النص المفهرس

صفحات 141-160

. الجزء الثاني عشر
١٣٩
بابُ حدِّالشُّرب
((التّحقيقُ ما في "العنايةِ"(١) أنَّ البنجَ مباحٌ؛
لكنْ فيهِ(٢) أيضاً عن "القُهِستانيِّ" عن متنِ "البزدويّ": ((أَنَّهُ يُحَدُّ بالسُّكرِ مِن البَنْجِ في زماننا على
[٤ /ق ١٦٢/ب] المفتى بهِ(٣))) اهـ. تأمَّل. قالَ في "المنح"(٤): ((وفي "الجواهر": ولو سَكِرَ مِن الْبَنْجِ
وطلّقَ تطلُقُ زجراءً وَعليهِ الفتوى اهـ. وقد تقدَّمَ عن "قاضي خان" تصحيحُ عدمِ الوقوعِ، فليتأمَّل
عندَ الفتوى)) اهـ. وتقدَّمَ(٥) أوَّلَ الطَّلاقِ عن تصحيحِ "العلاَّمة قاسم" أَنَّهُ إذا سَكِرَ مِن البنْجِ
والأفيونِ يقعُ زجراً، وعليهِ الفتوى، وقدَّمنا (٥) هناكَ عن "الّهر ": ((أَنْهُ صرَّحَ في "البدائع" وغيرِها
١٦٥/٣ بعدمِ الوقوع؛ لأَنَّهُ لم يَزُلْ عقُهُ بسببٍ هو معصيةٌ، والحقُّ التّفصيلُ: إنْ كانَ للَّداوي فكذلكَ،
وإنْ اللَّهِ وإدخالِ الآفةِ قصداً فينبغي أنْ لا يُثِردَّدَ في الوقوعٍ)) اهـ.
قلت: ويدلُّ للأوَّلِ تعليلُ "البدائع"، وللّاني تعليلُ "العلاَّمة قاسم"، وقدَّمنا(٦) هناك أيضاً عن
"الفتح" أنَّ مشايخَ المذهبينِ مِن الحنفيةِ والشَّافِعِيةِ اتَّفقوا على وقوعِ طلاقِ مَن غابَ عقُّهُ بالحشيشةِ
- وهي ورقُ القِنَّبِ - بعدَ أنْ اختلفوا فيها قبلَ أنْ يظهرَ أمرُها مِن الفسادِ.
[١٨٦٧٣) (قولُهُ: أنَّ البَنْجَ مباحٌ) قيلَ: هذا عندَهما، وعندَ "محمَّد": ما أسكرَ كثيرُهُ فقليلُهُ
حرامٌ، وعليهِ الفتوى كما يأتي(٧) اهـ(٨).
(١) "العناية": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٨٢/٥ -٨٣ (هامش "فتح القدير").
(٢) أي: في "الدر المنتقى" كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ٦٠٢/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٣) نقول: بل نقل "القهستاني" القول بالحدِّ من السُّكر بالبنج لفساد الزمان عن "النهاية"، وقد صرّح بذلك العلامة "ابن
عابدين" نفسه رحمه الله في "حاشيته على البحر": ٣٠/٥، ونقل "القهستاني" أيضاً عن "متن البزدوي" القول بعدمِ الحدِّ
بشربِ نحوِ الأفيون، على أنَّ الذي في "أصول البزودي": ((أَنَّه لا يحدُّ بشرب البِنْجِ والأفيون على ظاهرِ الجواب)). انظر
"الدر المنتقى": ٦٠٢/١، و"جامع الرموز": ٢٩٥/٢، و"كشف الأسرار": ٥٧١/٤ -٥٧٢. والله تعالى أعلم.
(٤) "المنح": كتاب في بيان أحكام الحدود - باب في بيان أحكام الشرب ١/ق ٢٢٦/أ ..
(٥) المقولة [١٣٠٠١] قوله: ((أو أفيون أو بنج)).
(٦) المقولة [١٣٠٠٠] قوله: ((أو حشيش)).
(٧) في هذه المقولة.
(٨) نقول: هذا الكلام من "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٢٥٣/أ.

حاشية ابن عابدين
١٤٠
بابُ حدِّ الشُّرب
لأَنَّه حشيشٌ، أمَّا السُّكْرُ منه فحرامٌ))
أقول: المرادُ بـ: ((ما أسكرَ كثيرُهُ إلخ)) مِن الأشربةِ، وبِهِ عَبَّرَ بعضُهم، وإلاَّ لزمَ تحريمُ القليلِ مِن
كلِّ جامدٍ إذا كانَ كثيرُهُ مسكراً كالزَّعفرانِ والعنبرِ، ولم أرَ مَن قالَ: بحرمتِها حَتَّى إِنَّ الشَّافِعَّةَ القائلينَ
بلزومِ الحدِّ بالقليلِ مَّا أسكرَ كثيرُهُ خصُّوهُ بالمائعِ، وأيضاً لو كانَ قليلُ البِنْجِ أو الزَّعفرانِ حراماً
عندَ"محمَّد" لزمَ كونُهُ نجساً؛ لأَنَّهُ قالَ: ما أسكرَ كثيرُهُ فإنَّ قليلَهُ حرامٌ نحسرٌ، ولم يقلْ أحدٌ بنجاسةِ البَنْجِ
ونحوهٍ، وفي "كافي الحاكم" مِن الأشربةِ: ((ألا ترى أنَّ البنْجَ لا بأسَ بتداويِهِ، وإذا أرادَ أنْ يَذْهَبُ عقُلُهُ لا
ينبغي أنْ يفعلَ ذلكَ)) اهـ. وبِهِ عُلِمَ أنَّ المرادَ الأشربةُ المائعةُ، وأنَّ البَنْجَ ونحوَهُ مِن الجامداتِ إِنَّا يُحِرُمُ إذا
أرادَ بِهِ السُّكْرَ، وهو الكثيرُ منهُ دونَ القليلِ المرادِ بهِ النَّداوي ونحوِهِ كالنَّطُّبِ بالعنبرِ وجَوْزِ الطِّيبِ،
ونظيرُ ذلكَ ما كانَ سُمِّيّاً قَالاً كالمحمودةِ - وهي السَّقمونيا - ونحوِها مِن الأدويةِ السُّمَّةِ، فإنَّ
استعمالَ القليلِ منها جائزٌ بخلافِ القَدْرِ المضرِّ فإنَّهُ يحرمُ، فافهم واغتنم هذا التحریر.
(١٨٦٧٤] (قولُهُ: لأَنَّهُ حشيشٌ) لا معنى لهذا النَّعليلِ، وليسَ في عبارةِ"العناية". اهـ "ح"(١) . ..
قلت: وكذا ليسَ هو في عبارةِ "الَّهر "(٢)، ويمكنُ الجوابُ بأَنَّهُ إشارةٌ إلى ما قلناهُ، فالمرادُ التعليلُ
بأنّهُ مِن الجامداتِ لا مِن المائعاتِ [٤/ق١٦٣/ أ] الَّتي فيها الخلافُ في أنَّ قليلَها حرامٌ أَوْ لا، فافهم.
(قولُهُ: أقولُ المرادُ بـ: ((ما أسكرَ)) إلخ) قد حقَّقَ هذا المقامَ في الأشربةِ زيادةً عما هنا، وقالَ: ((الصَّوابُ
أنَّ مرادَ صاحبِ "الهدايةِ" بإباحةِ الأفيونِ إباحةُ قليلِهِ للتَّداوي ونحوِهِ، ومَن صرَّحَ بحرمتِهِ أرادَ به القَدْرَ المسكرَ
منه))، ثُمَّقَالَ: ((والحاصلُ أنَّ استعمالَ الكثيرِ منه المسكرِ حرامٌ مطلقاً، وأمَّا القليلُ فإنْ كانَ للَّهوِ حَرُمَ، وإِنْ
سَكِرَ منه يقعُ طلاقُه؛ لأنَّ مبدأَ استعمالِهِ كانَ محظوراً، وإنْ كانَ للَّداوي وحصلَ منه إسكارٌ فلا)) اهـ. ثمَّ رأيتُ
في "تبينِ المحارمِ" من بابِ الخمرِ والميسرِ ما نصُّه: ((وأما الأفيونُ فهو حرامٌ عند "محمَّدٍ" قُيُه وكثيرُهُ، وقالَ في
"السِّرَاجِ الوهَّاجِ": (الأفيونُ حرامٌ))، ولم يقيِّد حرمتَه بقولِ أحدٍ، وهو الظَّاهرُ؛ لأَنَّه مُضِرٌّ بالبدنِ، و كلُّ شيءٍ
يُضِرُّ به فأكلُهُ حرامٌ، وكذا يُسِيءُ الخُلُقَ وَيُضِعِفُ العقلَ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٢٥٣/أ.
(٢) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٣٠٦/أ، وليس فيه هذا التعليل، كما ذكر "ابن عابدين" رحمه الله.

الجزء الثاني عشر
١٤١
بابُ حدِّ الشُّرب
(أُقيمَ عليهِ بعضُ الحَدِّ فَهَرَبَ) ثمَّ أُخِذَ بعدَ النَّقادُم لا يُحَدُّ(١)؛ لما مرَّ(٢) أنَّ الإِمضاءَ
منَ القضاءِ في بابِ الحدودِ.
[١٨٦٧٥) (قولُ: أُقيمَ عليهِ بعضُ الحدِّ) أي: حدِّ الرِّنى أو السَّرقةِ أو الشُّربِ كما في "الكافي".
قلت: وأمَّا حدُّ القذفِ ففيهِ تفصيلٌ سيأتي(٣) في آخرِ البابِ الآتي.
[١٨٦٧٦] (قولُهُ: ثمَّ أُخِذَ إِلخ) أَفحمَ "الشَّارح" هذهِ المسألةَ بينَ كلامَي "المصنّف" إشارةً إلى
أنَّ استئنافَ الحدِّ للشُّربِ النَّاني لا يتقيّدُ بما إذا أُقْيمَ عليهِ بعضُ الحدِّ، فحوَّلَ العبارةَ عن أصلِها،
وكمَّلَها بما يناسبُها، وأتى بـ: ((لو)) في قولِهِ: ((ولو شربَ إلخ)) ليجعلَهُ مسألةً مستأنفةً، ولا يخفى
ما فيه مِن حسنِ الصِّناعةِ.
[١٨٦٧٧) (قولُهُ: لِما مرَّ إلخ) أي: في أثناءِ البابِ السَّابقِ، وقالَ في "الهداية" هناكَ (٤): ((إِنَّ
الّقادمَ كما يمنعُ قَبولَ الشَّهادةِ في الابتداءِ يمنعُ الإقامةَ بعدَ القضاءِ، حتّى لو هربَ بعدَ ما ضُرِبَ
بعضَ الحدِّ ثمَّ أُخِذَ بعدَ ما تقادمَ الزَّمانُ لم يُحَدَّ؛ لأنَّ الإمضاءَ مِن القضاءِ في بابِ الحدودِ)).
قلت: لكنَّ هذا ظاهرٌ في حدِّ الزِّنى والسَّرقةِ، فإنَّ التّقادمَ مقدَّرٌ فيهما بشهر كما مرَّ(٥)، أمَّا
في حدِّ الشُّربِ فإنَّهُ مقدّرٌ عندَهما بزوالِ الرَّائحةِ، وعندَ"محمَّد" بشهرِ أيضاً، والمعتمدُ قولُهما كما
مرَّ(٥)، وقيامُ الرَّائحةِ إنَّا يُشترطُ عندَ الإِقرارِ أو عندَ الرَّفعِ إلى الحاكمِ إلَّ لْبُعدِ المسافةِ، ولا يُحَدُّ
إلاّ بعدَ الصَّحوِ كما مرَّ(٦)، ولم يشترطوا قيامَ الرَّائحةِ عندَ إقامةِ الحدِّ بل الصَّحوُ مظنَّةُ زوالها، فإذا
كانَ عدُ إكمالِ الحدِّ بسببِ زوالِ الرَّائحةِ على قولِهما يلزمُ أنْ لا يُقَامَ الحدُّ إلاَّ مع قيامِ الرَّائحةِ،
(١) في "د": ((لم يحدّ)).
(٢) صـ ٣٣ - "در".
(٣) المقولة [١٨٨٦١] قوله: ((ولا شيءً للنَّاني للّداخلٍ)).
(٤) "الهداية": كتاب الحدود - باب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ١٠٥/٢.
(٥) المقولة [١٨٥٧١] قوله: ((هو الأصح)).
(٦) المقولة [١٨٦٤٣] قوله: ((بعد الإفاقة)).

حاشية ابن عابدين
١٤٢
بابُ حدِّ الشُّرب
(و) لو (شَرِبَ) أو زنى (ثانياً يُستَأَنَفُ الحدُّ)؛ لتداخل المَنَّحدِ كما سيجيءُ(١).
(فرعٌ)
سكرانُ أو صاحٍ جمحَ به فرسُهُ فصدَمَ إنساناً فماتَ، إنْ قادراً على منعِهِ
ضَمِنَ، وإلاَّ لا، "مصنّف"، "عماديَّة".
ولم نرَ مَن قالَ بذلكَ، فالظَّاهرُ أنَّ هذا تفريعٌ على قولِ "محمَّد" فقط، ولا يصحُّ أنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مفرَّعٌ
على قولِهما أيضاً بأنْ تُفرضَ المسألةُ فيما إذا أقرَّ بالشُّربِ فهربَ؛ لأنَّ النَّقَادمَ يُطِلُ الإقرارَ عندَهما
كما تقدَّمَ (٢)؛ لرجوعٍ المحذورِ فَإِنَّهُ يلزمُ عليهِ أنَّ المُقِرَّ لا يُحَدُّ إلاّ إذا بقيَت الرَّائحةُ موجودةً وإنْ لم
يرجعْ عن إقرارِهِ الصَّادِرِ عندَ قيامِ الرَّائحةِ، وأيضاً فالهربُ رجوعٌ عن الإقرارِ فلا حاجةً معهُ إلى
التَّقادمِ، هذا ما ظهرَ لي، فتأمَّله.
[١٨٦٧٨) (قولُهُ: ولو شربَ أو زَنى ثانياً) أي: قبلَ إكمالِ الحدِّ كما هو صورةُ المتنِ، أو قبلَ
إقامةِ شيءٍ منهُ، ففي الصُّورتينِ يُحَدُّ حدّاً كاملاً بعدَ الفعلِ الأخيرِ، ويدخلُ ما بقيَ مِن الأوَّلِ في
الَّانِي بخلافِ ما إذا أُقِيمَ عليهِ حدُّ الشُّربِ فشربَ ثانياً، أو حدُّ الرِّنِى فَرَنِى ثانياً، فإِنَّهُ يُحَدُّ للثّاني
حدًّا آخرَ، وبخلافِ ما إذا اختلفَ الجنسُ، وسيجيءُ(٣) تمامُ الكلامِ على ذلكَ في بابِ القذفِ.
[١٨٦٧٩ ] (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: لا يَضمنْ؛ [٤/ق١٦٣ /ب] لأنَّ فعلَها غيرُ مضافٍ إليهِ.
[١٨٦٨٠) (قولُهُ: "مصنّف"، "عماديّة") أي: نقلَهُ"المصنّف"(٤) عن "العماديَّة"، "ح"(٥).
(قولُهُ: فالظَّاهرُ أنَّ هذا تفريعٌ على قولِ "محمَّدٍ" فقط إلخ) قد يُقالُ: إِنَّ هذا تفريعٌ على قولِ الكلِّ كما هو ظاهرُ
3
إطلاقِهم هنا، وإنهما كما يَشترطان وجودَ الرَّائحةِ عندَ القاضى يشترطان أيضا عدمَ التقادم بين القضاء والإمضاء،
بمعنى مضيِّ الزَّمنِ الطّويلِ، لا بمعنى زوالِ الرَّائحةِ، لكن تُفْرِضُ المسألةُ بما إذا ثبتَ بالبَِّةِ لا بالإقرارِ، وإلاَّ فيكفي
لعدمِ الحدِّ مجرَّدُ الهربِ، وانظر ما يأتي له في كتابِ السَّرقةِ عندَ قولِ "المصنّفِ": ((فإنْ أقرَّ بها ثُمَّ هربَ إلخ)).
(١) ص ١٦٩ - ١٧٠ - "در".
(٢) المقولة [١٨٥٧٠] قوله: ((إلا في الشُّرب)).
(٣) ص ١٦٩ - وما بعدها "در".
(٤) "المنح": كتاب في بيان أحكام الحدود - باب في بيان أحكام الشُّرب ١/ق ٢٢٥/أ.
(٥) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ الشرب ق ٢٥٣/أ.

الجزء الثاني عشر
١٤٣
بابُ حدِّ القذف
﴿بابُ حدِّ القذف﴾
هو لغةً: الرَّميُّ، وشرعاً: الرَّميُ بالزِّنى، وهو مِنَ الكبائرِ بالإجماعِ، "فتح"(١).
لكنْ في "النّهرِ": ((قذفُ غيرِ المحصَنِ كصغيرةٍ، ومملوكةٍ، وحرَّةٍ متهتكةٍ،
منَ الصَّغَائِرِ)). (هو كحدٌ الشُّربِ.
﴿بابُ حدِّ القذف﴾
[١٨٦٨١) (قولُهُ: وشرعاً الرَّميُّ بالزِّنِى) الأَولى ما في "العناية"(٢): ((مِن أَنَّهُ نسبةُ المحصنِ إلى
الرِّنى صريحاً أو دلالةٌ))؛ إذ الحدُّ إنَّا هو في المحصنِ، "نهر "(٢).
قلت: لكنَّ الإحصانَ شرطُ الحدِّ، ولهُ شروطٌ أخرُ ستذكرُ، والكلامُ في الحقيقةِ الشَّرعيَّةِ
المشروطةِ بما يأتي (٤)، وينبغي أنْ يُقَيَّدَ أيضاً بكونِهِ على سبيلِ التّعبيرِ والشَّتَمِ ليخرُجَ شهادةُ الرِّنى.
[١٨٦٨٢) (قولُهُ: لكنْ في "الَّهر " (٥) إلخ) عزاهُ في "النّهر" إلى "الحَلِيمِيِّ" (٦) مِن "الشَّافِعِيَّة"
١٦٦/٣ معلِّلاً بأنَّ الإيذاءَ في قذفِ هؤلاءِ دونَهُ في الحرَّةِ الكبيرةِ المتسترةِ، وذكرَهُ في "البحر"(٧) بحثاً غيرَ
معزيٍّ، ونقلَ أيضاً عن "شرحِ جمع الجوامع(٨) أنَّ القذفَ في الخلوَةِ صغيرةٌ عندَ "الشَّافِعِيَّةِ"،
قالَ: وقواعدُنا لا تأباهُ؛ لأنَّ العلّةَ فيهِ لحوقُ العارِ، وهو مفقودٌ في الخلوَةِ، واعترضَهُ في "النَّهر " (٩)
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٨٩/٥.
(٢) "العناية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٨٩/٥ (هامش "فتح القدير").
(٣) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٦/ب.
(٤) المقولة [١٨٦٩٨] قوله: ((وبقي من الشروط إلخ)).
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٦/ب.
(٦) تقدمت ترجمته ٢٢٣/١.
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٥/ ٣٢.
(٨) "شرح جمع الجوامع" لمحمد بن أحمد بن محمد، جلال الدين المحلّي الشافعيّ (ت ٨٦٤هـ) و"جمع الجوامع" لأبي
نصر عبد الوهاب بن علي، تاج الدين السبكيّ الشافعي (ت ٧٧١ هـ). ("كشف الظنون" ٥٩٥/١،
"الدرر الكامنة" ٤٢٥/٢، "الضوء اللامع" ٣٩/٧، "حسن المحاضرة" ٣٢٨/١ و٤٤٣، "شذرات الذهب" ٤٤٧/٩،
"هدية العارفين" ٦٣٩/١ و٢٠٢/٢).
(٩) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٦/ب بتصرف.

حاشية ابن عابدين
١٤٤
بابُ حدِّ القذف
بأنّهُ في "الفتح"(١) استدلَّ للإجماعِ بآيةٍ ﴿إِنَّالَّذِينَ يَرَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(٢) [النور - ٢٤] وبحديثٍ:
(اجتنبوا السَّعَ الموبِقَاتِ(٣)) وعدَّ منها: (قذفَ المحصناتِ))، أي: وهذا صادقٌ على قذفِ المحصنةِ
في الخلوَةِ بحيثُ لم يسمعْهُ أَحدٌ، واعترضَهُ أيضاً"الباقانيُ)(٤) في "شرحِ الملتقى" بأنَّ المذكورَ في
"شرح جمع الجوامع" عن "ابنِ عبدِ السَّلام)" (٥) أَنَّهُ ليسَ بكبيرةٍ موجَةٍ للحدِّ لانتفاءِ المفسدَةِ، وقالَ
محشِيهِ اللّقَانِيُّ"(٦): ((إنَّ المحقّقَ مِن هذهِ العبارةِ نفيُ إيجابِ الحدِّ لا نفيُ كونِهِ كبيرةً أيضاً؛ لتوجُّهِ
النَّفيِ على القيدِ))، وقالَ "الزَّركشيُّ) (٧) أيضاً: إنَّ هذا ظاهرٌ فيما إذا كانَ صادقاً دونَ الكاذبِ
لجراءِهِ على اللهِ تعالى، أي: فهو كبيرةٌ وإنْ كانَ في الخلوَةِ، وقالَ"الشَّارح" في "شرح الملتقى"(٨):
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٨٩/٥ باختصار.
(٢) في النسخ جميعها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور - ٤]، وما أثبتناه من "الفتح" - المنقول عنه - هو المراد
بالاستدلال. وتتمّتها ﴿ الْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَوَوَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٦٦) في الوصايا - باب (إنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) و(٥٧٦٤) في الطب - باب
الشرك والسحر ، و(٦٨٥٧) في الحدود - باب رمي المحصنات، ومسلم (٨٩) في الإيمان - باب بيان الكبائر ، وأبو
داود (٢٨٧٤) في الوصايا - باب اجتناب أكل مال اليتيم، وأبو عوانة (١٤٨) (١٤٩)، والطحاوي في "بيان المشكل"
(٨٩٤) (٨٩٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٥٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٤٢٨٤)، والبيهقي في "السنن
الكبرى" ٢٤٩/٨ وغيرهم من طريق سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة.
(٤) تقدمت ترجمته ٦١١/١.
(٥) تقدمت ترجمته ١٦١/٣.
(٦) "حاشية على شرح جمع الجوامع": لأبي عبد الله محمد اللَّقانيّ، ناصر الدين، المصري المالكي (ت٩٥٨هـ).
("كشف الظنون" ٥٩٥/١، "هدية العارفين" ٢٤٤/٢).
(٧) في كتابه" تشنيف المسامع بشرح الجمع الجوامع" لأبي عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله الزَّركشيّ المصري
الشافعي، بدر الدين (ت٧٩٤هـ). ("كشف الظنون" ٥٩٥/١، "الدرر الكامنة" ٣٩٧/٣، "شذرات الذهب"
٥٧٢/٨، "هدية العارفين" ١٧٤/٢).
(٨) "الدر المنتقى": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٦٠٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").

الجزء الثاني عشر
١٤٥
بابُ حدِّ القذف
كميَّةً وثبوتاً) فيثبُتُ برحلَينِ يسألُهُما الإِمامُ ..
((قلتُ: والَّذي حرَّرَتُهُ في "شرح منظومة" والدِ شيخِنا تبعاً لشيخِنا "النجمِ الغَزِّي الشَّافعيِّ"(١) أَنَّهُ
مِن الكبائرِ وإِنْ كانَ صادقاً ولا شهودَ لهُ عليهِ، ولو مِن الوالدِ لولدِهِ أو لولدٍ ولدِهِ وإنْ لم يُحَدَّ بِهِ
بل يُعزَّرُ ولو لغيرِ محصَنٍ، وشرطُ الفقهاءِ الإِحصانَ إنَّا هو لوجوبِ الحدِّ، لا لكونِهِ كبيرةً، وقد
روى "الطَّرائيُّ" عن "واثلةَ" عن النّبِيِّ :﴿ أَنَّهُ قالَ: ((مَن قذفَ ذمَّاً حُدَّ لهُ يومَ القيامةِ بسياطٍ مِن
نارٍ(٢))، ثمَّ مِن المعلومِ ضرورةً أنَّ قذفَ أُمِّ المؤمنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ تعالى عنها كفرٌ سواءٌ كانَ
سرّا أو جهراً، وكذا القَولُ في مريمَ، وكذا الرَّميُّ باللّواطةِ)) اهـ. أي: أَنَّهُ مِن الكبائرِ أيضاً،
وسيأتي(٣) [٤ /ق ١٦٤/أ) بيانُ حكمِهِ في بابِ الَّعزيرِ.
[١٨٦٨٣] (قولُهُ: كمِّيَّةً) أي: قَدْراً، وهو ثمانونَ سَوطً إنْ كانَ حرَّاً، ونصفُها إنْ كانَ
القاذفُ عبدً، "بحر "(٤).
[١٨٦٨٤) (قولُهُ: فَنْبُتُ بِرِجَينِ) بيانٌ لقولِهِ: ((وثبوتاً)) وأشارَ إلى أَنَّهُ لا مدخلَ فيهِ لشهادةِ
النِّساء كما مرَّ(٥)، وكذا الشَّهادةُ على الشَّهادةِ، وكتابُ القاضي إلى القاضي، ويثبتُ أيضاً بإقرارٍ
القاذفِ مرَّةً كما في "البحر "(٢)، ولا يُستحلَفُ على ذلكَ، ولا يِمِينَ في شيءٍ مِن الحدودِ إلاَّ أنَّهُ
يُستحلَفُ في السَّرِقةِ؛ لأجلِ المالِ، فَإِنْ أَبَى ضَمِنَ المالَ ولم يُقْطَعْ، وإذا اختلفَ الشَّاهِدانِ في الزَّمانِ
(١) هو محمد بن محمد بن محمد الغزِّي العامريّ الشافعيّ، نجم الدين (ت ١٠٦١ هـ). ("خلاصة الأثر" ١٨٩/٤،
"نفحة الريحانة" ٥٤٠/١، "هدية العارفين" ٣٣٧/٢).
(٢) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" ٢٢/(١٣٥)، و"مسند الشاميين" (٣٣٨٤)، وابن عدي في "الكامل" ١٦٨/٦ وعنه ابن
الجوزي في "الموضوعات" ١٣٠/٣ من طريق محمد بن مِحصَن عن الأوزاعي عن مكحول عن واثلة بن الأسقع ... فذكره.
ومحمد بن مِحصَن العُكَّاشي نُسبَ إلى جده الأعلى، قال ابن مَعين وأبو حاتم: كذّاب، وقال البخاريُّ: منكر الحديث، وقال
ابن عدي: أحاديثه كلها مناكير موضوعة.
والحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيره عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من قذف مملوكه بالزنى يُقام عليه الحدُّ يومَ
القيامة إلا أنه يكون كما قال))، وفي بعض الروايات: ((بسياط من نار)).
(٣) صـ ٢٣٨ - "در".
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٢/٥.
(٥) المقولة [١٨٦٥٢] قوله: ((رجلين)).
(٦) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٢/٥.

حاشية ابن عابدين
١٤٦
بابُ حدِّ القذف
عن ماهيَّتِهِ، وكيفيَّتِهِ،.
لم تبطُلْ شهادتُهما عندَهُ كما في الإقرارِ بالمالِ أو بالطَّلاق أو العتاق، وعندَهما: لا يُحَدُّ القاذفُ،
وإنْ شهدَ أحدُهما بالقذفِ والآخرُ على الإقرارِ بهِ لم يُحَدَّ اتفاقاً استحساناً، وكذا تبطُلُ لو اختلفَا
في اللُّغةِ الَّتي قذفَ بها، أو شهدَ أحدُهما أنَّهُ قالَ: يا ابنَ الرَّانيةِ، والآخرُ أَنَّهُ قالَ: لستَ لأبيكَ. اهـ
ملخَّصاً مِن "كافي الحاكم".
[١٨٦٨٥] (قولُهُ: عن ماهَّتِهِ) أي: حقيقتِهِ الشَّرعيَّةِ المارَّةِ(١).
[١٨٦٨٦] (قولُهُ: وكيفَيَّتِهِ) أي: اللَّفْظِ الَّذي قذفَ بهِ. اهـ "ح"(٢).
قلت: فيهِ: أنَّ هذا اللَّفْظَ رُكْنُ القذفِ، والكيفيَّةُ: الحالةُ والهِيئَةُ كما يُقالُ: كيفَ زِيدٌ؟ فتقولُ:
صحيحٌ أو سقيمٌ، وقد مرَّ(٢) تفسيرُ السُّؤالِ عن الكيفيَّةِ في الشَّهادةِ على الزِّنى بالطّوعِ أو الإكراهِ،
فالظَّاهِرُ أنْ يقالَ هنا كذلكَ، إذ لو أُكرِهَ القاذفُ على القذفِ لم يُحَدَّ، لكنْ ظاهرُ ما في "الكافي"
أنَّ السُّؤَالَ عن هذا غيرُ لازمٍ، حيثُ قالَ: ((وإِنْ جاءَ المقذوفُ بشاهدينٍ، فشهدَا أَنَّهُ قذفَهُ سُئِلا
عن ماهَّتِهِ وكيفَيَّتِهِ، فإنْ لم يزيدًا على ذلكَ لم تقبلْ؛ فإنَّ القذفَ يكونُ بالحجارةِ وبغيرِ الزِّنى،
وإنْ قالا: نشهدُ أنَّهُ قالَ: يا زاني قَبِلْتُ شهادتَهما وحددتُ القاذفَ)) اهـ. فظاهرُهُ أنَّ السُّؤَالَ عن
الماهيّةِ والكيفيَّةِ إنَّا هو إذا شهدًا بالقذفِ، أمَّا لو شهدًا بأنَّهُ قالَ: يا زاني لا يلزمُ السُّؤَالُ عن ذلكَ
أصلاً؛ إذ لو كان مُكرَهً لَبَّنَاهُ، فليتأمَّل. وعلى هذا فيمكنُ أنْ يُرادَ بالكيفيَّةِ أَنَّهُ صريحٌ أو كتابةٌ،
فتأمَّل. وفي "حاشية مسكين"(٤) عن "الحمَويِّ": ((وينبغي أنْ يسألهَما عن المكانِ لاحتمالِ قذفِهِ
﴿بابُ حدِّ القذف﴾
(قولُهُ: إذ لو كانَ مكرَهاً لبَّناه إلخ) فيه: أنهَّم اشترطوا بيانَ الكيفيَّةِ في حدِّ الزِّنى والشُّربِ، ولم
يكتفوا بدونها، فيلزمُ أنْ يكونَ حدُّ القذفِ كذلك، ولا يُقالُ: إذْ لو كانَ مُكرَها لبَّنَاه إلا أنْ يقالَ بعدمِ
الاشتراطِ هنا؛ لتعلّقِ حقِّ العبدِ، فأشبهَ سائرَ حقوقِهِ، بخلافِهما لتمخُّضِهما له تعالى.
(١) صـ ١٩ - "در".
(٢) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق٢٥٣/ب.
(٣) صـ ٢٠ - "در".
(٤) "فتح المعين": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٧٤/٢.

الجزء الثاني عشر
١٤٧
بابُ حدِّ القذف
إلَّ إذا شهدا بقولِهِ: يا زاني، ثمَّ يحبسُهُ ليسألَ عنهما، كما يحبسُهُ لشهودٍ يمكنُ
إحضارُهم في ثلاثةِ أَيَّامٍ، وإلاَّ لا، "ظهيرِيَّةِ"(١). ولا يُكفِّلُهُ خلافاً لـ:"الثَّانِيِ"، "نهر".
(ويُحَدُّ الحرُّ أوِ العبدُ).
في دارِ الحربِ أو البغي، وعن الزَّمانِ لاحتمالِ قذفِهِ في صباهُ، لا لاحتمالِ التَّقادمِ؛ لأَنّهُ لا يبطُلُ بهِ،
بخلافِ سائرِ الحدودِ، ثُمَّ رأيتُ الأَوَّلَ في "البدائع)"(٢)) اهـ.
[١٨٦٨٧) (قولُهُ: إلاّ إذا شهدًا إلخ) تكلَّمْنا عليهِ آنفاً(٣).
[١٨٦٨٨] (قولُهُ: كما يَحبِسُهُ لشهودٍ) [٤/ق١٦٤/ب] الأَولى لشاهدٍ بصيغةِ المفرَدِ، قالَ في
"النَّهِ"(٤): ((فإنْ لم يعرِفْ عدالتَهما حبسَهُ القاضي حَتَّى يسألَ عنهما، وكذا لو أقامَ شاهداً واحداً
عَدْلاً، وادَّعى أنَّ الَّانِيَ في المصرَ حبسَهُ يومَينِ أو ثلاثَةً، ولو زِعَمَ أنَّ لهُ بَيِّنَةً في المصرِ حبسَهُ إلى
آخرِ المجلسِ، قالوا: والمرادُ بالحبسِ فِي الأَولَينِ حقيقتُهُ، وفي النَّالثِ الملازمةُ)).
[١٨٦٨٩] (قولُهُ: ولا يُكَفِّلُهُ) أي: لا يأخذُ منهُ كفيلاً إلى المجلسِ الثَّاني، وقالَ "أبو يوسف":
يأخذُهُ، "نهر "(٤)، وسيأتي(٥) توضيحُهُ في عبارةِ المتنِ.
[١٨٦٩٠] (قولُهُ: وَيُحَدُّ الحرُّ إلخ) أي: الشَّخصُ الحُرُّ فلا ينافي قولَهُ: ((ولو ذمَّاً أو امرأةً))،
فافهم. ولم أرَ مَن تعرَّضَ لشروطِ القاذفِ، وينبغي أنْ يقالَ: إنْ كانَ عاقلاً بالغاً ناطقاً طائعاً في دارٍ
العدل، فلا يُحَدُّ الصَّبِيُ بل يعزَّرُ، ولا المجنونُ إلَّ إذا سكرَ بمحرَّمٍ؛ لأَنَّهُ كالصَّاحي فيما فيهِ حقوقُ
(قولُهُ: ولا المجنونُ إلا إذا سَكِرَ إلخ) لعلَّ الأصوبَ: ((ولا السكران إلا ... )) إلخ.
(١) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الرابع في القذف والتعزير ق ١٥٢/ب.
(٢) "البدائع": كتاب الحدود - فصل: وأما الذي يرجع إلى المقذوف فيه ٤٥/٧ بتصرف.
(٣) في المقولة السابقة.
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حد القذف ق ٣٠٦/ب.
(٥) صـ ١٩٠ - "در".

حاشية ابن عابدين
١٤٨
بابُ حدِّ القذف
ولو ذمّاً أو امرأةً (قاذفُ المسلم الحرِّ النَّابتةِ حريّتُه، وإلاَّ ففيهِ التّعزيرُ (البالغِ العاقلِ ..
العبادِ كما مرَّ(١)، ولا المكرَهُ ولا الأخرسُ لعدمِ التَّصريحِ بالزِّنى، كما صرَّحَ بِهِ "ابنُ الشِّلبي"(٢) عن
"النّهايةِ"، ولا القاذفُ في دارِ الحربِ أوِ البغيِ كما مرَّ(٣)، وأمَّا كونُهُ عالمً بالحرمةِ حقيقةً أو حكماً
بكونهِ ناشئاً في دارِ الإِسلامِ فُيُحْتَمَلُ أن يكونَ شرطً أيضاً لكنْ في "كافي الحاكمِ": ((حربيٌّ دخلَ
دارَ الإِسلامِ بأمانٍ فقذفَ مسلماً لم يُحَدَّ في قولِ "أبي حنيفةً" الأوَّلِ، ويُحَدُّ في قولِهِ الأخيرِ، وهو
قولُ صاحبَيْهِ)) اهـ. فظاهرُهُ أَنَّه يُحَدُّ ولو في فَورِ دخولِهِ، ولعلَّ وجهَهُ أنَّ الزِّنى حرامٌ في كلِّ مَلَّةٍ
فيحرمُ القذفُ بهِ أيضاً، فلا يُصَدَّقُ بالجهلِ، هذا ما ظهرَ لي، ولم أرَ مَن تعرَّضَ لشيءٍ منهُ.
١٦٧/٣
(١٨٦٩١) (قولُهُ: ولو ذمّاً) الأَوْلى: ((ولو كافراً)) ليشملَ الحربيَّ المستأمِنَ كما علمتَهُ آنفاً،
وسيذكرُهُ(٤) "المصنّف" أيضاً.
[١٨٦٩٢] (قولُهُ: قاذفُ المسلمِ الحرِّ إلخ) بيانٌ لشروطِ المقذوفِ.
[١٨٦٩٣) (قولُهُ: الثَّابتةِ حِرِيَّتُهُ) أي: بإقرارِ القاذفِ، أو بالبيِّنَةِ إذا أنكرَ القاذفُ حرِّيَّنْهُ، وكذا
لو أنكرَ حرِّيَّةَ نفسِهِ وقالَ: أَنا عبدٌ وعليَّ حدُّ العبيدِ كانَ القَولُ قولَهُ، "بحر " (٥) عن "الخانَةَ" (٦).
[١٨٦٩٤] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ لم يكنِ المقذوفُ مسلماً حرَّاً، بأنْ كانَ كافراً أو مملوكاً،
وكذا مَن ليسَ بمحصنٍ إذا قذفَهُ بالرِّنِى فإنَّهُ يعزَّرُ ويبلغُ بهِ غايتُهُ، كما سيذكرُهُ(٧) في بابِهِ.
[١٨٦٩٥) (قولُهُ: البالغِ العاقلِ) خرجَ الصَّبيُ والمجنونُ؛ لأَنَّهُ لا يُتُصوَّرُ منهما الزِّنى، إذ هو
فعلٌ محرَّمٌ والحرمةُ بالَّكليفِ، وفي "الظَّهيريَّة(٨) إذا قذفَ غلاماً مُراهقاً فادَّعى الغلامُ البلوغَ بالسِّنِ
(١) المقولة [١٨٦٧٠] قوله: ((وهذه إلخ)).
(٢) لم نعثر عليها في "حاشية الشِّلْبي" على "تبيين الحقائق"، ولعلها في "شرح الكنز" لـ: ابن الشِّلْبي الحفيد، المتوفى سنة
(١٠٢١ هـ)، والله تعالى أعلم.
(٣) المقولة [١٨٦٨٦] قوله: ((وكيفيته)).
(٤) صـ ١٨٦ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٤/٥.
(٦) "الخانية": كتاب الحدود - فصل حدِّ القذف ٤٧٦/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) صـ ٢٣٠ - "در".
(٨) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الرابع في القذف والتعزير ق ١٥٢/أ.

بابُ حدِّ القذف
الجزء الثاني عشر
١٤٩
العفيفِ) عن فعلِ الزِّنى فيَنقُصُ عن إحصانِ الرَّجمِ بشيئينِ: النِّكاحِ، والدُّخولِ، ...
أو بالاحتلامِ، لم يُحَدَّ القاذفُ بقولِهِ، "بحر"(١)، فهذا يُسَثنى مِن قولهم: لو راهقًا [٤/ق ١٦٥/أ] وقالا:
بلغْنا صُدِّقًا، وأحكامُهما أحكامُ البالغينَ، "شُرُبِبلالية"(٢).
[١٨٦٩٦] (قولُهُ: العفيفِ عن فعلِ الزِّنى) زادَ"الشَّارح"(٣) في بابِ اللِّعانِ: ((وتهمِتِهِ))،
واحترزَ بهِ عن قذفِ ذاتِ ولدٍ ليسَ لهُ أبٌّ معروفٌ، ويأتي(٤) أَنَّهُ لا يُحَدُّ قاذفُها؛ لأنَّ النَّهَمَةَ
موجودةٌ فينبغي ذكرُ هذا القيدِ هنا، ولم أرَ مَن ذكرَهُ، ثُمَّ اعلم أنَّ الزِّنى في الشَّرعِ أعمُّ مَمَا يوجبُ
الحدَّ وما لا يوجبُهُ وهو الوطءُ في غير الملكِ وشبهتِهِ، حتّى لو وطئَ جاريةَ ابِهِ لا يُحَدُّ للزِّنى ولا
يُحَدُّ قاذقُهُ بالزِّنِى، فدلَّ على أنَّ فعلَهُ زنِّى وإنْ كانَ لا يُحَدُّ بِهِ كما قدَّمناهُ(٥) عن "الفتح" أوَّلَ
الحدودِ، وأمَّا لو وطئَ جاريَتَهُ قبلَ الاستبراءِ فليسَ بزنِّى؛ لأَنَّهُ في حقيقةِ الملكِ كوطءِ زوجتِهِ
الحائضِ، وإنّا هو وطءٌ محرَّمٌ لعارضٍ، والزِّنى لا بدَّ أنْ يكونَ وطأَّ محرَّماً لعينِهِ كما يأتي (٦) بيانُهُ
عندَ قولِهِ: ((أو رجلٍ وطئَ في غيرِ ملكِهِ)) ولهذا قالَ "مسكين) (٧): ((قولُهُ: عفيفاً عن الزِّنى احترازٌ
عن الوطءِ الحرامِ في الملكِ، فإنَّهُ لا يُخرِجُ الواطئَ عن أنْ يكونَ محصناً)) اهـ. فما قيلَ -: إنَّهُ
لا يصحُّ أنْ يرادَ بالرِّنى هنا المصطَلَحُ ولا غيرُهُ - غیرُ صحیحٍ، فافهم.
[١٨٦٩٧] (قولُهُ: فَيَنقُصُ عن إحصانِ الرَّجمِ بشيئينٍ) الأَولى: ((شيئينٍ)) بدونِ الباءِ الجارةِ؛
(قولُهُ: أعمُّ مَمَا يُوجِبُ الحدَّ وما لا يُوجِبُه وهو الوطءُ إلخ) تقدَّمَ ما فيه أولَ الكتابِ، وأنَّ الزِّنى بالمعنى
الأعمِّ اسمٌ لما هو حرامٌ لعينِهِ منَ الجماعِ، وسيأتي له عنِ "ابنِ كمالٍ" في بابِ التَّعزيرِ: أنّ النّسبةَ إلى فعلٍ
لا يجبُ الحدُّ بذلكَ الفعلِ لا تُوجِبُ الحدّ.
(١) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٤/٥.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٧١/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) ١٩٩/١٠ "در".
(٤) صـ ١٨١ - "در".
(٥) المقولة [١٨٣٢٥] قوله: ((الموجب للحدِّ)).
(٦) المقولة [١٨٨٢١] قوله: ((أو بقَذْفِ رجلٍ وطئَ في غيرِ مِلْكه إلخ)).
(٧) "شرح منلا مسكين على الكنز": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف صـ١٤٥ -.

حاشية ابن عابدين
١٥٠
بابُ حدِّ القذف
وبقيَ منَ الشُّروطِ أنْ لا يكونَ ولدَهُ، أو ولدَ ولدِهِ، أو أخرسَ، أو محبوباً، أو خَصِيّاً،
أو وَطِیَء بنكاحٍ،
لأنَّ ((نقَصَ)) يتعدَّى بنفسِهِ، أفادَهُ ط((١)، هذا وقدَّمنا (٢) أنَّ شروطَ الإحصان تسعةٌ، فتدبَّر.
[١٨٦٩٨) (قولُهُ: وبقيَ مِن الشُّروطِ إلخ) قلت: بقيَ منها أيضاً على ما في "شرح
الوهبائَّة"(٣) أنْ لا يكون أمَّ ولدِهِ الحرَّةَ الْمِّنَةَ، وأنْ لا يكونَ أمَّ عبدِهِ الحرَّةَ المِّنَةَ، وأنْ يطلبَ
المقذوفُ الحدَّ، وأنْ لا يموتَ قبلَ أنْ يُحَدَّ القاذفُ؛ لأنَّ الحدودَ لا تُورَثُ.
[١٨٦٩٩) (قولُهُ: أنْ لا يكونَ) أي: المقذوفُ(٤) ولدَ القاذفِ.
[١٨٧٠٠) (قولُهُ: أو أخرسَ) لأَنَّهُ لا بدَّ فيهِ من الدَّعوى، وفي إشارةِ الأخرسِ احتمالٌ يُدرأُ
بهِ احدُّ.
[١٨٧٠١) (قولُهُ: أو محبوباً) هو مقطوعُ الذَّكرِ والأُنثينِ جميعاً كما فسَّروهُ في بابِ العَنّين،
ولا يخفى أنَّ مقطوعَ الذِّكرِ وحَدُه مثلُهُ. اهـ "ح "(٥)، ووجهُ: أنَّ الزِّنى منهُ لا يُتصوَّرُ فلم يلحقْهُ
عارٌ بالقذفِ لظهورِ كذبِ القاذفِ، تأمَّل.
(١٨٧٠٢)] (قولُهُ: أو خَصِيّا) بفتح الخاءِ: مَن سُلَّتْ خُصْيَتَهُ وبقيَ ذكرُهُ، و "الشَّارح" تَبِعَ
في التَّعبيرِ بهِ صاحبَ "النَّهر"(٦)، وهو وهمّ سرَى مِن ذكرِ المحبوبِ لتقارنِهما في الخيالِ،
(قولُهُ: أنْ لا يكونَ أمَّ ولدِهِ الحرَّةَ المَِّةَ إلخ) هذه المسألةُ وما بعدَها هما ما ذكره "المصنّفُ" فيما
يأتي: ((ولا يطالِبُ ولدٌ وعبدٌ أباه وسيِّدَهُ بقذفِ أمِّهِ الحرَّةِ المسلِمَةِ، فلو كانَ لها ابنٌ من غيرِهِ مَلَكَ
الطَّلبَ))، وكذا ما بعدَهما يُعلمُ من كلامِ "المصنّفِ" الآتي.
(١) "ط": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٤٠٤/٢.
(٢) المقولة [١٨٤٥٤] قوله: ((ونظم بعضهم إلخ)).
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الحدود ق١٢٨/ب - ق ١٢٩/أ بتصرف.
(٤) في "م": ((المقذف))، وهو تحريف.
(٥) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٢٥٣/ب.
(٦) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق٣٠٧/أ.

الجزء الثاني عشر
١٥١
بابُ حدِّ القذف
أو مِلْكٍ فاسدٍ، أو هيَ رَتْقَاءُ، أو قَرْناءُ، وأنْ يوجدَ الإِحصانُ وقتَ الحدِّ، حتى لو ارتدَّ
سقَطَ حدُّ القاذفِ ولو أسلمَ بعدَ ذلكَ، "فتح"(١).
قالَ في "المحيط "(٢): ((بخلاف ما لو قذَفَ خَصِيَّاً أو عنّيناً؛ لأنَّ الزِّنى منهما متصوَّرٌ؛ لأنَّ لهما آلةً
[٤ / ق ١٦٥/ب] الزِّنى)) اهـ."ح"(٣).
[١٨٧٠٣] (قولُهُ: أو مِلْكٍ فاسدٍ) كذا في "شرح الوهبانيَّةً"(٤) عن "النّتْف" (٥)، وتبعَهُ "المصنّفُ"
في "المنح"(٦)، وهو خلافُ نصِّ المذهبِ، ففي "كافي الحاكم": ((رجلٌ اشترى جاريةً شراءً فاسداً
فوطِئَها، ثمَّ قذفَهُ إنسانٌ قالَ: على قاذفِهِ الحدُّ)) اهـ. ومثلُهُ في "القُهِستانيّ"(٧)، وكذا في "الفتح"(٨)
قالَ: ((لأنَّ الشِّراءَ الفاسدَ يُوجِبُ الملكَ، بخلافِ النِّكَاحِ الفاسدِ لا يثبتُ فيهِ ملكٌ؛ فلذا يسقطُ
إحصانُهُ بالوطءٍ فِيهِ، فلا يُحَدُّ قَاذَقُهُ)) اهـ. ونحوُهُ في "ح" (٩) عن "المحيط"(١٠).
قلت: وقد يجابُ بأنَّ المرادَ بالملكِ الفاسدِ ما ظهرَ فيهِ فسادُ الملكِ بالاستحقاق، ففي
"الخانّة"(١١): ((اشترى جاريةً فوطِئَها ثمَّ اسْتُحِقَّت فقذفَهُ إنسانٌ لا يُحَدُّ)).
[١٨٧٠٤) (قولُهُ: حَتَّى لو ارتدَّ) وكذا لو زنى أو وطئَ وطناً حرامً، أو صارَ معتوهاً أو أخرسَ
(١) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١١١/٥.
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الحدود - في القذف ١/ ق ٤٣٤ /ب.
(٣) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٢٥٤/أ.
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الحدود ق ١٢٨/ب.
(٥) "النَّتَف للسُّغْدِي": كتاب الحدود - أنواع القذف ٦٤٢/٢.
(٦) "المنح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١/ق٢٢٦/ب.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الحدود - فصل: القذف ٢٩٢/٢.
(٨) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١٠٦/٥.
(٩) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٢٥٤/أ.
(١٠) "المحيط البرهاني": كتاب الحدود - في القذف ١/ق٤٣٣/أ.
(١١) "الخانية": كتاب الحدود - فصل في الألفاظ التي توجب الحدَّ وما لا توجب ٤٧٦/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
١٥٢
بابُ حدِّ القذف
(بصريحِ الزِّنى) ومنهُ: أنتَ أزنى مِن فلانٍ أو مني.
ءَ(١) كذلكَ لم يُحَدَّ القاذفُ، " كافي الحاكم".
(تنبيةٌ)
ذكرَ في "الَّهرِ"(٢) عن "السِّرَاجِيَّةَ"(٣) أَنَّهُ لو قذَفَ خشى بلغَ مشكلاً لا يُحَدُّ قالَ:
((ووجهُهُ: أنَّ نكاحَهُ موقوفٌ وهو لا يفيدُ الحلَّ)) اهـ. واعترضَهُ "الحمَويُّ": ((بأَنَّهُ لا دخَلَ
للنّكاحِ الباتِّ المفيدِ للحلِّ في إيجابِ حدِّ القذفِ حَتَّى يترتَّبَ على عدمِهِ عدمُ وجوبِ الحدِّ، وإِنَّا
ذاكَ في حدِّ الزِّنى بالرجمِ)) اهـ.
قلت: مرادُ "النَّهر" أنَّ الخنثى لو تزوَّجَ ودخلَ، فقذفَهُ آخرُ لا يحدُّ؛ لأَنَّهُ وطئَ في غيرِ ملكِهِ؛
إذ لا يصحُّ النّكاحُ إلَّ إذا زالَ الإِشكالُ.
١٨٧٠٥] (قولُهُ: بصريحِ الزِّنى) بأيِّ لسانٍ كانَ، "شُرُنِلالَّةُ "(٤) وغيرِها، واحترزَ عمَّا لو
قالَ: وطنَكِ فلانٌ وطأَ حراماً، أو جامعَكِ حراماً فلا حَدَّ، "بحر "(٥)، وكذا لو قالَ: فجَرْتَ بفلانةٍ،
أو عرَّضَ فقالَ: لستُ بزان، كما في "الكافي"، وفيهِ: ((وإنْ قالَ: قد أُخبرتُ بأَنَّكَ زان، أو
أشهدَني رجلٌ على شهادتِهِ أَنَّكَ زانٍ، أو قالَ: اذهبْ فقلْ لفلانِ: إِنَّكَ زانٍ فذهبَ الرَّسولُ فقالَ
لهُ ذلكَ عنهُ لم يكنْ في شيءٍ مِن ذلكَ حَدٍّ)).
(قولُهُ: أنَّ الخنثى لو تزوَّجَ ودخلَ، فقذفَهُ آخرُ لا يُحَدُّ إلخ) الظَّاهرُ أَنَّه لا يُحَدُّ وإنْ لم يتزوَّج،
وأَنَّه لا يُوصَفُ فعلُهُ أوِ الفعلُ به زنَّى؛ لأنَّ فرجَه ليسَ مُحلّ له لعدمٍ تَيقُّنِ أَنَّه فرجٌ.
(قولُهُ: لم يكن في شيءٍ من ذلكَ حدٌّ) أي: لا على الآمرٍ ولا على المأمورِ، أمَّا الآمرُ؛ فلأنّه
لم يقذفه وإنَّا أمرَ به، وأمَّ المأمورُ؛ فلأَنَّه ما قذفَه، وإنَّا حكى عبارةَ الآمرِ، وفي "النّهرِ": أمَّ المأمورُ، فإنْ
قالَ له: يا زاني حُدَّ، لا إن قالَ له: إنَّ فلاناً يقولُ لكَ: يا زاني.
(١) في "م": ((أو بقي)).
(٢) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٧/أ.
(٣) "السِّراجية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٦٤/١ (هامش "فتاوى قاضي خان").
(٤) "الشرنبلالية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٧١/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٣/٥.

الجزء الثاني عشر
١٥٣
بابُ حدِّ القذف
على ما في "الظَّهِيرِيَّةِ". ومثلُهُ النَّيْكُ كما نقلَهُ "المصنّفُ" (١).
[١٨٧٠٦] (قولُهُ: على ما في "الظَّهيريَّةِ"(٢)) ويخالقُهُ ما في "الفتح"(٣) عن "المبسوط " (٤): ((أنتَ
١٦٨/٣ أَزْنِى مِن فلانٍ أو أَزنى الَّاسِ لا حَدَّ عليهِ))، وعلَّلَهُ في "الجوهرة"(٥) بأنَّ معناهُ: أنتَ أقدرُ النّاسِ
على الزِّنى، ونقلَ في "الفتح"(٦) أيضاً عن "الخانيَّة "(٧): ((أَنتَ أَزْنى النَّاسِ أو أَزنى مِن فلانٍ عليهِ
الحدُّ، وفي: أنتَ أَزْنِى مَنّي لا حَدَّ عليهِ)) اهـ.
قلت: ووجهُ ما في "الظَّهيريَّة" ظاهرٌ؛ لأنَّ فيهِ النّسبةَ إلى الزِّنى صريحاً، وما في "المبسوط" ناظرٌ
(قولُ "الشَّارِحِ": ومثلُه الَّكُ إلخ) الذي في "شرحِ المَارِ": نكحَتَهَا زَنِّى أو زنيْتَ بها يجبُ الحدُّ، وَالنَّكُ
عبارةٌ عن الجماعِ وهو أعمُّ من كونِهِ حراماً أو حلالاً، وكونُهُ حراماً لا يستلزمُ الزِّنى، كجماعِ الحائضِ. اهـ من
"السَّندي". وفي "القاموسِ": ((ناكَها: جامعَها)) اهـ. والذي رأيته في عدَِّ نُسخٍ من "شرحِ المنارِ" من بحثِ
الكنايَةِ مثلُ ما نقلَه في "المنحِ" عنه حيثُ قالَ: ((مَن قالَ: جامعتَ فلانةً، أو واقعَها لا يجبُ عليه حدُّالقذفِ،
لأَنّه لم يصرِّح بالرِّنى، وإنَّما يجبُ إذا قالَ: نكَتَها أو زنيتَ بها)) اهـ. والظَّاهِرُ أنَّ الصَّابَ نسخةُ "السِّنديّ"؛ إذ
هو ليسَ صريحاً في بابِ الرِّنى وإنْ كانَ صريحاً في بابِ النّكاح، على أَنَّه في العرفِ لا يُستعملُ في خصوصٍ
معنى الزِّنى، بل في معنى الجماعِ العامِّ، فليسَ صريحاً فيه.
(قولُهُ: ويخالفُه ما في "الفتحِ" عن "المبسوطِ" أنتَ أزنى إلخ) فالشَّارحُ وافقَ في الأُولى "الخانَّةَ"
وخالفَ "المبسوطَ"، وخالفَ في الثانيةِ "الخانيةَ"، وَلَّا كانَ مبنى الحدودِ على الدَّرْءِ للشُّبهةِ كانَ القولُ
بعدمِ الوجوبِ وجيهاً. اهـ "سندي". خصوصاً والعملُ بما في "الشُّروحِ" مقدَّمٌ على ما في "الفتاوى".
(١) "المنح": كتاب في بيان أحكام الحدود - باب في بيان أحكام حدِّ القذف ١/ق ٢٢٦/ب.
(٢) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الرابع في القذف والتعزير ق ١٥٢/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١١١/٥.
(٤) "المبسوط للسرخسي": كتاب الحدود - باب الشهادة في القذف ١٢٩/٩.
(٥) "الجوهرة النيرة": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٢٤٨/٢.
(٦) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١١١/٥.
(٧) "الخانية": كتاب الحدود - فصل في الألفاظ التي توجب الحدَّ وما لا توجب ٤٧٦/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
١٥٤
بابُ حدِّ القذف
عن "شرحِ المنارِ". ولو قالَ: يا زانىء - بالهمزِ - لم يُحَدَّ، "شرح تكملة"(١) ....
إلى احتمالِ النَّويلِ، وما في "الخانيَّة" مِن النّفرقةِ مشكلٌ، وقد يوجَّهُ بأنَّ قولَهُ: ((أَنتَ أَزْنِى مِن فلانٍ))
فيهِ نسبةُ فلان إلى الرِّنى وتشريكُ المخاطَبِ معهُ في ذلكَ القذفِ، بخلافِ ((أنتَ أَزْنِى مَنِّ)) لأنَّ فِيهِ
نسبةَ نفسِهِ إلى الزِّنى، وذلكَ غيرُ قذفٍ فلا يكونُ قذفً للمخاطَبِ؛ لأَنَّهُ تشريكٌ لهُ فيما ليسَ بقذفٍ.
[١٨٧٠٧) (قولُهُ: عن "شرح المنار"(٢) أي: لـ "ابنِ ملك" في بحثٍ [٤ ق ١٦٦ /أ] الكنايةِ اهـ. "ح"(٣).
قلت: ومثلُهُ في "المغرب(٤) حيثُ قالَ: ((الَّيْكُ مِن ألفاظِ الصَّرِيحِ في بابِ النّكاحِ، ومنهُ
حديثُ ماعزٍ: (( أَنِكْتُها؟ قالَ: نعم))(٥))).
[١٨٧٠٨] (قولُهُ: لم يُحَدَّ) الظَّاهِرُ أنَّ ذكرَ ((لم)) سبقُ قلمِ، قالَ في "المحيط "(٦): ((ولو قالَ
الغيرِهِ: يا زانىُ برفعِ الهمزةِ ذكَرَ في "الأَصلِ" أَنَّهُ إذا قالَ: عَنَيتُ بِهِ الصُّعُودَ على شيءٍ أَنَّهُ لا يُصَدَّقُ
ويُحَدُّ مِن غيرِ ذكرٍ خلافٍ؛ لأَنَّهُ نوى ما لا يحتملُهُ لفظُهُ؛ لأنَّ هذهِ الكلمةَ معَ الهمزِ إلَّا يرادُ بِهِ
الصُّعودُ إذا ذُكِرَ مقروناً بمحلِّ الصُّعودِ، يُقالُ: زانيُ الجبلِ وزانئُ السَّطحِ، أمَّا غيرَ مقرونٍ بمحلٌ
الصُّعودِ إنَّا يرادُ بهِ الرِّنِى، إلاَّ أنَّ العربَ قد تهمِزُ اللَّيْنَ وقد تلّيِّنُ الهمزةَ، فقد نوى ما لا يحتملُهُ فلا
يُصَدَّقُ)) اهـ."ح"(٧).
قلت: وقولُهُ: ((مِن غيرِ ذكرٍ خلافٍ)) صرَّحَ بالخلافِ في "كافي الحاكم" فقالَ: ((وقالَ
"محمَّد": لا حَدَّ عليهِ))، ومثلُهُ في "الخانَةَ "(٨)، فما ذكرَهُ "الشَّارحُ " قولُ "محمَّدٍ"، فافهم.
(١) تقدمت ترجمته ٢٢٠/٣.
(٢) "شرح المنار": صـ١٦٩ -.
(٣) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٢٥٤/أ.
(٤) "المغرب": مادة ((نيك)).
(٥) تقدم تخريجه صـ ٣٠ -.
(٦) "المحيط البرهاني": كتاب الحدود - الفصل الرابع في بيان ما يوجب الحدَّ من الوطء - في القذف ١/ق٤٣٤ /ب بتصرف.
(٧) "ح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٢٥٤/أ.
(٨) "الخانية": كتاب الحدود - فصل في الألفاظ التي توجب الحدَّ وما لا توجب، وما توجب التعزير وما لا توجب
٤٧٧/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الثاني عشر
١٥٥
بابُ حدِّ القذف
(أو بـ) قولِهِ: (زنأتَ في الجبلِ) بالهمزِ، فإنّه مشترَكٌ بينَ الفاحشةِ والصُّعودِ، وحالةُ
الغضبِ تعيِّنُ الفاحشةَ (أو: لستَ لأبيكَ) ولو زادَ: ولستَ لأَمِّكَ، أو قالَ: لستَ
الأبويكَ فلا حَدَّ (أو: لستَ بابنِ فلانٍ لأبيهِ) المعروفِ بهِ (و) الحالُ أنَّ (أمَّهُ مُحصَنَةٌ)
[١٨٧٠٩] (قولُهُ: أو بقولِهِ: زنأتَ في الجبلِ) أي: وإِنْ قالَ: عنيتُ بهِ الصُّعودَ، خلافاً
لـ "محمَّد"، فلا يُحَدُّ عندَه؛ لأَنَّهُ حقيقةٌ فِي الصُّعودِ عندَه.
[١٨٧١٠) (قولُهُ: بالهمزِ) فلو أَتَى بالياءِ المثناةِ حُدَّ اتّفاقً، وكذا لو حذفَ ((الجبلَ)) كما أفادَهُ
في "غاية البيان"، ولو قالَ: على(١) الجبلِ: قيلَ: لا يُحَدُّ، وجزمَ في "المبسوط "(٢) بأَنَّهُ يُحَدُّ، قالَ في
"الفتح"(٣): وهو الأوجهُ؛ لأنَّ حالة الغضبِ تعيّنُ تلكَ الإرادةَ، وكونَها فوقَهُ، وتعُّنُ الصُّعودِ مسلّمٌ
في غيرِ حالةِ السِّبَابِ، "نهر "(٤)، وفي "البحر "(٥) عن "غاية البيان": ((وهو المذهبُ عندِي)).
(١٨٧١١] (قولُهُ: فلا حَدَّ) للكذبِ، ولأنَّ فيهِ نفيَ الزِّنى؛ لأنَّ نفيَ الولادةِ نفيٌ
للوطء، "بحر"(٦)، وكذا لو نفاهُ عن أُمِِّ فقط للصدقِ؛ لأنَّ النَّسبَ ليسَ الأُمِّهِ، "بحر "(٧).
١٨٧١٢١) (قولُهُ: لأبيهِ المعروفِ) أي: الَّذي يُدعَى لهُ، وكذا لستَ مِن ولدِ فلانٍ، أو لستَ
(قولُهُ: وكذا لو حذفَ ((الجبلَ)) إلخ) أي: ولو بإظهارِ الهمزِ يُحَدُّ اتفاقاً كما أفادَه في "لغايةِ
البيانِ"، "سندي". لكنْ لا يظهرُ الاتّفاقُ مع الهمزِ؛ لما تقدَّمَ من خلافِ "محمَّدٍ" فيما لو قالَ: يا زانئ،
فإنَّه يقولُ بعدمِهِ، ولا فرقَ بين الفعلِ واسمِ الفاعِلِ .
(قولُهُ: وكونَها إلخ) لعلَّ الأظهرَ تذكيرُ الضَّميرِ.
(١) في "م": ((عن الجبل)).
(٢) "المبسوط": كتاب الحدود - باب الشهادة في القذف ١٢٦/٩.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١٠١/٥.
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق٣٠٨/ب.
(٥) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٤٠/٥.
(٦) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٦/٥.
(٧) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٧/٥ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
١٥٦
بابُ حدِّ القذف
لأنهًّا المقذوفةُ في الصُّورتين؛ إذِ المعتبرُ إحصانُ المقذوفةِ(١).
لأبٍ، أو لم يلدْكَ أبوكَ، بخلافِ: لستَ مِن ولادةِ فلانٍ فَإِنَّهُ ليسَ بقذفٍ، "بحر "(٢) عن
"الظَّهِريَّةِ"(٣)، وبِهِ عُلِمَ أَنَّ النَّقْيدَ بـ(أبِ المعروفِ)) احترازٌ عمَّا لو نفاهُ عن شخصٍ معَّنِ غيرِ أبيهِ،
لا عمَّ لو نفاهُ عن أبٍ مطلقٍ شاملٍ لأبيهِ وغيرِهِ، قال في "البحر"(٤): ((وأشارَ "المصنّف" إلى أَنَّهُ لو
قالَ: إِنَّكَ ابْنُ فلانٍ لغيرِ أبيهِ، فالحكمُ كذلكَ مِن التّفصيلٍ)) اهـ.
(١٨٧١٣) (قولُهُ: لأَنّها المقذوفةُ فِي الصُّورَتَينِ) لأنَّ نفيَ نسبِهِ مِن أبيهِ يستلزمُ كونَهُ زانياً، فلزمَ
أنَّ أُمَّهُ زِنَت معَ أبيهِ فجاءَت بِهِ مِن الزِّنى، "نهر "(٥)، ونحوُهُ في "الفتح"(٦).
قلت: وفيهِ نظرٌ، بل يستلزمُ كونَ المقذوفِ هو الأمَّ وحدَها كما صرَّحَ بهِ أوَّلاً، أمَّا زِنِى الأبِ
فغيرُ لازمٍ؛ لأَنَّهُ إذا وُلِدَ على فراشِ أبيهِ وقد نفَى القاذفُ نسبَهُ عن أبيهِ لزمَ منهُ أنَّ أمَّهُ زنَت برجلٍ
(قولُهُ: لأنَّ نفيَ نَسَبِهِ مِن أبيه يستلزمُ كونَه زانياً إلخ) قالَ "ابنُ الهمامِ": ((الوجهُ إثباتُ الحدِّ في هذهِ
المسألةِ بالإجماعِ، لا بكونِهِ قذفاً لأَمِّهِ؛ لأنَّ نسبةَ أمِّه إلى الزِّنى في حالةِ الغضبِ ليست أمراً لازماً؛ لجوازٍ نسيته
الغيرِ أبيهِ لشبهةٍ، أو نكاحٍ فاسدٍ كالتي قبلَها، فثبوتُ الحدِّ به معونةِ قرائنِ الأحوالِ، وبهذا لا يثبتُ القذفُ
بصريحِ الزِّنى، ولذا ذكرَ في "المبسوطِ": أنَّ في الأُوْلى الحدَّ استحساناً بأثرِ "ابنِ مسعودٍ"، وهو ما ذكرَه الحاكمُ
في "الكافي" من قولِ "محمَّدٍ": بلغنا عن "عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ " أَنَّه قالَ: لا حدَّ إلا في قذفِ محصَّةٍ، أو نفيِ رجلٍ
عن أبيهِ، فحملوا الأَثْرَ على النَّهيِ حالةَ الغضبِ، وحَكَموا بأَنَّه حالة عدمِهِ لم ينفِهِ عن أبيهِ بدلالةِ الحالِ، فليسَ
هذا منَ النَّخصيصِ في شيءٍ؛ إذ ليس قذفً، وإنّ يكونُ تخصيصاً لو كانَ قذفاً أُخرِجَ من حكمِ القذفِ)) اهـ.
(١) في "د": ((المقذوف)).
(٢) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٧/٥ بتصرف.
(٣) "الظهيرية": كتاب الحدود - الفصل الرابع في القذف والتعزير ق ١٥٢ /أ.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٦/٥.
(٥) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٧/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٩٢/٥.

الجزء الثاني عشر
١٥٧
بابُ حدِّ القذف
لا الطَّلبِ، "شُمُّنِّي". (فِي غَضَبٍ) يتعلَّقُ بالصُّورِ الثَّلاثِ (بطلبِ المقذوفِ) المحصَنِ؛ ...
آخرَ؛ لأنَّ المرادَ بالأَبِ [٤/ ق١٦٦ /ب] أبوهُ المعروفُ الَّذي يُدعَى لهُ كما مرَّ(١)، نعم يصحُّ ذلكَ لو أُرِيدَ
بالأبِ مَن خُلِقَ هو مِن مائِهِ، فحينئذٍ يكونُ قْفً للأمِّ وَلَن عِلِقَتْ بهِ مِن مائِهِ لا للأبِ المعروفِ، لكنَّهُ
يخالفُ قولَهُ قبلَهُ: ((لأبيهِ المعروفِ))، هذا ما ظهرَ لي، فتأمَّله.
[١٨٧١٤) (قولُهُ: لا الطَّلبِ) هو الَّذي يقعُ القدحُ في نسبهِ كما يأتي(٢)، والمرادُ بِهِ هنا الابنُ،
وهذا إذا كانَت المقذوفةُ مَِّةً، فلو حيَّةً فالطَّالبُ هي، وعلى كلِّ فالشَّرِطُ إحصانُها لا إحصائُ ابنِها.
[١٨٧١٥] (قولُهُ: في غضبٍ) إذ في الرِّضا يُرادُ بهِ المعاتبةُ، بنفي مشابهتِهِ لهُ في أسبابِ المروءةِ،
"هداية"(٣).
[١٨٧١٦) (قولُهُ: يتعلَّقُ بالصُّورِ الثَّلاثِ) فِيهِ ردٌّ على "البحر "(٤)؛ حيثُ لم يقِيِّدْهُ بالغضبِ في
الثَّانِيةِ، بل أطلقَ فيها تبعاً لظاهرٍ عبارةِ "الهداية"، لكنْ أوَّلَها الشُّراحُ فأجرَوا النَّفصيلَ في الكلِّ،
وذكرَ في "شرح الوهبانيّة"(٥): أَنَّهُ ظاهرُ المذهبِ والاعتمادُ عليهِ، وتمامُ تحقيقِهِ فِي "الَّهر " (٦).
[١٨٧١٧] (قولُهُ: بطلبِ المقذوفِ المحصَنِ) لعلَّ المرادَ بهِ المحصَنُ في نفسِ الأمرِ، وإلاَّ فاشتراطُ
الإِحصانِ عِلِمَ مَّا مرَّ(٧)، فيكونُ إشارةً إلى ما بحثَهُ في "القنية(٨) حيثُ نقلَ: أَنَّهُ إذا كانَ غيرَ عفيفٍ
(قولُهُ: لعلَّ المرادَ به المحصَنُ في نفسِ الأمرِ، وإلّ إلخ) الإحصائُ في نفسِ الأمرِ لا يتوقَّفُ عليه إقامةُ
الحدِّ مِنَ القاضي وإن كانَ يَتوقَّفُ حِلُّ الطَّبِ من المقذوفِ ديانةً، فلا يصحُّ أنْ يكونَ هذا مراداً في كلامِهِ.
(١) في المقولة السابقة.
(٢) صـ ١٦٥ - "در".
(٣) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١١٢/٢ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٣٦/٥.
(٥) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الحدود ق١٢٩ /ب.
(٦) انظر "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٨/أ.
(٧) صـ ١٥١ - "در".
(٨) "القنية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٦٠/ب.

حاشية ابن عابدين
١٥٨
بابُ حدِّ القذف
لأَنَّه حقُّه (ولو) المقذوفُ (غائباً) عن مجلسِ القاذفِ ..
في السِّرِ لهُ مطالبةُ القاذفِ ديانةً، ثمَّ قالَ(١): وفيهِ نظرٌ؛ لأَنَّهُ إذا كانَ زانياً لم يكنْ قذفُهُ موجِباً
للحدِّ، وَأَيَّدَهُ في "النَّهر "(٢) بأنَّ رفعَ العارِ محوِّزٌ لا ملزِمٌ، وإلاّ لامتنعَ عفوُهُ عنهُ وأُجبرَ على الدَّعوى،
وهو خلافُ الواقعِ اهـ.
قلت: بل في "النَّاتر خانَّة"(٣): ((وحسُنَ أنْ لا يرفعَ القاذفَ إلى القاضي، ولا يطالبَهُ بالحدِّ،
وحسُنَ مِن الإِمامِ أنْ يقولَ لهُ قبلَ الُبُوتِ: أَعرضُ عنهُ ودعْهُ)اهـ. فحيثُ كانَ الطَّبُ غيرَ لازمٍ
بل يحسُنُ تركُهُ فكيفَ يَحِلُّ طلبُهُ ديانةً إذا كان القاذفُ صادقاً.
[١٨٧١٨ ] (قولُهُ: لأَنَّهُ حقُّهُ) عبارةُ "النّهر"(٤): ((لأَنَّ فيهِ حقَّهُ مِن حيثُ دفعُ العارِ عنهُ)) اهـ. وهذه
العبارةُ أولى؛ لأنَّ فِيهِ حقَّ الشَّرعِ أيضاً، بل هو الغالبُ فيهِ، كما أوضحَهُ في "الهداية "(٥) وشروحها (٥).
[١٨٧١٩) (قولُهُ: ولو المقذوفُ غائباً إلخ) ذكرَ هذا النَّعميمَ في "النَّتر خانَّةً" (٦) نقلاً عن
"المضمرات"، واعتمدَهُ في "الدُّرر" (٧) وقالَ: ((ولا بدَّ مِن حفظِهِ فَإِنَّهُ كثيرُ الوقوعِ))، "منح"(٨).
قلت: ولعلَّهُ يشيرُ إلى ضعفِ ما في "حاوي الزاهديّ": ((سمعَ مِن أناسٍ كثيرةٍ أنَّ فلاناً
يزني بفلانةٍ فتكلَّمَ ما سمعَهُ منهم لآخرَ معَ غَيْبةِ فلانٍ لا يجبُ حدُّ القذفِ؛ لأَنَّهُ غِيبَةٌ لا رميٌ
وقذفٌ بالزِّنى؛ لأنَّ الرَّميَ والقذفَ بهِ إنّا يكونُ بالخطابِ كقولِهِ: يا زاني أو: يا زانيةٌ)).
١٦٩/٣
(١) "القنية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٦٠/ب.
(٢) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٧/أ.
(٣) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل السابع في دعوى القذف والمرافعة إلى القاضي ١٣٤/٥.
(٤) "النهر": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ق ٣٠٧/أ.
(٥) "الهداية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ١١٣/٢. وانظر "الفتح" و"العناية" و"الكفاية": كتاب الحدود - باب حدٍّ
القذف ٨٩/٥ -٩٠، و"البناية": كتاب الحدود - باب حدِّ القذف - حقُّ العبد وحقُّ الشَّرْع في القذف ٣٣٩/٦.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل السابع في دعوى القذف والمرافعة إلى القاضي ١٣٦/٥.
(٧) "الدرر" كتاب الحدود - باب حدِّ القذف ٧١/٢.
(٨) "المنح": كتاب في بيان أحكام الحدود - باب في بيان أحكام القذف ١/ق٢٢٧/أ بتصرف.