النص المفهرس
صفحات 1-20
جَاشَ ابن ◌َيدي
رد المحتار على الدرّ النجار
خا الثقافة وَالتَّ
ومش- سورية
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠م
الموضوع: الفقه الحنفي
العنوان: حاشية ابن عابدين "رد المحتار على الدر المختار"
التأليف: محمد أمين بن عمر الشھیر بابن عابدين
التحقيق: الدكتور حسام الدين بن محمد صالح الفرفور
الإخراج: خلدون موفق التشة
الإشراف الطباعي: مكتب دار الثقافة والتراث للتحقيق
التنفيذ: مؤسسة الرازي للطباعة والتجليد
عدد الصفحات : ٨٩٦ صفحة
قياس الصفحة: ٢١× ٢٨
عدد النسخ : ١٠٠٠ نسخة
موافقة وزارة الإعلام رقم: ٤٩٠٧٥ بتاريخ ٩/ ٢٠٠٠/١٠م
جميع الحقوق محفوظة للمحقق الدكتور حسام الدين فرفور
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل
والترجمة، والنسخ والتسجيل الميكانيكي أو الإلكتروني أو الحاسوبي
إلا بإذن خطي من :
دار الثقافة والتراث - دمشق - سورية ص .ب ٨٢٣٥
هاتف ٢٢٤٠٧٣٩ __ ٤٤٢٤٠٨٦ - فاكس: ٣٧٣٧٣٨٩
يطلب من: دار الثقافة والتراث بدمشق للطباعة والنشر والتوزيع ص.ب ٨٢٣٥
هاتف ٢٢٤٠٧٣٩_٤٤٢٤٠٨٦- فاكس: ٣٧٣٧٣٨٩
الموزعون:
الشّركة المُتَحَدِ لِلتَّوَيُ
دمشق - ص. ب: ٢٦٢٥ - هاتف: ٢٢١٢٧٧٣ - ٢٢٤٨٩٦٠ - فاكس: ٢٢٣٤٣٠٥
e- mail:mad @ net.sy
بروت - ص. ب: ١١٧٤٦٠ - هاتف: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ - فاكس: ٨٠١٨٦١٥
web: www. resalah. Coin - e- mail: resalah (7) resalah. Com
عمان - ص.ب: ١٨٢٠٧٧ - هاتف: ٤٦٥٩٨٩١ - ٤٦٥٩٨٩٢ - فاكس: ٤٦٥٩٨٩٣
القاهرة - ص. ب: ٦٣٢ رمز: ١١٥١١ - هاتف: ٣٩٠٦٧٢٧ - فاكس: ٣٩٥٦٨٠٤
الرياض - ص.ب: ٥٦٥٧٩ رمز: ١١٦٥٤ - هاتف: ٤٠٢٥١٩٧ - فاكس: ٤٠٢٢٦١٥
اليمن - صنعاء - ص.ب: ٥٤٤ - هاتف - فاكس: ٢٧٥٣٢٢
دَارُ السَشَائِرِ
لِلطِبَاعَةِ وَالنَّهْرِ وَالتَّوْزِيع
للطبَاعَة والنشْر وَالتوزيع دمشق - حلبوني - ص ب ٣٥٥٣٩ - هـ ٢٢٣٣٦٩١
ريش -صب ١٩٢٦ - هاتف: ٢٣١٩٩٩٨/٩
Damesous . Hufcount - P.O.Box 30630 - Tel.2233001
خَاشِيَّةُ ابن عابدين
معهد جمعية الشيخ الإسلامي بدمشق
شعبة البحوث والدراسات
الجزء الثالث عشر
قسم المعاملات
الجهاد اللقيط
اللقطة الآبق
المفقود
الشركة الوقف
خا التَنَافَة وَالتَّةِ
دمش- سورية
روّ الجثّار على الدر المختار
لمحمد أمين بن مُمر الشهير بابن عابدين
المتوفى سنة ١٢٥٢ هـ
حُقَّق ◌ُصُوْصَهُ وَعَلَقْ عَلَيْهِثْلَّةٌ مِنَ الْبَاحِتِينَ بِاشْرَافٍ
الدكتور حسَام الدّين بن محمّ صالح فرفور
رئيس قسم الدراسات التخصصية في معهد جمعية الفتح الإسلامي
قَدَّمَكَهُ
فضيلة الأستاذ الدكتور
فضيلة العلامة الشيخ
محمد سعيد رمضان الوعي
عبد الرزاق الحلبي
طََّةٌ مُقَابَةٌ عَلَ ثَلَاثِ نَخٍْ خَمْلِيَّةٍ مَنْقُولَةٍ عَنْ أَصَلِ المُؤَّفِ
مَعَ تَّوثيقِ النّصُوصِ فِي مَصَادِرَهَا الْخْطُوطَةِ وَلْلَطْبُعَةِ
«مُضَافَا إِلِيَهَا تقريرَاتِ الَّفِعِ فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ الأَبْحَاتِ »
)
3
-
2
الجزء الثالث عشر
0
باب المرتد
﴿بابُ المرتدِّ﴾
(هو) لغةً: الرَّاجعُ مُطلقً، وشرعاً: (الرَّاجعُ عن دينِ الإسلامِ. ورُكنُها: إجراءُ
كلمةِ الكُفرِ على اللِّسان بعد الإِيمانِ) وهو: تصديقُ مُحمَّد ﴿ في جميعِ ما جاء به
عن اللهِ تعالى ◌َّا عُلِمَ مَحيثُهُ ضرورةً، وهل هو فقط
﴿بابُ المرتد﴾
شروعٌ في بيانِ أحكامِ الكفرِ الطَّارئِ بعدَ بيانِ الأصليِّ، أي: الَّذي لم يسبقْهُ إِيمانٌ.
(٢٠٢٦٠) (قولُهُ: وركُها: إجراءُ كلمةِ الكُهْرِ على اللِّسانِ) هذا بالنّسبةِ إلى الظَّاهرِ الَّذي
يَحْكُمُ بِهِ الحاكمُ، وإلاَّ فقد تكونُ بدونِهِ، كما لو عَرَضَ له اعتقادٌ باطلٌ أو نَوَى أنْ يَكْفُرَ بعدَ
حينٍ، أفادَهُ "ط" (١).
١ ٢٠٢٦١] (قولُهُ: بعدَ الإِيمانِ) خَرَجَ به الكافرُ إذا تلفَّظَ بُكَّرٍ فَلا يُعطَى حكم المرتدِّ، "ط)(١)،
نعم قد يُقْتَلُ الكافرُ ولو امرأةً إذا أعلنَ بشتِهِ صلى الله عليه وسلم كما مرَّ(٢) في الفصلِ السَّابقِ.
[٢٠٢٦٢] (قولُهُ: وهو تصديقُ إلخ) معنى التَّصديقِ: قَبَولُ القلبِ وإذعانُه لِما عُلِمَ بالضّرورةِ أَنَّه
مِن دِينٍ محمَّدٍ لَ﴿، بحيثُ تَعْلَمُهُ العامّةُ من غيرِ افتقارٍ إلى نَظَرِ واستدلالِ كالوحداتَّةِ والنّوَّةِ وَالْبَعْثِ
والجزاءِ ووجوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وحرمةِ الخمرِ ونحوِها. اهـ "ح"(٣) عن "شرحِ المسايرةِ"(٤).
[٢٠٢٦٣) (قولُهُ: وهل هو فقط) أي: وهل الإيمانُ التَّصديقُ فقط؟ وهو المختارُ عندَ جمهورِ
"الأشاعرة"، وبه قالَ "الماتريديُّ"، "ح"(٥) عن "شرحِ المسايرة"(٦).
(١) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٧٧/٢.
(٢) ٧٨٣/١٢ "در".
(٣) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ.
(٤) "المسامرة شرح المسايرة": مفهوم الإيمان صـ٣٣٠ -.
(٥) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ.
(٦) "المسامرة شرح المسايرة": مفهوم الإيمان صـ٣٣٠ -.
حاشية ابن عابدين
٦
باب المرتد
أو هو مع الإقرارِ؟ قولان، وأكثرُ الحنفيَّةِ على الثّاني، والمُحقّقون على الأوَّل،
والإقرارُ شرطٌ لإجراءِ الأحكامِ الدُّنبويَّةِ.
[٢٠٢٦٤) (قولُهُ: أو هو معَ الإِقرارِ؟) قالَ في "المسايرةِ"(١): ((وهو منقولٌ عن "أبي حنيفةً"
ومشهورٌ عن أصحابِهِ وبعضِ المحقّقينَ من "الأشاعرةِ"، وقالَ الخوارجُ: هو التَّصديقُ مع الطَّاعةِ،
ولذا كَفَّروا بالذَّنبِ لانتفاءِ جزءِ الماهَّةِ، وقالَ الكَرَّامَّةُ: هو التِّصديقُ باللّسان فقط، فإنْ طابقَ
تصديقَ القلبِ فهو مؤمنٌ ناجٍ، وإلاَّ فهو مؤمنٌ مخلَّدٌ فِي النَّارِ)) اهـ "ح"(٢).
قلتُ: وقد حَقَّقَ في "المسايرة(٣) أنّه لا بدَّ في حقيقةِ الإِيمانِ من عدمٍ ما يدلُّ على
الاستخفافِ من قولٍ أو فعلٍ، ويأتي(٤) بيانُهُ.
(٠٢٦٥ ٢) (قولُهُ: والإقرارُ شرطٌ) هو من تتمَّةِ القَولِ الأوَّلِ، "ح"(٥)، أمَّا على القولِ الثَّاني
فهو شَطْرٌ؛ لأَنْه جزءٌ من ماهيّةِ الإِيمانِ فلا يكونُ بدونِهِ مؤمناً لا عندَ اللهِ تعالى ولا في أحكامِ
الدُّنيا، لكنْ بشرطِ أنْ يُدرِكَ زمناً يتمكَّنُ فيهِ من الإقرارِ، وإلاّ فيكفيهِ النَّصديقُ اتفاقاً كما ذكرَهُ
"التّفتازانيُّ" في "شرحِ العقائدِ"(٦).
[٢٠٢٦٦) (قولُهُ: لإجراءِ الأحكامِ الدُّنيويَّةِ) أي: من الصَّلاةِ عليهِ وخلفَهُ والدَّفْنِ في مقابرِ
المسلمينَ والمطالبةِ بالعُشُورِ والزَّكَواتِ ونحوِ ذلكَ، ولا يخفى أنَّ الإقرارَ لهذا الغرضِ لا بدَّ أنْ يكونَ
على وجهِ الإعلانِ والإظهارِ على الإمامِ وغيرِهِ من أهلِ الإسلامِ، بخلافِ ما إذا كانَ لإتمامِ الإِيمانِ
فإِنَّه يكفي محرَّدُ التَّكُلُّمِ وإنْ لم يظهرْ على غيرِهِ، كذا في "شرحِ المقاصدِ"(٧).
(١) انظر "المسامرة شرح المسايرة": مفهوم الإيمان صـ٣٣٠-٣٣١ - بتصرف.
(٢) "ح": کتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ.
(٣) انظر "المسامرة شرح المسايرة": مفهوم الإيمان صـ٣٣٧ -.
(٤) المقولة [٢٠٢٦٨] قوله: ((من هَزَلَ بلفظِ كفرٍ)).
(٥) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ.
(٦) "شرح العقائد النسفية": الإيمان صـ ١٨٩-١٩٤ - بتصرف.
(٧) "شرح المقاصد": الفصل الثالث في الأسماء والأحكام - المبحث الأول في الإيمان ١٧٩/٥.
الجزء الثالث عشر
٧
باب المرتد
بعد الاتفاق على أنَّه يُعتَقَدُ متى طُولِبَ به أَتَّى به، فإن طُولِبَ به فلم يُقِرَّ فهو كُفْرُ
عِنادٍ، قَالَه(١) "المُصنّفُ"(٢)، وفي "الفتح"(٣) ..
[٢٠٢٦٧] (قولُهُ: بعدَ الاتّفاقِ) أي: بعدَ اتّفاقِ القائلينَ بعدمِ اعتبارِ الإِقرارِ، قالَ في "شرحِ
المسايرة"(٤): ((وَتَّفْقَ القائلون بعدمِ اعتبارِ الإقرارِ على أنَّ يلزمُ الْمُصَدِّقَ أنْ(٥) يعتقدَ أَنَّه متى طُولِبَ
بِهِ أَنَى به، فإنْ طُولِبَ به فلم يُقِرَّ به فهو - أي: كفُّهُ عن الإقرارِ - كفرُ عنادٍ، وهذا ما قالوا: إنَّ تركَ
العنادِ شرطٌ، وفسَّرُوهُ [٣/ ق٥٨/أ] به أي: فسَّروا تركَ العنادِ بأنْ يعتقدَ أَنَّه متى طُولِبَ بالإقرارِ أَتَّى
بهِ)) اهـ. بَقِيَ ما لو لم يَعْتَقِدْ ذلكَ بأنْ كانَ خاليَ الذّهنِ، أو اعتقدَ أَنَّه متى طُولِبَ به لا يأتي به
لكنّه عندَما طُولِبَ به أَتَّى بِهِ، فهل يكفي نظراً لحصولِ المقصودِ أو لا يكفي نظراً لاشتراطِهم
الاعتقادَ السَّابقِ؟ فليحرَّرْ. اهـ "ح"(٦).
أقولُ: الظَّاهرُ: أنَّ المرادَ بالاشتراطِ المذكورِ نفيُ اعتقادِ عدمِهِ، أي: لا يعتقدُ أَنَّه متى طُولِبَ به
لا يُقِرُّ، وفي "شرحِ المقاصد"(٢) و"شرحِ الَّحرير)"(٨) ما يفيدُهُ، ونصُّهُ: ((ثمَّ الخلافُ فيما إذا كانَ
قادراً وتركَ النَّكُلُّمَ لا على وجهِ الإِباءِ؛ إذ العاجزُ كالأخرسِ مؤمنٌ أَّفَاقً، والمُصِرُّ على عدمِ الإقرارِ معَ
٢٨٣/٣ المطالبةِ به كافرٌ وفاقاً؛ لكونِ ذلكَ من أماراتِ عدمِ الَّصديقِ، ولهذا أطبقوا على كفرِ أبي طالبٍ)) اهـ.
فظَهَرَ أنَّ خاليَ الذّهنِ لو أَتَّى به عندَ المطالبةِ مؤمنٌ لعدمِ الإصرارِ على عدمِ الإقرارِ، ومَن اعتقدَ عدمَ
الإتيانِ به عندَها ليسَ مؤمناً، فلو أَنَى به عندَها كانَ ذلكَ إيماناً مستأَفاً، هذا ما ظهرَ لي.
(١) في "د" و"و": ((قال)).
(٢) "المنح": كتاب الجهاد - باب في بيان أحكام المرتدين ١/ق ٢٥٤/أ.
(٣) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٣٢/٥.
(٤) "المسامرة شرح المسايرة": مفهوم الإيمان صـ٣٣٧ -.
(٥) في "الأصل" و"ب" و"م" و"ك": ((أنه))، وما أثبتناه من "٢" هو الموافق لما في "المسامرة شرح المسايرة".
(٦) "ح": کتاب الجهاد - باب المرتد ق٢٦٥/أ بتصرف.
(٧) "شرح المقاصد": الفصل الثالث في الأسماء والأحكام - المبحث الثاني في الإيمان ١٧٩/٥.
(٨) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية في أحوال الموضوع - الباب الأول في الأحكام - الفصل الثاني: الحاكم لا خلاف أنه الله رب
العالمين - مبحث انقسام الحكم الشرعي إلى أصلٍ وخلف ١١١/٢، ولم نرَ فيه التصريح بكفر أبي طالب.
حاشية ابن عابدين
٨
باب المرتد
((مَنْ هَزَلَ بلفظِ كُفرِ ارتدَّ وإن لم يَعتقدهُ؛ للاستِخفافِ،.
[٢٠٢٦٨] (قولُهُ: مَنْ هَزَلَ بلفظِ كُفْرٍ) أي: تكلّمَ به باختيارِهِ غيرَ قاصدٍ معناهُ، وهذا لا يُنافِي
ما مرَّ(١) من أنَّ الإِيمانَ هو التَّصديقُ فقط أو معَ الإقرارِ؛ لأنَّ التَّصديقَ وإنْ كانَ موجوداً حقيقةٌ
لكنّهُ زائلٌ حُكْمً؛ لأنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ بعضَ المعاصي أمارةً على عدمٍ وجودِهِ كالهزلِ المذكورِ،
وكما لو سَجَدَ لصنمٍ أو وَضَعَ مُصْحفاً في قاذورةٍ فإِنَّه يَكْفُرُ وإنْ كانَ مُصَدِّقً؛ لأنَّ ذلكَ في حكمٍ
التّكذيبِ كما أفادَهُ في "شرح العقائد"(٢)، وأشارَ إلى ذلكَ بقولِهِ: ((للاستخفافٍ))، فإنَّ فعلَ ذلكَ
استخفافٌ واستهانةٌ بالدِّينِ، فهو أمارةُ عدمِ الّصديقِ، ولذا قالَ في "المسايرة"(٣): ((وبالجملةِ فقد
ضُمَّ إلى التَّصديقِ بالقلبِ أو بالقلبِ واللّسانِ في تحقيقِ الإِيمانِ أمورٌ، الإخلالُ بها إخلالٌ بالإِيمان
اتفاقً كتركِ السُّجودِ لصنعٍ وقتلِ نبِيِّ والاستخفافِ به وبالمُصْحفِ والكعبةِ(٤)، وكذا مخالفةُ أو
إنكارُ ما أُجَمِعَ عليهِ بعدَ العلمِ به؛ لأنَّ ذلكَ دليلٌ على أنَّ التّصديقَ مفقودٌ))، ثمَّ حَقَّقَ(٥) أنَّ عدمَ
الإخلالِ بهذهِ الأمورِ أحدُ أجزاءِ مفهومِ الإِيمانِ، فهو حينئذٍ التّصديقُ والإقرارُ وعدمُ الإخلالِ بما
ذُكِرَ بدليلٍ أنَّ بعضَ هذهِ الأمورِ تكونُ معَ تحقَّقِ التّصديقِ والإقرارِ، ثُمَّ قالَ(١): ((ولا عتبارِ التّعظيمِ
الُنافِي للاستخفافِ كَفْرَ الحنفيَّةُ بألفاظٍ كثيرةٍ وأفعالٍ تَصْدُرُ من المتهتّكينَ الدلالِتِها على الاستخفافِ
بالدِّينِ كالصَّلاةِ بلا وضوءِ عَمْدً، بل بالمواظبةِ على تركِ سِنَّةٍ استخفافاً بها بسببِ أَنَّه فَعَلَهَا النَّبِيُّ ◌َ﴿
زيادةً أو استقباحِها كمَن استقبحَ مِن آخَرَ جَعْلَ بعضِ العمامةِ تحتَ حلقِهِ أو إحفاءَ شارِهِ)) اهـ.
قلتُ: ويظهرُ من هذا: أنَّ ما كانَ دليلَ الاستخفافِ يُكفّرُ به وإنْ لم يَقْصِدِ الاستخفافَ؛
(١) صه - "در".
(٢) "شرح العقائد النسفية": الكبيرة والروايات في عددها صـ١٧٣-١٧٤ -.
(٣) انظر "المسامرة شرح المسايرة": مفهوم الإيمان صـ٣٣٧ - بتصرف.
(٤) أي: وتركِ قتل نبي وترك الاستخفاف به ... إلخ.
(٥) "المسامرة شرح المسايرة": اتفق الأشاعرة والماتريدية على تلازم الإيمان والإسلام صـ٣٤٢ -.
(٦) "المسامرة شرح المسايرة": الاستسلام والانقياد أهو داخل في معنى التصديق؟ صـ٣٥٥ -.
الجزء الثالث عشر
٩
باب المرتد
فهو ككُفْرِ العِنادٍ)). والكُفْرُ لغةً: السَّترُ، وشرعاً: تَكذيُهُ﴾ في شيءٍ فَما جاء به
من الدِّين ضَرورةً، وألفاظُهُ تُعرَفُ في الفتاوى،.
لأَنّه لو توقّفَ على قصدِهِ لَما احتاجَ إلى زيادةِ عدمِ الإِخلالِ بما مرَّ(١)؛ لأنَّ قصدَ الاستخفافِ
مُنافٍ للتّصديقِ.
[٢٠٢٦٩) (قولُهُ: فهو ككُفْرِ العِنادِ) أي: ككفرٍ مَن صدَّقَ بقلبِهِ وامتنعَ عن الإقرارِ بالشَّهادِتَیْنِ
عِنادً ومخالفةٌ، فإنّه أمارةُ عدمِ التّصديقِ وإِنْ قلنا: إنَّ الإقرارَ ليسَ ركناً.
[٢٠٢٧٠) (قولُهُ: والكُفْرُ لغةً: السََّرُ) ومنه سُمِّيَ الغلاَّحُ كافراً؛ لأَنَّه يَسْتُرُ البَذْرَ في الأرضِ،
ومنه كفرُ النّعمةِ، وهو موجودٌ في المعنى الشَّرعيِّ؛ لأَنَّه سَتَّرَ ما وَجَبَ إظهارُهُ.
[٢٠٢٧١) (قولُهُ: تكذيُهُ {﴿ إلخ) المرادُ بالتّكذيبِ: عدمُ التّصديقِ الَّذي مرَّ(٢) أي: عدمُ
الإذعانِ والقَبولِ لِمَا عُلِمَ محيُهُ بِهِلَّضرورةً، أي: علماً ضرورياً لا يتوقّفُ على نَظَرٍ واستدلالٍ،
وليسَ المرادُ التّصريحَ بأنّه كاذبٌ في كذا؛ لأنَّ محرَّدَ نسبةِ الكذبِ إليهِ ﴿ كفرٌ، وظاهرُ كلامِهِ:
تخصيصُ الكفرِ بَجَحْدِ الضَّروريِّ فقط معَ أنَّالشَّرِطَ عندَنا ثبوتُهُ على وجهِ القطعِ وإنْ لم يكنْ
ضرورياً، بل قد يكونُ بما يكونُ استخفافاً من قول أو فعلٍ كما مرَّ(٣)، ولذا ذَكَرَ في "المسايرة(٤):
((أَنَّ ما ينفي الاستسلامَ أو يُوجِبُ التَّكذيبَ فهو كفرٌ، فما ينفي [٣/ ق٥٨/ب] الاستسلامَ كلُّ ما
قدَّمناهُ عن الحنفيَّةِ - أي: ثَمَا يَدُلُّ على الاستخفافِ - وما ذُكِرَ قبلَهُ مِن قتلِ نِيٌّ؛ إذ الاستخفافُ فيهِ
أظهرُ، وما يُوجِبُ التّكذيبَ حَحْدُ كلِّ ما ثَبَتَ عن النّبِّوَ﴿ّ ادِّعاؤُهُ ضرورةً، وأمَّا ما لم يَلُغْ حدَّ
الضَّرورةِ - كاستحقاقِ بنتِ الابنِ السُّدسَ معَ البنتِ بإجماعِ المسلمينَ - فظاهرُ كلامِ الحنفيّةِ
الإِكفارُ بَحَحْدِهِ فإنّهم لم يَشْرِطوا سوى القطعِ في الُبُوتِ، ويجبُ حملُهُ على ما إذا عَلِمَ الْمُنكِرُ ثبوتَهُ
قطعاً؛ لأنَّ مَناطَ النَّكفيرِ - وهو النِّكذيبُ أو الاستخفافُ - عندَ ذلكَ يكونُ، أمَّا إذا لم يَعْلَمْ فلا،
(١) في هذه المقولة.
(٢) صـ٥- وما بعدها "در".
(٣) المقولة [٢٠٢٦٨] قوله: ((مَنْ هَزَلَ بلفظِ كفرٍ)).
(٤) انظر "المسامرة شرح المسايرة": الكلام في متعلق الإيمان صـ٣٥٧-٣٦٠ - بتصرف.
حاشية ابن عابدين
١٠
باب المرتد
إلاَّ أنْ يَذِكُرَ لهُ أهلُ العلمِ ذلكَ فَلِجَ)) اهـ.
مطلبٌ في حكمٍ (١) منكرِ الإجماعِ
وهذا موافقٌ لِما قدَّمناهُ(٢) عنه مِن أَنَّه يُكَفَرُ بإنكارِ ما أُجمِعَ عليهِ بعدَ العلمِ به، ومثلُهُ ما في
"نورِ العين" عن "شرح العمدة": ((أطلقَ بعضُهم أنَّ مُخالِفَ الإجماعِ يُكَفَرُ، والحقُّ: أنَّ المسائلَ
الإِجماعيَّةَ تارةً يَصحُبُها التَّواترُ عن صاحبِ الشَّرعِ كوجوبِ الخَمسِ، وقد لا يَصحَّبُها، فالأوَّلُ
يُكَفَرُ جاحدُهُ لمخالفتِهِ التَّواترَ لا لمخالفتِهِ الإجماعَ)) اهـ. ثمَّ نَقَلَ في "نور العين" عن "رسالة الفاضلِ
الشَّهِيرِ حسام جلبي(٣) من عظماءِ علماءِ السُّلطانِ "سليمٍ بنِ بايزيد خان(٤)، ما نصُّهُ: ((إذا
لم تكنِ الآيةُ أو الخبرُ المتواترُ قطعيَّ الدِّلالةِ، أو لم يكنِ الخبرُ متواتراً، أو كانَ قطعياً لكنْ فيه شبهةٌ،
أو لم يكنِ الإجماعُ إجماعَ الجميعِ، أو كانَ ولم يكنْ إجماعَ الصَّحابةِ، أو كانَ ولم يكنْ إجماعَ
جميعِ الصَّحابةِ، أو كانَ إجماعَ جميعِ الصَّحابةِ(٥) ولم يكنْ قطعياً بأنْ لم يثبتْ بطريقِ التَّواترِ أو كانَ
قطعيًّاً لكنْ كانَ إجماعاً سُكُوتَّا ففي كلِّ من هذهِ الصُّورِ لا يكونُ الجحودُ كفراً، يَظْهَرُ ذلكَ لّمن
نَظَرَ في كتبِ الأصولِ، فاحفظْ هذا الأصلَ فإنَّه ينفعُكَ في استخراجٍ فروعِهِ حتّى تعرفَ منهُ صِحَّةً
ما قيلَ: إِنَّه يلزمُ الكفرُ في موضعٍ كذا، ولا يلزمُ في موضعٍ آخرَ)) اهـ.
(تنبيةٌ)
في "البحر"(١): ((والأصلُ: أَنَّ مَن اعتقدَ الحرامَ حلالاً: فإنْ كانَ حراماً لغيرِهِ كمالِ الغيرِ
لا يُكَفَرُ، وإنْ كانَ لعِينِهِ فإنْ كانَ دليلُهُ قطعيّاً كُفِرَ، وإلاّ فلا، وقيلَ: التَّفصيلُ في العالِمِ، أمَّ الجاهلُ
(١) ((حكم)) زيادة من "الأصل".
(٢) المقولة [٢٠٢٦٨] قوله: ((مَنْ هَزَلَ بلفظِ كُفْرٍ))
(٣) حسام الدين حسن جلبي بن السيد الرومي القراصُوي (ت٩٥٧هـ) ( "الشقائق النعمانية" صـ٢٨٤-، "الطبقات السنية"
٩٩/٣) ولم يُذكر في ترجمته أسماء مؤلفاته.
(٤) سليم بن بايزيد بن محمد سليم خان بن عثمان(ت ٩٢٦هـ)، تاسع ملوك بني عثمان. ("النور السافر" صـ١١٩ -
وفيه وفاته ٩٢٤هـ، "شذرات الذهب" ١٩٨/١٠، "البدر الطالع" ٢٦٥/١).
(٥) قوله: ((أو كان إجماع جميع الصحابة)) ساقط من "ك".
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٢/٥.
الجزء الثالث عشر
١١
باب المرتد
بل أُفرِدَتْ بالتّآليفِ مع أنّه لا يُفتَى بالكُفْرِ بشيءٍ منها إلاَّ فيما اتَّفقَ المشايخُ عليه
كما سيجيءُ(١)، قال في "البحر": ((وقد أَلزمتُ نفسي أن لا أُفِيَ بشيءٍ منها)).
(وشرائطُ صِحَّتِها: العَقْلُ)، والصَّحْوُ).
٢٨٤/٣ فلا يفرَّقُ بينَ الحرامِ (٢) لعينِهِ ولغيرِهِ، وإنَّا الفرقُ في حقّهِ: أنَّ ما كانَ قطعيّاً كُفِرَ بِهِ،
وإلاّ فلا، فُيُكَفَرُ إذا قالَ: الخمرُ ليسَ بحراٍ))، وتمامُهُ فيهِ.
[٢٠٢٧٢)] (قولُهُ: بل أُفْرِدَتْ بالتَّلِيفِ) مِن أحسنِ ما أُلْفَ فيها ما ذكرَهُ في آخرِ "نور العين)"
وهو تأليفٌ مستقلٌّ، ومن ذلكَ كتابُ "الإعلام في قواطع الإِسلام" لـ"ابنِ حجرَ المكيِّ"(٣)، ذَكَرَ
فيه المكفّراتِ عندَ الحنفيَّةِ والشَّافِعِيَّةِ وحَقَّقَ فيه المقامَ، وقد ذَكَرَ في "البحر "(٤) جملةً من المُكفِّراتِ.
مطلبٌ: ما يُشَكُّ في أنَّه ◌ِرِدَّةٌ لا يُحكَمُ بها
[٢٠٢٧٣] (قولُهُ: قالَ في "البحر"(٥) إلخ) سببُ ذلكَ ما ذكرَهُ قبَلَهُ بقولِهِ (٦): ((وفي "جامع
الفصولَينِ(٧): رَوَى "الطَّحاويُ)(٨) عن أصحابنا لا يُخرِجُ الرَّجلَ من الإيمانِ إلَّ جحودُ ما أدخلَهُ فيهِ
ثُمَّ ما تُيَقْنَ أَنْه ردَّةٌ يُحكَمُ بها، وما يُشّكُّ أنّه رَدَّةٌ لا يُحكَمُ بها؛ إذ الإِسلامُ النَّابتُ لا يزولُ بِالشَّكِّ
معَ أنَّالإِسلامَ يعلو(٩)، وينبغي للعالمٍ إذا رُفِعَ إليه هذا أنْ لا يُبَادِرَ بتكفيرِ أهلِ الإِسلامِ معَ أَنَّه يَقْضِي
بصحَّةٍ إسلامٍ الْمُكْرَهِ. أقولُ: قدَّمتُ هذا ليصيرَ ميزانً فيما نقلُهُ في هذا الفصلِ من المسائلِ، فإِنَّه قد ذُكِرَ
في بعضِها أنَّه كفرٌّ معَ أَنَّه لا يُكَفَرُ على قياسِ هذهِ المقدّمةِ، فليتأمَّل. اهـ ما في "جامع الفصولَين")).
(١) صـ٤٣- وما بعدها "در".
(٢) عبارة "البحر": ((فلا يفرّق بين الحلال والحرام لعينه ولغيره)).
(٣) تقدمت ترجمته ١٤٩/١.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٢٩/٥ وما بعدها.
(٥) "البحر": کتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٥/٥.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٤/٥ بتصرف.
٠
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الثامن والثلاثون في مسائل كلمات الكفر ٢٩٦/٢.
(٨) "العقيدة الطحاوية": صـ ٣٠-، وينتهي الكلام فيها عند قوله: ((ما أدخله فيه)).
(٩) في "آ" زيادة: ((ولا يُعْلى عليه)).
حاشية ابن عابدين
١٢
باب المرتد
(والطَّوْعُ)، فلا تَصِحُّ رِدّةٌ مجنونِ،
وفي "الفتاوى الصُّغْرى" (١): الكفرُ شيءٌ عظيمٌ فلا أجعلُ المؤمنَ كافراً متى وَجَدْتُ روايةً أَنَّه لا يُكَفَرُ اهـ.
وفي "الخلاصة"(٢) وغيرِها: إذا كانَ في المسألةِ وجوةٌ تُوجِبُ التَّكغيرَ ووحةٌ واحدٌ يمنعُهُ فعلى المُفِتِي
أنْ يَمِيلَ إلى الوجهِ الَّذي يمنعُ التَّكفيرَ تحسيناً للظَّنِّ بالمسلمِ، زادَ في "البزَّزَيَّة"(٣): إلَّ إذا صَرَّحَ بإرادةٍ
مُوحِبِ الكفرِ فلا ينفعُهُ النَّأويلُ حينئذٍ، وفي "الَّار خانَّةً "(٤): لا يُكَفَرُ بالمحَتَمِلِ؛ لأنَّ الكفرَ نهايةٌ في
العقوبةِ فيستدعي نهايةً في الجنايةِ، ومعَ الاحتمالِ لا نهايةَ اهـ. والّذي تحرَّرَ أَنَّه لا يُفتَى بكفرِ مسلمٍ
أمكنَ حملُ كلامِهِ على مَحْمَلٍ حسنٍ، أو كانَ في كفرِهِ اختلافٌ ولو روايةً [٣/ ق ٥٩/ ١] ضعيفةٌ،
فعلى هذا فأكثرُ ألفاظِ التَّكفيرِ المذكورةِ لا يُفتَى بالتَّكفيرِ فيها، ولقد ألزمتُ نفسي أنْ لا أُفِيَ
بشيءٍ منها)). اهـ كلامُ "البحر"(٥) باختصارٍ.
[٢٠٢٧٤) (قولُهُ: والطَّوْعُ) أي: الاختيارُ احترازاً عن الإكراهِ، ودَخَلَ فيهِ الهازلُ كما مرَّ(٦)؛
لأَنّه يُعَدُّ مستخِفاً لتعمُّدِهِ النَّفُّظَ به وإنْ لم يَقْصِدْ معناهُ، وفي "البحر"(٧) عن "الجامع الأصغرِ"(٨). ((إذا
أطلقَ الرَّجلُ كلمةَ الكفرِ عَمْدً لكنَّهُ لم يعتقدْ الكفرَ، قالَ بعضُ أصحابنا: لا يُكَفَرُ؛ لأنَّ الكفرَ
يتعلَّقُ بالضَّميرِ ولم يعقِدِ الضَّميرَ على الكفرِ، وقالَ بعضُهم: يُكفّرُ، وهو الصَّحيحُ عندِي؛
(١) تقدمت ترجمتها ٢٤٧/١.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب ألفاظ الكفر - الفصل الثاني في ألفاظ الكفر فيما يكون كفراً وفيما لا يكون - الجنس
الأول في المقدمة ق ٣١٦/أ.
(٣) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون -
النوع الأول في المقدمة ٣٢١/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "التاتر خانية": كتاب أحكام المرتدين - فصل في إجراء كلمة الكفر وحديث النّفس والرضا بالكفر ٤٥٩/٥
بتصرف نقلاً عن "اليتيمة".
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٤/٥ -١٣٥.
(٦) ص٨ "در".
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٤/٥.
(٨) تقدمت ترجمته ٣١٣/٣.
الجزء الثالث عشر
١٣
باب المرتد
ومَعْتُوهٍ، ومُوَسْوِسٍ،
لأَنّه استخفَّ بدينِهِ)) اهـ. ثُمَّ قالَ في "البحر"(١): ((والحاصلُ: أنَّ مَن تكلّمَ بكلمةِ الكفرِ هازلاً
أو لاعباً كُفِرَ عندَ الكلِّ ولا اعتبارَ باعتقادِهِ كما صرَّحَ به في "الخانَّةِ "(٢)، ومَن تكلَّمَ بها مُخْطِئاً
أو مُكرَهاً لا يُكَفَرُ عندَ الكلِّ، ومَن تكلّمَ بها عامداً عالماً كُفِرَ عندَ الكلِّ، ومَن تكلّمَ بها اختياراً
جاهلاً بأنّها كفرٌ ففيهِ اختلافٌ)) اهـ.
[٢٠٢٧٥) (قولُهُ: ومَعْتُوهٍ) عزاهُ في "النّهر" (٣) إلى "السِّراج"، وهو النَّاقصُ العقلِ، وقيلَ:
المدهوشُ من غيرِ جنونٍ، كذا في "المغرب"(٤)، وفي أحكاماتِ "الأشباه"(٥): ((أَنَّ حكمَهُ حكمُ
الصَّبِيِّ العاقلِ فَتَصِحُّ العباداتُ منه ولا تَجِبُ، وقيلَ: هو كالمجنونِ، وقيلَ: كالبالغِ العاقلِ)) اهـ.
قلتُ: والأوَّلُ هو الَّذِي صَرَّحَ به الأصوليونَ، ومقتضاهُ: أنْ تَصِحَّ ردُّتُهُ لكنّهُ لا يُقْتَلُ كما
هو حكمُ الصَّبِيِّ العاقلِ، تأمَّل. ثمَّ رأيتُ في "الخانَةُ"(٦) قالَ: ((وأمَّا ردَّةُ المعتوهِ فلم (٧) تُذكَرْ في
الكتبِ المعروفةِ، قالَ مشائخُنا: هو في حكمِ الرِّدَّةِ بمنزلةِ الصَّبِيِّ)) اهـ.
(٢٠٢٧٦] (قولُهُ: ومُوَسْوِسٍ) بالكسرِ، ولا يُقَالُ بالفتحِ، ولكنْ (موسوَسُ لهُ) أو ((إليهِ)، أي: تُلقَى
إليهِ الوسوسةُ، وقالَ "اللَيثُ": الوسوسةُ حديثُ النّفسِ، وإنما قيلَ: مُوَسوِسٌ؛ لأَنَّهُ يُحدِّثُ بما في ضميرِهِ،
﴿بابُ المرتدِّ﴾
(قولُهُ: وإنما قيلَ: موسوِسٌ؛ لأنّه يُحدِّثُ بما في ضميرِهِ إلخ) أي: بدونِ جزءٍ ولا يَتْبُتُ على حَالةٍ
واحدةٍ، من "السِّنديّ".
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٤/٥.
(٢) "الخانية": كتاب السِّير - باب ما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون ٥٧٧/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ق ٣٣٥/أ.
(٤) "المغرب": مادة ((عته)).
(٥) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق - أحكام المعتوه صـ٣٨٢ -.
(٦) "الخانية": كتاب السِّير - باب ما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون ٥٧٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
وفيها: ((وأمّا ردّة المعتوه والمجنون إلخ))، بزيادة: ((المجنون)).
(٧) في "الأصل" و"آ" و"ك" و"ب": ((لم))، وما أثبتناه من "م".
حاشية ابن عابدين
١٤
باب المرتد
وصبيٌ لا يَعْقِلُ، وسكرانَ، ومُكرَهٍ عليها، وأمَّا الْبُلُوغُ والذُّكُورةُ فليسا بشرطٍ،
"بدائع"(١). وفي "الأشباه"(٢): ((لا تَصِحُّ رِدَّةُ السَّكرانِ إلَّ الرِّدَّةُ بسبِّ النَّبِيِّ ◌َ» ...
وعن "[أبي](٣) اللّيثِ": لا يجوزُ طلاقُ الْموَسوِسِ، قالَ: يعني: المغلوبَ في عقلِهِ، وعن "الحاكم" هو
المُصَابُ في عقلِهِ إذا تكلَّمَ يتكلّمُ بغيرِ نظامٍ، كذا في "المغرب".
٨
[٢٠٢٧٧) (قولُهُ: وصبيِّ لا يَعْقِلُ) قدَّرَ عقلَهُ في "فتاوى قارئ الهداية "(٤) بأنْ يبلغَ سبعَ سنينَ،
"نهر"(٥)، وسيأتي(٦) آخرَ البابِ.
[٢٠٢٧٨] (قولُهُ: وسكرانَ) أي: ولو مِن محرَّمٍ لِما في أحكاماتِ "الأشباهِ"(٧): ((أنَّ السَّكرانَ
مِن محرَّمٍ كالصَّاحي إلاَّ في ثلاثٍ: الرِّدَّةُ والإقرارُ بالحدودِ الخالصةِ والإِشهادُ على شهادةِ نفسِهِ إلخ)).
[٢٠٢٧٩) (قولُهُ: ومُكْرَهٍ عليها) أي: على الرَِّّةِ، والمرادُ الإكراهُ مُلْجِئٍّ من قتلٍ أو قطعٍ عُضْوٍ
أو ضربٍ مُبرِّحٍ، فإِنَّه يُرِّصُ له أنْ يُظهِرَ ما أُمِرَ به على لسانِهِ وقلبُهُ مطمئنٌّ بالإِيمانِ ولا تَبِينُ
زوجتُهُ استحساناً كما سيجيءُ(٨) في بابِهِ.
[٢٠٢٨٠] (قولُهُ: فليسًا بشرطٍ) هذا في الذُّكورةِ بالاتّفاقِ، وأمَّا في البلوغِ فعندَهما خلافاً
لـ"أبي يوسف" كما يأتي آخرَ البابِ (٩)، "ح"(١٠).
(١) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأما بيان أحكام المرتدين إلخ ١٣٤/٧.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثاني: الفوائد - كتاب السِّير صـ٢١٩ -.
(٣) في النسخ جميعها: ((وعن "الليث"))، وما أثبتناه من "المغرب" مادة: ((وسوس))، والمراد به الفقيه "أبو الليث"
فقد ذكر محقّقُ "المغرب" أنه وقع في بعض النسخ: ((وعن الفقيه "أبي الليث")).
(٤) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في إسلام الصبي صـ٤٦ -.
(٥) "النهر": كتاب السِّير - باب المرتدين ق ٣٣٥/أ.
(٦) صـ ١٢٠ - "در".
(٧) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الثالث: الجمع والفرق - أحكام السَّكْران صـ٣٦٩ -.
(٨) المقولة [٣٠٦٩٥] قوله: ((وإن خطر بباله التورية إلخ)).
(٩) صـ ١١٩ - "در".
(١٠) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ.
الجزء الثالث عشر
١٥
باب المرتد
فإنّه يُقتَلُ ولا يُعفَى عنه)). (مَن ارتدَّ عَرَضَ) الحاكمُ (عليه الإِسلامَ استحباباً) على
المذهبِ؛ لُبُلوغِهِ الدَّعوةُ، (وتُكشَفُ شُبْهتُهُ) بيانٌ لِثَمرةِ العَرْضِ (ويُحَبَسُ) وجوباً ..
[٢٠٢٨١) (قولُهُ: فإِنَّه يُقْتَلُ ولا يُعفَى عنه)(١) قَّدَهُ في "البحر"(٢) بما إذا كانَ سُكْرُهُ بسببٍ
محظورِ باشرَهُ مختاراً بلا إكراهٍ، وإلاَّ فهو كالمجنونِ. اهـ "ح"(٣).
قلتُ: وما جَزَمَ به "الشَّارحُ" من أَنَّه لا يُعفَى عنهُ - أي: إنْ تابَ - سيأتي (٤) ما يخالفُهُ.
[٢٠٢٨٢) (قولُهُ: مَن ارتدَّ) أي: عن الإسلامِ، فلو أنَّ اليهوديَّ تنصَّرَ أو تمجَّسَ أو النّصرانيَّ
تهوَّدَ أو تمجَّسَ لم يُجَبَرْ على العودِ لِما كانَ عليهِ؛ لأنَّ الكفرَ كلَّهُ مَلَّةٌ واحدةٌ كما في "البِرِجَنديِّ"
وغيرِهِ، "دَرِّ منتقى)(٥)، وسيذكرُهُ(٦) "المصنّفُ".
[٢٠٢٨٣] (قولُهُ: الحاكمُ) أي: الإِمامُ أو القاضي ، "بحر "(٧).
٢٠٢٨٤٦] (قولُهُ: لبلوغِهِ الدَّعوةُ) مصدرٌ مضافٌ للمفعولِ، و ((الدَّعوةُ)) فاعلٌ. اهـ "ح (٨)،
قالَ في "البحر"(٩): ((وعرضُ الإِسلامِ هو الدَّعوةُ إليهِ، ودعوةُ مَن بلغتْهُ الدَّعوى غيرُ واجبةٍ)).
[٢٠٢٨٥) (قولُهُ: بيانٌ لِثَمَرَةِ العَرْضِ) الظَّاهِرُ: أنَّ ثَمَرَةَ العَرْضِ الإِسلامُ والنَّجاةُ من القتلِ،
٢٨٥/٣ وأمَّا هذا فهو ثمرةُ التَّأجيلِ ثلاثةَ أيامٍ؛ لأنَّ مَن انتقلَ عن الإسلامِ - والعياذُ باللهِ تعالى - لا بدَّ
(قولُهُ: الظَّاهرُ: أنَّ ثَمَرَةَ العَرْضِ الإِسلامُ إلخ) لا شكَّ أنَّ ثمرةَ العَرْضِ هو كشفُ الشُّبهةِ، فإنَّ مَن
ارتدَّ غالباً يكونُ عن شبهةٍ، فبالعَرْضِ يُبدِيها فتنكشِفُ له فيكونُ الكشفُ أمراً مترتّباً على العرضِ، تأمَّل.
(١) ((عنه)) ساقطة من "الأصل" و"آ" و"ك" و"ب".
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٦/٥.
(٣) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ.
(٤) المقولة: [٢٠٣٣٣] قوله: ((وقد صرَّح في "النتف" إلخ)).
(٥) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب المرتد ٦٨٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) صـ ٨٥ - "در".
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٥/٥.
(٨) "ح": كتاب الجهاد - باب المرتد ق ٢٦٥/أ بتصرف.
(٩) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٥/٥.
حاشية ابن عابدين
١٦
باب المرتد
وقيل: نَدْباً (ثلاثةَ أَيّامٍ) يُعرَضُ عليه الإسلامُ في كلِّ يومٍ(١) منها، "خانية"(٢) (إن
اسْتَمْهَلَ) أي: طَلَبَ الْمُهْلَةَ، وإلاّ قَتْلَه من ساعتِهِ إلَّ إذا رُجِيَ إسلامُهُ، "بدائع"(٣).
وكذا لو ارتدَّ ثانياً لكنَّه يُضرَبُ، وفي الثَّالثةِ يُحبَبُ أيضاً حتَّى تَظْهَرَ عليه التَّوبةُ،
فإِنْ عاد فكذلك، "تتارخانية". قلتُ: لكنْ نَقَلَ في "الزَّواهرِ".
لهُ غالباً مِن شبهةٍ، فتُكشَفُ له إنْ أبداها في هذهِ المدَّةِ، تأمَّل.
[٢٠٢٨٦] (قولُهُ: وقيلَ: نَدْباً) أي: وإنْ استمهلَ، وظاهرُ الرِّوايةِ: الأوَّلُ، وهو أَنَّه لا يُمهَل
بدون استمهالٍ كما في "البحر "(٤).
[٢٠٢٨٧) (قولُهُ: إِنِ اسْتَمْهَلَ) أي: بعدَ العرضِ للَّفكرِ، "فُهِستانيّ (٥).
[٢٠٢٨٨] (قولُهُ: وإلاَّ قَلَهُ) أي: بعدَ عَرْضِ الإسلامِ عليهِ وكشفِ شبهتِهِ، "ط) (٦).
[٢٠٢٨٩] (قولُهُ: إلاَّ إذا رُجِي إسلامُهُ) أي: فإِنَّهُ يُمهَلُ، وهل هو حينئذٍ واجبٌ أو مستحبٌّ
محلٌّ تردٍُّ، والظَّاهرُ: الثّاني، تأمَّل.
[٢٠٢٩٠] (قولُهُ: لكنَّهُ يُضرَبُ إلخ) أي: إذا ارتدَّ ثانياً ثُمَّ تابَ ضربَهُ الإِمامُ وخَلَّى سبيلَهُ، وإد
ارتدَّ ثالثاً ثمَّ تابَ ضربَهُ ضَرْباً وَجِيعاً وحَبَسَهُ حَتّى تَظْهَرَ [٣/ ق٥٩/ ب] عليهِ آثَارُ الَّوبةِ وَيَرى أَهـ
مُخْلِصٌ ثُمَّ خَلَّى سبيلَهُ، فإنْ عَادَ فَعَلَ بِهِ هكذا، "بحر "(٧) عن "الَّار خانَّةً"(٨)، وفي "الفتح"(٩): ((فلا
ارتدَّ بعدَ إسلامِهِ ثانياً قَبَلْنَا توبتَهُ أيضاً، وكذا ثالثاً ورابعاً، إلاَّ أنَّ "الكرخيَّ" قالَ: فإنْ عادَ بعدَ الَّاكُ
(١) في "د" ((في كلِّ يومٍ مرَّة)) بزيادة: ((مرَّة)).
(٢) "الخانية": كتاب السِّير - باب الردَّة وأحكام أهلها ٥٨٠/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البدائع": كتاب السِّير - فصلٌ: وأما بيان أحكام المرتدين إلخ ١٣٤/٧.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٥/٥.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصلٌ: تمليك بعض الكفار - أحكام المرتد ٣٢٧/٢.
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب المرتد ٤٨٠/٢.
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٥/٥ بتصرف.
(٨) "التاترخانية": كتاب أحكام المرتدين - فصل في المتفرقات ومسائل المرتدة ٥٥٢/٥ وعزاه إلى "تجنيس خواهر زاده".
(٩) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥-٣١٠.
الجزء الثالث عشر
١٧
باب المرتد
يُقْتَلُ إنْ لم يُتُبْ في الحالِ ولا يُؤْجَّلُ، فإنْ تابَ ضربَهُ ضرباً وَجِيعاً ولا يَبْلُغُ به الحَدَّ ثُمَّ يَحِسُهُ
ولا يُخرِجُهُ حتَّى يَرى عليهِ خشوعَ الَّوبةِ وحالَ الْمُخْلِصِ فحينئذٍ يُخلِّي سبيلَهُ، فإنْ عادَ بعدَ ذلكَ
فَعَلَ بِهِ كذلكَ أبداً ما دامَ يَرجِعُ إلى الإسلامِ، قالَ "الكرخيُّ": هذا قولُ أصحابنا جميعاً: إنَّ المرتدَّ
يُستابُ أبداً، وما ذكرَهُ "الكرخيُّ" مرويٌّ في "النَوادِ" قالَ: إذا تكرَّرَ ذلكَ منهُ يُضرَبُ ضرباً مُبرِّحاً
ثَّ يُحَبَسُ إلى أنْ تظهرَ توبتُهُ ورجوعُهُ اهـ، وذلكَ لإطلاقِ قولِهِ تعالى: ﴿فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ﴾.
[التوبة: ٥] الآيةَ، وعن "ابنِ عمرَ" و"عليِّ": لا تُقبَلُ توبةُ مَن تكرَّرَت ردَّتُهُ كالرِّنديق(١)،
(١) لم نجده هكذا صريحاً إلاّ عند الكرخي كما في "الفتح"، وقد ورد استابة المرتد ثلاثاً.
فقد أخرج ابن أبي شيبة ٥٩٩/٧ في الجهاد - باب المرتد، كم يُستتاب؟ والطبري في "التفسير" [النساء/١٣٧]، والبيهقي
٢٠٧/٨ من طريق أشعث عن الشعبي قال: قال علي: ((يستابُ المرتدُّ ثلاثاً، فإن عاد قُتل))، وأخرجوا هم وابن أبي حاتم
(٦١١٠) في تفسيره [النساء /١٣٧] عن سفيان عن جابر عن عامر عن علي قال: ((إن كنتُ لمستيُه ثلاثاً))، وأخرج ابن أبي
شيبة والطبري والبيهقي عن وكيع عن سفيان عن عبد الكريم عن رجل عن ابن عمر قال: ((يُستتابُ المرتدُّ ثلاثاً))، وأخرجه
الإمام أحمد في "العلل" ١٩٩٢/١ عن وكيع عن سفيان عن عبد الكريم الجزري عن رجل عن ابن عمر به، ثم نقل عن ابن
مهدي قال: قال سفيان في حديث المرتد: هو أبو أمية، حدثني به سفيان. [وعبد الكريم أبو أمية ضعيف، والجزري ثقة]. قال
أحمد: ونسخناه من كتاب الأشجعي عن سفيان عن عبد الكريم البصري، قال أبي: وهو أبو أمية، مثلَ هذا الحديث.
وأخرج البيهقي ٢٠٧/٨، من طريق ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أنَّ أبا علي الهَمْداني حدثهم أنهم
كانوا مع فَضَالة بن عُبيد صاحب النبيِ ﴿ في البحر، فأُتي برجل من المسلمين قد فَرَّ إلى العدو فأقاله الإِسلامَ فأسلم، ثم فَرَّ
الثانية فأتي به فأقاله الإِسلام فأسلم، ثم فَرَّ الثالثة فأُتي به فَزَع بهذه الآية: ﴿ إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّكَفَرُواْ
ثُمَّأَزْدَادُوا كُفْرَا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَلَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٣٧]، فضرب عنقه، قال البيهقي: في إسناد هذه الآثار ضعفٌ.
وأخرج عبد الرزاق (١٨٦٩٩) (ح)، والبيهقي ١٩٧/٨، من طريق ابن وهب كلاهما عن الثوري عن رجل عن
عبد الله بن عبيد بن عُمير: ((أن النبي (﴿ استتاب نبهان أربع مرات، وكان نبهان ارتد))، وأخرجه الطبراني في "الأوسط"
(٧٦٣٣) حدثنا محمد بن المرزُبان الأَدَمي ثنا محمد بن مُقاتل الرازي حدثنا حَكَّام بن سَلْم عن طُعمة ابن عمرو عن أبان عن
أنس قال: ((ارتد نبهان ثلاث مرات .... ))، ثم ذكر عفو النبي ﴿ عنه في الرابعة.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن طعمة إلا حَكّام ، قال الهيثمي: وابن المرزُبان لم أجده في "الميزان"
ولا غيره، قال ابن حجر في "الإصابة": إسناده ضعيف جداً.
=
حاشية ابن عابدين
١٨
باب المرتد
عن آخِرِ حُدودِ "الخانية" مَعزيًّاً لـ "البَلخيِّ" ما يُفِيدُ قتَلَهُ بلا توبةٍ، فتنَبَّه (فإنْ أسلمَ) فبها،
وهو قولُ "مالكٍ" و"أحمد" و"اللَّيثِ"، وعن "أبي يوسف": لو فَعَلَ ذلكَ مراراً يُقْتَلُ غِيْلةً، وفسَّرَهُ:
بأنْ يُنْتَظَرَ فإذا أظهرَ كلمةَ الكفرِ قُتِلَ قبلَ أنْ يُسَابَ؛ لأَنَّ ظَهَرَ منه الاستخفافُ)) اهـ باختصار.
ء
وحاصلُهُ: أنَّ ظاهرَ قولِهِ: ((وكذا ثالثً ورابعاً)) أنَّه لو اسْتَمهَلَ بعدَ الرَّابعةِ يُؤْجَّلُ ولا يُحبَسُ
بعدَ الّوبةِ، والّذي نقلَهُ عن "الكرخيِّ" أنّه لا يُؤْجَّلُ بعدَ الرَّابعةِ بل يُقَتَلُ، إلاَّ إنْ تابَ فإِنَّه يُضرَبُ
ويُحبَسُ كما هو رواية "النَّادِ"، وعن "ابنِ عمرً" وغيرِهِ: يُقتلُ ولا توبةَ لهُ مثلُ الزِّنَديقِ.
(٢٠٢٩١)] (قولُهُ: عن آخرِ حدودٍ "الخانيَّةِ"(١)) ونصُّهُ: ((وحُكِيَ أَنَّ كانَ ببغدادَ نصرانيان
مرتدَّانِ إذا أُخِذا تابا، وإذا تُرِكا عادا إلى الرِّدَّةِ، قالَ "أبو عبدِ اللهِ البلخيُ)(٢): يُقتلان ولاُقبَلُ
توبتهما)) اهـ.
أقولُ: الظَّاهرُ: أنَّ "البلخيّ" اختارَ قولَ "ابنِ عمرَ"، ولا يَصِحُّ بناؤُهُ على روايةِ "الَّوادِ"
المارَّةِ عن "الفتح" كما لا يخفى، فافهم.
[٢٠٢٩٢) (قولُهُ: بلا توبةٍ) أي: بلا قَبولِ توبةٍ، وليسَ المرادُ أنّه يُقْتَلُ إنْ لم يَتُبْ؛ لأَنَّه لا نزاعَ فيهِ.
(قولُهُ: وحاصلُهُ: أنَّ ظاهرَ قولِهِ: ((وكذا ثالثاً ورابعاً)) أنَّه لو استَمهَلَ بعدَ الرَّابعةِ إلخ) على تسليمٍ أنَّ
ظاهرَهُ مَا ذَكَرَ لا يبقى كلامُهُ على ظاهرِهِ، بل يُرادُ بالَّشبيهِ أصلُ قَبولِ الَّبةِ، وأَنَّه بعدَ الثّالثةِ والرَّابعةِ لو استَمهَلَ
يُؤْخَّلُ ويُحَبَسُ معَ الضَّربِ كما صَرَّحَ به في "الَّار خانَّة" وغيرِها، و"الكرخيُّ" يقولُ: إنّه بعدَ الثّالثةِ لا يُؤْجَّلُ.
وأخرجه أبو يعلى (١٧٨٥)، عن المُعَلَّى عن عبد الله بن محمد بن عُقيل عن جابر: ((أن رسول الله لَ﴾
=
استتاب رجلاً ارتد عن الإسلام أربع مرات))، وأخرجه أبو الشيخ في "الحدود" كما في "تلخيص الحبير" ٤٦/٤.
وقال: المُعَلَّى متروك، وقال الهيثمي: أجمعوا على ضعفه بالكذب.
(١) "الخانية": فصلٌ فيما يوجب التعزير وما لا يوجب ٤٨١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) أبو عبد الله، الحسين بن محمد بن خُسْرُوَا البَلْخيّ ثم البغداديّ (ت٥٢٢ هـ). ("الجواهر المضية" ١٢٧/٢، "تاج
التراجم" صـ ٩١-، "الطبقات السنية" ١٦٠/٣).
الجزء الثالث عشر
١٩
باب المرتد
(وإلاَّ قُتِلَ)؛ لحديثِ: ((مَن بدَّلَ دِينَهُ فاقتُلُوهُ)) (١)، (وإسلامُهُ أن يَتَبرَّأَ عن الأديانِ) سوى
الإِسلامِ (أو عمَّ انتقل إليه) بعد نُطْقِهِ بالشَّهادَتَين، وتمامُهُ في "الفتح". ولو أتى بهما .....
[٢٠٢٩٣)] (قولُهُ: وإلاَّ قُتِلَ) أي: ولو عبدً، فَيُقْتَلُ وإِنْ تضمَّنَ قتُلُهُ إبطالَ حقِّ المولى، وهذا
بالإجماع؛ لإطلاقِ الأدلةِ، "فتح"(٢)، قالَ في "المنح(٢): ((وأطلقَ فشَمِلَ الإِمامَ وغيرَهُ، لكنْ إِنْ قَلَهُ غيرُهُ
أو قَطَعَ عضواً منهُ بلا إذنِ الإِمامِ أدََّهُ الإِمامُ)) اهـ. وسيأتي(٤) متناً وشرحاً استثناءُ أربعةَ عشرَ لا يُقتلونَ.
[٢٠٢٩٤)] (قولُهُ: لحديثِ إلخ) رواهُ "أحمدُ" و"البخاريُّ" وغيرُهما، "زيلعيُّ) (٥).
[٢٠٢٩٥] (قولُهُ: بعدَ نُطْقِهِ بالشَّهادتينِ) كذا فقَّدَهُ في "العناية"(٦) و"النّهاية"، وعزاهُ
"القُهستانيُ)(٧) إلى "المبسوط "(٨) و"الإيضاح" وغيرِهما، وقالَ(٩): ((وإنَّا لم يذكرْهُ؛ لأنَّ ذلكَ
(١) أخرجه البخاري (٣٠١٧) في الجهاد والسِّير - باب لا يُعَذَّبُ بعذاب الله، و(٦٩٢٢) في استتابة المرتدين والمعاندين -
باب حكم المرتد والمرتدة، وأحمد ٢١٧/١، ٢١٩، ٢٨٢، وأبو داود (٤٣٥١) في الحدود - باب الحكم فيمن ارتد،
والترمذي (١٤٥٨) في الحدود - باب ما جاء في المرتد، والنسائي ١٠٤/٧ في تحريم الدم - باب الحكم في المرتد، وابن
ماجه (٢٥٣٥) في الحدود - باب المرتد عن دينه، والحميدي (٥٣٣)، والشافعي ٨٦/٢-٨٧ وغيرهم، من طرقٍ عن
أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً، وفيه قصَّة.
وأخرجه النسائي ١٠٤/٧، من طريق عبَّاد بن العوَّام ثنا سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، وخالفه محمد
ابن بشر، فرواه عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن مرسلاً . قال أبو عبد الرحمن: وهذا أولى بالصواب من حديث عبَّاد.
وأخرجه أحمد ٣٢٢/١، والنسائي ١٠٥/٧، وأبو يعلى (٢٥٣٣)، والطبراني (١٠٦٣٨)، وصحَّحه ابن حبان
(٤٤٧٥)، والبيهقي ٢٠٤/٨، من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس، عن ابن عباس.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥ بتصرف.
(٣) "المنح": كتاب الجهاد - باب في بيان أحكام المرتدين ١/ق ٢٥٤/ب، نقلاً عن "شرح الطحاوي".
(٤) صـ ٨٥ - "در".
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب المرتدين ٢٨٤/٣.
(٦) "العناية": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥ (هامش "فتح القدير").
(٧) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصلٌ: تمليك بعض الكفار - أحكام المرتد ٣٢٧/٢ بتصرف.
(٨) "المبسوط": كتاب السِّير - باب المرتدين ٩٩/١٠.
(٩) أي: "القهستاني".
حاشية ابن عابدين
٢٠
باب المرتد
على وجهِ العادةِ لم يَنفعهُ مالم يَتَبرَّأْ، "بزازية" (وكُرِهَ) تنزيهاً؛ لِما مرَّ (قَتُلُهُ قبلَ
العَرْضِ بلا ضَمانٍ) لأنَّ الكُفْرَ مُبِيحٌ للَّهِ، ..
معلومٌ))، لكنْ مقتضَى ما في "الفتح"(١) عدمُ اعتمادِهِ؛ لأَنَّه عَبَّرَ عنهُ بقيلَ، وكأنّه تابعَ ظاهرَ المتونِ،
وهو مُفادُ كلامٍ "الزَّلِعِيّ"(٢)، ويؤيِّدُهُ ما سيذكرُهُ(٣) في "المتنِ" من أنَّ إنكارَهُ الرِّدَّةَ توبةٌ ورجوعٌ،
وقد يُوفَّقُ بِحَمْلِ ما هو ظاهرُ المتونِ على الإسلامِ المنحِي في الدُّنيا عن القتلِ، وما في الشُّروحِ - من
اشتراطِ النّطقِ بالشَّهادتينِ أيضاً - محمولٌ على الإسلامِ الحقيقيِّ النَّافعِ في الدُّنيا والآخرةِ، تأمَّل.
وذَكَرَ في "الفتح"(٤): ((أَنَّ الإقرارَ بالْبَعْثِ والنّشُورِ مُستحَبٌّ)).
[٢٠٢٩٦] (قولُهُ: على وَجْهِ العادةِ) أي: بدونٍ تَبَرِّي، قالَ في "البحرِ "(٥): ((وأفادَ باشتراطٍ
الَّرِّي أَنَّه لو أتى بالشَّهادتينِ على وجهِ العادةِ لم ينفعْهُ ما لم يَرجِعْ عمَّا قالَ؛ إذ لا يرتَفِعُ بهما
كفرُهُ، كذا في "البَزَّازِيَّة"(٦) و"جامعِ الفصولَينِ"(٧))) اهـ.
قلتُ: وظاهرُهُ: اشتراطُ الَّرِّي وإنْ لم يَنتحِلْ دِيْنً آخرَ بأنْ كانَ كفرُهُ بمجرَّدٍ كلمةٍ رَدَّةٍ، والظَّاهرُ
خلاُهُ، وأنَّ اشتراطَ الَّرِّي فِيمَن انتحلَ ديناً آخرَ إنَّ هو شَرْطٌ لإجراءِ أحكامِ الدُّنيا عليهِ، أمَّا بالنسبةِ
الأحكامِ الآخرةِ فيكفيهِ النَّلفظُ بالشَّهادتينِ مُخلِصاً كما يدلُّ عليهِ ما نذكرُهُ(٨) في إسلامِ العيسويَّةِ.
[٢٠٢٩٧) (قولُهُ: لِما مرَّ(٩) أي: من أنَّ العَرْضَ مُستحبٌّ، ويكرهُ تحريماً عندَ مَن أوجبَهُ، أفادَهُ
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب المرتدين ٢٨٤/٣.
(٣) ص ٨٤ - "در".
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ٣٠٩/٥.
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب أحكام المرتدين ١٣٨/٥-١٣٩.
(٦) "البزازية": كتاب ألفاظ تكون إسلاماً أو كفراً أو خطأ - الفصل الثاني فيما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون ٣٢١/٦
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "جامع الفصولين": الفصل الثامن والثلاثون في مسائل كلمات الكفر ٢٩٨/٢.
(٨) المقولة [٢٠٣٠٩] قوله: ((فُيُستَفْسَرُ مَنْ جُهِلَ حالُه)).
(٩) صـ١٥- "در".