النص المفهرس
صفحات 221-240
الجزء الثاني عشر
٢١٩
بابُ التَّعزير
وأفتى "الناصحيُّ"(١) بوجوبِ قتلِ كلِّ مُؤْذٍ. وفي "شرحِ الوهبانيةِ"(٢): ((ويكونُ
بالنّفي عن البلدِ، وبالهجومِ على بيتِ المفسدينَ، وبالإخراجِ من الدَّارِ، وبهدمِها،
وكسرِ دِنَانِ الخمرِ.
[١٨٩٠٧) (قولُهُ: وأفْتَى "النَّصحيُّ" إلخ) لعلَّ الوجوبَ [٤/ ق١٧٨ /ب] بالنّظرِ للإمامِ ونوَّابِهِ،
والإباحةَ بالنّظرِ لغيرِهم، "ط) (٣).
[١٨٩٠٨] (قولُ: ويكونُ بالَّفي عن البلدِ) ومنهُ ما مرّ(٤) مِن نفي الزَّاني البكرِ، ونَفَى عمرُ نَظُه
"نصرَ بنَ حجاجٍ" لافتانِ النِّساءِ بجمالِهِ(٥)، وفي "النّهر"(٦) عن شرحِ "البخاري" لـ "العينيّ)(٢): ((أَنَّ
مَنْ آذى النَّاسَ يُنْفَى عن البلدِ)).
[١٨٩٠٩) (قولُهُ: وبالهجومِ إلخ) مِن بابِ (قعَدَ))، الدُّخولُ على غفلةٍ بغتةً، قالَ في "أحكام
١٨٠/٣ السِّياسة": ((وفي "المنتقى": وإذا سُمِعَ في دارِهِ صوتُ المزاميرِ فادخلْ عليهِ؛ لأَنَّهُ لَّا أسمعَ الصَّوتَ
فقد أسقطَ حرمةَ دارِهِ))، وفي حدودِ "البرَّازِيَّة(٨) وغصبِ "النّهاية" وجنايةِ "الدِّراية": ذكرَ
"الصَّدر الشَّهيد" عن أصحابِنا أَنَّهُ يُهدَمُ البيتُ على مَن اعتادَ الفسقَ وأنواعَ الفسادِ في دارِهِ، حَتّى
لا بأسَ بالهجومِ على بيتِ المفسدينَ، وهجمَ عمرُ رَّه على نائحةٍ في منزلِها وضربَها بالدِّرَّةِ حَتّى
سقطَ خمارُها، فقيلَ لهُ فيهِ، فقالَ: لا حرمةَ لها بعدَ اشتغالِها بالمحرَّمِ، والتحقَتْ بالإماءِ (٩)، ورُويَ
(١) أبو محمد، عبد الله بن الحسين النيسابوريّ المعروف بالناصحي، قاضي القضاة، وإمام المسلمين وشيخ الحنفية في
عصره (ت٤٤٧ هـ). ("تاج التراجم" صـ ١١٦-، "الجواهر المضية" ٣٠٥/٢، "الطبقات السنية" ١٦٥/٤).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الحدود ق ١٣١/أ بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١١/٢.
(٤) المقولة [١٨٤٣٤] قوله: ((إلا سياسةً وتعزيراً)).
(٥) "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية": صـ ١٦-، وانظر تخريجه في المقولة [١٨٤٣٢].
(٦) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٠/ب.
(٧) "عمدة القاري": ١٩٢/٢٠.
(٨) "البزازية": نوع مشتركة بين الحدود والجنايات ٤٣٠/٦ (هامش "الفتاوى الهندية")، وفيها: ((كلهنَّ حربيات))
بدل ((كأنهنَّ حربيات)).
(٩) أخرجَهُ عمرُ بن شبَّةَ في "تاريخ المدينة" ٧٩٩/٢ عن الأوزاعيِّ قال: بلَّغَني ((أَنَّ عمرَ رَّبُهُ سَمِعَ صوتَ بكاءِ =
حاشية ابن عابدين
٢٢٠
بابُ النَّعزيرِ
= في بيتٍ، فدخَلَ ومعه غيرُهُ، فأمالَ عليهم ضرباً حتى بلَغَ النائحةَ، فضرَبَها حتَّى سقَطَ خمارُها، فعدَلَ الرجلُ
فقال: اضربْ، فإنَّها نائحةٌ ولا حرمةَ لها، إنَّها لا تبكي بشَحْرِكم، إنَّها تُهرِقُ دموعَها على أخذِ دراهمِكم،
إِنَّها تؤذي أمواتَكم في قبورهم، وتؤذي أحياءَكم في دُوْرِهم، إنَّها تَنْهَى عن الصَّبر وقد أمَرَ الله به، وتأمُرُ
بِالْجَزَعِ وقد نهَىَ الله عنه))، وهذا معضلٌ.
وأخرَجَ عبدُ الرزاق في "مصنَّفه" (٦٦٨٢) عن إبراهيم بن محمَّدٍ - متروكٌ - عن عبدِ الكريم أبي أمَّة - متروكٌ -
حدَّثني نصرُ بن عاصمٍ: (( أنَّ عمرَ سَمِعَ نَوَّاحةً بالمدينةِ ليلاً فأتى عليها، فدخَلَ ففرَّقَ النساءَ .... )) نحوه دون
زيادةِ: ((إنّها لا تبكي ... )).
وأخرجه عبدُ الرزَّاق أيضاً (٦٦٨١) عن ابن عيينةَ عن عمرو بن دينارٍ قال: ((لَمَّا مات خالدُ بن الوليد اجتمَعَ
في بيتِ ميمونةَ نساءٌ يبكين، فجاء عمرُ ومعه ابنُ عبَّاسٍ ومعه الدِّرَّةُ، فقال: يا أبا عبد اللهُ، ادخُلْ على أمّ
المؤمنين فائمُرْها فلْتحتجِبْ وأَخرِ جْهِنَّ عَلَيَّ))، قال: ((فجعَلَ يُخرِجُهنَّ وهو يضربُهنَّ بالدِّرَّة ... )) نحوه، وليس
فيه أنَّه هحَمَ على البيت.
وكذلك ما أخرجَهُ عبدُ الرزّاق أيضاً (٦٦٨٠) وعنه إسحاقُ بن راهويه في "مسنده" كما في "المطالب العالية"
المسندةِ (٨٧٥) عن معمر عن الزُّهريِّ عن سعيد بن المسيّب قال: ((لَمَّا ماتَ أبو بكرٍ بُكيَ عليه .... ))، فقال
عمرُ لهشامٍ بن الوليد: ((قُمْ فَأَخرِجِ النساءَ، فقالت عائشةُ: إنّي أحرِّجُك، قال عمر: ادخُلْ فقد أَذِنْتُ لك،
فقالت عائشة: أمُخرِجِيْ أنتَ أيِّ بُنيَّ ؟! فقال : أمَّا لكِ فقد أذنتُ، قال: فجعَلَ يُخرِجُهنَّ عليه امرأةً امرأةً
وهو يَضرِبُهنَّ بالدِّرَّةِ حَتَّى أخرَجَ أمَّ فروةَ، فَرَّقَ بينهنَّ)).
وأخرجَهُ ابنُ سعدٍ (٣٢٠٨) عن يونسَ عن الزُّهريِّ عن سعيدٍ بنحوِهِ، وقد علَّقَهُ البخاريُّ قبل حديث
(٢٤٢٠) في الخصوماتِ: بابُ إخراجِ أهلِ المعاصي والخصومِ من البيوت، فقال: وقد أخرَجَ عمرُ أختَ أبي
بكر حين ناحَتْ.
وأخرَجَ البخاريُّ (١٣٠٤) في الجنائز: بابُ البكاء عند المريض، عن سعيد بن الحارث الأنصاريِّ عن
عبدالله بن عمرَ قال: ((اشتَكَى سعدُ بن عبادةَ، فأتاه النبيُّ {﴿ّ يزورُهُ))، وفيه: ((إنَّ الله لا يُعذّبُ بدمعِ
العينِ ولا بحزنِ القلب))، وكان عمرُ رضي الله عنه يَضرِبُ فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويَحثي
بالتُّرابِ.
الجزء الثاني عشر
٢٢١
بابُ التَّعْزِيرِ
وإن مَلَّحوها،.
أنَّ الفقيهَ "أبا بكر البلخيَّ" خرجَ إلى الرُّستاقِ وكانَتِ النّساءُ على شطِّ النَّهرِ كاشفاتِ الرؤوسِ
والذّراعِ، فقيلَ لهُ: كيفَ فعلتَ هذا؟ فقالَ: لا حرمةَ لهنَّ إنَّ الشَّكُّ في إيمانِهِنَّ كأنّهنَّ حربباتٍ(١)،
وهكذا في جناياتِ "مجمع الفتاوى"، وذكرَ في كراهَيَةٍ "البزَّازيَّة"(٢) عن "الواقعات الحساميَّة":
((ويقدَّمُ إِبلاءُ العُذْرِ على (٣) مظهرِ الفسقِ بدارِهِ، فإنْ كفَّ فبها، وإلاَّ حبسَهُ الإِمامُ أو أدَّبُهُ أسواطً،
أو أزعجَهُ مِن دارِهِ، إذ الكلُّ يصلحُ تعزيرا،ً وعن عمرَّه أَنَّهُ أحرقَ بيتَ الخَمَّارِ(٤)، وعن "الصفّار
الزَّاهد": الأمرُ بتخريبِ دارِ الفاسقِ)).
[١٨٩١٠) (قولُهُ: وإنْ مَلَّحوها) أي: تُكسَرُ وإِنْ قالَ أصحابُها: نُلقي فيها مِلحاً لأجلٍ تخليلها،
(قولُهُ: وَيُقَدَّمُ إيلاءُ الْعُذْرِ إلخ) أي: سلبه.
(قولُهُ: وإنْ قالَ أصحابُها: نُلْقي فيها مِلحاً لأجلٍ تخليلِها إلخ) أو ألقَوه فيها بالفعلِ؛ لأنَّ المقصودَ
الزَّجرُ عن مثلِ هذا الفعلِ.
(١) نقول: لا شك أنَّ التمسُّكَ بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْفُرُوجَهُمْ﴾ أولى من الجنوح لرأي
أبي بكر البلخي.
(٢) "البزازية": الفصل الثاني: في العبادات - نوع في السلام ٣٥٦/٦ (هامش "الفتاوى الهندية")، دون عزو
لـ"الواقعات"، والعبارة فيها: ((وتقدَّم إبلاء للعذر)).
(٣) في "م": ((عن)).
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٢٦٧) باب ما يجوز لأهل الذّمة أن يُحْدِثُوا و(٢٨٧) حدثنا يحيى بن سعيد عن
عُبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: وجدَ عمرُ في بيت رجلٍ من ثقيف شراباً فأمر به فأُحرِق، وكان
يقال له رُوَيْشِد، فقال: أنت فويسق. بينما أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٥١) كتاب أهل الكتاب - باب بيع الخمر، أخبرنا
عبد الله بن عمر عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد (ح) ومعمر عن نافع عن صفية قالت: ((وجد عمر ... )) فذكرت نحوه،
و(١٧٠٣٥) في الأشربة - باب الريح فقال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع (ح) ومعمر عن أيوب عن صفية به، وهكذا
هو في "المصنف"وكأنه قد سقط (نافع) ففي (١٧٠٣٦) أنا معمر عن أيوب عن نافع عن صفية مثله، و(١٧٠٣٩) عن
عبدالقدوس عن نافع قال: ((وجد عمر ... )) منقطع، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" ٥٦/٥، والدُّولابي في "الكنى"
١٨٩/١ و"نسخة إبراهيم بن سعد" رواية كاتب الليث كما في "الإصابة" ٥٢٢/١، من طريق الليث وعبدالله بن جعفر بن
المِسْوَر بن مَخْرَمة وابن أبي ذئب ، كلّهم عن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أن عمر بن الخطاب حَرَّق
بيت رُوَيشد الثقفي وكان حانوتاً للشراب، وكان عمرُ قد نهاه، فلقد رأيته يلتهبُ كأنَّه جمرةٌ. وأخرج أبو عُبيد (٢٦٨) أن
علّاً حرَّق ناحيةً من الكوفة لأنَّ الخمرَ تُباع فيها. وانظر "الطرق الحكمية في السياسة الشرعية" صـ ١٦ -.
حاشية ابن عابدين
٢٢٢
بابُ التَّعزِيرِ
ولم يُنْقَلْ إحراقُ بِيتِهِ)). (ويَقِيمُهُ كلُّ مسلمٍ حالَ مباشرةِ المعصيةِ).
وفي كراهَة "البزَّازيَّةِ"(١): ((قالَ في "العيون" و"فتاوى النَّسفيّ": إِنَّهُ يُكسَرُ دنانُ الخمرِ
ولا يضمَنُ الكاسرُ، ولا يُكتفى بإلقاءِ الملحِ، وكذا مَن أراقَ خمورَ أهلَ الذِّمَّةِ وكسرَ دنانَها
وشقَّ زِقاقَها إنْ كانوا أظهرُوها بينَ المسلمينَ لا يَضْمنُ؛ لأَنَّهم لَّا أظهرُوها بيننا فقد أسقطوا
حرمتَها، وفي سِيَرِ "العيون": يضمنُ إلاَّ إذا كانَ إماماً يَرَى ذلكَ؛ لأَنَّهُ مُختَلَفٌ فِيهِ، وفي
المسلمِ يضمنُ الزِّقَّ(٢)، مسلمٌ في منزلِهِ دَنٌّ مِن خمرٍ يريدُ اتخاذَها خلاَّ يضمنُ الدَّنَّ عندَ الثَّاني،
وإنْ لم يردِ الاتخاذَ لا يضمَنُ عندَ الثَّاني، وذكرَ "الخصَّافُ))(٣) أنَّ الكسرَ لو بإذنِ الإِمامِ
لا يضمنُ، وإلاَّ يضمنُ، وأصلُهُ فيمَن كسرَ بَرْبَطَاً (٤) لمسلمٍ، والفتوى على قولِهما [٤ /ق١٧٩/أ]
في عدمِ الضَّمانِ)) اهـ.
١٨٩١١١) (قولُهُ: ولم يُنْقَلْ إحراقُ بِينِهِ) تقدَّمَ (٥) نقُلُهُ عن عمرَ في بيتِ الخمَّارِ، فالمرادُ أَنَّهُ
لم ينقلْ عن علمائِنا، لكنَّ ما مرَّ(٥) عن "الصَّفار" يُفيدُهُ.
[١٨٩١٢] (قولُهُ: ويُقِيمُهُ إلخ) أي: الَّعزيرَ الواجبَ حقّاً لله تعالى؛ لأَنَّهُ مِن بابِ إزالةِ المنكرِ،
والشَّارِعُ وَلَّى كلَّ أحدٍ ذلكَ حيثُ قَالَ ﴿: «مَن رأى منكم مُنْكراً فليغيِّرْهُ بيدِهِ، فإنْ لم يَسْتَطِعْ
(قولُهُ: فالمرادُ أَنَّه لم يُنْقَلْ عن علمائِنا إلخ) قلتُ: تقدَّمَ لـ"الشَّارِحِ" عن "الدُّر" في بابِ الوطِ الَّذي
لا يُوجِبُ الحدَّ أَنَّه في اللّواطةِ يُعزَّرُ بإحراقِ بِهِ وبغير ذلكَ، وذكرَ في "الهنديَّة" في البابِ السَّابِعَ عشرَ من
الكراهيةِ عن عمرَ نَّهِ أَنَّ أحرقَ بيتَ الخمَّارِ، وقد نقلَهُ "الحَمَويُّ" عن "البرْ جَنديّ". اهـ "سنديّ".
(١) "البزازية": كتاب الكراهية - الفصل الثاني: في العبادات - نوع في السلام ٣٥٦/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) في "اللسان" مادة ((زقق)): ((قال أبو حنيفة: الزِّقُّ: هو الذي يُنقل فيه الخمرُ، والجمع: أزقاقٌ وَأَزُقُّ)).
(٣) "شرح أدب القاضي": الباب الثلاثون في العدوى والإعداد ٣١١/٢.
(٤) في "المصباح المنير" مادة: ((َبَربط)): ((البَرْبَطُ مثالُ جَعْفَر: مِن ملاهي العَجَم، ولهذا قيل مُعرَّب، وقال ابن
"السِّكّيت" وغيرُهُ: والعربُ تسميه الِزْهَرِ والعُوْدِ)).
(٥) المقولة [١٨٩٠٩] قوله: ((وبالهجوم إلخ)).
الجزء الثاني عشر
٢٢٣
بابُ التَّعزير
"قنية" (و) أمَّا (بعدَه(١)) فـ (ليسَ ذلكَ لغيرِ الحاكمِ) والزوجِ والمَوْلى كما سيجيءُ(٢).
(فرعٌ)
مَن عليه النَّعزيرُ لو قالَ لرجلٍ: أَقِم عليَّ التعزيرَ ففعَلَهُ، ثم رُفِعَ للحاكمِ فَإِنَّه
يُحتسبُ به، "قنية"(٣)، وأقرَّه "المصنفُ" (٤)، ومثلُهُ في دعوى "الخانَيَّةِ"(٥)).
فبلسانِهِ)(٦) الحديثَ، بخلافِ الحدودِ لم يَنْبُتْ توليتُها إلاَّ للولاةِ، وبخلافِ التَّعزيرِ الّذي يجبُ حقّاً
للعبدِ بالقذفِ ونحوِهِ، فإنَّهُ لتوقُّقِهِ على الدَّعوى لا يُقِيِّمُهُ إلَّ الحاكمُ إلَّ أَنْ يُحَكِّمَا فِيهِ. اهـ "قُتَح)(٧).
[١٨٩١٣] (قولُهُ: "قنية") هذا العزوُ لقولِهِ: ((حالَ مباشرةِ المعصيةِ))، وأمَّا قولُهُ: ((يُقِيمُهُ كلُّ
مسلمٍ)) فقد صَرَّحَ بهِ في "الفتح "(٨) وغيرِهِ.
[١٨٩١٤) (قولُهُ: وأمَّا بعدَهُ إلخ) تصريحٌ بالمفهومِ، قالَ في "القنية"(٩): ((لأَنَّهُ لو عزَّرَهُ حالَ
كونِهِ مشغولاً بالفاحشةِ فلهُ ذلكَ؛ لأَنَّهُ نهيٌ عن المنكرِ، وكلُّ واحدٍ مأمورٌ بهِ، وبعدَ الفراغِ
(١) في "و": ((بعدها)).
(٢) ص ٢٦٢ - "در".
(٣) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ بتصرف.
(٤) "المنح": كتاب الحدود - باب في بيان أحكام التعزير ١/ ق ٢٣٠/أ - ب.
(٥) "الخانية": ٤٣٦/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) أخرجه مسلم (٤٩) في الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأبو داود (١١٤٠) في الصلاة -
باب الخطبة يوم العيد، و(٤٣٤٠) في الملاحم - باب الأمر والنهي، والترمذي (٢١٧٢) في الفتن - باب ما جاء في
تغيير المنكر باليد، والنسائي ١١١/٨ في الإيمان - باب تفاضل أهل الإيمان، وابن ماجه (١٢٧٥) في الإقامة - باب
ما جاء في صلاة العيدين، و(٤٠١٣) في الفتن - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحمد ٢٠/٣، ٤٩، ٥٢
وغيرهم من طريق الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب كلاهما عن
أبي سعيد الخدري مرفوعاً وفيه قصة.
(٧) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥.
(٨) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥ بتصرف.
(٩) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ.
حاشية ابن عابدين
٢٢٤
بابُ التَّعزيرِ
لكن في "الفتح"(١): ((ما يجبُ حقّاً للعبدِ لا يُقِيمُهُ إلا الإِمامُ؛ لتوقُّفِهِ على الدَّعوى،
إلا أنْ يُحَكِّما فيه، فليُحفظ)). (ضربَ غيرَه بغيرِ حقٍّ وضربَهُ المضروبُ(٢)) أيضاً
(يُعزَّرانِ)، كما لو تشاتما بين يَدَيِ القاضي ولم يتكافآ كما مرَّ (ويُبْدَأُ بإقامةِ التَّعزير
بالبادئ)؛ لأنه أظلمُ، "قنية"(٣). وفي "مجمع الفتاوى":
ليسَ بنهىٍ؛ لأنَّ النَّهيَ عمَّا مضَى لا يُتَصوَّرُ فيتمحضُ تعزيراً وذلكَ إلى الإمامِ)) اهـ. وذكرَ(٤) قبلَهُ:
((أنَّ للمحتسبِ أنْ يعزِّرَ المعزِّرَ إِنْ عَزَّرَهُ بعدَ الفراغِ منها)).
[١٨٩١٥) (قولُهُ: لكنْ في "الفتح " إلخ) وعليهِ فما في "القنية" محمولٌ على ما إذا كانَ حقّاً لله
تعالى، أو حقّاً لعبٍ وحكَّمَا فیهِ.
[ ١٨٩١٦] (قولُهُ: لا يُقِيمُهُ إلَّ الإِمامُ) وقيلَ: لصاحبِ الحقِّ كالقصاصِ، وجهُ الأوَّلِ أنَّ
صاحبَ الحقِّ قد يُسْرِفُ فيهِ غلظاً، بخلافِ القصاصِ؛ لأَنَّهُ مقدَّرٌ كما في "البحر"(٥) عن "المجتبى".
[١٨٩١٧ ) (قولُهُ: ولم يتكافآ) عطفٌ على (يُعزَّرانِ))، وفيهِ إشارةٌ إلى الجوابِ عمَّا يُتُوهَّمُ مِن
إطلاقِ قولِ "مجمع الفتاوى" الآتي: ((جازَ المجازاةُ بمثلِهِ إلخ))، والجوابُ: أنَّ ذلكَ فيما تمخَّضَ حقّاً
لهما وأمكنَ فيهِ الَّساوي، كما لو قالَ لهُ: يا خبيثُ فقالَ: بل أنتَ، بخلافِ الضَّربِ فَإِنَّهُ يتفاوتُ،
وبخلافِ النَّشْتُمِ عندَ القاضي، فإنَّ فيهِ هتكَ مجلسِ الشَّرعِ كما مرَّ(٦) في البابِ السَّابِقِ، وقدَّمَنا(٦) تمامَهُ.
(قولُ "الشَّارحِ": كما لو تشاتما بينَ يدَي القاضي ولم يتكافآ إلخ) قد يُقالُ: إنَّ التّكافؤَ حاصلٌ لو تشاتها
بينَ يديهِ إلَّ أَنَّه يُقَامُ عليهما حقّاً لمجلسِ الشَّرعِ، ولا يظهرُ أيضاً إقامتُهُ عليهما لو تضاربًا وأحدُهما أقلُّ فيه من
الآخرِ، فإذا لم يستوفٍ إلاّ بعضَ حقِّهِ كيفَ يُقَامُ عليه النّعزيِرُ؟ !.
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٣/٥ بتصرف.
(٢) في "و": ((ضرب المضروب)).
(٣) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/ب.
(٤) أي في القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٥/٥.
(٦) المقولة [١٨٧٩٥] قوله: ((لِهَتْكِ مجلسِ الشَّرع)).
الجزء الثاني عشر
٢٢٥
بابُ التَّعزيرِ
((جازَ المجازاةُ مثلِهِ (١) في غيرِ موجبِ حدَّ؛ للإذن به)). ﴿وَلَمَنِ أَنَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ،
فَأُوْلَّكَ مَا عَلَّهِم مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى - ٤١]، والعفوُ أفضلُ ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ.
عَلَى اللّهِ ﴾ [الشورى - ٤٠] (وصحَّ حبسُهُ) ولو في بيتهِ بأنْ يمنعَه(٢) من الخروجِ منه،
"نهر "(٢) (مع ضربهِ) إذا احتيجَ لزيادةِ تأديبٍ (وضربُهُ أشدُّ)؛ لأَنَّه خُفِّفَ عددًا ........
[١٨٩١٨) (قولُهُ: جازَ المجازاةُ بمثلِهِ) فيهِ إشارةٌ إلى اشتراطِ إمكانِ التَّساوي وتمخَّضِ كونِهِ
حقّاً لهما كما قلنا؛ إذ بدون ذلكَ لا مماثلةَ.
[١٨٩١٩] (قولُهُ: إذا احتيجَ لزيادةٍ تأديبٍ) وذلكَ بأنْ يرى أنَّ أكثرَ الضَّربِ في الَّعزيرِ - وهو
تسعةٌ وثلاثونَ - لا يَنْزَجِر بها، أو هو في شكِّ مِن انز جارِهِ بها يَضُّ إليهِ الحبسَ؛ لأنَّ الحبسَ صُلُحَ
تعزيراً بانفرادِهِ، حَتَّى لو رأى أنْ لا يضربَهُ ويحبسَهُ أياماً عقوبةً فَعَلَ، "فتح"(٤)، قالَ "ط"(٥):
((وصحَّ القيدُ في السُّفهاءِ والدُّغَارِ(٦) وأهلِ الإفسادِ، "حمويّ" عن "المفتاح")).
[١٨٩٢٠] (قولُهُ: وضربُهُ أشدُّ) [٤/ق١٧٩ /ب] أي: أشدُّ مِن ضربِ حَدِّ الرِّنى، ويُؤْخَذُ مِن
التَّعليلِ أنَّ هذا فيما إذا عُزِّرَ بما دونَ أكثرِهِ، وإلاَّ فتسعةٌ وثلاثونَ مِن أشدِّ الضَّربِ فوقَ ثمانِينَ
حكماً، فضلاً عن أربعينَ معَ تنقيصٍ واحدٍ مع (٢) الأشدِّيَّةِ، فيفوتُ المعنى الَّذي لأجلِهِ نقصَ،
(قولُهُ: معَ تنقيصٍ واحدٍ من الأشدِّيَّةِ إلخ) هكذا عبارةُ "الشُّرُ نبلاليِّ" بزيادةِ لفظِ: ((واحدٍ))، ولا معنى
له، وعبارةُ "ط" عن "الحَمَويّ": عن أربعينَ معَ تنقيصٍ معَ الأشدِيَّةِ، وهي صحيحةٌ، فإنَّ المرادَ النَّقيصُ
المُصَاحِبُ للأشدِيَّةِ لا للعددِ.
(١) ((بمثله)) ساقطة من "و".
(٢) في "و": ((ليمنعه)).
(٣) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٢/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٧/٥.
(٥) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٢/٢.
(٦) قال في "اللسان" مادة ((دعر)): ((ورجل داعر: خَبيثٌ مُفسِد، ويُجمَعُ على دُعَّار)).
(٧) في "م": ((من)) بدل ((مع))، وكذا في "الشرنبلالية"، وانظر كلام "الرافعي".
حاشية ابن عابدين
٢٢٦
بابُ التَّعزِيرِ
فلا يُخفَّفُ وصفاً (ثم حدُّ الرِّنى) لثبوتِهِ بالكتابِ، (ثُمَّ حدُّ الشُّربِ) لثبوتِهِ بإجماعِ
الصَّحابةِ لا بالقياس؛ لأَنَّه لا يجري في الحدودِ، (ثم القَذْفُ) لضعفِ سببهِ باحتمال
صدق القاذفِ.
كذا قالَهُ الشَّيخِ "قاسم بنُ قُطْلُوبُغَا"، شُرُ نِبلالَيَّة"(١)، وإطلاقُ الأشدِّيَّةِ شاملٌ لقوتِهِ وجمعِهِ في
عضوٍ واحدٍ فلا يُفرَّقُ الضَّرَبُ فيهِ، وقد مرَّ(٢) الكلامُ فيهِ أوَّلَ البابِ، وأشارَ إلى أَنَّهُ يُحرَّدُ من
ثيابِهِ كما في "غاية البيان"، ويُخالفُهُ ما في "الخانَيَّةِ"(٣): ((يُضْرَبُ النَّعزِيرَ قائماً بثيابِهِ، وَيُزَعُ الفروُ
والحشوُ، ولا يُمَدُّ فِي الَّعزيرِ)) اهـ. والظَّاهِرُ الأوَّلُ لتصريحِ "المبسوط "(٤) بِهِ، "بحر "(٥)، وتقدَّمَ (٦
معنى المدِّ في حَدِّ الزِّنى.
[١٨٩٢١) (قولُهُ: فلا يخفَّفُ وصفاً) كيلا يؤدِّيَ إلى فواتِ المقصودِ، "بحر "(٧) أي: الانزجارِ.
[١٨٩٢٢) (قولُهُ: ثُمَّ حَدُّ الزِّنى) بالرَّفْعِ لحذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهِ مُقَامَهُ، والأصلُ:
١٨١/٣ ثُمَّ ضُربُ حدِّ الرِّنِى، "ط " (٨).
(١٨٩٢٣] (قولُهُ: لا بالقياسِ) ردٌّ على "صدر الشَّريعة"(٩) كما نَّهَ عليهِ "ابنُ كمال" في هامشِ
"الإِيضاح".
[١٨٩٢٤] (قولُهُ: لضعفِ سبهٍ) أي: فسببُّهُ محتمِلٌ، وسببُ حدِّ الشُّربِ متيقَّنٌ بهِ وهو الشُّربُ،
والمرادُ أنَّ الشُّربَ متيقَّنُ السبيةِ للحدِّ لا متيقَّنُ الثبوتِ؛ لأَنَّهُ بالبِّنَةِ أو الإقرارِ وهما لا يُوْحِبانِ اليقينَ،
(١) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل: التعزير تأديب دون الحدِّ ٧٥/٢ بتصرف (هامش "الدرر والغرر").
(٢) المقولة [١٨٨٧٩] قوله: ((ولا يُفَرَّقُ الضَّرَبُ إلخ)). و[١٨٨٨٠] قوله: ((وقيل: يُفَرَّقُ)). و[١٨٨٨١] قوله: ((وَوُفْقَ إلخ)).
(٣) "الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يوجِبُ التعزيرَ وما لا يوجب إلخ ٤٨٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "المبسوط": كتاب الحدود ٧٢/٩.
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٢/٥.
(٦) المقولة [١٨٤٢٥] قوله: ((غير ممدود على الأرض)).
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٢/٥.
(٨) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٢/٢.
(٩) "شرح الوقاية": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٢٨٧/١ (هامش "كشف الحقائق").
الجزء الثاني عشر
٢٢٧
بابُ التَّعزِيرِ
(وعُزِّرَ كلُّ مُرْتَكِبِ مُنْكٍ أو مُؤْذي مسلمٍ (١) بغيرِ حقٍ، بقولٍ أو فعلٍ)
......
"بحر "(٢)، وهو مأخوذٌ مِن "الفتح"(٣)، تأمَّل.
مطلبٌ: التَّعزيرُ قد يكونُ بدون معصيةٍ
[١٨٩٢٥] (قولُهُ: وعُزِّرَ كلٌّ مُرْتَكِبِ مُنْكَرِ إلخ) هذا هو الأصلُ في وجوبِ النَّعزيرِ كما في
"البحر "(٤) عن "شرح الطَّحاويِّ"، وظاهرُهُ: أنَّ المرادَ حصرُ أسبابِ النَّعزيرِ فيما ذُكِرَ معَ أَنَّهُ قد
يكونُ بدونِ معصيةٍ كتعزيرِ الصَّبِيِّ والمنّهمِ كما يأتي(٥).
مطلبٌ: يُنفَى مَن خيفَ فتنةٌ بجمالِهِ سيَّما مَن كانَ صبيحاً أمردَ
فإنّهُ يَفْتِنُ النّساءَ والرِّجالَ أو يُحْبَسُ لئلاّ يزيدَ بالَّفي فسُهُ(٦)
وكنفي مَن خيفَ منهُ فتنةٌ بجمالِهِ مثلاً كما مرَّ(٧) في نفي "عمر"ظُه "نصرَ بنَ حجَّاج"،
وذكرَ في "البحر"(٨): ((أنَّ الحاصلَ وجوبُهُ بإجماعِ الأَمَّةِ لكلِّ مرتكبِ معصيةٍ ليسَ فيها حدٌّ مقدَّرٌ،
كنظرٍ محرَّمٍ ومسٌّ محرَّمٍ وخلوةٍ محرَّمَةٍ وأكلٍ ربًّا ظاهرٍ)) اهـ.
قلتُ: وهذهِ الكَلِيَّةُ غيرُ منعكسةٍ؛ لأَنَّهُ قد يكونُ في معصيةٍ فيها حدٍّ، كزنى غيرِ المحصَنِ،
(قولُهُ: لأَنّه قد يكونُ في معصيةٍ فيها حدٌّ كزنى غيرِ المحصَنِ إلخ) قد يُقالُ: إنَّ تعزيرَهُ بالنَّفي سياسةٌ في
هذهِ الصُّورةِ ليسَ لمجرَّدِ معصيةِ الرِّنِى الَّتِي حُدَّ لها، بل لأمرٍ آخرَ رآهُ الإمامُ اقتضى تعزيرَهُ بذلكَ، كعدمِ انز جارِ!
بالحدِّ الَّذِي أقامَهُ عليه، فالنَّعزيرُ ليسَ لمعصيةِ الزِّنى بل لأمرٍ آخرَ، ومعصيةُ الزِّنى أخذَت حظّها وهو الحدُّ.
(١) في "و": ((مسلماً)).
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٢/٥.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٨/٥.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٦/٥.
(٥) المقولة [١٩٠٥١] قوله: ((فيجري بين الصبيان))، و[١٩٠١٤] قوله: ((قوله: للقاضي تعزيرُ المتّهَم)).
(٦) هذا المطلب من "آ".
(٧) المقولة [١٨٩٠٨] قوله: ((ويكونُ بالنّفي عن البلد)).
(٨) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٦/٥ بتصرف.
حاشية ابن عابدين
٢٢٨
بابُ التَّعزير
إلاَّ إذا كانَ الكذبُ ظاهراً كـ: يا كلبُ، "بحر"(١) (ولو بغمزِ العينِ) أو إشارةٍ
اليدِ (٢)؛ لأَنَّه غِيبةٌ كما يأتي(٣) في الحظرِ، فمرتكِبُهُ مرتكبُ محرَّمٍ».
فإنَّهُ يُحِلَدُ حدًّاً، وللإمامِ نفيُهُ سياسةً وتعزيراً كما مرَّ(٤) في بابِهِ، وروى "أحمدُ" أنَّ "النَّجاشيّ)"(٥)
الشَّاعَرَ جِيءَ بِهِ إلى عليّ رَظُهُ وقد شربَ الخمرَ في رمضانَ فضربَهُ ثمانِينَ، ثمَّ ضربَهُ مِن الغدِ
عشرينَ(٦)، لكنْ ذكرَ في "الفتح"(٧): ((أَنَّهُ ضرَبَهُ العشرينَ فوقَ الثَّمانِينَ لِفِطْرِهِ في رمضانَ، كما
جاءَ في روايةٍ أُخرى، أَنَّهُ قالَ لهُ: ضربْناكَ العشرينَ [٤/ق ١٨٠/أ) بجراءتكَ على اللهِ وإفطارِكَ في
رمضانَ)) اهـ. فالتَّعزيرُ فيهِ مٍ جهةٍ أُخرى غيرِ جهةِ الحدِّ.
[١٨٩٢٦) (قولُهُ: إلَّ إذا كانَ الكذبُ ظاهراً إلخ) سيأتي(٨) الكلامُ فِيهِ.
[١٨٩٢٧] (قولُهُ: لأَنَّهُ غِيْبَةٌ) ظاهرُهُ: لزومُ النَّعزيرِ وإنْ لم يَعْلَمْ صاحبُ الحقِّ، لكنْ مرَّ(٩)
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حد القذف - فصل في التعزير ٥٠/٥.
(٢) في "و": ((إشارة إليه)).
(٣) انظر "الدر" عند المقولة رقم [٣٣٤١٣] قوله: ((وبالرَّمز)).
(٤) صـ ٨ ٤ - "در".
(٥) هو قيس بن عمرو بن مالك، النِّحاشي الحارثيّ، شاعرٌ هجَّاء مخضرم (ت نحو ٤٠هـ). ("الشعر والشعراء"
٣٢٩/١، "خزانة الأدب" ١٠٥/٢، "سمط اللآلي" ٨٩٠/٢).
(٦) لم أجده في "مسند" أحمد، لكن أخرجه ابن أبي شيبة ٥٣١/٦ في الحدود - ما جاء في السَّكران، متى يُضرب؟ ٥٤٠/٦ في
الرجل يوجد شارباً في رمضان، وعبد الرزاق (١٣٥٥٦)، وفي الحدود - باب من شرب الخمر في رمضان، والبيهقي
٣٢١/٨ في الأشربة، والطحاوي في "بيان مشكل الآثار" بعد حديث (٢٤٤٩)، وابن جرير كما في "الكنز" (١٣٦٨٨)
من طريق الثوري، وحجاج عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن علي. أمَّا سيدنا عمر فضربه ثمانينَ ونفاه إلى الشام، وعلّقه
البخاري في "الصحيح" جازماً به قبل (١٩٦٠)، في الصوم - باب صوم الصِبيان، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٥٥٧)،
والبغوي في "الجعديات" (٥٩٥)، والبيهقي ٣٢١/٨، وأبو عبيد في "الغريب" ٣٩٥/٣، وابن سعد وسعيد بن منصور كما
في "الفتح"، وابن جرير كما في "الكنز" (١٣٦٦١)، والثوري في "جامعه" كما في "مسند عمر" لابن كثير ٢٦٨/١ من
طريق الثوري وشعبة عن أبي سنان ضِرَار بن مُرَّةً عن عبد الله بن أبي الهُذَيل عن عمر ولم يذكر أحد أن عمر ضربه
عشرين فوق الثمانين إلا ما أخرجه ابن أبي شيبة ٥٤١/٦ عن حجَّاج عن ابن سنان البكري قال: أُتي عمرُ برجل شرب
خمراً فضربه ثمانين، وعزَّره عشرينَ، وعن حجَّاج عن أبي إسحاق عن الأسود بن هلال عن عبد الله مثله.
(٧) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٦/٥.
(٨) المقولة [١٨٩٨٠] قوله: ((لظهورٍ كَذْبهِ)).
(٩) صـ ٢٢٤ - "در".
الجزء الثاني عشر
٢٢٩
بابُ التَّعزير
وكلُّ مرتكبِ معصيةٍ لا حدَّ فيها فيها التَّعزيرُ، "أشباه"(١). (فُعزَّرُ) بشتمٍ ولدِهِ، وقذفِهِ،
و(بقذفِ مملوكٍ) ولو أمَّ ولدِهِ، (وكذا بقذفِ كافٍ)، وكلِّ مَن ليسَ بمحصَنِ (بزنَّى)، ...
عن "الفتح": ((أَنَّ ما يجبُ حقّاً للعبدِ يتوقَّفُ على الدَّعوى)).
[١٨٩٢٨) (قولُهُ: وكلُّ مرتكبِ معصيةٍ) لعلَّهُ ذكرَهُ معَ إغناءِ ما قبلَهُ عنهُ ليفيدَ أنَّ المرادَ بالمنكرِ
ما لا حدَّ فيهِ، قالَ في "الفتح"(٢): ((ويُعزَّرُ مَن شهِدَ شربَ الشَّارِبينَ، والمجتمعونَ على شِبْهِ
الشُّربِ وإنْ لم يشربُوا، ومَن معهُ رَكْوَةُ خمرٍ، والمُفْطِرُ في رمضانَ يُعَزَّرُ وَيُحْبسُ، وكذا المسلمُ يبيعُ
الخمرَ ويأكلُ الرِّبًا، والمغنّي والمختنَّثُ والنَّائِحَةُ يُعَزَّرونَ وَيُحْبَسونَ حَتَّى يُحْدِثُوا توبةً، ومَن يَتَّهِمُ
بالقتلِ والسَّرِقَةِ يُحْبَسُ ويُخَلَّدُ في السِّحنِ إلى أنْ يُظهِرَ الَّوبةَ، وكذا مَن قَبَّلَ أجنبيّةً أو عانقَها أو
مسَّها بشهوةٍ)) اهـ.
[١٨٩٢٩] (قولُهُ: فُعزَّرُ بشتمٍ ولدِهِ) فيهِ كلامٌ لصاحبِ "البحر" تقدَّمَ (٣) في حدِّ القذفِ.
[١٨٩٣٠] (قولُهُ: وكلِّ مَن ليسَ بمحصَنٍ) أي: إحصانَ القذفِ، "ط " (٤).
(قولُ "الشَّارحِ": ولو أمَّ ولدِهِ إلخ) تقدَّمَ في الشَّرحِ من حدِّ القذفِ أنَّه إذا أُسقِطَ عنه الحدُّ عُزِّرَ؛
لأنَّ ظاهرَهُ تعميمُ الحكمِ فِي الأَبِ والسَّدِ، قالَ "الرَّحمنيُّ": الَّذِي رأيتُهُ في "الجوهرة" و"الدُّرر": أو أمّ ولدٍ
بدونِ ضميرٍ، وهو الظَّاهرُ إذ السَّيِّدُ لا يجبُ عليه النَّعزيرُ لعبدِهِ وَأُمُّ ولدِهِ مِلْكُهُ، ويؤيِّدُهُ مَا قَالَهُ "ابنُ
الهمام": ((أَنَّ المولى لا يُعاقَبُ بسببِ عبدِهِ؛ لأَنَّه حقُّهُ فلا يجوزُ أنْ يُعاقبَ بسببِ حقٍّ نفسِهِ)) اهـ. لكنْ
القائلٍ أنْ يقولَ: إنَّ مطالبتهُ بسببِ المعصيةِ لا باعتبارِ حقِّ العبدِ. اهـ "سنديّ".
(قولُهُ: لعلَّهُ ذكرَهُ معَ إغناءِ ما قبلَهُ عنه ليفيدَ أنَّ المرادَ بِالمُنْكَرِ ما لا حدَّ فيه إلخ) أو ذكرَهُ ليتمَّ نظمُ
القياسِ، فإنَّ ما ذكرَهُ قياسٌ منطقيٌّ، إلاَّ أنَّ الصُّغْرى تُقِيَّدُ بقيدِ الكُبرى.
(١) "الأشباه والنظائر": الفن الثاني: الفوائد - كتاب الحدود والتعزير صـ٢١٧ -.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٩/٥ بتصرف.
(٣) المقولة [١٨٧٨٠] قوله: ((عُزِّر)).
(٤) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٢/٢.
حاشية ابن عابدين
٢٣٠
بابُ النَّعزيرِ
ويَبْلِغُ به(١) غايتَه كما لو أصابَ من أجنبيّةٍ مُحرَّمَاً غيرَ جماعٍ، أو أُخِذَ السارقُ بعد
جمعِه للمتاعِ قبلَ إخراجِهِ، وفيما عداها ..
وحاصلُهُ: أنَّ مَن لم يُحَدَّ قاذفُهُ لعدمٍ إحصائِهِ يُعَزَّرُ قاذفُهُ، فلا يلزمُ مِن سقوطِ الحدِّ لعدمِ
الإِحصان سقوطُ النَّعزيرِ.
[١٨٩٣١) (قولُهُ: وَيَبْلُغُ بِهِ غايَتَهُ) أي: تسعةً وثلاثينَ(٢) سوطاً، وهذا معطوفٌ على قولِهِ:
((فيعزَّرُ)).
ومقتضاهُ: بلوغُ الغايةِ فِي شَتْمِ ولِهِ، وليسَ كذلكَ.
[١٨٩٣٢] (قولُهُ: محرَّمً غيرَ جماعٍ) الَّذي في "الفتح"(٣) و"البحر "(٤) وغيرِهما: ((كلَّ محرَّمٍ
غيرِ جماعٍ)).
ومُقَادُهُ: أَنَّهُ لا يَبْلِغُ الغايةَ بمجرَّدٍ لمسٍ أو تقبيلٍ، وهو خلافُ ما يفيدُهُ كلامُ "الشَّارِح".
(١٨٩٣٣) (قولُهُ: وفيما عدَاها) أي: ما عدا هذهِ المواضعَ الثَّلاثَ لا يَبْلِغُ غايَةَ النِّعزيرِ، واقتصرَ
(قولُهُ: ومُقتضاهُ: بلوغُ الغايةِ في شَتْمٍ ولدِهِ، وليسَ كذلكَ) قد يُقالُ: فَصَلَ بقولِهِ: ((وكذا بقذفٍ
كافٍ)) عمَّا قبلَهُ إشارةً إلى أنَّ التَّشبيهَ في أصلِ التَّعزيرِ لا في بلوغِ الغايةِ في كلِّ.
(قولُهُ: الَّذي في "الفتح" و "البحر" وغيرِهما: كلَّ محرَّمٍ إلخ) الظَّاهرُ: ما فعلَهُ "الشَّارِحُ"، ويَبْعُدُ
القولُ بتوقُّفِ إبلاغِ التَّعزيرِ غايتَهُ على إصابةِ جميعِ المحرماتِ من الأجنبيّةِ، ولا بدَّ من حملٍ عبارةٍ غيرِهِ
على غيرِ ظاهرِها، كأنْ يُرادَ كلُّ فردٍ من أفرادِها لا بقيدِ اجتماعِها، يعني: أيَّ فردٍ منها.
(قولُهُ: ما عدا هذهِ المواضعَ الثَّلاثَ إلخ) هي ما في "المتن"، وإصابةُ محرَّمٍ من أجنبيَّةٍ، ومسألةُ أخذِ السَّارِقِ .
(١) لفظة ((به)) ساقطة من "و".
(٢) في "م": ((وثلاثون))، وهو خطأً.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدَّ القذف - فصل في التعزير ١١٩/٥ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٢/٥.
الجزء الثاني عشر
٢٣١
بابُ التَّعزيرِ
لا يَبْلِغُ غايتَهُ، (وبقذفٍ) أي: بشتمٍ (مسلمٍ) ما (بـ: يا فاسقُ، إلاّ أنْ يكونَ معلومَ
الفسقِ) كـ: مكّاسِ مثلاً، أو عَلِمَ القاضي بفسقِهِ؛ لأنَّ الشَّيْنَ قد ألحقَهُ هو بنفسِهِ قبلَ
قولِ القائلِ، "فتح"(١). (فإن أرادَ) القاذفُ (إثباتَهُ) بالبَِّةِ (محرّداً).
عليها تبعاً لـ"البحر"(٢)، وزادَ بعضُهم غيرَها، منها: ما في "الدُّرر"(٣): ((قيلَ: تاركُ الصَّلاةِ يُضْرَبُ
حَتَّى يسيلَ منهُ الدَّمُ، وفي "الحجة": لو ادَّعى الإِمامُ أَنَّهُ كانَ مجوسياً لا يُصَدَّقُ، إلَّ أَنَّهُ يُضْرَبُ
ضرباً شديداً)) اهـ. أي: ولا يلزمُ القومَ إعادةُ الصَّلاةِ، وفي "الخانَيَّة"(٤): ((مَن وَطِئَ غلاماً يُعَزَّرُ
أشدَّ الَّعزيرِ))، وفي "الناتر خانية"(٥): ((أنَّ المرأةَ إذا ارتدَّت تُجْبَرُ على الإِسلامِ وتُضرَبُ خمسةً
وسبعينَ)) اهـ. أي: على قولِ "أبي يوسف": أنَّ أكثرَهُ ذلكَ، أمَّا على قولِهما فأكثرُهُ تسعةٌ وثلاثونَ.
(١٨٩٣٤] (قولُهُ: أي: بشتمٍ) إطلاقُ القذفِ على الشَّمِ مجازٌ شرعيٌّ [وهو](٦) حقيقةٌ لغويَّةٌ،
"بحر "(٧).
[١٨٩٣٥) (قولُهُ: مسلمٍ ما) أي: سواءٌ كانَ عدلاً أو مستوراً، وسيأتي(٨) أنَّ الذِّمِّيَّ كالمسلمِ.
[١٨٩٣٦] (قولُهُ: أو عَلِمَ القاضي بفسقِهِ) هذا لم يذكرُهُ في "الفتح"، بل ذكرَهُ في "النّهر "(٩) عن
"الخانَّة"(١٠)، ولعلَّهُ [٤/ ق١٨٠ /ب] مبنيٌّ على القولِ المرجوحِ مِن أنَّ للقاضي أنْ يقضيَ بعلمِهِ، تأمَّل.
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٤/٥.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٥٢/٥.
(٣) "الدرر": كتاب الصلاة ٥٠/١.
(٤) "الخانية": كتاب الحدود ٤٦٩/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "التاتر خانية": كتاب أحكام المرتدين - فصل في المتفرقات ومسائل الردَّة ٥٥٤/٥ وعبارتها: ((المرتدة تضرب
تسعة وثلاثين سوطاً إلى أن تتوب)).
(٦) ما يبن منكسرين من عبارة "البحر".
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٦/٥.
(٨) صـ ٢٦١ - "در".
(٩) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
(١٠) نقول: لم نعثر عليها في "الخانية"، والظاهر: أنها لصاحب "النهر"، ذكرها عقب نقله عن "الخانية"، انظر
"الخانية": كتاب الحدود - فصل فيما يُوجِبُ التعزيرَ وفيما لا يوجب ٤٧٩/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢٣٤
بابُ التَّعزيرِ
وأرادَ إثباتَهُ تُسمَعُ(١)؛ لثبوتِ الحدِّ، بخلافِ الأَوَّلِ،
وتُقبَلُ شهادتُهم، ولو كانَ الجرحُ سرّاً شهادةً مقبولةً لسقطوا عن حَيِّزِ الشَّهادةِ ولم يبقَ لهم مجالُ
الَّعديلِ، فثبتَ أَنَّهُ إخبارٌ لا شهادةٌ، ونظيرُهُ سؤالُ القاضي المزكِّينَ عن الشُّهودِ، فصارَ الحاصلُ: أنَّ
الجرحَ المحرَّدَ لا يُقبَلُ في بابِ الشَّهادةِ إذا كانَ على وجهِ الشَّهادةِ جهراً بعدَ النَّعديلِ وإلاّ قُبِلَ،
وأمَّا في بابِ النَّعزيرِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ بعدَ بيانِ سبِهِ، ويخرجُ بذلكَ عن كونِهِ مجرَّدًا.
(تنبيهٌ)
سيأتي(٢) أنَّ الَّعزِيرَ يَتْبُتُ بشهادةِ المدَّعي معَ آخرَ، وبشهادةِ عدلٍ إذا كانَ في حقوقِهِ تعالى؛
لأَنّهُ مِن بابِ الإخبارِ، وظاهرُ كلامِهِ هنا أنَّهُ لا بدَّ مِن شاهِدَينٍ غيرِهِ؛ لأنَّ تعزيرَ القاذفِ ثبتَ حقّاً
للمقذوفِ، فإذا ادَّعى القاذفُ فسقَ المقذوفِ لا تكفي شهادتُهُ لنفسِهِ، فلا بدَّ مِن إقامةِ البِّنةِ على
صدقِ القاذفِ ليسقطَ عنهُ الَّعزيرُ الثابتُ حقّاً للمقذوفِ، بخلافِ ما كانَ حقّاً للهِ تعالى، هذا ما
ظهرَ لي في هذا المقامِ والسَّلام.
[١٨٩٣٨)] (قولُهُ: وأرادَ إثباتَهُ) أي: لإسقاطِ الحدِّ عنهُ.
[١٨٩٣٩] (قولُهُ: لثبوتِ الحدِّ) أي: فكانَ الجرحُ ثابتاً ضِمْناً لا قصداً فلم يكنْ مجرَّدًا،
لكنَّ المناسبَ التَّعليلُ ببيانِ السَّبَبِ، ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(٢) قبلَ هذا البابِ عن "الملتقطِ": مِن أَنَّهُ لو أقامَ
وجرحَهم اثنانٍ، وعندَ "محمَّدٍ": الشَّهادةُ موقوفةٌ لا تُجازُ ولا تُردُّ، وإِنْ جرحَهم اثنانِ وعدََّهم عشرةٌ فالجرحُ
أَولى)) اهـ. فتأمَّل هذا معَ ما ذكرَهُ "المحشِّي"، وسيأتي نحوُ ما ذكرَهُ في الشَّهاداتِ، والمتبادرُ- من قول
"القنية": بل تَصِحُّ إذا ثبتَ فسقُهُ ضمْنَ ما تَصِحُّ فيه الخصومةُ كحرحِ الشُّهودِ - شمولُ ذلكَ لِما يُوجِبُ
الَّعزِيرَ في البابَينِ، وهذا ما يفيدُهُ قولُ "الشَّارحِ": ((حَتَّى لو بيَّنوا فسقَهُ إلخ))؛ إذ لا شكَّ أنَّ ما يُوجِبُ
الَّعزيرَ بَّا تَصِحُّ فِيه الخصومةُ، ثُمَّ إِنَّه يوافِقُ ما في "الَتْمَّةُ" قولَ المحشِّي؛ لأنَّ الجرحَ مقدَّمٌ على التَّعديلِ.
(١) في "و": ((سمع)).
(٢) صـ٢٥٥- "در".
(٣) المقولة [١٨٥٨٤] ((لم يُحدَّ أحدٌ)).
الجزء الثاني عشر
٢٣٥
بابُ التّعزيرِ
حتى لو بَيَّنوا فسقَه بما فيهِ حقٌّ للهِ تعالى أو للعبدِ قُبِلَت، وكذا في جرحِ الشَّاهدِ،
وينبغي أنْ يسألَ القاضي عن سببٍ فسقِهِ، فإنْ بَّنَ سبباً شرعياً كتقبيلٍ أجنبيّةٍ،
وعناقِها، وخلوتِهِ بها طَلَبَ بَيِّنَةً ليعزِّرَه، ولو قالَ: هو تركُ واجبٍ سألَ القاضي
المشتومَ عمّا يجبُ عليه تَعَلَّمُهُ مِن الفرائضِ، فإنْ لم يعرفها ثبتَ فِسْقُهُ؛ لما في
"المجتبى": ((مَنْ تَرَكَ الاشتغالَ بالفقِهِ لا تُقبَلُ شهادتُهُ، والمرادُ ما يجبُ عليه تَعَلُّمُهُ
منه، "نهر"(١). (وعُزِّرَ) الشَّائمُ.
[٤/ ق ١٨١ /ب] أربعةً فُسَّاقً يُدرأُ الحدُّ عن القاذفِ والمقذوفِ والشُّهودِ، فَعُلِمَ أنَّ ثبوتَ الحدِّ غيرُ
لازمٍ، وهذا مؤيِّدٌ لِما حقَّقناهُ آنفاً: مِن أنَّ المرادَ بالمجرَّدِ هنا ما لم يُبَّنْ سبُّهُ لا ما لم يَتْبُتْ ضِمِناً.
[١٨٩٤٠) (قولُهُ: حَتَّى لو بَّنوا إلخ) تفريعٌ على قولِهِ: ((بلا بيانِ سبِهِ)).
[١٨٩٤١) (قولُهُ: وكذا في جرحِ الشَّاهدِ) قد علمتَ الفرقَ بينَ البابين.
[٤٢ ١٨٩) (قولُهُ: وينبغي إلخ) قالَهُ صاحبُ "البحر)"(٢).
(١٨٩٤٣) (قولُهُ: ليعزِّرَهُ) أي: يعزِّرَ المقذوفَ ويسقُطَ الَّعزيرُ عن القاذفِ.
[١٨٩٤٤) (قولُهُ: سألَ القاضي المشتومَ) أي: ولا يطُلُبُ مِن الشَّاتِمِ البِّةَ في مثلِ هذا كما في
"البحر"(٣).
[١٨٩٤٥] (قولُهُ: مِن الفرائضِ) أرادَ بها ما يشملُ الواجباتِ كما ذكرَهُ بعدُ.
[١٨٩٤٦) (قولُهُ: ثبتَ فِسْقُهُ) وينبغي أنْ يلزمَهُ الَّعزيرُ لِما مرَّ(٣) مِن أَنَّهُ يُعزَّرُ كلُّ مرتكبٍ
معصيةٍ لا حدَّ فيها.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
(٣) المقولة: [١٨٩٢٨] قوله: ((وكلُّ مرتكبِ معصيةٍ)).
حاشية ابن عابدين
٢٣٦
بابُ التَّعزير
(بـ: يا كافرُ)، وهل يَكْفُرُ؟ إن اعتقدَ المسلمَ كافراً نعم، وإلاَّ لا، به يُفتى، "شرح
وهبانية(١). ولو أجابَهُ لَبَّيْكَ(٢) كَفَرَ، "خلاصة"(٣). وفي "التتار خانيةِ"(٤): ((قيلَ: لا يُعزَّرُ
ما لم يَقل: يا كافرُ باللهِ؛ لأَنَّه كافرٌ بالطّاغوتِ فيكونُ محتمِلاً)). (يا خبيثُ، يا سارقُ، ..
[١٨٩٤٧ ) (قولُهُ: بـ: يا كافرُ) لم يقيِّدْ بكونِ المشتومِ بذلكَ مسلماً لِما يذكرُهُ(٥) بعدُ.
[١٨٩٤٨ ] (قولُهُ: إِنْ اعتقدَ المسلمَ كافراً نعم) أي: يَكْفُرُ إِنْ اعتقدَهُ كافراً لا بسببٍ مكفّرٍ،
قالَ في "النَّهر "(٦): ((وفي "الذَّخيرة": المختارُ للفتوى أَنَّهُ إِنْ أرادَ الشَّتَمَ ولا يعتقدُهُ كُفراً لا يَكَفُرُ،
وإنْ اعتقدَهُ كُفْراً فخاطبَهُ بهذا بناءً على اعتقادِهِ أَنَّهُ كافرٌ يَكَفَرُ؛ لأَنَّهُ لَّا اعتقدَ المسلمَ كافراً فقد
اعتقدَ دينَ الإِسلامِ كُفْراً)) اهـ.
[١٨٩٤٩ ] (قولُهُ: كَفَرَ) أي: لأنَّ إجابتَهُ إقرارٌ بأنَّهُ كافرٌ، فُؤَاخَذُ بهِ لرضاهُ بالكفرِ ظاهِرًاً، إلاّ إذا
كان مُكرَهاً، وأمَّا فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى فإنْ كانَ متأوّلاً بأنّهُ كافرٌ بالطَّاغُوتِ مثلاً فلا يَكْفُرُ.
١٨٩٥٠٠ ] (قولُهُ: فيكونُ مُحْتَمِلاً) قالَ في "الشُّرُ نِلالَيَّة)(٧): ((ويُرَجَّحُ خلاقُهُ حالةَ السَّبِّ
(قولُهُ: أي: يَكْفُرُ إنْ اعتقدَهُ كافراً لا بسببٍ مكفّرٍ إلخ) بل باعتقادِهِ عقائدَ الإسلامِ، فقد اعتقدَ
دينَ الإسلامِ كفراً، وهذا أحدُ ما حُمِلَ عليه حديثُ: ((إذَا كَفَّرَ الرَّجلُ أخاهُ فقد باءَ بها أحدُهما))، أي:
رجعَ بكلمةِ الكفرِ، وقالَ في "شرح المشارق": ((إنّه محمولٌ على المُسْتَحِلِّ، وإلاَّ فالحديثُ مُشْكِلٌ؛ لأنّه
إذا لم يعتقدْ بطلانَ الإِسلامِ يكونُ كاذباً، والكبيرةُ لا تُكفّرُ عندَنا)).
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب السِّير ق ١٤٧ /ب بتصرف.
(٢) في "د" و"و": ((بلبيك)).
(٣) لم نعثر عليها في مظانها من "خلاصة الفتاوى".
(٤) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٤٦/٥.
(٥) صـ ٢٦١ - "در".
(٦) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/أ.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصلٌ: التعزيرُ تأديبٌ دون الحدِّ ٧٦/٢ بتصرف يسير (هامش
"الدرر والغرر").
الجزء الثاني عشر
٢٣٧
بابُ التَّعزير
يا فاجرُ، يا مُخَنَّثُ، يا خائنٌ)، یا سفيهُ» .....
فلهذا أطلقَهُ في "الهداية"(١) وغيرِها)).
[١٨٩٥١] (قولُهُ: يا فاجرُ) يستعملُ في عرفِ الشَّرعِ بمعنَى الكافرِ والزَّاني، وفي عرِفِنا اليومَ
بمعنى: كثيرِ الخصامِ والمنازعةِ، قالَ في "البحر"(٢): ((وأفادَ بعطفِهِ ((يا فاجرُ)) على ((يا فاسقُ))
الَّغايرَ بينَهما؛ ولذا قالَ في "القنية"(٢): لو أقامَ مدَّعي الشَّتْمِ شاهدَينِ شهدَ أحدُهما أنَّهُ قالَ لهُ: يا
فاسقُ والآخرُ على أَنَّهُ قالَ لهُ: يا فاجرُ لا تُقبَلُ هذهِ الشَّهادةُ)) اهـ.
١٨٣/٣
[١٨٩٥٢) (قولُهُ: يا مُخَنَّثُ) بفتحِ النُّونِ، أمَّا بكسرِها فمرادفٌ لُوطيِّ، "نهر "(٤)، وقِيلَ:
المخَّثُ مَن يُؤْتَى كالمرأةِ، وعليهِ اقتصرَ في "الدُّرِ المنتقى" (٥)، ونقلَ بعضُ المحشِّينَ عن
"الإشاراتِ" (٦): ((أَنَّ كسرَ النُّونِ أفصحُ والفتحَ أشهرُ، وهو مَن خَلْقُهُ خَلْقُ النّساءِ في حركاتِهِ
وسكناتِهِ وهيآتِهِ وكلامِهِ، فإنْ كانَ خِلقةً فلا ذمَّ فيهِ، ومَن يتكلَّفُهُ فهو المذمومُ)).
[١٨٩٥٣] (قولُهُ: يا خائنٌ) هو الَّذي [٤/ق١٨٢/أ] يخونُ فيما في يدِهِ مِن الأماناتِ، "أبو
السُّعود(٧) عن "الحمَويّ)".
[١٨٩٥٤ ) (قولُهُ: يا سفيهُ) هو المبذِّرُ المسرفُ، وفي عرفنا اليومَ بمعنى بذيِّ الِّسانِ.
(قولُهُ: وأفادَ بعطفِهِ ((يا فاجرُ)) على ((يا فاسقُ)) النَّغايُرَ بينَهما إلخ) في "النَّهر ": ((الظَّاهرُ: أنَّ
الأوَّلَ أعمُّ والثَّانِيَ أخصُّ)) اهـ. ثُمَّ إنَّ الظَّاهرَ عدمُ قَبولِ الشَّهادةِ فيما لو شهدَ أحدُهما بمرادفِ ما شهدَ
به الآخرُ لاختلافِ المشهودِ به، كما لو شهدَ أحدُهما أَنَّه قذفَهُ بالعربيّةِ والآخرُ بالفارسيَّةِ.
(١) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٦/٢.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥- ٤٨.
(٣) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/أ.
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/ب.
(٥) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٦١٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) لعلَّه "الإشارات في ضبط المشكلات" لأبي إسحاق إبراهيم بن علي، نجم الدين الطَّرَسوسيِّ (ت ٧٥٨ هـ)
("كشف الظنون" ٩٧/١ ، "الطبقات السنية" ٢١٣/١، "الفوائد البهية" صـ ١٠-).
(٧) "فتح المعين": كتاب الحدود - باب حد القذف - فصل في التعزير ٣٨٧/٢.
-
حاشية ابن عابدين
٢٣٨
بابُ التَّعزير
يا بليدُ، يا أحمقُ، يا مُبَاحِيٌّ، يا عَوَانِيُّ، (يا لُوطيُّ)، وقيلَ: يُسأَلُ، فإنْ عنى أنَّه من قومٍ لوطٍ
عليه الصلاةُ والسلامُ لا يُعرَّرُ، وإنْ أرادَ به أَنَّه يعملُ عملَهم عُزِّرَ عندَهُ، وحُدَّ عندَهما،
والصَّحيحُ تعزيرُهُ لو في غضبٍ أو هزلٍ، "فتح". (يا زِنْدِيقُ)، يا منافقُ، يا رافضيُّ، ....
[١٨٩٥٥) (قولُهُ: يا بليدُ) إنَّما يُعزَّرُ؛ لأَنَّهُ يُستعمَلُ بمعنى الخبيثِ الفاجرِ، "نهر"(١) عن "السِّراج".
قلتُ: وهو في العرفِ اليومَ بمعنى قليلِ الفهمِ، فينبغي أنْ لا يُعزَّرَ بِهِ، ثُمَّ رأيتُ في "الفتح"(٢)
قال: ((وأنا أظنُّ أَنَّهُ يشبهُ: يا أبلهُ، ولم يُعزِّرُوا بهِ)).
[١٨٩٥٦) (قولُهُ: يا أحمقُ) بمعنى ناقصِ العقلِ سيءِ الأخلاقِ.
[١٨٩٥٧) (قولُهُ: يا مُّبَاحِيُّ) هو مَن يعتقدُ أنَّ الأشياءَ كلَّها مباحةٌ.
[١٨٩٥٨] (قولُهُ: يا عَوَانِيُّ) هو السَّاعي إلى الحاكمِ بالنَّاسِ ظلماً.
[١٨٩٥٩] (قولُهُ: أو هَزْلٍ) عبارةُ "الفتح"(٣): ((قلتُ: أو هزلُ مَن تعوَّدَ بالهزلِ بالقبيحِ)) اهـ.
(١٨٩٦٠) (قولُ: يا زِنْدِيقُ، يا منافقُ) الأَوَّلُ: هو مَن لا يتديَّنُ بدِيْنٍ، والّاني: هو مَن يُبْطِنُ
الكفرَ ويُظْهِرُ الإسلامَ كما سيذكرُهُ(٤) فِي الرِّدَّةِ عن "الفتح".
(١٨٩٦١] (قولُهُ: يا رافضيُّ) قالَ في "البحر " (٥): ((ولا يخفى أنَّ قولَهُ: يا رافضيُّ بمنزلةٍ
قوله(٦): يا كافرُ أو: يا مبتدعُ فُيُعزَّرُ؛ لأنَّ الرَّافضيَّ كافرٌ إنْ كانَ يَسُبُّ الشَّيخينِ، ومبتدعٌ إِنْ
فضَّلَ علّاً عليهما مِن غيرِ سبِّ كما في "الخلاصة"(٧)) اهـ.
(قولُهُ: الأوَّلُ هو مَن لا يتديَّنُ بدِيْنٍ) وجعلَهُ في "النّهر" بمعنى المنافقِ.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٥/٥.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٤/٥.
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٠٣٧٨] قوله: ((الذي لا يتدين بدين)).
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٧/٥.
(٦) ((قوله)) ليست في "الأصل" و"ب" و"م".
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب ألفاظ الكفر - الفصل الأول فيما يكون إسلاماً وفيما لا يكون ق ٣١٦/أ.
الجزء الثاني عشر
٢٣٩
بابُ التَّعزِيرِ
يا مُبْتَدِعِيُّ، يا يهوديُّ، يا نصرانيُّ، يا ابنَ النصرانيِّ، "نهر"(١). (يا لِصُّ إلا أنْ
يكونَ لِصَّ) لصدقِ القائلِ.
قلتُ: وفي كفرِ الرَّافضيِّ بمجرَّدِ السَّبِّ كلامٌ سنذكرُهُ(٢) إنْ شاءَ اللهُ تعالى في بابِ المرتدِّ،
نعم لو كانَ يَقْذِفُ السَّيِّدَةَ عائشةَ رضيَ الله تعالى عنها فلا شكَّ في كفرِهِ.
[١٨٩٦٢) (قولُهُ: يا مُبْتَدِعِيُّ) أهلُ البدعةِ: كلُّ مَن قالَ قولاً خالفَ فيهِ اعتقاد أهلِ السُّنَّةِ
والجماعةِ.
(١٨٩٦٣) (قولُهُ: يا لِصُّ) بكسرِ اللَّمِ وتُضَمُّ، "در منتقى)(٣).
[١٨٩٦٤] (قولُ: إلاَّ أنْ يكونَ لِصّاً) الأَولى أنْ يقولَ: إلاَّ أنْ يكونَ كذلكَ؛ لئلاَ يوهِمَ(٤)
اختصاصَهُ باللِّصِّ؛ إذ لا فرقَ بينَ الكلِّ كما بحثَهُ في "اليعقوبَّة"، وقالَ: ((إِنَّهُ لا تصريحَ بِهِ)) اهـ.
قلتُ: ويدلُّ لهُ قولُهُ في "الفتح"(٥): (وقَّدَ "النَّاطفيُّ" بما إذا قالَهُ لرجلٍ صالحٍ، أمَّا لو قالَ
الفاسق: يا فاسقُ، أو للِّصِّ يالصُّ، أو الفاجرٍ: يا فاجرُ لا شيءَ عليهِ، والتَّعليلُ يُفيدُ ذلكَ وهو قولُنا:
إنَّهُ آذاهُ بما ألحقَ بهِ مِن الشَّينِ، فإنَّ ذلكَ إلَّا يكونُ فيمَن لم يُعلمِ اتّصافُهُ بهذهِ، أمَّا مَن عُلِمَ فإنَّ
الشَّيْنَ قد ألحقَهُ بنفسِهِ قبلَ قولِ القائلٍ)). اهـ كلامُ "الفتح".
قلتُ: ويظهرُ مِن هذا وكذا مِن قولِ "المصنّف" السَّابقِ (٦): ((إلاّ أنْ يكونَ معلومَ الفسقِ))
أنَّ المرادَ المجَاهِرُ المشتهرُ بذلكَ، فلا يُعزَّرُ شاتُهُ بذلكَ كما لو اغتابَهُ فيهِ بخلافِ غيرِهِ؛ لأنَّ فيهِ إيذاءَهُ
(قولُهُ: ويظهرُ من هذا وكذا من قَولِ "المصنّفِ" السَّابِقِ: ((إلاَّ أنْ يكونَ معلومَ الفسقِ)) أنَّ المرادَ الْمُحاهِرُ
إلخ) الظَّاهرُ: أنَّ المدارَ على تحقُّقٍ فسقِهِ وإنْ لم يشتهرْ به كما هو المفهومُ من كلامِهم ومن تعليلِ المسألةِ.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١١/ أ - ب بتصرف.
(٢) المقولة [٢٠٣٤٦] قوله: ((لكنْ في "النهر" إلخ))
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٦١٠/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) في "آ": ((يتوهم)).
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٤/٥.
(٦) صـ ٢٣١ - "در".
حاشية ابن عابدين
٢٤٠
بابُ التَّعزير
كما مرَّ(١)، والنداءُ ليسَ بقيدٍ؛ إذِ الإخبارُ كـ:أنتَ أو فلانٌ فاسقٌ ونحوُهُ كذلك ما
لم يَخْرِجِ مَخرجَ الدَّعوى، "قنية"(٢). (يا دُيُوتُ) هو: مَن لا يَغَارُ على امرأتِهِ أو محَرمِهِ
بما لم يُعلمِ اتّصافُهُ بِهِ، وتقدَّمَ(٣) أَنَّهُ يُعزَّرُ بالغِيبةِ وهي [٤/ق ١٨٢ /ب] لا تكونُ إلَّ بوصفِهِ بما فيهِ،
وإلاّ كانَت بهتاناً، فإذا عزِّرَ بوصفِهِ بما فيهِ ثَمّا لم يُتَجاهرْ بِهِ ففي شتمِهِ بهِ في وجهِهِ بالأَولى؛ لأَنَّهُ
أشدُّ في الإيذاءِ والإهانةِ، هذا ما ظهرَ لي، فتأمَّله.
[١٨٩٦٥) (قولُهُ: كما مرَّ) أي: عندَ قولِهِ: ((يا فاسقُ)).
[١٨٩٦٦) (قولُهُ: ما لم يَخْرِجْ مَخْرجَ الدَّعوى) قيدٌ للزومِ التّعزيرِ بالإخبارِ عن هذهِ
الأوصافِ، يعني: أَنَّهُ إذا ادَّعى عندَ الحاكمِ أنَّ فلاناً فعَلَ كذا مما هو مِن حقوقِ اللهِ تعالى، فإنَّ
المدَّعيَ لا يُعزَّرُ إذا لم يكنْ على وجهِ السَّبِّ والانتقاصِ، بل يُعزَّرُ (٤) المدَّعى عليهِ؛ لِما سيذكرُهُ(٥)
"الشَّارِحُ" عن كفالةِ "النَّهر" أنَّ كلَّ تعزيرٍ لله تعالى يكفِي فيهِ خبرُ العدلِ، وكذا لو ادَّعى عليهِ
سرقةً، أو ما يُوجِبُ كفراً وعجزَ عن إثباتِهِ، بخلافِ دعوى الزِّنى كما يأتي(٦)، والفرقُ وجودُ
النَّصِّ على حدِّهِ للقذفِ إذا لم يأتِ بأربعةٍ مِن الشُّهداءِ.
[١٨٩٦٧) (قولُهُ: يا دُّثُ) بتثليثِ الدَّالِ، "ط((٧)، ومثلُهُ القَوَّادُ في عرفِ مصرَ والشَّامِ،
"فتح "(٨).
(١) صـ ٢٣١ - "در".
(٢) "القنية": كتاب الحدود - باب في التعزير ق ٦١/ب.
(٣) المقولة [١٨٩٢٧] قوله: ((لأنه غيبة)).
(٤) من ((المدَّعي)) إلى ((بل يُعَزَّر)) ساقط من "آ".
(٥) صـ ٢٥٩ - "در".
(٦) صـ ٢٤٩ - "در".
(٧) "ط": كتاب الحدود - باب التعزير ٤١٣/٢.
(٨) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ١١٤/٥.