النص المفهرس
صفحات 701-720
الجزء الثاني عشر
٧٠٣
باب العشر والخراج والجزية
قُسِمَ بِقَدْرِ الحِصَصِ. قريةٌ خَرَاجُهم مُتفاوتٌ، فطَلَبُوا النَّسويةَ، إنْ لم يُعَلَمْ قدرُهُ ابتداءً
تُركَ على ما كان)). (ولا خَرَاجَ إِنْ غَلبَ الماءُ على أرضِهِ أو انقطعَ) الماءُ (أو أصاب
الزَّرعَ آفَةٌ سماويةٌ كـ:غَرَقِ، وحَرَقٍ وشِدَّةِ بردٍ)، إلاّ إذا بقيَ من السَّنَةِ.
[٢٠٠٣٦) (قولُهُ: قسِمَ بِقَدْرِ الخِصَصِ) أي: يُنظَرُ إلى خَرَاجِ الكُرُومِ والأراضِي، فإذا عُرِفَ
ذلكَ يُقْسِمُ جُملةُ خَرَاجِ الضَّيْعةِ عليها على قَدْرِ حِصَصِها، "ح"(١) عن "الخانَةُ"(٢).
قلتُ: والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ أَنَّهُ يُنظَرُّ إلى خراجهما خَرَاجَ وظيفةٍ، بأنْ يُنظَرَ كمْ جريباً فيهما؟
فإذا بَلَغَ خَرَاجُ الكُرُومِ مِائَةَ درهمٍ مثلاً وخَراجُ الأراضِي مائتينٍ، يُقْسَمُ جُملةُ خَرَاجِ الضَّيعةِ عليهما
أَثْلانً، ثلْتُهُ على الكُرُومِ وثلتاهُ على الأراضي.
[٢٠٠٣٧] (قولُهُ: قريةٌ) المرادُ أهلُها، فلذا قالَ: ((حَرَاجُهم)).
[٢٠٠٣٨] (قولُهُ: إنْ لم يُعَلَمْ إلخ) أي: إنْ كانَ لا يُعلَمُ أنَّ خَراجَ أراضيهم كانَ على
الَّساوي أم لا تُرِكَ كما كانَ.
(تنبيهٌ)
في "الخيريَّةِ"(٣): ((سُئِلَ في مسجدِ قريةٍ لهُ أرضٌ لم يُعرَفْ عليها خَراٌ مِن قديمِ الزَّمانِ
ويريدُ السِّبَاهِيُّ(٤) المتكلّمُ على القريةِ أنْ يأخذَ عليها خَراجاً. أجابَ: ليسَ لهُ ذلكَ، والقديمُ يبقَى
على قِدَمِهِ، وَحْملُ أحوالِ المسلمينَ على الصَّلَاحِ واجبٌ)).
[٢٠٠٣٩) (قولُهُ: ولا خراجَ إلخ) أي: خَرَاجَ الوظيفةِ، وكذا خَرَاجُ المُقَاسَمَةِ والعُشْرُ بالأولى؛
لتعلَّقِ الواجبِ بعينِ الخارجِ(٥) فيهما، ومِثْلُ الزَّرعِ الرَّطْبَةُ والكَرْمُ ونحوُهما، "خيريَّةً "(٦).
(١) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية ق ٢٦٣/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الزكاة - باب العشر والخراج ٢٧٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٩٧/١ بتصرف.
(٤) السِّباهية: هم مجموعة من الفرسان في الدولة العثمانية. انظر "العربُ والعثمانيون" صـ٤٦-، "ولاة دمشق في العهد
العثماني" صـ ١١٠ -.
(٥) في "ك": ((الواجب))، وهو خطأ.
(٦) "الفتاوى الخيرية": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ١٠٠/١ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٧٠٤
باب العشر والخراج والجزية
ما يُمكِنُ الزَّرْعُ فيه ثانياً (أمَّا إذا كانت الآفَةُ غيرَ سماويّةٍ) ويُمكنُ الاحترازُ عنها
(كأكلِ قِرَدَةٍ وسِباعِ ونَحوِ هِما) كأنعامٍ وفأرٍ ودُودةٍ، "بحر"(١) (أو هَلَكَ) الخارِجُ
(بعد الحَصادِ لا) يَسقُطُ» ...
[٢٠٠٤٠] (قولُهُ: ما يُمكِنُ الزَّرْعُ فيهِ ثانياً) قالَ في "الكبرى"(٢): والفتوى: أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بثلاثةٍ
أشهرِ، "نهر"(٣).
(٢٠٠٤١] (قولُهُ: ويُمكِنُ الاحترازُ عنها) خَرَجَ ما لا يُمكِنُ كالجرادِ كما في "البَرَّازِيَّةِ"(٤).
[٢٠٠٤٢) (قولُهُ: كأنعامٍ) وكقِرَدَةٍ وسباعٍ ونحوِ ذلكَ، "بحر "(٥).
(٢٠٠٤٣)] (قولُهُ: وَفَأُرِ وَدُوْدَةٍ) عبارةُ "البحر "(٦): ((ومنهُ يُعلَمُ أَنَّ الدُّودةَ والفأرةَ إذا أكلاً
الزَّرعَ لا يَسقُطُ الخراجُ)) اهـ.
قلتُ: لا شكَّ أَنَّهما مثلُ الجَرادِ في عدمٍ إمكانِ الدَّفْعِ، وفي "الَّهر" (٧): ((لا ينبغي التَردُّدُ في
كون الدُّودةِ آفةً سماويَّةً، وَأَنَّهُ لا يُمكِنُ الاحترازُ عنها))، قالَ "الخيرُ الرَّمليُّ": ((وأَقولُ: إنْ كانَ
كثيراً غالباً لا يمكنُ دَفْعُهُ بِيْلةٍ يجبُ أنْ يَسقُطَ بِهِ، وإِنْ أمكنَ دَفْعُهُ لا يَسقُطُ، هذا هو المتعِّنُ
للصَّوَابِ)).
(٢٠٠٤٤] (قولُهُ: أو هَلَكَ الْخَارِجُ بعدَ الحَصادِ) [٣/ ق ٤٥/ ١] مفهومُهُ: أَنَّهُ لو هَلَكَ قبلَهُ يَسقُطُ
الخَرَاجُ، لكنْ يخالفُهُ النَّعْصِيلُ المذكورُ فيما لو أصابَ الزَّرعَ آفةٌ، فإنَّ الزَّرعَ اسمٌ للقائمِ في أرضِهِ،
فحيثُ وَجَبَ الخَرَاجُ بِهَلاكِهِ بآفٍ يُمكِنُ الاحترازُ عنها عُلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ قَبَلَ الحصادِ، إلاَّ أنْ يُحمَلَ
الهلاكُ هنا على ما إذا كانَ بما لا يُمكِنُ الاحترازُ عنهُ فتندفعُ المخالفةُ، وقدَّمنا (٨) في بابِ العُشْرِ
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٧/٥.
(٢) تقدمت ترجمتها ١٦١/١.
(٣) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ق ٣٣١/ب.
(٤) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثالث في العشر والخراج والجزية ٩٠/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٧/٥ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٧/٥.
(٧) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ق ٣٣١/ب.
(٨) المقولة [٨٤٥٤] قوله: ((ويؤخذ العشر إلخ)).
٧٠٥
باب العشر والخراج والجزية
الجزء الثاني عشر
وقبلَهُ يَسقُطُ، ولو هَلَكَ بعضُهُ، إِنْ فَضَلَ عمَّا أَنفقَ شيءٌ أُخِذَ منه مِقدارُ ما بَيِّنًا، ...
مِن الزَّكَاةِ الاختلافَ في وقتٍ وجوبِهِ، فعندَهُ: يَجِبُ عندَ ظُهُورِ النَّمرةِ والأمنِ عليها مِن الفسادِ
وإنْ لم يَستحِقَّ الحصادُ إذا بَلَغَتْ حَدَّا يُنتَفَعُ بِهِ، وعندَ الثَّاني: عندَ استحقاقِ الحصادِ، وعندَ الثّالثِ:
إذا حُصِدَتْ وصارَتْ فِي الْجَرِينِ، فلو أَكَلَ منها بعدَ بُوغِ الحصادِ قبلَ أنْ تُحصَّدَ ضَمِنَ عندَهما
لا عندَ "محمَّدٍ"، ولو بعدَما صارَتْ في الجرينِ لا يَضْمَنُ إجماعاً، ومرَّ (١) تمامُهُ هناكَ.
[٢٠٠٤٥] (قولُهُ: وقبلَهُ يَسقُطُ) أي: إلَّ إذا بقيَ مِن السَّنةِ ما يَتَمكَّنُ فيهِ مِن الزِّراعةِ كما
يُؤْخَذُ ثَّا سَلَفَ "ط " (٢). قالَ "الخيرُ الرَّملِيُّ": ((ولو هَلَكَ الخارجُ في خراجِ المُقاسَمةِ قبلَ الحصادِ
أو بعدَهُ فلا شيءَ عليهِ لتعلَّقِ بالخارجِ حقيقةً، وحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّريكِ شركةَ الِلْكِ فلا يُضمَنُ
إلاّ بالتَّعدّي، فاعلمْ ذلكَ فإنَّهُ مُهِمٌ وَيَكثُرُ وقوعُهُ في بلادِنا، وفي "الخانَيَّةَ(٢) ما هو صريحٌ في
سُقُوطِهِ فِي حِصَّةِ ربِّ الأرضِ بعدَ الْحَصادِ ووجوبِهِ عليهِ في حصَّةِ الأَكَّارِ معلِّلاً بأنَّ الأرضَ في
حصَّتِهِ بمنزلةِ المستأجَرَةِ)) اهـ.
[٢٠٠٤٦] (قولُهُ: إِنْ فَضَلَ عمَّا أَنْفَقَ) ينبغي أنْ يُلحَقَ بِالنَّفْقَةِ على الزَّرعِ ما يأخذُهُ الأعرابُ
وحُكَّامُ السِّياسةِ ظُلْماً كما يُعلَمُ مَا قَدَّمناهُ(٤).
٢٦٣/٢
[٢٠٠٤٧] (قولُهُ: أُخِذَ منهُ مِقْدَارُ ما بيَّنَا) أي: إنْ بَقِيَ ضِعْفُ الخَراجِ كلِر همينِ وصاعينِ
يَجِبُ الْخَرَاجُ، وإنْ بَقِيَ أقلُّ مِن مقدارِ الخَراجِ يجِبُ نِصْفُهُ، وأشارَ "الشَّارِحُ" إلى هذا بقولِهِ:
(قولُهُ: ولو بعدَما صارَتْ في الجرينِ لا يَضْمَنُ إلخ) حقُّهُ: حذفُ ((لا)) كما هو ظاهرٌ، وَتُفِيدُهُ
عبارتُهُ في العُشْرِ.
(١) المقولة [٨٤٥٤] قوله: ((ويؤخذ العُشْر إلخ)).
(٢) "ط": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية ٤٦٦/٢.
(٣) "الخانية": كتاب الزكاة - فصل في العشر والخراج ٢٧٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [٢٠٠٢٣] قوله: ((وينبغي أن لا يُزادَ على النّصف)).
حاشية ابن عابدين
٧٠٦
باب العشر والخراج والجزية
"مُصنف"، "سراج"، وتمامُهُ في "الشُّرنبلالية" مَعزّاً لـ "البحر"(١)، قال: وكذا حُكْمُ
الإجارةِ في الأرضِ المُستأجَرَةِ (فإنْ عطَّلَها صاحِبُها وكان خَراجُها مُوظَّفاً، أو أَسلمَ)
صاحبُها (أو اشترى مُسلِمٌ) من ذِميّ (أرضَ خَراجٍ.
((وتمامُهُ فِي "الشُّرُ بِلالَةُ"(٢)))، فإنَّهُ مذكورٌ فيها، أفادَهُ "ح"(٣).
[٢٠٠٤٨] (قولُهُ: "مصنّف"، "سراج") على حذفِ العاطفِ، أو(٤) على معنى: "مصنّفٌ" عن
"السِّرَاجِ"، فإنَّ "المصنّفَ" في "المنح"(٥) نقلَ ذلكَ عن "السِّرَاجِ"(٦).
[٢٠٠٤٩) (قولُهُ: وكذا حُكْمُ الإجارةِ) أي: لو استأجَرَ أرضاً فَغَلَبَ عليها الماءُ أو انقطعَ
لا تَجِبُ الأجرةُ، وأمَّا لو أصابَ الزَّرعَ آفةٌ فإنَّا يَسقُطُ أجرةُ ما بَقِيَ من السَّنَةِ بعدَ الهلاكِ لا ما
قبلَهُ؛ لأنَّ الأَجرَ يجبُ بإزاءِ المنفعةِ شيئاً فشيئاً، فَيَجِبُ أجرُ ما استَوفَى لا غيرُهُ، فيُفرَّقُ بِينَ هذا وبينَ
الخَراجِ فإنَّهُ يَسقُطُ كما في "البحر"(٧) عن "الولوالحيَّةُ(٨).
قلتُ: لكنْ في إجارةِ "البزَّازِيَّة"(٩) عن "المحيط " (١٠): ((الفتوى على أَنَّهُ إذا بَقِيَ بعدَ هَلاكِ
الزَّرعِ مدَّةٌ لا يَتَمَكَّنُ مِن الزِّراعةِ لا يَجِبُ الأجرُ، وإلَّ يَجِبُ إذا تمكَّنَ مِن زراعةٍ مثلِ الأوَّلِ أو
دونَهُ في الضَّررِ، وكذا لو مَنَعَهُ غاصبٌ)) اهـ. والخَراجُ كذلكَ كما علمتَ.
[٢٠٠٥٠] (قولُهُ: فإنْ عَطَّلَها صاحبُها) أي: عطَّلَ الأرضَ الصَّالحةَ للزِّراعةِ، "درّ منتقى) (١١).
(١) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٧/٥.
(٢) انظر "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب الوظائف ٢٩٧/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "ح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية ق ٢٦٤/أ.
(٤) في "الأصل" و"ك" و"آ": ((أو هو)) بزيادة ((هو)).
(٥) "المنح": كتاب الجهاد - باب العشر والخراج والجزية ١/ ق ٢٥٠/ب بتصرف.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب زكاة الزرع والثمار ق ٤٤٤ /أ.
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٧/٥.
(٨) "الولوالجية": كتاب الزكاة - الفصل الأول فيما تجوز الإجارة إلخ ق ١٩٩ /أ.
(٩) "البزازية": الفصل الثالث في الضياع والعقار - نوع في إجارة الأرض ٦٠/٥ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(١٠) "المحيط البرهاني": كتاب الإِجارات - الفصل الثامن عشر فسخ الإجارة بالعذر وبيان ما يصحُّ عذراً إلخ ٤ / ق٣٥/ب.
(١١) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٦٦٨/١ (هامش "مجمع الأنهر").
الجزء الثاني عشر
٧٠٧
باب العشر والخراج والجزية
يجبُ) الخَراجُ (ولو مَنعَه إنسانٌ من الزِّراعةِ، أو كان الخَرَاجُ(١)) خَرَاجَ (مُقَاسَمَةٍ ...
قلتُ: في "الخانَّة "(٢): ((لهُ في أرضِ الخراجِ أرضٌ سَبْخَةٌ لا تَصلُحُ للزِّراعةِ، أو لا يَصِلُها(٣)
الماءُ، إنْ أمكنَهُ إصلاحُها ولم يُصْلَحْ فعليهِ الخَراجُ، وإلاَّ فلا)) اهـ. ومِن التِّعطيلِ مِن وجهٍ ما لو
زَرَعَ الأخسَّ معَ قُدرتِهِ على الأعلى كما مرَّ(٤).
قلتُ: ويُستثنى مِن التَّعطيلِ ما ذكرَهُ في "الإسعاف" (٥) في فصلِ أحكامِ المقابرِ والربطِ: ((لو جَعَلَ
أرضَهُ مَقْبُرَةً أو خَاناً للغَلَّةِ أو مَسْكنً سَقَطَ الخَراجُ عنهُ، وقيلَ: لا ◌َيَسْقُطُ، والصَّحيحُ هو الأَوَّلُ)) اهـ.
مطلبٌ فيما لو عجَزَ المالكُ عن زراعةِ الأرضِ الخراجِيَّةِ
وعليهِ مشى في "المنظومة المحبَّةِ"(٦)، وبقيَ ما لو عَجَزَ مالكُها عن الزِّراعةِ لعدمٍ قَوَّتِهِ
وأسبابِهِ، فللإِمامِ أنْ يَدْفعَها لغيرِهِ مُزَارَعَةً لِيَأخُذَ الخَراجَ مِن نصيبِ المالكِ ويُمسِكَ الباقيَ للمالكِ،
وإنْ شاءَ أجَّرَها وأخذَ الخراجَ مِن الأجرةِ، وإنْ شاءَ زَرَعَها مِن بيتِ المالِ، فإنْ لم يتمكَّنْ باعَها
وَأَخَذَ الخراجَ مِن ثَمِنِها، قالَ في "النّهايةِ": ((وهذا بلا خلافٍ؛ لأَنَّهُ مِن بابِ صَرْفِ الضَّررِ العامِّ
بالضَّررِ الخاصِّ، وعن "أبي يوسف": يَدفعُ للعاجزِ كمايتَهُ مِن بيتِ المالِ قَرْضاً ليعملَ فيها،
"زيلعيّ)(٧)، وفي "الذَّخيرة": لو عادَتْ قُدْرةُ مالكِها ردَّها الإِمامُ عليهِ إلاَّ في البيعِ)).
[٢٠٠٥١] (قولُهُ: يَجِبُ الخراجُ) أمَّا فِي النَّعطيلِ فلأنَّ النَّقصيرَ جاءَ مِن جهتِهِ، وأمَّا فيما بعدَهُ
فلأنَّ الخراجَ فيهِ معنى المؤونةِ فأمكنَ إبقاؤُهُ على المسلمِ، وقد صَحَّ(٨) أنَّ الصَّحابةَ اشْتَرَوا أراضي
(١) في "ب" و"م" و"ط": ((الخارج))، وما أثبتناه من "د" و"و".
(٢) "الخانية": كتاب الزكاة - باب العشر والخراج ٢٧٥/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في "ك" و"آ": ((يصلحها)).
(٤) المقولة [٢٠٠٢٦] قوله: ((فعليه خراج الكرم)).
(٥) "الإسعاف": كتاب الوقف - باب بناء المساجد والربط والسقايات إلخ - فصل في ذكر أحكام تتعلق بالمقابر والربط صـ ٨٤ -.
(٦) "المنظومة المحبية": من كتاب العشر والخراج صـ٢٨ - ٢٩ -.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ٢٧٥/٣ بتصرف.
(٨) أخرج أبو عبيد في "الأموال" (٢١٤)، ويحيى بن آدم في "الخراج" (١٣٩)، وعنه البيهقي ١٤٠/٩ عن عباد بن العوَّام
وشريك عن الحجاج عن الحكم عن عبد الله بن المغفَل قال: ((لا تشترينَّ من السواد إلا من أهل الحيرة، وبانقيا، وأَلِيْس)) ..
وأخرج يحيى بن آدم (١٣٦) حدثني الحسن بن صالح حدثنا أبو علي الصفار أظنُّه عن منصور (ح)، و (١٣٨) =
حاشية ابن عابدين
٧٠٨
باب العشر والخراج والجزية
لا) يَجِبُ شيءٌ، "سراج". وقد عَلِمْتَ أنَّ المأخوذَ من أراضي مِصرَ أُجرةٌ لا خَراجٌ، فما
يُفْعَلُ الآن مِنَ الأخذِ من الفلاّحِ وإنْ لم يَزْرَعْ - ويُسمَّى ذلك فِلاحةً، وإجبارُهُ على
السُّكنى في بلدةٍ مُعَّنَةٍ يَعمُرُ دارَهُ ويزرعُ الأرضَ - حرامٌ بلا شبهةٍ، "نهر "(١)، ..
الخراجِ وكانوا يؤدُّونَ خراجَها، وتمامُهُ في "الفتح"(٢).
/٢٠٠٥٢) (قولُهُ: لا يَجِبُ شيءٌ) لأَنَّهُ إذا مُنِعَ ولم يَقدِرْ على دَفْعِهِ لم يتمكَّنْ مِن الزِّراعةِ،
ولأنَّ خَرَاجَ المُقاسَمةِ يتعلَّقُ بعينِ [٣/ق٤٥/ب] الخارجِ مثلَ العُشْرِ، فإذا لم يُزْرَعْ معَ القدرةِ لم يُوجَدِ
الخَارِجُ، بخلافٍ خَرَاجِ الوظيفةِ؛ لأَنَّهُ يجبُ في الدّمَّةِ بمجرَّدِ الَّمكُّنِ مِن الزِّراعةِ.
مطلبٌ لو رحلَ الفلاَّحُ مِن قريتِهِ لا يُجَبَرُ على العودِ
(٢٠٠٥٣] (قولُهُ: وقد عَلِمْتَ إلخ) حاصلُهُ: دَفْعُ ما يُتَوهَّمُ مِن قولِهِم: لو عطّلَها صاحبُها
يجبُ الخراجُ أَنَّهُ لو تَرَكَ الزِّراعةَ لعذرٍ أو لغيرِهِ أو رَحَلَ مِن القريةِ يُجَبَرُ على الزِّراعةِ والعودِ، وليسَ
كذلكَ، أمَّا أوّلاً: فلما علمتَ مِن قولِهِم: إنَّ الإِمامَ يَدْعُها لغيرِهِ مُزارَعةً أو بالأجرةِ أو يبيعُها،
ولم يقولوا بإجبارِ صاحبِها، وأمَّا ثانياً: فلما مرَّ(٣) مِن أنَّ الأراضي الشَّامِيَّةَ خراجُها مقاسَمةٌ
لا وظيفةٌ فلا يجبُ بالنَّعطيلِ أصلاً، وأمَّا ثالثاً: فلأَنّها لَّا صارَتْ لبيتِ المالِ صارَ المأخوذُ منها أُجْرَةً بَقَدْرِ
= حدثني مفضَّل بن مهلهل عن منصور عن عبيد بن الحسن أبي الحسن عن عبد الله بن مغفَّل المُزني قال: ((لا يُباعُ
أرضٌ دون الجبلِ إلا أرضُ بني صَلوبًا وأرضُ الحيرةٍ فإن لهم عهداً)).
وأخرج يحيى بن آدم (١٦٧) والبيهقي ١٤٠/٩ عن أبي شهاب وأبي معاوية عن حجاج عن القاسم عن ابن
مسعود (( أنه اشترى من دِهقانٍ أرضاً على أن يكفيَه خرَاجَها)).
وأخرج يحيى بن آدم (١٧٠)، وعنه البيهقي ١٤٠/٩ حدثنا حفص بن غياث عن مُحالد عن الشعبي قال:
((اشترى عبد الله أرضَ خراجٍ من دهقانٍ على أن يكفيَه خرَاجَها)).
وأخرج يحيى بن آدم (١٧١) حدثنا حسن بن صالح عن ابن أبي ليلى قال: اشترى الحسن بن علي مِلحةً أو مِلحاً، واشترى
الحسين سُوَيْدَين من أرض الخراج، وقال: ((قد ردَّ إليهم عمرُ أرضَهم وصالحهم على الخراج الذي وضعَه عليهم)).
وأخرجه البيهقي ١٤٠/٩ عن عيَّد عن الحجاج عن عبد الله بن الحسن أن الحسن والحسين اشتريا قطعة من أرض الخراج.
هذا وقد صحَّ عن عمرَ وغيرِه كراهةُ الشراء ومنعُه، والتفصيلُ بين التي أُخذت عَنوَةً أو صُلحاً.
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ق ٣٣١/ب.
(٢) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٢٨٥/٥.
(٣) المقولة [٢٠٠٠٠] قوله: ((خراج مقاسمة إلخ)).
الجزء الثاني عشر
٧٠٩
باب العشر والخراج والجزية
ونحوُّهُ في "الشرنبلاليةِ"(١) مَعزِيّاً لـ "البحر " (٢)؛ حيثُ قال: ((وتقدَّم أنَّ مِصْرَ الآن ليست
خَرَاجِيّةً بل بالأُجرةِ، فلا شيءً على مَن لم يَزرَعْ ولم يَكُن مُستأجِراً، ولا حَبْرَ عليه
يَتَسيْبها، فما يَفعلُهُ الظَّلَمةُ من الإضرارِ به حرامٌ، خُصوصً إذا أراد الاشتغالَ بالعِلمِ))
وقالوا: لو زَرَعَ الأدنى(٣) قادراً على الأعلى - كـ:زعفرانَ - فعليه خَرَاجُ الأعلى، وهذا
يُعَلَمُ ولا يُفْتَى بِهِ؛ كَيلا يَتحرََّ(٤) الظَّلَمةُ.
الخَرَاجِ، والأجرةُ لا تلزمُ هنا بدونِ التزامٍ إِمَّا بعقدِ الإِجارةِ أو بالزِّراعةِ، قالَ "الخير الرَّمليُّ" في
حاشيةِ "البحر": ((أقولُ: رأيتُ بعضَ أهلِ العلمِ أفتى بأَنَّهُ إذا رَحَلَ الفلاَّحُ مِن قريتِهِ ولَزِمَ خرابُ
القريةِ برحيلِهِ أَنَّهُ يُحَرُ على العَودِ، وربَّما اغترَّ بهِ بعضُ الجهلةِ، وهو محمولٌ على ما إذا رَحَلَ
لا عن ظُلْمٍ وجَوْرٍ ولا عن ضرورةٍ، بل تعنتاً وأَمَرَ السُّلطانُ بإعادتِهِ للمصلحةِ، وهي صيانةُ القريةِ
عن الخَّرابِ، ولا ضَرَرَ عليهِ في العَوْدِ، وأمَّا ما يفعلُهُ الظَّمةُ الآنَ مِن الإلزامِ بالرَّدِّ إلى القريةِ معَ
التَّكاليفِ الشَّاقَّةِ والجَوْرِ المُغْرِطِ فلا يقولُ بهِ مسلمٌ، وقد جَعَلَ "الحصنيُّ" الشَّافِعِيُّ في ذلكَ رسالةً (٥)
أقامَ بها الطَّامَّةَ على فاعلِ ذلكَ، فارجعْ إليها إنْ شئتَ)) اهـ.
[٢٠٠٥٤] (قولُ: كيلا يتحرَّأَ الظَّلَمةُ) قالَ في "العناية"(٦): ((ورُدَّ بأَنَّهُ: كيفَ يجوزُ الكِنْمَانُ
وأَنَّهم لو أَخَذُوا كانَ في مَوضِعِهِ لكونِهِ واجباً؟ أجيبَ: بأنّا لو أفتينا بذلكَ لاَّعى كلُّ ظالمٍ في أرضٍ
ليسَ شأنُها ذلكَ أَنَّها قبلَ هذا كانَت تُرْرَعُ الزَّعفرانَ، فيأخذُ حَرَاجَ ذلكَ وهو ظُلْمٌ وعُدْوانٌ)) اهـ.
(١) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب الوظائف ٢٩٧/١ (هامش "الدرر والغرر")، وفيه: ((بسببها)) بدل: ((بتسيببها)).
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٨/٥ بتصرف.
(٣) في "ب" و"ط" و"و": ((الأخس))، وما أثبتناه من "د" أولى.
(٤) في "د": ((تتجرئ)).
(٥) أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن الحسيني الحِصْني، تقيّ الدِّين الشافعي الدمشقي (ت٨٢٩هـ). ("الضوء اللامع" ٨١/١١،
"شذرات الذهب" ٢٧٣/٩، "البدر الطالع" ١٦٦/١، "هدية العارفين" ٢٣٦/١) ولم نهتد لرسالته بين مؤلفاته.
(٦) "العناية": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٢٨٥/٥ (هامش "فتح القدير").
حاشية ابن عابدين
٧١٠
باب العشر والخراج والجزية
(باع أرضاً حَراجيّةً، إنْ بَقِيَ من السَّنَةِ مِقدارُ ما يَتمكَّنُ المشتري من الزِّراعةِ فِعليهِ
الخَراجُ، وإلاَّ فعلى البائع)، "عناية". (ولا يُؤخذُ العُشْرُ من الخارِجِ من أرضِ الخَراجِ)
لأَنَّهما لا يجتمعان، خلافاً لـ "الشَّافعيِّ"،.
٢٦٤/٣
[٢٠٠٥٥) (قولُهُ: باعَ أرضاً خَراجَّةً إلخ) هذا إذا كانَت فارغةً، لكنْ اختلفُوا في اعتبارِ ما
يتمكَّنُ المشتري مِن زراعتِهِ - فقيلَ: الحِنْطَةُ والشَّعيرُ، وقيلَ: أيُّ زرعٍ كانَ - وفي أَنَّهُ هل يُشتَرَطُ
إدراكُ الرَّيْعِ بكمالِهِ أو لا؟ وفي "واقعات النَّاطفيّ": ((أنَّ الفتوى على تقديرِهِ بثلاثةِ أشهرٍ))، وهذا
منهُ اعتبارٌ لزرعِ الدُّخْنِ وإدراكِ الرَّبْعِ فإنَّ رَيْعَ الدُّخْنِ يُدرِكُ في مثلِ هذهِ المدَّةِ، وأمَّا إذا كانَت
الأرضُ مزروعةً فباعَها معَ الزَّرعِ، فإنْ كانَ قبلَ بُلُوغِهِ فالخراجُ على المشتري مطلقاً، وإنْ بعدَ بلوغِهِ
وانعقادِ حبِّهِ فهو كما لو باعَها فارغةً، ولو كانَ لها رَيْعانِ خريفيٌّ وربيعيٌّ وسَلِمَ أحدُهما للبائعِ
والآخرُ للمشتري فالخراجُ عليهما، ولو تداولَتْها الأَيدي ولم تَمْكُثْ في مِلْكِ أحدِهم ثلاثة أشهرٍ
فلا خَرَاجَ على أحدٍ)) اهـ. مِن "الَّار خانَّةً"(١) مُلخَّصاً.
[٢٠٠٥٦] (قولُهُ: "عناية") لم أجدْهُ فيها، وإنَّ عزاهُ في "البحر "(٢) إلى "البنايةِ"(٣)، وهي "شرح
الهداية" لـ "العينيّ".
[٢٠٠٥٧] (قولُهُ: ولايُؤخَذُ العُشْرُ إلخ) أي: لو كانَ لهُ أرضٌ خَرَاجُها مُوَظَّفٌ لا يُؤْخَذُ
منها عُشْرُ الخارجِ، وكذا لو كانَ خَراجُها مُقَاسَمَةً مِن النّصفِ ونحوِهِ، وكذا لو كانَتْ عُشريةً
لا يُؤْخَذُ منها خَرَاجٌ؛ لأَنَّهما لا يجتمعانٍ، ولذا لم يفعلْهُ أحدٌ مِن الخلفاءِ الرَّاشدينَ، وإلاَّ لُنُقِلَ،
وتمامُهُ في "الفتح"(٤).
(١) "التاتر خانية": كتاب الخراج - الفصل الخامس في بيان من يجب عليه الخراج ومن لا يجب ٤٢٦/٥-٤٢٧.
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٨/٥.
(٣) "البناية": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - إن غلب على أرض الخراج الماء أو اصطلم الزرع ٦٥٦/٦.
(٤) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٢٨٦/٥-٢٨٧.
الجزء الثاني عشر
٧١١
باب العشر والخراج والجزية
(ولا يَتكرَّرُ الْخَرَاجُ بِتَكَرُّرِ الخارِجِ في سنةٍ لو مُوظَّفاً، وإلاّ) بأنْ كان خَرَاجَ مُقَاسَمةٍ
(َتَكَرَّرَ)؛ لتَعلَّقِهِ بالخارجِ حقيقةً (كـ: العُشْرِ) فَإِنَّه يتكرَّرُ. (َرَكَ السُّلطانُ) أو نائبُهُ (الخَرَاجَ
لربِّ الأرضِ) أو وَهَبَهُ له ولو بشفَاعةٍ (جاز) عند "الثَّاني"، وحلَّ له لو مَصْرِفً،
وإِلاَّ تَصدَّقَ به، به يُفَتَى. وما في "الحاوي"(١): ((من تَرجيحِ حِلُّ لغيرِ الَصْرِفِ)) .......
[٢٠٠٥٨] (قولُهُ: ولا يَتِكَرَّرُ الخَرَاجُ إلخ) قالَ في "الفتح"(٢): ((فالخراجُ لهُ شدَّةٌ مِن حيثُ
تعلُّقُهُ بالتّمكُّنِ، ولهُ خِفَّةٌ باعتبارِ عدمٍ تكُرُّرِهِ فِي السَّةِ ولو زَرَعَ فيها مراراً، والعُشْرُ لهُ شدَّةٌ وهو
تكوُّرُهُ بتكرُّرِ خروجِ الخارجِ، وخِفَّةٌ بتعلَّقِهِ بعينِ الخارجِ، فإذا عَطَّها لا يُؤْخَذُ بشيءٍ)) اهـ.
قلتُ: ومِن ذلكَ أنَّ الْخَراجَ يَسقُطُ بالموتِ وبالَّداخلِ كالجِزيةِ، وقيلَ: لا كالعُشْرِ،
وسيأتي(٣) تمامُ الكلامِ عليهِ في الفصلِ الآتي.
[٢٠٠٥٩] (قولُهُ: أو وَهَبَهُ لهُ) بأنْ أَخذَهُ منهُ ثُمَّ أعطاهُ إِيَّاهُ.
/٢٠٠٦٠) (قولُهُ: عندَ الثَّاني) أي: عندَ "أبي يوسف"، وقالَ "محمَّدٌ): لا يجوزُ، "بحر "(٤)،
ولم يَظهَرْ لي وجهُ قولِ "محمَّدٍ" إنْ كانَ مرادُهُ: أَنَّهُ لا يجوزُ ولو كانَ مَصْرِفاً للخراجِ.
(٢٠٠٦١] (قولُهُ: وحَلَّ لهُ لو مَصْرِفاً) أعادَهُ؛ لأنَّ قولَهُ: ((جاز)) أي: جازَ ما فعلَهُ السُّلطانُ،
بمعنى: أنَّهُ لا يَضْمَنُ، ولا يلزمُ مِن ذلكَ حِلُّهُ لربِّ الأرضِ، وفي "القنية "(٥): ((ويُعذَرُ فِي صَرِفِهِ
(قولُهُ: ولم يَظهَرْ لي وجهُ قولِ "محمَّدٍ " إلخ) ما في "الحاوي" يُفيدُ أنَّ الخلافَ في غيرِ المَصْرِفِ،
وعبارتُهُ على ما في "الحَمَويّ": ((وإذا تَرَكَ الإِمامُ خَرَاجَ أرضِ رجلٍ أو كَرْمِهِ أو بستانِهِ ولم يكنْ أهلاً
الصَرْفِ الخراجِ إليه عندَ "أبي يوسفَ": يَحِلُّ، وعليه الفتوى، وعندَ "محمَّدٍ": لا يَحِلُّ إلخ)).
(١) هذا الموضع غير مقروء في نسخة "الحاوي القدسي" التي بين أيدينا.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٢٨٨/٥.
(٣) صـ ٧٣٨ - "در".
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية ١١٩/٥.
(٥) "القنية": كتاب الزكاة - باب الخراج والعشر ق ٣٠/أ.
حاشية ابن عابدين
٧١٢
باب العشر والخراج والجزية
خلافُ المشهور (ولو تَرَكَ العُشْرَ. لا) يجوزُ إجماعاً، ويُخرجُه بنفسه للفُقراء،
"سراج"(١)، خلافاً لِما في قاعدةِ: ((َتَصرُّفُ الإِمامِ مَنوطٌ بالمصلحةِ))، من "الأشباهِ"(٢)
مَعزّاً لـ "البزازيَّةِ"، فتنبّه،.
إلى نفسِهِ إنْ كانَ مَصْرِفاً كالمفتي والمجاهدِ والمعلّمِ والمُتَعلّمِ والذَّاكرِ والواعظِ عن علمٍ، ولا يجوزُ
لغيرِهم، وكذا إذا تَرَكَ عمَّالُ السُّلطانِ الخَراجَ لأحدٍ بدونٍ [٣/ق٤٦/أ] عِلْمِهِ)) اهـ.
[٢٠٠٦٢) (قولُهُ: خِلافُ المشهورِ) أي: مخالفٌ لِما نقلَهُ العامَّةُ عن "أبي يوسفَ"، "نهر "(٢).
[٢٠٠٦٣] (قولُهُ: لا يَجُوزُ إجماعاً) لعلَّ وجهَهُ: أنَّ العُشْرَ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكاةِ؛ لأَنَّهُ زكاةُ
الخارجِ، ولا يكونُ الإنسانُ مَصْرِفاً لزكاةِ نفسِهِ، بخلافِ الْخَرَاجِ فإنَُّ ليسَ زكاةً؛ ولذا يُوضَعُ على
أرضِ الكافرِ، هذا ما ظهرَ لي، تأمَّل.
٢٠٠٦٤١) (قولُهُ: معزّاً لـ "البزَّازِيَّةِ"(٤)) وذلكَ حيثُ قالَ: ((وفي "البَزَّازَّة": السُّلطانُ إذا تَرَكَ
العُشْرَ لَمن هو عليهِ جازَ غنّاً كانَ أو فقيراً، لكنْ إنْ كانَ المتروكُ لهُ فقيراً فلا ضمانَ على السُّلطانِ،
وإنْ كانَ غنّاً ضَمِنَ السُّلطانُ العُشْرَ للفقراءِ مِن بيتِ مالِ الْخَراجِ لبيتِ مالِ الصَّدقةِ)) اهـ.
قلتُ: وينبغي حَمْلُهُ على ما إذا كانَ الغَنِيُّ مِن مستحقّي الخَراجِ، وإلاَّ فينبغي أنْ يَضمَنَ
(قولُ "الشَّارحِ": خلافاً لِما في قاعدةِ: ((تصرُّفُ الإمامِ مَنُوطٌ بالمصلحةِ)) من "الأشباه" معزّاً
لـ "البزَّازِيَّة،" إلخ) قد يُقالُ: يُحمَلُ ما في "السِّراج" على ما إذا لم يكنْ ربُّ الأرضِ مَصْرِفاً أصلاً، وما في
"البزَّازِيَّة" على ما إذا كانَ مَصْرِفً ولو للخَراجِ، وفي "شرح الأشباه": ((لو صَرَفَ العُشْرَ لربِّ الأرضِ بعدَ
أخذِهِ منه يجوزُ، فكذا إذا تَرَكَهُ عليه، ألا يرى أنَّ السُّلطانَ إذا أَخَذَ من إنسانِ زكاةَ مالِهِ وافتقرَ قبلَ صرفٍ
الزَّكاةِ إلى المَصْرِفِ كانَ له أنْ يَرُدَّ عليه زكاتَهُ لما قلنا)). اهـ، تأمَّل.
(١) "السراج الوهاج": كتاب الزكاة - باب زكاة الزروع والثمار ق ٤٤٤/أ.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الأول: القواعد الكلية - النوع الثاني من القواعد - القاعدة الخامسة تصرُّفُ الإمام على
الرَّعِيَةِ منوطٌ بالمصلحة صـ١٣٨ -.
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب العشر والخراج ق ٣٣١/ب.
(٤) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثالث في العشر والخراج والجزية ٩٣/٤ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
الجزء الثاني عشر
٧١٣
باب العشر والخراج والجزية
وفي "النَّهر": ((يُعلَمُ من قولِ "الثّاني": حُكْمُ الإقطاعاتِ من أراضي بيتِ المالِ؛
إذ حاصلُها: أنَّ الرَّقْبَةَ لبيتِ المالِ، والخَرَاجَ له، ..
السُلطانُ ذلكَ مِن مالِهِ، تأمَّل. وقدَّمنا (١) في بابِ العُشْرِ عن "الذَّخيرة" مثلَ ما في "البزَّازِيَّة"، وقالَ
في "الدُّرِّ المنتقى) (٢): ((ثُمَّ رأيتُ في "البرجنديِّ" في بيانِ مَصرِفِ الجِزْيَةِ: وكذا لو جَعَلَ العُشُورَ
للمقاتِلَةِ جازَ؛ لأَنّهُ مالٌ حَصَلَ بقوَِّهم اهـ، فليحفظْ وليكنِ التَّوفيقَ)) اهـ. أي: بَحَمْلِ القولِ بالمنعِ
على غيرِ المقاتلةِ، والقولِ بالجوازِ عليهم.
قلتُ: لكنَّ قولَهُ: ((لو جَعَلَ العُشُورَ للمقاِلةِ)) ليسَ صريحاً في جعلِ عُشُورِ أراضِبهم، تأمَّل.
[٢٠٠٦٥] (قولُهُ: وفي "الَّهر"(٣) مِن هنا إلى قولِهِ: ((وفي "الأشباه")) مِن كلامِ "النَّهِ".
[٢٠٠٦٦) (قولُهُ: يُعلَمُ مِن قولِ "الثَّانِي") أي: بجوازٍ تركِ الخراجِ وهيتِهِ لَمن هو مَصرِفٌ لهُ.
مطلبٌ في أحكامِ الإقطاعِ مِن بيتِ المالِ
[٢٠٠٦٧] (قولُهُ: حُكْمُ الإِقطاعاتِ إلخ) قالَ "أبو يوسفَ" رحمَهُ اللهُ تعالى في "كتابِ
الخراجِ"(٤): ((وللإمامِ أَنْ يُقْطِعَ كلَّ مَوَاتٍ وكلَّ ما ليسَ فيهِ مِلْكٌ لأحدٍ، وَيَعْمَلَ بما يَرى أَنَّهُ خيرٌ
للمسلمينَ وأعمُّ نفعاً))، وقال أيضاً(٥): ((وكلُّ أرضٍ ليستْ لأحدٍ ولا عليها أثرُ عِمارةٍ فأقطعَها
رجلاً فِعَمَرَها، فإنْ كانَتْ في أرضِ الخَراجِ أدَّى عنها الخَراجَ، وإنْ كانَتْ عُشْرِيَّةً ففيها العُشْرُ)،
وقالَ(٦) في ذكرِ القطائعِ: ((إنَّ "عمرَ" اصطفَى أموالَ "كِيسرى" وأهلِ "كسرى" وكلِّ مَن فَرَّ
(قولُهُ: فليحفظْ وليكنِ الَّفِيقَ) هذا الَّوْفِيقُ غيرُ صائبٍ؛ لأنَّ الْعُشُورَ بالواوِ: عبارةٌ عمَّا يأخذُهُ العاشرُ الَّذي
نصَّبَهُ الإِمامُ في الطَريقِ من زكاةِ النِّحَارِ المارِّيْنَ بِهِ، لا العشرِ الَّذِي يَجِبُ على ما أخرجَتَهُ الأرضُ. اهـ "سنديّ".
(١) المقولة [٨٤٨٠] قوله: ((يجوز ترك الخراج للمالك إلخ)).
(٢) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ٦٦٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) "النهر": كتاب الزكاة - باب العشر والخراج ق ٣٣١/ب - ق٣٣٢/أ بتصرف.
(٤) "الخراج": فصل في موات الأرض - في الصُّلْح والعنوة صـ٦٦ - بتصرف (ضمن "موسوعة الخراج").
(٥) "الخراج": فصل: وأما أرض البصرة وخراسان صـ٥٩ -٦٠-، بتصرف (ضمن "موسوعة الخراج").
(٦) "الخراج": صـ ٥٧ -٥٨ - بتصرف (ضمن "موسوعة الخراج").
حاشية ابن عابدين
٧١٤
وحينئذٍ فلا يَصِحُّ بِيعُهُ ولا هِبْتُهُ وَلا وَقْفُه، ....
باب العشر والخراج والجزية
عن أرضِهِ أو قُتِلَ في المعركةِ، وكلِّ مُفِيضِ ماءٍ أو أَجَمَةٍ فَكانَ "عمرُ" يُقطِعُ مِن هذا لَمن أَقْطَعَ - قالَ
"أبو يوسف" : - وذلكَ بمنزلةٍ بيتٍ (١) المالِ الَّذي لم يكنْ لأحدٍ ولا في يدِ وارثٍ فللإِمامِ العادلِ أنْ
يُحِزَ منهُ وَيُعطِيَ مَن كانَ لهُ عَنَاءٌ في الإسلامِ، ويضعَ ذلكَ موضعَهُ ولا يُحابِي بهِ، فكذلكَ هذهِ
الأرضُ، فهذا سبيلُ القطائعِ عندِي في أرضِ العراقِ، وإنَّا صارَتِ القطائعُ يُؤخَذُ منها العُشْرُ؛ لأَنّها
بمنزلةِ الصَّدقةِ)) اهـ.
قلتُ: وهذا صريحٌ في أنَّ القطائعَ قد تكونُ مِن الَواتِ، وقد تكونُ مِن بيتِ المالِ لَمن هو مِن
مصارِفِهِ، وأَنَّهُ يَمْلِكُ رقبةَ الأرضِ، ولذا قالَ(٢): ((يُؤخَذُ منها العُشْرُ؛ لأَنّها بمنزلةِ الصَّدقةِ))، ويدلُّ
لهُ قولُهُ أيضاً: ((وكلُّ مَن أقطعَهُ الولاةُ المهديُّونَ أرضاً مِن أرضِ السَّادِ وأرضِ العربِ والجبالِ مِن
الأصنافِ الَّتي ذكرْنا أنَّ للإمامِ أنْ يُقْطِعَ منها فلا يَحِلُّ لمن يأتي بعدَهم مِن الخلفاءِ أنْ يَرُدَّ ذلكَ
ولا يُخرِجَهُ مِن يدِ مَن هو في يدِهِ وارثٍ أو مُشْتَرٍ)) ثُمَّ قالَ(٣): ((والأرضُ عندِي بمنزلةِ المالِ،
فللإِمامِ أنْ يُحِيزَ مِن بيتِ المالِ مَن لهُ عناءٌ في الإسلامِ، ومَن يقوى بهِ على العدوِّ، ويعملُ في ذلكَ
بالّذي يرى أنَّهُ خيرٌ للمسلمينَ وأصلحُ لأمرِهم، وكذلكَ الأَرَضونَ يُقَطَعُ الإِمامُ منها مَن أحبَّ مِن
الأصنافِ)) اهـ. فهذا يدلُّ على أنَّ للإِمامِ أنْ يعطيَ الأرضَ مِن بيتِ المالِ على وجهِ النَّمليكِ
الرقبتِها كما يُعطِي المالَ حيثُ رأى المصلحةَ؛ إذ لا فرقَ بينَ الأرضِ والمالِ في الدّفعِ للمستحِقِّ،
فاغتنمْ هذهِ الفائدةَ، فإِنّي لم أرَ مَن صرَّحَ بها، وإنَّ المشهورُ في الكتبِ أنَّ الإقطاعَ تمليكُ الخراجِ
معَ بقاءِ رقبةِ الأرضِ لبيتِ المالِ.
/٢٠٠٦٨] (قولُهُ: وحينئذٍ) أي: حينَ إذْ كانَتْ رقِبتُها لبيتِ المالِ، وهذا ظاهرٌ، وأمَّا إذا كانَتْ
رقبتُها للمُقْطَعِ لهُ - كما قُلْنا - فلا شكَّ في صحَّةٍ بيعِهِ وغيرِهِ.
٢٦٥/٣
(١) العبارة في "الخراج": ((وذلك بمنزلة المال الذي ... )).
(٢) "الخراج": فصل في القطائع صـ٥ ٨ - (ضمن "موسوعة الخراج").
(٣) "الخراج": فصل وأما أرض البصرة وخراسان صـ ٦٠- (ضمن "موسوعة الخراج").
الجزء الثاني عشر
٧١٥
باب العشر والخراج والجزية
نعم له إجارتُهُ تَخريجاً على إجارةِ المُستأجِر. ومن الحوادثِ: لو أَقْطَعها السلطانُ له
ولأولادِهِ ونَسْلِهِ وعَقِه على أنَّ مَن مات منهم انتقلَ نصيبُهُ إلى أخيهِ ثمَّ مات السُّلطانُ ..
مطلبٌ في إجارةِ الجنديِّ ما أقطعَهُ لهُ الإِمامُ
[٢٠٠٦٩] (قولُهُ: نَعَم لهُ إجارتُهُ إلخ) قالَ "ابنُ نُحِيمٍ" في "رسالتِهِ في الإقطاعاتِ"(١):
((وصَرَّحَ الشَّيخُ "قاسم" في فتوى رفعت(٢) لهُ بأنَّ للجنديِّ أنْ يُؤجِّرَ ما أقطعَهُ لهُ الإِمامُ، ولا أثرَ
لجوازِ إخراجِ الإمامِ لهُ أثناءَ المدَّةِ، كما لا أثّرَ لجوازِ موتِ المؤجِّرِ في أثناءِ المدَّةِ، ولا لكونِهِ مَّلَكَ
منفعةً لا في مقابلةِ مالٍ؛ لاتفاقِهم على أنَّ مَن صُولِحَ على خدمةٍ عبدٍ سنةً كانَ للمُصالِحِ أنْ
يُؤجَِّهُ، إلى غيرِ ذلكَ مِن النُّصوصِ النَّاطقةِ بإيجارٍ ما مَلَكَهُ مِن المنافعِ لا في مقابلةِ مالِ، فهو نظيرُ
المستأجرِ؛ لأَنَّهُ مَلَكَ منفعةَ الإقطاعِ [٣/ق ٤٦/ب] بمقابلةِ استعدادِهِ لِما أعدَّ لهُ، وإذا ماتَ المؤجِّرُ أو
أَخرجَ الإِمامُ الأرضَ عن المُقطَعِ تنفسخُ الإجارةُ لانتقالِ المِلكِ إلى غيرِ المؤجِّرِ، كما لو انتقلَ المِلكُ
في النّظائرِ أَّني خُرِّجَ عليها إجارةُ الإقطاعِ، وهي إجارةُ المستأجِرِ وإجارةُ العبدِ الَّذِي صُولِحَ على
خدمتِهِ مدَّةً، وإجارةُ الموقوفِ عليهِ الغَلَّةُ، وإجارةُ العبدِ المأذونِ، وإجارةُ أَمِّ الولدِ)) اهـ
(تنبيةٌ)
المرادُ بهذهِ الإِجارةِ إجارةُ الأرضِ للزِّراعةِ، لكنْ إذا كانَ للأرضِ زُرَّاعٌ واضعونَ أيديَهم
عليها، ولهم فيها حَرْثٌ وَكِيْسٌ (٣) ونحوُهُ مَّا يسمَّى كِرْدَاراً، ويُؤدُّونَ ما عليها لا تَصِحُّ إجارتُها
لغيرِهم، أمَّا إذا لم يكنْ لها زُرَّاعٌ مخصوصونَ، بل يتواردُها أناسٌ بعدَ آخرينَ ويدفعونَ ما عليها مِن
خَرَاجِ المُقَاسَمةِ فلهُ أنْ يؤجَِّها لمن أرادَ، لكنَّ الواقعَ في زماننا أنَّ المستأجِرَ يستأجِرُها لأجلِ أخذٍ
خراجها لا للزِّراعةِ، ويُسمِّي ذلكَ التزاماً، وهو غيرُ صحيحٍ كما أفَتَى بِهِ "الخيرُ الرَّمليُّ)(٤) في
كتابِ الوقفِ، وكذا في كتابِ الإِجارةِ في عدَّةِ مواضعَ، فراجعْهُ.
(١) "رسالة في بيان الإقطاعات ومحلّها ومن يستحقها": صـ١٤٦ - (ضمن "رسائل ابن نجيم").
(٢) في "الأصل" و"ك": ((وقعت)).
(٣) الكِبْسُ: بيتٌ من طِينٍ، ومثله الكِرْدَار. انظر "القاموس" مادة: (كبس) و (الكردار).
(٤) "الفتاوى الخيرية": كتاب الإجارة ١١٧/٢ و١٢٩ -١٣٠، وانظر كتاب الوقف ٢١٥/١-٢١٦.
حاشية ابن عابدين
٧١٦
باب العشر والخراج والجزية
وانتقلَ مَن أُقطعَ له في زَمنِ سُلطانٍ آخرَ، هل يكونُ لأولادِهِ؟ لم أَرهُ. ومُقتضى
قواعدِهِم: إلغاءُ التَّعليقِ بموتِ الْمُعَلَّقِ، فتدبَّرهُ.
/٢٠٠٧٠) (قولُهُ: وانتقَلَ مَن ◌ُقْطِعَ لهُ في زمنِ سلطانٍ آخرَ) كذا في عبارةِ "الَّهِ"(١)، والظَّاهرُ:
أنَّ قولَهُ: ((انتقلَ)) بمعنى ((ماتَ))، ولو عبَّرَ بهِ لكانَ أَولى.
/ ٢٠٠٧١] (قولُهُ: هل يكونُ لأولادِهِ؟) أي: هل تصيرُ الأرضُ لأولادِ الْمُقْطَعِ لهُ عَمَلاً بقولِ
السُلطانِ: ((ولأولادِهِ))؟ فإنّهُ بمعنى إنْ ماتَ عن أولادٍ فلأولادِهِ مِن بعدِهِ، فهو تعليقٌ معنى.
مطلبٌ في بطلانِ التَّعليقِ بموتِ المُعلَّقِ
[٢٠٠٧٢] (قولُهُ: ومُقْتَضَى قَواعدِهم إلخ) حاصلُ الجوابِ: أنَّها لا تكونُ لأولادِهِ لبطلان
التَّعليقِ المذكورِ بموتِ السُّلطانِ المعلِّقِ.
مطلبٌ في صحَّةِ تعليقِ التَّقريرِ في الوظائفِ
قالَ في "الأشباهِ"(٢) مِن كتابِ الوقفِ: ((يَصِحُّ تعليقُ التَّقريرِ في الوظائفِ أخذاً مِن تعليقِ
القضاءِ والإمارةِ بجامعِ الولايةِ، فلو ماتَ المعلِّقُ بَطَلَ النَّقريرُ، فإذا قالَ القاضي: إنْ ماتَ فلانٌ أو
شَغَرَتْ وظيفةُ كذا فقد قرَّرُتُكَ فيها صَحَّ، وقد ذكرَهُ في "أنفعِ الوسائلِ"(٣) تفقُّهاً، وهو فقهٌ حسنٌ)) اهـ.
أقولُ: قَدَّمَ(٤) "الشَّارِحُ" في فصلِ كيفيةِ القِسمةِ في الَّتغيلِ: ((أَنَّهُ يَعُمُّ كلَّ قتالٍ في تلكَ السَّنَةِ
ما لم يَرْجِعُوا، وإنْ ماتَ الوالي أو عُزِلَ ما لم يمنعْهُ الثّاني))، ومقتضى هذا: أنَّ التَّعليقَ لا يبطُلُ
بموتِ (٥) المعلّقِ، فإنَّ قولَهُ(٦): ((مَن قتلَ قتيلاً فلهُ سلِبُهُ)) فيهِ تعليقُ استحقاقِ السَّلَبِ على القتلِ،
لكنْ قَدَّمنا(٧) هناكَ عن "شرح السِّيرِ الكبيرِ" خلافَهُ، وهو أنَّهُ بطُلُ الْتّغيلُ بِعَزْلِ الأَميرِ، وكذا بموتِهِ
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج ق ٣٣٢/أ.
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد ـ صـ٢٢٩ -.
(٣) "أنفع الوسائل": مسألة ما يشترط في القاضي صـ ٣٢٤ -.
(٤ ) ص ٥٩٢- ٥٩٣ - "در".
(٥) في "م": (((لموت)).
(٦) أي: قول الأمير.
(٧) المقولة [١٩٧٦٦] قوله: ((وإن مات الوالي أو عزل)).
الجزء الثاني عشر
٧١٧
باب العشر والخراج والجزية
ولو أَقطعَهُ السُّلطانُ أرضاً مَوَاتً، أو مَلَكَها السُّلطانُ، ثمَّ أَقْطَعها له جاز وَقْفُه لها.
والإرصادُ من السُّلطانِ ليس بإيقافٍ ألبَّةَ))، وفي "الأشباِ"(١) قُبِيلَ القولِ في الدَّينِ:
((أفتى العلاَّمةُ "قاسم".
إذا نُصِّبَ غيرُهُ من جهةِ الخليفةِ لا مِن جهةِ العَسْكرِ.
[٢٠٠٧٣] (قولُهُ: ولو أقطعَهُ السُّلطانُ أرضاً مواتً) أي: مِن أراضِي بيتِ المالِ حيثُ كانَ
المُقطَعُ لهُ مِن أهلِ الاستحقاقِ فَيَملِكُ رقبتها كما قدَّمناهُ(٢)، أو مِن غيرِ بيتِ المالِ، والمرادُ بإقطاعِهِ
إذنُهُ لهُ بإحيائِها على قولِ "أبي حنيفةً" مِن اشتراطٍ إذنِهِ بصحَّةِ الإحياءِ، وهذا لا يَختصُّ
بكونِلُحِي مستحِقّاً مِن بيتِ المالِ بل لو كانَ ذمّاً مَلَكَ ما أحياهُ.
[٢٠٠٧٤) (قولُهُ: أو مَلَكَها السُّلطانُ) أي: بإحياءٍ أو شراءٍ مِن وكيلٍ بيتِ المالِ.
[٢٠٠٧٥] (قولُهُ: ثُمَّ أقطعَها لهُ) يعني: وهَبَها لهُ.
[٢٠٠٧٦) (قولُهُ: جازَ وَقْقُهُ لها) وكذا بيعُهُ ونحوُهُ؛ لأَنَّهُ مَلَكَها حقيقةً.
[٢٠٠٧٧] (قولُهُ: والإرصادُ إلخ) الرَّصَدُ: الطَّريقُ، ورصدتُهُ(٣) رَصْداً مِن بابِ قَتَلَ: قعدْتُ لهُ
على الطَّريقِ، وقَعَدَ فلانٌ بالَمَرْصَدِ كجَعْفَرَ، وبالِرْصادِ بالكسرِ، وبالُرْتَصَدِ أيضاً أي: بطريقِ
الارتقابِ والانتظارِ، ورُبُّكَ لكَ بالمِرْصادِ أي: مراقبُكَ فلا يخفى عليهِ شيءٌ مِن فِعالِكَ ولا تفوتُهُ،
"مِصباح"(٤)، ومنهُ سُمِّيَ إرصادُ السُّلطانِ بعضَ القرى والمزارعِ مِن بيتِ المالِ على المساجدِ والمدارسِ
ونحوِها لمن يستحقُّ مِن بيتِ المالِ كالقرَّاءِ والأئمَّةِ والمؤذِّنينَ ونحوِهم، كأنَّ ما أرصدَهُ قائمٌ على طريقٍ
حاجاتِهِم يراقبُها، وإنّا لم يكنْ وَقْفً حقيقةً لعدمٍ مِلْكِ السُّلطانِ لهُ، بل هو تعيينُ شيءٍ مِن بيتِ المالِ
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - قاعدة فيما إذا اجتمعت الإشارة والعبارة - تُمْلَكُ الهبةُ والصدقةُ بالقبض صـ٤٢٠ - بتصرف.
(٢) المقولة [٢٠٠٦٧] قوله: ((حكم الإقطاعات إلخ)).
(٣) في "الأصل": ((أرصدته)).
(٤) "المصباح المنير": مادة ((رصد)) بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٧١٨
باب العشر والخراج والجزية
بِصِحَّةٍ إجارةِ المُقْطَعِ(١)، وأنَّ للإمامِ أنْ يُخْرِجَهُ متى شاءً، وقَّدَه "ابنُ نُحَيمٍ)(٢) بغيرِ
الَواتِ، أمَّا الَواتُ فليس للإمامِ إخراجُهُ عنه؛ لأنّه تَملِّكَه بالإِحياء، فليُحفَظ.
على بعضٍ مستحقّهِ، فلا يجوزُ لمن بعدَهُ أنْ يُغيِّرَهُ وَيُبدِّلَهُ كما قَدَّمنا(٣) ذلكَ مبسوطً.
[٢٠٠٧٨) (قولُهُ: بصحَّةٍ إجارةِ المُقْطَعِ) تقدَّمَ(٤) آنفاً، وذكرْنا عبارةَ العلاَّمةِ "قاسم"، واللهُ
سبحانَهُ أعلمُ.
(١) في "و": ((الْمُقْطَعِ له)).
(٢) "الأشباه والنظائر": الفن الثالث - قاعدة فيما إذا اجتمعت الإشارة والعبارة - تُمْلَكُ الهبةُ والصدقةُ بالقبض
صـ ٤٢٠- بتصرف.
(٣) المقولة [١٩٩٩٢] قوله: ((وبه عرف إلخ)).
(٤) المقولة [٢٠٠٦٩] قوله: ((نعم له إجارته إلخ)).
الجزء الثاني عشر
٧١٩
فصلٌ في الجزية
﴿فصلٌ في الجزْية﴾
هي لغةً: الْجَزَاءُ؛ لأنّها جَزَتْ عن القتلِ، والجمعُ: جزّى، كـ: لِحْيَةٍ ولِحَّى،
وهي نوعان: (الموضوعُ من الجِزْيةِ بِصُلحٍ.
﴿فصلٌ في الجزية
هذا هو الضَّربُ الثَّاني [٣/ق١/٤٧] مِن الخَراجِ، وقدَّمَ الأَوَّلَ لقُوَّتِهِ لوجوبِهِ وإنْ أسلموا،
بخلافِ الجزيةِ، أو لأَنَّهُ الحقيقةُ؛ إذ هو الُتبادِرُ عندَ الإطلاقِ، ولا يُطلَقُ على الجِزْيةِ إلاَّ مقيَّداً، أي:
فيُقالُ: خَرَاجُ الرَّأْسِ، وهذا أمارةُ المجازِ، ويُنِيَّتْ على فِعْلَةٍ دِلالَةً على الهيئةِ الَّتي هي الإذلالُ عندَ
الإِعطاء، "نهر"(١). وتُسمَّى جاليةً مِن: حَلَوْتُ عن البلدِ جَلاءً بالفتحِ والمدِّ: خَرَجْتُ، وأجليتُ
مثلُهُ، والجاليةُ: الجماعةُ، ومنه قيلَ لأَهلِ الذِّمَّةِ الَّذينَ جلاهُمْ "عمرُ" وَّه عن جزيرةِ العربِ: جاليةٌ،
ثُمَّ نُقِلَتِ الجاليةُ إلى الجِزْيَةِ(٢) الَّتِي أُخذَت منهم، ثُمَّ استعملَتْ في كلِّ جِزْيةٍ تُؤْخَذُ وإنْ لم يكنْ
صاحبُها أُجِلِيَ عن وطِهِ، فقيلَ: استعمَلَ فلانٌ على الجاليةِ، والجمعُ: الجَوالِي، "مصباح" (٣)،
فإطلاقُها على الجِزْيةِ مجازٌ بمرتبتَينِ.
٢٦٦/٣
[٢٠٠٧٩] (قولُ: لأَنَّهَا جَزَتْ عن القتلِ) أي: قضَتْ وكَفَتْ عنه، فإذا قبلَها سَقَطَ عنه القتلُ،
"بحر"(٤)، أو لأَنَّها وجَبَتْ عقوبةً على الكُفْرِ كما في "الهداية"(٥)، قالَ في "الفتح"(٦): ((ولهذا
سُمِّيَت ◌ِزْيَةً، وهي والجزاءُ واحدٌ، وهو يقالُ على ثوابِ الطَّاعةِ وعقوبةِ المعصيةِ)).
(٢٠٠٨٠] (قولُهُ: والجمعُ: جِزَّى) وفي لغةٍ: جزياتُ، "مِصباح"(٧).
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق٣٣٢/آ بإيضاح من "ابن عابدين" رحمه الله تعالى.
(٢) في "الأصل": ((الجزيرة))، وهو خطأ.
(٣) "المصباح المنير": مادة ((جَلَوْتُ)).
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١١٩/٥.
(٥) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية ١٦١/٢.
(٦) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٨٨/٥.
(٧) الجمع المذكور في "المصباح": ((جزَّى))، ولم يتعرض لـ ((جزيات)).
حاشية ابن عابدين
٧٢٠
فصلٌ في الجزية
لا) يُقدَّرُ ولا (يُغيَّرُ) تَحرُّزاً عن الغَدْرِ.
[٢٠٠٨١] (قولُهُ: لا يُقدَّرُ ولا يُغَيَّرُ) أي: لا يكونُ له تقديرٌ مِن الشَّارعِ، بل كلُّ ما يَقَعُ
الصُّلْحُ عليهِ يتعيّنُ ولا يُغيّرُ بزيادةٍ ولا نَقْصٍ، "درر"(١)، وذلكَ كما صالحَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
أهلَ نجرانَ(٢) - وهم قومٌ نَصَارى بقربِ اليمنِ - على ألفَي خُلَّةٍ في العامِ، وصالحَ عمرُ ظ ◌ُّه نصارى
بني تغلبَ(٣) على أنْ يُؤخَذَ مِن كلِّ واحدٍ منهم ضِعْفُ ما يُؤخَذُ من المسلمِ من المالِ الواجبِ فلزمَ
ذلكَ، وتقدَّمَ تفصيلُهُ في الزَّكَاةِ، "فتح "(٤).
(١) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب الوظائف فصل في الجزية ٢٩٨/١.
(٢) سيأتي تخريجه في المقولة [٢٠١١٣].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٨٨/٣ في الزكاة - باب نصارى بني تغلب، وأبو عبيد في "الأموال" (٧٠) ويحيى بن آدم في
"الخراج" (٢٠٦) و(٢٠٨) والبيهقي ٢١٦/٩ وابن حزم في "المحلى" ١١١/٦ عن علي بن مُسهِر وأبي بكر بن
عَّاش وأبي معاوية كلُّهم عن أبي إسحاق الشيباني عن السفّاح بن مطر عن داود بن كَرْدُوس عن عمر ...
وأخرجه عبد الرزاق (١٩٣٩٢) في أهل الكتابين - باب هل يُتركوا أن يهوِّدُوا أو ينصِّرُوا عن ابن عُيينه عن
الشيباني عن كردوس التغلبي قال: ((قدمَ على عمرَ رجلٌ من بني تغلب فصالحَه عمرُ على أن أضعِّفَ عليهم
الجزيةَ وألا يُنصِّرُوا أبنائهم)).
قال أبو عبيد: وقد كان عبد السلام بن حرب المُلائي يزيدُ في إسناد هذا الحديث - بلغني ذلك عنه - عن الشيباني عن
السفّاح عن داود بن كردوس عن عبادة بن النعمان أنه قال لعمر ... ، وأخرجه يحيى بن آدم (٢٠٧) وعنه البيهقي
٢١٦/٩ عن عبد السلام بن حرب ... به، وأخرجه أبو عبيد (٧١)، وابن حزم ١١١/٦ عن هُشيم أخبرني مغيرة عن
السفّاح بن المثنى عن زُرعة بن النعمان أو النعمان بن زُرعة أنه سأل عمرَ وكلَّمَه في نصارى بني تغلب ... نحوه، قال
مغيرة: فحُدِّثْت أن علياً قال: ((لئن تفرَّغتُ لبني تغلب ليكونَّن لي فيهم رأيُ ... )) حين نصَّروا أولادهم.
وأخرج ابن أبي شيبة ٨٧/٣ في الزكاة - باب نصارى بني تغلب، ويحيى بن آدم في "الخراج" (٢٠٢) و(٢٠٣)،
وعنه البيهقي ٢١٨/٩ من طريق شَريك وإسرائيل عن إبراهيم بن المهاجر عن زياد بن حُدير قال: ((بعثني عمرُ
إلى نصارى بني تغلب وأمرَني أن آخذَ نصفَ عشرٍ أموالهم )).
وأخرجه أبو يوسف في "الخراج" صـ ١٢٠ - عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر عن أبيه .... به، وأخرجه أبو عبيد
في "الأموال" (٧٢)، وابن حزم في "المحلى" ١١١/٦ عن عبد الرحمن بن مهدي (ح)، والبغوي في "مسند علي
ابن الجعد" (١٨٤) (ح)، وعبد الرزاق (١٠١٢٥) في أهل الكتاب - باب صفة أهل الكتاب، عن عبد الله بن
كثير كلُّهم عن شعبة عن الحكم بن عُتَيبة عن إبراهيم [زادَ ابن كثير (النخعي)] عن زياد بن حُدير أن عمرَ أمرَه أن يأخذ
من نصارى بني تغلب العشرَ ومن نصارى أهل الكتاب نصفَ العشرِ. وكأنَّ زيادة (النخعي) خطأً من ابن كثير.
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٨٨/٥.
الجزء الثاني عشر
٧٢١
فصلٌ في الجزية
(وما وُضِعَ بعدما قُهروا وأُقِرُّوا على أَملاكِهِم يُقدَّرُ في كلِّ سنةٍ، على فقيرٍ مُعَتَمِلٍ)
يَقدِرُ على تحصيلِ النَّقدَين بأيِّ وجهٍ كان، "ينابيع". وتَكْفِي صحَّتُه في أكثرِ السَّنةِ،
"هداية"(١) (اثنا عشرَ دِرهماً) في كلِّ شهرٍ دِرهمٌ، (وعلى وَسَطِ الحالِ ضِعْفُهُ)
في كلِّ شهرٍ دِرهمان، (وعلى المُكْثِرِ ضِعْفُهُ) في كلِّ شهرٍ أربعةُ دراهمَ،
[٢٠٠٨٢] (قولُ: وما وُضِعَ بعدَ ما قُهِرُوا إلخ) هذا الوَضْعُ والنَّقديرُ لا يُشتَرطُ فِيهِ رضاهُم
كما في "الفتح"(٢).
(٢٠٠٨٣] (قولُهُ: على فَقِيرٍ مُعْتَمِلٍ) ظاهرُهُ: أنَّ القُدْرةَ على العملِ شَرْطٌ في حقِّ الفقيرِ
فقط؛ لقولِهِ الآتي(٣): ((وفقيرٍ غيرِ مُعْتَمِلٍ))، وليسَ كذلكَ، بل هو شَرْطٌ في حقِّ الكلِّ، ولذا
قالَ في "البناية"(٤) وغيرِها: ((لايُلزَمُ الزَّمِنُ منهم وإنْ كانَ مُفرِطاً في اليسارِ))، وكذا لو مَرِضَ
نصفَ السَّنّةِ كما في "شرح الزَّيلعيّ" (٥)، فلو حذفَ ((الفقيرَ)) لكانَ أَوْلى، "بحر "(٦)، أي: لو
حَذْفَهُ من قولِهِ الآتي فيمَن لا يُوضَعُ عليهِ الجزيةُ: ((وفقيرٍ غيرِ مُعتَمِلٍ)) بأنْ يقولَ: ((وغَيْرِ
مُعَتَمِلٍ))؛ ليشملَ الفقيرَ وغيرَهُ، لا من قولِهِ هنا: ((على فقيرٍ مُعتَمِلٍ)) كما فهمَهُ في "النّهر) (٧)
فاعترضَهُ: ((بأَنَّهُ لو اقتصرَ على قولِهِ: ((ومُعْتَمِلٍ)) لَما أفادَ اشتراطَ القُدْرةِ على العملِ في حقِّ
الغنيِّ، كيفَ وقد قابلَهُ بهِ ؟!)) اهـ.
(١) "الهداية": كتاب السِّير - باب الجزية ١٦١/٢.
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٨٩/٥.
(٣) صـ ٧٣١ - "در".
(٤) "البناية": كتاب السِّير - باب الجزية ٦٦٤/٦.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ٢٧٧/٣.
(٦) "البحر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج والجزية - فصل في الجزية ١١٩/٥.
(٧) "النهر": كتاب السِّير - باب العشر والخراج - فصل في الجزية ق ٣٣٢/أ.
حاشية ابن عابدين
٧٢٢
فصلٌ في الجزية
قلتُ: الاعتمالُ: الاضطرابُ في العملِ، وهو الاكتسابُ، والمرادُ: القُدْرةُ عليهِ حَتَّى لو
لم يَعْمَلْ معَ قُدْرتِهِ وحَبَتْ، كمَن عطَّلَ الأرضَ كما في "الفتح"(١)، وقالَ: ((قَّدَ بالاعتمالِ؛ لأَنّه لو
كانَ مريضاً في نصفِ السَّنَةِ فصاعداً لا يَجِبُ عليهِ شيءٌ)) اهـ. وبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الَّبِيدَ بِالْمُعَتَمِلِ هنا واقعٌ
في محلّهِ، وأنَّ قولَهُ الآتي (٢): ((لا تُوضَعُ على زَمِنٍ وأعمَّى وفقيرٍ غيرِ مُعَتَمِلٍ)) تصريحٌ بمفهومِ القَيْدِ
هنا، وأنَّ عطفَ ((الفقيرِ والأعمى)) على ((الزَّمِنِ)) عطفُ خاصٌّ على عامٌ؛ لأنَّ المرادَ بالزَّمِنِ العاجزُ،
فلو اقتصرَ عليهِ لأغناهُ لشُمُولِهِ الفقيرَ وغيرَهُ، وقد يُقالُ: إنَّ غيرَ المُعَتَمِلِ أعمُّ؛ لأَنَّهُ يَشمَلُ ما إذا كانَ
سالمَ الآلاتِ صحيحَ البدنِ لكِنَّهُ لا يَقْدِرُ على الكَسْبِ خُرْقِهِ وعدمٍ معرفِتِهِ حِرْفَةً يَكتسِبُ منها،
وعلى هذا فتكونُ القُدْرةُ على العملِ شَرْطاً في الفقيرِ فقط؛ إذ لا شكَّ أنَّ غيرَ الفقيرِ تُوضَعُ عليهِ
إذا كانَ صحيحاً غيرَ زمِنٍ ولا أعمَّى وإنْ لم يكنْ مُعَتَمِلاً بهذا المعنى المذكورِ، فيتعيّنُ تفسيرُ
﴿فصل في الجزية﴾
(قولُهُ: لكنَّه لا يَقْدِرُ على الكَسْبِ لخُرْقِهِ إلخ) في "القاموس": ((حَرَقَهُ يَخْرُقُهُ وَيَخْرِقُهُ: جابَهُ
ومَزَّقَهُ، والرَّجلُ: كَذَبَ وَقَطَعَ المسافةً(٣)، والّوبَ: شَقَّهُ، والكذبَ: صَنَعَهُ، وفي البيتِ خُرُوقاً: أقامَ فلم
يَبْرَحْ، كَخَرِقَ، كَفَرِحَ)) اهـ. وفي "المصباح": ((وخَرِقَ الغزالُ والطَّائرُ [حَرَقاً] من بابِ تعِبَ: إذا فَزِعَ
فلم يَقْدِرْ على الذَّهابِ، ومنه قيلَ: حَرِقَ الرَّجُلُ إذا دُهِشَ من حَياءٍ أو خَوفٍ فهو خَرِقٌ(٤)).
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب الجزية ٢٩١/٥.
(٢) صـ ٧٢٨ - وما بعدها "در".
(٣) "القاموس": مادة ((خرق)) وعبارته: ((وقطع المفازة)).
(٤) نقول: ما ساقَهُ "الرافعيُّ" هنا عن "القاموس" و"المصباح" لا يَدُلُّ على المعنى الذي أراده "ابنُ عابدين" رحمه الله
تعالى، والمعنى الذي أراده "ابن عابدين" هنا هو قول "القاموس": ((والخُرْقُ - بالضم والتحريك - ضدُّ الرِّفق، وأن
لا يُحسِنَ الرجلُ العَمَلِ والنَّصرُّفَ في الأمورِ، والحُمْقُ)) اهـ، والله تعالى أعلم.