح السيِّر الكبير": باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسَّبي ٢٢٦١/٥.
(٥) انظر "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصلٌ: وفي الفتاوى مَنْ يقرُّ بالتوحيد إلخ ٣٢٥/١.
(٦) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرِّمة للقتال إلخ ١٠٣/٧.
(٧) ما بين منكسرين من "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم ١٧٩/١ وقد تقدم التعريف بهذه الطائفة في ٤٧١/٢ فانظره.
(٨) "ح": کتاب الجهاد - باب المرتد ق٢٦٥/ب.

الجزء الثالث عشر
٢٣
باب المرتد
فُكتَفَى في(١) الأوّلَين بقولٍ: لا إلهَ إلَّ اللهُ).
قلتُ: وعبارةُ "البدائعِ"(٢): ((وصِنْفٌ منهم يُقِرُّونَ بِالصَّانِعِ وتوحيدِهِ والرِّسالةِ في الجملةِ، لكنّهم
يُنْكِرِونَ عمومَ رسالةِ رسولِنا {﴿، وهم اليهودُ والنَّصارى))، قالَ في "النّهر" (٣): ((وليسَ المرادُ كلَّ
النَّصارى بل طائفةٌ منهم في العراقِ يُقالُ لهم: العِيْسَويَّةُ، صَرَّحَ بذلكَ في "المحيط" و"الخانَّة(٤)) اهـ.
[٢٠٣٠٥) (قولُهُ: فَيُكْتَفَى فِي الأوَّلينِ إلخ) عبارةُ "البدائع"(٥): ((فإنْ كانَ مِن الصِّفِ الأوَّلِ أو
الثَّاني فقالَ: لا إلهَ إلاَّ اللهُ يُحكَمُ بإسلامِهِ؛ لأنَّ هؤلاءِ يمتنعونَ عن الشَّهادةِ أصلاً، فإذا أَقُرُّوا بها كانَ
ذلكَ دليلَ إِيمانِهم، وكذلكَ إذا قالَ: أشهدُ أنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ؛ لأَنَّهم يمتنعونَ عن كلِّ واحدةٍ مِن
كلمَتَي الشَّهادةِ، فكانَ الإتيانُ بواحدةٍ منهما - أَيْتَهما كانَت - دلالةَ الإِيمانِ)) اهـ. أي: ويلزمُ من
الإِيمان بإحداهما الإِيمانُ بالأُخرى، وهذا صريحٌ في أنَّ الَّنويَّةَ يُنْكِرِونَ الرِّسالةَ فهم كالوثنيَّةِ، فَيُكْنَفَى
في الكلِّ بإحدى الكلمتَينِ، وبه صَرَّحَ في "أنتفع الوسائل"(٦) فقالَ: ((إنَّ عبدةَ الأوثانِ والّيرانِ
والمشركَ في الرُّبويّةِ والْمُنكِرَ للوحدانيَّةِ كالشّوَّةِ، إذا قالَ الواحدُ منهم: لا إلهَ إلاَّ اللهُ يُحكَمُ بإسلامِهِ،
وكذا لو قالَ: أشهدُ أنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ، أو قالَ: أسلمْنا أو: آمَّا باللهِ)) اهـ. وذَكَرَ قبَلَهُ(٧)
عن "المحيط "(٨): ((أَنَّ الكافرَ إذا أقرَّ بخلافِ ما اعتقدَ يُحكَمُ بإسلامِهِ)) ونحوُهُ في "شرح السِّيرِ
(١) في "و": ((من)).
(٢) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرِّمة للقتال - مطلب في أحد الأنواع الثلاثة إلخ ١٠٣/٧.
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق٣٣٦/أ بتصرف.
(٤) "الخانية": كتاب السِّير - باب ما يكون إسلاماً من الكافر وما لا يكون ٥٦٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البدائع": كتاب السِّير - فصل: وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرِّمة للقتال إلخ ١٠٣/٧، وعبارته: ((من
الصنف الأول والثاني)).
(٦) "أنفع الوسائل": مسألة إسلام الصبيِّ العاقل وارتداده صحيح صـ٦٥ -.
(٧) "أنفع الوسائل": مسألة إسلام الصبيِّ العاقل وارتداده صحيح صـ ٦١ -.
(٨) "المحيط البرهاني": كتاب السِّير - الفصل الرابع في بيان ما ينتهي به الأمر بالقتال ١/ق ٤٥٦/ب.

حاشية ابن عابدين
٢٤
باب المرتد
وفي الثّالثِ بقولِ: محمَّدٌ رسولُ الله، وفي الرَّابِعِ بأحدِهِما،.
الكبيرِ"(١)، وبه عُلِمَ أنَّ ما في "شرح المسايرةِ"(٢) لـ "ابنِ أبِي شريفِ الشَّافعيّ": ((مِن أَنَّه يُكَتَفَى في
الَّنويِّ والوثنيِّ بالشَّهادتينِ بدونِ تبرِّي)) فهو على مذهبِهِ، أو المرادُ به إحداهُما، فافهم.
[٠٣٠٦ ٢] (قولُهُ: وفي النَّالثِ بقولٍ: محمَّدٌ رسولُ اللَّهِ) فلو قالَ: لا إلهَ إلَّ اللهُ لا يُحكَمُ
إسلامِهِ؛ لأَنَّه مُنكِرٌّ الرسالةَ ولا يمتنعُ عن هذهِ المقالةِ، ولو قالَ: أشهدُ أنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ يُحكَمُ
بإسلامِهِ؛ لأَنَّه يمتنعُ عن هذهِ الشَّهادةِ، فكانَ الإقرارُ بها دليلَ الإِيمانِ، "بدائع"(٣)، ومقتضاهُ: أنَّ
الإتيانَ بالثّانيةِ يكفيهِ؛ لأنَّ المدارَ على الإقرارِ بخلافِ معتقدِهِ.
[٢٠٣٠٧] (قولُهُ: وفي الرَّابعِ بأحدِهما) علَّهُ في "الدّرر "(٤): ((بأنّه مُنكِرٌ للأمرينِ جميعاً فبأيّهما
شَهِدَ دَخَلَ في دينِ الإسلامِ)) اهـ. وهذا التَّعليلُ موافقٌ لِما قدَّمناهُ(٥) عن "البدائع"، وبه صَرَّحَ أيضاً
في "شرح السِّيرِ الكبيرِ"(٦)، وزادَ(٦): ((أَنَّه لو قالَ: أنا مسلمٌ فهو مسلمٌ؛ لأنَّ عبدةَ الأوثانِ لا
يدَّعونَ هذا الوصفَ لأنفسِهم، بل بيرؤونَ على قصدِ المغاَيَظَةِ للمسلمينَ))(٧)، وكذا لو قالَ: أنا
على دينٍ محمَّدٍ أو على الحنيفيَّةِ أو على دينِ الإسلامِ، وقد علمتَ أنَّ هذا الرَّابعَ داخلٌ في الأوَّلينِ،
والحكمُ في الكلِّ [٣/ق٦٠/ب] واحدٌ وهو الاكتفاءُ بأحدِ اللَّفظينِ عن الآخرِ، وأنَّ ما مرَّ(٨) عن "شرح
المسايرة" لا يدفعُ المنقولَ عندَنا، فافهم.
(١) "شرح السِّير الكبير": باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسَّبي ٢٢٦١/٥.
(٢) "المسامرة شرح المسايرة": بحث الإيمان ــ هل يشترط في الإيمان التبري من كل دين يخالف دين الإسلام صـ ٣٦٤ -.
(٣) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأمّا بيان ما يعترض من الأسباب المحرِّمة للقتال إلخ ١٠٣/٧.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل: وفي الفتاوى من يقرُّ بالتوحيد إلخ ٣٢٥/١.
(٥) المقولة [٢٠٣٠٥] قوله: ((فيكتفى في الأولين إلخ)).
(٦) "شرح السِّير الكبير": باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسَّبي ٢٢٦٦/٥ - ٢٢٦٧ بتصرف.
(٧) في "شرح السير الكبير": ((المعايرة)) بدل ((المغايظة)).
(٨) المقولة [٢٠٣٠٥] قوله: ((فيكتفى في الأولين إلخ)).

الجزء الثالث عشر
٢٥
باب المرتد
وفي الخامسِ بهما مع التّبرِّي عن كلِّ دِينٍ يُخالِفُ دِينَ الإِسلامِ، "بدائع" وآخِرُ كراهيةِ
"الدرر" (١)، وحينئذٍ ...
مبحثٌ في اشتراطِ الَبرِّي معَ الإتيانِ بِالشَّهَادَتِينِ
[٢٠٣٠٨) (قولُهُ: وفي الخامسِ بهما معَ الَّرِّي إلخ) ذَكَرَ "ابنُ الهمام" في "المسايرة"(٢): ((أَنَّ
اشتراطَ الَبِّي لإجراءِ أحكامِ الإسلامِ عليهِ لا لثبوتِ الإِيمانِ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى، فإِنَّه لو اعتقدَ
عمومَ الرِّسالةِ وتشهَّدَ فقط كانَ مؤمناً عندَ اللهِ تعالى)) اهـ. ثُمَّ إِنَّ الَّذي في "البدائع"(٣): ((لو أَتَّى
بالشَّهادتينِ لا يُحكَمُ بإسلامِهِ حَتَّى يتبرّأَ عن الدِّينِ الَّذي هو عليهِ))، وزادَ في "المحيط ": ((لا يكونُ
مسلماً حَتَّى يتبرَأَ مِن دِينِهِ معَ ذلكَ وَيُقِرَّ أَنَّ دَخَلَ في الإسلامِ؛ لأَنَّه يُحتمَلُ أَنَّه تبرَّأَ مِن اليهودِيَّةِ
ودَخَلَ في النّصرانيَّةِ، فإذا قالَ معَ ذلكَ: ودخلْتُ في الإسلامِ يزولُ هذا الاحتمالُ، وقالَ بعضُ
مشايخنا: إذا قالَ: دخلتُ في الإسلامِ يُحكَمُ بإسلامِهِ وإنْ لم يتبرَّأُ مَما كانَ عليهِ؛ لأَنَّه يَدُلُّ على
دخولٍ حادثٍ منه في الإسلامِ)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح السِّيرِ الكبيرِ" (٤).
قلتُ: اشتراطُ قولِهِ: ((ودخلتُ في دينِ الإسلامِ)) ظاهرٌ فيما إذا تبرََّ من دينِهِ فقط، أمَّا إذا
تبرَّأ من كلِّ دينٍ يُخَالِفُ دينَ الإِسلامِ فلا يُحتاجُ إليهِ؛ لعدمِ الاحتمالِ المذكورِ، فلذا لم يذكرْهُ
"الشَّارِحُ" معَ صيغةِ الَّرِّي الَّتي ذكرَها، والظَّاهرُ: أَنَّه لو ◌َتَى بالشَّهادتينِ وصَرَّحَ بتعميمِ الرِّسالةِ إلى
بني إسرائيلَ وغيرِهم، أو قالَ: وأشهدُ أنَّ محمَّدً رسولُ اللهِ إلى كافَّةِ الخلقِ الإِنسِ والجنِّ يكفي عن
الَّرِّي أيضاً كما صرَّحَ بِهِ الشَّافِعَّةُ.
(تنبيةٌ)
قالَ في "الفتح"(٥): ((إِنَّ اشتراطَ الَّرِّي إِنَّا هو فيمَن بينَ أظهرِنا منهم، وأمَّا مَن في دارِ الحربِ
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل: وفي الفتاوى من يقرُّ بالتوحيد إلخ ٣٢٥/١.
(٢) انظر "المسامرة بشرح المسايرة": هل يشترط في الإيمان التبري من كل دين يخالف دين الإسلام صـ٣٦١- فما بعدها بتصرف.
(٣) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرِّمة للقتال إلخ ١٠٣/٧.
(٤) "شرح السِّير الكبير": باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسَّبي ٢٢٦١/٥-٢٢٦٢.
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥.

حاشية ابن عابدين
٢٦
باب المرتد
فُيُستَفْسَرُ مَن جُهِلَ حالُهُ، بل عَمَّم في "الدُّرر" اشتراطَ التَّبْرِّي من (١) كلِّ يهوديّ
ونَصرانِيٌّ، ومثلُهُ في "فتاوى المُصنّفِ" و"ابنِ نُجِيمٍ"(٢) وغيرِهِما، وفي رَهنِ "فتاوى قارئٍ
الهداية "(٣): ((كذا أَفتى عُلماؤُنا، والذي أُفِي به صحَُّهُ بِالشَّهَادَتَين بلا تَبرِّي؛
لو حَمَلَ عليهِ مسلمٌ فقالَ: محمَّدٌ رسولُ اللهِ فهو مسلمٌ، أو قالَ: دخلتُ في دينِ الإسلامِ أو دينٍ
محمَّدٍ لَ﴿ فهو دليلُ إسلامِهِ، فكيفَ إذا أَتَى بِالشَّهادتينِ؟! لأنَّ في ذلكِ الوقتِ ضِيْقً، وقولُهُ هذا إِنَّا
أرادَ به الإِسلامَ الّذي يَدفَعُ عنه القتلَ الحاضرَ، فُيُحمَلُ عليهِ ويُحكَمُ بهِ بمجرَّدِ ذلكَ)) اهـ.
٢٨٧/٣
قلتُ: وإنَّا اكتَفَى عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالشَّهادتينِ؛ لأنَّ أهلَ زمنِهِ كانوا مُنْكِرِينَ لرسالتِهِ
أصلاً كما يأتي (٤)، ثمَّ اعلمْ أنَّه يُؤخَذُ مِن مسألةِ العِيْسويِّ أنَّ مَن كانَ كفرُهُ بإنكارِ أمرٍ ضروريّ
كحرمةِ الخمرِ مثلاً أنَّه لا بدَّ مِن تبرُِّهِ مَا كانَ يعتقدُهُ؛ لأَنَّه كانَ يُقِرُّ بِالشَّهادتينِ معَهُ فلا بدَّ من
تبرِّيْهِ منه كما صرَّحَ به الشَّافعيّةُ، وهو ظاهرٌ.
[٢٠٣٠٩) (قولُ: فُسْتَفْسَرُ مَنْ جُهِلَ حالُهُ) ذَكَرَ ذلكَ في "النّهر" بعدَ أنْ ذَكَرَ أَنَّه ليسَ كلُّاليهودِ
والنَّصارى كذلكَ بل طائفةٌ منهم يُقالُ لهم: العِيْسويَّةُ، فقال(٥): ((وعلى هذا فينبغي أنْ يُستَفْسَرَ الآتي
بالشَّهادتينِ منهم إنْ جُهِلَ حالُهُ)) اهـ. أي: فإنِ ادَّعى أنَّه عِيْسويٌّ يَعتقِدُ تخصيصَ الرِّسالةِ بغيرِ بني
إسرائيلَ لا يَصِحُّ إسلامُهُ إلَّ بالنِّبْرِّي، وإن ادَّعى أنَّه يُنكِرُها مطلقاً اكُنُفِيَ بالشَّهادتينِ، فافهم.
[٠٣١٠ ٢)] (قولُهُ: بل عمَّمَ في "الدُّر"(٦) إلخ) في "البحر"(٧) أوَّلَ الجهادِ عن "الذَّخيرة": ((أمَّا
اليهودُ والَنَّصارى فكانَ إسلامُهم في زمنِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالشَّهادتينِ؛ لأنّهم كانوا يُنكِرونَ
رسالتَهُ لَ﴿ّ، وأمَّا اليومَ ببلادِ العراقِ فلا يُحكَمُ بإسلامِهِ بهما ما لم يقلْ: تبرَّأْتُ عن ديني ودخلتُ
(١) في "د" و"و": ((في)).
(٢) "فتاوى ابن نجيم": كتاب السِّير صـ٨٢ -٨٣ - (هامش "الفتاوى الغيائية").
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": صـ ١٠٨ - المسألة رقم (٢٤٥).
(٤) المقولة [٢٠٣١٠] قوله: ((بل عمَّم في "الدرر" إلخ)).
(٥) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٦/أ.
(٦) "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل: وفي الفتاوى من يقرُّ بالتوحيد إلخ ٣٢٥/١.
(٧) "البحر": كتاب السِّير ٨٠/٥ بتصرف.

الجزء الثالث عشر
٢٧
باب المرتد
في دينِ الإسلامِ؛ لأَنَّهم يقولون: إنَّه رسولٌ إلى العربِ والعجمِ لا إلى بني إسرائيلَ، كذا صَرَّحٌ بهِ
"محمَّدٌ)(١)) اهـ. وفي "شرح السِّيرِ" لـ "السَّرْخسيِّ"(٢): ((وأمَّا اليهودُ والنّصارى اليومَ بينَ ظهراني
المسلمينَ إذا أَتَّى واحدٌ منهم بالشَّهادتينِ لا يكونُ مسلماً؛ لأَنَّهم جميعاً يقولونَ هذا، ليسَ مِن
نصرانيٌّ ولا يهوديِّ عندَنا نسألُهُ إلاَّ قالَ هذهِ الكلمةَ، فإذا استفسرتَهُ قالَ: رسولُ اللهِ إليكم لا إلى
بني إسرائيلَ))، ثمَّ قالَ(٣): ((ولو قالَ: أنا مسلمٌ [٣/ق ٦١/أ] لم يكنْ مسلماً بهذا؛ لأنَّ كلَّ فريقٍ
يدَّعي ذلكَ لنفسِهِ، فالمسلمُ هو المستسلمُ للحقِّ، وكلُّ ذي دينٍ يدَّعي أَنَّه مُنقادٌ للحقِّ، وكانَّ
شيخُنَا الإِمامُ يقولُ: إلَّ المجوسَ في ديارِنا فإنَّ مَّن يقولُ منهم: أنا مسلمٌ يصيرُ مسلماً؛ لأَنَّهم يأَبُونَ
هذهِ الصِّفَةَ لأنفسِهم، ويسبُّونَ بِهِ أولادَهم، ويقولونَ: يا مسلمانِ)) اهـ.
قلتُ: وما عزاهُ إلى شيخِهِ - يعني: "الإِمامَ الحَلْوانِيَّ" - جَزَمَ به في محلِّ آخرَ، وقدَّمنا (٤) عنهُ قريباً
في الوثنيِّ أَنَّه يصيرُ مسلماً بقولِهِ: أنا مسلمٌ، أو على دينٍ محمَّدٍ أو الحنيفَّةِ أو الإِسلامِ، فعلى هذا يُقالُ
كذلكَ في اليهودِ والنَّصارى في بلادِنا، فإنّهم يمتنعونَ مِن قولِ: أنا مسلمٌ، حَتَّى إنَّ أحدَهم إذا أرادَ
منعَ نفسِهِ عن أمرٍ يقولُ: إنْ فعلتُهُ أكونُ مسلماً، فإذا قالَ: أنا مسلمٌ طائعاً فهو دليلُ إسلامِهِ وإنْ لم
يُسمَعْ منه النّطقُ بالشَّهادتينِ كما صَرَّحَ به في "شرح السِّيرِ"(٥) فيمَن صلَّى بجماعةٍ فإنَّه يُحكَمُ
بإسلامِهِ، وبأنَّه يُحكَمُ بالإِسلامِ بمجرَّدٍ سيما المسلمينَ في حقِّ الصَّلاةِ عليه إذا ماتَ، وكذا يمتنعونَ
من النُّطقِ بالشَّهادتينِ أشدَّ الامتناعِ، فإذا أَتَى بهما طائعاً يَجِبُ الحكمُ بإسلامِهِ؛ لأَنَّه فوقَ السِّيما؛ إذ
لا شكَّ أَنَّ "محمَّدً" إنَّا اشترطَ الَبرِّيَ بناءً على ما كانَ في زمنِهِ من إقرارِهِم بِالرِّسالةِ على خلافٍ ما
كانَ في زمنِ الِّّ ﴿ مِن إنكارِها، فإذا أنكروها في زماننا وامتنعوا من النَّطقِ بالشَّهادتينِ يَجِبُ
أنْ يرجعَ الأمرُ إلى ما كانَ في زمنِ ﴿، إذا لم يبقَ وجهٌ للعدولِ عنه، على أنَّ "محمَّدً" إِنَّ حَمَ
(١) "شرح السِّير الكبير": باب الإسلام ١٥١/١.
(٢) "شرح السِّير الكبير": باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسَّبي ٢٢٦٥/٥.
(٣) "شرح السِّير الكبير": باب ما يكون الرجل به مسلماً يدرأ عنه القتل والسَّبي ٢٢٦٦/٥.
(٤) المقولة [٢٠٣٠٧] قوله: ((وفي الرابع بأحدهما)).
(٥) "شرح السِّير الكبير": باب الإسلام ١٥٢/١-١٥٤-١٥٥.

حاشية ابن عابدين
٢٨
باب المرتد
لأنَّ التِّفُّظَ بها (١) صارَ علامةً على الإِسلامِ، فيُقْتَلُ إِنْ رَجَعَ مالم يَعُد)). (و) اعلم أنَّه ...
على ما كانَ في بلادِ العراق، لا مطلقاً كما يوهمُهُ ما في "الدُّرر"(٢)، وعن هذا ذَكَرَ العلاّمةُ "قاسم":
أَنَّه سُئِلَ عن سامريِّ أتى بالشَّهادتينِ ثُمَّ رَجَعَ، فأجابَ بما حاصلُهُ: أَنَّه يُنظَرُّ في اعتقادِهِ، فإنّهم ذكروا
أنَّ بعضَ اليهودِ يُخصِّصُ رسالةَ نبِّنَا وَ﴿ّ بِالعربِ، وهذا لا يكفيهِ مجرَّدُ الشَّهادتينِ، بخلافٍ مَن ينكرُ
الرِّسالةَ أصلاً، وبعضُ مَن أعمى اللهُ قلبَهُ جعلَهم فرقةً واحدةً في جميعِ البلادِ، حَتَّى حَكَمَ في نصرانيّ
مُنكِرٍ للرِّسالةِ تلفَّظَ بالشَّهادتينِ ببقائِهِ على النّصرانيَّةِ؛ لأَنّه لم يتبرًا. اهـ ملخصاً.
والحاصلُ: أنَّ الَّذي يجبُ النَّعويلُ عليه أنّه إنْ جُهِلَ حالُهُ يُستفسرُ عنهُ، وإنْ عُلِمَ - كما في
زمانِنا - فالأمرُ ظاهرٌ، وهذا وجهُ ما يأتي(٣) عن "قارئ الهداية".
[٢٠٣١١) (قولُهُ: لأنَّ النَّفُّظَ بها صارَ علامةً(٤) على الإسلامِ إلخ) أفادَ بقولِهِ: ((صارَ)) إلى أنَّ
ما كانَ في زمنِ الإِمامِ "محمَّدٍ" تغيَّرَ؛ لأنَّهم في زمنِهِ ما كانوا يمتعونَ عن النّطْقِ بها، فلم تكنْ علامةَ
الإسلامِ، فلذا شَرَطَ معَها التَّرِّي، أمَّ في زمنٍ "قارئ الهداية" فقد صارَت علامةَ الإسلامِ؛ لأنَّه
لا يأتي بها إلاَّ المسلمُ كما في زمانِنا هذا، ولذا نَقَلَ في "البحر "(*) أوَّلَ كتابِ الجهادِ كلامَ "قارئ
الهداية" ثُمَّ أعقبَهُ بقولِهِ: ((وهذا يَجِبُ المصيرُ إليه في ديارِ مصرَ بالقاهرةِ؛ لأَنَّه لا يُسمَعُ من أهلِ
الكتابِ فيها الشَّهادتانِ، ولذا قَّدَهُ "محمَّدٌ" بالعراقِ)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح العلاَّمةِ المقدسيِّ"، ونَقَلَ
أيضاً في "الدُّرِّ المنتقى" (٦) كلامَ "قارئ الهداية"، ثمَّ قالَ: ((وبه أفتى "أحمدُ بنُ كمال باشا"، وفي
"شرح الملتقى"(٧) لـ "عبد الرَّحمن أفنديّ داماد": وأفتى البعضُ في ديارِنا بإسلامِهِ من غيرِ تبرُ وهو
المعمولُ به اهـ، فليحفظْ)) اهـ وقد أسمعناكَ آنفاً ما فيه الكفايةُ.
(١) في "د" و"و" و"ط": ((بهما)).
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل: وفي الفتاوى من يقرُّ بالتوحيد إلخ ٣٢٥/١.
(٣) في المقولة الآتية.
(٤) في "ك": ((عامة)) وهو تحريف.
(٥) "البحر": كتاب السِّير ٨٠/٥ -٨١.
(٦) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب المرتد ٦٨١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٧) "مجمع الأنهر": كتاب السِّير - باب المرتد ٦٨٩/١.

الجزء الثالث عشر
٢٩
باب المرتد
(لا يُفتَى بكفرٍ (١) مُسلمٍ أمكنَ حَمْلُ كلامِهِ على مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أو كان في كُفرِهِ
خلافٌ ولو) كان ذلكَ.
مطلبٌ: الإِسلامُ يكونُ بالفعلِ كالصَّلاةِ بجماعةٍ
(خاتمةٌ)
اعلمْ أنَّ الإِسلامَ يكونُ بالفعلِ أيضاً كالصَّلاةِ بجماعةٍ، أو الإقرارِ بها، أو الأذانِ في بعضِ
المساجدِ، أو الحجِ وشهودِ المناسكِ، لا الصَّلاةِ وحدَهُ ومحرَّدِ الإحرامِ، "بحر "(٢)، وقدَّمَ (٣) "الشَّارِحُ"
ذلكَ نظماً في أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ، وقدَّمنا الكلامَ عليهِ مستوفَّى، وذكرنا هناكَ أَنَّه لا فرقَ في
٢٨٨/٣ الإسلامِ بالفعلِ بينَ العِيْسويِّ وغيرِهِ، والمرادُ: أَنَّه دليلُ الإسلامِ فُحكّمُ على فاعلِ ذلكَ بهِ،
وإلاَّ فحقيقةُ الإسلامِ المنحِيّةِ في الآخرةِ لا بدَّ فيها من التّصديقِ الجازمِ معَ الإقرارِ بِالشَّهادتينِ
أو بدونِهِ على الخلافِ المارِ (٤).
[٠٣١٢ ٢)] (قولُهُ: لا يُفتَى بِكُفْرِ مسلمٍ أمكنَ حَمْلُ كلامِهِ على مَحْمَلٍ حَسَنٍ) ظاهرُهُ: أَنَّه
لا يُفْتَى به مِن حيثُ استحقاقُهُ للقتلِ، ولا من حيثُ الحكمُ ببينونةِ زوجتِهِ، وقد يُقالُ: المرادُ الأَوَّلُ
فقط؛ لأنَّ تأويلَ كلامِهِ للتّباعدِ عن قتلِ المسلمِ بأنْ يكونَ قَصَدَ ذلكَ الَّأويلَ، وهذا لا يُنافِي
معاملتَهُ بظاهرٍ كلامِهِ فيما هو حقُّ العبدِ، وهو طلاقُ الزَّوجةِ ومِلْكُها لنفسِها، بدليلٍ ما صرَّحوا به
مِن أَنَّه إذا أرادَ أنْ يتكلّمَ بكلمةٍ مُباحةٍ فجَرَى على لسانِهِ كلمةُ الكفرِ خطأً بلا قصدٍ لا يُصدَّقُهُ
القاضي وإنْ كانَ لا يَكْفُرُ فيما بينَهُ وبِينَ ربِّهِ تعالى، فتأمَّلْ ذلكَ وحرِّرهُ نقلاً، فإنّي لم أرَ النَّصريحَ
بهِ، نعم سيذكرُ(٥) "الشَّارحُ" أنَّ ما يكونُ كفراً اتّفاقاً يُبطِلُ العملَ والنِّكَاحَ [٣ ق٦١ /ب]، وما فيهِ
خلافٌ يُؤمَرُ بالاستغفارِ والتَّوبةِ وتحديدِ النّكاحِ اهـ.
(١) في "و": ((بتكفير)).
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٩/٥.
(٣) ٤٧٤/٢ وما بعدها "در".
(٤) في هذه المقولة.
(٥) صـ ٨٦ - "در".

حاشية ابن عابدين
٣٠
باب المرتد
(روايةً ضعيفةً) كما حرَّرَهُ في "البحر"، وعزاه في "الأشباهِ"(١) إلى "الصُّغْرى"، .....
مطلبٌ في حكمٍ مَن شتمَ دينَ مسلمٍ
وظاهرُهُ: أَنَّه أمرُ احتياطٍ، ثُمَّ إنَّ مُقْتَضى كلامِهم أيضاً: أنَّ لاَ يُكَفَرُ بشتمٍ دينِ مسلمٍ أي:
لا يُحكَمُ بكفرِهِ لإمكانِ النَّأَوِيلِ، ثُمَّ رأيتُهُ في "جامع الفصولَين" (٢) حيثُ قالَ بعدَ كلامٍ: ((أقولُ:
وعلى هذا ينبغي أنْ يُكَفَرَ مَنْ شَتَمَ دينَ مسلمٍ، ولكنْ يُمكِنُ الَّأويلُ بأنَّ مُرادَهُ أخلاقُهُ الرَّدينةُ
ومعاملتُهُ القبيحةُ لا حقيقةُ دينِ الإسلامِ، فينبغي أنْ لا يُكَفَرَ حينئذٍ، والله تعالى أعلمُ)) اهـ. وأقرَّهُ
في "نور العين"، ومفهومُهُ: أَنَّه لا يُحكَمُ بفسخِ النكاحِ، وفيهِ البحثُ الَّذي قلناهُ، وأمَّا أمرُهُ بتحديدٍ
النّكاحِ فهو لا شكَّ فيهِ احتياطاً، خصوصاً في حقِّ الهَمَجِ الأرذالِ الَّذِينَ يَشْتِمونَ بهذهِ الكلمةِ،
فإِنَّهم لا يَخْطُرُ على بالِهِم هذا المعنى أصلاً، وقد سُئِلَ في "الخيرية"(٣) عمَّن قالَ لهُ الحاكمُ: إِرْضَ
بالشَّرعِ، فقالَ: لا أقبلُ، فأفَتَى مُفْتٍ بأَنَّه كَفَرَ وبانَت زوجتُهُ، فهل يثبتُ كفرُهُ بذلكَ؟ فأجابَ:
بأنّه لا ينبغي للعالمِ أنْ يُادِرَ بتكفيرِ أهلِ الإسلامِ إلى آخرِ ما حرَّرَهُ في "البحر "(٤)، وأجابَ قبَلَهُ في
مثلِهِ بوجوبِ تعزیرِهِ وعقوبتِهِ.
(٢٠٣١٣) (قولُهُ: ولو روايةً ضعيفةً) قالَ "الخير الرَّمليُّ": ((أقولُ: ولو كانَت الرِّوايةُ لغيرِ أهلِ
مذهبنا، ويَدلُّ على ذلكَ اشتراطُ كونِ ما يُوجِبُ الكفرَ مُحمَعاً عليهِ)) اهـ.
[٢٠٣١٤] (قولُهُ: كما حرَّرَهُ في "البحر") قدَّمنا(٥) عبارتَهُ قبيلَ قولِهِ: ((وشرائطُ صحَّتِها)).
(قولُهُ: قالَ "الخير الرَّمليُّ": أقولُ: ولو كانَت الرِّوايةُ لغيرِ أهلِ مذهبنا إلخ) وقد صَرَّحَ "الحَمَويُّ"
بأَنَّها لو كانَت تلكَ الرِّوايةُ لغيرِ مذهبِنا وَجَبَ على المُفِي الميلُ إليها، وتبعَهُ "أبو السُّعود" و"الخير
الرَّمليُّ"، ويَدُلُّ على ذلكَ اشتراطُ كونِ ما يُوجِبُ الكفرَ مُجمَعاً عليه. اهـ "سنديّ".
(١) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب السِّير صـ٢١٩ -.
(٢) "جامع الفصولين": الفصل الثامن والثلاثون في مسائل كلمات الكفر ٣١٦/٢ بتصرف.
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير - باب المرتدين ١٠٦/١ باختصار.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٤/٥.
(٥) المقولة [٢٠٢٧٣] قوله: ((قال في "البحر" إلخ)).

الجزء الثالث عشر
٣١
باب المرتد
وفي "الدرر"(١) وغيرِها: ((إذا كان في المسألةِ وُجوةٌ تُوجِبُ الكُفرَ وواحِدٌ يَمنعُهُ
فعلى المُفِي الَيلُ لِما يَمنعُهُ، ثمَّ لو ◌ُِّه ذلك فمُسلمٌ، وإلاّ لم يَنفعهُ حَمْلُ الْمُفِتِي
على خِلافِه، وينبغي التَّعوُّذُ بهذا الدُّعاءِ صباحاً ومساءً؛ فإنَّه سببُ العِصْمةِ
من الكُفرِ بوَعدِ الصَّادِقِ الأمينِ وَ﴿َ: (( اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من أنْ أُشرِكَ بك شيئاً
وأنا أعلمُ، وأَستغفرُكَ لِما لا أَعلمُ، إِنَّك أنت علَّمُ الغُيوبِ))،
[٢٠٣١٥) (قولُهُ: وجوهٌ) أي: احتمالاتٌ لِما مرَّ(٢) في عبارةِ "البحر" عن "الَّار خانيَّة": أنَّه
لا يُكَفَرُ بِالْمُخْتَمِلِ.
[٢٠٣١٦) (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ لم تكنْ نَيُّهُ ذلكَ الوجهَ الَّذِي يَمَنَعُ الكفرَ، بأنْ أرادَ الوجهَ
المُكفَّ، أو لم تكنْ له نَيَّةٌ أصلاً لم ينفعْهُ تأويلُ المُفْتِي لكلامِهِ وحَمَلُهُ إِيَّاهُ على المعنى الَّذي لا يُكَفِّرُ،
كما لو شتّمَ دينَ مسلمٍ وحَمَلَ الْمُفِي الدِّينَ على الأخلاقِ الرَّدينةِ لنفىِ القتلِ عنه، فلا ينفعُهُ ذلكَ
الَّأويلُ فيما بينَهُ وبينَ رَبِّهِ تعالى إلاَّ إذا نواهُ.
[٢٠٣١٧) (قولُهُ: وينبغي التَّعوُّذُ بهذا الدُّعاءِ صباحاً ومساءً) تدخلُ أورادُ الصَّباحِ من نصفِ
اللّيلِ الأخيرِ والمساءِ من الزَّوالِ، هذا فيما عَبَّرَ فيه بهما، وأمَّا إذا عَبَّرَ باليومِ وَاللّيلةِ فُيُعْتَبَرانِ تحديداً
من أَوَّلِهما، فلو قَدَّمَ المأمورَ بهِ فيهما عليهِ لا يحصُلُ له الموعودُ به، أفادَهُ بعضُ مَن كَتَبَ على
"الجامع الصَّغير" لـ "السُّيوطيِّ)، "ط)" (٣).
قلتُ: ولم أرَ في الحديثِ ذِكْرَ ((صباحاً ومساءً))، بل فيه ذِكْرُ ((ثلاثاً) كما في "الزَّواجر"(٤)
عن "الحكيم الترمذيّ": ((أفلا أدُلُّكَ على ما يُذهِبُ اللهُ بهِ عنكَ صِغارَ الشِّركِ وكِبَارَهُ؟ تقولُ كلَّ
يومٍ ثلاثَ مرَّاتٍ: اللهمَّ إِنّي أعوذُ بكَ أنْ أُشْرِكَ بكَ شيئاً وأنا أعلمُ وأستغفرُكَ لِما لا أعلمُ)) (٥).
(١) "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل في تعليم صفة الإيمان للناس ٣٢٤/١.
(٢) المقولة [٢٠٢٧٣] قوله: ((قال في "البحر" إلخ)).
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨١/٢.
(٤) "الزواجر": الباب الأول في الكبائر الباطنة وما يتبعها ٤٦/١.
(٥) أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٧١٦) عن عبد الواحد حدثنا ليث أخبرني رجل من أهل البصرة سمعت مَعْقِل بن
يسار يقول: انطلقت مع أبي بكر الصِدِّيق إلى النبي ◌ُ ﴿ فقال: ((يا أبا بكر الشّركُ فيكم أخفى من دبيب النَّمل))، =

حاشية ابن عابدين
٣٢
باب المرتد
= فقال أبو بكر: وهل الشِّركُ إلا مَنْ جعل مع الله إلهاً آخر؟، قال النبي ◌ُ ◌ّ: ((والذي نفسي بيده للشِّركُ أخفى من دبيب
النمل، ألا أدُلّكَ على شيءٍ إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيرُه؟ قل: اللهمَّ إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما
لا أعلم))، وأخرجه إسحاق بن راهويه كما في "المطالب" المسندة (٣٢٢٩) أخبرنا جرير عن ليث عمن حدَّته عن مَعقِل
به، وأخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" - الأصل - (٢٧٤)، وأبو بكر المروزي في "مسند أبي بكر" (١٨)
والرافعي في "التدوين في أخبار قروين"١٨٢/١ عن جرير عن ليث عن شيخ من عنزة عن مَعقِل به، قال الدارقطني في
"العلل" ١٩٢/١: وقال عبد الوارث بن سعيد عن ليث حدثني صاحب لي عن مَعقِل به، وقال أبو إسحاق الفزاري وأبو
جعفر الرازي، عن ليث عن رجل غيرَ مسمَّى عن مَعقِل به. أخرجه ابن بطّة في "الإبانة" عن أبي جعفر عن ليث عن مَعقِّل
به، وخالفهم عبد العزيز بن مسلم القَسْمَلي، فرواه عن ليث عن أبي محمد عن معقل به، أخرجه أبو يعلى (٥٩) و(٦٠)
و(٦١) عن عمرو بن الحصين [متروك] وروح بن أسلم وفهد، كلهم عن عبد العزيز به. وأخرجه الحكيم الترمذي في
"نوادر الأصول" - الأصل - (٢٧٤) عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن جريج قال : بلغني عن أبي بكر، فذكره.
ورواه هشام بن يوسف عن ابن جريج عن ليث عن أبي محمد - شيخ له - عن حذيفة بن اليمان عن أبي
بكر به، أخرجه أبو يعلى (٥٨) عن إسحاق بن إبراهيم ابن أبي إسرائيل عن هشام به، إلا أنّ ابن السني أخرجه
في "عمل اليوم والليلة" (٢٨٦) عن أبي يعلى عن إسحاق، وعن أبي بكر النيسابوري، حدثنا أبو يوسف القلوسي
قالا: حدثنا علي بن بحر، حدثني هشام، عن ابن جريج، عن ليثعن أبي مجلزعن حذيفة به، وهذا فيه أوهام لا
أدري ممن هي؟! وهو بخلاف ما أخرجه أبو يعلى في "المسند"، وذكره الدار قطني في "العلل" ١٩١/١ ثم قال
الدَّار قطني: وقال عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجَون، عن ليث عن عثمان بن رُفيع عن مَعقِل بن يسار عن أبي
بكر به، وأخرجه هنّاد في "الزهد" (٨٤٩)، وعنه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" ٨٢٤/٢ عن محمد بن فضيل،
عن ليث عن مجاهد مرسلاً، والاضطراب من ليث بن أبي سليم، وشيخه مجهول وإلا فمرسل.
قال الدَّار قطني: وروى هذا الحديث شيبان بن فرُّوخ عن يحيى بن كثير أبي النضر عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن
أبي خالد عن قيس عن أبي بكر، ثم قال: ولا يصح عن إسماعيل ولا عن الثوري ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث.
أخرجه ابن حبان في "المجروحين" ١٣٠/٣، وابن عدي في "الكامل" ٢٤٠/٧، وأبو نعيم في "الحلية" ١١٢/٧، والضياء
المقدسي في "المختارة" (٦٢)، وأبو القاسم البغوي كما في "تفسير ابن كثير" [يوسف - ١٠٧]، والحسن بن سُفيان الفسويّ
كما في "الكنز" (٨٨٤٨)، وأخرجه البزار (٣٥٦٦) "كشف الأستار"، والعُقَيلي في "الضعفاء" ٦١/٣ -٦٢، والحاكم
٢٩١/٢، وأبو نعيم في "الحلية" ٣٦٨/٨ و٢٥٣/٩، وابن الجوزي في "العلل" ٨٢٣/٢، والحكيم الترمذي في "النوادر" الأصل
(٢٧٤)، من طريق عبد الأعلى بن أَعْين عن يحيى بن أبي كثير عن عروة عن عائشة مرفوعاً به، وهذا وَهَم كبيرٌ من عبد
الأعلى، ولا أصل له عن يحيى، فيحيى الذي رواه هو يحيى ابنُ كثير، لا ابن أبي كثير وعبد الأعلى ليس بثقة قال العقيلي: وقد
حدَّث بغير حديث منكر لا أصل له، وأخرجه ابن أبي شيبة ٨٨/٧ في الدعاء ، باب التعوذ من الشرك، وعنه البخاري في
"التاريخ" - "الكنى" صـ ٥٨-، وأحمد ٤٠٣/٤، والطبراني في "الأوسط" (٣٤٧٩) كلهم عن عبد الله بن نمير عن عبد الملك بن
أبي سليمان عن أبي علي رجلٍ من بني كاهل قال: خطبنا أبو موسى الأشعري، قال خطبنا رسول الله محَ ◌ّ فقال: ((أيها الناس
اتقوا الشرك ... )) بنحوه. قال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك إلا ابن نمير، ولا يُروى عن أبي موسى إلا من هذا الوجه.

الجزء الثالث عشر
٣٣
باب المرتد
وتوبةُ اليأسِ مقبولةٌ دون إيمانِ اليأس))، "درر"،
وعندَ "أحمد" و"الطَّرانيّ": ((أَيُها (١) الَّسُ أَتْقوا الشِّرِكَ، فإنّه أَخْفَى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ، قالوا: وكيفَ نَتَّقِيهِ
يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: قولوا: اللهمَّ إنَّا نعوذُ بكَ أنْ نُشرِكَ بكَ شيئاً نعلمُهُ ونستغفرُكَ لِما لا نعلمُهُ)(٢).
مطلبٌ: توبةُ اليأسِ مقبولةٌ دونَ إِيمانِ اليأسِ
[٢٠٣١٨)] (قولُهُ: وتوبةُ اليأسِ مقبولةٌ دونَ إِيمانِ اليأسِ) هو بالمنّةِ التَّحتَّةِ: ضدُّ الرَّجاءِ وقطعُ
الطَّعِ عن الحياةِ، وعَلَّلَ قبولَها في "الدُّر"(٣) تبعاً لـ "البَّازيّة (٤): ((بأنَّ الكافرَ أجنبيٌّ غيرُ عارفٍ
باللهِ تعالى وابتدأَ إيماناً وعِرْفاناً، والفاسقُ حالُهُ حالةُ البقاءِ والبقاءُ أسهلُ من الابتداءِ، والدَّليلُ على
قبولها مطلقاً قولُهُ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥])) اهـ. وقد أطالَ في آخرٍ
"البزَّازَيَّة (٤) في هذهِ المسألةِ، ونَقَلَ قبلَهُ القول بعدمٍ قبولِ كلِّ منهما، وعزاهُ أيضاً إلى الحنفيَّةِ والمالكيّةِ
والشَّافِعَيَّةِ، وانتصرَ لهُ "منلا علي القاري" في "شرح بدء الأمالي"(٥)، وقدَّمنا (٦) ذلكَ مبسوطً في أوَّلِ
بابِ صلاةِ الجنائزِ، وأمَّا إيمانُ اليأسِ فمذهبُ أهلِ الحقِّ أَنَّه لا ينفعُ عندَ الغَرْغَرةِ ولا عندَ مُعاينةِ عذابِ
الاستئصالِ؛ لقولهِ تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُ هُمْ إِيمَُهُمْ لَمَّارَأَوْبَأْسَنً﴾ [غافر: ٨٥].
مطلبٌ: أجمعوا على كفرٍ فرعونَ
ولذا أجمعوا على كفرِ فرعونَ كما رواهُ "التّمذيُّ" في تفسيرِهِ في سورةِ يونسَ (٧) وإنْ خالفَ
(١) في "الأصل": ((يا أيها)).
(٢) تقدم تخريجه صـ٣١ -.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل: في الذخيرة أن تعليم صفة الإيمان إلخ ٣٢٥/١.
(٤) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - الفصل الأول فيما يكون إسلاماً وما لا يكون ٣١٧/٦
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "شرح ضوء المعالي على منظومة بدء الأمالي": صـ ١٣٦ -.
(٦) المقولة [٧٢٢٠] قوله: ((والمختار إلخ)).
(٧) أخرجه الترمذي (٣١٠٧)، وأحمد ٢٤٥/١، ٣٠٩، وعبد بن حُميد (٦٦٤)، والطيالسي (٢٦٩٣)، وابن أبي حاتم
(١٠٥٦١) [يونس -٩٠]، والطبراني (١٢٩٣٢)، والطبري (١٧٨٧٥) [يونس -٩٠]، وابن المنذر وابن مردويه كما في
"الدر المنثور"، والخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" ٣٤٥/١ من طرق عن حماد بن سلمة، أخبرنا على بن زيد.
عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنَّ النبي ◌َ ◌ّ قال: ((لما أغرق الله فرعون قال: ﴿ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّءَامَنَتْ بِهِ .-

حاشية ابن عابدين
٣٤
باب المرتد
في ذلكَ الإِمامُ العارفُ المحقّقُ سيِّدي "محي الدِّين بنُ عربيٍّ" في كتابِهِ "الفتوحات"، قالَ العلاّمةُ "ابنُ
حجر" في "الزَّواجر" (١): ((فإِنَّا وإنْ كنّا نعتقدُ جلالةَ قائِهِ فهو مردودٌ، فإنَّ العصمةَ ليسَت إلاَّ للأنبياء
معَ أنّه نُقِلَ عن بعضِ كتبِهِ أَنَّ صَرَّحَ فيها بأنَّ فرعونَ معَ هامانَ وقارونَ فِي النَّارِ، وإذا اختلفَ كلامُ
إمامٍ فُيُؤْخَذُ بما يوافقُ الأدلةَ الظَّاهرةَ، وَيُعرَضُ عمَّا خالفَها))، ثُمَّ أطالَ في بيانِ ردِّهِ.
مطلب في استثناءِ قومٍ يونسَ
وذَكَرَ [٣/ ق١/٦٢] أيضً(٢): أَنَّه يُسْتَثْنِى من إيمانِ اليأسِ قومُ "يونس" عليهِ السَّلامُ لقولِهِ تعالى:
٢٨٩/٣ ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨] الآيةَ، بناءً على أنَّ الاستثناءَ مَتَّصِلٌ، وأنَّ إِيمانَهم كانَ عندَ مُعاينةِ عذابٍ
الاستئصالِ، وهو قولُ بعضِ المفسرينَ بجعلِهِ كرامةً وخصوصيَّةٌ لنبيِّهم فلا يُقاسُ عليها.
= بَنُوَإِسْرَّهِلَ﴾ [يونس: ٩٠] قال جبريل: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذُ من حَالِ البحر [طين] فأدسُّه في فِيه مخافَةً أن تُدركه الرحمة)).
قال الترمذي: حسن، مع أن فيه عليَّ بنَ زید ضعيفٌ.
وأخرج أحمد ٣٤٠،٢٤٠/١، والترمذي (٣١٠٨)، والنسائي في "الكبرى" (١١٢٣٨) في التفسير - باب "حتى إذا
أدركه الغرق"، وأبو داود الطيالسي (٢٦١٨)، وابن أبي حاتم (١٠٥٦٢)، والطبري (١٧٨٧٢) و(١٧٨٧٣)
و(١٧٨٧٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٦٢١٥) "الإحسان" في التاريخ - باب ذكر ما فعل جبريل بفرعون عند نزول
المنية، والحاكم ٣٤٠/٢ في التفسير [يونس - ٩٠]، والبيهقي في "الشُّعَب" (٩٣٩١) و(٩٣٩٢) و(٩٣٩٣) باب في مباعدة
الكفار والمفسدين، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور"، من طرق عن شعبة عن عدي بن ثابت وعطاء
بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رفعه أحدهما - وفي رواية البيهقي - أو كلاهما عن النبي { # فذكره، قال
البيهقي: رفعه أبو داود عن شعبة عنهما من غير شك. قال الترمذي: حسن صحيح، وصَحَّحَه الحاكم على شرط الشيخين إلا
أنَّ أكثرَ أصحابِ شعبة أوقفوه على ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٥٦٣)، والطبري (١٧٨٨١) عن عمر بن عبد الله
الثقفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفاً، وأخرجه الطبري (١٧٨٧٩) عن وكيع عن شعبة، به موقوفاً.
وأخرجه ابن مردويه عن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعاً نحوه، وأخرجه الطبري (١٧٨٧٤)، والبيهقي في
"الشعب" (٩٣٩٠) من طريق كثير بن زاذان عن أبي حازم عن أبي هريرة، فذكر نحوه مرفوعاً.
قال ابن كثير ٤٣٢/٢: قال ابن معين لا أعرفه، وقال أبو زرعة وأبو حاتم : مجهول وباقي رجاله ثقات.
(١) "الزواجر": الكبيرة الأولى - الشِّرك الأكبر صـ٥٨-٥٩- باختصار.
(٢) "الزواجر": الكبيرة الأولى - الشِّرك الأكبر صـ٥٦ ..

الجزء الثالث عشر
٣٥
باب المرتد
مطلبٌ في إحياءٍ أبوي النِِّيِّ ◌َ# بعدَ موتِهما
ألا ترى أنَّ نبَّنَا ﴿ قد أكرَمَهُ اللهُ تعالى بحياةِ أبويهِ لهُ حتَّى آمنا بهِ كما في حديثٍ صحَّحَهُ
"القرطبيُّ" و"ابنُ ناصر الدِّينَ"(١) حافظُ الشَّامِ وغيرُهما (٢)، فانتفعًا بالإِيمانِ بعدَ الموتِ على خلافٍ
(١) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد القيسي، شمس الدين المعروف بابن ناصر الدِّين الدمشقي الشافعي
(ت٨٤٢هـ). ("الضوء اللامع" ١٠٣/٨، "شذرات الذهب" ٢٤٣/٧، "البدر الطالع" ١٩٨/٢).
(٢) اختلف العلماء في هذا الحديث على قولين فأغلب المتقدمين على أنّه منكرٌ أو ضعيف جداً أو موضوع، وقال ابن
ناصر الدين الدمشقي والسيوطي ومن بعدهما من المتأخرين تبعاً لهما: إنّه ضعيف، وأطلقوا ووَكُلُوا الأمر إلى
قدرة الله، ولم ينقل عن أحد من المعتبرين تصحيحه، وتقدم رأي الإمام ابن عابدين في المقولة [١٢٥٥٣] أن هذا
الحديث ضعيف، والذي قاله الإمامُ السُّهيليُّ في "الروض الأنف" ١٩٤/١-١٩٥: وروي حديث غريب لعله أن
يصح .... بسند فيه مجهولون، بعد أن ذكره وجادةٌ، أما القرطبي: فردَّ استدلالَ ابنِ دحيةَ بالقرآن والإجماع على
أن الحديث موضوع، فقال: وفيه نظرٌ، أي: استدلالُ ابن دحية، وقال: لا تعارض، وجعله ابن شاهين ناسخاً اهـ.
إذاً إمكانية الجمع قائمة لو صحّ سنده، ولم يقل القرطبي: إنه صحيح، أما نقله هنا عن الحافظ ابن ناصر الدين
الدمشقي أنّه صَخَّحَه؛ فغریب يخالف ما روي عنه حيث أنشد:
وإن كان الحديثُ به ضعيفاً
فسَلّم فالإِلهُ بذا قديرٌ
إذا كل من قوَّى الحديث لم يزد على أنْ قال: الحديث ضعيفٌ، وهذا ممكنٌ في قدرة الله كرامةً لنبيه مُ ﴾، ومع كل ما بذله
السيوطي من جُهد في الدفاع عن هذا الحديث لم يَزِد على أنْ قال في "اللآلئ" ٢٦٦/١: والصواب الحكم عليه بالضعف لا
بالوضع، مع تعلیله أنه ليس فيه متهم بل مجاهیل ومن هو منكر الحديث، وهذا غير كافٍ للحكم بالوضع.
أما الدار قطني والجوزقاني وأبو الفضل بن ناصر وابن الجوزي وابن عساكر والذهبي وابن حجر فمالوا إلى أنَّه موضوعٌ أو
منكر جداً، هذا وبالتبع نجدُ أنَّ له ثلاثةَ طرق، وأنَّ مداره على محمد بن يحيى الزهري أبي غَزِيَّة عن عبد الوهاب بن موسى
الزهري. فقد أخرجه الخطيب في "السابق واللاحق"، وعنه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٢٨٣/١، والدارقطني في "غرائب
مالك" كما في "اللسان" ١٩٣/٤، وابن عساكر في"غرائب مالك" كما في "اللسان" ٣٠٥/٤ من طريق الحسين بن علي بن
محمد الحلبي، حدثنا أبو طالب عمر بن الربيع الزاهد، حدثنا علي بن أيوب الكَعْبِي، حدثنا أبو غَزِيَّة محمد بن يحيى الزهري،
حدثنا عبد الوهاب بن موسى حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزِّناد عن هشام بن عروة يعني عن أبيه عن عائشة مرفوعاً.
قال الحافظ في "اللسان" ٩١/٤ هكذا وقع (علي بن أيوب) عند ابن الجوزي وابن عساكر، وسمَّى الدارقطنى أن (أحمد) ..

حاشية ابن عابدين
٣٦
باب المرتد
- وقال ابن عساكر: هذا حديث منكرٌ من حديث عبد الوهاب عن مالك. والكعبي مجهول، والحلبي صاحب
غرائب، ولا يعرف لأبي الزناد رواية عن هشام، وهشام لم يدرك عائشة فلعله سقط من كتابي عن أبيه.
أما الحسين بن علي الحلبي: فكلام ابن عساكر [صاحب غرائب] يدل على غمزه، أما الخطيب فقال ف
ي "تاريخه" ٨٦/٨: في حديثه غرائب مستطرفة ... ، وما علمتُ من حاله إلا خيراً، وكان يُوصفُ بالحفظ والمعرفة.
وأبو طالب عمر بن الربيع الخشَّاب: ذكره القرّاب في "تاريخه" وأنّه كذابٌ، وضعفه الدار قطني في مواضع
من "غرائب مالك"، كذا قال في "اللسان"، والذي قاله الدارقطني: وفي السند عمر بن الربيع بن سليمان
الخشَّاب. وهذا وإن كان فيه إشارة إلى اتهامه، لكنها غيرُ صريحة وهو وإن استجهل فلا يصل إلى الكذب وإن
حامت حوله أصبع الإتهام، قال مسلمة بن القاسم: تكلّم فيه قوم ووثقه آخرون، أما علي بن أيوب أو أحمد الكعبي، فقال
ابن عساكر: مجهول كما تقدم، وقال: مصري متهم، وقال الذهبي: علي بن أيوب أبو القاسم الكعبي: لا یکاد یُعرف.
أما أبو غَزِيَّة أو عروة: محمد بن يحيى بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري
فمتهمٌ، وهو مدني قدم مصر وله كنيتان، روى عنه جماعة (ت ٢٥٨هـ) كما ذكره ابن يونس في "تاريخ مصر"،
فهو معروف وليس مجهول كما ظن ابن الجوزي، ولكنه معروف بالكذب والتخليط، فقد ذكر له الدار قطني
أحاديثَ من رواية الثقات عنه عن عبد الوهاب بن موسى عن مالك عن الزهري، ثم قال: لا تَثْبتُ عن الزهري ولا
عن مالك، وأبو غَزِيَّة هذا: هو الصغيرُ منكر الحديث، وقال في موضع آخر في غير هذا الحديث: والحملُ فيه على
أبي غَزِيَّة، وقال في "اللسان" في ترجمة الكعبي: روى أبو غزية حديثين أحدهما حديث الإحياء هذا ... ، ثم قال
الدار قطني: والإسناد والمتنانِ باطلان، ولا يصح لأبي الزناد عن هشام، عن أبيه، عن عائشة شيء، وهذا كذبٌ على
مالك والحملُ فيه على أبي غَزِيَّة المتهمِ بوضعه هو أو من حدَّث به عنه - أي: الكعبي المتقدم - ورمَاه الدارقطني .
بالوضع كما ترى، وهذا لا يتفق وقولَ السيوطي ما رُميَ بكذب، وسيأتي أنّه اضطرب في هذا الحديث.
وقول ابن عساكر والدارقطني: إنَّه لا يعرف أو لا يصح لأبي الزناد عن هشام يدلُّ على جهله في تركيب الأسانيد، وإسقاطُه
عروة بين هشام وعائشة، يدلُّ على ذلك أيضاً، فقد سقطت عند الخطيب وابن عساكر، ولعل ذلك من الرواة عنه! والله أعلم.
أما أبو العباس عبد الوهاب بن موسى الزهري؛ فقد أسرفَ فيه الذّهبيُّ فاتهمه بعبارة لاذعة، فقال ابن حجر في
"اللسان" ٩١/٤ : تكلم الذهبي في هذا الموضع بالظن فسكت عن المتهم بهذا الحديث، وجزم بجرحِ القويّ، قال
الدار قطني بعد حديثٍ: الحملُ فيه على أبي غَزِيَّة، وعبد الوهاب بن موسى: ليس به بأس، وذكر له حديثاً انفرد
به عن مالك ولم يذكر فيه جرحاً، وأورده الدَّار قطنيُّ في "الغرائب" ثم قال: هذا صحيح عن مالك، وعبد
الوهاب ثقة اهـ.
واضطرب فيه أبو غَزِيَّة أو أخطأً عليه غيرُه، فأخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٦٧٠)، وعنه
ابن الجوزي (كما في "اللسان" ٩١/٤) [وسقط من المطبوع وبقي تعليق ابن الجوزي عليه] عن محمد بن الحسن =

الجزء الثالث عشر
٣٧
باب المرتد
= ابن زياد حدثنا أحمد بن يحيى الحضرمي بمكة حدثنا أبو عروة محمد بن يحيى الزهري حدثنا عبد الوهاب عن
عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها.
أما محمد بن الحسن فهو النِّقاش المقرئ المفسر متهم في الحديث، وإن كان عارفاً بالقراءات، قال الذهبيُّ:
روى عنه الداني ولم يَخْبُرُهُ.
وأمَّا أحمد بن يحيى فمن كلام النَّقاش يفهم أنّه ساكن بمكة وأنَّ أصله من حضرموت، ولا يعرف إلا بهذا
الحديث، قال ابن الجوزي: مجهول، وقال ابن حجر: لم يظهر في سند النقاش ما يتميز به، وفي طبقته جماعة أقربهم
أحمدَ بن يحيى بن زكريا، فإنّه مصريٌّ وعلي الكعبي مصري، كذا قال! مع أنَّ النِّقاش بَّن أنه يمني سكن مكة،
وظنَّه السيوطيُّ أحمدَ بن أبي يحيى وهذا وَهَم والله أعلم.
وبعد فالحقُّ يقال: نحن في غنى عن كل هذه الطرق الواهية إلى أبي غُزِّيَّة، فقد أخرجه المحب الطبري في
"سيرته" كما في "التعظيم والمنة" للسيوطي صـ٧٩ - حيث قال: أخبرنا أبو الحسن - علي بن الحسين بن المُقيّر النخَّار
البغدادي - أخبرنا أبو الفضل محمد بن ناصر السُّلامي إجازة، أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن علي بن عبد
الرزاق الحافظ الزاهد، أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر بنُ الأخضر، حدثنا أبو غَزِيَّة بالإسناد الثاني.
وأبو الحسن إمام ثقة، وكذلك ابن ناصر السَّلامي، وأبو منصور الخياط، قال في "السير" ٢٢٢/١٩: شيخ
الإِسلام، صالحٌ ثقةٌ عابدٌ صاحبُ كرامات، والقاضي أبو بكر محمد بن عمر هو: ابن محمد بن إسماعيل بن عبيد
الله الداودي يعرف بابن الأخضر، وثقه الخطيب في "تاريخه" ٣٨/٣، فتبَّن لنا من هذه الطريق الواضحة براءةُ
أولئك المجاهيلِ منه، وأنَّ الحملَ فيه على أبي غَزِيَّة وأَنَّه من أباطيله أو أوهامه والله أعلم.
قال أبو الفضل بن ناصر: هذا حديث موضوعٌ، وأُّ رسول الله ﴿ ماتت بالأبواء بين مكة والمدينة، ودفنت
هناك وليس بالحَجُون، وكذلك حكم عليه الجوزقاني بالوضع كما في "الأباطيل" له، قال الحافظ ابن كثير في
"التفسير" [التوبة - ١١٣] بعد أن ساق خبراً غريباً منكراً: وأغربُ منه وأشدُّ نكارةً ما رواه الخطيب في كتاب
"السابق واللاحق" بسند مجهول عن عائشة فذكره، وكذلك مارواه السُّهيلي في "الروض" بسند فيه جماعةٌ
مجهولون: ((أَنَّ الله أحيا أباه وأمه فآمنا به))، وقد قال الحافظ ابن دحية: هذا الحديث موضوعٌ يردُّه القرآن
والإجماع، وتعقّبِه القرطبيُّ في الثاني (أي: استدلالِه بالقرآن والإجماع] فقال ما حاصله: إنَّ هذه حياةٌ جديدة كما
رجعت الشمس لعلي، والحديث ثابت - يعني حديث رد الشمس - قال القرطبيُّ: فليس إحياؤهما ممتنع عقلاً ولا
شرعاً، قال ابن كثير: وهذا كلُّه متوقف على صحة الحديث فإذا صحَّ فلا مانع منه، وقال في "البداية والنهاية"
٣٤٣/٢ فصل في موت آمنة أم النبي { ﴿: هذا حديثٌ منكرٌ جداً، وإن كان ممكناً بالنظر إلى قدرة الله تعالى لكن
الذي ثبت في الصحیح یعارضه والله أعلم اهـ.
وقال الملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة" صـ ١٠٨ -: موضوع كما قال ابن دحية وكذلك منك.
بوضعه عن الدَّارقطني وابن عساكر وابن حجر والذهبي من الحكم بوضعه والله أعلم.

حاشية ابن عابدين
٣٨
باب المرتد
القاعدةِ إكراماً لنبِّهِ﴿، كما أحبى قتيلَ بني اسرائيلَ لْيُخِرَ بقاتِلِهِ، وكانَ عيسى عليهِ السَّلامُ يُحيي
الموتى، وكذلكَ نِيُّنَامِ﴿ أحبى اللهُ تعالى على يديهِ جماعةٌ من الموتى(١)، وقد صحَّ أنَّاللهَ تعالى ردَّ عليهِ
﴿ّ الشَّمسَ بعدَ مَغِها حتّى صلَّى عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ العصرَ (٢)، فكما أُكِرمَ بعودِ الشَّمسِ والوقتِ
(١) ذكره القرطبي في "التذكرة"، وتبعه القاضي عياض في "الشفاء".
(٢) رواه عُبيد الله بن موسى العَبْسي عن فَضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن أسماء بنت
عُميس قالت: كان رسول الله ﴿ نائماً - يوحى إليه - ورأسُه في حِجْرِ علي، فلم يُصلِّ العصرَ حتى غربتِ الشمس،
فقال: ((يا علي أصليت؟!)) قال: لا، قال: ((اللهم إنَّ علياً كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس)).
کذلك رواه عنه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وابن أبي عاصم وأبو أمية.
أخرجه الطحاوي في "بيان مشكل الآثار" (١٠٦٧)، والطبراني في "الكبير" ٢٤/ (٣٩٠)، وابن أبي عاصم في
"السنة" (١٣٢٣) والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" ١٥٨/١، وابن الجوزي في" الموضوعات "٣٥٥/١، وابن أبي شيبة في
"مسنده"، وأبو القاسم الحَسْكاني، وأبو عبد الله بن مَنده، وابن عساكر كما في "البداية والنهاية" لابن كثير ٨٩،٨٥/٦ .
قال الجوزقاني: هذا حديث منكرٌ مضطربٌ، وقال ابن الجوزي: موضوعٌ بلا شك، ومال الطحاوي وأحمد بن صالح المصريان
إلى ثبوت الحديث، وتابع عبيدَ الله - كما هو الصحيح عنه - محمدُ بنُ فضيل وعمارُ بن مطر والحسينُ بن الحسن الأشقر.
وأخرجه الطبراني ٢٤/(٣٩١)، وأبو الحسن شاذان الفَضْلي كما في "اللآلئ" ٣٣٩/١، من طريق علي بن المنذر عن
محمد بن فضيل (ح)، وأخرجه العُقَيلي في" الضعفاء "٣٢٧/٣ حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عمَّار بن مطر (ح)، وأخرجه
الحسكاني - كما في "البداية" - من طريق الحسين بن الحسن الأشقر ثلاثتهم عن فضيل بن مرزوق به، وخالفهم سعيدُ بنُ
مسعود، فرواه عن عبيد الله بن موسى، عن فُضيل عن عبد الرحمن بن دينار عن علي بن الحسن عن فاطمة بنت علي عن أسماء
به، أخرجه ابن عساكر كما في "البداية" ٨٥/٦، وسعيد لم يوثقه إلا ابن حبان، وقد خالف الثقاتٍ فيه كما رأيت.
وعبيد الله بن موسى العبسي : كوفي شيعي عالم بالقرآن، وقال ابن سعد وابن أبي حاتم: صدوق ثقة حسن
الحديث، زاد ابن سعد : كان يروي أحاديث في التشيع منكرةً فضعف بذلك عند كثير من الناس، وتركه أحمد
وضَعَّفَه وقال: روى مناكيرَ، قال يحيى بن معين: ثقة ما أقربه من يحيى بن اليمان، ويحيى بن اليمان: أرجو أن
يكون صدوقاً، وعلى كلٍ فقد تابعه محمد بن فضيل بن غزوان؛ قال أحمد: كان يتشيع وكان حسن الحديث، قال
أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائيُّ: ليس به بأس وكان أقوى من عبيد الله بن موسى
وأخف تشيعاً، أما عمّار بن مطر الرُّهاوي فهالكٌ، قال العُقَيلي: يروي عن الثقات المناكير، وقال أبو حاتم الرزاي: كان
يكذب، وقال ابن عدي: أحاديثه بواطيل، والحسين بن الحسن الأشقر غالٍ في التشيع، قال البخاريُّ: فيه نظر، عنده
مناكير، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ليس بالقوي، وقد بَرَّأَ عبيد الله
من ساحته متابعةٌ محمد بن فضيل، ولا يُتلفتُ إلى متابعة غيره.
=

الجزء الثالث عشر
٣٩
باب المرتد
- أما فضيل بن مرزوق الرؤاسي الكوفي فوثقه الثوري وابن عيينة، وقال ابن معين: ثقة صالح الحديث ليس به بأس إلا أنّه
شديد التشيع، وقد ضُعِّفْ في عطية، وقال أحمد: لا أعلم إلا خيراً، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: صدوق صالح الحديث يهم
كثيراً يكتب حديثه، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: لا، قال: ابن كثير في "البداية" ٨٩/٦، لا يُتّهم بتعمد الكذب، ولكنّه قد
يتساهل فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفهم أو يُحسن الظن به فيدلْسُ حديثه، ويُسقطه ويذكر شيخه؛ ولهذا قال في
الحديث الذي يجب الاحتراز فيه لتوقي الكذب فيه (عن) بصيغة محتملةٍ للتدليس ولم يأتِ بصيغة التحديث، فلعل بينهما من
يجهل أمره اهـ. وإبراهيم بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب سكت عنه البخاريُّ، وأبو حاتم، ووثّقه ابن
حِبَّان ولم يرو عنه إلا فضيل ويحيى بن المتوكل. وفاطمة بنت الحسين كذا قال عبيد الله وغيره عن فضيل، وقال
محمد بن فضيل: فاطمة بنت علي، وسيأتي اختلافُ الرواة فيها، فقد اضطربوا فيها وفي الرواة عنها كثيراً.
فأخرجه الطحاوي في "بيان المشكل" (١٠٦٨)، والطبراني ٢٤/ (٣٨٢)، وأبو الحسن الفَضْلي كما في"
اللآلى"٣٣٨/١، وأبو القاسم الحَسْكاني كما في "البداية" ٨٨/٦، من طريق أحمد بن صالح وغيره عن محمد بن
إسماعيل ابن أبي فُدَيك، أخبرني محمد بن موسى الفِطْري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء بنت
عُميس به. قال الطحاوي: ومحمد بن موسى المدني محمودٌ في الرواية، وقال الترمذي: ثقة، وقال أبو حاتم:
صدوق صالح الحديث كان يتشَّع، وعون هو: ابن محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه هي: أم جعفر بنت محمد
بن جعفر ابن أبي طالب، قال ابن كثير: وهذا الإسناد فيه من يُجهل حاله؛ فإنَّ عوناً وأمَّه لا يُعرفان، وعون
سكت عنه ابن أبي حاتم، ووثقه ابن حبان. وعزاه الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢٦٦/٦ إلى الحاكم، والبيهقي في
"الدلائل"، ولم نجده فيهما، ونفى ابن كثير وغيرُه وجودَه في "المستدرك"، وأخرجه أبو القاسم الحَسْكاني، كما
في "البداية" ٩٢/٦ من طريق عبد الله بن عمرو بن الأشعث، عن داود بن الكُمَيت، عن عمِّه الْمُستَهِلِّ بن زيد،
عن أبيه زيد بن سَلْهب، عن جُويرية بنت شَهْر عن علي به، وقال ابن كثير: وهذا الإسناد مظلم وأكثر رجاله لا
يعرفون والله أعلمُ أنَّه مركبٌ مصنوعٌ مما عملته أيدي الروافض قَبَّحهم الله اهـ. وابن الأشعث من غُلاة الشيعة
ذكره التِّفَرشي في "نقد الرجال" ١٣٦/٣، ٦٥ ولم يذكر فيه شيئاً.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٠٣٩)، عن أحمد بن عبد الرحمن بن المفضَّل (ح)، وأبو الحسن الفَضْلي من طريق
محفوظ بن بحر كلاهما عن الوليد بن عبد الواحد حدثنا مَعقِل بن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ((أمر النبي
﴿ الشمسَ فتأخرتْ ساعةٌ من نهارٍ)). وهذا اللفظ لا إشكال فيه، ولا يشترط نقله متواتراً.
قال الطبرانيُّ: لم يرو هذا الحديث عن مَعقِل إلا الوليد، تفرَّد به أحمد بن عبد الرحمن، ولم يروه عن أبي
الزُّبير إلا مَعقِل اهـ. ومحفوظ بن بحر واهٍ متروك يكذب، والوليد بن عبد الواحد القاضي التيمي وثقه ابن
حبان، وأحمد بن عبد الرحمن لم نجد له ترجمة والله أعلم. ومع ذلك قال الهيثمي في "المجمع" ٢٩٧/٨، والحافظ أبو
زرعة العراقي في "طرح التثريب" ٢٤٧/٧، والحافظ ابن حجر في "الفتح" ٢٦٦/٦: إسناده حسن !! والله أعلم.
وأخرجه أبو القاسم الحَسْكاني كما في "البداية" ٩١/٦، وابن مردويه كما في ابن الجوزي ٣٥٥/١، مس
طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النّوفَلي، عن أبيه، حدثنا داود بن فَراهيج، وعن
عمارة بن بُرْد عن أبي هريرة به. وهذا إسنادٌ مُظلم، ويحيى بن يزيد وأبوه وشيخه مضعفون، فيحيى بن يزيد بن
عبد الملك، قال أبو حاتم: منكر الحديث لا أدري لعله منه أو من أبيه، قال الذهبيُّ: وأبوه مجمع على ضعفه. "

حاشية ابن عابدين
٤٠
باب المرتد
وأخرجه أبو القاسم الحَسْكاني من طريق محمد بن أحمد بن تيم أنا القاسم بن جعفر بن عبد الله بن محمد بن
عمر بن علي بن أبي طالب حدثني أبي عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله عن أبيه عمر قال الحسين بن علي سمعت
أبا سعيد فذكره، قال الخطيب في "تاريخه" ٤٤٣/١٢: حَدَّث عن أبيه عن جده عن آبائه نسخةٌ أكثرُها مناكير.
ومما يؤيد كلام ابن كثير روايةُ سعيد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى عن فُضيل عن عبد الرحمن بن
دينار، لكنه قال: عن علي بن الحسين بدل إبراهيم عن فاطمة بنت علي.
وأخرجه أبو القاسم الحَسْكاني كما في "البداية" عن حسين الأشقر عن علي بن هاشم عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن دينار عن علي بن الحسين بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين به.
وأخرجه أبو الحسن الفَضْلي كما في "اللآلئ" من طريق يحيى بن سالم عن صَبَّح المروزي عن عبد الرحمن
عن عبد الله بن الحسن عن أمِّه فاطمة بنت الحسين به.
وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار صالحُ الحديثِ وقد وُثِّق، قال يحيى: في حديثه عندي ضعفٌ، وقال
أبو حاتم: لا يحتجُّ به، وجعله ابن عدي من جملة الضعفاء، وقال: بعضُ ما يرويه منكرٌ لا يُتابع عليه.
وعلي بن الهاشم بن البريد وَتَّقه ابن معين وعلي، وقال أبو داود: ثَبْتٌ يتشيع، قال البخاري: كان هو وأبوه
غاليين في مذهبهما، وقال أحمد والنسائي: ليس به بأس، لكنّ حسيناً ضعيفٌ جداً كما مر، وصبّاح بن يحيى
المروزي: قال الذهبي: متروك بل متهم، ويحيى بن سالم ضعَّفه الدار قطني.
وأخرجه أبو القاسم الحَسْكاني عن يعقوب بن سعيد ثنا عمرو بن ثابت سألت عبد الله بن حسن بن حسين
ابن علي [أي عن هذا الحديث] فقال: حدثني أبي عن الحسن عن أسماء به، كذا قال !.
وعمرو بن ثابت رافضيٌ يسبُّ السلفَ، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال: ليس بثقة ولا مأمون، وقال النسائي: متروك
الحديث، وأخرجه أبو الحسن الفَضْلي عن إبراهيم بن رُشَيد الهاشمي الخراساني - لم نجده-، حدثنا يحيى ابن عبد الله بن حسن
بن علي بن أبي طالب أخبرني أبي عن أبيه عن علي فذكره، وأخرجه أبو الحسن الفَضْني، وأبو القاسم الحَسْكاني من طريق
عَبَّاد بن يعقوب - هو الرَّوَاجِيُّ-، حدثنا علي بن هاشم عن صبَّاح ابن يحيى عن عبد الله بن الحسين بن جعفر عن حسين
المقتول - الشهيد - عن فاطمة بنت علي عن أمِّ الحسن بنت علي، عن أسماء به، ثم أخرجه الفَضْلي عن عَبّاد عن علي عن
صبَّاحٍ عن أبي سلمة مولى آل عبيد الله ابن الحارث بن نوفل عن محمد بن جعفر بن محمد بن علي عن أمِّه عن أمِّ جعفر بنت
محمد عن جدتها أسماء به، وهذا يخالف ما رواه حسين الأشقر عن علي بن هاشم، ويخالف ما رواه يحبى بن سالم، عن صبّاح،
ولعلَّه الصواب، وأبو سلمة لعله موسى بن عبد الله الجهني، وعبَّاد صدوق إلا أنه شيعي غالٍ، روى أحاديث في الفضائل
أُنكرت عليه، فعلي بن هاشم لا يرويه، عن عبد الرحمن بل عن صَّاح فالاضطراب والنِّكارة من عبَّاد، وهذا تخليط في الرواية
إسنادً ومتناً، وكيف يروي حسين بن علي الشهيد، عن واحد، عن واحد، عن أسماء، وهل فاطمة هي أمَّ الحسن أمَّ أختها
وكلاهما أختين للحسين ظه!؟، قال ابن كثير في "البداية" ٩٠/٦: وهذا إسناد مظلمٌ جداً إسناداً ومتناً، وأخرجه أبو بشر
الدولابي في "الذرية الطاهرة" (١٦٤)، والخطيب في "تلخيص المتشابه" ٢٢٥/١ من طريق سويد بن سعيد، ثنا المُطلّب بن زياد،
عن إبراهيم بن حَيَّان عن عبد الله بن حسين عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين قال: ((كان رسول الله ... )) فذكره . -