النص المفهرس
صفحات 201-220
الجزء الثاني عشر
١٩٩
بابُ حدِّ القذف
= وأخرج الطبراني في "الأوسط" (١٥٠٣) عن إبراهيم بن راشد حدثنا المعلى حدثنا عبد الحميد عن أبيه عن يحيى بن
عبد الرحمن بن حاطب عن أبي سعيد الخدري ... فذكره ثمَّ قال: لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به
معلَّى اهـ. ومعلَى: قال أبو حاتم: متروك وكذبه ابن المديني وابن معين والدراقطني وقد سرقه من خالد بن إلياس المتروك.
فقد أخرجه أبو الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٣٥٤) عن خالد عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبي سعيد فذكره.
وأخرجه عبدُ بن حُميد (٨٨٥)، والطبراني في "الأوسط" (٩٤٤٢)، و"الصغير" ١٢٥/٢، وعنه الخطيب في
"تاريخه" ٥٢١/١٣، والخرائطي في "مكارم الأخلاق" كما في "الكنز" (٦٣٩٧) عن خالد عن يحيى بن عبد الرحمن
عن أبي سلمة عن أبي سعيد وكل هذا تخليطٌ لا يصح منه شيء.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" ١٧/(٨٦٤) ويعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" ٥١٠/٢ ، وعنه الخطيب في "تالي
التلخيص" (٩) عن عبد الله بن صالح حد ثني يحبى بن أيوب عن عيّاش بن عبّاس عن واهب بن عبد الله المعافري قال:
قدم رجل من أصحاب النبي ﴿ من الأنصار على مسلمة بن مخلد فألفاه نائماً [فأيقظه ثم أرسلا إلى عقبة فجاء] فقال :
هل سمعت رسول الله ﴿ في ستر المؤمن؟ قال عقبة: أنا أبو حماد سمعت رسول اللـهل ل يقول :....... فذكر نحو
حديث أبي سعيد [ليس فيها فكأنما أحيا موؤدة]، وأخرج ابن عبد البر في "التمهيد" ١٢٧/٢٣ عن عمرو بن الحارث
عن أبيه عن مولىِّ لخارجة حدَّثَّهُ عن أبي صيّاد الأسود الأنصاري وكان عريفهم أن رجلاً من الأنصار قدم - أي مصر -
فحلَّ عند مسلمة ... فذكر نحوه، وأخرجه أحمد ١٥٣/٤، والحميدي (٣٨٤)، وعنه الخطيب في "الرحلة في طلب
الحديث" (٣٤) و"الأسماء المبهمة" صـ ٦٤ - عن سفيان بن عيينة ومحمد بن بكر البُرساني عن ابن جريج سمعت أبا سعد
الأعمى يحدث عطاء بن أبي رباح قال: خرج أبو أيوب إلى عقبة بمصر فأتى مسلمة فدله على عقبة فقال: حَدَّثْنا ما
سمعته من رسول الله مح له لم يبق أحد سمعه فذكر نحوه مع القصة بطولها، وأخرجه أحمد ١٠٤/٤ و١٥٩، وعنه ابن
قائع في "معجم الصحابة" ٨٤/٣، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١٣٧٦) (١٣٧٧)، وأخرجه عبد الرزاق
(١٨٩٣٦)، وابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (١١٣)، وابن عساكر في "تاريخه" ٥٥،٥٤/٥٨ (عبد الرزاق ومحمد بن
بكر وسفيان ويحيى بن أبي بُكير) أخبرنا ابن جريج عن محمد بن المنكدر عن أيوب عن مسلمة بن مخلد أن النبي صلّ
قال: ((من ستر مسلما ..... ))، وقال ابن جريج مرة: وركب أبو أيوب ........ فذكره مرسلاً، وزاد عبد الرزاق
فحَدَّثَ بهذا الحديث أبو سعدٍ عطاءً، قال الذهبي في "السير" ٤٢٢/٩: هذا غريبٌ فَرْدٌ اهـ. أي: عن البُرساني! وقد
رأيتَ من تابعه، وقال أيضاً ٣٣٤/٦: هذا حديث جيد الإسناد اهـ، مع أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي أيوب،
لذلك قال ابن حجر في "الفتح"٢٣٠/١: إسناده منقطع اهـ. وقال العلائي في "جامع التحصيل": الظاهر أنه مرسل، فلو
نظرنا إلى زيادة عبد الرزاق علمنا أنه اعتمد على أبي سعد المكي الأعمى، وقال ابن حجر والذهبي: مجهول، قال أبو حاتم:
هذا حديث مضطرب الإسناد كما في "العلل" ١٦٤/٢، وأخرجه ابن شاهين كما في "الإصابة" ١٩٦/١ عن نصر بن علي
عن محمد بن بكر عن ابن جريج عن ابن المنكدر عن أبي أيوب عن ثابت بن مخلد، كذا قال وبَيَّنَ أبو نعيم أن هذا خطأ
على البُرساني، وقال: وهو وَهَمّ ظاهر؛ لأن الأثباتَ رَوَوه عن محمد بن بكر فقالوا: مسلمة بن مخلد، نعم ونصر بن علي
الجَهضمي أجلُّ من هذا الوَهم، فقد أخرجه الخطيب في "تاريخه" ١٥٥/١٣-١٥٦ من طريق أبي حامد محمد بن هارون
الحضرمي وواهب بن يحيى البصري كلاهما عن نصر به ، وقال (مسلمة) فالخطأ من شيخ ابن شاهين والله أعلم .=
حاشية ابن عابدين
٢٠٠
بابُ حدِّ القذف
= وأخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢١٦) "المنتقى" والطبراني في "الأوسط" (٤٩٩٢) (٨٠٨٥) وابن
عدي ٥٤/٧ والبيهقي في "الشعب" (٩٦٥٤) وأبو سهل القطان في "الفوائد المنتقاة" ق (٩٧/أ) من طريق أبي
الربيع الزهراني وإبراهيم بن أبي العباس ومحمد بن أبي مَعْشر عن أبي مَعْشر نَحَيح عن محمد بن المنكدر عن جابر
مرفوعاً، قال الطبراني: لم يروه عن محمد المنكدر إلا أبو مَعْشر، تفرد به أبو الربيع كذا قال، وأبو معشر ضعيف،
وواضح أنه أخطأ على محمد بن المنكدر حيث خالفَ ابنَ جريج، وأخرجه البخاري في "تاريخه" ١٦٥/٢ من
طريق محمد بن عبد الله بن مهاجر عن ثابت الطائفي قال رأيت جابر بن عبد الله أتى عقبة فذكره، وأخرجه
أحمد ١٠٤/٤، وعنه الطبراني ١٩/ (١٠٦٧)، و"مسند الشاميين" (٣٤٩٤) وأبو نعيم في "المعرفة" (٦٠٦٠) من
طريق عبَّاد بن عبَّاد وابن أبي عدي والمعتمر بن سليمان وأزهر بن سعد عن ابن عون عن مكحول أنَّ عقبة أتى
مسلمة بمصر وكان بينه وبين البواب شيء فسمع صوته فأَذِنَ له فقال: لم آتك زائراً ولكني جئتك لحاجةٍ، أتذكر
يوم قال رسول الله مُ ﴿ل:((مَن عَلِمَ من أخيه سيئةً فسترها ستره الله عز وجل بها يوم القيامة)) فقال: نعم، فقال:
لهذا جئت اهـ. رواية المعتمر مختصرة، وقال: ( عن عقبة) بدل (مسلمة).
وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (٣٥٠٢) عن سالم بن نوح حدثنا ابن عون عن مكحول عن مسلمة
مرفوعاً (( من عرف من أخيه سيئة ... )).
وأخرجه الطبراني في "الكبير" ١٧/(٩٦٢) و"الأوسط" كما في "مجمع البحرين" عن هلال بن حق - وثقه ابن
حبان - عن ابن عون وهشامٍ عن محمد بن سيرين، قال: خرج عقبة إلى مسلمة ... ولا شك أنَّ هذا خطأ،
فالصحيح أنَّ ابن عون رواه عن مكحول لا ابن سيرين.
وأخرجه أحمد ٦٢/٤، ٣٧٥/٥ حدثنا مُؤمَّل بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا عبد الملك بن عُمير عن مُنيب عن
عمه قال: بلغ رجلاً من أصحاب رسول الله ... فذكر نحوه، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٨١٣٣) من طريق
عبيد الله بن محمد - يعني ابن أبي عائشة - عن يحيى بن أبي الحجاج عن أبي سنان عيسى القَسْمَلي عن رجاء بن
حَيْوة سمعت مسلمة بن مخلد (وفيه أن جابراً هو الذي رحل)، ثم قال: لم يروه عن رجاء إلا أبو سنان تفرَّد به
ابن أبي عائشة، وأبو سنان ويحبى ضعيفان.
وأخرجه عبد الرزاق (١٨٩٣٥) أخبرنا محمد بن راشد أخبرنا سليمان بن موسى عمَّن حدَّته عن رجلٍ من الأنصار من
أصحاب النبي { .. وأخرجه الخطيب في "الرحلة" (٣٥) عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي - ضعيف - حدثني مسلم
ابن يسار (ح) و (٣٦) عن جعفر بن بُرقان عن يحيى بن راشد الدمشقي (ح) و(٣٧)، عن سيَّار عن جرير بن حيَّان
كلُّهم ذكرَ هذه القصةَ مرسلةً، فأنت ترى أنها قصة تدوالها أهل مصر والشام ومكة والمدينة، فهي قوية على قاعدة
اختلاف طرق المرسل.
وأخرجه أبو نعيم في "المعرفة" (٣٧٤٢) عن الطبراني (٧٢٣١)، والضياء في "المختارة" كما في "الجامع الصغير" عن معتمر
ابن سليمان عن سَلّم بن أبي الذيال عن أبي سنان رجل من أهل المدينة سمع جابر بن عبد الله يحدث عن شهاب رجل من
أصحاب رسول الله ﴿ كان ينزل مصر أنه سمع رسول الله ﴿ الستر على المؤمن فرحل إليه [مختصراً].
قال في "المجمع" ٢٤٧/٦: سَلْم وأبو سنان لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
==
الجزء الثاني عشر
٢٠١
بابُ حدِّ القذف
بذلكَ، فلم يجزْ لهُ استيفاؤُهُ، بخلافِ حدِّ القذفِ والقَودِ؛ فإنَّ لهُ مطالِباً، وهو المقذوفُ ووليُّ
المقتولِ، حَتَّى قبلَ: إنَّ إقامةَ النَّعزيرِ لصاحبِهِ كالقصاصِ كما نقلَهُ في "المحتبى"، فلم يوجَدْ مِن
القاضي تُهَمَةٌ فِيهِ فكانَ لهُ استيفاؤُهُ فيما بينَهُ وبينَ الله تعالى؛ لأنَّ القضاءَ ليسَ شرطاً لاستيفاء
القصاصِ بل للتَّمكينِ كما مرَّ(١) قبيلَ بابِ الشَّهادةِ على الزِّنى، هذا ما ظهرَ لي في تقريرِ هذا
المحلِّ، فتأمَّله، والله سبحانه أعلمُ.
(قولُهُ فلم يوجدْ من القاضي تهَمَةٌ فيه فكانَ له استيفاؤُهُ فيما بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى إلخ) المعوَّلُ عليه
أنَّ القاضيَ لا يقضي بعلمِهِ ولو في حقوقِهِ تعالى الخالصةِ.
= وأخرجه أبو نعيم في "المعرفة" (٣٧٤٣) عن الحسن بن سفيان في "مسنده"، وابن منده في "المعرفة" كما في "الإصابة"
١٥٩/٢ من طريق عيسى بن حُميد الراسبي أبي همام وكان صدوقاً، حدثنا حفص عن جابر فذكر نحوه. قال أبو نعيم:
رواه سلم بن قتيبة عن عيسى نحوه، ولم يكنِّ حفصاً، وقال: حفص من بني الحارث بن راسب، وكنّاه مسلم بن
إبراهيم، وقال: (حفص أبو النضر)، وحكم بعض المتأخرين أنه هو أبو سنان المديني روى عنه جماعة من البصرين.
وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦١٥٢)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢٣٣/٥ -٢٣٤، وابن عساكر ١٣٥/٥١، من
طريق طلحة بن زيد عن الوضين بن عطاء عن بلال بن سعد عن جابر مرفوعاً به.
قال أبو نُعيم والطبراني: غريب من حديث الوضين عن بلال تفرَّد به طلحة اهـ. وطلحة هذا قد كذَّبه أحمد وأبو داود،
وضعَّفه غيرهم، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٩٢٦) من طريق أبي الملِيح عن أبي صالح الخُوزِي عن أبي
هريرة مرفوعاً ((من رأى من أخيه رِبْقَةً في دينه فستره عليها كانت له حسنةً يوم القيامة))، ثمَّ قال: لم يروه عن
أبي مليح المدني إلا ابن نافع ومروان بن معاوية، قال في "المجمع" ٢٤٧/٦: وأبو صالح الخُوزِي ضعيف.
وأخرجه البيهقي في "الشعب" (٩٦٥٣) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن
أبي هريرة مرفوعاً ((من أطفأ عن مؤمن سيئةً كان خيراً ممن أحيا موؤدة)) لفظ ابن راهويه عن الوليد: ((من ستر
على مؤمن فاحشة ...... ))، هكذا رواه الوليد مرفوعاً، وخالفه عيسى بن يونس فرواه عن الأوزاعي عن
عبد الواحد عن أبي هريرة موقوفاً.
أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤٧/٦ في الأدب - الستر على الرجل و١٨٧/٨ في الزهد - كلام أبي هريرة، عن عيسى به.
وفي الباب حديث مسلم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((ومن ستر مسلماً ستره الله في
الدنيا والآخرة)) وحديث ابن عمر نحوه والله أعلم.
(١) صـ ١٠٣ - "در".
حاشية ابن عابدين
٢٠٢
بابُ التَّعزير
﴿بابُ التَّعْزِيرُ﴾
هو لغةً: التأديبُ مطلقاً، وقولُ "القاموسِ"(١): ((إنّه يُطلَقُ على ضربِهِ دونَ
الحدِّ(٢)) غلطٌ، "نهر "(٢). وشرعاً :.
﴿بابُ التَّعْزِيرُ﴾
لَّا ذكرَ الزَّواجرَ المقدَّرةَ شرعَ في غيرِ المقدَّرةِ، وأَخَّرَها لضعفِها، وألحقَهُ بالحدودِ معَ أنَّ منهُ
ما هو محضُ حقِّ العبدِ لِمَا أَنَّهُ عقوبةٌ، وتمامُهُ في "النَّهر"(٣).
[١٨٨٧٠) (قولُهُ: هو لغةً: التَّأديبُ مطلقاً) أي: بضربٍ وغيرِهِ دونَ الحدِّ أو أكثرَ منهُ، ويُطلَقُ
على التَّفخيمِ والتّعظيمِ، ومنهُ: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح - ٩]، فهو مِن أسماءِ الأضدادِ.
(١٨٨٧١] (قولُهُ: غَلَطٌ) لأنَّ هذا وضعٌ شرعيٌّ لا لغويٌّ؛ إذ لم يُعرَفْ إلَّ مِن جهةِ الشَّرعِ،
فكيفَ نُسِبَ لأَهلِ اللُّغَةِ الجاهلينَ بذلكَ مِن أَصِ؟! والّذي في "الصَّحاح"(٤) بعد تفسيرِهِ بالضَّرَّبِ:
ومنهُ سمِّيَ ضربُ ما دونَ الحدِّ تعزيراً، فأشارَ إلى أنَّ هذهِ الحقيقةَ الشَّرعيَّةَ منقولةٌ عن الحقيقةِ اللُّغويَّةِ
بزيادةِ قيدٍ، هو كونُ ذلكَ الضَّربِ دونَ الحدِّ الشَّرعيِّ، فهو كلفظِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ ونحوِهما المنقولةِ
لوجودِ المعنَى اللُّغويِّ فيها وزيادةٍ، وهذهِ دقيقةٌ مهمَّةٌ تقطَّنَ لها صاحبُ "الصَّحاح"، وغَفَلَ عنها
صاحبُ "القاموس"، وقد وقعَ لهُ نظيرُ ذلكَ كثيراً، وهو غلطٌ يتعيّنُ النَّفطُّنُ لهُ اهــ "نهر "(٥) عن
"ابنِ حجرٍ المكيِّ" (٦)، وأجيبَ بأَنَّهُ لم يلتزمِ الألفاظَ اللُّغويَّةَ فقط، بل يذكرُ المنقولاتِ الشَّرعيَّةَ
﴿بابُ التَّعزِير﴾
(قولُهُ: وَأُجيبَ بأَنَّهُ لم يلتزمِ الألفاظَ اللُّغْوِيَّةَ إلخ) المجيبُ هو السَّدُ "الحَمَويُّ"، قالَ: ((وربَّما يُشعِرُ
كلامُهُ في "الدِّيباجة" بذلكَ أي: بعدمِ التزامِهِ الألفاظَ اللُّغويَّةَ))، وبهذا يسقُطُ تنظيرُ المحشِّي الآتي، تأمَّل.
(١) "القاموس": مادة ((عزر)).
(٢) في "و": ((ضرب ما دون الحدِّ)).
(٣) انظر "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٠/أ.
(٤) "الصَّحاح": مادة ((عزر)).
(٥) "النهر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ق ٣١٠/أ.
(٦) "تحفة المحتاج": كتاب الأشربة - فصل في التعزيز ١٧٥/٩.
الجزء الثاني عشر
٢٠٣
بابُ التَّعْزِيرِ
(تأديبٌ دونَ الحدِّ، أكثرُهُ تسعةٌ وثلاثونَ سوطاً،.
والاصطلاحيَّةَ، وكذا الألفاظَ الفارسيَّةَ تكثيراً للفوائدِ، وفيهِ نظرٌّ؛ لأنَّ كتابَهُ موضوعٌ لبيانِ المعاني
اللُّغْوِيَّةِ، فحيثُ ذكرَ غيرَها كانَ عليهِ الَّبِيهُ عليهِ، لئلاّ يُوقِعَ النَّاظِرَ في الاشتباهِ.
[١٨٨٧٢] (قولُهُ: تأديبٌ دونَ الحدِّ) الفرقُ بينَ الحدِّ والَّعزيرِ: أنَّ الحدَّ مقدَّرٌ والَّعزيرَ مفوَّضٌ
إلى رأيِ الإِمامِ، وأنَّ الحدَّ يُدرأُ بالشُّبهاتِ وَالَّعزيرَ يجبُ معَها، وأنَّ الحدَّ [٤/ق١٧٥/ أ] لا يجبُ على
الصَّبِيِّ والتّعزيرَ شُرِعَ عليهِ، وأنَّ الحدَّ يُطَلَقُ على النِّمِّيِّ والنَّعزيرَ يُسمَّى عقوبةً لهُ؛ لأَنَّ الَّعَزِيرَ شُرِعَ
لّطهيرِ، "تاتر خانيَّة"(١). وزادَ بعضُ المتأخرينَ أنَّ الحدَّ مختصٌّ بالإِمامِ، والنَّعزيرَ يفعلُهُ الزَّوجُ والمولَى
وكلُّ مَن رأى أحدً يباشِرُ المعصيةَ، وأنَّ الرُّجوعَ يَعملُ في الحدِّ لا في الَّعزيرِ، وَأَنَّهُ يُحَبَسُ المشهودُ
عليهِ حَتَّى يُسأَلَ عن الشُّهودِ في الحدِّ لا فِي الَّعزيرِ، وأنَّ الحدَّ لا تجوزُ الشَّفاعةُ فِيهِ، وَأَنَّهُ لا يجوزُ
للإمامِ تركُهُ، وأَنَّهُ قد يسقطُ بالتّقادمِ بخلافِ الَّعزيرِ، فهي عشرةٌ.
قلتُ: وسيجيءُ(٢) غيرُها عندَ قولِهِ: ((وهو حقُّ العبدِ)).
[١٨٨٧٣] (قولُهُ: أكثرُهُ تسعَةٌ وثلاثونَ سَوطاً) لحديثِ: (مَنْ بَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدِّ فَهُوَ مِنَ
المعتَدِينَ)(٣)، وحدُّ الرَّقِيقِ أربعونَ فنقصَ عنهُ سَوطً، و"أبو يوسفَ" اعتبرَ أقلَّ حدودِ الأحرارِ؛
(١) "التاتر خانية": باب الحدود - الفصل الثامن في التعزير ١٣٨/٥ بتصرف، نقلاً عن "نصاب الاحتساب".
(٢) المقولة [١٨٩٩٧] قوله: ((وهو أي: التعزير إلخ)).
(٣) أخرجه البيهقي ٣٢٨/٨ في الأشربة - باب ما جاء في التعزير وأنَّه لا يُبلغ به أربعين، من طريق ابن ناجية، وعزاه
في "التنقيح" إلى "فوائده" كما في "نصب الراية" ٣٥٤/٣ قال: حدّثنا محمدُ بنُ حُصين الأصبحيُّ، حدّثنا عمرُ بن
علي المقدّميُّ، ثنا مِسعر عن خاله الوليدِ بن عبد الرحمن، عن النُّعمان بن بشيرٍ - كذا قال - قال رسولُ اللهِ﴾من:
... فذكرَه. ومع أنَّ عمر المقدّميَّ قد صرَّح بالتحديث إلا أنَّه كان يُدلِّس تدليسَ القطع يقول: سمعتُ، وحدَّثُنا
ثم يسكتُ، ثمَّ يقولُ: هشام .... قال البيهقيُّ: والمحفوظُ: هذا الحديث مرسلٌ، ثمَّ أخرجه من طريق أبي داود،
وأخرجه محمدُ بنُ الحسن الشيبانيُّ في "الآثار" (٦١٠) في القصاص والحدود - باب التعزير، كلاهما عن مسعر:
أخبرني الوليد [زاد محمد] بن عثمان، عن الضحَّاك [زاد محمد] بن مزاحم، قال رسول الله صل ... مرسلاً . =
حاشية ابن عابدين
٢٠٤
بابُ التَّعزير
= وأخرج عبد الرزاق (١٣٦٧٦) في الحدود - بابٌ: لا يَبلُغُ بالحدود العقوبات، من طريق إسماعيلَ بنِ أَيُّوبَ، عن
أبيه وغيره، عن أبي بكرٍ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ أَنَّه قال: ((لا تَبَلِغُ العقوبةُ بالحُدودِ)).
وأخرج البيهقيُّ في "الكبرى" ٣٢٧/٨ من طريق سعيد بن منصورٍ، حدثنا هُشَيمٌ، أخبرنا المغيرةُ قال: كتب عمرُ بنُ عبد العزيز:
((أن لا يبلغ في الَّعزير أدنى الحدودِ أربعين سوطاً))، بل أخرج البخاريُّ (٦٨٤٨) و(٦٨٤٩) و(٦٨٥٠) في الحدود - باب
كم التعزير والأدب؟، ومسلم (١٧٠٨) في الحدود - بابٌ: قدرُ أسواطِ الَّعزير، وأبو داود (٤٤٩١) و(٤٤٩٢) في الحدود -
باب في التعزير، والترمذيُّ (١٤٦٣) في الحدود - باب ما جاء في التعزير، والنسائي في "الكبرى" (٧٣٣٠) و(٧٣٣١)
و(٧٣٣٢) أبواب التعزيرات والشهود - كم التعزير؟، وابن ماجه (٢٦٠١) في الحدود - باب التعزير، وأحمد ٤٦٦/٣،
وعبدالرزاق (١٣٦٧٧)، والطبرانيُّ ٢٢/ (٥١٤) و(٥١٥) و(٥١٦) و(٥١٧)، وابنُ أبي شيبة ٥٦٧/٦، والبيهقيُّ ٣٢٧/٨،
وصحَّحه الحاكمُ ٣٦٩/٤ -٣٧٠، وابنُ حِبَّان (٤٤٥٢) و(٤٤٥٣) من طريق يزيدَ بنِ أبي حبيب وابن لهيعة عن بُكير بنِ
عبد الله بنِ الأشجِّ، عن سليمان بن يَسارِ، عن عبد الرحمن بن جابٍ، عن أبي بُردةَ بنِ نِيارِ عَّ قال: كان النبيُّ # يقولُ:
((لا يُحلِدُ فوق عَشْرِ جَداتٍ إلاَّ في حدٍّ من حدودِ الله)). هكذا رواه سعيدُ بن أُيُوبَ، عن يزيدَ، (ح) وأصحابُ اللَّيثِ، عن
اللَّيثِ، عن يزيدَ، به، ورواه زيدُ بنُ أبي أنيسةَ، عن يزيدَ، (ح) وابنُ وهبٍ عن عمرو بن الحارث، كلاهما عن
بُكيرِ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ، حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ جابرٍ أَنَّ أباه حدَّثْه أَنَّه سَمِعَ أبا بُردَةً الأنصاريَّ ... فذكره.
ورواه فُضِيلُ بنُ سُليمان، وابنُ جُريجٍ، عن مسلم بن أبي مريم، حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ جابٍ عمَّن سَمِعَ النبيَّ
﴿، وقال ابنُ جُريجٍ: (عن رجل من الأنصار).
وأخرجه عبد الرزاق (١٣٦٧٩) عن إبراهيم بن عثمان عن عبيد الله بن رافع عن سليمان بن يسار مرسلاً.
قال أبو حاتم: رواه حفص بنُ ميسرةً، عن مسلم بن أبي مريم، عن ابنِ جابرٍ، عن جابٍ، عن النبيِّ ﴿، وقال: هذا
خطأٌ. كما في "العلل" لابن أبي حاتم ٤٥١/٢-٤٥٢، قال - أي: ابنُ أبي حاتم - : قلتُ لأبي أُيُّهما أصحُّ؟ قال: حديثُ
عمرو بن الحارثِ؛ لأنَّ نفسَين قد اتَّقا على أبي بُردةَ، قَصَّرَ أحدُهُما ذِكرَ جابٍ، وحَفِظَ أحدُهُما جابراً.
وانظر: "فتح الباري" ٢١٩/١٢؛ حيث ردّ على من ادَّعى اضطرابَ الحديث، مع أنَّه أخرجه عبد الرزاق
(١٣٦٧٤) عن الثوريِّ، عن حُميدٍ الأعرج، عن يحيى بن عبد الله بن صَيفيّ: أنَّ عُمرَ كتبَ إلى أبي موسى:
((ولا يُبلغُ بِنَكالِ فوق عشرين سوطاً)).
وأخرجه ابنُ أبي شيبة ٥٦٧/٦، حدثنا سُفيانُ بنُ عُبينة عن حُميد، ولكنَّه قال: ((أَلَّ تبلغْ في تعزيرٍ أكثرَ من
ثلاثين))، ثمَّ أخرجه عن ابن عُيينةً، عن جامعٍ، عن أبي وائلٍ: ((أنَّ رجلاً كتبَ إلى أُمَّ سلمةَ فِي دَينٍ له قِبَلَها
يُحرِّجُ عليها فيه، فأمر عمرُ بنُ الخطَّب أن يُضرَبَ ثلاثين جلدةً)).
الجزء الثاني عشر
٢٠٥
بابُ التَّعْزِيرِ
وأقلُّه ثلاثةٌ)
لأَنَّ الأصلَ الحرّيّةُ فنقصَ سَوطاً في روايةٍ عنْهُ، وظاهرُ الرِّوايةِ عنهُ تنقيصُ خمسةٍ، كما رُوِيَ عن
عليّ(١)، ويجبُ تقليدُ الصَّحابيِّ فيما لا يُدرَكُ بالرأيِ، لكنَّهُ غريبٌ عن عليٍّ، وتمامُهُ في "الفتح"(٢)،
وفي "الحاوي القدسيِّ"(٣): ((قالَ "أبو يوسف": أكثرُهُ في العبدِ تسعةٌ وثلاثونَ سَوطاً، وفي الحرِّ
خمسةٌ وسبعونَ سَوطاً وبهِ نأخذُ)) اهـ، فعِلِمَ أنَّ الأصحَّ قولُ "أبي يوسفَ"، "بحر "(٤).
١٧٧/٣
قلتُ: يُحتمَلُ أنَّ قولَهُ: ((وبهِ نأخذُ)) ترجيحٌ للرِّوايةِ النَّانيةِ عن "أبي يوسفَ" على الرِّوايةِ
الأُولى؛ لكونِ الثَّانِيةِ هي ظاهرَ الرِّوايةِ عنهُ، ولا يلزمُ مِن هذا ترجيحُ قولِهِ على قولِهما الَّذي علیهِ
متونُ المذهبِ معَ نقلِ العلاَّمةِ "قاسم " تصحيحَهُ عن الأئمَّةِ، ولذا لم يعوِّلِ "الشَّارح" على ما في
"البحر"، وعن "أبي يوسفَ" أَنَّهُ يُقَرِّبُ كلَّ جنسٍ إلى جنسِهِ، فيقرِّبُ اللَّمسَ والقبلةَ مِن حدِّ الزِّنى،
وقذفَ غيرِ المحصنِ أو المحصنِ بغيرِ الزِّنى مِن حَدِّ القذفِ، صرفاً لكلِّ نوعٍ إلى نوعِهِ، وعنهُ: أَنَّهُ
يُعْتَبِرُ على قَدرِ عِظَمِ الجُرمِ وصِغَرِهِ، "زيلعيّ" (٥).
(١٨٨٧٤] (قولُهُ: وَأَقُّهُ ثلاثَةٌ) أي: أقلُّ الَّعزيرِ ثَلاثُ جَلداتٍ، وهكذا ذكرَهُ "القُدُورِيّ"(٦)،
فكأنَّهُ يرى أنَّ ما دونَها لا يقعُ بهِ الزَّجرُ، وليسَ كذلكَ بل يختلفُ ذلكَ باختلافِ الأشخاص،
فلا معنَى لتقديرِهِ مع حصولِ المقصودِ بدونِهِ، فيكونُ مفوَّضً إلى رأىِ القاضي، يقيمُهُ بقدرِ ما
يرَى المصلحةَ فيهِ على ما بَّا تفاصيلَهُ، وعليهِ مشائُنا رحمهمُ اللهُ تعالى، "زيلعيّ))(٧)، ونحوُهُ في
[٤ /ق ١٧٥ / ب] "الهداية"(٨)، قالَ في "الفتح"(٩): ((فلو رأَى أَنَّهُ ينزجِرُ بسوطٍ واحدٍ اكتفَى بهِ، وبهِ
(١) قال "الزيلعيُّ" - في "نصب الراية" ٣٥٤/٣ -: غريب، وذكره "البغويُّ" في "شرح السنة" عن "ابن أبي ليلى".
(٢) انظر "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١١٥/٥.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الحدود - فصل في التعزير ق ١٥٥/أ.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٥١/٥.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٢٠٩/٣.
(٦) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١٩٨/٣.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٢١٠/٣.
(٨) "الهداية": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٧/٢ بتصرف.
(٩) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٦/٥.
حاشية ابن عابدين
٢٠٦
بابُ التَّعزير
لو بالضَّربِ، وجعَلَه في "الدُّررِ"(١) على أربع مراتبَ».
صرَّحَ في "الخلاصة(٢)، ومقتضَى الأَوَّلِ أَنَّهُ يكمِلُ لهُ ثلاثةً؛ لأَنَّهُ حيثُ وجبَ النَّعزيرُ بالضَّرَبِ
فأقلُّ ما يلزمُ أَقُّهُ؛ إذ ليسَ وراءَ الأَقلِّ شيءٌ، ثُمَّ يقتضي أنَّهُ لو رأى أَنَّهُ إنَّما ينزجرُ بعشرينَ كانَت
أقلَّ ما يجبُ فلا يجوزُ نقصُهُ عنها، فلو رأى أنَّهُ لا ينزجرُ بأقلَّ مِن تسعةٍ وثلاثينَ صارَ أكثرُهُ أقلَّ
الواجبِ، وتبقى فائدةُ تقديرِ الأكثرِ بها أَنَّهُ لو رأى أَنَّهُ لا ينزجِرُ إلَّ بأكثرَ منها يقتصِرُ عليها،
ويبدِّلُ ذلكَ الأكثرَ بنوعٍ آخرَ وهو الحبسُ مثلاً)).
[١٨٨٧٥] (قولُهُ: لو بالضَّربِ) يعني: أنَّ تقديرَ النَّعزيرِ بما ذُكِرَ إِنَّا هو فيما لو رأى القاضي
تعزيرَهُ بالضَّربِ فليسَ لهُ الزِّيادةُ على الأكثرِ، فلا ينافي ما يأتي مِن أنَّ النَّعزيرَ ليسَ فِيهِ تقديرٌ بل هو
مفوَّضٌ إلى رأي القاضِي؛ لأنَّ المرادَ تفويضُ أنواعِهِ مِن ضربٍ ونحوِهِ كما يأتي(٣).
(١٨٨٧٦] (قولُهُ: على أربع مراتبَ) تعزيرُ أشرافِ الأشرافِ - وهم العلماءُ والعلويَّةُ(٤) -
بِالإِعلامِ بأنْ يقولَ لهُ القاضي: بلغَنِي أَنَّكَ تفعلُ كذا فينزجِرُ بِهِ، وتعزيرُ الأشرافِ - وهم نحوُ الدَّهَاقِينِ
- بالإعلامِ والجرِّ إلى بابِ القاضي والخصومة في ذلكَ، وتعزيرُ الأَوساطِ - وهم السُّوقَةُ - بالجرِّ
والحبسِ، وتعزيرُ الأخِسَّاءِ بهذا كلِّهِ وبالضَّربِ اهـ. ومثلُهُ في "الفتح "(٥) عن "الشَّافي"(٦) و"الرَّيلعيّ(٧)
عن "النّهاية"، ويأتي (٨) الكلامُ عليهِ، والدَّهَاقِينُ: جمعُ دِهِقان بكسرِ الدَّالِ وقد تُضَمُّ، وهو معرَّبٌ
يُطلَقُ على رئيسِ القريةِ والتَّاجرِ ومَن لهُ مالٌ وعقارٌ، "مصباح"(٩).
(١) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٥/٢.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الحدود ق ٣٣٣/أ.
(٣) المقولة [١٨٨٨٨] قوله: ((والتعزيرُ ليس فيه تقديرٌ)).
(٤) هم سلالةُ سيدنا علي كرَّم الله وجهه ورضي عنه وعن صحابة رسول الله أجمعين.
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٢/٥.
(٦) "الشافي": لعبد الله بن محمود شمس الأئمة إسماعيل بن رشيد الدين محمود بن محمد الكَرْدَرِي ("كشف الظنون" ١٠٢٣/٢).
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٢٠٨/٣.
(٨) المقولة [١٨٨٨٨] قوله: ((والتعزيرُ ليس فيه تقديرٌ)).
(٩) "المصباح المنير": ((الدُّهقان)) بتصرف.
الجزء الثاني عشر
٢٠٧
بابُ التَّعزير
وكلُّه مبنيٌّ على عدمٍ تفويضِهِ للحاكمِ، مع أنهًّا ليست على إطلاقِها؛ فإنَّ مَنْ كانَ
مِنْ أشرافِ الأشرافِ لو ضربَ غيرَه فأدماه لا يكفي تعزيرُهُ بالإِعلامِ، وأرى أنَّه
بالضَّربِ صوابٌ، "نهر"(١). (ولا يُفَرَّقُ الضَّربُ فيه)، وقِيلَ: يُفَرَّقُ، ووُفِّقَ بأَنَّه
إِنْ بلغَ أقصاهُ يُفَرَّقُ.
[١٨٨٧٧] (قولُهُ: وكُّهُ مبنىٌّ إلخ) أي: كلُّ ما ذُكِرَ مِن المراتبِ الأربعةِ، ولا يصحُّ أَنْ يُرجِعَ
إلى ما في "المتنِ" أيضاً؛ لأنَّ ما ذُكِرَ فيهِ مِن الَّقديرِ لا فرقَ فيهِ بينَ القولِ بالتَّقويضِ وعدمِهِ كما
علمتَ، فافهم، ثمَّ إنَّ ما ذكرَهُ مِن أَنَّهُ مخالفٌ للقولِ بِالنَّفويضِ هو ما فهمَهُ في "البحر"(٢)، حيثُ
قال: ((وظاهرُهُ: أَنَّهُ ليسَ مفوَّضً إلى رأي القاضِي، وأَنَّهُ ليسَ له النَّعزيرُ بغيرِ المناسبِ لمستحقِّهِ،
وظاهرُ الأَوَّلِ - أي: القولِ بالنَّفويضِ - أنَّ لهُ ذلكَ)) اهـ.
قلتُ: وفيهِ كلامٌ نذكرُهُ(٣) قريباً.
[١٨٨٧٨) (قولُهُ: فَإِنَّ مَن كانَ إلخ) سنذكرُ(٤) ما يؤيِّدُهُ قريباً.
[١٨٨٧٩) (قولُهُ: ولا يُفرَّقُ الضَّربُ فيهِ) بل يُضْرَبُ في موضعٍ واحدٍ؛ لأَنَّهُ جرَى فِيهِ
الَّخفيفُ مِن حيثُ العددُ، فلو خفِّفَ مِن حيثُ التَّفريقُ أيضاً يفوتُ المقصودُ مِن الانزجارِ.
(١٨٨٨٠) (قولُهُ: وقيلَ: يُفَرَّقُ) ذكرَهُ "محمَّد" في حدودِ [٤ ق١٧٦ /أ] "الأصلِ"(٥)، والأَوَّلُ
ذكرَهُ في أشربةِ "الأَصلِ"(٥).
(١٨٨٨١] (قولُهُ: وَوُفْقَ إلخ) فليسَ في المسألةِ روايتانِ، بل اختلافُ الجوابِ لاختلافِ
(١) ((نهر)) ليست في "ب" و"ط".، والمسألة فيه، انظر "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير
ق ٣١٠/ب بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٤٤/٥ بتوضيح من ابن عابدين رحمه الله تعالى.
(٣) المقولة [١٨٨٨٨] قوله: ((والتعزيرُ ليس فيه تقديرٌ)).
(٤) المقولة [١٨٨٨٨] قوله: ((والتعزيرُ ليس فيه تقديرٌ)).
(٥) لم نجده في القسم المطبوع من كتاب "الأصل".
حاشية ابن عابدين
٢٠٨
بابُ التَّعزير
وإلاَّ لا، "شرح وهبانية"(١). (ويكونُ به، و) بالحبسِ، و(بالصَّفْعِ) على العنقِ،
(وفَرْكِ الأذنِ، وبالكلامِ العنيفِ، وبنظرِ القاضي له بوجهٍ عبوسٍ، وبشتمٍ غيرِ
القذفِ)، "مجتبى". وفيه عن "السرخسيِّ" (٢): ((لا يُباحُ بالصَّفعِ؛ لأنّه مِن أعلى
ما يكونُ مِن الاستخفافِ، ..
الموضوعِ، وهذا التَّوفيقُ مذكورٌ في شروحِ "الهداية"(٣) و"الكنز "(٤).
[١٨٨٨٢) (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: إنْ لم يبلغِ الأكثرَ بل كانَ بالأدنَى كثلاثٍ ونحوِها؛ لأَنَّهُ
لا يُفسِدُ العضوَ كما في "الفتح"(٥)، وبهِ عُلِمَ أنَّ المراد: ((بالأقصَى)) الأكثرُ أو ما قاربَهُ مَما يُخشى
- مِن جمعِهِ على عضوٍ واحدٍ - إفسادُهُ، فافهم. قال "الزَّيلعيُّ(٦): ((ويَتَّقِي المواضعَ الَّتِي تَتَّقَى في
الحدودِ)). أي: كالرأسِ والمذاكيرِ.
[١٨٨٨٣] (قولُهُ: ويكونُ) أي: الَّعزيرُ، ((بهِ)) أي: بالضَّربِ إلخ، وليسَ مرادُهُ حصرَ أنواعِهِ
فيما ذكرَ كما يفيدُهُ قولُهُ الآتي(٨): ((ويكونُ بالَنَّفيِ عن البلدِ إلخ)).
قلتُ: ويكونُ أيضاً بالتَّشهيرِ والتَّسويدِ لشاهدِ الزُّورِ كما سنذكرُهُ(٨) آخرَ البابِ.
(١٨٨٨٤) (قولُهُ: وبالصَّفْعِ) هو أنْ يبسطَ الرَّجلُ كفَّهُ فيضرِبُ بها قفا الإنسان أو بدَنَهُ، فإذا
قبضَ كَفَّهُ ثُمَّ ضربَهُ فليسَ بصفعٍ بل يُقالُ: ضربَهُ بُجُمْعِ كَفِّهِ، "مصباح"(٩).
(١) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الحدود ق ١٣٠/أ بتصرف.
(٢) لم نعثر عليها في "المبسوط".
(٣) انظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الحدود - فصل في التعزير: ١١٧/٥ - ١١٨، و"البناية": ٣٧١/٦.
(٤) انظر "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٢١٠/٣، و"البحر": ٥٢/٥، و"النهر": ق٣١٣/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٨/٣.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٢١٠/٣.
(٧) صـ ٢١٩ - "در".
(٨) المقولة [١٩٠٧٤] قوله: ((قال: يؤخذُ منه)).
(٩) "المصباح المنير": مادة ((صفع)).
الجزء الثاني عشر
٢٠٩
بابُ التَّعزيرِ
فُيُصانُ عنه أهلُ القبلةِ)). (لا بأخذِ مالٍ في المذهبِ)، "بحر"(١). وفيه: ((عن
"البزازية": وقيلَ: يجوزُ، ومعناه: أن يُمْسكَه مدَّةً لينزجرَ ثُمَّ يعيدَه له، فإن أيسَ من
توبتِهِ صرفَه إلى ما يرى، وفي "المجتبى": أَنَّه كانَ في ابتداءِ الإسلامِ ثُمَّ نُسِخَ)).
...
[١٨٨٨٥] (قولُهُ: فَيُصانُ عنهُ أهلُ القِبَةِ) وإِنَّا يكونُ لأهلِ الذِّمَّةِ عندَ أَخذِ الجزيةِ منهم.
مطلبٌ في التّعزيرِ بأخذِ المالِ
[١٨٨٨٦] (قولُهُ: لا بأخذِ مالٍ في المذهبِ) قالَ في "الفتح"(٢): ((وعن "أبي يوسف": يجوزُ
الَّعزيرُ للسُّلطانِ بأخذِ المالِ، وعندَهما وباقي الأئمَّةِ: لا يجوزُ)) اهـ. ومثلُهُ في "المعراج"، وظاهرُهُ:
أنَّ ذلكَ روايةٌ ضعيفةٌ عن "أبي يوسف"، قالَ في "الشُرُ نُبلالَّة"(٣): ((ولا يفتَى بهذا لِما فيهِ مِن
تسليطِ الظَّلْمِ على أخذٍ مالِ النَّاسِ فيأكلونَهُ)) اهـ. ومثلُهُ في "شرح الوهبانَّةُ"(٤) عن "ابنِ وهبان".
[١٨٨٨٧) (قولُهُ: وفيهِ إلخ) أي: في "البحر"(٥) حيثُ قالَ: ((وأفادَ في "البزَّازِيَّةَ"(٦) أنَّ معنَى
التّعزيرِ بأخذِ المالِ على القولِ بهِ إمساكُ شيءٍ مِن مالِهِ عنهُ مدَّةً لينزجرَ، ثُمَّ يعيدُهُ الحاكمُ إليهِ لا أنْ
يأخذَهُ الحاكمُ لنفسِهِ، أو لبيتِ المالِ كما يتوهَّمُهُ الظَّلَمةُ؛ إذ لا يجوزُ لأحدٍ مِن المسلمينَ أخذُ
مالِ أحدٍ بغيرِ سببٍ شرعيٍّ، وفي "المجتبى" لم يذكرْ كيفيَّةَ الأخذِ، وأَرى أنْ يأخذَها فيمسِكَها
فإنْ أَيسَ مِن تويِتِهِ يصرفُها إلى ما يرى، وفي "شرح الآثار"(٧) التعزيرُ بالمالِ كانَ في ابتداء
الإِسلامِ ثُمَّ نُسِخَ)) اهـ.
١٧٨/٣
والحاصلُ: أنَّ المذهبَ عدمُ التَّعزيرِ بأخذِ المالِ، وسيذكرُ (٨) "الشَّارحُ" في الكفالةِ
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٤/٥.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٢/٥.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٧٥/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الحدود ق ١٢٧ /أ.
(٥) "البحر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٤٤/٥.
(٦) "البزازية": كتاب الحدود ٤٢٧/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) شرح معاني الآثار: باب الحدود - باب الرجل يزني بجارية امرأته ١٤٦/٣.
(٨) انظر "الدر" عند المقولة [٢٥٧٦٤] قوله: ((إلا لعمال بيت المال)).
حاشية ابن عابدين
٢١٠
بابُ التَّعزِيرِ
(و) الَّعزيرُ (ليسَ فيه تقديرٌ، بل هوَ مفوَّضٌ إلى رأيِ القاضي).
عن "الطَّرسوسيّ": ((أَنَّ مصادرةَ السُّلطانِ لأربابِ الأموالِ لا تجوزُ إلاّ لعمالٍ بيتِ المالِ، أي: إذا
كانَ يردُّها لبيتِ المالِ)).
[١٨٨٨٨) (قولُهُ: وَالَّعزيرُ ليسَ فِيهِ تقديٌ) أي: ليسَ في أنواعِهِ، وهذا حاصلُ قولِهِ قبلَهُ(١):
((ويكونُ بهِ وبالصَّفْعِ إلخ))، قالَ في "الفتح"(٢): ((وبما ذكرْنا مِن تقديرِ أكثرِهِ يُعرَفُ ما ذُكِرَ مِن
أَنَّهُ ليسَ في التّعزيرِ شيءٌ مقدَّرٌ، بل مفوَّضٌ إلى رأيِ الإِمامِ، أي: مِن أنواعِهِ فَإِنَّهُ يكونُ بالضَّربِ
وبغيرِهِ، أمَّا إذا اقتضى [٤/ق١٧٦ /ب] رأيُهُ الضَّربَ في خصوصِ الواقعةِ فَإِنَّهُ حينئذٍ لا يزيدُ على تسعةٍ
وثلاثينَ)) اهـ.
قلتُ: نعم لهُ الزِّيادةُ مِن نوعٍ آخرَ، بأنْ يضمَّ إلى الضَّربِ الحبسَ كما يذكرُهُ(٣) "المصنّف"،
وذلكَ يختلفُ باختلافِ الجنايةِ والجاني، قالَ "الزَّيلعيُّ(٤): ((وليسَ في الَّعزيرِ شيءٌ مقدَّرٌ، وإنَّا هو
مفوَّضٌ إلى رأيِ الإِمامِ على ما تقتضي جنايتُهُم، فإنَّ العقوبةَ فيهِ تختلفُ باختلافِ الجنايةِ، فينبغي أنْ
يبلغَ غايَةَ الّعزيرِ في الكبيرةِ، كما إذا أصابَ مِن الأجنبيّةِ كلَّ محرَّمِ سوى الجماعِ، أو جمعَ السَّارِقُ
المناعَ في الدَّارِ ولم يخرجْهُ، وكذا ينظرُ في أحوالِهِم فإنَّ مِن النّاسِ مِن ينزجرُ باليسيرِ، ومنهم مَن
لا ينزجِرُ إلَّ بالكثيرِ، وذكرَ في "النهاية": الَّعزيرُ على مراتبَ)) إلى آخر ما مرَّ(٥) عن "الدُّرر ".
(قولُ الشَّارِحِ: بل هو مفوَّضٌ إلى رأي القاضي، وعليه مشائحُنا إلخ) لكنْ قالَ "المقدسيُّ" في "شرح
منظومة الكنزِ": ((والّذي ينبغي أنْ يعوَّلَ عليه هو الأوَّلُ، يعني: عدمَ تفويضِهِ إلى رأي القاضي في هذا الزمنِ لغلبةٍ
جهلِ القضاةِ، وعدمِ الرأي دِيناً ودُنيا، ويؤيِّدُ هذا تأييداً لامردَّ لهُ ما قدَّمنا أنَّ مرادَهم - بقولهم: الرَّايُ إلى القاضي
في كذا - القاضي المجتهدُ بمعرفةِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ لا مطلقاً، خذْ هذا الكلامَ فإِنَّه دقيقٌ وبالقَبولِ حقيقٌ)) اهـ.
(١) صـ ٢٠٨ - "در".
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٩/٥ بتصرف.
(٣) صـ ٢٢٥ - "در".
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٢٠٨/٣.
(٥) المقولة [١٨٨٧٦] قوله: ((على أربع مراتب)).
الجزء الثاني عشر
٢١١
بابُ التَّعزير
أقولُ: وظاهرُ عبارتِهِ أنَّ قولَهُ: ((وذكرَ في "النّهاية " إلخ)) بيانٌ لقولِهِ: ((وكذا يَنْظُرُ في أحوالهم
إلخ)) أي: أنَّ أحوالَ النَّاسِ على أربع مراتبَ، فلا يكونُ ما في "النّهاية" و"الدُّرر"(١) مخالفاً للقولِ
بالتَّفويضِ، وحينئذٍ فيكونُ المرادُ بالمرتبةِ الأُولى - وهي أشرافُ الأشرافِ - مَن كانَ ذا مُرُوءَةٍ صدرَت
منهُ الصَّغْيرةُ على سبيلِ الزَّةِ والنُّورِ، فلذا قالوا: تعزيرُهُ بالإعلامِ؛ لأَنَّهُ في العادةِ لا يفعلُ ما يقتضي
الَّعزيرَ بما فوقَ ذلكَ، ويحصُّلُ انز جارُهُ بهذا القَدْرِ مِن الَّعزيرِ، فلا ينافي أَنَّهُ على قدرِ الجنايةِ أيضاً،
حَتَّى لو كانَ مِن الأشرافِ لكنَّهُ تعدَّى طورَهُ ففعلَ اللّواطةَ أو وُجِدَ معَ الفَسَقةِ في مجلسِ الشُّربِ
ونحوِهِ لا يُكْتَفَى بتعزيرِهِ بالإِعلامِ فيما يظهرُ لخروجِهِ عن الْمُرُوءِةِ؛ لأنَّ المرادَ بها كما في "الفتح"(٢)
وغيرِهِ: الدِّينُ والصَّلَاحُ، وسيأتي(٣) آخرَ البابِ أَنَّهُ لو تكرَّرَ منهُ الفعلُ يُضْرَبُ الَّعزيرَ، فهذا صريحٌ في
أَنَّهُ بالتّكرارِ لم يبقَ ذا مُرُوءةٍ، وهذا مؤيِّدٌ لِما قدَّمَهُ (٤) عن "النَّهر" مِن أَنَّهُ لو ضرَبَ غيرَهُ فأدماهُ لا
يكفي تعزيرُهُ بالإعلامِ إلخ، ثُمَّ رأيت في "الشُّرُ بِلالَةً"(٥) عينَ ما بحثُهُ حيثُ قال: ((ولا يخفَى أنَّ هذا
- أي: الاكتفاءَ بتعزيرِهِ بالإعلامِ - إِنَّا هو مع ملاحظةِ السَّبِ، فلا بدَّ أنْ لا يكونَ مَّا يبلغُ بِهِ أدنى
الحدِّ كما إذا أصابَ مِن أجنبيّةٍ غيرَ الجماعِ)) اهـ. فهذا صريحٌ في أنَّ مَن كانَ مِن الأشرافِ يُعزَّرُ
على قدرِ جنايِهِ، وأَنَّهُ لا يُكتَفَى فيهِ بالإِعلامِ إذا كانَت جنايتُهُ فاحشةً تَسْقُطُ بها مُرُوءَتُهُ، فقد ثبتَ
بما قلنا عدمُ مخالفةِ ما في "الدُّرر" للقولِ بتفويضِهِ للقاضِي، وأنَّ [٤ ق١٧٧/ أ] المعتبرَ حالُ الجنايةِ والجاني
خلافاً لِما فهمَهُ في "البحر" كما قدَّمناهُ(٦)، فاغتنمْ هذا التّحريرَ المفردَ.
(١) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٥/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في التعزير ١١٤/٥.
(٣) المقولة [١٩٠٧١] قوله: ((قلت: قد قدمناه لأصحابنا إلخ)).
(٤) أي: "الشارح" ص ٢٠٧ - "در".
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٥/٢ بتوضيح من ابن عابدين (هامش"الدرر والغرر").
(٦) في هذه المقولة.
حاشية ابن عابدين
٢١٢
بابُ التَّعْزِيرِ
وعليه مشايخنا، "زيلعي"؛ لأنَّ المقصودَ منه الزَّجرُ، وأحوالُ الناسِ فيه مختلفة،
"بحر"(١). (ويكونُ) التّعزيرُ (بالقتلِ، كمَن وجَدَ رجلاً.
[١٨٨٨٩) (قولُهُ: وعليهِ مشائخُنا) قدَّمنا (٢) عبارةَ "الزَّلعيّ" عندَ قولِهِ: ((وَأَقُلُّهُ ثلاثةٌ)).
مطلبٌ يكونُ التّعزيرُ بالقتلِ
[١٨٨٩٠] (قولُهُ: ويكونُ النَّعزيرُ بالقتلِ) رأيتُ في "الصَّارم المسلول"(٣) للحافظِ "ابنِ تيميةً":
(( أنَّ مِن أصولِ الحنفيَّةِ أَّ ما لا قتلَ فيهِ عندَهم مِثلَ القتلِ بالمثقَّلِ والجماعِ في غيرِ القُبلِ إذا تكرَّرَ
فللإِمامِ أنْ يقتلَ فاعلَهُ، وكذلكَ لهُ أنْ يزيدَ على الحدِّ المقدَّرِ إذا رأى المصلحةَ في ذلكَ، ويحمِلونَ ما
جاءَ عن النّبِيِّ :﴿ وأصحابِهِ مِن القتلِ في مثلِ هذهِ الجرائمِ على أنَّهُ رأى المصلحةَ في ذلكَ،
ويسمُّونَهُ القتلَ سياسةً، وكأنَّ حاصلَهُ: أنَّ لهُ أنْ يُعزِّرَ بالقتلِ في الجرائمِ الَّتي تعظَّمَت بالتَّكرارِ
وشُرِعَ القتلُ في جنسِها، ولهذا أَفْتَى أكثرُهم بقتلٍ مَن أكثرَ مِن سبِّ النّبِّ ◌ِ﴿ مِن أهلِ الدّمَّةِ وإِنْ
أسلمَ بعدَ أخذِهِ، وقالوا: يُقْتَلُ سياسةَ)) اهـ. وسيأتي(٤) تمامُهُ في فصلِ الجزيةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى،
ومِن ذلكَ ما سيذكرُهُ(٥) "المصنّف": ((مِن أنَّ للإِمامِ قتَلَ السَّارقِ سياسةً))، أي: إنْ تكرَّرَ منهُ،
(قولُهُ: وكذلكَ له أنْ يزيدَ على الحدِّ المقدَّرِ إذا رأى المصلحةَ إلخ) هذا مخالفٌ لِما نقلَهُ عن
"الفتح" سابقاً: ((من أنَّه لو رأى أنَّه لا ينزجِرُ إلَّ بأكثرَ من تسعةٍ وثلاثينَ يقتصِرُ عليها، ويبدِّلُ ذلكَ
الأكثرَ بنوعٍ آخرَ)) اهـ. إلاَّ أنْ يُرادَ بالزِّيادةِ على الحدِّ المقدَّرِ الزِّيادةُ من نوعٍ آخرَ.
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٤/٥.
(٢) المقولة [١٨٨٧٤] قوله: ((وأقلُّه ثلاثة)).
(٣) "الصارم المسلول على شاتم الرسول": صـ ٢٠-، لأحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تقي الدين المعروف بابن
تَيْمية الحنبليّ (ت ٧٢٨ هـ). ("كشف الظنون" ١٠٦٩/٢، "المقصد الأرشد" ١٣٢/١، "المنهج الأحمد" ٢٤/٥،
"هدية العارفين" ١٠٥/٥).
(٤) المقولة [٢٠٢١٠] قوله: ((ويؤدَّبُ الذُميّ، ويعاقبُ)).
(٥) ص ٣٦٤ - "در".
الجزء الثاني عشر
٢١٣
بابُ التَّعزير
مع امرأةٍ لا تَحِلُّ له) ولو أكرهَها فلها(١) قتلُهُ ودمُّهُ هَدَرٌّ، وكذا الغلامُ، "وهبانية"(٢) ....
وسيأتي(٣) أيضاً قبيلَ كتابِ الجهادِ: ((أَنَّ مَن تكرَّرَ الخَنْقُ منهُ في المصرِ قُتِلَ بهِ سياسةً؛ لسعيهِ
بالفسادِ))، وكلُّ مَن كانَ كذلكَ يُدفعُ شرُّهُ بالقتلِ، وسيأتي(٤) أيضاً في بابِ الرِّدَةِ: ((أَنَّ السَّاحرَ
أو الزِّديقَ الدَّاعِيَ إذا أُخِذَ قبلَ تويتِهِ ثمَّ تابَ لم تُقْبَلْ توبتُهُ ويُقتلُ، ولو أُخِذَ بعدَها قُبَلَت، وأنَّ
الخَّاقَ لا توبةَ لَهُ))، وتقدَّم(٥) كيفيَّةُ تعزيرِ الْلُوطِيِّ بالقتلِ.
(١٨٨٩١) (قولُهُ: معَ امرأةٍ) ظاهرُهُ: أنَّ المرادَ الخلوةُ بها وإنْ لم يَرَ منهُ فعلاً قبيحاً، كما يدلُّ
عليهِ ما يأتي(٦) عن "منية المفتي" كما تعرفُهُ، فافهم.
مطلبٌ: لو قتلَ الغلامُ اللُّوطيَّ بجارحٍ أو بدونِهِ فدمُّهُ هَدَرٌ
[١٨٨٩٢) (قولُهُ: فلها قتُهُ) أي: إنْ لم يمكنها الَّخلصُ منهُ بِصِيَاحِ أو ضربٍ، وإلاَّ لم تكنْ
مُكْرَهَةً، فالشَّرطُ الآتي معتبرٌ هنا أيضاً كما هو ظاهرٌ، ثُمَّ رأيْتُهُ في كراهيةِ "شرحِ الوهبائيّةَ"(٧)،
ونصُّهُ: ((ولو استكرَهَ رجلٌ امرأةً لها قتلُهُ، وكذا الغلامُ، فإنْ قتَلَهُ فدمُهُ هَدَرٌ إذا لم يستطعْ منعَهُ
(قولُهُ: ظاهرُهُ: أنَّ المرادَ الخلوةُ بها وإنْ لم يَرَ منه فعلاً قبيحاً، كما يدلُّ عليه ما يأتي عن "منية
المفتي" إلخ) فيه: أنَّ ما في "المنية" لم يتعرَّضْ إلَّ لمسألةٍ ما إذا وَجَدَ معَ امرأتِهِ أو مَحْرمِهِ مَن يزني بها،
ولم يذكرِ المسألةَ الأُولى المنقولةَ عن "الهِنْدوانيِّ" ، فحيثُ ذكرَ الَّفصيلَ في الأُولى ولم يذكرْهُ فِي الثَّانِيةِ
عُلِمَ أنَّ موضوعَهما مختلفٌ على ما ذكرَهُ.
(١) في "و": ((فله))، وهو تحريف.
(٢) أي: في شرحها كما سيأتي في المقولة [١٨٨٩٢] من هذه الصحيفة.
(٣) صـ ٤٢٣ - "در".
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٠٣٧٢] قوله: ((لكن في حظر "الخانية" إلخ)).
(٥) صـ ٩١ - وما بعدها "در".
(٦) المقولة [١٨٨٩٧] قوله: ((فُيُحْمَلُ على المقَّيَّدِ)).
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": ق ٣١١/أ.
حاشية ابن عابدين
٢١٤
بابُ التَّعزير
(إنْ كانَ يعلمُ أنَّه لا يَنزَجِرُ بصِياحٍ وَضَرْبٍ بما دونَ السلاحِ، وإلا) بأنْ عَلِمَ أَنَّه
يَنْزَجِرُ بما ذُكِرَ (لا) يكونُ بالقتلِ، (وإن كانتِ المرأةُ مُطاوِعَةً قَتَلَهما)، كذا عزاهُ
"الزيلعيُّ"(١) لـ "الهِنْدوانيِّ" ثم قال: (و) في "منيةِ المفتي": (لو كانَ مع امرأتِهِ وهو
يزني بها أو معَ مَحرمِهِ وهما مُطاهٍ عانٍ قَتَلَهما جميعاً) اهـ. وأقرَّهُ في "الدُّررِ"(٢).
و(٣) قالَ في "البحرِ"(٤): ((ومُفادُّهُ الفرقُ بين الأجنبيَّةِ والزوجةِ والمحَرمِ، فمعَ
الأجنبيّةِ: لا يَحِلُّ القتلُ إلا بالشَّرطِ المذكورِ من عدمِ الانزجارِ الَزْبورِ، وفي غيرِها:
ـ(٥).
يَحِلُّ(٥))).
إلَّ بالقتلِ)) اهـ. فافهم.
[١٨٨٩٣) (قولُهُ: إنْ كانَ يعلمُ) شرطٌ للقتلِ الَّذي تضمَّنَهُ قولُهُ(٦): ((كمَن وجدَ رجلاً)).
١٨٨٩٤١) (قولُهُ: ومُفادُّهُ إلخ) توفيقٌ بينَ العبارتَينِ حيثُ اشْتُرِطَ في الأُولى العلمُ بِأَنَّهُ لا(٧)
ينزجِرُ بغيرِ القتلِ ولم يُشتَرطْ في الثّانيةِ، فوقَّقَ بحملِ الأُولى على الأجنبيّةِ [٤ /ق١٧٧ / ب] والثَّنيةِ
على غيرِها، وهذا بناءً على أنَّ المرادَ بقولِهِ في الأُولى: ((مع امرأةٍ)) أي: يزني بها، ويأتي(1)
الکلامُ علیهِ.
١٧٩/٣
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٢٠٨/٣.
(٢) "الدرر والغرر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٧٧/٢.
(٣) ((الواو)) ساقطة من "و".
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٥/٥.
(٥) في "ب": ((بحل)) بالباء، وهو تحريف.
(٦) صـ ٢١٢ - "در".
(٧) في "آ": ((لم)).
(٨) المقولة [١٨٨٩٧] قوله: ((فُيُحْمَلُ على المقَيَّدِ)).
الجزء الثاني عشر
٢١٥
بابُ التَّعزيرِ
(مطلقاً) اهـ. وردَّه في "النَّهرِ"(١) بما في "البزازيَّةِ" وغيرِها من التَّسويةِ بينَ الأجنبيةِ
وغيرِها، ويدلُّ عليهِ تنكيرُ "الهِنْدوانيِّ" للمرأةِ، نعم ما في "المنيةِ" مُطْلَقٌ، فَيُحمَلُ
على المقيَّدِ ليتّفِقَ كلامُهم، ولذا جزمَ في "الوهبانيَّةِ"(٢) بالشرطِ المذكورِ ..
....
[١٨٨٩٥) (قولُهُ: مطلقاً) زادَهُ "المصنّف" على عبارةِ "المنية" متابعةً لشيخِهِ صاحبِ "البحر "(٣).
[١٨٨٩٦] (قولُهُ: بما في "البزَّازِيَّة"(٤) وغيرِها) أي: كـ "الخانَّة "(٥)، ففيها: ((لو رأى رجلاً
يزنِي بامرأتِهِ أو امرأةٍ آخرَ وهو محصَنٌ فصاحَ بهِ فلم يهربْ ولم يمتنعٌ عن الزِّنى حلَّ لهُ قتُلُهُ ولا
قصاصَ علیهِ)) اهـ.
[١٨٨٩٧] (قولُهُ: فُيُحْمَلُ على المقَّدِ) أي: يُحْمَلُ قولُ "المنية": ((قتلَهُما جميعاً)) على ما إذا
علِمَ عدمَ الانزجارِ بصياحٍ أو ضربٍ.
قلتُ: وقد ظهرَ لي في التَّوْفيقِ وجهٌ آخرُ، وهو أنَّ الشَّرطَ المذكورَ إِنَّا هو فيما إذا وجَدَ
رجلاً مع امرأةٍ لا تَحِلُّلهُ قبلَ أنْ يزنِيَ بها، فهذا لا يَحِلُّ قَتُهُ إذا عِلِمَ أنَّهُ ينزجرُ بغيرِ القتالِ، سواءٌ
كانَت أجنبيّةً عن الواجدِ أو زوجةً لهُ أو مَحْرَماً منهُ، أمَّا إذا وجدَهُ يزني بها فلَهُ قتُلُهُ مطلقاً،
ولذاقيّدَ في "المنية" بقولِهِ: ((وهو يزني)) وأطلقَ قولَهُ: ((قتَلَهما جميعاً))، وعليهِ فقولُ "الخانّة" الَّذي
(قولُهُ: ولذا قَّدَ في "المنية" بقولِهِ: ((وهو يزني)) وأطلقَ قولَهُ: ((قتلَهما)) إلخ) في "الفتح": ((سُئِلَ "أبو
جعفر الهِنْدوانِيُّ" عمَّن وجدَ رجلاً معَ امرأةٍ أَيَحِلُّ له قتُ؟ قالَ: إنْ كانَ يعلمُ أَنَّه ينزجرُ عن الزِّنَى بِالصَّباحِ
والضَّربِ بها دونَ السِّلاحِ لا يقتلُهُ، وإنْ عَلِمَ أَنَّه لا ينزجرُ إلَّ بالقتلِ حلَّ له قتُلُهُ، وإِنْ طاوعَتَهُ المرأةُ حلَّ قتُها
أيضاً)) اهـ. وذكرَ هذهِ الحادثةَ كذلكَ العلاَّمةُ "المقدسيُّ"، ونقلَها في "الفتاوى الهنديَّة" عن "النّهاية" كما ذكرَها
في "الفتح"، وبهذا تعلمُ أنَّ موضوعَ مسألةِ "الهِنْدوانيّ" فيمَن رأى رجلاً معَ امرأةٍ يزني بها كما هو المتبادرُ أيضاً
من قولهِ: ((وإنْ طاوعَتَهُ))، فالمتعَيَّنُ ما سلكَهُ في "النّهرِ"، ولا يستقيمُ التَّفِيقُ الَّذي ذكرَهُ المحشِّي، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٠/أ.
(٢) انظر "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الكراهية ق ٣١٠/أ.
(٣) "البحر": كتاب الحدود - فصل في التعزير ٤٥/٥.
(٤) "البزازية": كتاب الحدود - نوع مشتركة بين الحدود والجنايات ٤٣٠/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "الخانية": كتاب الجنايات - باب القتل - فصل فيمن يقتل قصاصاً وفيمن لا يقتل ٤٤١/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
حاشية ابن عابدين
٢١٦
بابُ التَّعزير
مطلقاً، وهو الحقُّ بلا شرطٍ إحصان؛ لأَنَّه ليسَ من الحدِّ بل من الأمرِ بالمعروفِ، ...
قدَّمناهُ(١) آنفاً: ((فصاحَ بهِ)) غيرُ قيدٍ، ويدلُّ عليهِ أيضاً عبارةُ "المجتبى" الآتيةُ(٢)، ثمَّ رأيتُ في
جناياتِ "الحاوي الزاهديّ" ما يؤيِّدُهُ أيضاً حيثُ قَالَ: ((رجلٌ رأى رجلاً معَ امرأتِهِ يزني بها أو
يقبّلُها أو يضمُّها إلى نفسِهِ، وهي مُطاوِعةٌ فقتلَهُ أو قتلَهما لا ضمانَ عليهِ، ولا يُحرَمُ مِن ميراثِها إنْ
أَثْبَتَهُ بالبِّنَةِ أو بالإقرارِ، ولو رأى رجلاً مع امرأتِهِ في مفازةٍ خاليةٍ، أو رآهُ معَ محارمِهِ هكذا، ولم يرَ
منهُ الزِّنِى ودواعيَهُ: قَالَ بعضُ المشايخِ: حلَّ قتُهما، وقالَ بعضُهم: لا يَحِلُّ حَتَّى يرى منهُ العملَ،
أي: الزِّنى ودواعيَهُ، ومثلُهُ في "خزانة الفتاوى")) اهـ. وفي سرقةٍ "البزَّازِيَّة"(٣): ((لو رأى في منزلِهِ
رجلاًّ معَ أهلِهِ أو جارَهُ يفجُرُ وخافَ إنْ أخذَهُ أنْ يقهرَهُ فهو في سعةٍ مِن قَتِهِ، ولو كانَت مُطاوِعَةً
لهُ قَتْلُهُما))، فهذا صريحٌ في أنَّ الفرقَ مِن حيثُ رؤيةُ الرِّنِى وعدمُها، تأمَّل.
[١٨٨٩٨) (قولُهُ: مطلقاً) أي: بلا فرقٍ بينَ أجنبيّةٍ وغيرِها.
[ ١٨٨٩٩] (قولُهُ: وهو الحقُّ) مفهومُهُ: أنَّ مقابلَهُ باطلٌ، ولم يظهرْ مِن كلامِهِ ما يقتضِي
بطلانَهُ، بل ما نقلَهُ بعدَهُ عن "المحتبى" يفيدُ صحَّتَهُ، وقد علمتَ ثَمّا قرَّرْناهُ ما يتفقُ بِهِ كلامُهم،
وأمَّا كونُ ذلكَ مِن الأمرِ بالمعروفِ لا مِن الحدِّ فلا يقتضي اشتراطَ العلمِ بعدمِ الانزجارِ، تأمَّل.
[١٨٩٠٠] (قولُهُ: بلا شرطِ إحصانٍ إلخ) ردٌّ على ما في "الخانَيَّة" مِن قولِهِ: ((وهو محصَنٌ))
[٤/ ق١/١٧٨] كما قدَّمناهُ(٤)، وجزمَ بِهِ "الطَّرَسُوسِيّ"، قالَ في "النَّهر "(٥): ((وردّهُ "ابنُ وهبان" بأَنَّهُ
ليسَ مِن الحدِّ بل مِن الأمرِ بالمعروفِ والنّهي عن المنكرِ، وهو حسنٌ فإنَّ هذا المنكرَ حيثُ تَعَّنَ
القتلُ طريقاً في إزالتِهِ فلا معنَى لاشتراطِ الإِحصانِ فيهِ، ولذا أطلقَهُ "البَزَّازِيُّ")) اهـ.
قلتُ: ويدلُّ عليهِ أنَّ الحدَّ لا يليهِ إلَّ الإِمامُ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) صـ ٢١٧ - "در".
(٣) "البزازية": ٤٣٢/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) المقولة [١٨٨٩٦] قوله: ((بما في "البزازية" وغيرها)).
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٠/ب.
الجزء الثاني عشر
٢١٧
بابُ التَّعزير
وفي "المجتبى": ((الأصلُ أنَّ كلَّ شخصٍ رأى مسلماً يزني أنْ يَحِلَّ له قتلُهُ، وإنما يمتِعُ
خوفاً مِنْ أنْ لا يُصَدَّقَ أَنَّهُ زنى)). (وعلى هذا) القياسِ.
[١٨٩٠١] (قولُهُ: وفي "المجتبى" إلخ) عزاهُ بعضُهم أيضاً إلى "جامع الفتاوى" وحدودٍ
"البرَّازِيَّةِ"(١).
وحاصلُهُ: أَنَّهُ يَحِلُّ ديانةً لا قضاءً فلا يصدّقُهُ القاضِي إلاَّ بِّنةٍ، والظَّاهرُ أَنَّهُ يأتي هنا
النَّفصيلُ المذكورُ في السَّرقةِ، وهو ما في "البزَّازِيَّة"(٢) وغيرِها: ((إنْ لم يكنْ لصاحبِ الدَّارِ بِيَّةٌ
فإنْ لم يكنِ المقتولُ معروفاً بالشَّرِ والسَّرقةِ قُتِلَ صاحبُ الدَّارِ قصاصاً، وإنْ كانَ متَّهماً بهِ
فكذلكَ قياساً، وفي الاستحسانِ تحبُ الدِّيّةُ في مالِهِ لورثةِ المقتولِ؛ لأنَّ دلالةَ الحالِ أورَتَتْ شبهةً
في القصاصِ لا في المالِ)).
[١٨٩٠٢] (قولُهُ: وعلى هذا القياسِ إلخ) هو مِن تتمَّةِ عبارةِ "المجتبى"، وأقرَّهُ في "البحر"(٣)
(قولُهُ: والظَّاهِرُ أَنَّه يأتي هنا التّفصيلُ المذكورُ فِي السَّرقةِ وهو ما في "البزَّازِيَّةَ" إلى آخرِهِ) قالَ العلاَّمةُ
"الطَّرابلسيُّ": ((لكنْ رأيتُ العِلَّمَةَ "أبا السُّعود " نقلَ أَنَّه يجوزُ قضاءً، لكنْ حيثُ تفخَّصَ الحاكمُ وظهرَ له أنَّ
المقتولَ مُتَّهم في ذلكَ ويُكتفى من القاتلِ باليمينِ، وأجابَ عن صبيِّ قَتَلَ رجلاً قصَدَ اللّواطةَ به فقتلَهُ بِأَنَّه
لا يُتعرَّضُ له حيثُ كانَ الرَّجلُ معروفاً بالفسادِ، كما نقَلَ ذلكَ عنه العلاَّمةُ "الكواكبيُّ"، وهو كلامٌ حسنٌ ينبغي
حفظُهُ، وأفادَ "البزَّارِيُّ" أَنَّه إنْ لم يكنِ المقتولُ معروفً بالشَّرِّ والسَّرقةِ قُتِلَ القائلُ قصاصاً، وإنْ كانَ مَتَّهما به
فكذلكَ قياساً، وفي الاستحسانِ الدِّيّةُ في مالِه لورثةِ المقتولِ؛ لأنَّ دَلالةَ الحالِ أورثَت شبهةً في القصاصِ لا في
المالِ، ثُمَّ رأيتُ منسوباً لـ "الكبرى": أَنَّه لا يُحْتَاجُ إلى البِّنةِ هنا، واليمينُ تقومُ مَقامَ البَِّةِ، ولا يُفعلُ إلَّ عندَ
فوران الغضبِ اهـ. قالَ: فهذا أوسعُ)) اهـ. انتهى "سنديّ".
(١) "البزازية": نوع مشتركة بين الحدود والجنايات ٤٣٠/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البزازية": كتاب السرقة ٤٣٣/٦ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ٤٥/٥.
حاشية ابن عابدين
٢١٨
بابُ التَّعزيرِ
(الْكَابِرُ بالظُّلمِ، وقُطَّعُ الطريقِ، وصاحبُ الَكْسِ، وجميعُ الظَّلمةِ بأدنى شئٍ له قيمةٌ)
وجميعُ الكبائرِ، والأَعْوِنِةِ، والسُّعاةِ، يُباحُ قتلُ الكَلِّ، ويُثابُ قاتِلُهم، انتهى ..
و "النَّهر "(١)؛ ولذا مشَى عليهِ "المصنّف".
[١٨٩٠٣] (قولُهُ: الْمُكَابِرُ) أي: الآخذُ علانيةً بطريقِ الغَلَبةِ والقَهْرِ، قالَ في "المصباح"(٢):
((كابرتُهُ مُكَابرةً: غالبتُهُ مُغَالبةَ)).
١٨٩٠٤١] (قولُهُ: وَقُطَّاعُ الطَّريقِ) أي: إذا كانَ مسافراً ورأى قاطعَ طريقٍ لهُ قَتُهُ
وإن لم يقطعْ عليهِ بل على غيرِهِ؛ لِما فيهِ من تخليصِ النَّاسِ مِن شرِّهِ وأذاهُ، كما يفيدُهُ
ما بعدَهُ.
[١٨٩٠٥) (قولُهُ: وجميعُ الكبائرِ) أي: أهلُها، والظَّاهرُ: أنَّ المرادَ بها المتعدِّي ضررُها إلى الغيرِ،
فيكونُ قولُهُ: ((والأعونةِ والسُّعاةِ)) عطفَ تفسيرٍ أو عطفَ خاصٍّ على عامٍّ، فيشملُ كلَّ مَن كانَ
من أهلِ الفسادِ كالسَّاحرِ وقاطعِ الطَّريقِ واللّصِّ واللُّوطيِّ والخَّاقِ ونحوِهِمْ ثَمن عمَّ ضررُهُ
ولا ينزجرُ بغيرِ القتلِ.
[١٨٩٠٦) (قولُهُ: والأَعونةِ) كأنَّهُ جمعُ مُعِينٍ أو عَوَانِ بمعناهُ، والمرادُ بِهِ السَّاعي إلى الحكامِ
بالإفسادِ، فعطفُ ((السُّعاةِ)) عليهِ عطفُ تفسيرٍ، وفي "رسالة أحكامِ السِّياسةِ"(٣) عن "جمعِ
النَّسفِيّ" (٤) ((سُئِلَ "شيخُ الإسلامِ" عن قتلِ الأَعونةِ والظَّمةِ والسُّعاةِ في أيامِ الفترةِ، قال: يُاحُ
قتلُهم؛ لأَنَّهم ساعونَ في الأرضِ بالفسادِ، فقيلَ: إِنَّهم يمتنعونَ عن ذلكَ في أيامِ الفترةِ، ويختفونَ،
قالَ: ذلكَ امتناعُ ضرورةٍ، ﴿ وَلَوْرُوْلَعَادُوْ لِمَانُهُوْعَنْهُ﴾ [الأنعام - ٢٨] كما نشاهدُ، قالَ:
وسألنا الشَّخَ "أبا شجاع" عنهُ فقالَ: يُباحُ قتلُهُ ويُثابُ قَاتُلُهُ)) اهـ.
(١) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - فصل في التعزير ق ٣١٠/ب.
(٢) "المصباح المنير": مادة ((كبر)).
(٣) لم نهتد إليها.
(٤) نقول: كذا في النسخ جميعها، ولعلّه "جامع النسفي".