النص المفهرس
صفحات 601-620
الجزء الثاني عشر
٦٠٣
فصل في كيفية القسمة
حيثُ وَقَعَ الاشتِبِاهُ فِي قِسْمَتِهِم بالوَجْهِ الَمَشْرُوعِ؟ فأجاب: لا تُوجَدُ في زماننا
قِسْمَةٌ شرعيَّةٌ، لكنْ في سنةِ (٩٤٨) وقعَ التِّفيلُ الكُلّيُّ،
لأَنّا نَسْتَأْنِسُ به لأحدٍ مُحْتَمِلَى حديثِ السَّلَبِ - أي: قولِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَن قتلَ قتيلاً
فله سلْبُهُ))(١) - بحملِهِ على الََّفيلِ، وليسَ كلُّ ضعيفٍ باطلاً، وقد تظافرَت أحاديثُ ضعيفةٌ تفيدُ أنَّ
حديثَ السَّلبِ ليسَ نصَّا(٢) عاماً مستمراً، والضَّعِيفُ إذا تعدَّدَت طرقُهُ يرتقي إلى الحَسَنِ، فَيَغْلِبُ
الظَّنُّ بِأَنَّه تنفيلٌ))، وتمامُ تحقيقِ المقامِ فيه.
[١٩٧٨٩) (قولُهُ: حيثُ وَقَعَ الاشتباهُ فِي قِسْمِتِهِم) الأَولى: ((في قسمتِهِنَّ)) بضميرِ النّسوةِ
لِعَوْدِهِ إلى الإِماءِ، إلاَّ أنْ يُقالَ: إِنَّه عائدٌ إلى الغُزاةِ، وفيه بُعْدٌ، ثمَّ الواقعُ الآنَ أَنَّه لا تُقْسَمُ غنيمةٌ
أصلاً كما ذكرَهُ في الجوابِ.
[١٩٧٩٠] (قولُهُ: وَقَعَ الَّغيلُ الكُلّيُّ) أي: بقولِ السُّلطانِ: كلُّ مَن أخذَ شيئاً فهو له، أمَّا لو
قالَ: كلُّ ما أصبتم فهو لكم فإنَّه لا يَصِحُّ كما مرَّ(٣)، والمرادُ وُقُوعُهُ لأَيِّ عَسْكرٍ كانَ في أيِّ
غَزْوةٍ كانَت، وإلاّ خالفَهُ ما مرَّ(٤) من أَنَّه يَعُمُّ كلَّ قتالٍ في تلكَ السَّنةِ ما لم يَرْجِعوا، لكن يبقى
النَّظرُ فيما بعدَ موتِ السُّلطانِ الْنَفِّلِ على هذا الوجهِ، أو بعدَ عَزْلِهِ وتوليةٍ غيرِهِ، هل يبقى تنفيلُ
الأوَّلِ العامِّ أم لا؟ ويتعَيَّنُ عدمُهُ ما لم ينفّل الثَّاني مثلَهُ، وهكذا إلى وقِنا هذا، فقد ذَكَرَ في
"الخيريَّة"(٥): ((أَنَّ أَمرَ السُّلطانِ لا يبقى بعدَ موتِهِ))، وما قيلَ - : من أنَّ كلَّ سلطانٍ من سلاطينِ
(١) مرَّ تخريجه في المقولة [١٩٧٤٩].
(٢) نقول: في النسخ جميعها: ((نصباً))، وكذا في "الفتح"، ولعلَّ ما أثبتناه هو الصواب، وقد نَبَّه عليه مصحِّح "م"
بقوله: قوله: ((نصباً)) كذا بالأصل المُقابَلِ على المؤلف، ولعل الصَّواب: ((نَصّاً)). اهـ.
(٣) المقولة [١٩٧٧٧] قوله: ((والفرق في "الدرر")).
(٤) صـ ٦ ٥٩ - "در".
(٥) "الفتاوى الخيرية": كتاب أدب القاضي ٦/٢ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٦٠٤
فصل في كيفية القسمة
فبعد إعطاءِ الخُمُسِ لا تَبْقَى (١) شُبْهَةٌ ابتداءً)). انتهى، فليُحفظ، والله أعلمُ.
آلٍ عثمانَ نصرَهم الله تعالى يُؤْخَذُ عليه عَهْدُ مَنْ قَبْلَهُ - لا يَنْفَعُ كما أوضحتُ ذلكَ في كتابي
"تنبيه الولاة والحكَّام على شاتم خير الأنام"(٢).
مطلبٌ في حُكْمِ الغنيمةِ المأخوذةِ بلا قِسْمٍ في زماننا
[١٩٧٩١) (قولُهُ: فبعدَ إعطاءِ الْخُمُسِ لا تَبْقَى شُبْهٌ) قد عُلِمَ ثَّا قَدَّمْناهُ(٣) قريباً عندَ قولِهِ:
((وجازَ الَّغيلُ بالكلّ) أَنَّه لا يلزمُ إعطاءُ الخُمُسِ فِي الَّفيلِ العامِّ المقصودِ منه النَّخصيصُ دونَ
النَّشريكِ، كما لا يلزمُ فيه تفاوتُ الفارسِ والرَّاجلِ؛ لسُقُوطِ ذلكَ ضِمْناً لا قَصْداً، على أنَّ الواقعَ في
زمانِنا عدمُ القِسْمَةِ وعدمُ إعطاءِ الْخُمُسِ، فَكيفَ تنتفي الشُّبْهَةُ على فَرَضِ لزومِ الخُمُسِ؟! بل الشُّبْهَةُ
باقيةٌ من حيثُ أَنَّا لا نَعْلَمُ أنَّ سلطانَ زمانِنا هل نفَّلَ تتفيلاً عامَّاً أم لا؟ ولا يُقالُ: إنَّ عدمَ القِسْمَةِ
اليومَ دليلٌ على وجودِ الَّفيلِ؛ لأنَّ جيوشَ زمانِنا يأخذونَ ما تَصِلُ إليه أيديهم سَلْباً ونُهْبَةً حَتَّى مِنْ
بلادِ الإسلامِ، ولو ظَهَرَ مالكُهُ المسلمُ لا يَدْفِعُهُ إليه إلاَّ بثمِنِهِ فليسَ في حالِهم ما يقتضي حمَلَهم على
الكمالِ، وكذا حُكَّامُ هذا الزَّمانِ وأمراءُ الجيوشِ لا يُنفِّلُونَ ولا يَقْسِمونَ ولا يُخَمِّسونَ، فالظَّاهُ: أنَّ
ما يُؤْخَذُ من الغنائمِ اليومَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغُلُولِ، [٣/ ق٣٢ ) وقد ذكرَ في " شرح السِّير الكبير)(٤): ((أنَّ
الغالَّ إذا نَدِمَ وأتى بما غَلَّهُ إلى الإِمامِ بعدَ تفرُّقِ الجيشِ، فإنْ شاءَ ردَّهُ عليه وأمرَهُ بصَرْفِهِ إِلى
مستحقِّيهِ، وإنْ شاءَ أخذَهُ منه ودَفَعَ خُمُسَهُ لمستحقّهِ ويكونُ الباقي كاللُّقَطَةِ، فإنْ لم يَقْدِرْ على
أهلِهِ(٥) تَصَدَّقَ به أو جَعَلَهُ موقوفً في بيتِ المالِ وكَبَ عليه أمرَهُ، وإنْ لم يأتِ به الغالُّ إلى الإمامِ
(١) في "و": ((لا يبقى))، بالياء.
(٢) "تنبيه الولاة والحكّام على أحكام شاتم خير الأنام": ٣٨٤/١ وما بعدها (ضمن "مجموع رسائل ابن عابدين").
(٣) المقولة [١٩٧٧٥].
(٤) "شرح السِّير الكبير": باب قسمة الغنائم ١١٤٦/٤ - ١١٤٧ بتصرف.
(٥) قوله: ((فإن لم يقدر على أهله إلخ)) هكذا بخطّه، ولعلَّه سَقَطَ من قلمه شيءٌ، والأصلُ: ((فإن لم يقدر على ردِّه
إلى أهله إلخ)). اهـ مصحِّح "ب".
الجزء الثاني عشر
٦٠٥
فصل في كيفية القسمة
إنْ لم يَقْدِرْ على ردِّهِ إلى أهلِهِ فَالمُستحَبُّ له أنْ يَتَصدَّقَ به، وإِنْ قَدَرَ فالحكمُ فِيهِ كاللُّقَطَةِ، ودَفْعُهُ
إلى الإمامِ أحبُّ كما في اللُّقطةِ، فَيُعطَى الْخُمُسُ منه لأهِهِ))، وذكرَ أيضاً: ((أَنَّ بيعَ الغازِي سَهْمَهُ
قبلَ القِسْمَةِ باطلٌ كإعتاقِهِ))، وفي "حاوي الزَّاهديّ": ((اشترى جاريةً مأسورةً لم يؤدَّ منها الخُمُسُ
من الأميرِ يَنْفُذُ وَيَحِلُّ وطؤُها، وإِنْ اشتراها ◌َمن وقعَتْ فِي سَهْمِهِ نَفَذَ في أربعةِ أخماسِها ولا يَحِلُّ
له وَطْؤُها)) اهـ(١). أي: إذا قُسِمَت ولم تُخمَّسْ، وإنَّا حَلَّ في بيعِ الأميرِ بناءً على أنَّ له البيعَ قبلَ
الإحرازِ كما مرَّ(٢)، ويكونُ الخُمُسُ حينئذٍ واجباً في الثَّمنِ لا فيها، فَيَحِلُّ وَطْؤُها.
مطلبٌ في وَطْءِ السَّراري في زمانِنا
فإذا لم يُوجَدْ تنفيلٌ ولا قِسْمَةٌ ولا شراءٌ من أميرِ الجيشِ لا يَحِلُّ الوَطْءُ بوجهٍ أصلاً، لكنْ
لا نَحْكُمُ على كلِّ جاريةٍ بعينها من الغنيمةِ بأنّها لم يُوجَدْ فيها شيءٌ من ذلكَ؛ لاحتمالِ أنَّ مَن
أخذَها اشتراها من الأميرِ فارتفعَ تيقُّنُ الحُرْمَةِ وَبَقِيَتْ الشُّبْهَةُ القويّةُ، فإنَّ الظَّهرَ مِنْ حالِ الجيوشِ
في زماننا عدمُ الشِّراءِ، ولا ترتفعُ الشُّبْهَةُ بِعَقْدِهِ عليها؛ لأَنَّها حيثُ كانَت مشتركةً بينَ الغائمِينَ
وأصحابِ الخُمُسِ لم يَصِحَّ تزويجُها نفسَها، فالأحوطُ ما نقلَهُ بعضُ الشَّافِعَّةِ عن بعضِ أهلِ الورعِ
أَنَّه كانَ إذا أرادَ التَّسرِّي بجاريةٍ شراها ثانياً من وكيلٍ بيتِ المالِ.
قلتُ: أي: لأَنَّه إذا حَصَلَ اليأسُ من معرفةِ مستحقِّيها من الغائمينَ صارَت بمنزلةِ اللُقَطَّةِ،
واللُّقَطَةُ مِنْ مَصَارِفٍ بيتِ المالِ، لكنْ إذا كانَ المشتري فقيراً له تمُّكُها.
مطلبٌ فيمَن له حقٌّ في بيتِ المالِ وظَفِرَ بشيءٍ من بيتِ المالِ
ونقلَ في "القنية"(٣) عن "الإِمام الوَبَريّ (٤): ((أنَّ مَن له حظٌّ في بيتِ المالِ ظَفِرَ بما لَهُ وُجِّهَ(٥)
(١) من ((وإن اشتراها)) إلى ((وطؤها اهـ)) ساقط من "آ".
(٢) المقولة [١٩٦٤٧] قوله: ((أو لحاجة الغزاة)) وما بعدها.
(٣) "القنية": كتاب الزكاة - باب في بيت المال ق ٣٠/ب. ولم نر فيها النقل عن "الوبري".
(٤) تقدَّمت ترجمته ١ / ٥١٦.
(٥) نقول: عبارة "القنية": ((ظَفِرَ بما هو وُجَِّ لبيتِ المالِ))، قال مصحِّحُ "ب": ولعلَّ الأَصوبَ: ((وظَفِرَ بمالٍ وُجِّهَ
لبيتِ المالِ)).
حاشية ابن عابدين
٦٠٦
فصل في كيفية القسمة
لبيتِ المال فله أنْ يأخذَهُ ديانةً)) اهـ. ونظمَهُ في "الوهبانَّة"(١)، وفي "البزَّازِيَّة"(٢): ((قالَ "الإِمامُ
الحَلْوانِيُّ): إذا كانَ عندَه وديعةٌ فماتَ المُودِعُ بلا وارثٍ له أنْ يَصْرِفَ الوديعةَ إلى نفسِهِ في زمانِنا؛
لأَنَّه لو أعطاها لبيتِ المالِ لضَاعَتْ؛ لأَنَّهم لا يصرفونَهُ مصارفَهُ، فإذا كانَ من أهلِهِ صَرَفَهُ إلى نفسِهِ،
وَإِلَّ صَرَفَهُ إِلَى الَصْرِفِ)) اهـ. وقدَّمَ (٣) "الشَّارِحُ" هذا في بابِ العُشْرِ من كتابِ الزَّكاةِ، وظاهرُهُ: أنَّ
مَن له حظٍّ في بيتِ المالِ بكونِه فقيراً أو عالِماً أو نحوَ ذلكَ، ووجدَ مَا مَرْجِعُهُ إلى بيتِ المالِ من أيِّ
بيتٍ من البيوتِ الأربعةِ الآتيةِ(٤) في آخرِ الجِزْيَةِ له أخذُهُ ديانةً بطريقِ الظَّفَرِ في زماننا، ولا يتقيَّدُ أخذُهُ
بأنْ يكونَ مَرْجِعُ المأخوذِ إلى البيتِ الَّذي يستحقُّ منه، وإلاَّ فَمَصْرِفُ تركةٍ بلا وارثٍ ولُقَطِةٍ هو
لقيطٌ فقبرٌ وفقيرٌ لا وليَّ له، وقولُهُ: ((فإذا كانَ من أهِهِ)) أي: من أهلِ بيتِ المالِ غيرَ مقيَّدٍ بكونِه
من أهلِ ذلكَ البيتِ كما هو ظاهرُ كلامِ "الوَبَريّ" أيضاً؛ لأَنَّه لو تقَّدَ بذلكَ لَزِمَ أنْ لا يأخذَ مُسْتَحِقٌّ
شيئاً؛ لأنَّ بيتَ المالِ في زمانِنا غيرُ مُنْتَظِمٍ وليسَ فيه بُيُوتٌ مُرتَبَةٌ ولو رَدَّ ما وجدَهُ إلى بيتِ المالِ لَزِمَ
ضَياعُهُ لعدمٍ صَرْفِهِ الآنَ في مَصارفِهِ كما حرَّرناهُ في بابِ العشرِ من الزَّكَاةِ(٥)، فعلى هذا إذا اشترى
جاريةً من الغنيمةِ فإنْ كانَ ثَمّن يستحقُّ من الخُمُسِ جازَ له صرفُها إلى نفسِهِ بطريقِ استحقاقِهِ
من الخُمُسِ، وإنْ لم يكنْ مُستَحِقاً منه وله استحقاقٌ من غيرِهِ كالعالِمِ الغنيِّ ينبغي له أنْ
يُمَلِّكَها لفقيرٍ مستحقٍّ من الخُمُسِ ثُمَّ يشتريَها منه، أو يُمِّكَه خُمُسَها فقط ثمَّ يشتريَه منه؛ لأَنَّه
لو صَرَفَها إلى نفسِهِ يبقى فيها الخُمُسُ فلا يَحِلُّ له وطؤُها، لكنْ قد يُقالُ: إِنَّ الغنيمةَ بعدَ
الإحرازِ صارَت مشتركةً بينَ الغائمينَ وأصحابِ الخُمُسِ، وقد مرَّ(٦) أنَّ مَن ماتَ بعدَ الإحرازِ
(١) "الوهبانية": فصل من كتاب الزكاة صـ ١٥ - . (هامش "المنظومة المحبيَّة").
(٢) "البزازية": كتاب الزكاة - الفصل الثاني: في المصرف - نوع آخر: المصدق إذا أخذ عمالته إلخ ٨٨/٤-٨٩ .
(هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) ٦٢/٦ -٦٣ "در".
(٤) انظر الدر عند المقولة [٢٠٢٣٨] قوله: ((فهذا)) وما بعدها.
(٥) المقولة [٨٤٧٤] قوله: ((وللمودع إلخ)).
(٦) المقولة [١٩٦٥٩] قوله: ((أو بعد الإحراز بدارنا)).
الجزء الثاني عشر
٦٠٧
فصل في كيفية القسمة
يُورَثُ نصبُهُ، ولكنْ لَمَّ جُهِلَتْ أصحابُ الحقوقِ وانقطعَ الرَّجاءُ من معرفتِهم صارَ مَرْجِعُها إلى
بيتِ المالِ وانقطعَتِ الشَّركةُ الخاصَّةُ وصارَت من حُقُوقِ بيتِ المالِ، كسائرٍ أموالٍ بيتِ المالِ
المستحقَّةِ لعامَّةِ المسلمينَ استحقاقاً لا بطريقِ الِلْكِ؛ لأنَّ مَن ماتَ وله حقٍّ في بيتِ المالِ لا يُورَثُ
حقُّهُ منه، بخلافِ الغنيمةِ المُحرَزِ قبلَ جهالةٍ مستحقّيها وتفرُِّهم فإِنَّها شركةٌ خاصَّةٌ، وحيثُ صارَ
مَرْجِعُها بيتَ المالِ لم ◌َيْقَ فيها حقُّ الخمسِ أيضاً، فلمَن يستحقُّ من بيتِ المالِ [٣/ ق٣٢/ب] أنْ
يتمَّكَها لنفسِهِ، هذا ما ظهرَ لي، وقد رأيتُ رسالةً لمحقّقِ الشَّافِعِيَّةِ السَّيِّدِ "السَّمْهُودِيِّ)) (١) قالَ
فيها: ((وقد كانَ شيخُنا الوالدُ قد شَرَى لي أمةً للَّسرِّي، فذاكرَ شيخَنا العلاَّمةَ محقِّقَ العصرِ
"الجلالَ المحليّ" في أمرِ الغنائمِ والشّراءِ من وكيلٍ بيتِ المالِ، فقالَ له شيخُنا الوالدُ: نحنُ نتملَّكُها
بطريقِ الظَّفَرِ لِما لنا من الحقِّ الَّذي لا نَصِلُ إليه في بيتِ المالِ؛ لأنَّ تلكَ الجاريةَ على تقديرٍ كونِها
من غنيمةٍ لم تُقْسَمْ قِسْمَةً شرعيَّةً قد آلَ الأمرُ فيها إلى بيتِ المالِ لتعذُّرِ العلمِ بمستحقّيها، فقالَ
شيخُنا "المحليُّ": نعم لكم فيه حُقُوقٌ من وجوهٍ)) اهـ. وهذا موافقٌ لِما نقلناهُ عن "القنية" وعن
"البزَّازِيَّةِ"، والله سبحانَهُ أعلمُ.
(١) المسمّاة "شفاء الأشواق لحكم ما يكثر بيعه في الأسواق": لأبي الحسن علي بن عبد الله بن أحمد، نور الدين،
المعروف بالشريف السَّمْهوديّ القاهريّ الشافعيّ (ت ٩١١هـ). ("كشف الظنون" ١٠٤٩/٢، "الضوء اللامع"
٢٤٥/٥، "النور السافر" صـ ٥٨ -، "هدية العارفين" ٧٤٠/١).
حاشية ابن عابدين
٦٠٨
باب استيلاء الكفار
﴿بابُ استيلاءالكُفَّارِ﴾
على بعضهم بعضاً، أو على أموالِنا (إذا سَبَى كافرٌ كافراً) آخَرَ (بدارِ الحربِ
وأخذَ مالَهُ مَلَكَه)
﴿بابُ استيلاء الكفَّارِ﴾
لَا فرغَ مِن بيانِ حُكْمِ استيلائِنا عليهم شَرَعَ في بيانِ حُكْمٍ استيلاءِ بعضِهم على بعضٍ،
وحُكْمِ استيلائِهم علينا، "فتح"(١)، وبِهِ ظَهَرَ أَنَّهُ مِن إضافةِ المصدرِ إلى فاعِلِهِ لا إلى مفعولِهِ أيضاً؛
لأَنَّهُ هو ما فَرَغَ مِن بیانِهِ، فافهم.
[١٩٧٩٢] (قولُهُ: على بعضِهِمْ بعضاً) تَبِعَ في هذا الَّعبيرِ صاحبَ "النَّهرِ"(٢)، وصوابُهُ:
((بعضُهم على بعضٍ)) كما قالَ "ح"(٣)، أو إسقاطُ لفظِ: ((بعضاً)) كما قالَ "ط "(٤).
(١٩٧٩٣) (قولُّهُ: بدار الحربِ) أفادَ إطلاقُهُ أَنَّهُ لا يُشتَرطُ الإحرازُ بدارِ المالكِ، حتّى
لو استولى كفَّارُ النُّرْكِ والهِنْدِ على الرُّومِ وأحرزوها بالهِنْدِ ثَبَتَ الِلْكُ لكَفَّارِ التِّرْكِ ككَفَّارٍ
الهندِ كما في "الخلاصة" (٥)، "قُهستانيّ"(٦)، ونحوُهُ في "البحر "(٧)، ويأتي(٨) ما يؤيِّدُهُ،
﴿بابُ استيلاء الكُفَّار﴾
(قولُهُ: وبه ظَهَرَ أَنَّه من إضافةِ المصدرِ إلى فاعلِهِ لا إلى مفعولِهِ إلخ) لا شكَّ أنَّهم فاعلونَ ومفعولونَ،
فإِنَّهم باعتبارِ كونِهم سائِيْنَ تكونُ الإضافةُ من الإضافةِ للفاعلينَ، وباعتبارِ كونِهِم مَسْبِيِّينَ من الإضافةِ
للمفعولينَ، فإنَّ يذكُرُ في هذا البابِ كونَهم مَسْبِينَ من قِبَلِ الكفّارِ.
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٤/٥.
(٢) "النهر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ق ٣٢٦/ب.
(٣) "ح": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ق ٢٦١/أ.
(٤) "ط": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٤٥٤/٢ بتصرف.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب السِّير - الفصل الثاني في مسائل البيع وما يتعلق بالملك ق ٣٣٤/أ.
(٦) "جامع الرموز": كتاب السِّير - فصل: يملك بعض الكفار بعضاً ٣٢٠/٢ بتصرف.
(٧) "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٢/٥.
(٨) المقولة [١٩٧٩٧] قوله: ((اعتباراً بسائر أملاكهم)).
الجزء الثاني عشر
٦٠٩
باب استیلاء الكفار
لاستيلائِهِ على مُباحٍ (ولو سَبَى أهلُ الحربِ أهلَ الذِّمَّةِ من دارِنا لا) يَمْلِكُونَهُم؛
لأَنَّهم أحرارٌ (ومَلَكْنا ما نَجِدُه من ذلك) السَّبي للكافِرِ (إِنْ غَلَبنا عليهم) اعتباراً
بسائرِ أملاكِهِم (وإنْ غَبوا على أموالِنا).
لكنْ ذَكَرَ "ابنُ كمال": ((أَنَّ الإِحرازَ هنا غيرُ شَرْطٍ، وإنّا هو مخصوصٌ في المسألةِ الآتيةِ، وهي
قولُهُ: وإنْ غَلَبوا على أموالِنا إلخ على ما أفصحَ عنهُ صاحبُ "الهداية"(١)) اهـ. أي: حيثُ أطلقَ
هنا وقَّدَ بالإِحرازِ في الآتيةِ، وَذَكَرَ في "الشُّرُ نبلاليّة"(٢) مثلَ ما ذكرَهُ "ابنُ كمال"، فتأمَّل.
[١٩٧٩٤) (قولُهُ: لاستيلائِهِ على مُباحٍ) أي: فَيَمْلِكُهُ بمباشرةِ سبِهِ كالاحتطابِ والاصطيادِ.
(١٩٧٩٥) (قولُهُ: ولو سَبَى إلخ) ذكرَ المسألةَ بتعليلِها في "الدُّرر"(٣) عن " واقعاتِ الصَّدر
الشَّهِيدٌ"، ولم يَذْكُرْ أموالَ أَهلِ الذّمَّةِ؛ لأَنّها كأموالِنَا فُتُمْلَكُ بالإِحرازِ، وقولُهُ: ((مِن دارِنا))
الظَّاهرُ: أَنَّهُ احترازٌ عمَّا لو لَحِقَ الذِّمِّيُّ بدارِ الحربِ فَسُبِيَ منها، أمَّا لو دَخَلَ دارَهم على نَّةِ العَوْدِ
فالظَّاهرُ: أَنّهُ لا يُمَلَكُ بالسَِّيِ لبقاءِ عهدِ الذِّمَّةِ، فلهُ حكمُنا، تأمَّل.
[ ١٩٧٩٦) (قولُهُ: مِن ذلكَ السَّيِ للكافرِ) فَسَّرَ اسمَ الإشارةِ بما ذَكَرَ ليفيدَ أَنَّهُ راجعٌ إلى
المسألةِ الأُولى دونَ مسألةِ الذِّمِّيِّ؛ لأَنْهم إذا لم يَمْلِكوا الذِّمِّيَّ إذا سَبَوهُ لم نَمْلِكْهُ منهم، فافهم.
[١٩٧٩٧] (قولُهُ: اعتباراً بسائرٍ أملاكِهم) أي: كما نَمْلِكُ باقيَ أملاكِهم، وشَمِلَ ما إذا كانَ
بيننا وبينَ الَسْبِّينَ مُوادَعَةٌ؛ لأَنَّا لم نَعْدِرْهم، إنَّا أخذْنا مالاً خَرَجَ عن مِلْكِهم، ولو كانَ بِينَنا
وبينَ كلٍّ مِن الطَّائفتينِ مُوادَعَةٌ كانَ لنا أنْ نشتريَ مِن السَّابينَ لِما ذكرْنا، إلاَّ إذا اقتلوا بدارِنا؟
(قولُهُ: لكنْ ذَكَرَ "ابنُ كمال" أنَّ الإِحرازَ هنا غيرُ شَرْطٍ إلخ) لكنَّ العَلَّةَ المذكورةَ - لاشتراطٍ
إحرازِنا ما نأخذُهُ من أموالِهِم لِمِلْكِنَا إِيَّاهُ - تُفيدُ اشتراطَ الإحرازِ هنا أيضاً.
(١) "الهداية": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٥٠/٢.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩٠/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩٠/١.
حاشية ابن عابدين
٦١٠
باب استیلاء الكفار
ولو عَبْدَاً مُؤْمِناً.
لأَنّهم لم يَمْلِكوهُ لعدمِ الإِحرازِ، فيكونُ شراؤُنَا غَدْراً بالآخرينَ؛ لأَنَّهُ على مِلْكِهِم، وتمامُهُ في
"البحر"(١) عن "الفتح"(٢)، وقولُهُ: ((لم يَمْلِكوهُ لعدمِ الإحرازِ)) يدلُّ على اشتراطِ الإحرازِ في
المسألةِ المارَّةِ كما ذكرْناهُ(٣).
مطلبٌ فيما لو باعَ الحربيُّ ولدَهُ
(تنبيةٌ)
في "الَّهر "(٤) عن "منية المفتي": ((إذا باعَ الحربيُّ هناكَ ولدَهُ مِن مسلمٍ عن "الإِمام" أَنَّه
يجوزُ (٥)، ولا يُحْبَرُ على الرَّدِّ، وعن "أبي يوسف": أَنَّهُ يُجَبَرُ إذا خاصمَ الحربيُّ، ولو دَخَلَ دارَنا
بأمانٍ معَ ولدِهِ فباعَ الولدَ لا يجوزُ فِي الرِّواياتِ)) اهـ. أي: لأنَّ في إجازةِ بيعِ الولدِ نَقْضَ أمانِهِ كما
في "ط" (٦) عن "الولوالجِيَّةِ"(٧).
[١٩٧٩٨) (قولُهُ: ولو عَبْداً مُؤْمناً) وكذا الكافرُ بالأَوْلى، وكانَ الأَوْلى النَّعبيرُ بـ ((القِنِّ))؛
(قولُهُ: إذا باعَ الحربيُّ هناكَ ولدَهُ من مسلمٍ عن "الإِمام": أَنَّه لا يجوزُ إلخ) عبارةُ "ط ": ((يجوزُ))
بالإِثباتِ ، وهي الأصوبُ، ورأيتُهُ في "النَّهر" مثلَ ما قالَهُ "ط".
(١) انظر "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٢/٥.
(٢) انظر "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٤/٥.
(٣) المقولة [١٩٧٩٥] قوله: ((ولو سَبَى إلخ)).
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ق ٣٢٧/أ.
(٥) نقول: في النسخ جميعها : ((لا يجوز))، وما أثبتناه هو الصواب، ففي "النهر" و"ط": ((عن "الإِمام": أنّه
يجوزُ))، بحذف ((لا)) النافية، قال "أبو السعود" في "حاشيته" ٤٣٧/٢ -: ((وما وَقَعَ في عبارة بعضهم عن "منية
المفتي": عن "الإِمام": أَنَّه لا يجوزُ، صوابُ العبارة: ((يجوز)) بحذف ((لا)) النافية كما هو بخطّ شيخنا و"السيِّد
الَحَمَوي"، والدليلُ عليه قولُهُ: ولا يُحْبَرُ - أي: المسلم - على الرَّدِّ)) اهـ. وقد نَّه عليه "الرافعي".
(٦) "ط": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٤٥٥/٢ بتصرف.
(٧) "الولوالجية": كتاب السِّير - الفصل العاشر في بيع الحربي وتزويجه وغيره ق ١١٥ /ب.
الجزء الثاني عشر
٦١١
باب استيلاء الكفار
(وأحرزُوها بدارِهِم مَلَكُوها)
ليخرجَ المدَّرُ والمكاتبُ وأُّ الولدِ، فإِنَّهم لا يَمْلِكونَهم كما سيذكرُهُ(١) " المصنّف"، ومثلُ العبدٍ
الأمةُ كما في "الدُّرر)"(٢).
مطلبٌ يلحَقُ بدارِ الحربِ المفازةُ والبحرُ المِلِحُ
[١٩٧٩٩] (قولُهُ: وأحرزُوها بدارِهم) ويُلحَقُ بها البحرُ المِلْحُ ونحوُهُ كمفازةٍ ليسَ وراءَها بلادُ
إسلامٍ، نقلَهُ بعضُهم عن "الْحَمَويّ"، وفي حاشيةِ "أبي السُّعودِ"(٣) عن "شرح النّظْمِ الهامليّ(٤):
((سَطْحُ البحرِ لهُ حُكْمُ دَارِ الحربِ)) اهـ.
٢٤٣/٣
وفي "الشُّرُ بِلالَة"(٥) قبيلَ بابِ العشرِ: ((سُئِلَ "قارئُ الهداية "(٦) عن البحرِ المِلْحِ أَمِنْ دَارِ
الحربِ أو الإِسلامِ؟ أجابَ أنَّهُ ليسَ مِن أحدِ القبيلينِ؛ لأَنَّهُ لا قَهْرَ لأحدٍ عليهِ)) اهـ. قالَ في "الدُّرِّ
المنتقى"(٧) هناكَ: ((لكنْ قَدَّمنا في بابِ نكاحِ الكافرِ أنَّ البحرَ الِلْحَ مُلْحَقٌ بدارِ الحربِ)).
[١٩٨٠٠] (قولُهُ: مَلَكُوها) هو قولُ "مالكٍ" و"أحمدَ" أيضاً، فَيَحِلُّ الأكلُ والوطءُ لمن اشتراهُ
منهم كما في "الفتح"(٨)؛ لقولهِ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِالْمُهَجِرِينَ﴾[الحشر- ٨] سمَّهم فقراءَ فدلَّ
[٣/ ق١/٣٣] على أنَّ الكفّارَ مَلَكُوا أموالهم الَّتي هاجروا عنها، ومَن لا يَصِلُ إلى مالِهِ ليسَ فقيراً بل
هو ابنُ سبيلٍ، ولذا عُطِفُوا عليهم في آيةِ الصَّدقاتِ، وهذا مُؤَيِّدٌ لِمَا وَرَدَ مِن طرقٍ كثيرةٍ(٩)
(١) صـ ٦٢٢ - "در".
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩٠/١.
(٣) "فتح المعين": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل: ولا يمكن المستأمن ٤٤٥/٢.
(٤) تقدمت ترجمته ٦٣٢/٤.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب المستأمن ٢٩٥/١ بتصرف (هامش "الدرر والغرر"). وقد ذكر هذه المسألةَ
قبيل باب الوظائف؛ لكنَّ صاحب "الدرر والغرر" بَيَّنَ أنَّ المراد بالوظائف هنا العشر والخراج.
(٦) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في دار الحرب صـ ٧٨ - .
(٧) "الدر المنتقى": كتاب السِّير - باب المستأمن - فصل فيما بقي من أحكام المستأمن ٦٥٩/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٨) "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٤/٥ بتصرف.
(٩) أخرجه أبو يوسف في "الردِّ على سِيَر الأوزاعي" صـ٥٧ -: حدثنا الحسن بن عُمارة، عن الحكم بن عُتيبة، =
حاشية ابن عابدين
٦١٢
باب استیلاء الكفار
= عن مِقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﴿﴿ في عبدٍ وبعير أحرَزَهما العدوُّ ثم ظُفِرَ بهما، فقال رسول اللـهِلُّ
لصاحبهما: ((إِنْ أَصبتهما قبلَ القسمةِ فهما لك بغيرِ شيءٍ، وإن أصبتهما بعد القسمة فهما لك بالقيمة)).
أخرجه البيهقي في "المعرفة" (١٨١٩٨) عن الشافعي في "القديم" قال: قال أبو يوسف : ... فذكره، ثم قال
البيهقي: هكذا وجدتُهُ عند أبي يوسف عن الحسن بن عُمارة، ورواه غيره عن الحسن بن عُمارة عن عبد الملك [بن
ميسرة] الزرّاد، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي﴿ في بعيرٍ واحد، وهذا الحديثُ يُعرَفُ بالحسن بن عمارة،
وهو متروكٌ لا يُحَتَجُّ به اهـ، فلعلَّ التخليطَ منه.
أخرجه الدار قطني ٤١٤/٤ عن يزيد بن هارون (ح)، وابن القاسم في "المدونة" ١٥/٢ عن ابن وهب عن
إسماعيل ابن عُيَّاش (ح)، والبيهقي في "الكبرى" ١١١/٩ عن القاسم بن الحكم: حدثنا الحسن بن عُمَارة عن عبد
الملك بن ميسرة الزرَّاد، عن طاوس، عن ابن عباس به.
قال البيهقيُّ: ورواه مسلمةُ بن علي الحُشَني عن عبد الملك، وهو أيضاً ضعيفٌ اهـ.
أخرجه ابن القاسم في "المدونة" ١٤/٢ عن ابن وهب عن مسلمةً به، ومسلمةٌ متروكٌ واٍ.
ثم قال البيهقي: ورُوِيَ بإسنادٍ آخرَ مجهولٍ عن عبد الملك، ولا يصحُّ شيءٌ من ذلك، وروي عن إسحاق بن أبي
فروة وياسين بن معاذ الزيات، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه مرفوعاً، على اختلاف بينهما في
لفظِهِ، وإسحاقُ وياسين متروكان لا يُحتجُّ بهما اهـ.
أخرجه الطبرانيُّ في "الأوسط" (٨٤٤٤) وابن عدي في "الكامل" ١٨٤/٧ عن سويد بن عبد العزيز، عن ياسين،
عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعاً: ((مَنْ أدرَكَ مالَهُ في الفيء قبل أن يُقْسَمَ فليس له شيءٌ)). قال الطبراني:
لم يَرْوِ هذا الحديثَ عن الزهري إلاَّ ياسين، تفرد به سويدُ بن عبد العزيز.
وسويدٌ وإنْ قَوَّاهِ دُحيم إلاَّ أنَّه متروكٌ لكثرةٍ غلطِهِ وروايتِهِ أحاديثَ منكرةً.
وأخرجه الدارقطني ١١٣/٤-١١٤ عن عمر بن عبد الواحد عن إسحاق بن عبد الله (ح) وعن رِشْدِين عن
يونس كلاهما عن الزهري به، ثم قال: وإسحاقُ متروكٌ، ورِشْدين ضعيفٌ، وأخرجه الطبراني في
"الكبير"(١٨٣٣) حدثنا الحسين بن إسحاق التّستري، ثنا سهل بن عثمان، ثنا عبد الرحيم بن سليمان، ثنا سفيان
عن سِمَاك بن حرب عن تميم بن طَرَفة، عن جابر بن سَمُرة قال: ((أصاب العدوُّ ناقةَ رجلٍ من بني سُليم، ثمَّ
اشتراها رجلٌ من المسلمين، فعرَفَها صاحبُها، فأتى النبيَّ:﴿ْ فَأمرَهُ النبيِ ◌ّ أن يأخذَها بالثمن الذي اشتراها به
من العدوّ، وإلاَّ خلَّى بينها وبينه)).
وأخرجه عبد الرزاق (٩٣٥٨ ) و(١٥٢٠٢) وعنه ابن المنذر (٦٥٨٨)، (ح) وأحمد في "العلل" صـ ١٠٩،٩٩ - عن
وكيع (ح) والطحاويُّ في "شرح المعاني" ٢٦٣/٣ عن حسين بن حفص (ح) وأبو داود في "المراسيل" كما في
"تحفة الأشراف" ١٥٢/١٣ عن أبي إسحاق الفزاري (ح) وابن القاسم في "المدونة" ١٨٨/٥ عن ابن وهب =
الجزء الثاني عشر
٦١٣
باب استيلاء الكفار
= (ح) والبيهقي ١١١/٩ عن ابن المبارك، كلُّهم عن سفيان الثوريِّ عن سماك عن تميمٍ بن طَرَفة: ((أَنَّ العدوّ
أصابوا ... ))، مرسلٌ - لم يقلْ عن جابرِ - باللَّفظِ نفسِهِ، ولعل هذا هو الصوابُ، ولا يُستبعدُ تدليسُ سفيانَ لكن
سهلاً صاحبُ غرائب، إلاَّ أنَّ إحدى الروايتين لعبد الرزاق (١٥٢٠٢)، وروايةُ ابن وهب: ((أنَّ رجلين اختصما
إلى النبيِّ ﴿﴿ في بعيرٍ، فأقام كلُّ واحدٍ منهما شاهدين، فقسَمَهُ النبيِ﴿ل بينهما)) ليس فيه أنه اشتراه من العدوٍّ،
وباللَّغظِ الأوَّلِ - لكنْ مع الإرسال - أخرجه الطحاويُّ في "شرح المعاني" ٢٦٣/٣ عن حماد بن سلمة (ح) وابن
القاسم في "المدونة" ١٤/٢ عن مَسلمة بن علي عمَّن حدَّثه عن سماك به، وأخرجه أبو داود في "المراسيل"
(٣٣٩) حدثنا هناد بن السَّرَيِّ، حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن تميم بن طَرَفة بهذا اللَّفَظِ، لكنْ أخرجَهُ بِاللَّغظِ
الثاني ابن أبي شيبة ١٣٥/٥ في البيوع - في الرجلين يختصمان في الشيء، و٤/٧ في أقضيتِهِ ﴿، والبيهقيُّ ١١١/٩
عن يحيى بن يحيى ثنا أبو الأحوص عن سماك ... به، ولفظُ يحيى عن أبي الأحوص: ((فَوَجَدَ أَصلَها ◌ُشْتُرِيّ من
أيدي العدوِّ))، وهذا يدل على أنها قصة واحدة خلافاً لمقتضى بعض كتب التخريج، وكذلك أخرجه عبد الرزاق
(١٥٢٠٣) أخبرنا إسرائيل (ح) والبيهقي ٢٥٩،٢٥٨/١٠ -٢٦٠ عن محمد بن جابر (ح) وعن سعيد بن منصور
وغيره عن أبي عَوانة (ح) والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٠/٦ عن الربيع بن تَعْلب، حدثنا أبو معاوية عن الحجَّاج،
كلُّهم عن تميم بن طَرَفة، قال الشافعيُّ: وتميمٌ لم يدرك النبيَّ ◌ُ﴿ ولم يسمع منه.
وأخرجه الطبراني (١٨٣٥) عن سُويد بن عبد العزيز عن حجَّاج بن أرطاة عن سِمَاك عن تميم عن جابر بن
سمرة ... فذكره، وهذا خطأٌ، فقد تقدَّمَ أنَّ سويداً منكرُ الحديث واهٍ، وخالَفَ أبا معاوية عن الحجَّاجِ، ويحتملُ أن
يكون حجاجٌ دلَّسَهُ عن ياسين الزيَّات، فقد أخرجه الطبرانيُّ (١٨٣٤) عن الحسين بن حفص عن ياسينَ الزِيَّاتِ
عن سماك عن تميم بن طَرَفة عن جابر به، وياسينُ متروكٌ كما تقدَّمَ.
وأخرجه أبو إسحاق الفَزَاري في "السِّيَر" (١٢٦) (ح)، وابن المنذر في "الأوسط" (٦٥٨٣)، والطحاوي في
"شرح المعاني" ٢٦٣/٣، والبيهقي ١١٢/٩ عن ابن المبارك (ح)، والدارقطني ١١٤/٤ عن خالد بن الحارث،
كلهم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجاء بن حَيوة عن قبيصةَ بن ذُؤيبٍ أنَّ عمرَ بنَ الخطاب قال فيما
أحرزه المشركون : ((ما أصابَه المسلمونَ فعرَفَه صاحبُه إنْ أدركَه قبلَ أن يُقسَمَ فهو له، وإذا جَرَت فيه السِّهامُ فلا
شيءَ له)) قال قتادة: وقال علي بن أبي طالب: ((هو للمسلمين أُقتسمَ أو لم يُقْتَسمْ)) قال الدارقطني: مرسلٌ،
وقال البيهقي: هذا منقطعٌ، قَبيصةُ لم يُدرك عمرَ، وقتادةُ عن عليٍّ منقطعٌ اهـ وسيأتي عن عليّ
وأخرجه الطحاوي ٢٦٤/٣ عن حماد عن الحجّاج عن ابن إبراهيم وعامر قالا (ح)، وقال قتادةُ عن عمرَ فذكر نحوه.
وأخرجه الفَزاري (١٢٥) (ح)، والطحاوي ٢٦٣/٣ عن أزهر بن سعد ، كلاهما عن عبد الله بن عون عن رجاء
ابن حَيوة أنَّ عمرَ بنَ الخطاب وأبا عبيدةً قالا ... ، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٧٩٩) حدثنا حماد بن زيد عن
مطر الورَّاق عن رجاء بن حَيوة أنَّ أبا عبيدةً كتب إلى عمرَ ... نحو حديث قَبيصةَ، وأخرجه البيهقي ١١٢/٩ =
حاشية ابن عابدين
٦١٤
باب استيلاء الكفار
= عن ابن المبارك، وابن القاسم في "المدونة" ١٤/٢ عن ابن وهب، كلاهما عن ابن لهيعة عن سليمان بن موسى أنَّ
رجاءً حدَّثْه أنَّ عمرَ بنَ الخطاب كتب إلى أبي عُبيدةً بن الجرَّاحِ أو إلى معاويةً ... نحوه.
وأخرجه الفَزَاري (١٣٥)، وابن أبي شيبة وعنه ابن حزم في "المحلّى" ٣٠١/٧ عن أبي خالد - ثور بن يزيد - عن
أبي عَون الأنصاري عن أزهر بن يزيد قال: أَبَقتْ جاريةٌ لأُناسٍ من مراد، فلحِقَت بالعدوِّ فاغتنمَها المسلمونَ بَعدُ،
فأتى مولاها أبا عبيدةَ فسألَهُ، فكتب إلى عمرَ، فكتب عمرُ: ((إن كانت خُمِّست وقُسِمت، فسبيل ذلك، وإن
كانت لم تُخمَّس ولم تُقسَم فارددها عليهم ... )) مختصرٌ.
وأخرجه مُسدَّد في "مسنده" كما في "المطالب العالية" (٢٠٨٨) عن ثور عن أبي عَون عن الحارث بن قيس
عن أزهر به. وأخرجه سعيد بن منصور (٢٨٠٣) وعنه البيهقي ١١٢/٩ حدثنا عثمان بن مَطَرَ الشيباني حدثنا
أبو حَريز عن الشعبي ... في قصة السائب بن الأقرع لأهل ماهٍ ... ، فكتب إلى عمرَ في سبايا المسلمينَ ورقيقِهم
ومتاعهم قد اشتراه النُّجارُ من أهل ماءٍ، فكتب: (( إنَّ المسلم أخو المسلمِ لا يخونُهُ ولا يخذُلهُ، فأيُّما رجلٍ من
المسلمين أصابَ رقِيقَهُ ومتاعَهُ بعينِهِ فهو أحقُّ به من غيره، وإن أصابَهُ في أيدي النُّحارِ بعد ما اقْتُسِمَ فلا سبيلَ
إليه ... )).
قال الشافعي في "القديم": هذا عن عمرَ مرسلٌ، إنَّما هو الشعبي عن عمر، وعن رجاء بن حيوة عن عمر،
وكلاهما لم يُدرك عمرَ ولا قاربَ ذلك، وقال البيهقي في "المعرفة": وذكره الشافعي في "القديم" من حديث
عبد الوهاب عن ابن أبي عروبة عن أبي حَريزٍ عن الشعبي أنَّ عمرَ ... فذكر كلامَ عمرَ مختصراً.
وأخرج عبد الرزاق (٩٣٥٩) عن محمد بن راشد حدثنا مكحول أنَّ عمر بن الخطاب قال : ... نحوه وأخرجه ابن
المنذر (٦٥٨٤)، والطحاوي ٢٦٤/٣، والشافعي وعنه البيهقي في "المعرفة" (١٨٢٠٩) عن عبيد الله وأبي الوليد
عن حماد عن قتادة عن خِلاس أنَّ علياً قال: ((من اشترى ما أحرزَ العدوُّ فهو جائزٌ))، وأخرج عبد الرزاق
(٩٣٦٢)، والفَزَاري في "السِّير" (١٣٤) و(١٤٧) عن سعيد عن قتادة: أنَّ مُكاتباً أسرَه العدوُّ ثُمَّ اشتراه رجلٌ،
فسأل بكرُ بن قرواش عنه علياً فقال: ((إن افتكَه سيدُه فهو على بقية كتابَتِه وإن أبى سيدُهُ أن يفكِّهُ فهو للَّذي
اشتراه))، وأخرج عبد الرزاق (٦٣٥٥) عن معمر قال: بلغني عن قتادة - وما أدري لعلّي سمعتُه منه - أنَّ علياً
قال: ((هو فيُ المسلمينَ، لا يُرد))، وأخرجه ابن القاسم في "المدونه" ١٥/٢ عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن
عبيد الله بن أبي جعفر عن زيد بن ثابت مثلَ حديث سليمان عن رجاء، وعن ابن وهب عن ابن لهيعة عن بُكير
ابن الأَشَجِّ وخالد بن أبي عمران عن سليمان بن يسار مثلَهُ، وأخرجه الطحاوي ٢٦٣/٣، والبيهقي ١١٣/٩ عن
ابن المبارك عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أنَّه حدَّثه عن بُكير بن الأشَجِّ عن سليمان بن يسار وعن زيد
بن ثابت قالا: فذكره، قال البيهقي: كذا وجدتُهُ في كتابي وهو هكذا منقطعٌ وابن لهيعة غيرُ مُحتجِّ به والله
أعلم، وقد قيل عن سليمان عن زيد أي بدون واوٍ، وهي روايةُ الطحاوي.
الجزء الثاني عشر
٦١٥
باب استیلاء الكفار
لا للاستيلاءِ على مُباحٍ؛ لِمَا أنَّ الصَّحيحَ من مذهبِ أهلِ السُّنّةِ: أنَّ الأصلَ في الأشياءِ
التَّوقُفُ، والإباحةُ رأيُ المعتزلةِ، بل لأنَّ العِصْمَةَ من جُمْلةِ الأحكامِ المَشْرُوعةِ، وهم
لم يُخاطَبوا بها، فَبَقِيَ في حقّهِم مالاً غيرَ معصومٍ فَيَمِلِكُونَه كما حقَّقَه "صاحبُ
المجمع" في "شرحِهِ"،.
- وإنْ كانَت ضعيفةً - تُفِيدُ هذا الحكمَ بلا شكِّ كما أوضحَهُ وأطالَ في تحقيقِهِ "ابنُ الهمامِ"(١).
(١٩٨٠١] (قولُهُ: لا للاستيلاء إلخ) ردٌّ على "الهداية"(٢) حيثُ ذَكَرَ أنَّ عندَ "الشَّافعيِّ"
لا يَمْلِكُونَها؛ لأنَّ الاستيلاءَ محظورٌ، فلا يُفِيْدُ المِلْكَ، ولنا: أنَّ الاستيلاءَ وَرَدَ على مالٍ مُباحٍ؛ لأنَّ
العِصْمَةَ في المالِ إِنَّا تَبَتَتْ على مُنافاةِ الدَّليلِ، وهو قولُهُ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ مَا فِ اُلْأَرْضِ
جَمِيعًا﴾ [البقرة - ٢٩]، فإنَّهُ يقتضى إباحةَ الأموالِ وعدمَ العِصْمةِ، لكنَّها تَبَنتْ لضرورةٍ تمكُّن
المالكِ من الانتفاعِ، فإذا زالَتِ المَكِنَّةُ بالاستيلاءِ وتبأيُنِ الدَّارينِ عادَ مُباحاً كما كانَ. اهـ. موضّحاً
مِن "العناية"(٣) و"الفتح"(٤).
[١٩٨٠٢] (قولُهُ: لِمَا أنَّ الصَّحيحَ إلخ) حاصلُهُ: أنَّ هذا الَّعليلَ المارّ(٥) عن "الهداية" مبنيٌّ
على أنَّ الأصلَ في الأشياءِ الإِباحةُ، وهو رأيُ "المعتزلةِ"، والصَّحيحُ من مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ
الأصلَ فيها الوَقُفُ حتَّى يَرِدَ الشَّرعُ، بل الوجهُ: أنَّ العِصْمَةَ ثابتةٌ بخطابِ الشَّرعِ عندَنا،
فلم تَظْهَرِ العِصْمَةُ في حقِّهم، وعندَ "الشَّافعيّ": هم مُخاطبونَ بالشَّرائعِ فظهرتِ العِصْمةُ
في حقّهم، فلا يَمْلِكونَها بالاستيلاءِ، هذا حاصلُ ما في "المنبعِ شرحِ المجمعِ" (٦).
أقولُ: وفيهِ نَظَرٌ مِن وجوهٍ، الأوَّلُ: أنَّ ما مرَّ(٧) عن "الهداية" ليسَ مبنيًّاً على أنَّ الأصلَ
(١) "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٥/٥.
(٢) "الهداية": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٥٠/٢ بتصرف.
(٣) "العناية": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٥/٥ - ٢٥٦ (هامش "فتح القدير").
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٥/٥-٢٥٦.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) تقدَّمت ترجمته ٢٦٨/٢.
(٧) في المقولة السابقة.
حاشية ابن عابدين
٦١٦
باب استیلاء الكفار
الإباحةُ؛ لأنَّ الخلافَ المذكورَ فيهِ إنّا هو قبلَ وُرُودِ الشَّرعِ، وصاحبُ "الهداية" إنَّا أثبتَ الإِباحةَ
بعدَ وُرُودِ الشَّرعِ بمقتضى الدَّليلِ، يعني: أنَّ مقتضى الدَّليلِ إباحتُها، لكنْ تَبَّتِ العِصْمَةُ بِعارضٍ،
وقد صرَّحَ بذلكَ في "أصولِ البزدويّ" (١) حيثُ قالَ: ((بعدَ وُرُودِ الشَّرْعِ الأموالُ على الإباحةِ
بالإجماعِ ما لم يَظْهَرْ دليلُ الحرمةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أباحَها بقولِهِ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ قَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾
[البقرة - ٢٩])). الثّاني: أنَّ الكفّارَ مخاطبونَ بالإِيمانِ وبالعقوباتِ - سِوَى حَدِّ الشُّرْبِ -
وبالمعاملاتِ، وإنّ الخلافُ في العباداتِ كما قدَّمناهُ(٢) أوائلَ الجهادِ. النَّالثُ: أنَّ قولَهُ: ((فلم تظهرٍ
العِصْمةُ في حقّهم)) أي: هو مُباحٌ لهم، ففيهِ رجوٌ إلى القولِ بالإِباحةِ كما أفادَهُ "ط)"(٢).
مطلبٌ في أنَّ الأصل في الأشياءِ الإباحةُ
الرَّابِعُ: أنَّ نِسْبَةَ الإِباحةِ إلى "المعتزلةِ" مُخالِفٌ لِما في كتبِ الأصولِ، ففي "تحريرِ ابنِ الهمام"(٤).
((المختارُ الإِباحةُ عندَ جمهورِ "الحنفيَّةِ" و "الشَّافِعَّةِ")) اهـ، وفي "شرح أصول البزدويّ" للعلاّمةِ
الأكملِ: ((قالَ أكثرُ أصحابنا وأكثرُ أصحابِ "الشَّافِعِيِّ": إنَّ الأشياءَ - الَّني يجوزُ أنْ يردَ الشَّرعُ
بإباحتِها وحرمتِها قبلَ ورودِهِ - على الإباحةِ، وهيَ الأصلُ فيها، حتّى أُبِيحَ لَمن لم يَبْلُغْهُ الشَّرعُ أنْ
يأكلَ ما شاءَ، وإليه أشارَ "محمَّدٌ" في الإكراهِ(٥) حيثُ قالَ: ((أَكْلُ الميتةِ وشُرْبُ الخمرِ لم يُحرَّمَا إلَّ
بالنّهي))، فجَعَلَ الإِباحةَ أصلاً والخرمةَ بعارضِ النَّهي، وهو قولُ "الجَبَّائِيِّ" و"أبي هاشم" وأصحابِ
الظّهرِ، وقالَ بعضُ أصحابِنا وبعضُ أصحابِ "الشَّافعيّ" ومعتزلةُ بغدادَ: إِنَّها على الحَظْرِ، وقَالَتِ
الأشعريةُ وعامَّةُ أهلِ الحديثِ: إِنَّها على الوَقْفِ حَتَّى أنّ مَن لم يَبُغْهُ الشَّرْعِ يتوقّفُ ولا يتناوَلُ شيئاً،
فإنْ تناولَ لم يُوصَفْ فعلُهُ بحلِّ ولا حرمةٍ، وقالَ "عبدُ القاهرِ البغداديّ"(٢): تفسيرُهُ: لا يستحقُّ ثواباً
(١) انظر "كشف الأسرار": باب المعارضة - تعارض الحظر والإباحة ١٩٥/٣.
(٢) المقولة [١٩٥٣٨] قوله: ((إذ الكفار لا يخاطبون عندنا)).
(٣) "ط": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٤٥٥/٢.
(٤) "التحرير": الباب الأوّل في الأحكام - الفصل الثاني: في الحاكم لا خلاف في أنه رب العالمين صـ ٢٣٥ -.
(٥) لم نعثر عليه في "الجامع الصغير" ولا في "الأصل" لمحمد رحمه الله.
(٦) أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغداديّ التميميّ الأسفراييني الشافعيّ (ت ٤٢٩ هـ). ("وفيات الأعيان"
٢٠٣/٣، "طبقات الشافعية الكبرى" ٢٣٨/٣، "فوات الوفيات" ٦١٣/١).
الجزء الثاني عشر
٦١٧
باب استيلاء الكفار
ويُفْتَرَضُ علينا اتّباعُهم، فإنْ أسلموا تقرَّرَ مِلْكُهم. (وإنْ غَلَبنا عليهم) أي: بعدَما
أحرزُوها بدارِهِم، أمَّا قبلَهُ فهي لِمالِكها (١) مَجّاناً مُطلَقاً (فمَن وَجَدَ مِلْكَهُ قبلَ
القِسْمةِ) بين المسلمين لا بين الكُفَّارِ، ...
ولا عقاباً، وإليهِ مالَ الشَّيْخُ "أبو منصور")) اهـ. وبَسْطُ أدلةِ الأَقْوالِ فِيهِ.
[١٩٨٠٣) (قولُهُ: وَيُفْتَرَضُ علينا اتّباعُهم) أي: لاستنقاذِ أموالنا ما داموا في دارِ الإسلامِ، فإنّ
دَخَلوا دارَ الحربِ لا يُفْتَرَضُ، والأَّوْلِى الأَتْبَاعُ، بخلافِ الذَّراري يُفْتَرَضُ أَتْبَاعُهم مطلقاً، "بحر "(٢)
عن "المحيط"، وقولُهُ: ((مطلقاً)) أي: وإنْ دَخَلوا دارَ الحربِ، لكنْ ما لم يَبْلُغُوا حُصُونَهم كما
قدَّمناهُ(٣) أوَّلَ الجهادِ عن "الذَّخيرة".
[١٩٨٠٤) (قولُهُ: فإنْ أسلموا تقرَّرَ مِلْكُهم) أي: لا سبيلَ لأربابِها عليها، "بحر "(٤) عن "شرح
الطَّحاويِّ"، وعبَّرَ "الشَّارِحُ" بالتقرُّرِ؛ لأنَّ مِلْكَهم بعدَ الإِحرازِ قبلَ الإِسلامِ على شَرَفِ الزَّوَالِ إذا
غَلْنَا عليهم، وبهذا التّعبيرِ صَحَّ ذكرُ هذهِ المسألةِ في شرحٍ قولِهِ: ((وإنْ غَلَبوا على أموالِنا إلخ))؛
ليُفِيدَ أنَّ قولَهُ: ((مَلَكُوها)) أي: مِنْكاً على شَرَفِ الزَّوالِ، وإلَّ كانَ المناسبُ ذكرَها عندَ قولِهِ:
((ومَلَكْنا ما نجدُهُ مِن ذلكَ إلخ)) بأنْ يقولَ: إلاَّ إِنْ كانوا أسلَمُوا لتقرُّرِ مِلْكِهِم، تأمَّل.
[١٩٨٠٥) (قولُهُ: أمَّا قبلَهُ) أي: قبلَ الإحرازِ.
[١٩٨٠٦] (قولُهُ: مُطْلِقاً) أي: قبلَ القِسْمَةِ أو بعدَها.
١٩٨٠٧١ ] (قولُهُ: فَمَن وَجَدَ مِلْكَهُ) الإضافةُ للعهدِ أي: الَّذِي يَمْلِكُهُ الكَفَّارُ، فلو دَخَلَ في دارِنا
حربيٌّ بأمانٍ وسَرَقَ مِن مسلمٍ طعاماً (٣/ ق ٣٣/ب] أو متاعاً وأخرجَهُ إلى دارِهم ثمَّ اشتراهُ مسلمٌ وأخرجَهُ
إلى دارِنا أخذَهُ مالكُهُ بلا شيءٍ، وكذا لو أَبَقَ عبدٌ إليهم ثمَّ اشتراهُ مسلمٌ كما في "المحيط "(٥) وغيرِهِ،
(١) في "و" و"د": ((ملاكها)).
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٣/٥.
(٣) المقولة [١٩٥١٨] قوله: ((وفرض عين)).
(٤) "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٣/٥.
(٥) "المحيط البرهاني": كتاب السِّير - فصل فيما يحرزه العدو ثم يصير للمسلمين ٣/ق ٥.٥/أ.
حاشية ابن عابدين
٦١٨
باب استيلاء الكفار
كما حقَّقه في "الدُّرر" (فهو له مَجّاناً) بلا شيءٍ (وإنْ وَجَدَهُ بعدها فهو له بالقِيْمَةِ) حَبْراً
للضَّرْرَيْنِ بِالقَدْرِ المُمْكِنِ (ولو) كان مِلْكُهُ (مِثلّاً فلا سبيلَ له عليه بعدَها) إذ لو أخذَهُ
أَخَذَهُ مثِلِهِ فلا يُفيدُ،
"قُهستانِ) (١).
[١٩٨٠٨) (قولُهُ: كما حقَّقَهُ فِي "الدُّرر"(٢) أي: رادً على ما وَقَعَ في "شرحِ المجمعِ" المصنْفِهِ
مِن حَمْلِ القِسْمةِ على القِسْمةِ بينَ الكفّارِ؛ حيثُ قالَ: ((إنَّهُ مُخالِفٌ لجميعِ الكتبِ كما لا يخفى
على أُولي الأبصارِ)).
٢٤٤/٣
[١٩٨٠٩) (قُولُهُ: بلا شيءٍ) تفسيرٌ لقولِهِ: (مجاناً)).
[١٩٨١٠] (قولُهُ: بالقِيْمَةِ) أي: قيمتِهِ يومَ أَخْذِ الغانمِ، "قُهِستانيّ"(٣)، وفيهِ(٣) أيضاً: ((أَنَّهُ لو
ماتَ المالكُ لا سبيلَ لوارثِهِ؛ لأنَّ الخيارَ لم يُورَثْ)) اهــ أي: لأَنَّهُ مُخَّرٌ بينَ أَخْذِهِ بِالقِيْمَةِ وتَرْكِهِ،
لكنْ نقلَ "السَّائحانيُّ" عن "الخانَّةُ"(٤): ((لو ماتَ المأسورُ منهُ بعدَ إخراجِ الْمُشْتَرَى مِن العدوِّ
لورثتِهِ أخذُهُ على قولِ "محمَّد" لا لبعضِ الورثةِ، وعن "أبي يوسفَ": ليسَ للورثةِ أخذُهُ)).
(تنبيةٌ)
في "الشُّرُ بِلالَةُ"(٥) عن "الجوهرة"(٦): ((لو كانَ عبداً فأعتقَهُ مَن وَقَعَ فِي سَهْمِهِ نَفَذَ عنقُهُ
وبَطَلَ حقُّ المالكِ، وإنْ باعَهُ أخذَهُ مالكُهُ بِالَّمنِ وليسَ لهُ نَقْضُ البيعِ)).
(١٩٨١١) (قولُهُ: جَبْراً للضَّرَرِينِ إلخ) لأنَّ المالكَ القديمَ يتضرَُّ(٧) بزوالِ مِلْكِهِ عنهُ بلا رضاهُ،
ومَن وَقَعَ العينُ في نصيبِهِ يتضرَّرُ بالأخذِ منهُ مَّاناً؛ لأَنَّهُ استحقَّهُ عِوَضاً عن سَهْمِهِ في الغنيمةِ،
(١) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل يملك بعض الكفار بعضاً ٣٢١/٢.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩١/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الجهاد - فصل يملك بعض الكفار بعضاً ٣٢١/٢.
(٤) "الخانية": كتاب السِّير - فصل في استيلاء أهل الحرب على أموال المسلمين ٥٦٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٦) "الجوهرة النيرة": كتاب السِّير ٣٦٥/٢ بتصرف.
(٧) من ((بزوال)) إلى ((يتضرر)) ساقط من "٢".
الجزء الثاني عشر
٦١٩
باب استیلاء الكفار
ولو قبلَها أخذَهُ مَجّاناً كما مرَّ (وبالَّمنِ) الذي اشتراهُ به (لو اشتراهُ منهم تاجرٌ) أي: من
العدوِّ وأخرجَهُ إلى دارِنا، وبقِيمةِ العَرْضِ لو اشتراهُ به، وبالقِيْمة لو اتَّهَهُ منهم، زاد في
"الدرر"(١): ((أو مَلَكَه بعقدٍ فاسدٍ))، لكنْ في "البحر"(٢): ((شَراهُ بخمرٍ أو خنزيرٍ ليس
لِمالِكِهِ أخذُهُ بِاتّفاقِ الرِّواياتِ،.
فقُلْنا بحقِّ الأخذِ بالقِيْمَةِ حَبْراً للضَّررينِ بِالقَدْرِ الممكنِ، وقبلَ القِسْمةِ المِلْكُ فيهِ للعامَّةِ فلا يُصِيبُ
كلَّ فردٍ منهم ما يبالي بفوتِهِ فلا يتحقَّقُ الضَّررُ. اهـ "درر"(٣).
[١٩٨١٢) (قولُهُ: ولو قبلَها إلخ) مُكرَّرٌ بما قبلَهُ، "ط)(٤).
(١٩٨١٣) (قولُهُ: الَّذِي اشتراهُ) الضَّميرُ المسترُ عائدٌ إلى: ((تاجرٍ))؛ لأَنَّهُ وإنْ تأخَّرَ في اللَّفْظِ
لكنَّهُ مُتقدّمٌ في المعنى؛ لأَنَّهُ في جوابِ الشَّرَطِ، فإنَّ الَّقديرَ: ((ولو اشتراهُ منهم تاجرٌ أخذَهُ بالثَّمنِ
الذي اشتراهُ بهِ)).
[١٩٨١٤) (قولُهُ: وبالقِيْمةِ لو اتَّهَبَهُ منهم) لأَنَّهُ تَبَتَ لهُ ملكٌ خاصٌّ فلا يُزالُ إلَّ بالقيمةِ،
"بحر "(٥)، وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّهُ لو مِثْلياً لا فائدةَ في أَخْذِهِ كما مرَّ(٦).
[١٩٨١٥) (قولُهُ: أو مَلَكَهُ بعقدٍ فاسدٍ) أي: فإنَّهُ يأخذُهُ بالقيمةِ لو قَمِيّاً.
[١٩٨١٦] (قولُهُ: ليسَ لمالكِهِ أخذُهُ) أي: بالخمرِ والخنزيرِ، بل يأخذُهُ بقيمةِ نفسِهِ كما نقلَهُ
في "النَّهر"(٧) عن "السِّراج الوهَّاج"، وحينئذٍ لا معنى للاستدراكِ، بل كانَ عليهِ أنْ يقولَ: أو مَلَكَهُ
(١) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩١/١.
(٢) "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٤/٥ بتصرف.
(٣) "الدرر والغرر": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٢٩١/١.
(٤) "ط": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ٤٥٦/٢ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٤/٥.
(٦) صـ ٨ ٦١ - "در".
(٧) "النهر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ق٣٢٧/ب.
حاشية ابن عابدين
٦٢٠
باب استيلاء الكفار
وكذا لو شَراهُ بِمِثْلِهِ نَسِيئةً، أو يمثلِه قَدْراً ووَصْفاً بعقدٍ صحيحٍ أو فاسدٍ؛ لعدَمِ
الفائدةِ، فلو بأقلَّ قَدْراً أو أَرْدَى وَصفاً فلهُ أخذُهُ؛ لأَنَّه يُفيدُ، وليس برِباً؛ لأَنَّه فِداءٌ
(وإنْ) وَصلّةٌ (فَقَأَ عَيْنَه) أو قَطَعَ يدَهُ (وأخذَ) مُشتَرِيهِ (أَرْشَهُ).
بعقدٍ فاسدٍ كما لو شراءهُ (١) بخمرٍ أو خنزيرٍ. اهـ "ح"(٢).
قلتُ: لكنَّ صاحبَ "السِّراج " قالَ في "الجوهرة"(٣): ((وإنْ اشتراهُ بخمرٍ أو خنزيرِ أخذَهُ
بقيمةِ الخمرِ، وإنْ شاءَ تركَهُ)) اهـ. إلاَّ أنْ يُحْمَلَ هذا على ما إذا كان المبيعُ مثلياً، وما في "السِّرَاجِ"
على ما إذا كانَ قِيمِيّاً، تأمَّل.
ولم يَذْكُرْ هل لهُ أخذُهُ بقيمةِ الخنزيرِ؟ والظَّهِرُ: نعم بَعْلِ قيمةِ الخنزيرِ قائمةً مَقَامَ المبيعِ
لا مَقامَ الخنزيرِ كما ذكروهُ في الشُّفْعةِ: فيما لو اشترى داراً بخنزيرٍ وشفيعُها مسلمٌ يأخذُها بقيمةٍ
الخنزيرِ، وتكونُ قائمةً مَقامَ الدَّارِ، فتأمَّل.
[١٩٨١٧) (قولُهُ: وكذا لو شَراهُ إلخ) أي: ليسَ لمالكِهِ أخذُهُ، وهذا تقييدٌ لقولِ "المتنِ":
((وبالنَّمن إلخ)).
[١٩٨١٨] (قولُهُ: فلو بأقلَّ قَدْراً) كما لو كانَ النَّاجرُ اشترى قفيزَ برِّ بنصفِ قفيزِ منهُ.
[١٩٨١٩] (قولُهُ: أو أَرْدَى وَصْفاً) كأنِ اشترى قفيزاً جيّدً بأردى منهُ، وكذا لو بالعكسِ.
[١٩٨٢٠] (قولُهُ: وليسَ برباً؛ لأَنَّهُ فِداءٌ) أي: لا عِوَضٌ، وهذا راجعٌ إلى قولِهِ: ((فلو بأقلَّ
قَدْراً))، أمَّا الأَرْدَى وَصْفاً بعدَ التَّماثلِ في القَدْرِ لا يُتُوهَّمُ كونُهُ رِباً؛ لأنَّ حِيِّدَها ورديتَها سواءٌ.
[ ١٩٨٢١ ] (قولُهُ: ((وإنْ)) وصليّةٌ) أي: واصلةٌ ما بعدَها بِما قبلَها لا شرطيّةٌ.
[١٩٨٢٢] (قولُهُ: فَقَأَ عينَهُ) المناسبُ: أنْ يُرْسَمَ ((فَقَاً)) بالياءِ مبنيًّاً للمجهولِ، وصورةُ المسألةِ:
(١) في "أ": ((اشتراه)).
(٢) "ح": كتاب الجهاد - باب استيلاء الكفار ق ٢٦١/ب.
(٣) نقول: بل عبارة "الجوهرة": ((أخذه بقيمة العبد)) لا بقيمة الخمر، كما نقل عنها ابن عابدين رحمه الله، وعليه
فلا حاجة إلى استدراكه، انظر "الجوهرة النيرة": كتاب السِّير ٣٦٥/٢.
الجزء الثاني عشر
٦٢١
باب استيلاء الكفار
أو فَقَها المشترِي، فَيَأخذُهُ بكلِّ الثَّمنِ إنْ شاءَ؛ لأنَّ الأوصافَ لا يُقابلُها شيءٌ منه.
(والقولُ للمُشتري في مِقْدَارِهِ) أي: الثّمنِ (بيمينِهِ عند عدَمِ الْبُرْهانِ) لأنَّ البِّةَ مُبَيِّنَةٌ،
ولو بَرِهَنا فبِّنَةُ المالكِ أيضاً، خلافاً لـ "الثَّاني"، "نهر "(١).
إذا أَخَذَ الكَفَّارُ عبدً ودَخَلُوا بهِ دارَ الحربِ فاشتراهُ رجلٌ وأخرجَهُ إلى دارِ الإسلامِ فتُقِئَتْ عينُهُ
وَأَخَذَ أَرْشَها فإنَّ المولى يأخذُهُ بالَّمنِ الَّذي أخذَهُ بِهِ المُشترِي مِن العدوّ، ولا يأخذُ الأَرْشِرَ؛
لأنَّ الِلْكَ فيهِ صحيحٌ، فكانَ الأَرشُ حاصلاً في مِلْكِهِ، ولو أخذَهُ فإنَّا يأخذُهُ بمثلِهِ؛ لأنَّ الأرشَ
دراهمُ أو دنانيرُ، وتمامُهُ في "العناية"(٢).
[١٩٨٢٣) (قولُهُ: أو فَقَأَّها المشتري) أشارَ بهِ إلى قولِ "البحر"(٣): ((إِنّهُ لا فرقَ في الفاقئِ بينَ
أنْ يكونَ المشتريَ أو غيرَهُ)).
(١٩٨٢٤) (قولُهُ: لأنَّ الأوصافَ إلخ) أي: والعَيْنُ كالوصفِ؛ لأنَّ بها يَحْصُلُ وصفُ
الإبصارِ، وقد كانَتْ في مِلْكٍ صحيحٍ فلا يُقابِلُها شيءٌ منهُ، والعُقْرُ كالأرشِ، "نهر (٤).
[١٩٨٢٥) (قولُهُ: والقولُ للمشتري إلخ) لأَنَّهُ يُنكِرُ استحقاقَ الأخذِ بما يدَّعيهِ المالكُ القديمُ،
كالمشتري معَ الشَّفیعِ.
[ ١٩٨٢٦] (قولُهُ: لأنَّ البِّنَةَ مَبِّنةٌ) [٣/ ق١/٣٤] أي: مُظهرةٌ، وهو علَّةٌ لمقدَّرٍ، وهو: أمَّا عندَ
وُجُودِ البرهانِ مِن أحدِهما فُقْبُلُ؛ لأنَّ إلخ.
[١٩٨٢٧] (قولُهُ: أيضاً) أي: كما أنَّ بِيِّنَةَ المالكِ تُقْبُلُ إذا بَرِهَنَ وحدَهُ كما عُلِمَ مَّا قبلَهُ.
[١٩٨٢٨] (قولُهُ: خلافاً لـ " النَّانِي") فإنَّ البَيِّنَةَ عندَهُ بَيَِّةُ المشتري، ولا يخفى أنَّ الأوجهَ الأوَّلُ؛
لأنَّ البَِّةَ لإثباتِ خلافِ الظَّهرِ، والظَّاهرُ معَ مَن يكونُ القولُ قولَهُ، وهو المشتري، فبِّنَةُ المالكِ أقوى
(١) "النهر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ق٢٣٧/أ بتصرف.
(٢) انظر "العناية": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٥٨/٥ (هامش "فتح القدير").
(٣) "البحر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ١٠٥/٥.
(٤) "النهر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ق ٣٢٧/ب.
حاشية ابن عابدين
٦٢٢
باب استیلاء الكفار
(وإِنْ تكرَّرَ الأسرُ والشِّرَاءُ) بأنْ أُسِرَ ثانياً وشَرَاهُ آخَرُ (أَخذَ(١) المشتري (الأوَّلُ من
الثَّانِي بِثَمِنِه) حَبْرً؛ لوُرُودِ الأسرِ على مِلْكِهِ، فكان الأخذُ له (ثُمَّ يأخُذُ) المالِكُ (القديمُ
بالثّمَنَينِ إنْ شاءَ) لقيامِهِ عليه بهما، وقَبْلَ أخذِ الأوَّلِ لا يأخذُهُ القديمُ؛ كيلا يَضيعَ
......
الثَّمِنُ (ولا يَمْلِكُونَ حُرَّنا ومُدَّرَنا وَأُمَّ وَلَدِنا ومُكاتَبَنا) لِحُرِِّتِهم من وَجْهٍ، ..
الإِثباتِها خلافَهُ، هذا ما ظَهَرَ لي، فافهم.
[١٩٨٢٩] (قولُهُ: وإنْ تكرَّرَ الأَسْرُ والشِّرَاءُ) قَّدَ بالَّكُرُّرِ؛ لأنَّ المشتريَ الأوَّلَ لو وهَبَهُ كانَ
لمولاهُ أخذُهُ مِن الموهوبِ لهُ بقيمِهِ، كما لو وهبَهُ الكافرُ لمسلمٍ، "فتح"(٢).
[١٩٨٣٠) (قولُهُ: لوُرُودِ الأَسْرِ على مِلْكِهِ) أي: على مِلْكِ المشتري الأوَّلِ فكانَ الأخذُ لهُ،
حَتّى لو أبى أنْ يأخذَهُ لم يلزمِ المشتريّ الَّانِيَ إعطاؤهُ للأوَّلِ(٢)، "فتح "(٤).
(١٩٨٣١] (قولُهُ: ثمَّ يأخُذُ المالِكُ القديمُ) أي: ثُمَّ بعدَ أخذِ المشتري الأوَّلِ مِن المشتري الثّاني
إذا أرادَ المالكُ الأَوَّلُ أنْ يأخذَهُ مِن المشتري الأوَّلِ يأخذُهُ بِالثَّمِنِينِ.
/١٩٨٣٢) (قولُهُ: وقبلَ أَخْذِ الأَوَّلِ) الظَرفُ متعلّقٌ بِمَا بعدَهُ، وهو قولُهُ: ((لا يأخذُهُ القديمُ))،
قالَ في "الَّهرِ"(٥): ((أي: لا يأخذُهُ المالكُ القديمُ مِن الَّني ولو كانَ الأَوَّلُ غائباً أو حاضراً أَبَى
عن أخذِهِ؛ لأنَّ الأسرَ ما وَرَدَ على مِنْكِهِ)).
[١٩٨٣٣] (قولُهُ: كيلا يضيعَ الثَّمنُ) أي: على المشتري الأوَّلِ.
[١٩٨٣٤) (قولُهُ: ومدَبَّرَنا) ظاهرٌ في المدبَّرِ المطلقِ، أمَّا المقيدُ: فهل يَمْلِكونَهُ أَوْ لا؟
وفي تعليلِ "المصنّف"- بأنَّ الاستيلاءَ إنّا يكونُ سبباً للمِلْكِ إذا لاقَى مَحَلاَّ قابلاً للمِلْكِ - إشارةٌ
٢٤٥/٣
(١) في "د": ((أخذه)).
(٢) "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٦٠/٥.
(٣) عبارة "الفتح": ((لم يلزم المشتري الثاني إعطاؤه للمولى الأول)) وهي أوضح، والله أعلم.
(٤) "الفتح": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ٢٦٠/٥ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب السِّير - باب استيلاء الكفار ق ٣٢٧/ب.