النص المفهرس
صفحات 741-760
الجزء الثاني عشر
٧٤٣
فصلٌ في الجزية
لا: يا كافِرُ، ويأثَّمُ القائلُ إِنْ آذاهُ به، "قنية" (١). (ولا) يَجُوزُ أن (يُحدِثَ ...
[٢٠١٣٤] (قولُهُ: لا: يا كافرٌ) مُفَادُهُ: المنعُ مِن قولٍ: يا عدوًّ اللهِ، بل ومِن الأخذِ بالتَّلَيْبِ
والهزِّ والصَّفْعِ؛ إذ لا شكَّ بأنّه يُؤْذِيهِ، ولهذا ردَّ بعضُ المحقّقِينَ(٢) مِن الشَّافِعِيَّةِ ذلكَ بأَنَّه لا أصلَ
لهُ فِي السُّةِ، ولا فعلَهُ أحدٌ من الخلفاءِ الرَّاشدينَ.
[٢٠١٣٥) (قولُهُ: ويأثمُ القائلُ إِنْ آذاهُ بهِ) مُقْتضاهُ: أَنَّه يُعزَّرُ لارتكابِ الإِثمِ، "بحر "(٣)، وأقرَّهُ
"المصنّفُ" لكنْ نظرَ فيهِ في "النّهر"(٤).
قلتُ: ولعلَّ وجهَهُ ما مرَّ(٥) في: ((يا فاسقُ)) مِن أَنَّه هو الَّذي ألحقَ الشَّيْنَ بنفسهِ قبلَ قول
القائلِ، أفادَهُ "الشَّارِحُ" في الَعزِيرِ، "ط)"(٦).
قلتُ: لكنْ ذكرْنا(٧) الفرقَ هناكَ، فافهم.
مطلبٌ في أحكامِ الكنائسِ والبِيَعِ
[٢٠١٣٦) (قولُهُ: ولا يجوزُ أنْ يُحدِثَ) بضمِّ الياءِ وكسرِ الدَّالِ، وفاعلُهُ الكافرُ، ومفعولُهُ:
((بْعةٌ)) كما يقتضيهِ قولُ "الشَّارحِ": ((ولا صَنَماً))، وفي نسخةٍ: ((ولا يُحدِثُوا)) أي: أهلُ
الذّمَّةِ. اهـ "ح"(٨). ومِن الإحداثِ نَقْلُها إلى غيرِ موضعِها كما في "البحر"(٩) وغيرِهِ، "ط"(١٠).
(١) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب الاستحلال وردِّ المظالم ق٧٦/أ.
(٢) الشِّهاب ابن حجر الهيثمي في "تحفة المحتاج" ٢٨٧/٩، والشَّمس الرمليُّ الشافعيُّ في "نهاية المحتاج" ٩٤/٨ شرحاً
لقول النوويِّ في "المنهاج" - ردّاً على الرافعيِّ -: قلت: هذه الهيئة باطلة ودعوى استحبابها أشدُّ خطأ، والله أعلم.
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢١/٥.
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٣/أ.
(٥) صـ ٢٣١ - "در".
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٠/٢.
(٧) المقولة [١٩٠٢٨] قوله: ((ولعل وجهه ما مر في: يا فاسق)).
(٨) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤/ب.
(٩) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٢/٥.
(١٠) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧١/٢.
حاشية ابن عابدين
٧٤٤
فصلٌ في الجزية
بِيْعَةً، ولا كنيسةً، ولا صَوْمَعَةً، ولا بيتَ نارٍ، ولا مَقْبُرةً) ولا صَنَماً، "حاوي"(١)
٠
(في دارِ الإسلامِ) ولو قريةً في المختارِ، "فتح".
[٢٠١٣٧) (قولُهُ: بِيْعَةً) بالكسرِ: مَعْبَدُ النَّصارى واليهودِ، وكذلكَ الكنيسةُ، إِلاَّ أَنَّهَ غَلَبَ البَيْعَةُ
على مَعْبَدِ النَّصارى، والكنيسةُ على اليهودِ، "قُهِستانِيُّ(٢)، وفي "الَّهر)"(٣) وغيرِهِ: ((وأهلُ مِصْرَ
يطلقونَ الكنيسةَ على متعبدِهما، ويخصُّونَ اسمَ الدَّيْرِ بمعبدِ النَّصارى.
قلتُ: وكذا أهلُ الشَّامِ، "درٌّ منتقى"(٤). والصَّومعةُ: بيتٌ يُنَى برأسٍ طويلٍ ليتعبدَ فيهِ
بالانقطاعِ عن النَّاسِ، "بحر"(٥).
[٢٠١٣٨)] (قولُهُ: ولا مَقْرةً) عزاهُ "المصنّفُ) (٦) إلى "الخلاصة"(٧)، ثمَّ ذَكَرَ ما يخالفُهُ عن
"جواهر الفتاوى"، ثمَّ قالَ(٨): ((والظَّاهرُ: الأوَّلُ، ومِن ثَمَّ عوَّلنا عليهِ في "المختصرِ")).
مطلبٌ: لا يجوزُ إحداثُ كنيسةٍ في القُرَى ومَن أفتى بالجوازِ فهو مخطِئٌ وبُحجَرُ عليهِ
[٢٠١٣٩] (قولُهُ: ولو قريةً في المختارِ) نَقَلَ تصحيحَهُ في "الفتحِ" (٩) عن شرحِ "شمسِ الأئمّةِ
السَّرْخسيِّ (١٠) في الإِجاراتِ، ثُمَّ قالَ(١١): ((إنَّه المختارُ)). وفي "الوهبانَّةُ"(١٢): ((إنَّه الصَّحِيحُ مِن
المذهبِ الَّذي عليهِ المحقّقُونَ)) إلى أنْ قالَ(١٢): ((فقد عُلِمَ أنَّه لا يَحِلُّ الإفتاءُ بالإحداثِ في القُرَى
(١) "الحاوي القدسي": كتاب السِّير - باب السِّيرة لنا ولهم في الدارين - فصل يؤمر أهل الذمة بإظهار أزيائهم إلخ ق ١٧٠/أ.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل تمليك بعض الكفار ٣٢٥/٢.
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٣/أ.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧٣/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٢/٥.
(٦) "المنح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ١/ق٢٥٢/آ.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب السِّير - فصل في الحظر والإباحة ق٣٣٤/ب، وليس فيها ذكر ((المقبرة)).
(٨) "المنح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في بيان أحكام الجزية ١/ق ٢٥٢/أ بتصرف.
(٩) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام ٢٩٩/٥.
(١٠) "المبسوط": باب إجارة الدور والبيوت ١٣٥/١٥.
(١١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام ٢٩٩/٥.
(١٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل في كتاب السِّير ق١٤٣/ب ١٤٤/أ.
الجزء الثاني عشر
٧٤٥
فصلٌ في الجزية
لأحدٍ مِن أهلِ زماننا بعدَ ما ذكرنا مِن التّصحيحِ والاختيارِ للفتوى وأخذِ عامَّةِ المشايخ، ولا يُلْتَفَتُ
إلى فتوى مَن أفتى بما يُخالِفُ هذا، ولا يَحِلُّ العملُ بهِ ولا الأخذُ بفتواهُ ويُحجَرُ عليهِ في الفتوى
ويُمنَعُ؛ لأنَّ ذلكَ منهُ مجرَّدُ التّاعِ هوى [٣ ق ٥٠/ ١] النّفسِ وهو حرامٌ؛ لأَنَّه ليسَ لهُ قُوَّةُ الَّرْجِيحِ لو كانَ
الكلامُ مطلقاً، فكيفَ معَ وجودِ النَّقلِ بالَرجِيحِ والفتوى؟ !! فتنَّه لذلكَ، واللهُ الموفّقُ)).
مطلبٌ: تُهدَمُ الكنائسُ مِن جزيرةِ العربِ ولايُمَكَّنونَ من سُكْنَاهَا
قالَ في "الَّهر"(١): ((والخلافُ في غيرِ جزيرةِ العربِ، أمَّا هي فيمنعونَ مِن قُرَاهَا أيضاً؛ لخبرٍ:
(( لا يجتمعُ دينانِ في جزيرةِ العربِ))(٢)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق٣٣٣/أ.
(٢) أخرجه أحمد ٢٧٥/٦، والطبري في "تاريخه" ٢١٤/٣ - ٢١٥، والطبراني في "الأوسط" (١٠٧٠) وابن المنذر في
"الأوسط" (٦٤١٠) وابن هشام في "السِّيرة" ٦٦٥/٤ من طريق محمد بن سلمة وإبراهيم بن سعد كلاهما عن
محمد بن إسحاق حدثنا صالح بن كَيْسان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة مرفوعاً به، قال الطبراني:
لم يروه عن صالح إلا محمد بن إسحاق. وأخرجه ابن سعد ٢٤٠/٢، ٢٥٤ عن عبد الله بن نُمير عن محمد بن
إسحاق عن صالح عن الزهري عن عبيد الله مرسلاً، وعن محمد بن عمر - الواقدي - أخبرنا معمر عن الزهري عن
عبيد الله مرسلاً، لكن الواقدي متروك، وقد وثق كما مرَّ، وأخرجه ابن المنذر (٦٤١١) عن زياد - البَكَّائي - عن
محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة عن النبي* مثله. وزياد ثقة في ابن
إسحاق وإن ضُعِّفَ في غيره، وأخرجه إسحاق بن راهويه كما "نصب الراية" ٤٥٤/٣، والبزار كما في "كشف
الأستار" (١٢٨٦)، والدار قطني في "العلل" ٢٩٠/٧ عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة في قصة فتح خيبر، وفيه: ثم إن رسول الله﴿ قال في مرضه الذي توفي فيه: ((لا يجتمع في جزيرة
العرب دينان)) فلما نمي ذلك إلى عمر # أجلى كل يهودي ونصراني عن أرض الحجاز، ثم قسمها بين أهل
المدينة. هكذا رواه النضر بن شُميل وسعيد بن سفيان، قال الدارقطني في "العلل": واختلف على صالح فيه، فرواه
المعافى عنه عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة ...... ، وأرسله مالك ومعمر وعُقيل وإبراهيم بن سعد
وابن أخي الزهري عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلاً وهذا أصح.
أخرجه مالك في "الموطأ" ٨٩٢/٢ في الجامع - باب إجلاء اليهود عن الزهري مرسلاً، وكذلك رواه يحيى وأبو مصعب
وغيرهم، وقال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر ◌ُ حتى أتاه الثَّلَجُ واليقين أن رسول الله ﴿ قال ذلك، فأجلاهم.
ورواه عبد الله بن نافع والقعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد، أخرجه عمر بن شبة في "تاريخ المدينة" =
حاشية ابن عابدين
٧٤٦
فصلٌ في الجزية
قلتُ: الكلامُ في الإحداثِ معَ أنَّ أرضَ العربِ لا تُقَرُّ فيها كنيسةٌ ولو قديمةً فضلاً عن
إحداثِها؛ لأَنَّهم لا يُمَكَّنُونَ من السُّكْنِى بها للحديثِ المذكورِ كما يأتي(١)، وقد بَسَطَهُ في
"الفتح"(٢) و"شرح السِّيرِ الكبيرِ"(٣)، وتقدَّمَ(٤) تحديدُ جزيرةِ العربِ أوَّلَ البابِ المارِّ.
(تنبيةٌ)
مطلبٌ في بیان أنَّ الأمصارَ ثلاثةٌ و بیان إحداثِ الكنائسِ فيها
في "الفتح"(٥): ((قيلَ: الأمصارُ ثلاثةٌ: ما مصَّرَهُ المسلمونَ كالكُوفَةِ والبَصْرَةِ وبغدادَ وواسٍِ
ولا يجوزُ فيهِ إحداثُ ذلكَ إجماعاً، وما فتحَهُ المسلمونَ عَنْوةً فهو كذلكَ، وما فَتَحُوهُ صُلحاً،
= ١٧٧/١، وأخرجه عبد الرزاق (٧٢٠٨) و(٩٧٣٨) و(٩٩٨٤) و(٩٩٩٠) و(١٩٣٥٩) و(١٩٣٦٧) و(١٩٣٦٩)،
وعنه الدار قطني في "العلل" ٢٩٠/٧، وعزاه في "الفتح" ٢٠٧/٥ إلى ابن أبي شيبة عن معمر عن الزهري عن سعيد به.
قال: ففحص عن ذلك عمر ظُه حتى وجد عليه الثَّبْتَ فأجلاهم، قال الزهري: وكان عمر لا يترك أهل الذّمة أن يقيموا
بالمدينة فوق ثلاثة أيام إذا أرادوا أن يبيعوا طعاماً، وتؤمر نساء اليهود والنصارى أن يحتجبن ويتحلين.
وأخرجه عمر بن شبَّة في "تاريخ المدينة" ١٨٣/١ حدثنا أبو داود حدثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سعيد
مرسلاً، قال الزهري: فأخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عمر بلغه أن النبي ﴿ قال في مرضه الذي مات فيه:
((لا يجتمع في جزيرة العرب دينان))، ففحص عن الخبر في ذلك حتى وجد عليه الثَّبْتَ عن رسول اللـه مُ﴿ فأجلاهم.
وأخرجه مالك في "الموطأ" ٨٩٢/٢ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: آخر ما تكلم
به رسول الله ﴿ ((قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقينَّ دينان بأرض العرب))،
وعنه عبدالرزاق (٩٩٨٧)، والبيهقي ٢٠٨/٩.
وفيه أحاديث كثيرة منها عن نافع عن ابن عمر عن عمر في إخراج اليهود من جزيرة العرب.
وحديث أبي الزبير عن جابر عن عمر، وحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، وحديث إبراهيم بن ميمون عن
سعد بن سمرة عن أبيه عن أبي عبيدة.
(١) في هذه المقولة.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيْعةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠١/٥.
(٣) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور ١٥٤١/٤.
(٤) المقولة [١٩٩٥٣] قوله: (( أرض العرب )).
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بِيْعَة ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٠/٥.
الجزء الثاني عشر
٧٤٧
فصلٌ في الجزية
فإنْ وَقَعَ على أنَّ الأرضَ لهم جازَ الإِحداثُ، وإلاّ فلا إلاَّ إذا شَرَطوا الإحداثَ)). اهـ مُلَخَّصاً،
وعليهِ: فقولُهُ: (١) ((ولا يجوزُ أنْ يُحدِثُوا)) مُقَيَّدٌ بما إذا لم يَقَعِ الصُّلْحُ على أنَّ الأرضَ لهم أو على
الإِحداثِ، لكنَّ ظاهرَ الرِّوايةِ أَنَّه لا استثناءَ فيهِ كما في "البحر"(٢) و"النّهر"(٣).
قلتُ: لكنْ إذا صالَحَهم على أنَّ الأرضَ لهم فلهم الإحداثُ، إلاَّ إذا صارَ مِصْراً للمسلمينَ
بعدُ فإِنَّهم يُمنَعونَ مِن الإحداثِ بعدَ ذلكَ، ثُمَّ لو تَحوَّلَ المسلمونَ مِن ذلكَ المِصْرِ إِلاَّ نَفَراً يسيراً
فلهم الإحداثُ أيضاً، فلو رَجَعَ المسلمونَ إليهِ لم يَهْدِموا ما أُحدِثَ قبلَ عودِهم كما في "شرح
السِّير الكبيرِ "(٤)، وكذا قولُهُ:(٥) ((وما فُتِحَ عَنْوةُ فهو كذلكَ)) ليسَ على إطلاقِهِ أيضاً، بل هو فيما
قُسِمَ بينَ الغانمِينَ أو صارَ مِصْراً للمسلمينَ، فقد صَرَّحَ في "شرح السِّير"(٦): ((بأَنَّه لو ظَهَرَ على
أرضِهم وجعلَهم ذمَّةً لا يمنعُهم مِن إحداثِ كنيسةٍ؛ لأنَّ المنعَ مختصٌّ بأمصارِ المسلمينَ الَّتِي تُقَامُ فيها
الجُمَعُ والحدودُ، فلو صارَت مِصْراً للمسلمينَ مُنِعُوا مِن الإحداثِ، ولا تُتَرَكُ لهم الكنائسُ القديمةُ
أيضاً كما لو قسَمَها بينَ الغانمينَ، لكنْ لا تُهَدمُ بل يَحْعَلُها مساكنَ لهم؛ لأنّها مملوكةٌ لهم، بخلافٍ
ما صالَحَهم عليها قبلَ الظُّهورِ عليهم فإنَّ يَتْرُكُ لهم القديمةَ، ويمنعُهُمْ مِن الإحداثِ بعدَ ما صارَت
مِن أمصارِ المسلمينَ)). اهـ ملخّصاً.
مطلبٌ: لو اختلفنا معَهم في أنَّها صُلْحَيَّةٌ أو عَنْويَّةٌ
فإن ◌ُجِدَ أثرٌ و إلاّ تُرِكَتْ بأيديهم
(تتمَّةٌ)
لو كانَت لهم كنيسةٌ في مصرٍ فادَّعوا أَنَّا صالحناهم على أرضِهم، وقالَ المسلمونَ: بل فُتِحَتْ
(١) المقولة [٢٠١٣٦].
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٢/٥.
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق٣٣٣/أ.
(٤) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور ١٥٤٩/٤-١٥٥٠.
(٥) أي قول "الفتح" المتقدم آنفاً.
(٦) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبَيَعِ وبيع الخمور ١٥٣٦/٤ .
٠
حاشية ابن عابدين
٧٤٨
فصلٌ في الجزية
(ويُعادُ المُنْهَدِمُ) أي: لا ما هدَمَهُ الإِمامُ بل ما انهدَمَ، "أشباه" في آخرِ الدُّعاءِ برفعٍ
الطَّاعونِ (من غيرِ زيادةٍ على البناءِ الأوَّلِ) ولا يُعدَلُ
عَنْوةً وأرادوا منعَهم مِن الصَّلاةِ فيها، وجُهِلَ الحالُ لطولِ العهدِ سألَ الإِمامُ الفقهاءَ وأصحابَ
الأخبارِ، فإنْ وجدَ أثراً عَمِلَ بهِ، فإنْ لم يَجِدْ أو اختلفَتِ الآثارُ جَعَلَها أرضَ صُلْحٍ، وجَعَلَ القولَ
٢٧١/٣ فيها لأهلِها؛ لأَنّها في أيديهم وهم متمسِّكونَ بالأصلِ، وتمامُهُ في "شرح السِّيرِ"(١).
[٢٠١٤٠) (قولُهُ: ويُعادُ الْمِنْهَدِمُ) هذا في القديمةِ الَّتي صالحناهم على إبقائِها قبلَ الظُّهورِ عليهم،
قالَ في "الهداية"(٢): ((لأنَّ الأبنيةَ لا تبقى دائماً، ولَّا أقرَّهم الإِمامُ فقد عَهِدَ إليهم الإعادةَ، إلاَّ أنَّهم
لا يُمَكَّنُونَ مِن نَقْلِها؛ لأَنَّه إحداثٌ في الحقيقةِ)) اهـ.
مطلبٌ إذا هُدِمَتِ الكنيسةُ ولو بغيرِ حقِّ لا تجوزُ إِعادتُها
[٢٠١٤١) (قولُهُ: "أشباه"(٣)؛ حيثُ قالَ: ((فائدةٌ: نَقَلَ "السُّكيُّ" الإجماعَ على أنَّ الكنيسةَ
إذا هُدِمَت ولو بغيرِ وجهٍ لا يجوزُ إعادتُها، ذكرَهُ "السُّيُوطِيُّ" في "حسن المحاضرة"(٤).
قلتُ: يُسْتَبْطُ منهُ أَنَّها إذا قُقِلَتْ لا تُفْتَحُ ولو بغيرِ وجهٍ كما وقعَ ذلكَ في عصرِنا بالقاهرةِ في
كنيسةٍ بحارةِ زُوَيْلَةُ(٥)، قَفَلَها الشَّيخُ "محمَّدُ بنُ إلياس"(٦) قاضي القضاةِ فلم تُفْتَحْ إلى الآنَ، حَتَّى وَرَدَ
الأمرُ السُّلطانِيُّ بفتحِها، فلم يَتَحاسَرْ حاكمٌ على فَتْحِها، ولا يُنافِي ما نقلَهُ "السُّكيُّ" قولَ أصحابنا:
يُعادُ المُنْهِدِمُ؛ لأنَّ الكلامَ فيما هَدَمَهُ الإِمامُ لا فيما تَهَدَّمَ، فليتأمَّل)) اهـ. قالَ "الخير الرَّمليُّ"
في "حواشي البحر": ((أقولُ: كلامُ "السُّبكيِّ" عامٌّ فيما هدمَهُ الإِمامُ وغيرُهُ، وكلامُ "الأشباهِ"
(١) انظر "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور ١٥٥٠/٤.
(٢) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل ولا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ١٦٢/٢.
(٣) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: الجمع والفرق - فائدة في الكنائس إذا هدمت صـ٤٥٨ -.
(٤) "حسن المحاضرة": ذكر أمراء مصر من بني عبيد ٦٠٢/١.
(٥) "حارةُ زُوَيْلَة": من الحارات القديمة في القاهرة، وهي كبيرة جداً، مشهورة بحارة النصارى لسكنى كثير من
الأقباط بها، ولهم فيها كنيسة معروفة بكنيسة الأقباط ("الخطط التوفيقية الجديدة لِمِصْرِ القاهرة" ٧٢/٣).
(٦) تقدمت ترجمته ١٧٩/٨.
الجزء الثاني عشر
٧٤٩
فصلٌ في الجزية
يَخُصُّ الأوَّلَ، والَّذي يظهرُ ترجيحُهُ العمومُ؛ لأنَّ العلّةَ فيما يظهرُ أنَّ في إعادتِها بعدَ(١) هدمِ
المسلمينَ استخفافاً بهم وبالإِسلام، وإخمادًاً لهم وكَسْراً لشوكتِهِم ونَصْراً للكفرِ وأهلِهِ، غايةُ الأمرِ:
أنَّ فيهِ افتياتً على الإِمامِ فيلزمُ فاعلَهُ الَّعزيرُ، كما إذا أدخلَ الحربيَّ بغيرِ إذنِهِ يَصِحُّ أمانُهُ ويُعزَّرُ
لافتياتِهِ، بخلاف ما إذا هدموها بأنفسهم فإِنَّها تُعادُ كما صرَّحَ به علماءُ الشَّافِعَّةِ، وقواعدُنا لا تأباهُ
لعدمِ العَّةِ الَّتي ذكرناها، فُيُسَثْنِى مِن عُمُومٍ كلامٍ "السُّكيِّ")) اهـ. [٣/ق٥٠/ب]
مطلبٌ: ليسَ المرادُ مِن إعادةِ المُنْهَدِمِ أَنَّ جائزٌ نأمرُهم بهِ بل المرادُ نَترُكُهم وما يَدينونَ
(تنبيةٌ)
ذَكَرَ "الشُّرُ بِلالِيُّ" في "رسالةٍ في أحكام الكنائسِ"(٢) عن الإمامِ "السُّبكيِّ": ((أنَّ معنى
قولهم: لا تمنعُهم مِن التّرميمِ ليسَ المرادُ أنّه جائزٌ نأمرُهم بهِ، بل بمعنى: نتركُهُمْ وما يَدِيْنِونَ، فهو
مِن ◌ُمْلةِ المعاصي الّتي يُقَرُّونَ عليها كشُرْبِ الخمرِ ونحوِهِ، ولا نقولُ: إنَّ ذلكَ جائزٌ لهم فلا يَحِلُّ
للسُّلطانِ ولا للقاضي أنْ يقول لهم: افعلوا ذلكَ ولا أنْ يُعِينَهم عليهِ، ولا يَحِلُّ لأحدٍ مِن المسلمينَ
أنْ يعملَ لهم فيهِ)) اهـ. ولا يخفى ظهورُهُ وموافقتُهُ لقواعدِنا.
مطلبٌ: لم يكنْ مِنِ الصَّحابةِ صُلْحٌّ معَ اليهودِ
ثُمَّ نَقَلَ عن "السِّرَاجِ البُلْقِينِيِّ" في كنيسةٍ لليهودِ ما حاصلُهُ: ((أَنَّ الصَّحابةَ رضيَ اللهُ تعالى
عنهم عندَ فتحِ النَّواحي لم يكنْ منهم صُلْحٌّ معَ اليهودِ أصلاً)) اهـ.
قلتُ: وهذا ظاهرٌ فإنَّ البلادَ كانَت بيدِ النَّصارى، ولم تَزَلِ اليهودُ مضروبةً عليهم الذّةُ، ثمَّ
رأيتُ في "حاشيةِ" شيخ مشائِنا "الرَّحمتيِّ" كَتَبَ عندَ قولِ "الشَّارِحِ" في الخطبةِ: ((الإمامُ بجامعٍ
بني أمَّةَ)) ما نصُّهُ: ((ثُمَّ نَقَضَ أهلُ الذّمَّةِ عهدَهم في وقعةِ الَّارِ، وقُتُوا عن آخرِهم فكنائسُهم
الآنَ موضوعةٌ بغيرِ حقِّ(٣)) اهـ
(١) في "الأصل": ((بعدم)).
(٢) لم نهتد إليها.
(٣) من ((ثم رأيت)) إلى ((بغير حق)) ساقط من "ك".
حاشية ابن عابدين
٧٥٠
فصلٌ في الجزية
مطلبٌ مهمٌّ: حادثةُ الفتوى في أخذِ النَّصارى كنيسةً مهجورةً لليهودِ
ويُؤْخَذُ مِن هذا حُكْمُ حادثةِ الفتوى الواقعةِ في عامٍ ثمانيةٍ وأربعينَ بعدَ المائتينِ والألفِ قريباً
مِن كتابتي لهذا المحلِّ، وهي: أنَّ كنيسةً لِفِرْقَةٍ مِن اليهودِ تسمَّى اليهودَ القَرَّائين(١) مهجورةٌ مِن
قديمٍ لفَقْدِ هذهِ الفِرْقَةِ وانقطاعِهِم في دمشقَ، فحَضَرَ يهوديٌّ غريبٌ هو مِن هذهِ الفِرْقَةِ إلى دمشقَ،
فَدَفعَ لهُ الَّصارى دراهمَ معلومةً وأذِنَ لهم في بنائها وأنْ يجعلوها مَعْبَداً لهم، وصدَّقَ لهم على
ذلكَ جماعةٌ من اليهودِ لقوَّةِ شوكةِ النَّصارى في ذلك الوقتِ، وبلغني أنَّ الكنيسةَ المذكورةَ في
داخلٍ حارٍ لليهودِ، مشتملّةٌ على دُوْرٍ عديدةٍ، وأنَّ مرادَ النَّصارى شراءُ الحارةِ المذكورةِ وإدخالُها
للكنيسةِ، وطلبوا فتوى على صحَّةِ ذلكَ الإذنِ وعلى كونِها صارَت معبداً للنّصارى، فامتنعتُ مِن
الكتابةِ، وقلتُ: إِنَّ ذلكَ غیرُ جائزٍ.
مطلبٌ فیما أفتى به بعضُ المتهورينَ في زماننا
فَكَتَبَ لهم بعضُ المتهورينَ طَمَعاً في عَرَضِ الدُّنيا أنَّ ذلكَ صحيحٌ جائزٌ فَقَوِيَتْ بذلكَ
شَوْكُتُهم، وعَرَضُوا ذلكَ على وليِّ الأمرِ ليأذنَ لهم بذلكَ حيثُ وافقَ غرضُهم الحكمَ الشَّرعيَّ بناءً
على ما أفتاهم به ذلكَ المفتي، ولا أدري(٢) ما يؤولُ إليهِ الأمرُ، وإلى اللهِ المُشْتَكَى.
ومُسْتَدِي فيما قلتُّهُ أمورٌ: منها: ما علمتُهُ مِن أنَّ اليهودَ لا عَهْدَ لهم، فالظَّاهرُ: أنَّ كنائسَهم
القديمةَ أُقِرَّتْ مساكنَ لا معابدَ فتبقى كما أُبقيت عليهِ، وما علمتُهُ أيضاً مِن أنَّ أهلَ الذِّمَّةِ نَقَضُوا
عهدَهم لقتالِهِم المسلمينَ معَ الَّارِ(٣) الكفّارِ، فلم يَبْقَ لَهم ◌َعَهْدٌ في كنائسِهم، فهي موضوعةٌ الآنَ
بغيرِ حقٌّ، ويأتي(٤) قريباً عندَ قولِهِ: ((وسبِّ النّبِيِّلِ﴿)) أنَّ عهدَ أهلِ الذّمَّةِ في الشَّامِ مشروطٌ
(١) القرَّاؤون: فرقة من اليهود عرفت بكثرة مدارسة التوراة.
(٢) قوله: ((ولا أدري إلخ)) قلتُ: آلَ الأمرُ بعدَ سنةٍ إلى أنْ شرعوا في عمارتِها على أحسنِ ما أرادوا معَ غصبِ أماكنَ
حولَها أخذوها مِن المسلمينَ قهراً، ولا حولَ ولاقوَّةَ إلاّ بالله العليِّ العظيمِ. ((هامش "ب" دون عزو للقائل)).
(٣) في "الأصل": ((لقتالهم مع المسلمين التتار)). وهو خطأ.
(٤) المقولة [٢٠٢٠٦].
الجزء الثاني عشر
٧٥١
فصلٌ في الجزية
بأنْ لا يُحْدِثُوا بِيْعَةً ولا كَنِيْسَةً ولا يَشْتِمُوا مسلماً ولا يَضْرِبِوهُ، وأَنَّهم إِنْ خالفوا فلا ذمَّةً لهم.
ومنها: أنَّ هذهِ كنيسةٌ مهجورةٌ انقطعَ أهلُها وتعطََّت عن الكفرِ فيها فلا تجوزُ الإعانةُ على
تجديدِ الكفرِ فيها، وهذا إعانةٌ على ذلكَ بالقَدْرِ الْمُمْكِنِ حيثُ تعطّلَت عن كفرِ أهلِها، وقد نقلَ
"الشُّرُ بلالِيُّ" في رسالِهِ(١) عن الإمامِ "القَرائِيّ": ((أَنْه أفنى بأَنَّه لا يُعادُ ما انهدمَ(٢) من الكنائسِ، وأنَّ
مَن ساعدَ على ذلكَ فهو راضٍ بالكُفْرِ، والرِّضى بالكُفْرِ كُفْرٌ)) اهـ. فنعوذُ باللهِ مِن سُوْءِ الْقَلَبِ.
ومنها: أنَّ عداوةَ اليهودِ للَنَّصارى أشدُّ مِن عداوتهم لنا، وهذا الرِّضى والتَّصديقُ ناشئٌ عن
خوفِهِم مِن النَّصارى لقوَّةٍ شَوْكَتِهم كما ذكرناهُ.
ومنها: أنَّها إذا كانَت معيَّنَةً لِفْرِقَةٍ خاصَّةٍ ليسَ لرجلٍ مِن أهلِ تلكَ الفِرْقَةِ أنْ يَصْرِفَها إلى
جهةٍ أخرى وإنْ كانَ الكفرُ مِلَّةً واحدةً عندَنا، كمدرسةٍ موقوفةٍ على الحنفيَّةِ مثلاً لا يَمْلِكُ أحدٌ
أنْ يجعلَها لأهلِ مذهبٍ آخرَ وإنْ اتَّحدتِ الِلَّهُ.
٢٧٢/٣
ومنها: أنَّ الصُّلْحَ العُمَريَّ الواقِعَ حينَ الفتحِ معَ النَّصارى إنَّا وَقَعَ على إبقاءِ معابدِهم الَّتي
كانَت لهم إذ ذاكَ، ومن جملةِ الصُّلْحِ معَهم كما علمتَهُ آنفاً أنْ لا يُحْدِثُوا كنيسةً ولا صومعةً، وهذا
[٣/ ق ١ ٥/ أ] إحداثُ كنيسةٍ لم تكنْ لهم بلا شكِّ، وَّفقتْ مذاهبُ الأئمَّةِ الأربعةِ على أَنَّهم يُمنَعُونَ
عن الإحداثِ كما بَسَطَهُ "الشُّرُ بلاليُّ" بنقلِهِ نصوصَ أئمَّةِ المذاهبِ، ولا يلزمُ مِن الإحداثِ أنْ يكونَ
بناءً حادثً؛ لأَنَّهُ نَصَّ في "شرح السِّير)"(٣) وغيرِهِ: ((على أَنَّه لو أرادوا أنْ يَتَّخذوا بيناً لهم مُعَدّاً
للسُّكْنى كنيسةً يجتمعونَ فِيهِ يُمنَعُونَ منهُ؛ لأنَّ فِيهَ معارضةً للمسلمينَ وازدراءً بالدِّينِ)) اهـ. أي: لأَنَّه
زيادةُ مَعْبَدٍ لهم عارضوا بهِ معابدَ المسلمينَ، وهذهِ الكنيسةُ كذلكَ، جعلوها معبداً لهم حادثاً، فما
أفتى بهِ ذلكَ المسكينُ خالفَ فِيهِ إجماعَ المسلمينَ، وهذا كلَّهُ معَ قطعِ النّظرِ عمَّ قصدوهُ مِن عِمارتِها
بأنقاضٍ جديدةٍ، وزيادتهم فيها، فإنّها لو كانَت كنيسةً لهم يُمنَعُونَ من ذلكَ بإجماعٍ أئمَّةِ الدِّينِ
أيضاً، ولا شكَّ أنَّ مَن أفتاهم وساعدَهم وقوَّى شَوْكِتَهم يُخشى عليهِ سوءُ الخاتمةِ والعياذ بالله تعالى.
(١) أي: الرسالة الموضوعة في أحكام الكنائس المتقدم ذكرها صـ ٧٣٢ -.
(٢) في "الأصل": ((المنهدم من الكنائس)).
(٣) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبَيَعِ وبيع الخمور ١٥٣٧/٤ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٧٥٢
فصلٌ في الجزية
عن النّقضِ الأوَّلِ إنْ كَفَى، وَتَمامُهُ في "شرح الوهبانيةِ"، وأمَّا القديمةُ فُتُتْرَكُ مَسْكَناً
في الفَتْحَيَّةِ، ومَعْبَداً في الصُّلْحِيَّةِ،.
مطلبٌ في كيفيَّةِ إعادةِ الْمُنْهَدِمِ من الكنائسِ
(٢٠١٤٢) (قولُهُ: عن النّقْضِ) بالضمّ: ما انتقضَ مِن الْبُنْيَانِ، "قاموس "(١).
(٢٠١٤٣) (قولُهُ: وتمامُهُ في "شرح الوهبانَّة") ذَكَرَ عبارتَهُ في "الَّهِ" (٢) حيثُ قال: ((قالَ في "عقد
الفرائدِ"(٣): وهذا - أي: قولُهم مِن غيرِ زيادةٍ - يُفْيْدُ أَنَّهِمْ لا يَنُونَ ما كانَ باللِّنِ بالآجُرِّ، ولا ماكانَ
بالآجُرِّ بالحَجَرِ، ولا ما كانَ بالجَرِيدِ وَخَشَبِ الَّخْلِ بِالنَّقِيِّ والسَّاجِ ولا بياضاً لم يكنْ)). قالَ: ((ولم
أجدْ في شيءٍ من الكتبِ المعتمدةِ أنْ لا تُعادَ إلَّ بِالَّقضِ الأَوَّلِ، وكونُ ذلكَ مفهومَ الإعادةِ شرعاً ولغةً
غيرُ ظاهرٍ عندي، على أنّه وَقَعَ في عبارةِ "محمَّدٍ" (بِنُونَهَا))، وفي إجارةِ "الخانَّةُ"(٤): ((يَعِمُرُوا))،
وليسَ فيهما ما يُشعِرُ باشتراطِ الَّقْضِ الأَوَّلِ، وفي "الحاوي القدسيّ"(٥): وإذا انهدمَت البَيَعُ والكنائسُ
لذوي الصُّلْحِ إِعادتُها باللِّنِ والطِينِ إلى مقدارِ ما كانَ قبلَ ذلكَ، ولا يزيدونَ عليهِ ولا يُشَيِّدونَها
بالحَجَرِ والشِّيدِ (٦) والآجرِّ، وإذا وَقَفَ الإِمامُ على بِيْعةٍ جديدةٍ أو يُنِيَ منها فوقَ ما كانَ في القديمِ
خَرََّها، وكذا ما زادَ في عِمَارتِها العتيقةِ اهـ. ومقتضَى النّظرِ: أنَّ النَّقْضَ الأَوَّلَ حيثُ وُجِدَ كافياً
للبناءِ الأوَّلِ لا يُعَدلُ عنهُ إلى آلةٍ جديدةٍ؛ إذ لا شكَّ في زيادةِ الثَّاني على الأوَّلِ حينئذٍ)) اهـ.
[٢٠١٤٤) (قولُهُ: وأمَّا القديمةُ إلخ) مقابلُ قولِهِ: ((ولا يُحدِثُ بِيْعةً ولا كَنْسَةً))، وكانَ
الأَوْلى ذكرَهُ قبلَ قولِهِ: ((ويُعَادُ الْنْهَدِمُ))؛ لأنَّ إعادةَ المُنْهَدِمِ إنّا هي في القديمةِ دونَ الحادثةِ.
[٢٠١٤٥] (قولُهُ: في الفَتْحِيَّةِ) أرادَ بها المفتوحةَ عَنْوةً بقرينةٍ مقابلتِها بالصُّلْحِيَّةِ.
(١) "القاموس": مادة ((نقض)).
(٢) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق٣٣٣/ب بإيضاح من "ابن عابدين" رحمه الله.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق ١٤٤ /أ - ب.
(٤) "الخانية": فصل فيما تنتقض به الإجارة وما لا تنتقض به ٣٥٣/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الحاوي القدسي": كتاب السِّير - باب السِّيرة لنا ولهم في الدارين - فصل يؤمر أهل الذمة بإظهار أزيائهم إلخ ق ١٧٠/أ.
(٦) قال في "القاموس" مادة ((شيد)): ((شادَ الحائطَ يُشَيدُهُ: طلاه بالشِّيْدِ، وهو ما طُلِيَ به حائطٌ من حصِّ ونحوِهِ)).
الجزء الثاني عشر
٧٥٣
فصلٌ في الجزية
"بحر"،.
[٢٠١٤٦)] (قولُهُ: "بحر"(١)) عبارتُهُ: ((قالَ في "فتح القدير "(٢): واعلمْ أنَّ البِيعَ والكنائسَ
القديمةَ فِي السَّوادِ لا تُهَدمُ على الرِّواياتِ كلِّها، وأمَّا في الأمصارِ فاختلفَ كلامُ "محمَّدٍ"، فَذَكَرَ في
العُشْرِ والخَرَاجِ(٣) تُهدَمُ القديمةُ، وذَكَرَ في الإجارةِ(٣) لا تُهَدمُ، وعَمَلُ النَّاسِ على هذا، فإِنَّا رأينا
كثيراً منها توالَت عليها أئمّةٌ وأزمانٌ وهي باقيةٌ لم يأمرْ إمامٌ بِهَدْمِها، فكانَ مُتَوَارَثَاً مِن عهدٍ
الصَّحابةِ، وعلى هذا لو مصَّرنا بَريَّةً فيها دَيْرٌ أو كنيسةٌ فوَقَعَ داخلَ السُّورِ ينبغي أنْ لا يُهَدمَ؛ لأَنّه
كانَ مستحقاً للأمانِ قبلَ وَضْعِ السُّوْرِ، فَيُحْمَلُ ما في جوفِ القاهرةِ مِن الكنائسِ على ذلكَ، فإنّها
كانَت فضاءً فأدارَ العُبيديونَ(٤) عليها السُّورَ، ثُمَّ فيها الآنَ كنائسُ، وَيَبْعُدُ من إمامٍ تمكينُ الكفّارِ من
إحداثِها جهاراً، وعلى هذا أيضاً فالكنائسُ الموضوعةُ الآنَ في دارِ الإسلامِ غيرِ جزيرةِ العربِ كلّها
ينبغي أنْ لا تُهَدمَ؛ لأَنّها إنْ كانَت في الأمصارِ قديمةً فلا شكَّ أنَّ الصَّحابةَ أو التَّابعينَ حِينَ فَتَحوا
المدينةَ عَلِمُوا بها وبَقَّوْها، وبعدَ ذلكَ يُنظَرُّ: فإنْ كانَت البلدةُ فُتِحَتَ عَنْوَةً حَكَمْنا بأَنَّهِم بَقَّوْها
مساكنَ لا معابدَ فلا تُهْدَمُ، ولكنْ يُمِنَعونَ من الاجتماعِ فيها للتَّقربِ، وإنْ عُرِفَ أَنْ فُتِحَت
صُلْحَاً حَكَمْنَا بِأَنَّهم أقرُّوها معابدَ فلا يُمْنَعُونَ مِن ذلكَ فيها بل من الإظهارِ)) اهـ.
قلتُ: وقولُهُ: ((فَوَقَعَ داخلَ السُّورِ ينبغي أنْ لا يُهدَمَ)) ظاهرُهُ: أَنَّه لم يرَهُ منقولاً، وقد
صَرَّحَ به في "الذَّخيرة" و"شرح السِّير "(٥)، وقولُهُ: ((وبعدَ ذلكَ يُنظرُ إلخ)) [٣/ ق ٥١/ب] قدَّمنا(٦)
ما لو اختُلفَ في أَنَّهَا فَتْحَّةٌ أو صُلْحَيَّةٌ ولم يُعَلَمْ مِن الآثارِ والأخبارِ تَبْقَى في أيديهم.
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٢/٥ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٠/٥ باختصار.
(٣) لم نجدهما في مظانهما من "الجامع الصغير" و"الأصل" للإمام "محمد".
(٤) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((العبديون)) وهو تحريف. والعبيديون هم الذين يعرفون في التاريخ الإسلامي
بالفاطميين "تاريخ الخلفاء" للسيوطي صـ١٦ - و"اتعاظ الحنفا" للمقريزي ٢٢/١-٣٤.
(٥) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبَيَعِ وبيع الخمور ١٥٣١/٤.
(٦) المقولة [٢٠١٣٩] قوله: ((ولو قرية في المختار)).
حاشية ابن عابدين
٧٥٤
فصلٌ في الجزية
خلافاً لِما في "القُهستانيِّ"، فتنَّه. (ويُميَّزُ الذِّميُّ عَنّد في زِيْهِ﴾(١) بالكسرِ: لباسِهِ
وهَيْثَتِهِ (ومَرْكَبِه وسَرْجِهِ.
[٢٠١٤٧] (قولُهُ: خِلافاً لِما في "القُهستانيِّ (٢) أي: عن "الَّمَّةِ" مِن أَنَّها في الصُّلْحَيَّةِ تُهدَمُ
في المواضعِ كلِّها في جميعِ الرِّواياتِ.
مطلبٌ في تميزِ أهلِ الذَّمَّةِ في الَلْبَسِ
[٢٠١٤٨) (قولُهُ: ويُمَّرُ الذِّيُّ إلخ) حاصلُهُ: أَنَّهم لَّا كانوا مُخَالِطِينَ أهلَ الإِسلامِ فلا بدَّ مِن
تميزِهِم عَنَّ كيلا يُعَامَلَ مُعَامَلَةَ المسلمِ مِن النَّوقيرِ والإجلالِ، وذلكَ لا يجوزُ، وربَّما يموتُ أحدُهم
فَجْأَةً في الطَّريقِ ولا يُعرَفُ فُيُصلَّى عليهِ، وإذا وَجَبَ النَّمييزُ وحِبَ أنْ يكونَ بما فيهِ صَغَارٌ
لا إعزازٌ؛ لأنَّ إذلالَهم لازمٌّ بغيرِ أَذَّى مِن ضَرْبٍ أو صَفْعٍ بلا سببٍ يكونُ منهُ، بل المرادُ انْصَافُهُ
بهيئةٍ وضيعةٍ، "فتح"(٣).
[٢٠١٤٩)] (قولُهُ: ومَرْكَبِهِ) مُخَالفَةُ الهيئةِ فيهِ إِنَّا تكونُ إذا رَكِبُوا مِن جانبٍ واحدٍ، وغالبُ
ظَّنِّي أَنّي سمعتُهُ مِن الشَّيخِ الأخِ كذلكَ، "نهر "(٤).
(قولُهُ: أي: عن "النَّمَّةُ" مِنْ أَنَّها فِي الصُّلْحَيَّةِ تُهدَمُ إلخ) قالَ "الرَّحمتَيُّ": ((الظَّاهرُ: أنَّ عبارةَ
"القُهِستانيّ" مَغْلُوبةٌ من النَّاسخِ، وصوابُهُ: هذا كلُّهُ فِي الصُّلْحَيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْفَتْحَيَّةِ فُهِدَمُ في جميعِ
الرِّواياتِ، فلتراجَعِ "النََّمَّةُ(١)) اهـ. وبمراجعتها من الفصلِ الثّالثِ من مسائلِ أهلِ الدِّمَّةِ وُجِدَ فيها ما
نصُّهُ: ((ورُوِيَ عنه أَنَّه إذا كانَ في البلدانِ المُفْتَتحةِ كنائسُ نترُكُها في القُرى في الرِّواياتِ كلّها، وأمَّا في
الأمصارِ: قالَ "محمَّدٌ" في "نوادر هشام": تُهدَمُ، وفي "المحرَّد" عن "أبي حنيفةً": نَتْرُكُها، وأمَّا في
الصُّلْحَيَّةِ تُتَرَكُ في المواضعِ كلِّها في الرِّواياتِ كلّها)) اهـ.
(١) انظر تعليقنا المتقدم صـ ٧٤٠- (١٠).
(٢) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل تمليك بعض الكفار ٣٢٥/٢.
(٣) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠١/٥.
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٤/أ.
الجزء الثاني عشر
٧٥٥
فصلٌ في الجزية
وسِلاحِهِ، فلا يَرْكِبُ خَيْلاً) إلَّ إذا استعانَ بهم الإِمامُ لُحارَبَةٍ وَذَبِّ عَنَّا، "ذخيرة".
وجازَ بَغلٌ ك: حمارِ، "تتارخانية" (١)، وفي "الفتح"(٢) :.
قلتُ: وهو كذلكَ، ففي "رسالةِ العلاَّمةِ قاسم في الكنائسِ"(٢): ((وقد كَنَبَ عمرُ إلى أمراء
الأجنادِ أنْ يَخْتِمُوا أهلَ الذّمَّةِ بِالرَّصاصِ، وَيَرْكَبُوا على الأُكُفِ عَرْضاً)). (٤)
[٢٠١٥٠) (قولُهُ: وسِلاحِهِ) تَبعَ فيهِ "الدُّرر"(٥)، وهو منافٍ لقولِهِ - تبعاً لغيرِهِ من أصحابِ
المتونِ -: ((ولا يَعْمَلُ بسلاحٍ)) إلاَّ أنْ يُحْمَلَ على ما إذا استعانَ بهم الإمامُ، أو المرادُ مِن تمييزِهِ في
سِلاحِهِ بأنْ لا يَحْمِلَ سِلاحاً، وهو بعيدٌ، تأمَّل.
٢٧٣/٣
[٢٠١٥١] (قولُهُ: إلَّ إذا استعانَ بهم الإِمامُ إلخ) لكِنَّهُ يَرْكَبُ في هذهِ الحالةِ بٍكافٍ
لا بسَرْجِ، كما قالَ بعضُهم، "نهر " (٦).
[٢٠١٥٢] (قولُهُ: وَذَبِّ) بالدَّالِ المعجمةِ، أي: دَفْعٍ وطَرْدٍ لعدوٍّ.
[٢٠١٥٣) (قولُهُ: وجازَ بَغْلٌ) أي: إنْ لم يكنْ فيهِ عِزٌّ وشَرَفٌ، وتمامُهُ في "شرح الوهبانَّةِ"(٧).
(١) "التتارخانية": كتاب الخراج - الفصل الثامن في المتفرقات ٤٤٦/٥.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز أحداث بيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٢٩٨/٥.
(٣) هي المسماة: "القول المتّبع في أحكام الكنائس والبيع": لأبي العدل قاسم بن قُطلوبُغا بن عبد الله، زين الدين
السُّودوني المصريّ (ت٨٧٩هـ). ("كشف الظنون" ١٣٦٤/٢، "الضوء اللامع" ١٨٤/٦، "الفوائد البهية"
صـ ٩٩-، "هدية العارفين" ٨٣٠/١).
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (١٣٧) باب الجزية كيف تجبى؟، وأبو يوسف في "الخراج" صـ١٢٨ - فصل في لباس أهل الذمة،
وابن أبي شيبة ٦٣٦/٧ في الجهاد - باب ختم رقاب أهل الذّمة، والبيهقي ٢٠٢/٩.
من طريق عبيد الله عن نافع عن أسلم مولى عمر أن عمر كان يختم أعناقهم، ثم أخرج ابن أبي شيبة وأبو عبيد (١٣٤)
عن جعفر بن بُرقان قال: ((بعث عمر حذيفة وابن حُنيف ففرضا الجزية على أهل السواد فقالا من لم يجئ من أهل
السواد فنختِمَ في عنقه برئت منه الذّمة))، وأخرجه أبو يوسف في "الخراج" صـ ١٢٨ - حدثني كامل بن العلاء عن حبيب
ابن أبي ثابت أنَّ عمر بعث عثمان بن حنيف ... وفيه: ((وختم على علوج السواد)).
(٥) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب الوظائف - فصل في الجزية ٢٩٩/١.
(٦) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٤/أ.
(٧) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل في كتاب السِّير ق ١٤٢/أ.
حاشية ابن عابدين
٧٥٦
فصلٌ في الجزية
((وهذا عند المتقدِّمينَ، واختارَ الُتأخّرونَ أَنَّه لا يَرْكَبُ أصلاً إلاَّ لضرورةٍ))، وفي
"الأشباه": ((والمعَتَمَدُ: أن لا يَرِكُبُوا مُطلقً، ولا يَلَبَسوا العَمَائِمَ، وإنْ رَكِبَ الحمارَ
الضَرورةٍ نَزَلَ في المجامِعِ)) (وَيَركبُ سَرْجاً كالأُكُفِ) كالبَرْذَعةِ في مُقدَّمِهِ شِبهُ الرُّمَّانةِ
[٢٠١٥٤] (قولُهُ: وهذا) أي: جوازُ ركوبِهِ لبغلٍ أو حمارٍ، وكانَ ينبغي تأخيرُ هذهِ الجملةِ كلِّها
عن قولِهِ: ((وَيَرْكَبُ سَرْحاً كالأُكُفٍ)).
[٢٠١٥٥) (قولُهُ: إلَّ لضرورةٍ) كما إذا خَرَجَ إلى قريةٍ أو كانَ مريضاً، "فتح"(١).
[٢٠١٥٦) (قولُهُ: والمعتمدُ: أنْ لا يَرْكَبوا) كَبَ بعضُهم هنا أنَّ الصَّوَابَ: ((يركبونَ)) بالنُونِ كما
هو عبارةُ "الأشباهِ"(٢) لعدمِ النَّاصبِ والجازمِ و ((أنْ)) مخفّفَةٌ مِن النَّقيلةِ، واسمُها ضميرُ. أقولُ: هذا
النَّصويبُ خطأُ محضٌ؛ لأنَّ المخفَّفَةَ مِن النَّقيلةِ الَّتي لا تَنْصِبُ المضارعَ شرِطُها أنْ تَقَعَ بعدَ فعلِ اليقينِ
أو ما يُنَزَّلُ منزلَتَهُ نحو: ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل - ٢٠]، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلََّ يَرْجِعُ﴾ [طه - ٨٩]، وهذهِ
ليسَت كذلكَ بل هي المصدريَّةُ النَّاصبةُ نحو: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌلَّكُمٌ﴾ [البقرة - ١٨٤].
[٢٠١٥٧] (قولُهُ: مُطْلَقاً) أي: ولو حِماراً.
/٢٠١٥٨] (قولُهُ: في المجامعِ) أي: في مَجامعِ المسلمينَ إذا مَرَّ بهم، "فتح"(٣).
[٢٠١٥٩] (قولُهُ: كالأُكُفِ) بضمَّتِينِ: جمعُ إِكافٍ، مثلُ حِمارٍ وحُمُرٍ، "مِصباح"(٤)، فكانَ
الأَوْلِى التّعبيرَ بالإِكافِ المَفْردِ.
(٢٠١٦٠] (قولُهُ: كالبَرْذَعةِ) بدلٌ مِن قولِهِ: ((كالأُكُفِ))، قالَ في "المصباح"(*): ((البَرْذَعَةُ
- بالدَّالِ والدَّالِ - : حِلْسٌ يَجْعَلُ تحتَ الرَّحْلِ، والجمعُ البَرَاذِعُ، هذا هو الأصلُ، وفي عُرْفِ زمانِنا
هي للحمارِ ما يُركَبُ عليهِ بمنزلةِ السَّرْجِ للفرسٍ)) اهـ. فالمرادُ هنا المعنى العربيُّ لا اللُّغويُّ.
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث: في الجمع والفرق - أحكام الذّمي صـ ٣٨٧ -.
(٣) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((أكف)).
(٥) "المصباح المنير": مادة ((برذع)).
الجزء الثاني عشر
٧٥٧
فصلٌ في الجزية
(ولا يَعْمَلُ بِسِلاحٍ ويُظهِرُ الكُسْتِيجَ) فارسيٌّ مُعرَّبٌ: الزُّنَّارُ من صُوْفٍ أو شَعْرِ،
وهل يلزمُ تمييزُهُم بكلِّ العلاماتِ؟ خلافٌ، "أشباه"(١)، والصَّحيحُ: إنْ فَتَحَها عَنْوَةً
فله ذلك، وإلاَّ فَعَلَى الشَّرطِ، "تتار خانية"(٢) (ويُمنَعُ من لُبْسِ العِمامةِ).
[٢٠١٦١] (قولُهُ: ولا يَعْمَلُ بسلاحٍ) أي: لا يَسْتَعْمِلُهُ ولا يَحمِلُهُ؛ لأَنَّه عِزٌّ، وكلُّ ما كانَ
كذلكَ يُمنَعُونَ عنهُ.
قلتُ: ومِن هذا الأصلِ تُعرَفُ أحكامٌ كثيرةٌ، "درٌّ منتقى) (٣).
[٢٠١٦٢) (قولُهُ: وَيُظهِرُ الكُسْتِيجَ) بضمِّ الكافِ وبالجيمِ - كما في "القُهِستانيِّ"(٤) - فارسيٌّ
معرَّبٌ، معناهُ العَجْزُ والدُّلُّ كما في "النَّهِ "(٥)، فيَشْمَلُ القَلَنسُوَ والزَّّارَ والَعْلَ لوجودِ الذُّلِّ فيها،
ولقولِهِ في "البحر "(٦): ((وكُسْتِيجاتُ النَّصارى: قَلْسُوَّةٌ سوداءُ مِن اللَّدِ مُضَرَّبَةٌ وزُنَّارٌ مِنْ
الصُّوْفِ)) اهـ. فتعبيرُهُ بخصوصِ الزُّنَّارِ بيانٌ لبعضِ أنواعِهِ. اهـ "ح"(٧).
[٢٠١٦٣] (قولُهُ: الزُّنَّارَ) بوزنِ تُفَّحٍ، وجَمْعُهُ: زنانيرُ، "مصباح"(٨)، وفي "البحر " (٩)
(قولُهُ: الكُستيجَ: بضمِّ الكافِ وبِالجيمِ - كما في "القُهِسنانيّ" - فارسيٌّ مُعَرَّبٌ إلخ) قَالَ "الرَّحمَيُّ":
((ولا يُنافِي هذا قولَ "البحر": ((كُسْتِيجاتُ النَّصارى قَلْسُوَةٌ إلخ))؛ لأَّه يُحتمَلُ أنْ يكونَ إطلاقُهُ على
القَلْسُوَةِ على سبيلِ التَّغليبِ والمشاكَلَةِ، وكذا كونُ معناهُ: الذُّلَّ والعَجْزَ؛ لأنَّ عَلَّةَ الَّسميةِ لا يلزمُ اطِرَادُها)) اهـ.
وقد نَقَلَ عن "القاموس" و"المصباح" وغيرهما تفسيرَهُ بما قَالَهُ "الشَّارِحُ". اهـ من "السِّنديّ".
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - الجمع والفرق - أحكام الذمي صـ ٣٨٧ -
(٢) "التتارخانية": كتاب الخراج - الفصل الثامن في المتفرقات ٤٤٨/٥.
(٣) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في أحكام الجزية ٦٧٥/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل تمليك بعض الكفار ٣٢٥/٢.
(٥) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٤/أ.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٣/٥ معزياً للظهيرية.
(٧) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ق ٢٦٤/ب.
(٨) "المصباح المنير": مادة ((زنر)).
(٩) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٣/٥.
حاشية ابن عابدين
٧٥٨
فصلٌ في الجزية
ولو زَرقاءَ أو صَفراءَ على الصَّواب، "نهر"، ونحوُهُ في "البحر" (١)، واعتمدَهُ في
"الأشباهِ" كما قدَّمناهُ(٢)،
عن "المغرب"(٣): ((أَنَّه خَيْطٌ غَلِيظٌ بِقَدْرِ الإِصبعِ يشدُّهُ الدِّمِّيُّ فوقَ ثيابِهِ))، قالَ
"الْقُهِستانيُّ (٤): ((وينبغي أنْ يكونَ مِن الصُّوْفِ أو الشَّعْرِ وأنْ لا يُجعَلَ لهُ حَلْقةً تَشُدُّهُ كما
يَشُدُّ المسلمُ المِنْطَقَةَ، بل يُعلِّقُهُ على اليمينِ أو الشِّمالِ كما في "المحيط " (٥)).
[٢٠١٦٤] (قولُهُ: ولو زَرْقَاءَ أو صَفْراءَ) أي: خلافاً لِما في "الفتح" (٦) مِن أَنَّه إذا كانَ المقصودُ
العلامةَ يُعَبرُ في كلِّ بلدةٍ مُتَعَارِفُها، وفي بلادِنا جُعِلَتِ العلامَةُ في العِمامةِ، فَأُلزِمَ النَّصارى بالأزرقِ
واليهودُ بالأصفرِ، واختصَّ المسلمونَ [٣/ق٥٢/أ] بالأبيضِ، قالَ في "النّهر)(٢): ((إلاَّ أَنَّه في "الظَّهِيرِيَّةِ"(٨)
قالَ: وأمَّا لُبْسُ العِمامةِ والزَُّّارِ الإِبرِيسمِ فحَفاءٌ في حقِّ أهلِ الإسلامِ ومَكْسَرَةٌ لقلوبِهم، وهذا يُؤذِنُ بمنعِ
الَِّيزِ بها، ويُؤَيِّدُهُ ما ذكرَهُ في "الَّار خانَّةِ (٩)؛ حيثُ صَرَّحَ بمنعِهِم مِن القَلائِسِ الصِّغَارِ، وإنّا تكونُ
طويلةً مِن كِرْباسٍ (١٠) مصبوغةً بالسَّوادِ مُضَرَّبَةً مُّبَطَّةً، وهذا في العلامَةِ(١١) أَوْلِى، وإذا عُرِفَ هذا
فمنعُهم مِن لُيْسِ العمائمِ هو الصَّوابُ الواضحُ بِالّبْيانِ، فَأََّ اللهُ سلطانَ زمانِنا، ولسعادتِهِ أَبَّدَ
ولِلْكِهِ شَّدَ(١٢) ولأمرِهِ سَدَّدَ؛ إذ مَنَعَهم مِن ◌ُبْسِها )) اهـ.
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٣/٥.
(٢) صـ ٧٥٦ - "در".
(٣) "المغرب": مادة ((كستج)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل تمليك بعض الكفار ٣٢٥/٢.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب الخراج - النوع الثاني: خراج الرؤوس - وأمَّا بيان ما يؤاخذون به إلخ ١/ق ١٥٤/ب.
(٦) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
(٧) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٣ /ب.
(٨) "الظهيرية": كتاب السِّير - الفصل السابع في ألفاظ الكفر وما يصير الكافر به مسلماً ق ١٧٣/أ بتصرف.
(٩) "التاتر خانية": كتاب الخراج - الفصل الثامن في المتفرقات - ما يؤاخذ به الذميون بعد ضرب الجزية ٤٤٦/٥.
(١٠) الكِرْباسُ: الثّوب، فارسيٌّ معرَّب، انظر اللسان": مادة ((كربس)).
(١١) في "النهر": ((العمامة)).
(١٢) في "النهر": ((ولسعادته أَيَّدَ ولملكه شهيد)).
الجزء الثاني عشر
٧٥٩
فصلٌ في الجزية
وإنَّما تكونُ طويلةً سَوْداءَ (و) من (زُنَّارِ الإِبْرِيسَمِ، والتّيابِ الفاخرةِ المُختَصَّةِ بأهلِ
العِلْمِ والشَّرَفِ)
قلتُ: وهذا هو الُوافِقُ لِما ذكرَهُ "أبو يوسف" في كتابِ "الخراج"(١) مِن إلزامِهِمْ لُبْسَ
القَلانسِ الطَّويلةِ الْمُضَرَّةِ، وأنَّ "عمرَ" كانَ يَأْمُرُ بذلكَ ومِن مَنْعِهِم مِنْ لُبْسِ العَمائِمِ.
(تنبيةٌ)
قالَ في "الفتح"(٢): ((وكذا تُؤَخَذُ نساؤهم بالزِّيِّ في الطُّرُقِ، فُيُحِعَلُ على مُلاءةِ اليهودِيَّةِ
خِرْقَةٌ صَفْراءُ، وعلى النَّصرائَّةِ زَرْقَاءُ، وكذا في الحمَّاماتِ)) اهـ. أي: فُيُجعَلُ في أعناقِهِنَّ طَوْقُ
الحديدِ كما في "الإختيار"(٣)، قالَ في "الدُّرِّ المنتقى(٤): ((قلتُ: وسيجيءُ أَنَّ الذِّمِّيَّةَ فِي النَّظرِ إلى
المسلمةِ كالرَّجلِ الأجنبيِّ في الأصحِّ، فلا تَنظُرُ أصلاً إلى المسلمةِ، فليتَبَّه لذلكَ)) اهـ، ومُفَادُهُ:
مَنْعُهنَّ مِن دُخُولِ حَّامٍ فِيهِ مسلمةٌ، وهو خلافُ المفهومِ مِن كلامِهم هنا، تأمَّل.
[٢٠١٦٥) (قولُهُ: وإنَّا تكونُ طويلةً سَوْداءَ) ظاهرُهُ: أنَّ الضَّميرَ للعِمامةِ، وليسَ كذلكَ، بل
هو للقَلَنْسُوةِ؛ لأنَّ المقصودَ مَنْعُهم مِن العِمامةِ ولو غيرَ طويلةٍ، وإلزامُهم بالقَلَنْسُوةِ الطَّويلةِ كما
علمتَهُ، فكانَ الصَّوَابُ أنْ يقولَ: وإنَّا يَلَبَسُ قَنْسُوةً طويلةً سوداءَ، والقَلْسُوةُ: هي الَّتِي يَدخُلُ فيها
الرَّاسُ، والعِمامةُ ما يُدارُ عليها مِن مِنديلٍ ونحوِهِ.
[٢٠١٦٦) (قولُهُ: الإِبِرِيسَمِ) بكسرِ الهمزةِ والرَّاءِ وفتحِ السِّينِ (٥)، وهو: الحريرُ، قالَ في
"المصباح"(٦): ((الحريرةُ: واحدةُ الحريرِ، وهو الإِبْرِيسَمُ)).
(١) "الخراج": فصل في لباس أهل الذمة وزيِّهم صـ١٢٧ -. (ضمن "موسوعة الخراج").
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
(٣) "الإختيار": كتاب السِّير - فصل في ما يفعله الإمام مع الحربيّ إذا دخل دارنا بأمان ١٤٠/٤.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في أحكام الجزية ٦٧٦/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) وفيه لغاتٌ أخرى كما في "المصباح".
(٦) "المصباح المنير": مادة ((حرر)).
حاشية ابن عابدين
٧٦٠
فصلٌ في الجزية
كصُوفٍ مُربَّعٍ، وجُوخٍ رفيعٍ، وأبرادٍ رقيقةٍ، ومِنِ اسْتِكتابٍ (١)، ومُباشَرةٍ يكونُ بها
مُعظَّماً عند المسلمين، وتمامُهُ في "الفتح". وفي "الحاوي" (٢) :.
[٢٠١٦٧) (قولُهُ: كصُوْفٍ مُرَّبَّعٍ) لعلَّهُ: الفرجَيَّةُ، فإنَّه الآنَ مِن خصوصيَّاتِ أهلِ القرآنِ
والعلم، "ط" (٣).
/٢٠١٦٨) (قولُهُ: وَأَبرادٍ رقيقةٍ) الْبُرْدُ: نوعٌ من الثّابِ مُخطَّطٌ كما في "النّهايةِ" (٤).
/٢٠١٦٩] (قولُهُ: وتمامُهُ في "الفتح"(٥)) حيثُ قالَ: ((بل ربَّما يَقِفُ بعضُ المسلمينَ خَدَمَةً لهم
خَوْفًا مِن أَنْ يَتَغَّرَ خاطرهُ مِنْهُ فَيَسْعَى بِهِ عندَ مُسْتَكْتِهِ سعايةً تُوجِبُ لهُ منهُ الضَّررَ))، ثمَّ قالَ(٥):
((وَتُجعَلُ مَكَاعِبُهم (٦) خَشِنَةً فاسدةَ اللّونِ، ولا يلبَسوا طَيَلِسةً كَطَلِسةِ المسلمينَ، ولا أَرْدِيَةً
كأَرْدِيِتِهم، هكذا أُمروا وَاتَّفقتِ الصَّحابةُ(٧) على ذلكَ)) اهـ. وقالَ أيضاً(٨): ((ولا شكَّ في وقوعِ
خلافِ هذا في هذهِ الدِّیارِ)) اهـ.
قلتُ: وفي هذهِ السَّنَةِ في البلادِ الشَّامَّةِ استأسدَتِ اليهودُ والنَّصارى على المسلمينَ، وللهِ دُّ
القائل: [الكامل]
٢٧٤/٣
وَأَمَرُّ منها رِفْعَةُ السُّفهاءِ
أحبابنا نُوَبُ الزَّمانِ كثيرةٌ
وأرى اليهودَ بِذِّلَّةِ الفُقَهَاءِ
فمتى يُفِيقُ الدَّهْرُ مِن سَكَرَاتِهِ
(قولُهُ: كصوفٍ مَرِيعٍ إلخ) مَرِيعٍ على وزنِ فَعِيلٍ، "سنديّ". وهو بمعنى: الّامي الزَّائدِ، على
ما يُفيدُهُ "القاموس"، والمقصودُ: المرتفعُ.
(١) في "د" و"و": ((استكتابة)).
(٢) "الحاوي القدسي": كتاب السِّير - باب السِّيرة لنا ولهم في الدارين - فصل يؤمر أهل الذّمة بإظهار أزيائهم إلخ ق ١٧٠/أ.
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٤٧٢/٢.
(٤) "النهاية في غريب الحديث": ١١٦/١.
(٥) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيْعةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
(٦) قال في "القاموس" مادة ((كعب)): ((والمُكَعَّبُ المُوشِيُّ من البُرُودِ والأَثَواب)).
(٧) تقدم في المقولة [٢٠١٦٤] إقرارُ الصحابة "عمر" على ذلك من غير نكير.
(٨) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيْعةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
الجزء الثاني عشر
٧٦١
فصلٌ في الجزية
((وينبغي أنْ يُلازِمَ الصَّغَارَ فيما يكونُ بينه وبين الُسلمِ(١) في كلِّ شيءٍ))، وعليه:
فُيُمنَعُ من القُعُودِ حالَ قِيامِ المُسلمِ عنده، "بحر"(٢). ويَحِرُمُ تَعظيمُهُ، وتُكرَهُ مُصَافَحْتُهُ،
ولا يُبدَّأُ بِسَلامٍ إلاَّ لحاجةٍ، ولا يُزادُ في الجوابِ على ((وعليك))، ويُضَيَّقُ عليه في
المرورِ، ويُجعَلُ على دارِهِ علامةٌ، وتمامُهُ في "الأشباه"(٣) من أحكامِ الذِّميِّ، وفي "شرح
الوهبانية" لـ "الشُّ نبلاليّ": ((وَيُمنَعُونَ مِنِ اسْتِيطانِ مَكّةَ والمدينةِ؟.
[٢٠١٧٠] (قولُهُ: وينبغي أنْ يُلازِمَ الصَّغَارَ) أي: الذُّلَّ والهَوَانَ، والظَّاهرُ: أنَّ ((ينبغي)) هنا
بمعنى ((يَجِبُ))، قالَ في "البحر"(٤): ((وإذا وَجَبَ عليهم إظهارُ الذُّلِّ والصَّغَارِ معَ المسلمينَ وَجَبَ
على المسلمينَ عَدَمُ تعظيمِهِم، لكنْ قالَ في "الذَّخيرةِ": إذا دَخَلَ يهوديٌّ الحمَّامَ إِنْ خدمَهُ المسلمُ
طَمَعاً في فُوسِهِ فلا بأسَ بِهِ، وإِنْ تعظيماً لَهُ فَإِنْ كَانَ لِيَمِيلَ قلبُهُ إلى الإسلامِ فكذلكَ، وإنْ لم يَنْوِ
شيئاً فَما ذكرنا كُرِهَ، وكذا لو دخلَ ذَمِّيٌّ على مسلمٍ فَقَامَ لهُ لِيَمِيلَ قَلْبُهُ إلى الإسلامِ فلا بأسَ، وإنْ
لم ينوِ شيئاً أو عظَّمَهُ لِغِنَاهُ كُرِهَ اهـ. قَالَ "الطَّرَسُوسيُّ": وإنْ قامَ تعظيماً لذاتِهِ وما هو عليهِ كُفِرَ؛
لأنَّ الرِّضى بالكُفْرِ كُفْرٌ، فَكيفَ بتعظيمِ الكُفْرِ)) اهـ.
قلتُ: وبه عُلِمَ أَنَّه لو قامَ لهُ خوفاً مِن شرِّهِ فلا بأسَ أيضاً، بل إذا تحقَّقَ الضَّررُ فقد يَجِبُ
وقد يُستَحَبُ على حَسَبِ حالِ ما يتوقَّعُهُ.
٢٠١٧١١) (قولُهُ: ويُضيّقُ عليهِ في المرورِ) بأنْ يُلْجِئَهُ إلى أضيقِ الطَّريقِ، وعبارةُ "الفتح" (٥):
((وَيُضِيَّقُ عليهم في الطَّريقِ)).
[٢٠١٧٢) (قولُهُ: ويُجعَلُ على دارِهِ علامةٌ) لئلاَّ يَقِفَ سائلٌ فيدعوَ لهُ بالمغفرةِ، أو يعاملَهُ
(١) في "و": ((المسلمين)).
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٣/٥.
(٣) انظر "الأشباه والنظائر": الفن الثالث الجمع والفرق صـ ٣٨٨ -.
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١٢٤/٥ بتصرف.
(٥) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بِيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠٢/٥.
حاشية ابن عابدين
٧٦٢
فصلٌ في الجزية
لأنّهما من أرضِ العَرَبِ، قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((لا يَجْتَمِعُ في أرضِ العَرَبِ
دِينان)(١)، ولو دخلَ لتِجارةٍ جاز ولا يُطِيلُ، وأمَّا دُخولُه المسجدَ الحرامَ فذكرَ في "السِّيرِ
الكبيرِ"(٢) الَنْعَ، وفي "الجامعِ الصَّغِيرِ"(٣) عَدَمَهُ، و"السِّيرُ الكبيرُ" آخرُ تصنيفِ "محمَّدٍ"
رحمه الله تعالى، فالظَّاهرُ: أَنَّه أَوردَ فيه ما استقرَّ عليه الحالُ))، انتهى.
في التَّضُرُّعِ مُعاملةَ المسلمينَ، "فتح " (٤).
(٢٠١٧٣] (قولُهُ: لأَنَّهما مِن أرضِ العربِ) أفادَ أنَّ الْحُكْمَ غيرُ مقصورٍ على مَكَّةَ والمدينةِ، بل
جزيرةُ العربِ كُلُّها كذلكَ كما عبَّرَ بِهِ في "الفتح"(٤) وغيرِهِ، وقدَّمنا (٥) تحديدَها، والحديثُ
المذكورُ قالَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مرضِهِ الَّذي ماتَ فيهِ كما أخرجَهُ في "الموطأِ" [٣/ ق٥٢/ب]
وغيرِهِ، وَبَسَطَهُ في "الفتح"(٦).
٢٠١٧٤١] (قولُهُ: ولا يُطِيلُ) فَيُمنَعُ من أنْ يُطِيلَ فيها المُكْثَ حَتَّى يَتَّخِذَ فيها مَسْكنً؛ لأنَّ
حَلَهم في المُقَامِ في أرضِ العربِ معَ التزامِ الجِزْيَةَ كحالِهم في غيرِها بلا حِزْيةٍ، وهناكَ لا يُمنَعُونَ
مِن التّجارةِ، بل من إطالةِ المُقَامِ فكذلكَ في أرضِ العربِ، "شرح السِّير"(٧)، وظاهرُهُ: أنَّ حَدَّ
الطُّوْلِ سنةٌ، تأمَّل.
٢٠١٧٥١) (قولُهُ: فالظَّاهرُ: أَنَّه أَورَدَ فِيهِ ما استقرَّ عليهِ الحالُ) أي: فيكونُ المنعُ هو المعتمدَ في
المذهبِ.
(١) تقدَّم تخريجه في المقولة [٢٠١٣٩] قوله: ((ولو قرية في المختار)).
(٢) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب من إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور ١٥٤٢/٤.
(٣) الجامع الصغير": كتاب المأذون - باب الكراهية في البيع - مسائل من كتاب الكراهية ص ٤٨٢-٤٨٣.
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠١/٥.
(٥) المقولة [١٩٩٥٣] قوله: ((أرض العرب)).
(٦) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية - فصل لا يجوز إحداث بيْعَةٍ ولا كنيسة في دار الإسلام ٣٠١/٥.
(٧) "شرح السِّير الكبير": باب ما لا يكون لأهل الحرب في إحداث الكنائس والبيع وبيع الخمور ١٥٤٢/٤.