النص المفهرس

صفحات 261-280

الجزء الثاني عشر
٢٦١
بابُ التَّعزير
والسَّرقةِ وضربِ النَّاسِ أحبسُهُ وأُخَلِّدُهُ في السِّجنِ حتى يتوبَ؛ لأنَّ شرَّ هذا على الناسِ
وشرَّ الأَوَّلِ على نفسِهِ)). (شَتَمَ مسلمٌ ذمّاً عُزِّرَ)؛ لأَنَّه ارتكبَ معصيةً، وتَقِيدُ مسائلٍ
الشَّتْمِ بالمسلمِ اتّفاقِيٌّ، "فتح"(١). وفي "القنيةِ"(٢): قالَ ليهوديٍّ أو مجوسيُّ: يا كافرُ يأْتُمُ
إِنْ شقَّ عليهِ، ومقتضاهُ: أَنّه يُعزَّرُ لارتكابهِ الإِثْمَ، "بحر"(٣)، وأقرَّه "المصنّفُ"(٤). لكنْ نَظَرَ
فيه في "النهرِ"(٥)، ..
[١٩٠٢٥) (قولُهُ: والسَّرقةِ وضربِ النَّاسِ) الظَّاهرُ: أنَّ الواوَ بمعنى ((أو)) الصدقِ التَّعليلِ على
كلِّ فردٍ بخصوصِهِ، "ط " (٦).
[١٩٠٢٦] (قولُهُ: حَتَّى يتوبَ) المرادُ: حتّى تظهرَ أَماراتُ تويتِهِ؛ إذ لا وقوفَ لنا على
حقيقتِها، ولا يُقدَّرُ بستةٍ أشهر؛ إذ قد تحصُّلُ النَّوبةُ قبلَها، وقد لا تظهرُ بعدَها، كذا حقَّقَهُ
"الطََّسوسيّ"، وأقرَّهُ "ابنُ الشَّحنة"(٧).
[١٩٠٢٧] (قولُهُ: وتقييدُ مسائلِ الشَّمِ) أي: الواقعِ في "الكنز "(٨) و"الهداية"(٩)، وهذا ذكرَهُ في
"البحر "(١٠) و"الَّهرِ"( ١١)، وأَّذي في "الفتح"(١٢) الاقتصارُ على ما قبلَهُ مِن المسألةِ وتعليلها، ذكرَ
ذلكَ آخرَ البابِ.
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٩/٥.
(٢) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - فصل في الاستحلال وردِّ المظالم ق ٧٦/أ.
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
(٤) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣١/أ.
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق٣١١/أ.
(٦) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢ بتصرف.
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصلٌ من كتاب الحدود - في مسائل السرقة ق١٣٢/أ.
(٨) "انظر شرح العيني على الكنز": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٩٢/١.
(٩) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٦/٢.
(١٠) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
(١١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
(١٢) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٩/٥.

حاشية ابن عابدين
٢٦٢
بابُ التَّعزير
قلتُ: ولعلَّ وجهَهُ ما مرَّ(١) في: يا فاسقُ، فتأمَّل. (ُيُعَزِّرُ المولى عبدَهُ، والزَّوجُ زوجَتَهُ)
ولو صغيرةً لِا سيجيءُ(٢) (على تركِها الزِّينةَ) الشرعيَّةَ مع قدرتها عليها،
(و) تركِها (غُسْلَ الجنابةِ، ..
[١٩٠٢٨) (قولُهُ: ولعلَّ وجهَهُ ما مرَّ في: يا فاسقُ) أي: مِن أَنَّهُ ألحقَ الشَّيْنَ بنفسِهِ قبلَ قولٍ
القائلِ، وأشارَ بقولِهِ: ((فتأمَّل)) إلى ضعفِ هذا الوجهِ، فإنَّهُ وإنْ كانَ ألحقَهُ بنفسِهِ لكِنَّا التَّزَمنا بعقدٍ
الذّمَّةِ معهُ أنْ لا نُؤْذَهُ. اهـ "ح"(٣)، وقد يُقالُ: إِنَّهُ وصفَهُ بما هو فيهِ فهو صادقٌ، كقولِهِ للفاسقِ:
يا فاسقُ معَ أَنَّهُ قد يَشُقُّ عليهِ إلاَّ أنْ يُفرَّقَ بأنَّ اليهوديَّ مثلاً لا يعتقِدُ في نفسِهِ أَنَّهُ كافرٌ، فتأمَّل.
[١٩٠٢٩] (قولُهُ: يُعَزِّرُ المولى عبدَهُ) قالَ في "الفتح"(٤): ((وإذا أساءَ العبدُ الأدبَ حلَّ لمولاهُ
تأديبُهُ، وكذا الزَّوجةُ)).
[١٩٠٣٠) (قولُهُ: لِما سيجيءُ) أي: مِن أنَّ الصِّغْرَ لا يمنعُ وجوبَ الَّعزيرِ.
(١٩٠٣١] (قولُهُ: الشَّرعيّةَ إلخ) احترازٌ عمَّا لو أمرَها بنحوِ لُبْسِ الرِّجالِ أو بالوَشمِ، وعمَّا لو
كانَت لا تُقْدِرُ عليها لمرضٍ أو إحرامٍ أو عدمٍ ملكِها أو نحوِ ذلكَ.
(١٩٠٣٢) (قولُهُ: وتركِها غُسْلَ الجنابةِ) أي: إنْ كانَت مسلمةً، بخلافِ الذِّمَّةِ لعدمِ خطابِها بِهِ،
ويمنعُها مِن الخروجِ إلى الكنائِسِ، "ط"(٥) عن "حاشية الشِّلبِيِّ" (٦).
(قولُ "الشَّارحِ": وتركِها غُسْلَ الجنابةِ إلخ) في "حاشيةِ الزَّلعيِّ": ((تركُ الغُسْلِ من الجنابةِ
والحيضِ بمنزلةِ تركِ الصَّلاةِ)).
(١) صـ ٢٣١ - "در".
(٢) صـ ٢٦٧ - "در".
(٣) "ح": كتاب الحدود - باب التعزير ق ٢٥٥/أ - ب بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٩/٥.
(٥) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢ بتصرف.
(٦) "حاشية الشِّلْبي على تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.

الجزء الثاني عشر
٢٦٣
بابُ التَّعزير
و) على (الخروج من المنزلِ) لو بغيرِ حقّ، (وتركِ الإجابةِ إلى الفراشِ) لو طاهرةً من نحوٍ
حيضٍ، ويُلحَقُ بذلكَ ما لو ضَرَبَتْ ولدَها الصَّغيرَ عندَ بكائِهِ، أو ضَرَبت جارِيَتَه غَيْرَةً ..
[١٩٠٣٣) (قولُهُ: وعلى الخروجِ مِن المنزلِ) أي: بغيرِ إذنهِ بعدَ إيفاءِ المهر.
[١٩٠٣٤) (قولُهُ: لو بغيرِ حقٍّ) فلو بحقِّ فلها الخروجُ بلا إذنِهِ، وتقدَّمَ (١) بيانُهُ فِي النَّفقاتِ.
[١٩٠٣٥) (قولُهُ: لو طاهرةً إلخ) أي: وكانَت خاليةً عن صومٍ فرضٍ، "ط)(٢) عن "المفتاح".
/١٩٠٣٦] (قولُهُ: ويُلحَقُ بذلكَ إلخ) أشارَ إلى أنَّ تعزيرَ الزَّوجِ لزوجتِهِ ليسَ خاصًاً بالمسائلِ
الأربعةِ المذكورةِ في المتونِ، ولذا قالَ في "الولوالجِيَّة"(٣): ((لهُ ضربُها على هذهِ الأربعةِ وما في
معناها))، وهو صريحُ الضَّابطِ [٤ /ق ١٨٧ /ب] الآتي(٤) أيضاً، وكذا ما نقلناهُ(٥) آنفاً عن "الفتح":
مِن أنَّ لهُ تأديبَ العبدِ والرَّوجةِ على إساءةِ الأدبِ، لكنْ - على القَولِ بأَنَّهُ لا يضرِبُها لتركِ
١٨٨/٣ الصَّلاةِ - يُخَصُّ الجوازُ بما لا تقتصِرُ منفعتُهُ عليها كما يفيدُهُ التَّعليلُ الآتي(٦) هناكَ.
[١٩٠٣٧] (قولُهُ: ما لو ضربَت ولدَها إلخ) هذهِ ذكرها في "البحر"(٧) بحثاً أَخذاً مِن مسألةٍ
ضربِ الجاريةِ، وقال (٨): ((فإنَّ ضربَ الدََّبَّةِ إذا كانَ ممنوعاً فهذا أَولى)).
[١٩٠٣٨) (قولُهُ: غَيرَةً) بفتحِ الغَينِ المعجمةِ، "ط)(٨)، وهو منصوبٌ على الحاليّةِ أو المصدرِيَّةِ
أو التَّمييزِ، تأمَّل.
(١) المقولة [١٥٩٠٧] قوله: ((بغير حق)).
(٢) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢.
(٣) "الولوالجية": كتاب النكاح - الفصل الخامس فيمن أحق بالولد والنكاح بغير ولي إلخ ق ٦٠/أ.
(٤ ) صـ ٢٦٥ - "در".
(٥) المقولة [١٩٠٢٩] قوله: ((يعزِّرُ المولى عبدَهُ)).
(٦) صـ ٢٦٥ - "در".
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٨) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢.

حاشية ابن عابدين
٢٦٤
بابُ التَّعزيرِ
ولا تَّعِظُ بوعظِهِ، أو شتَمَتْهُ ولو بنحوٍ: يا حمارُ، أو دَعَتْ عليهِ، أو مزَّقت ثيابَهُ، ...
[١٩٠٣٩] (قولُهُ: ولا تَنَّعِظُ بوعظِهِ) مُفادُهُ: أَنَّهُ لا يُعزِّرُها أوَّلَ مرَّةٍ، "ط)(١).
[١٩٠٤٠] (قولُهُ: أو شَتَمَتهُ إلخ) سواءٌ شَتَمَها أَوْ لا على قولِ العامَّةِ، "بحر "(٢)، وثبوتُ الَّعزيرِ
للزَّوْجِ بما ذَكَرَ إلى قولِهِ: ((والضَّابِطُ) غيرُ مصرَّحِ بِهِ، وإنَّا أَخذَهُ في "البحر "(٢) و"النّهر)"(٣) مِن
قَولِ "البزَّازِيَّةُ(٤) وغيرِها: ((لو قالَ لها: إنْ ضربتُكِ بلا جنايةٍ فأمرُكِ بيدِكِ، فَشتَمَتَهُ إلخ فضربَها
لا يكونُ الأمرُ بيدِها؛ لأنَّ ذلكَ كلَّهُ جنايةٌ))، قالَ في "الَّهر " (٥): ((وهو ظاهرٌ في أَنَّهُ لهُ تعزيرُها في
هذهِ المواضع)) اهـ.
قلت: وفيهِ: أَنَّهُ إذا كانَ ذلكَ جنايةً علَّقَ عليها الأمرَ لا يلزمُ منهُ أنْ يكونَ موجّبُهُ الَّعزيرَ؛ إذ
لو زنَت أو سرقَت فضربَها لم يَصِرِ الأمرُ بيدِها؛ لكونِهِ ضرباً بجنايةٍ معَ أنَّ هذهِ الجنايةَ لا تُوجِبُ
الَّعزيرَ، فالأَولى الاقتصارُ على الضَّابِطِ.
(١٩٠٤١] (قولُهُ: ولو بنحوٍ: يا حمارُ) ينبغي على ظاهرِ الرِّوايةِ عدمُ النَّعزيرِ في: يا حمارُ،
يا أَبلُهُ، وعلى القَولِ النَّنِي مِن أَنَّهُ يُعَزَّرُ إِنْ كانَ المقولُ لهُ مِن الأشرافِ، وإلاَّ لا ينبغي أنْ يفضَّلَ في
الزَّوجِ إلاّ أنْ يُفْرَّقَ بينَ الزَّوجةِ وغيرِها، والموضعُ يحتاجُ إلى تدُّرٍ وتأمُّلٍ، "نهر "(٥).
(قولُهُ: وفيه: أَنَّه إذا كانَ ذلكَ جنايةً علَّقَ عليها الأمرَ إلخ) لا يرِدُ مسألةُ الزِّنى والسَّرقةِ لِمَا أَنَّه
حصلَ الانتقالُ إلى ما هو أعلى من التعزير وهو الحدُّ، نعم يتوجَّهُ الاعتراضُ عليه لو وَجَدَ جنايةَ لا تعزيرَ
ولا حدَّ فيها، تأمَّل.
(١) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ـ فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٣) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق٣١٢/ب.
(٤) "البزازية": كتاب الطلاق - الفصل الرابع في الأمر باليد - مسائل الضرب ٢٣٧/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٢/ب.

الجزء الثاني عشر
٢٦٥
بابُ التَّعزير
أو كلَّمِنْهُ ليسمعَها أجنبيٌّ، أو كَشَفَتْ وجهَها لغيرِ محرَمٍ، أو كلِّمتْه، أو شتَمَتْه، أو
أَعطَت ما لم تَجْرِ العادةُ به بلا إذنِهِ، والضَّابطُ: كلُّ معصيةٍ لا حدَّ فيها فللزَّوجِ
والمولى التّعزيرُ، وليسَ منه ما لو طلَبَت نفقتَها أو كُسْوتهَا وألحَّت؛ لأنَّ لصاحبِ
الحقِّ مقالاً، "بحر"(١) و(لا على تركِ الصَّلاةِ)؛ لأنَّ المنفعةَ لا تعودُ عليه(٢) بل إليها، كذا
اعتمدَهُ "المصنّفُ" (٣) تبعاً لـ "الدُّرر" على خلافِ ما في "الكنزِ"(٤) و"الملتقى" (٥)، ......
قلت: يظهرُ لي الفرقُ بينَهما؛ إذ لا شكَّ أنَّ هذا إساءةُ أدبٍ منها في حقِّ زوجها الَّذي هو
لها كالسيِّدِ، وقدَّمنا(٦) عن "الفتح" أنَّ لهُ تعزيرَها بإساءةِ الأدبِ، تأمَّل.
(١٩٠٤٢) (قولُهُ: أو كَلَّمَنَهُ، أو شَتَمَتَهُ) الضَّمِيرُ لغيرِ المحرَمِ.
(١٩٠٤٣] (قولُهُ: والضَّابطُ إلخ) عزاهُ في "البحر)"(٧) إلى "البدائع"(٨) مِن فصلِ القَسْمِ بينَ النّساءِ،
قالَ(٩): ((وهو شاملٌ لِما كانَ متعلّقً بالزَّوجِ وبغيرِهِ)) اهـ. أي: سواءٌ كانَ جنايةً على الزَّوجِ أو غيرِهِ.
(١٩٠٤٤) (قولُهُ: ولا على تركِ الصَّلاةِ) عطفٌ على قولِهِ: ((وليسَ منهُ إلخ))؛ لأنَّهُ في معنَى:
لا يضرِبُها على طلبِ نفقتِها، "ط" (١٠).
[١٩٠٤٥) (قولُهُ: تبعاً لـ "الدُّررِ"(١١)) [٤ / ق١٨٨/أ) وكذا ذكرَهُ في "النّهاية" تبعاً لـ"كافي الحاكم"
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٢) في "و" و"د": ((إليه)).
(٣) "المنح": كتاب الحدود - باب التعزير ١/ق ٢٣٢/أ.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٩٣/١.
(٥) "ملتقى الأبحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٣٤٣/١.
(٦) المقولة [١٩٠٢٩] قوله: ((يعزِّرُ المولى عبدَهُ)).
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٨) "البدائع": كتاب النكاح - فصل: ومن أحكام النكاح الصحيح ولاية التأديبِ للزَّوجِ ٣٣٤/٢.
(٩) أي: صاحب "البحر".
(١٠) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢.
(١١) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصلٌ في التعزير ٧٧/٢.

حاشية ابن عابدين
٢٦٦
بابُ التَّعزير
واستظهرَه في حَظْرِ "المجتبى". (والأبُ يُعزِّرُ الابنَ عليه) وقدَّمنا: أنَّ للوليِّ ضربَ
ابنِ سبعٍ على الصَّلاةِ،.
كما في "البحر"(١)، وفيهِ(١) عن "القنية"(٢): ((ولا يجوزُ ضربُ أختِها الصَّغيرةِ الَّتي ليسَ لها وليٌّ
بتركِ الصَّلاةِ إِذا بلغَتَ عشْراً)).
[١٩٠٤٦] (قولُهُ: واستظهرَهُ) أي: ما في "الكنز" و"الملتقى" مِن أنَّ لهُ ضربَها على تركِ
الصَّلاةِ، وبِهِ قالَ كثيرٌ كما في "البحر"(٣).
[١٩٠٤٧) (قولُهُ: والأبُ يُعزِّرُ الابنَ عليهِ) أي: على تركِ الصَّلاةِ، ومثلُها الصَّومُ كما صرَّحوا
بِهِ، وتعليلُ "القنية" الآتي (٤) يُفيدُ أنَّ الأَمَّ كالأبِ، والظَّاهرُ: أنَّ الوَصِيَّ كذلكَ، وأنَّ المرادَ بالابنِ
الصَّغِيرُ بقرينةِ ما بعدَهُ، أمَّا الكبيرُ فكالأجنبيٍّ، نعم قدَّمَ (٥) "الشَّارح" في الحضانةِ عن "البحر ": ((أَنَّهُ
إذا لم يكنْ مأموناً على نفسِهِ فلهُ ضمُّهُ لدفعِ فتنةٍ أو عارٍ وتأديبُهُ إذا وقعَ منهُ شيءٌ)).
(فرعٌ)
في "فصول العلاَميِّ": ((إذا رأى منكراً مِن والدَيهِ يأمرُهما مرَّةً فإنْ قِبلا فبها، وإنْ كَرِها
سكتَ عنهما، واشتغلَ بالدُّعاء والاستغفارِ لهما، فإنَّ اللهَ تعالى يكفيهِ ما أَهمَّهُ مِن أمرِهما. لهُ أُمُّ
أَرملةٌ تخرجُ إلى وليمةٍ وإلى غيرِها، فخافَ ابْنُها عليها الفسادَ ليس لهُ منعُها، بل يرفعُ أمرَها للحاكمِ
ليمنعَها أو يأمرَهُ بمنعِها)).
[١٩٠٤٨) (قولُهُ: ابنِ سبعٍ) تبعَ فِيهِ "الَّهر "(٦)، وَالَّذِي قدَّمَهُ(٧) في كتابِ الصَّلاةِ: ((أَمْرُ ابنِ سبعٍ
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٢) لم نعثر عليها في مظانّها من "القنية".
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٤) صـ ٢٦٧ - "در".
(٥) ٤٦٩/١٠ "در".
(٦) "النهر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ق ٣١٢/ب.
(٧) ٤٦٦/٢ "در".

الجزء الثاني عشر
٢٦٧
بابُ التَّعزيرِ
ويُلحَقُ به الزَّوجُ، "نهر"(١). وفي "القنيةِ"(٢): ((له إكراهُ طفِلِهِ على تَعلَّمِ قرآنٍ،
وأدبٍ، وعلمٍ، لفرضَّتِهِ على الوالدينِ، وله ضربُ اليتيمٍ فيما يَضرِبُ ولدَهُ)).
(الصِّغَرُ لا يمنعُ وجوبَ التّعزيرِ) فيجري بينَ الصِّبيان،.
وضربُ ابنِ عشرٍ)) اهـ. "ح"(٣)، وهكذا ذكرَهُ "القُهستانيُّ)(٤) عن "الملتقطِ"، والمرادُ ضربُهُ بيدٍ
لا بخشبةٍ كما تقدَّمَ (٥) هناكَ.
[١٩٠٤٩] (قولُهُ: ويُلحَقُ بِهِ الزَّوجُ) فلهُ ضربُ زوجتِهِ الصَّغيرةِ على الصَّلاةِ كالأبِ.
(١٩٠٥٠] (قولُهُ: وفي "القنية" إلخ) وفيها (٦) عن "الرَّوضة": ((ولو أمرَ غيرَهَ بضربِ عبدِهِ حلَّ
للمأمورِ ضربُهُ بخلاف الحرِّ، قالَ: فهذا تنصيصٌ على عدمِ جوازِ ضربِ ولدِ الآمرِ بأمرِهِ، بخلافِ
المُعلِّمِ؛ لأنَّ المأمورَ يضرِبُهُ نيابةً عن الأبِ لمصلحةٍ، والمُعلِّمُ يضرِبُهُ بحكمِ الملكِ بتمليكِ أبيهِ
لمصلحةٍ(٧) الولدِ)). اهـ، وهذا إذا لم يكنِ الضَّرَبُ فاحشاً كما يأتي(٨) في المتنِ قريباً.
[١٩٠٥١) (قولُهُ: فيجرِي بينَ الصِّانِ) أي: يُشرَعُ في حقّهم كما عبَّرَ "الرَّيلعيُّ"(٩)، وهل
يُضْرَبُ تعزيراً بمجرَّدٍ عقلِهِ، أو إذا بلغَ عشراً كما في ضرِبِهِ على الصَّلاةِ؟ لم أرَهُ، نعم في "البحر "(١٠)
عن "القنية" (١١): ((مراهقٌ شَتَمَ عالماً فعليهِ الَّعزيرُ)) اهـ. والظَّاهرُ: أنَّ المُرَاهَقَةَ غيرُ قِيدٍ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٢/ب.
(٢) لم نعثر عليها في مظانها من "القنية".
(٣) "ح": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٢٥٥/ب.
(٤) "جامع الرموز": كتاب الحدود - فصل في القذف ٣٠٠/٢.
(٥) ٤٦٦/٢ "در".
(٦) لم نعثر عليها في مظانّها من "القنية".
(٧) في "الأصل": ((بمصلحته)).
(٨) صـ ٢٧٠ - "در".
(٩) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(١٠) "البحر": كتاب الحدود - باب حد القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(١١) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ.

حاشية ابن عابدين
٢٦٨
بابُ الَّعزيرِ
(و) هذا لو حقَّ عبدٍ، أمّا (لو كانَ حقَّ اللهِ) تعالى بأنْ زنى أو سرَقَ (مَنَعَ) الصِّغَرُ
منه، "مجتبی"
(تنبيةٌ)
في شهاداتِ "البحر" (١) لم أرَ حكمَ الصَّبِيِّ إذا وَجَبَ النَّعزيرُ عليهِ للتَّأديبِ فبلغَ، ونقلَ
"الفخر الرَّزيّ"(٢) عن "الشَّافِعَّةُ" سقوطَهُ لزجرِهِ [٤/ق١٨٨ /ب] بالبلوغِ. ومقتضَى ما في "اليتيمة"(٣)
مِن كتابِ السِّيرِ: ((أَنَّ الذِّمِّيَّ إذا وجبَ الَّعزيرُ عليهِ فأسلمَ لم يَسقُطْ عنهُ)) اهـ. قالَ "الخيرُ
الرَّمليُّ": ((لا وجهَ لسقوطِهِ خصوصاً إذا كانَ حقَّ آدميٍّ)).
[١٩٠٥٢) (قولُهُ: وهذا لو كانَ حقَّ عبدٍ إلخ) بهذا وفَّقَ صاحبُ "المجتبى"- بينَ قولٍ
"السَّخِسيّ"(٤): ((إنَّ الصَّغْرَ لا يمنعُ وجوبَ الَّعزِيرِ))، وقولِ "النُرجِماني "(٥): يمنعُ - بحملِ الأوَّلِ
على حقِّ العبدِ والثّاني على حقِّهِ تعالى، كما إذا شرِبَ الصَّبيُ أو زنى أو سرقَ، وأقرَّهُ في
"البحر" (٦) و"النَّهر"(٧)، وتبعَهُمْ"المصنّف" (٨).
قلت: لكنْ يُشْكِلُ عليهِ ضربُهُ على تركِ الصَّلاةِ، بل وردَ أَنَّهُ تُضرَبُ الدَّابَّةُ على النّغارِ
(قولُهُ: لكنْ يُشْكِلُ عليه ضربُهُ على تركِ الصَّلاةِ إلخ) قد يُقالُ: ضربُهُ على تركِ الصَّلاةِ ليسَ تعزيراً بل
ليتمرَّنَ عليها، وقالَ "الرَّحِمَتِيُّ": إنَّا يمنَعُ الصِّعْرُ من التَّعزيرِ في حقّهِ تعالى من إقامةِ الإمامِ أو نوَّابِهِ؛ لأَنَّه غيرُ
مكلّفٍ، ولكنْ لأبيهِ إقامةُ ذلكَ لِما تقدَّمَ عن "القنية"، وكذا لمرِّي اليتيمِ على ما مرَّ.
(١) "البحر": باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل بالزنى ٧٩/٧ -٨٠.
(٢) "التفسير الكبير": (سورة النساء - الآية: ٤-٥) ١٥٥/٢٣.
(٣) في "الأصل" : ((القنية)).
(٤) "المبسوط": كتاب الحدود - باب الإقرار بالزنى ٨٢/٩.
(٥) في "ب" و"م": ((التَّرجمان))، وما أثبتناه من "الأصل" و"آ" هو الموافق لما في كتب التراجم، وقد تقدَّمت
ترجمته ٨٤/٩.
(٦) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٧) "النهر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ق ٣١٢/ب.
(٨) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق٢٣٢/ب.

الجزء الثاني عشر
٢٦٩
بابُ التَّعزير
(مَن حُدَّ أو عُزِّرَ فهَلَكَ فدمُهُ هَدَرٌ إلَّ امرأةً عزَّرَها زوجُها) بمثل ما مرَّ(١)
(فماتتْ)؛ لأنَّ تأديبَهُ مباحٌ، فيتقَّدُ بشرطِ السَّلامةِ،
لا على العِثارِ، فتأمَّل.
[١٩٠٥٣) (قولُهُ: مَن حُدَّ أو عُزِّرَ) أي: مَن حدَّهُ الإِمامُ أو عزَّرَهُ كما في "الهداية"(٢).
[١٩٠٥٤] (قولُهُ: فدمُهُ هَدَرّ) أي: عندَنا ومالكٍ وأحمدَ، خلافاً لـ "الشَّافعيِّ"؛ لأنَّ الإِمامَ مأمورٌ
بالحدّ والَنَّعزيرِ، وفعلُ المأمورِ لا يتقيَّدُ بشرطِ السَّلامةِ، وتمامُهُ في "الفتح"(٣) و"الَّبِينِ" (٤).
قلت: ومقتضى التّعليلِ بالأمرِ أنَّ ذلكَ غيرُ خاصٍّ بالإمامِ، فقد مرَّ(٥) أنَّ لكلِّ مسلمٍ إقامةً
النّعزيرِ حالَ مباشرةِ المعصيةِ؛ لأَنَّهُ مأمورٌ بإزالةِ المنكرِ، إلاَّ أنْ يُفرَّقَ بأَنَّهُ يَمكُنُهُ الرَّفْعُ إلى الإمامِ، فلم
تتعَيَّنِ الإِقامةُ عليهِ بخلافِ الإِمامِ، فتأمَّل.
١٨٩/٣
[١٩٠٥٥) (قولُهُ: بمثلٍ ما مرَّ) أي: مِن الأشياءِ الَّتِي يُباحُ لهُ تعزيرُهُ فيها، "ط) (٦).
[١٩٠٥٦) (قولُهُ: فيتقيّدُ بشرطِ السَّلامةِ) أي: كالمرورِ في الطَّريقِ ونحوِهِ، وَأُوردَ ما لو جامعَ
امرأتَهُ فماتَت أو أفضاها فإِنَّهُ لا يَضمنُ عندَ أبي حنيفةً"و"أبي يوسف" معَ أَنَّهُ مباحٌ، وأجيبَ:
بأَنَّهُ يَضْمَنُ المهرَ بذلكَ، فلو وجَبَتِ الدِّيةُ لوجبَ ضمانانٍ بمضمونٍ واحدٍ، "نهر "(٧).
(قولُهُ: فقد مرَّ أنَّ لكلِّ مسلمٍ إقامةَ التَّعزيرِ حالَ مباشرةِ المعصيةِ إلخ) ما مرَّ إِنَّا يُفِيدُ أنَّ لكلِّ
مسلمٍ إقامتَهُ حالَ المباشرةِ لا وجوبَهُ، فهو نظيرُ الزَّوجِ لا نظيرُ الإِمامِ لوجوبِ إقامةِ الحدِّ والتّعزيرِ عليه.
(قولُهُ: وأجيبَ: بأنَّه يَضْمَنُ المهرَ إلخ) في هذا الجوابِ تأمُّلٌ، فإنَّ لو قلنا بلزومِهِ لا نقولُ: إنَّه في
مقابلةِ الوطءِ، بل هو في مقابلةِ إتلافِ النَّفسِ، ووجوبُ المهرِ بابتداءِ الفعلِ .
(١) صـ٢٦٢ - وما بعدها "در".
(٢) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٧/٢.
(٣) انظر "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٨/٥.
(٤) انظر "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(٥) صـ ٢٢٢ - "در".
(٦) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٦/٢.
(٧) "النهر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ق ٣١٢/ب.

حاشية ابن عابدين
٢٧٠
بابُ التَّعزير
قال "المصنّفُ"(١) رحمه الله تعالى: ((وبهذا ظَهَرَ أَنَّه لا يجبُ على الزَّوجِ ضربُ
زوجته أصلاً)). (ادَّعت على زوجها ضرباً فاحشاً وثبتَ ذلك عليه عُزِّرَ، كما لو
ضربَ المعلِّمُ الصبيَّ ضرباً فاحشاً) فإنَّه يُعزَّرُ، وَيَضْمَنُهُ لو ماتَ، "شمِنِّي".
.....
[١٩٠٥٧) (قولُهُ: قالَ "المصنّفُ") أخذَهُ مِن كلامٍ شيخِهِ في "البحر "(٢).
[١٩٠٥٨] (قولُهُ: وبهذا) أي: التَّعليلِ المذكورِ.
[١٩٠٥٩] (قولُهُ: ضرباً فاحشاً) قَيَّدَ بهِ؛ لأَنَّهُ ليسَ لهُ أنْ يضربَها في التّأديبِ ضرباً فاحشاً،
وهو الَّذي يَكْسِرُ العظمَ أو يَخْرِقُ الجلد أو يُسوِّدُهُ كما في "النَّتر خائَّةَ"(٣)، قالَ في "البحر"(٤).
((وصرَّحوا بأَنَّهُ إذا ضربَها بغيرِ حقِّ وجبَ عليهِ الَّعزيرُ)) اهـ أي: وإنْ لم يكنْ فاحشاً.
(١٩٠٦٠) (قولُهُ: وَيَضْمَنُهُ لو ماتَ) ظاهرُهُ: تقييدُ الضَّمانِ بما إذا كانَ الضَّربُ فاحشاً،
ويُخالفُهُ إطلاقُ الضَّمانِ في "الفتح"(٥) وغيرِهِ، حيثُ قالَ(٥): ((وذكر "الحاكم": لا يضرِبُ
امرأتَهُ على تركِ الصَّلاةِ ويضربُ ابنَهُ، وكذا المُعَلِّمُ إذا أدَّبَ الصَّبِيَّ فماتَ منهُ يَضْمَنُ عندَنا
والشَّافعيِّ)) اهـ.
(قولُهُ: ظاهرُهُ: تقييدُ الضَّمان بما إذا كانَ الضَّرَبُ فاحشاً) الظَّاهرُ: اعتمادُ هذا النَّقييدِ للتَّفصيلِ
الآتي في الجناياتِ، ويُحمَلُ كلامُهُ على ضربِ التّعليمِ فَإِنَّه هو الَّذِي يُفضَّلُ فيه، بخلافِ ضربِ التَّأديبِ
فإنَّ فيه الضَّمانَ مطلقً، ولا ينافي ذلكَ إطلاقُ الضَّمانِ في عبارةِ "الفتح" فإنَّه في التَّأديبِ، وما في "الدُّرِّ
المنتقى" في التَّأديبِ أيضاً بدليلٍ ذكرِهِ له في آخرِ عبارتِهِ عندَ ذكرِ المخالفِ.
(١) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣٢/ب.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٣) لم نعثر عليها في مظانها في القسم المطبوع في نسخة "التاتر خانية" التي بين أيدينا.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٣/٥.
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٩/٥.

الجزء الثاني عشر
٢٧١
بابُ التَّعزير
وعن "الثَّاني": لو زادَ القاضي على مائةٍ فماتَ فنصفُ الدِّيَةِ في بيتِ المالِ؛ لقتلِهِ
بفعلٍ مأذونٍ فيه وغيرِ مأذونٍ، فينَنصَّفُ، "زيلعي"(١).
وقالَ في "الدُّر المنتقى"(٢): ((يضمنُ المعلمُ بضربِ الصَّبِيِّ، وقالَ مالكٌ وأحمدُ: لا يضمَنُ الزَّوجُ
ولا المُعَلِّمُ في [٤/ ق ١٨٩/ أ) الَّعزيرِ، ولا الأبُ في الَّأديبِ، ولا الجدُّ ولا الوصيُّ لو بضربٍ معتادٍ،
وإلاّ ضمنَهُ بإجماعِ الفقهاءِ)) اهـ. لكنْ سيأتي(٣) في الجناياتِ قبيلَ بابِ الشَّهادةِ في القتلِ تفصيلٌ،
وهو الضَّمانُ في ضربِ الَّأديبِ لا في ضربِ النَّعليمِ؛ لأَنَّهُ واجبٌ ما لم يكنْ ضرباً غيرَ معتادٍ، فَإِنَّهُ
موجبٌ للضَّمانِ مطلقاً، وسيأتي(٣) تمامُّهُ هناكَ.
(١٩٠٦١) (قولُهُ: وعن الثَّاني إلخ) عبارةُ الرَّيلعيِّ(٤) هكذا: ((ورويَ عن"أبي يوسف" أنَّ
القاضيَ إذا لم يزدْ في التَّعزيرِ على مائةٍ لا يجبُ عليهِ الضَّمانُ إذا كان يرى ذلكَ؛ لأَنَّهُ قد وردَ أنَّ
أكثرَ مَا عَزَّروا بهِ مائةٌ(*)، فإنْ زادَ على مائةٍ فساتَ يجبُ نصفُ الدِّيّةِ على بيتِ المالِ؛ لأنَّ ما زادَ
على المائةِ غيرُ مأذونٍ فِيهِ، فحصلَ القتلُ بفعلٍ مأذونٍ فيهِ وبفعلٍ غيرِ مأذونٍ فيهِ فيتنصَّفُ)) اهـ.
فَعُلِمَ أنَّ الكلامَ في القاضي الَّذي يرى ذلكَ اجتهاداً أَو تقليداً، وقدَّمنا (٦) أوَّلَ البابِ استدلالَ أتْمِتِنا
بحديثِ: ((مَن بلَغَ حدَّاً في غيرِ حدٍّ فهو مِن المعتدِينَ). ومقتضَى ما قرَّرناهُ هناكَ وجوبُ الضَّمان
إذا تعدَّى بالزِّيادةِ مطلقاً، وأنَّ هذهِ الرِّوايةَ غيرُ معتمدةٍ عندَ الكلِّ، فافهم.
(قولُهُ: ومقتضى ما قرَّرناهُ هناكَ: وجوبُ الضَّمانِ إلخ) الظَّاهرُ: أنَّ المرادَ ضمانُ نصفِ الدِّيةِ
اللَّعليلِ الَّذي ذكرَهُ.
(قولُهُ: إذا تعدَّى بالزِّيادةِ مطلقاً إلخ) أي: زادَ على المائةِ أوْ لا، لكنْ لا يظهَرُ ضَعْفُ هذهِ الرِّوایةِ،
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣ بتصرف.
(٢) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٦١٣/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) انظر الدر عند المقولة [٣٥١١٧] قوله: ((ومحله الضرب المعتاد)).
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢١١/٣.
(٥) في "آ": ((مائة سوطٍ))، بزيادة ((سوط)).
(٦) المقولة [١٨٨٧٣] قوله: ((أكثره تسعة وثلاثون سوطاً)).

حاشية ابن عابدين
٢٧٢
بابُ التَّعزيرِ
(فروعٌ)
ارتدَّت لُفارِقَ زوجَها تُحِبَرُ على الإِسلامِ، وَتُعزَّرُ خمسةً وسبعينَ سوطاً،
ولا تتزوَّجُ بغيرِهِ، به يُفتى، "ملتقط". ارتحلَ إلى مذهبِ "الشافعيّ" يُعزَّرُ(١)، "سراجية"(٢)
[١٩٠٦٢) (قولُهُ: وَتُعزَّرُ خمسةً وسبعينَ) جَرى على ظاهرِ الرِّوايةِ عن أبي يوسف"، وقدَّمنا(٣)
ترجيحَ قولِهما: أنَّهُ لا يبلغُ النَّعزيرُ أربعينَ.
[١٩٠٦٣] (قولُهُ: ولا تتزوَّجُ بغيرِهِ) بل تقدَّمَ(٤) أنّها تُجَبَرُ على تجديدِ النّكَاحِ مهرٍ يسيرِ،
وهذهِ إِحدى رواياتٍ ثلاثٍ تقدَّمَت في الطَّلاقِ، الثَّانِيةُ أَنَّها لا تَبِينُ ردًّاً لقصدِها السَّيءِ، الثّالثةُ:
ما في "النَّوادر" مِن أَنَّهُ يتمَّكُها رقيقةً إنْ كانَ مصرِفاً، "ط(٥).
مطلبٌ فيما إذا ارتحلَ إلى غيرِ مذهبِهِ
[١٩٠٦٤] (قولُهُ: ارتحلَ إلى مذهبِ "الشَّافِعِيِّ " يُعزَّرُ) أي: إذا كانَ ارتحالُهُ لا لغرضٍ محمودٍ
شرعاً؛ لِما في "النَّاتر خانيَّةً"(٦): ((حُكِيَ أنَّ رجلاً مِن أصحابِ "أبي حنيفةً" خطَبَ إلى رجلٍ
فإنّه إذا كانَ يرى ذلكَ وضَرَبَهُ مائَةً فأقلَّ فماتَ صادفَ فعلُهُ فَصْلاً مجتهداً فيه، فلا وجهَ لضعفٍ
القولِ بعدمِ الضَّمانِ، وإنْ ضَرَبَهُ زائداً على المائةِ يضمَنُ النّصفَ لِما ذكرَهُ.
(قولُهُ: أي: إذا كانَ ارتجالُهُ لا لغرضٍ محمودٍ إلخ) قد أطالَ العلاَّمةُ "السِّندِيُّ" القولَ في هذهِ
المسألةِ إطالةً حسنةً رحمهُ اللهُ تعالى فانظرُهُ، ونقلَ عن "الرَّحمتيِّ" أنَّ هذا إذا كانَ كراهةً لِما انتقلَ عنهُ،
وحينئذٍ ينبغي أنْ يكونَ لا فرقَ بينَ مذهبٍ ومذهبٍ.
(١) نقول: يتوجَّبُ على الأخ القارئ أن لا يقف عند كلام الشَّارح "الحصكفي" في هذا، وأن يقرأ كلام العلامة "ابن
عابدين" رحمه الله تعالى في شرح هذه الفقرة إلى نهايته، والله الموفق للصواب.
(٢) "السراجية": كتاب الحدود - باب حدِّ التعزير ٣٦٨/١ (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٣) المقولة [١٨٨٧٣] قوله: ((أكثره تسعة وثلاثون سوطاً)).
(٤) ٦٤٨/٨ "در".
(٥) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٧/٢.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٤٥/٥.

الجزء الثاني عشر
٢٧٣
بابُ التَّعزيرِ
مِن أصحابِ الحديثِ ابنتَهُ في عهدٍ "أبي بكرِ الجَوْزَ جَانيّ"، فأَبِى إلاَّ أنْ يتركَ مذهَبَهُ فيقرأَ خلفَ
الإمامِ ويرفعَ يدَيهِ عندَ الانحطاطِ ونحوَ ذلكَ، فأجابَهُ فزوَّجَهُ، فقالَ الشَّيخُ بعد ما سُئِلَ عن هذهِ
وأطرقَ رأسَهُ: النكاحُ جائزٌ ولكنْ أخافُ عليهِ أنْ يذهبَ إيمانُهُ وقتَ الَّرْعِ؛ لأَنَّهُ استخفَّ بمذهبِهِ
الَّذي هو حقٌّ عندَهُ، وتركَهُ لأجلِ حِيْفَةٍ مُنْنَةٍ، ولو أنَّ رجلاً بَرِئَ مِن مذهبِهِ باجتهادٍ وضُحَ لهُ
كانَ محموداً مأجوراً، أمَّا انتقالُ غيرِهِ مِن غيرِ دليلٍ بل لِما يرغبُ مِن عرضِ الدُّنيا (٤ ق ١٨٩ /ب]
وشهوتِها فهو المذمومُ الآتِمُ المستوجِبُ للَّأديبِ والتَّعزيرِ؛ لارتكابِهِ المنكرَ في الدِّينِ واستخفافِهِ بدينِهِ
ومذهبهِ)) اهـ. ملخَّصاً، وفيها (١) عن "الفتاوى النَّسفيَّة": ((الثباتُ على مذهبِ"أبي حنيفةً" خيرٌ
وأَولى، قالَ: وهذهِ الكلمةُ أقربُ إلى الأُلفةِ)) اهـ. وفي آخرِ "الَّحرير "(٢) للمحقّقِ"ابنِ الهمام":
((مسألةٌ: لا يرجعُ فيما قَلَّدَ فيهِ، أي: عَمِلَ بِهِ اتفاقاً، وهل يُقَلِّدُ غيرَهُ في غيرِهِ؟ المختارُ: نعم؛ للقطعِ
بأَنَّهم كانوا يستفتون مرَّةً واحداً ومرّةً غيرَهُ غيرَ ملتزمينَ مفتيًّاً واحدً، فلو التزمَ مذهباً معيناً كـ آبي
حنيفةً" و "الشَّافِعِيِّ"، فقيلَ: يلزمُ، وقيلَ: لا، وقيلَ: مثلُ مَن لم يلتزمُ، وهو الغالبُ على الظَّنِّ لعدمِ
ما يوجبُهُ شرعاً)) اهـ. ملخَّصاً، قالَ شارحُهُ المحقّقُ "ابنُ أمير حاجٌ (٣): ((بل الدَّليلُ الشَّرعيُّ
اقتضى العملَ بقولِ المجتهدِ وتقليدَهُ فيهِ فيما احتاجَ إليهِ وهو: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل - ٤٣]،
والسؤالُ إنَّا يتحقَّقُ عندَ طلبِ حكمِ الحادثةِ المعَّنَةِ، فإذا ثبتَ عندَهُ قولُ المجتهدِ وجبَ عملُهُ بِهِ،
وأمَّا التزامُهُ فلم يَغْبُتْ مِن السَّمِعِ اعتبارُهُ مُلْزِماً، إنَّما ذلكَ في الَّذِ(٤)، ولا فرقَ في ذلكَ بينَ أنْ
يلتزمَهُ بلفظِهِ أو بقلبِهِ، على أنَّ قولَ القائلِ مثلاً: فَلَّدتُ فلاناً فيما أفتى بهِ تعليقُ النَّقْلِيدِ و(٥)الوعدُ
بهِ، ذكرَهُ "المصنّف" (٦))) اهـ.
(١) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٤٤/٥.
(٢) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه إلخ صـ ٥٥١ ..
(٣) "التقرير والتحبير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه إلخ ٣٥١/٣ بتصرف.
(٤) في "الأصل": ((الذكر)).
(٥) في "التقرير والتحبير": ((أو الوعد)).
(٦) أي: صاحب "التحرير".

حاشية ابن عابدين
٢٧٤
بابُ التَّعزير
قَذَفَ بالتَّعريضِ يُعَزَّرُ، "حاوي"(١). زَنَى بامرأةٍ مَيَِّةٍ يُعَزَّرُ، "إختيار"(٢). ادَّعى على
آخرَ أَنَّه وَطِئَ أمَتَهُ وحَبلت فَنَقَصَت فإنْ بَرِهَنَ.
مطلبٌ: العامِّيُّ لا مذهبَ لهُ
١٩٠/٣
قلت: وأيضاً قالوا: العامِّيُّ لا مذهبَ لهُ، بل مذهبُهُ مذهبُ مفتيهِ، وعلَّهُ في شرحٍ
"التّحرير"(٣): ((بأنَّ المذهبَ إِنَّا يكونُ لَمن لهُ نوعُ نظرٍ واستدلالٍ وبَصَرٍ بالمذاهبِ على حَسَبِهِ، أو
لمن قرأ كتاباً في فروعِ ذلكَ المذهبِ، وعَرَفَ فتاوى إمامِهِ وأقوالَهُ، وأمَّا غيرُهُ ثَمّن قالَ: أنا حنفيٌّ أو
شافعيٌّ لم يَصِرْ كذلكَ بمجرَّدِ القولِ كقولِهِ: أنا فقيةٌ أو نحويٌّ)) اهـ. وتقدَّمَ (٤) تمامُ ذلكَ في المقدّمةِ
أوَّلَ هذا الشَّرِحِ، وإِّ أطلنا في ذلكَ لئلاّ يغترَّ بعضُ الجهلةِ بما يقعُ في الكتبِ مِن إطلاقِ بعضٍ
العباراتِ الموهمةِ خلافَ المرادِ، فيحملَهم على تنقيصِ الأئمَّةِ المجتهدينَ، فإنَّ العلماءَ حاشاهم الله
تعالى أنْ يريدوا الازدراءَ بمذهبِ "الشَّافعيّ" أو غيرِهِ، بل يطلقونَ تلكَ العباراتِ بالمنعِ مِن الانتقالِ
خوفاً مِن التَّلاعبِ بمذاهبِ المجتهدينَ نفعنا اللهُ تعالى بهم، وأماتنا على حبِّهم آمين، يدلُّ لذلكَ ما
في "القنية"(٥) [٤/ق١/١٩٠] رامزاً لبعضِ كتبِ المذهبِ: ((ليسَ للعامِّيِّ أنْ يتحوَّلَ مِن مذهبٍ إلى
مذهبٍ، ويستوي فيهِ الحنفيُّ والشَّافعيُّ)) اهـ. وسيأتي(٦) إنْ شاءَ اللهُ تعالى تمامُ ذلكَ في فصلِ
القَبولِ مِن الشَّهاداتِ.
[١٩٠٦٥] (قولُهُ: قذَفَ بالتَّعريضِ) كأنْ قالَ: أنا لستُ بزانٍ يُعزَّرُ؛ لأنَّ الحدَّ سقطَ للشُّبهةِ،
(١) "الحاوي القدسي": كتاب الحدود - باب حدِّ التعزير ق ١٥٥/أ.
(٢) "الإختيار": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل حكم القذف بغير الزنى ٩٦/٤.
(٣) "التقرير والتحبير": الباب الخامس في القياس - المقالة الثالثة: في الاجتهاد وما يتبعه إلخ - مسألة: لا يرجع المقلّد
فيما قلَّد اتفاقاً ٣٥١/٣.
(٤) المقولة [٣٢٣] قوله: ((قلنا إلخ)).
(٥) "القنية": كتاب الكراهية والاستحسان - باب في الانتقال من مذهب إلى مذهب ق٦٨/ب.
(٦) المقولة [٢٦٩٨٩] قوله: ((من مذهب أبي حنيفة)).

الجزء الثاني عشر
٢٧٥
بابُ التَّعزير
فَلَهُ قيمةُ النُّقصان، وإنْ حَلَفَ خَصمُهُ فلهُ تعزيرُ المدَّعِي، "منية". وفي "الأشباه"(١):
((حَدَعَ امرأةً إنسانٍ وأخرجَها وزوَّجَها يُحبَسُ حتّى يَتُوبَ أو يموتَ لسعيهِ في
الأرضِ بالفسادِ. مَن لهُ دعوى على آخرَ فلم يجدْهُ فأمسَكَ أهلَهُ للظَّلَمَةِ فحَبَسُوهم
وغرَّمُوهم عُزِّرَ. يُعزَّرُ على الورعِ الباردِ كتعريفِ نحوِ تمرةٍ.
وقد ألحقَ الشَّيْنَ بالمخاطَبِ؛ لأنَّ المعنى: بل أنتَ زان فُعزَّرُ، وظاهرُ النَّقييدِ بالقذفِ أَنَّهُ لو شتمَ
بالتَّعريضِ لا يُعَزَّرُ.
[١٩٠٦٦) (قولُهُ: فلهُ قيمةُ النَّقصانِ) أي: لهُ قدرُ ما نقصَ مِن قيمِتِها، ولم يذكرْ أَنَّهُ يُحَدُّ أو
لا، لعلمِهِ ثَّا مَّ(٢) في بابِهِ، وتقدَّمَ(٢) قبيلَ بابِ الشَّهادةِ على الزِّنى: ((ما لو زَنى بأْمَةٍ فقتلَها أَنَّهُ
يجبُ الحدّ والقيمةُ بالقتلِ))، وفي إفضائِها تفصيلٌ طويلٌ.
[١٩٠٦٧] (قولُهُ: وإنْ حلفَ خصمُهُ) أي: عندَ عدمِ البرهانِ.
[١٩٠٦٨] (قولُهُ: حَتَّى يتوبَ أو يموتَ) عبارةُ غيرِهِ: ((حَتَّى يردّها))، وفي "الهندية(٤)
وغيرِها: ((قالَ "محمَّد": أَحبسُهُ أبداً حتّى يردَّها أو يموتَ)).
[١٩٠٦٩] (قولُهُ: يُعزَّرُ على الورعِ البارِدِ إلخ) قالَ في "النَّتِرِ خانيَّةً "(٥): ((رويَ أنَّ رجلاً وجدَ
تمرةً ملقاةً فأخذَها وعرَّفَها مراراً، ومرادُهُ إظهارُ ورعِهِ وديانِتِهِ، فقالَ لهُ عمرُ رضي الله تعالى عنهُ:
كُلْهَا يا باردَ الوَرَعِ، فَإِنَّهُ وَرَعٌ يُبْغِضُهُ اللهُ تعالى، وضربَهُ بالدِّرةِ)) (٦) اهـ.
(قولُهُ: وظاهرُ النَّقييدِ بالقذفِ أَنَّه لو شتمَ بالتَّعريضِ لا يُعزَّرُ) لكنَّ العلّةَ المذكورةَ تُفِيدُ أنَّه يُعزَّرُ.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني الفوائد - كتاب الحدود والتعزير صـ٢١٨ - نقلاً عن "الولوالجية".
(٢) صـ ١٠١ - "در".
(٣) صـ ١٠٠ - "در".
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١٧٠/٢.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٣٩/٥.
(٦) لم نجده فيما بين أيدينا من المصادر الحديثية.

حاشية ابن عابدين
٢٧٦
بابُ التَّعزير
التَّعزيرُ لا يَسْقِطُ بالنّوبةِ كالحدِّ))، ثمَّ قالَ: ((واستثنى الشافعيُّ ذوي الهيئاتٍ))
قلتُ: قد قدَّمناهُ لأصحابنا عنِ "القنيةِ" وغيرِها، وزادَ "الناطفيُّ" في "أجناسِه": ((ما
لم يتكرَّرْ فُيُضْرَبُ التّعزِيرَ))، وفي الحديثِ: ((تجافوا عن عقوبةِ ذوي الْمُرُوءةِ إلاّ في
الحدِّ)). وفي "شرحِ الجامعِ الصغيرِ"(١) لـ "المناوي" الشافعيِّ.
قلت: وبهِ عُلِمَ أنَّ المرادَ ما كانَ على وجهِ الرِّياءِ، كما أفادَهُ بقولِهِ: ((الباردِ))، فافهم، فلو
كانَ مِن أهلِ الورعِ فهو ممدوحٌ، كما نُقِلَ أنَّ امرأةً سألَت بعضَ الأئمَّةِ عن الغَزْلِ على ضَوْءِ
العَسَسِ حينَ يَمُرُّ على بيتِها، فقالَ: مَن أنتِ؟ فقالت: أنا أختُ "بشر الحافي" فقال لها: لا تفعلي
فإنَّ الورعَ خرجَ مِن بِينِكُم.
١٩٠٧٠١ ] (قولُهُ: التَّعزيرُ لا يَسْقطُ بالتّوبةِ) لِما مرَّ(٢) أنَّ الذّمِّيَّ إذا لزمَهُ النَّعزيرُ فأسلمَ
لم يَسْقُطْ عنهُ، لكنْ هذا مقَّدٌ بما إذا كانَ حقاً لعبدٍ، أمَّا ما وجبَ حقاً للهِ تعالى فإنَّهُ يَسقُطُ كما
في شهاداتِ "البحر"(٣)، "حَمَويّ" على "الأشباه"(٣).
[١٩٠٧١) (قولُهُ: قلتُ: قد قدَّمناهُ لأصحابنا إلخ) تقدَّمَ(٤) ذلكَ عندَ قولِهِ: ((والشَّهادةُ على
الشَّهادةِ))، وهذا جوابٌ لقولِ "الأشباه"(٥): ((ولم أرَهُ لأصحابِنا)) اهـ.
قلت: وفي كفالةِ "كافي الحاكم الشَّهيد": ((وإذا كانَ المدَّعى عليهِ رجلاً لهُ مُرُوءَةٌ وخَطَرٌ
استحسنتُ أنْ لا أحبسَهُ ولا أُعرِّرَهُ إذا كانَ ذلكَ أوَّلَ مَا فَعَلَ، وذكرَ عن "الحسن" رضي الله تعالى
عنهُ عن رسولِ اللهِ وَ﴾: ((تجافَوا عن عقوبةِ ذي المروءةِ إلَّ في الحدودِ(٦)))) اهـ. [٤ /ق ١٩٠ /ب]
(١) فيض القدير": ١٢٣/١.
(٢) المقولة [١٩٠٥١] قوله: ((فيجري بين الصبيان)).
(٣) نقول: انتهى نقل "الحموي" عن "البحر" عند قوله: ((لم يسقط عنه))، وتتمة الكلام يفهم من كلام "البحر" في مواضع
عدَّة من فصل التعزير ٤٩/٥، وانظر "غمز عيون البصائر": الفن الثاني - كتاب الحدود والتعازير ١٨٤/٢.
(٤) صـ ٢٥٢ - "در".
(٥) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني - كتاب الحدود والتعزير صـ٢١٨ -.
(٦) أخرجه ابن المَرْزُبان في "المروءة" رقم (٩) من طريق علي بن سليمان عن الفضل بن نوح عن الحسن مرسلا
((َتَحَافُوا عن عقوبة ذوي المروءات ما لم يقع حدّ، وإذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرموه)).
=

الجزء الثاني عشر
٢٧٧
بابُ التَّعزير
= وأخرجه ابن المَرْزُ بان أيضاً (٧)، والطحاوي في "بيان مشكل الآثار" (٢٣٧٨)، والطبراني في "مكارم
الأخلاق"(٦٢)، وأبو الشيخ في كتاب "الحدود" كما في "التلخيص" ٨٠/٤، من طريق عبد الصمد بن النُّعمان
وموسى بن دواد عن محمد بن عبد العزيز عن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده قال: قال
رسول الله ◌ُ له: ((تجافوا عن عقوبة ذوي المروءة - وهو ذو الصلاح -))، لكنَّ محمد بن عبد العزيز قال البخاريُّ:
منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وخطؤه ظاهر واضح، فقد رواه ابن أبي ذئب وابن المبارك وإبراهيم بن
محمد على خلاف بينهم عن عبد العزيز بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عَمرة عن
عائشة، وسيأتي.
وأخرجه السَّهمِيّ في "تاريخ جُرجان" صـ ٦٤ ١-، وابن الأعرابي في "معجمه" (ق٣٣/آ) من طريق محمد بن غالب تَمْنَام
حدثنا عبد الصمد بن النَّعمان حدثنا الماجشُون عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنَّ النبيِ ◌ّ قال: ((أَقيلوا ذوي الهيآتِ
عثراتهم))، وهذا أيضاً خطأ وتصحيف، فعبد الصمد وإن وثّقه ابن معين وابن حبان إلا أن الدارقطني قال: ليس بالقوي،
ولا أدري كيف رُكِب هذا الإسناد، لكنَّ الماجشون اسمه عبد العزيز بن عبد الله أيضاً، فلعله ظنَّه الماجشون، فرواه عن
عبد الله بن دينار عن ابن عمر فسلك الجادّة، والعجبُ ممن صحَّحه مع وضوح علته.
وأخرجه الطبراني في "الصغير" (٨٨٣) من طريق محمد بن كثير بن مروان الفهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد
عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه مرفوعاً ((تَحَافُوا عن عقوبة ذوي المروءة إلا في حدود الله وَّ)).
ومحمد بن كثير هذا: قال ابن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: روى بواطيلَ والبلاءُ منه.
وأخرج أبو دواد (٤٣٧٦) في الحدود - باب العفو عن الحدود فيما لم يبلغ السلطان، والنسائي ٧٠/٨، و"الكبرى"(٧٣٧٢)
(٧٣٧٣) في قطع السارق - باب ما يكون حِرْزاً وما لا يكون، والطبراني في "الأوسط" (٦٢١٢)، وابن عدي ٢٩٧/١-٢٩٨
والدار قطني ١١٣/٣، وابن أبي عاصم في "الديات" ٥٢/١، والحاكم في " المستدرك" ٣٨٣/٤ في الحدود، والبيهقي ٣٣١/٨
من طريق الوليد وابن وهب وإسماعيل بن عيَّش ومسلم بن خالد كلهم عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده
عبد الله بن عمرو أنَّ النبي ◌َّ قال: ((تَعَافُوا الحدود فيما بينكم فما بلغني عن حدٍ فقد وجب)).
قال الدار قطني: اتفق مسلم وابن عياش فوصلاه عن ابن جريج، وأرسله عبد الرزاق عنه وعن المثنى وتابعهما ابن عُلِّية.
أخرجه عبد الرزاق (١٨٩٣٧) في اللقطة - باب ستر المسلم، عن ابن جريج والمثنى قالا: أخبرنا عمرو بن شعيب
عن رسول اللـه مُ﴿ ... فذكره مرسلاً، وأخرجه أيضاً (١٨٥٩٧) عن ابن جريج أخبرنا عمرو بن شعيب خبراً
رفعه إلى عبد الله بن عمرو (ح) قال عبد الرزاق: وأما ابن المثنى فأخبرنا عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن
المسيب أن المزني سأل رسول الله ﴿ عن ضالة الغنم وقَطعِ السارق ...... في حديث طويلٍ، ثم قال: وقال
رسول اللهمح لل: ((تَعَافُوا الحدود ... )) فذكره، وهذا ظاهر الإرسال، لكنَّه أدرج الإسنادين، فقد أخرجه عبد
الرزاق (١٣٨٠٦) في الحدود - باب الأب يفتري على ابنه، أخبرنا ابن جريج عن النبي مرسلاً.
وأخرجه الدار قطني ١١٣/٣ من طريق إسماعيل بن عُلَيَّة عن ابن جريج عن عمرو بن شُعيب قال رسول اللّه ◌ِصَلّ
... مرسلاً، ونلاحظ أنَّ كل من رواه عن ابن جريج موصولاً لم يصرح فيها بالتحديث، بينما صرَّح بذلك في روايته المرسلة
لعبد الرزاق وإسماعيل، ومع ذلك قال ابن حجر في "فتح الباري" ١٠٦/١٢: وصححه الحاكم، وسندُهُ إلى عمرو بن =

حاشية ابن عابدين
٢٧٨
بابُ التَّعزير
وقالَ "البيريُّ": ((وفي الأجناسِ عن كفالةِ "الأصلِ"(١): لو ادَّعى [٤/ق ١٩٠ /ب] قِبَلَ إنسان شتيمةً
فاحشةً، أو أنَّهُ ضربَهُ عُرِّرَ أسواطاً، وإنْ كانَ المدَّعى عليهِ رجلاًّ لهُ مُرُوءَةٌ وخَطَرٌ استحسَنتُ أَنَّهُ
لا يُعزَّرُ إذا كان أوَّلَ مَا فَعَلَ، وفي "نوادرِ ابنِ رُسْتُمْ"(٢) عن "محمَّد": وُعِظَ حَتَّى لا يعودَ إليهِ، فإنْ
عادَ وتكرَّرَ منهُ ضُرِبَ الَّعزيرَ، قلتُ لـ"محمَّد": وَالْمُرُوءَةُ عندَكَ في الدِّينِ وَالصَّلاحِ؟ قالَ: نعم، وفي
"التُّمرتاشيّ"(٣): إنْ كانَ لهُ خَطَرٌ ومُرُوءَةٌ فالقياسُ أنْ يُعزَّرَ، وفي الاستحسان لا إنْ كانَ أوَّلَ
ما فَعَلَ، فَإِنْ فَعَلَ أي: مرَّةً أخرى عُلِمَ أَنَّهُ لم يكنْ ذَا مُرُوءَةٍ، والْمُرُوءَةُ مُرُوءَةٌ شرعيّةٌ وعقليّةٌ
رسميَّةٌ)) اهـ. ملخّصاً.
(تنبيةٌ)
قالَ "ابنُ حجر" في "الفتاوى الفقهيَّة"(٤): ((جاءَ الحديثُ مِن طرق كثيرةٍ مِن روايةِ جماعةٍ مِن
الصَّحابةِ بألفاظٍ مختلفةٍ منها: ((أَقيلوا ذوي الهيآتِ عثراتِهم إلاَّ الحدودَ(٥))، وفسَّرهم "الشَّافعيّ" (٦)
= شعيب صحيح. وأخرج ابن المرزُبان (٨) من طريق ابن أبي الدنيا عن بَقَّة عن إسماعيل بن عياش عن سليمان بن عمرو عن
أبي بكر بن حزم قال: قال رسول الله مُصْطَر.
والظاهر أن سليمان بن عمرو هذا هو أبو دواد النخعي المتهم، الفاحش الغلط، وسيأتي الصواب عن أبي بكر بن حزم في
إسناده ومتنه، ومخالفته هذه لا تُؤثّر.
وأخرجه ابن المَرْزُبان (١٠) من طريق يعلى بن الحكم عن القاسم بن الفضل عن جعفر الصادق قال رسول الله حصل:
((تجافوا لذوي المروءة عَثَراتِهم، فوالذي نفسي بيده إنَّ أحدهم ليعثُر وإنَّ يدَه لفي يدِ الله رَّ))، وأخرجه ابن
المَرْزُبان (١١) عن الواقدي عن ابن أبي سَبْرة قال: رُفع إلى عمر جناية فقيل: يا أمير المؤمنين إن له مروءةً، قال:
استوهبوهُ من خصمه، فإنَّ النبي ◌ُّلي قال: ((اهتبلوا العفو عن عثرات ذوي المروءات))، والواقدي متروك.
(١) لم نجده في القسم المطبوع من كتاب "الأصل".
(٢) "النوادر": لأبي بكر إبراهيم بن رُسْتُم المَرْوَزِيّ (ت٢١١هـ). (كشف الظنون" ١٩٨٠/٢، "الجواهر المضية" ٨٠/١،
"الطبقات السنّة" ١٩٤/١، "الفوائد البهية" صـ ٩-).
(٣) أي: في "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ق ٢٣١/ب.
(٤) "الفتاوى الفقهية": باب التعازير وضمان الولادة ٢٣٨/٤.
(٥) راجع التخريج السابق صـ ٢٧٧ -..
(٦) "الأم": كتاب الحدود - باب الوقف على العقوبة والعفو عنها ١٤٥/٦.

الجزء الثاني عشر
٢٧٩
بابُ التَّعزير
في حديثٍ: («اتقِ اللهَ لا تأتي يومَ القيامةِ ببعيرٍ تحمِلُهُ على رقَبَتِكَ.
بأَنَّهم الَّذِينَ لا يُعرفونَ بِالشَّرِ فيزلُّ أحدُهم الزَّلَةَ فَيُتْرَكُ، وقيلَ: هم أصحابُ الصَّغَائِ دونَ الكبائرِ،
وقيلَ: الَّذين إذا وقعَ منهمُ الذَّبُ تابوا، والأَوَّلُ أظهرُ وأَمتنُ)). اهـ ملخَّصاً.
قلت: وقولُ أئمتنا: ((إذا كانَ أوَّلَ مَا فَعَلَ)) يشيرُ إلى التَّفسيرِ الأَوَّلِ، وكذا ما مرَّ(١) مِن
تفسيرِ المُرُوعِةِ.
(١٩٠٧٢] (قولُهُ: في حديث: (أَتَّقِ اللهَ لا تأتي إلخ))) لفظُ "الجامعِ الصَّغِيرِ"(٢): («اتّقِ اللهَ
(١) المقولة [١٩٠١١] قوله: ((ذا مروءة)).
(٢) "الجامع الصغير" ٢٣/١. أخرجه أبو يوسف في "الخراج" ص ٨١ - حدثنا بعض مشايخنا عن طاوس مرسلا.
وأخرجه الشافعي في "الأم" ٧٥/٢ في الزكاة - باب غُلُول الصدقة، والحميدي في "مسنده" ٣٩٧/٢ عن سفيان ين
عيينة عن ابن طاوس عن أبيه قال: ثمَّ استعمل رسول الله صَلَّ عُبادة بن الصامت على الصدقة ثمَّ قال له: ((اتق الله يا
أبا الوليد أن تأتي يوم القيامة ببعير تحملُه على رقبتك له رغاء))، أخرجه البيهقي في "الكبرى" ١٥٨/٤ في الزكاة -
باب غلول الصدقة من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن طاوس عن أبيه عن عُبادة، فذكره موصولاً.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "الترغيب والترهيب" ٣١٦/١، وقال: إسناده صحيح، وقال الهيثمي في
"المجمع" ٨٦/٣: ورجاله رجالُ الصحيح. وسنشير إلى الأحاديث التي فيها التشهير بالغالِّ يوم القيامة، فمنها :
ما أخرجه أبو داود (٢٩٤٧) في الخراج والفيء والإمارة - باب في غلول الصدقة، من طريق أبي الجهم عن أبي
مسعود الأنصاري قال: بعثني رسول الله ﴿ ساعياً، ثمَّ قال: ((انطلِق أبا مسعود، لا أُلْفِينِّكَ يومَ القيامة نجيئُ
وعلى ظهركَ بعيرٌ من إبل الصدقةِ له رغاءٌ قد غلَلْتَه))، قال: إذاً لا أنطلق، قال: ((إذا لا أُكرهُك)).
وأخرجه أحمد ٢٨٥/٥، والبزار في "مسنده" (٣٧٣٧)، والطبراني (٥٣٦٣) من طريق حميد بن هلال عن
سعيد بن المسيب عن سعد بن عبادة أن رسول اللـه ◌ُحَ .... فذكر نحو حديث أبي مسعود، قال البزار: إسناده
حسنٌ، لكن قال الهيثمي في "المجمع" ٨٥/٣: رجاله ثقات، إلا أن سعيد بن المسيب لم يرَ سعدَ بن عُبادة.
وأخرج ابن حبان (٣٢٧٠) في الزكاة - ذكر الزجر عن أن يكون المرء مصَدِّقاً للأمراء، والبزار (٨٩٨) "كشف
الأستار"، والحاكم ٣٩٩/١ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع عن ابن عمر أن النبيمُ لّ بعث سعد بن
عبادة ... فذكره، وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطهما.
وأخرجه البخاري (٣٠٧٣) في الجهاد - باب الغُلُول، ومسلم (١٨٣١) في الإمارة - باب غِلَظ تحريم الغُلُول، وأحمد
٤٢٦/٢، وغيرهم من طريق أبي حيّان عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ◌ِ ﴾
فذكرَ الغُلُول فعظُّم أمرَه، ثمّ قال: (( يا أيها النَّاس، لا أُلْفَيَنَّ أحدَكم يومَ القيامة على رقبته شاةٌ لها يُعارٌ ... ، لا أُلْفَيَنَّ
أحدَكم يومَ القيامة على رقبته بعيرٌ له رُغاءٌ .... ، فرسٌ ... ، نفسٌ لها صياحٌ ... ، رِقَاعٌ تخفقُ ... ، صامتٌ ... ، فأقول لا
أملكُ لك من الله شيئاً قد أبلغتُكَ)) مختصر.

حاشية ابن عابدين
٢٨٠
بابُ التَّعزيرِ
لهُ رُغَاءٌ أو بقرةٍ لها خُوَارٌ أو شاةٍ لها تُوَاجٌ)) ..
يا أبا الوليدٍ)، وقولُهُ: ((لا تأتي)) أصلُهُ: ((لئلاَّ تأتيَ)) فحذفَ اللَّمَ، كذا في "المناوي"(١)،
!! _"(٢)
ح
قلت: مقتضاهُ: أنَّ ((تأتي)) منصوبٌ بأن المضمرةِ بعدَ اللَّمِ المقدَّرةِ، معَ أنَّ شرطَ إضمارِ
((أَنْ)) عدمُ وجودِ ((لا)) بعدَها مثلُ: ﴿ لِنَعْلَمَ أَىُّالْحِزْبَنِ أَحْصَىَ﴾ [الكهف -١٢]، فلو وُجِدَت امتنعَ
الإضمارُ مثلُ: ﴿الِثَلََّيَعْلَمَ ﴾ [الحديد -٢٩] إلاّ أنْ يُقالَ: سوَّغَ ذلكَ عدمُ النَّصريحِ باللّمِ النَّعليِيَّةِ،
لكنَّهُ يتوقَّفُ على كون الرِّوايةِ بالنّصبِ، وإلَّ فالأظهرُ أَنَّهُ نفيّ بمعنى النّهي، مثلُ:
﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ بَ﴾ [البقرة - ١٩٧] أو نهيّ والياءُ للإشباعِ، وعلى كلُّ فهو نهيٌ عن المسبَّبِ،
والمرادُ النَّهيُّ عن السَّبِ، مثلُ: ﴿ وَلَا نَقْتُلُوْأَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء - ٢٩] ﴿لَا يَفْئَِنَّكُمُ الشَّيْطَنُ﴾
[الأعراف - ٢٧] أي: لا تفعلُوا سببَ القتلِ والفتنةِ، وهنا المرادُ النَّهيُّ عن منعِ زكاةِ المواشي،
أو السَّرْقَةِ الَّتي هي سببُ الإتيانِ بِما ذُكِرَ، وعلى هذا النَّقريرِ يظهرُ في الحديثِ نُكَاتٌ لطيفةٌ
لا تخفى على المتأمِّل، فافهم.
/١٩٠٧٣ ] (قولُهُ: لهُ رُغَاءُ إلخ) الرُّغَاءُ صوتُ الإبلِ، كما أنَّ الْخُوارَ صوتُ البقرِ، وَالْتُؤَاجَ
- بالنَّاءِ المثلّةِ المضمومةِ وبعدَها همزةٌ مفتوحةٌ ممدودةٌ ثُمَّ جيمٌ - صوتُ الغنمِ، "ط)(٣).
١٩١/٣
= وأخرج البخاري (٢٥٩٧) في الهبة - باب من لم يقبل الهدية لِعلة، و(٧١٩٧) في الأحكام، باب محاسبة
الإِمام عمَّاله، ومسلم (١٨٣٢) في الإمارة - باب تحريم هدايا العمَّال، وأحمد ٤٢٣/٥، وأبو داود (٢٩٤٦) في
الخراج والفيء - باب في هدايا العمَّال، والحميدي (٨٤٠)، وابن خزيمة (٢٣٣٩) (٢٣٨٢)، وغيرهم من طريق
الزهري وهشام بن عروة وعبد الله بن ذكوان عن عروة بن الزبير عن أبي حُميد السَّاعدي في حديث ابن النَُّبَّة
حيث قال النبي ◌ٍغر في خطبته: ((والذي نفسي بيده، لا يأخذُ أحدٌ منكم شيئاً إلا جاءَ به يومَ القيامة يحملُه على
رقبته، إن كان بعيراً له رُغاءٌ، أو بقرةً لها خُوارٌ، أو شاةَ تَيْعرُ ... )).
وأخرج أحمد ٢٢٧/٥ وابنه عبد الله ٢٢٦/٥ والطيالسي (١٠٨٦) من طريق حَمَّاد عن قبيصة بن هُلْب الطَّائِيِّ
عن أبيه أنه سمع النبي مر ذكر الصدقة فقال: ((لا يجيئُ أحدُكم بشاة لها يُعار يومَ القيامة)).
(١) "فيض القدير": ١٢٣/١ نقلاً عن "الزمخشري".
(٢) "ح": كتاب الحدود - باب التعزير ق ٢٥٥ ب.
(٣) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٧/٢.