النص المفهرس

صفحات 41-60

الجزء الثاني عشر
٣٩
كتاب الحدود
وأمَّا أَنَّهُ صلَّى على "ماعِ "(١) فَفيِهِ تعارُضٌ، ..
= على المرجوم، والدرامي (٢٣٢٥) في الحدود - باب الحامل إذا اعترفت بالزِّنى، وعبد الرزاق (١٣٣٤٨)، وعنه الترمذي
(١٤٣٥) في الحدود - باب تربُّصِ الرجم بالحبلى حَتَّى تضعَ، والدار قطني ١٠١/٣، والبيهقي ١٨/٤ وغيرهم من طُرُقٍ عن
معمر وهشام الدَّستَوائي وأَبان، كُلُّهم عن يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة أنَّ أبا المُهَلَّب حدَّه عن عمران.
وأخرجه ابن ماجه (٢٥٥٥) في الحدود - باب الرجم، وأبو داود (٤٤٤١) مختصراً، والنسائي في "الكبرى"
(٧١٨٨) في الرجم - بابُ الاعترافِ مرةً واحدةً، والطبراني ١٨/(٤٧٥) (٤٧٦)، وابن حبان في "صحيحه"
(٤٤٠٣)، وغيرُهم عن الأوزاعي عن أبي قلابة عن عمِّ أبي المهاجر عن عمران بن حصين.
قال النسائي وابن حبان: أخطأ الأوزاعيُّ إنّما هو أبو المهلِّب، وفيه: ((ثم أمر بها فرُجمت ثم صلّى عليها))، فقال له
عمر: تُصلّى عليها يا نبيَّ اللّه وقد زنت؟ فقال: ((لقد تابت توبةً لو قُسِمَتْ بين سبعينَ من أهل المدينةِ لوَسِعتهم،
وهل وَحَدْتَ توبةً أفضلَ من أنْ جادَتْ بنفسها لله تعالى!)).
وحديثُ بُريدةً: أخرجه مسلم (١٦٩٥) والنسائي في "الكبرى" (٧١٩٧) في الرجم - باب الحفرة للمرأة إلى
تُنْدُوتها، وأبو داود (٤٤٤٢)، وأحمد ٣٤٧/٥-٣٤٨، والدرامي (٢٣٢٥) و(٢٣٢٩) وغيرهم من طُرُقٍ عن بشير
ابن المهاجر حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه، وفيه: أنَّ خالد بن الوليد سبَّها فقال النبيُّ ◌َ﴿ُ: ((مهلاً يا خالدُ فَوَالّذي نفسي بيدِهِ
لقد تابتْ توبةً لو تابَها صاحبُ مَكْسٍ لِغُفِرَ له))، ثمَّ أَمَر بها فصلّى عليها ودُفنتْ. وزيادةُ ((ثُمَّ أمَر بها ... )) لم يروها سليمان
بن بريدة عن أبيه عند مسلم والنسائي في "الكبرى"، وفيه: فليثوا يومين أو ثلاثةٌ فجاء النبيُّ فقال: ((استغفِروا لماعزِ بنِ مالك)).
قال: فقال رسول اللّه ◌َ ﴿ل: ((لقد تابَ توبةٌ لو قُسِمَتْ بين أُمَّةٍ لَوَسِعتهم)).
وأما حديث أبي بكرة: فأخرجه أحمد ٣٦/٥، ٤٢، ٤٣، وأبو داود (٤٤٤٣)، والنسائي في "الكبرى" (٧١٩٦)
وغيرُهم عن زكريا بن سُليم قال: سمعت شيخاً يحدّث عن عمرو بن عثمان القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي
بكرة عن أبيه ... ، وفيه: ((فصلى عليها، ثم قال: لو قُسِمَ أجرُها بين أهل الحجاز لوسِعَهم)).
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" (٤٤٤٢) في الحدود - باب الزِّنى وحدّه، من طريق عبد الملك بن عُمير عن أبي
المليح الهُذليّ عن أبي موسى، وفيه: ((ثم إنّه كفّنها وصلّى عليها ثمَّ دفنها ... )).
(١) أمَّا صلاُه على ماعز فقد روى أبو سعيد الخدري رَجْمَه ثم قال: ((فما استغفرَ له ولا سبَّه))، أخرجه مسلم
(١٦٩٤)، وأبو داود (٤٤٣١)، والنسائي في "الكبرى" (٧١٩٩)، وأحمد ٦١/٣-٦٢، والدارمي (٢٣٢٤) من طُرُقٍ
عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد، فذكره بطوله.
وأخرج أحمد ٤٧٩/٣، وأبو داود (٤٤٣٥) و(٤٤٣٦)، والنسائي في "الكبرى" (٧١٨٤)، وابن قائع في "معجمه"
١١/٣ من طريق خالد بن اللَّجلاج العامريّ عن أبيه ... فذكر حديث ماعز، وفيه: ((فذهبَ فأعنّاه على غَسلِهِ
وحَنوطهِ وتكفينهِ وحفرَنا له، ولا أدري أَذكَرَ الصلاةَ أم لا؟)).
هنا

حاشية ابن عابدين
٤٠
کتاب الحدود
ونصفُها للعبدِ) بدلالةِ النصرِّ، والمرادُ بالمحصناتِ في الآيةِ الحرائرُ ذكرَه "البيضاويُّ"(١)
وغيرُه، وذكرَ "الزيلعيُّ": أنه غلّبَ الإِناثَ على الذُّكورِ.
وتَمامُهُ في "الفَتْحِ"(٢).
[١٨٤١٥] (قولُهُ: بدِلاَةِ الَّصِّ) هُوَ قَولُهُ تعالى: ﴿فَعَلَتِهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِن
اَلْعَذَابِ﴾ [النساء - ٢٥]، نزَلَتْ في الإماءِ، وإذا ثبتَ فيهِنَّ للرِّقِّ ثبتَ في الذُّكورِ الأرِقَاءِ دِلالَةٌ؛
إذ لا يُشترَطُ فيها أَوْلِويَّةُ المسكوتِ عَنْهُ بالْحُكمِ، بل تَكفي المساواةُ، "َنَهْ"(٣).
(١٨٤١٦) (قولُهُ: وذكَرَ "الزَّيلعيُّ)(٤) إلخ) فَيَكونُ دُخولُ الذُّكورِ ثابتاً بعِبَارَةِ النَّصِّ،
لا بدِلاَتِهِ.
= أمَّا حديثُ جابر: فأخرجه أحمد ٣٢٣/٣، وأبو دواد (٤٤٣٠) في الحدود - باب رجم ماعز، والترمذي
(١٤٢٩) في الحدود - باب ما جاء في دَرْءِ الحدِّ عن المعترف إذا رجعَ، والنسائي ٦٣/٤ من طُرق عن عبد الرزاق
أخبرنا معمر عن الزُّهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر ... فذكر اعترافَ ماعزٍ ثُمَّ قال: ((فرُجمَ
فماتَ، فقال له: النبيّ(﴿ خيراً ولم يُصَلِّ عليه)).
وأخرجه البخاريُّ (٦٨٢٠) في الحدود - باب الرجم بالُصلّى، حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق، به، لكنّه قال
في آخره: ((وقال له خيراً وصلّى عليه)). وقال البخاريُّ: لم يقُل يونس وابن ◌ُريج عن الزُّهري: ((فصلّى عليه)). سُئل
البخاريُّ هل قوله: ((فصلّى عليه)) يصحُّ أم لا؟ قال: رواه مَعمَر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا. وقد خالف
محمود اثنا عشر رجلاً وهم: أحمد، وإسحاق بن راهويه، والدَّبري، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، ونوح بن حَبيب، وأحمد بن
منصور، والحسن بن علي، وابن أبي السريٍّ، ومحمد بن رافع، وابن السراج، ومحمد بن عبد الملك بن زَنْجَويه، ومحمد بن
سهل ، كلُّهم عن عبد الرزاق بعضهم قال: ((ولم يصلِّ عليه))، وبعضهم لم يذكر شيئاً، وانظر " فتح الباري "١٥٩/١٢،
وأخرجه مسلم (١٦٩١) عن معمر وابن جريج، وأخرجه مسلم والبخاريُّ (٦٨١٤) في الحدود - باب رجم المُحصن،
و (٦٨١٦) باب لا يُرجمُ المجنونُ والمجنونةُ، والنسائي في "الكبرى" (٧١٧٤) عن يونس وابن جريج، كلُّهم عن
الزُّهري، ... به مختصراً، لم يَنْفِ ولم يُثِتِ الصلاة.
(١) "أنوار التنزيل وأسرار التأويل": سورة النساء صـ ١٠٨-، الآية: ٢٥.
(٢) انظر "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٦/٥.
(٣) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠٠/ب.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود ١٦٩/٣.

الجزء الثاني عشر
٤١
كتاب الحدود
لكنّه عكسُ القاعدةِ. (و) العبدُ (لا يحدُّهُ سَيِّدُه بغيرِ إذنِ الإِمامِ) ولو فعلَه هل يكفي؟
الظاهرُ لا؛ لقولهم: ركنُه إقامةُ الإِمامِ، "نهر "(١) (بسَوْطٍ(٢) لا عُقْدَةَ له) في "الصَّحَاحِ":
ثَمَرَةُ السَّوطِ (٣): عُقْدَةُ أطرافِهِ (متوسّطً)
[١٨٤١٧) (قولُهُ: لَكِنَّهُ عَكْسُ القاعِدَةِ) وهِيَ تغليبُ الذُّكورِ على الإناثِ، ووَجْهُ العَكْسِ هُنا
- كَما أفادَهُ فِي "الفَتَحِ"(٤) - هُوَ كَونُ الدَّاعِيَةِ فِيهِنَّ أَقْوَى، ولِذا قُدِّمَت الرَّانَةُ على الرَّاني في الآيةِ.
[١٨٤١٨] (قولُهُ: لقَولِهِم: رُكْتُهُ) أي: رُكْنُ الحَدِّ، وفيهِ تأمُّلٌ، بل الظَّاهِرُ أنَّ الرُّكْنَ هُوَ
الضَّرَبُ أو الرَّجمُ.
(تَنبیةٌ)
في "كافي الحاكِمِ": ((يُقامُ الحَدُّ على العَبدِ إذا أقرَّ [٤/ ق١٤٢ / أ] بالرِّنَى أو بغَيرِهِ مِمَّا يُوجِبُهُ
وإنْ كانَ مَولاهُ غائِباً، وكَذا في القَطْعِ والقِصاصِ، وإِنْ قالَ بعدَ عِتْقِهِ: زنَيتُ وأنا عَبدٌ لزِمَهُ
حَدُّ العَبيدِ)) اهـ.
[١٨٤١٩] (قولُهُ: في "الصَّحاحِ"(٥) إلخ) تَفسيرٌ لِما وقَعَ في عِبَارَةِ المُنونِ كـ "القُدورِيِ) (٦)
و "الكَثِ"(٧) وغَيْرِهِما: (بسَوطٍ لا تُمَرَةَ لَهُ)، إشارَةً إلى أنَّ ما ذَكَرَهُ "المُصَنْفُ" هُوَ المُرادُ بالنّمرَةِ؛
لِأَنَّهُ المشهورُ فِي الكُتُبِ كَمَا قَلَهُ في "مِعراجِ الدِّرَايَةِ"، ورجَّحَ في "المُغرِبِ "(٨) أنَّ المرادَ بِهَا ذَنْبُهُ،
(١) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠١/أ بتصرف.
(٢) في "ط": ((بسقوط لا عدة له))، وهو تحريف.
(٣) في "د" و"و": ((السياط)).
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٧/٥ بتصرف.
(٥) "الصَّحاح": مادة ((ثمر)).
(٦) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الحدود ١٨٤/٣ ..
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الحدود ٢٧٨/١.
(٨) "المغرب": مادة ((ثمر)).

حاشية ابن عابدين
٤٢
كتاب الحدود
بينَ الجارحِ وغيرِ المؤلمِ (ونُزِعَ ثيابُه خلا إزارٍ) ليسترَ عورته.
وذكَرَ في "الفَتْحِ"(١): ((مِنْ رِوايَةٍ "أَنَسٍ": ((أَنَّهُ كانَ يُؤمَرُ بالسَّوطِ فَتُقْطَعُ ثْمَرَتُهُ ثُمَّ يُدَقُّ بِينَ
حجَرَينٍ حَتّى يلينَ ثُمَّ يُضرَبُ بِهِ(٢)، فالمرادُ أنْ لا يُضرَبَ وفِي طرَفِهِ بَيْسٌ؛ لأَنَّهُ يُجرَحُ أو يُبْرِّحُ،
فَكَيفَ إذا كانَ فيهِ عُقَدَةٌ؟ والحاصِلُ أَنَّهُ يُحتَنَبُ كُلٌّ مِنَ الثَّمَرَةِ مَعنى العُقَدَةِ وَمَعنى الفَرْعِ الذي
يَصِيرُ بِهِ ذَنَينِ تَعميماً للمُشتَرَكِ فِي النَّفيِ، ولو تُجُوِّزَ بِالثَّمرَةِ - فيما يُشاكِلُ العُقَدَةَ لَيَعُمَّ الَمَحازُ ما
هُوَ يَابِسُ الطَّرَفِ على ما ذَكَرْنا - لكانَ أَولِى، فإِنَّهُ لا يُضرَبُ بِمِثْلِهِ حَتَّى يُدَقَّ رأسُهُ فَيَصِيرَ
مُتَوَسِّطاً)) اهـ مُلخّصاً.
[١٨٤٢٠) (قولُهُ: بَينَ الجارِحِ وغَيرِ الْمُؤْلِمِ) بأنْ يكونَ مُؤلِماً غَيْرَ جارِحٍ، ولو كانَ المحلودُ
ضعيفَ الخِلِقَةِ فخِيفَ هَلاكُهُ يُحِلَدُ جَلْدً ضَعِيفاً يَحْتَمِلُهُ، "فَتْحِ"(٣).
١٤٦/٣
(١) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٧/٥.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٥٣٩/٦ في الحدود - باب في السَّوط مَن يأمرُ به أن يُدقَّ. قال: حدثنا عيسى بن يونس
عن حَنظلةَ السَّدوسي: سمعت أنس بن مالك ... فذكره، وزاد: ((فقلت لأنسٍ: في زمان مَن كان هذا؟ قال:
في زمان عمرَ بن الخطّاب)).
ثم قال: حدَّثنا أبو الأحوص عن أبي الحارث التيمي عن أبي ماجد عن عبد الله: أنَّه دعا بسَوطٍ فدَقَّ ثمرتَه حتى
أُصيبَ له فخفقَه، وأخرجه عبد الرزاق (١٣٥١٩)، وعنه الطبراني (٨٥٧٢)، والبيهقي ٣٢٦/٨ عن يحيى الجابر
عن أبي ماجد نحوه، وأصله في "مسند" أحمد ٤١٩/١، وفيه قصة مرفوعة، ولم يذكر هذه الزيادة، ويحيى هو: أبو
الحارث ضعيفٌ، وأبو ماجد مجهولٌ، وقال النسائي والبخاري: منكرُ الحديث.
وأخرج مالك في "الموطأ" ٨٢٥/٢ في الحدود - باب ما جاءَ فيمَن اعترفَ على نفسه، عن زيد بن أسلم مرسلاً أنَّ
النّبِيَّ أُتي بسَوط مكسورٍ فقال: ((فوق هذا))، فأُتَيَ بِسَوط جَديدٍ فقال: ((دون هذا))، فأتي بسَوط قد رُكِبَ به
ولاَنَ، وعنه أخرجه الشافعي، وعنه البيهقيُّ ٣٢٦/٨ في الحدود - باب صفة السَّوْط، وأخرجه ابن أبي شيبة عن
محمد بن عجلان عن زيد مرسلاً.
وأخرج عبد الرزاق (١٣٥١٦)، والبيهقيُّ ٣٢٦/٨ عن الثوريِّ عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال:
أُتيَ عمر برجل في حَدِّ فأمَرَ بِسَوْط، فذكر نحوَ مرسل زيد بن أسلم.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٨/٥ بتصرف.

الجزء الثاني عشر
٤٣
كتاب الحدود
(وفُرِّقَ) جَلْدُه (على بدنِه خلا رأسِهِ ووجهِهِ وفرجِهِ) قيلَ: وصدرِهِ وبطنِهِ، ولو
جَلَدَهُ في يومٍ خمسينَ متواليةً ومثلَها في اليومِ الثاني أجزأَهُ على الأصحِّ، "جوهرة"(١)
(و) قال "عليٌّ" رضيَ الله تعالى عنهُ: (يُضرَبُ الرَّجلُ قائماً) والمرأةُ قاعدةً (في
الحدودِ) والتَّعازِيرِ.
١٨٤٢١١] (قولُهُ: وَفُرِّقَ جَلْدُهُ إلخ) لأنَّ جَمَعَهُ على عُضْوٍ واحِدٍ قد يُفسِدُهُ، وضَربُ ما
اسُشِيَ قد يُؤدِّي إلى الهَلاكِ حقيقةً أو مَعَنَّى بإفسادِ بَعضِ الحَواسِّ الظَّاهِرَةِ أو الباطِنَةِ.
[١٨٤٢٢ ] (قولُهُ: قيلَ: وصَدْرِهِ إلخ) قائِلُهُ بَعضُ المشائخِ، وهُوَ روايَةٌ عَنْ "أبي يوسُفَ"،
وفيهِ نظَرٌ، بل الصَّدْرُ مِنَ الَحامِلِ، وَالضَّرَبُ بالسَّوطِ المُتَوَسِّطِ عدَدً يَسيراً لا يَقْتُلُ فِي الْبَطنِ،
فَكَيفَ بِالصَّدرِ؟ نعَمْ إذا فعَل بالعَصا كَما يُفْعَلُ في زمانِنا في بُيُوتِ الظَّلَمَةِ يَنبَغِي أنْ لا يُضرَبَ
البَطنُ، "قَتْحَ"(٢).
(١٨٤٢٣] (قولُهُ: خَمسينَ مُتواليَةٌ) قَّدَ بالتَّوالي لَيَحصُلَ بها الأَلَمُ، ولِذا قالَ في
"الجَوهَرةِ"(٣) أَيضاً: ((ولا يَجوزُ أنْ يُفرِّقَهُ فِي كُلِّ يَومٍ سَوطاً أو سَوطَينِ؛ لأَنَّهُ لا يَحصُلُ بِهِ
الإِيلامُ)).
[١٨٤٢٤] (قولُهُ: وقالَ "عليٌّ" رضِيَ الله تعالى عَنْهُ:) لَفَظُهُ كَما في "الفَتْحِ"(٤) عَنْ "مُصَنَّفِ
عَبدِ الرَّزَّاقِ"(٥): ((يُضرَبُ الرَّجُلُ قائِماً والمرأةُ قاعِدَةً فِي الْحُدودِ)) اهـ، فَقَولُهُ: ((والتَّعازيرِ إلخ))
لَيْسَ مِنْهُ.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الحدود ٢٤١/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٩/٥ بتصرف يسير.
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الحدود ٢٤١/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٩/٥ بتصرف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣٥٣٢) في الحدود - باب ضرب المرأة، عن الحسن بن عُمارة - متروك - عن الحكم عن:

حاشية ابن عابدين
٤٤
كتاب الحدود
(غيرَ ممدودٍ) على الأرضِ كما يُفعَلُ في زماننا فإِنَّه لا يجوزُ، "نهر "(١). وكذا
لا يُمَدُّ السَّوطُ؛ لأنَّ المشتَرَكَ في النفيِ يَعُمُّ، "ابن كمال" (ولا تُنزَعُ ثيابهُا
إلا الفروَ والحشوَ، وتُضْربُ جالسةً) لما رَوَينا (وَيُحْفَرُ لها) إلى صدرِها (في
الرَّجْمِ) وجازَ تركُه لسَتْرِها بثيابِها.
[١٨٤٢٥] (قولُهُ: غَيرَ مَمدودٍ على الأرْضِ) لأنَّ مَبنَى الَحَدِّ على التّشهيرِ زَجْراً للعامَّةِ، والقِيامُ
أبَغُ فِيهِ، والمرأَةُ مَبَنَى أَمْرِها على السِّتْرِ، وإن امْتَنَعَ الرَّجُلُ ولم يقِفْ لا بَأْسَ بِرَبْطِهِ بِأُسْطُوانَةٍ أو
يُمْسَكُ، "قَتْحِ"(٢).
[١٨٤٢٦] (قولُهُ: وَكَذا لا يُمَدُّ السَّوطُ) أفادَ أنَّ قَولَهُ: ((غَيْرَ مَمدودٍ)) يَحْتَمِلُ أنْ يعودَ إلى
السَّوطِ أيضاً، أي: ضَرْباً غيرَ مَمدود، ومَدُّ السَّوطِ فيهِ تَفسيرانٍ، [٤/ق ١٤٢ /ب] قيلَ: بأنْ يرفَعَهُ
الضَّارِبُ فوقَ رأسِهِ، وقيلَ: أَنْ يَمُدَّهُ على حَسَدِ المضروبِ بعدَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، وفيهِ زِيادَةَ أَلَمٍ، قَالَ في
"الفَتْحِ"(٢): ((وَكُلُّ ذِكَ لا يُفْعَلُ، فَلَفَظُ ((مَمدودٍ)) مُعمَّمٌ فِي جَميعِ مَعانيهِ؛ لأَنَّهُ فِي النَّفيِ فجازَ
تَعميمُهُ)) اهـ، أي: في مَدِّ الرَّجُلِ على الأرْضِ ومَدِّ السَّوطِ بِمَعْنَيْهِ، وهذا بناءً على مُختارِ صاحِبٍ
"الهِدَايَةِ"(٣) و"شَمسِ الأَئِمَّةِ"(٤) فِي جَوارِ تعميمِ الْمُشترَكِ في الَّغْيِ، وَكَذا الْجَمعُ بينَ الحقيقَةِ والمجازِ
= يحيى عن علي قال : ... فَذكره، وأخرجه البيهقيُّ ٣٢٧/٨ في الأشربة - باب صفة السَّوط والضرب، من طريق
هُشيم قال: أخبرني بعض أصحابنا عن الحكم عن يحيى الجَزَّار، فذكره.
ويخالفه ما رواه عبد الرزاق أيضاً (١٣٥٢٣) و(١٣٥٣٣)، وابن أبي شيبة في الحدود - بابٌ: الرجلُ يُضربُ الحدّ
وهو قاعد، عن الثوري عن جابر - هو الجعفي - عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، أنَّ علياً ضربَ رجلاً وهو
قاعد، وجابرُ وإنْ قوّاه الثوريُّ وبعضُ الحفاظ إلا أنَّ أغلبَ الحفّاظ تركوه.
(١) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠٠/ب - ق٣٠١/أ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ١٩/٥ بتصرف.
(٣) "الهداية": كتاب الوصايا - باب الوصية للأقارب وغيرهم ٢٥١/٤.
(٤) "المبسوط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام وغيره ٢٣/٩.

الجزء الثاني عشر
٤٥
کتاب الحدود
و(لا) يجوزُ الحَفْرُ (له) ذكرَه "الشُّمُنِّي"، ولا يُربَطُ ولا يُمُسَكُ، ولو هرَبَ فإنْ
مُقْرً(١) لا يُتِبَعُ، وإلا أُتْبعَ حَتَّى يموتَ كما مرَّ(٢)، (ولا جمعَ بين جَلْدٍ وَرَجْمٍ) في
المحصَنِ (ولا بينَ جَلْدٍ ونَفْىٍ).
في النّفْيِ، وهُوَ خِلافُ المشهورِ في كُبِ الأصولِ، كَمَا بَّنَاهُ في "حَواشينا" على "شَرْحِ الَنَارِ"(٣).
[١٨٤٢٧) (قولُهُ: ولا يَجوزُ الْحَفَرُ لَهُ) لعلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَولِ "الهِدَايَةِ"(٤) وغَيرِها: ((أَنَّ الرَّبِطَ
والإمساكَ غَيْرُ مَشروعٍ، وأمَّا الْحَفَرُ للمَرَأَةِ فِلِكَونِهِ أَسْتَرَ لَها)).
قُلتُ: وَيَنبَغِي تَقَبِيدُهُ بِما لو ثَبَتَ الحَدُّ بالإقرارِ؛ ليكونَ مُتَمَكِّناً مِنَ الرُّجوعِ بالهِرَبِ، بخِلافٍ
ما لو ثبَتَ بالبِّنَةِ، تأمَّل.
[١٨٤٢٨) (قولُهُ: ولا يُربَطُ إلخ) إِلَّ إذا امتَنَعَ، كَما مرَّ(٥).
[١٨٤٢٩) (قولُهُ: ولا جَمِعَ بِينَ جَلْدٍ وَرَجْمٍ) للقَطْعِ بأَنَّهُ لم يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا (١)وََّ، ولأنَّ الجَلْدَ
(١) في "و": ((فإن هو مقرٌّ)).
(٢) صـ ٢٨ - "در".
(٣) "نسمات الأسحار": مبحث المشترك وهو القسم الثالث من وجوه النَّظْمِ ص٦٢ - بتصرف.
(٤) "الهداية": كتاب الحدود - فصل في كيفية الحدِّ وإقامته ٩٨/٢.
(٥) المقولة [١٨٤٢٥] قوله: ((غير ممدود على الأرض)).
(٦) فيه حديثُ العَسيف، وحديثُ ماعز ، وقد تقدَّم وليس فيه الجلدُ.
أمَّا حديثُ العَسيف فرواه أبو هريرة وزيد بن خالد الجهنيّ مرفوعاً، وفيه: ((والذي نفسي بيده لأَقضينَّ بينكما بكتاب الله!
الوليدة والغنم مردودٌ عليكَ، وعلى ابنكَ جلدُ مئةٍ وتغريبُ عامٍ، واغدُ يا أنيسُ إلى امرأةِ هذا، فإنْ اعترَفتْ فارجُمها،
فاعترَفتْ فأمَرَ بها رسولُ اللّهِلُّ فِرُجِمَتْ)).
أخرجه البخاريُّ (٦٨٢٧) في الحدود - باب الاعتراف بالزِّنى، و(٢٧٢٤) في الشروط - باب الشروطِ التي لا تَحِلُّ
في الحدود، ومسلم (١٦٩٧) في الحدود - باب مَن اعترفَ على نفسه بالزِّنى، وأبو داود (٤٤٤٥) في الحدود - باب
المرأةِ الَّتي أمَرَ النّبِيُّ لَّ برجمها من جُهَينة، والترمذيُّ (١٤٣٣) في الحدود - باب ما جاءَ في الرجمِ على الثِّب،
والنسائيُّ ٢٤٠/٨ - ٢٤١ في آداب القُضاة - باب صَوْن النّساء عن مجلس القضاءِ، وابن ماجه (٢٥٤٩) =

حاشية ابن عابدين
٤٦
کتاب الحدود
أي: تغريبٍ في البكْرِ، وفسَّرَه في "النّهايةِ" بالحَبْسِ.
يَعْرَى عن المقصودِ معَ الرَّجْمٍ، "قَتْحِ" (١).
[١٨٤٣٠] (قولُهُ: أي: تَغْرِيبٍ فِي البِكْرِ) أي: في غَيرِ الْمُحصَنِ، وَقَولُهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
(البِكْرُ بالبِكْرِ خَلْدُ مِائَةٍ وتَغريبُ عامٍ)(٢) مَنسوخٌ كَشَطْرِهِ الآخَرِ، وهُوَ (٢) قَولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
والسَّلامُ: (( وَالنَِّبُ بالنِّيْبِ خَلْدُ مِائَةٍ وَرَحْمٌ بالحِجارَةِ)، "بَحْرِ"(٤)، وتَمامُ تَحقِيقِهِ فِي "الفَتْحِ"(٥).
[١٨٤٣١] (قولُهُ: وفسَّرَهُ) أي: فسَّرَ النَّفيَ الَروِيَّ فِي حَديثٍ آخَرَ كروايَةِ "البُخَارِيِّ":
= في الحدود - باب حدِّ الزِّنى، ومالك في "المؤطأ" ٨٨٢/٢ في الحدود - باب ما جاءَ في الرجم، والشافعيُّ في
"مسنده" ٧٨/٢، وأحمد ١١٥/٤، والطبراني (٥١٨٨)، والطحاوي ١٣٥/٣، وعبد الرزاق (١٣٣٠٩)
(١٣٣١٠)، والبيهقيُّ ٢١٩/٨ - ٢٢٢ وغيرهم. من طُرق عن مالك وسفيان بن عيينة ومَعمَر والليث وصالح ويونس
وغيرِهم عن الزُّهريِّ عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد، ورواه عُقيل وعبد العزيز بن أبي سلمة عن
الزُّهريِّ عن عبيد الله عن أبي هريرة فقط. وقال سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد
وشِيْل. ولكن رُويَ الجمعُ بينهما من فعل علي رضي الله عنه وقال: ((جلدتُها بكتاب الله ورجمتُها بسنةِ رسولِ الله
﴿)) أخرجه أحمد ١٠٧،٩٣/١، والبخاريُّ (٦٨١٢) في الحدود - باب رَجمِ المُحصنِ، والنسائيُّ في "الكبرى"
(٧١٤٠)، وعلي بن الجعد (٤٩٠).
(١) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٥/٥ - ٢٦ بتصرف.
(٢) وهو حديثُ عُبادة بن الصَّامت: أخرجه أحمد ٣١٣/٥، ٣١٧- ٣١٨، ٣٢٠، ومسلم (١٦٩٠) (١٤) في الحدود
- باب حدِّ الرِّنى، وأبو داود (٤٤١٥) (٤٤١٦) في الحدود - باب الرجم على الثيب، والنسائي في "الكبرى"
(٧١٤٢) (٧١٤٣) (٧١٤٤)، وابن ماجه (٢٥٥٠) في الحدود - باب الزنى، والدارمي (٢٣٣٢) (٢٣٣٣) في
الحدود - باب في الرجم، والترمذيُّ (١٤٣٤) في الحدود - باب ((أو يجعلَ اللهُ لهنَّ سَبيلاً))، وابن حبّان في
"صحيحه" (٤٤٢٦) من طُرق عن قتادةً وحُميد ومنصور بن زاذان ويونس بن جبير والحسن كلُّهم عن حِطَّان بن
عبد الله الرَّقَاشيِّ عن عُبادة بن الصَّامت، فذكره.
(٣) ((هو)) ليست في "م".
(٤) "البحر": كتاب الحدود ١١/٥.
(٥) انظر "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٦/٥ وما بعدها.

الجزء الثاني عشر
٤٧
كتاب الحدود
وهو أحسنُ وأسكنُ للفتنةِ من التغريبِ؛
مِنْ قَولِ "أبي هُرَيرةً": ((إِنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ قَضِى فِيمَنْ زَنى ولم يُحْصَنْ بَنَفْيٍ عامٍ وإقامَةِ الْحَدِّ(١).
[١٨٤٣٢) (قولُهُ: وهُوَ أحسَنُ إلخ) فيهِ أَنَّهُ مُخالِفٌ لرواياتِ النَّغْرِيبِ وقَولِهِمْ: إِنَّ فِي النَّفْىِ
فَنْحَ بابِ الفِتْنَةِ؛ لانفرادِها عن العَشيرَةِ وعمَّنْ تَستَحِي مِنهُ، ولقَولِ "عليِّ": ((حَسْبُهُما مِنَ
الفِتَةِ أنْ يُنْفَيَا (٢)))، ورَوَى "عَبْدُ الرَّزَّاقِ" قالَ: ((غَرَّبَ "عُمَرُ " نَّهِ "رَبِيعَةَ بِنَ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ"
(١) أخرجه أحمد ٤٥٣/٢، والبخاريُّ (٦٨٣٣) في الحدود - باب البكران يُجلدان ويُنفَيان، والنسائيُّ في "الكبرى"
(٧٢٣٧) في الحدود - بابُ حدِّ الزَّاني، من طريق عُقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
بلفظ: ((ونفيٍ عامٍ))، وأخرجه البخاريُّ (٦٨٣١) و (٦٨٣٢) في الحدود - باب البكران يُجلدان و(٢٦٤٩) في
الشهادات - باب شهادةِ القَاذِف، والنسائيُّ في "الكبرى" (٧٢٣٤) و (٧٢٣٥)، والطبرانيُّ في "الكبير" (٥١٩٤)
(٥١٩٧) و(٥١٩٨) وأبو دواد الطيالسيّ (١٥١٧) و(١٥١٨) و(١٥١٩).
من طريق معروف وعبد العزيز بن أبي سلمة وعُقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله عن زيد بن خالد الجهني تضمينه، به،
بلفظ: ((وتغريبُ عامٍ)) وزاد "البخاريُّ" قال ابن شهاب: وأخبرني عروة بن الزبير أنَّ عمر غرَّب ولم تزل السنة.
وأخرجه الطبرانيُّ (٥١٩٣) من طريق الليث عن ابن شهاب عن عبيد الله عن زيد وأبي هريرة ، وهو مختصر
من حديث العَسيف الّذي مرَّ تخريجه.
وفِعِلُ عمر نظّه: قال ابن حجر في "الفتح" ١٩٥/١٢ : وهو منقطع - لأنَّ عروةً لم يسمع من عمرَ لكِنَّه ثبتَ عن
عمرَ من وجه آخر - أخرجه الترمذيُّ، والنسائيُّ، وصححه ابن خزيمة، والحاكم من رواية عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمرَ أنَّ النَّبيَّ ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ أَبا بكرٍ ضربَ وغرَّبَ، وأنَّ عُمرَ ضربَ وغرَّبَ، أخرجوه من
رواية عبد الله بن إدريس عنه. وذكر الترمذيُّ أنَّ أكثرَ أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه موقوفاً على أبي بكرٍ
وعمرَ اهــرواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمرَ عن أبي بكرٍ وعمرَ في قصَّة.
ورواه يحيى بن سعيد عن عبيد الله ومالكٌ وشُعِيبٌ عن نافعٍ عن صفيَّة بنت أبي عُبيد عن أبي بكرٍ بنحو القصَّة.
(٢) أخرج عبد الرزاق في "المصنف" (١٣٣١٣) في الحدود - باب البكر، و(١٣٣٢٧) باب النفيِّ، ومحمد بن الحسن
في "الآثار" (٦٤١) باب البِكر يَفحُرُ بالبِكر، عن أبي حنيفة عن حمَّد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن
ابن مسعود قال في البِكر يَفحُرُ بالبِكر: ((يُجلدان مئةً ويُنفيان))، قال عليٌّ: ((حسبهُما من الفتنة أنْ يُنفيا))
ومراسيلُ النَّخعيِّ جيدةٌ.

حاشية ابن عابدين
٤٨
كتاب الحدود
الأَنّه يعودُ على موضوعِه بالنَّقْضِ (إلا سياسةً) وتعزيراً فيُفوَّضُ للإمامِ، وكذا في كلِّ
جنايةٍ، "نهر"(١)، (ويُرجَم مريضٌ زَنَى، ولا يُحلَدُ) حتى يَبْرَأَ
في الشَّرَابِ إِلى خَبِيرَ، فَحِقَ بـ "هِرَقْلَ" فَتَنَصَّرَ، فقالَ "عُمَرُ": لا أُغَرِّبُ بعدَهُ مُسلِماً(٢)، كَما في
"الفَتْحِ"(٣)، ولعَلَّ الْمُرادَ أنَّ فِعلَ الحَبْسِ أحسَنُ مِنْ فِعلِ النَّغْرِيبِ، فَلَيسَ المرادُ تفسيرَ الوارِدِ بذلِكَ
بقرينَةِ التَّعليلِ، فَتَأْمَّلْ.
[١٨٤٣٣) (قولُهُ: لأَنَّهُ يَعودُ على مَوضوعِهِ بالنَّقْضِ) أي: لأنَّ المقصودَ مِنْ إِقَامَةِ الحَدِّ المنعُ عن
الفَسادِ، وفي الَّغْرِيبِ فَتَحُ بابِ الفَسادِ كَمَا عِلِمْتَ، فَفيهِ نَقْضٌ وإبطالٌ للمَقصودِ مِنهُ شَرْعاً، فَكَأَنَّهُ
شبّهَ المقصودَ الأَصْلِيَّ بالموضوعِ - وهُوَ محَلُّ العَرَضِ الْمُخْتَصِّ بهِ - أو موضوعِ العِلمِ، وهو ما يُبحَثُ
فيهِ عَنْ عوارِضِهِ الذَّاتَّةِ كَبَدَنِ الإنسانِ لِعِلْمِ الطِّبِّ، تأمَّلْ.
[١٨٤٣٤ ) (قولُهُ: إلاَّ سِياسَةً وَتَعزيراً) أي: أنَّهُ ليسَ [٤/ق١٤٣ /أ] مِنَ الحَدِّ، وَيُؤَيِّدُهُ ما قدَّمْنَاهُ(٤)
مِنْ حَديثِ "الْبُخَارِيِّ" مِنْ عَطْفِ: ((وإِقَامَةِ حَدٍّ)) على ((نَفْيٍ عامٍ))، كَما أوضَحَهُ في "الفَتَحِ"(٥)،
(١) "النهر": كتاب الحدود - ق ٣٠١/ أ - ب بتصرف.
(٢) وأخرج عبد الرزاق (١٣٣٢٠) عن ابن ◌ُريج عن عبد الله بن عمرَ أنَّ أبا بكرٍ بنَ أمَّة بن خَلف غُرِّبَ، فذكره.
وعن إبراهيم أنَّ علياً قال: ((حسبُهم من الفتنة أنْ يُنفَوا)) ومراسيلُ ابن جُريج واهيةٌ.
أخرجه النسائي في "المجتبى" ٣١٩/٨، وفي "الكبرى" (٥١٨٦) في الأشربة - باب تغريبِ شاربِ الخمر، من
طريق عبد الرزاق في" المصنف" (١٧٠٤٠) في الأشربة - باب الريح، عن مَعمَر عن الزُّهري عن سعيد بن المسيَّب
قال: غَرَّبَ عُمَرُ ابنَ أمَيَّة بن خلف .... فذكره، وسعيد وإن لم يكن شهد إلا القليل من مواقف عمر غير أنه قوي
فيه. قال ابن كثير في "مسند عمر" ٥١٨/٢: هذا إسنادٌ جِيِّدٌ.
وأخرج يعقوب بن شيبة في مسنده كما في "الإصابة" ٥٣٠/١ من طريق حماد عن محمد بن عمرو عن يحيى بن
عبد الرحمن حاطب أنَّ أبا بكر الصديق كان أعبرَ الناس للرؤيا فأتاه ربيعة في رؤيا ... فقال: إن صدقت رؤياك فستخرج
من الإِيمان إلى الكفر ... فشربَ ربيعةُ الخمرَ في زمن عمرَ فهربَ منه إلى الشام ثمَّ هربَ إلى قيصر فتنصر ومات
عنده اهـ ـ كذا قال: فهرب ـ وهذا إمَّا تصحيفٌ وإمَّا مردودٌ برواية من هو أوثقُ منه.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٨/٥.
(٤) المقولة [١٨٤٣١] قوله: ((وفَسَّرَهُ)).
(٥) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٧/٥.

الجزء الثاني عشر
٤٩
كتاب الحدود
وفيهٍ(١) أيضاً: ((لو غَلَبَ على ظَنِّ الإِمامِ مَصلَحَةٌ فِي النَّغريبِ تَعزِيراً فَلَهُ أنْ يفعَلَهُ، وهو
مَحْمَلُ الواقِعِ لَّبِيِّ ﴿ وأصحابِهِ، ((كَما غرَّبَ "عُمَرُ" "نَصْرَ بنَ الحجَّاجِ"(٢)؛ لافتِتانِ النّساءِ
بَجَمَالِهِ، والجَمالُ لا يُوجِبُ نَفياً، وعلى هذا كثيرٌ مِنْ مَشايخِ السُّلُوكِ الْمُحَقِّقِينَ - رضِي الله عنَّا بِهِمْ
وحشَرَنَا مَعَهُم - يُغَرِّبُونَ الْمُرِيدَ إذَا بَدا مِنْهُ قُوَّةُ نَفْسٍ وَلَحاجٌ؛ لِتَنكَسِرَ نَفْسُهُ وَتَلِينَ، ومِثلُ هذا الُرِيدِ
أو مَنْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ هُوَ الذي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ عَلَيهِ رَأْيُ القاضي في النَّغْرِيبِ، أمَّا مَنْ لم يَسْتَحْيِ وَلَهُ
حالٌ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِغَلَبَةِ النّفْسِ فَفِيُّهُ يُوَسِّعُ طُرَقَ الفَسادِ ويُسَهِّلُهَا عَلَيْهِ)) اهـ.
(تَنبيةٌ)
مَطْلَبٌّ في الكَلامِ على السِّيَاسَةِ
أشارَ كَلامُ "الغَتْحِ" إلى أنَّ السِّيَاسَةَ لا تَخْتَصُّ بالزِّنى، وهُوَ مَا عَزَاهُ "الشَّارحُ" إلى "النّهرِ"،
وفي "القُهِستانيّ" (٣): ((السِّياسَةُ لا تَخْتَصُّ بالرِّنَى، بلْ تجوزُ في كُلِّ جِنايَةٍ، وَالرَّأَيُ فيها إلى
الإمامِ - على ما في "الكافي" - كَقَتْلِ مُبْتَدِعٍ يُنْوَهَّمُ (٤) مِنهُ انتِشارُ بِدْعَتِهِ وإنْ لم يُحكَمْ بِكُفرِهِ،
(١) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٨/٥ بتصرف.
(٢) أخرجه عمر بن شبّة في "تاريخ المدينة" ٧٦٢/٢ باب غيبة المجاهد، عن علي بن محمد، عن الوضَّاحِ بن خَيْثْمةً،
عن قتادةَ: أنّ عمرَ سَيَّرَ نصرَ بن الحجّاج إلى البصرة، وأخرج ابن سعد ٢٨٥/٣ عن عمر أن داود بن أبي الفُرات
أخبرنا عبد الله بن بريدة الأسلمي ... فذكر قصته.
وأخرج ابن شبة عن علي بن محمد ، عن عبد الله بن زُهير التميميِّ، عن رجلٍ من ولد الحجَّاجِ بنِ علاطٍ أَنَّه ... فذكره،
وأخرج ابنُ السُّبكيِّ في "طبقات الشَّافعية" ٢٨٠/١ من طريق أبي جعفر البغويّ، حدثنا محمد بن كثير المِصِّيصيّ،
عن مَخلَّد بن حسين، عن هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين قال: كان عمرُ بن الخطّاب ... فذكرَ حكايةً نصرٍ بن
حجَّاج. وقد ساقها الخَرائطيُّ على وجه أبسطَ منه، وهو ... فذكرها اهـ.
وانظر القصَّة في "تزيين الأسواق" لداود الأنطاكي ٢٩/٢ [بولاق]، و"الكامل" للمبرد صـ٣٣٣ - [أوروبا]،
و"الأغاني" ١٢٥/١٦ [بولاق]، و"البيان والتبيين" للجاحظ ٢٦١/٢، و"عيون الأخبار" لابن قتيبة ٣١٣/٤،
و "أخبار النساء" لابن قيِّم الجوزيَّة صـ٨٩- [طبع مصر].
(٣) "جامع الرموز": كتاب الحدود ٢٩٠/٢.
(٤) في "ب": ((بتوهم)) بالباء، وهو تصحيف.

حاشية ابن عابدين
٥٠
كتاب الحدود
كَمَا في "التَّمهيدِ"، وهِيَ مَصدَرُ: ساسَ الوالي الرَّعَيَّةَ: أمَرَهُم ونهاهُم، كَما في "القاموسِ"(١) وغَيْرِهِ،
فالسِّيّاسَةُ اسْتِصلاحُ الخَلْقِ بإرشادِهِم إلى الطَّرِيقِ الُنَجِّي فِي الدُّنيا والآخِرَةِ، فَهِيَ مِنَ الأنبياءِ على
١٤٧/٣ الخاصَّةِ والعامَّةِ في ظاهِرِ هِم وباطِهِم، ومِنَ السَّلاطينِ والمُلوكِ على كُلِّ مِنْهُم في ظاهِرِهِ لا غَيْرُ، ومِنَ
العُلَماءِ ورَثَّةِ الأنبياءِ على الخاصَّةِ في باطِهِم لا غَيرُ، كَما في "المُفرَدَاتِ"(٢) وغَيِها)) اهـ، ومِثْلُهُ
في "الدُّرِّ الْمنَقي)(٣).
قُلتُ: وهذا تعريفٌ للسِّيّاسَةِ العامَّةِ الصَّادِقَةِ على جَميعِ ما شرَعَهُ الله تعالى لعِبادِهِ مِنَ الأحكامِ
الشَّرعيَّةِ، وَتُستعمَلُ أَخَصَّ مِنْ ذلِكَ مِمَّا فِيهِ زَجْرٌ وتأديبٌ ولو بالقَتَلِ، كَما قالوا في اللُّوطيِّ والسَّارِقِ
والحَنَّقِ: إذا تَكَرَّرَ مِنْهُمْ ذلِكَ حَلَّ قَتُهُمْ سِياسَةً، وَكَمَا مَر٤َّ) في المَدِعِ، ولِذا عرَّفَها بَعضُهُم: بأَنَّها
تَغليظُ حِناَةٍ لَها حُكِمٌ شَرْعِيٌّ حَسْمً لمادَّةِ الفَسادِ، وَقَولُهُ: لها حُكُمٌ شَرعيّ مَعناهُ: أَنَّها داخِلَةٌ تحتَ
قواعِدِ الشَّرعِ وإنْ لم يُنَصَّ عَلَيها بُخُصوصِها، فإنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ بعدَ قواعِدِ الإِيمانِ على حَسْمٍ موادٍ
الفَسادِ لَبَقاءِ العالَمِ، ولِذَا قَالَ في "البَحرِ"(٥): ((وظاهِرُ كلامِهِم أنَّ السِّسَةَ هِيَ فِعلُ شَيءٍ مِنَ الحاكِمِ
لمصلحةٍ يَراها وإنْ لم يَرِدْ بِذلِكَ الفِعْلِ دَليلٌ جُزْئِيٌّ) اهـ، وفي "حاشِيَةِ مِسكين"(٦) عن "الحمَويّ":
((السِّيّاسَةُ شَرْعٌ مُغَلَّظٌ، وهِيَ نَوعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخرِجُ الحَقَّ
مِنَ الظَّالِمِ وَتَدَفَعُ [٥/٤ ١٤٣ /ب] كَثِيراً مِنَ المَظالِمِ وتردَعُ أهلَ الفَسادِ وتُوصِلُ إلى المقاصِدِ الشَّرعيَّةِ،
فالشَّرِيعَةُ تُوجِبُ الْمَصيرَ إليها والاعتِمادَ في إظهارِ الحَقِّ عَلَيها، وهِيَ بابٌ واسِعٌ، فَمَنْ أرادَ تفصيلَها
فَعَلَيْهِ بُمراجعَةٍ كِتَابِ "مُعينِ الْحُكَّامِ" للقاضي "علاءِ الدِّينِ الأسوَدِ" الطَّرابلسيّ" الحَفَيِّ(٧)) اهـ.
(١) "القاموس المحيط": مادة ((سَيَسَ)).
(٢) لم نعثر على النقل في "مفردات الراغب الأصفهاني".
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الحدود ٥٩٠/١. (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) في هذه المقولة.
(٥) "البحر": كتاب الحدود ١١/٥.
(٦) "فتح المعين": كتاب الحدود ٣٥٦/٢.
(٧) تقدمت ترجمته ٥٢٥/٢.

الجزء الثاني عشر
٥١
کتاب الحدود
قُلتُ: والظَّاهِرُ أنَّ السِّياسَةَ والَّعزيرَ مُترادِفانٍ، وَلِذا عطَفُوا أَحَدَهُما على الآخَرِ لَبَيَانِ
الَّفسيِ، كَما وقَعَ في "الهِدَايَةِ"(١) و"الزَّيلعيّ)(٢) وغَيِ هِما، بلْ اقْتَصَرَ في "الجَوهَرَةِ"(٣) على تسميَتِهِ
تَعَزِيراً، وسيأتي(٤) أنَّ الَّعزيرَ تأديبٌ دونَ الحَدِّ مِنَ العَزْرِ بمعنى الرَّدِّ والرَّدعِ، وأَنَّهُ يكونُ بالضَّرَبِ
وغَيْرِهِ، ولا يلزَمُ أنْ يكونَ بِمُقَابَلَةٍ معصيَةٍ، ولذا يُضرَبُ ابنُ عَشْرِ سِنِينَ على الصَّلاةِ، وكذلِكَ
السِّيَاسَةُ، كَمَا مَرَّ(٥) فِي نَفْيِ "عُمَرَ" لـ "نَصْرِ بِنِ الحجَّاجِ"، فإنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ قَالَ لـ "عُمَرَ": (ما ذَنْبِي يا
أميرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فقالَ: لا ذَنْبَ لَكَ، وإنَّما الذّنْبُ لي؛ حَيثُ لا أُطهِّرُ دَارَ الهِحرَةِ مِنكَ))(٦)، فَقَدْ
نَفَاهُ؛ لافِتَانِ النّساءِ بهِ وإنْ لم يكُنْ بصُنْعِهِ فهُوَ فِعلٌ لَصلَحةٍ، وهِيَ قَطعُ الافتانِ بسببِهِ في دارِ
الهِجِرَةِ التِي هِيَ مِنْ أشرَفِ البِقاعِ، فَفيهِ رَدٍّ ورَدْعٌ عَنْ مُنكَرٍ واجِبِ الإِزاَةِ، وقالوا: إنَّ الَّعزيرَ
مَوكولٌ إلى رأيِ الإِمامِ، فَقَدْ ظهَرَ لَكَ بهذا أنَّ بابَ النَّعزيرِ هُوَ المُنكَفِّلُ لأحكامِ السَِّاسَةِ،
وسيأتي(٧) بَيَانُهُ، وبِهِ عُلِمَ أنَّ فِعلَ السَِّاسَةِ يكونُ مِنَ القاضي أيضاً، والتَّعبيرُ بالإمامِ ليسَ للاحتِرازِ
عن القاضي، بلْ لكَّونِهِ هُوَ الأصْلَ والقاضي نائِبٌ عَنهُ في تنفيذِ الأحكامِ، كَما مَرَّ(٨) فِي قَولِه:
((فَيَسألُهُم الإِمامُ)) و((بدَأَ الإِمامُ برَجْمِهِ)) ونحوِ ذلِكَ، وفي "الدُّرِّ المنتقَى)(٩) عن "مُعينِ الحُكَّامِ":
((للقُضاةِ تَعاطي كَثِيرٍ مِنْ هذِهِ الأمورِ حَتَّى إدامَةِ الحَبْسِ والإغلاظِ على أهْلِ الشَّرِّ بالقَمْعِ لَهُم
والنَّحليفِ بِالطَّلاقِ وغَيْرِهِ وَتَحليفِ الشُّهودِ إذا ارتابَ مِنْهُم، ذكَرَهُ في "الَّاتِر خانَّةٍ"(١٠)، وَتَحليفُ
(١) "الهداية": كتاب الحدود - فصل في كيفية الحدِّ وإقامته ٩٩/٢.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الحدود ١٧٤/٣.
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الحدود ٢٤٣/٢.
(٤) المقولة [١٨٨٧٠] قوله: ((هو لغةً: التأديبُ مطلقاً)).
(٥) في هذه المقولة.
(٦) تقدم تخريجه في هذه المقولة.
(٧) المقولة [١٨٨٨٨] قوله: ((والتعزير ليس فيه تقديرٌ)).
(٨) صـ ١٩ - "در".
(٩) "الدُّر المنتقى": كتاب الحدود ٥٩١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(١٠) "التاتر خانية": كتاب الحدود - الفصل السابع: دعوى القذف والمرافعة إلى القاضي ١٣٤/٥ وما بعدها بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٥٢
کتاب الحدود
إلا أنْ يقعَ اليأسُ من بُرْئِهِ فُيُقامُ عليه، "بحر"(١)، (ويقامُ على الحاملِ بعدَ وضعِها (٢))
لا قبلَهُ أصلاًّ بل تُحبسُ لو زِنَاها بِيِّئَةٍ، (فإنْ كانَ حدُّها الرجمَ رُجمَتْ حينَ
وضَعَتْ) إلا إذا لم يكنْ للمولودِ من يربِّهِ.
الْمَّهَمِ لاختبارِ(٣) حالِهِ، و(٤) المَنَّهِمُ بِسَرِقَةٍ يَضرِبُهُ وَيَحبِسُهُ الوالي والقاضي)) اهـ، وسيأتي(*) في
بابِ النَّعزيرِ أنَّ للقاضي تعزيرَ الْمَّهَمِ، وصرَّحَ "الزَّيلِعِيُّ" (٦) قُبَيَلَ الجِهادِ: ((أَنَّ مِنَ السِّيَاسَةِ عُقْوَتَهُ إذا
غَلَبَ على ظَنِّهِ أَنَّهُ سارِقٌ وأنَّ المسروقَ عِندَهُ، فَقَدْ أجازوا قَتْلَ النَّفْسِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، كَما إذا دخَلَ
عَلَيْهِ رَجُلٌ شاهِراً سيفَهُ وغَلَبَ على ظِهِ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ))، وسَيَأْتِي(٧) تَمامُ ذِلِكَ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ .
[١٨٤٣٥) (قولُهُ: إِلَّ أَنْ يَقَعَ الْيَأْسُ مِنْ بُرِئِهِ فُقَامُ عَلَيهِ) أي: بأنْ يُضِرَبَ ضَرْباً حَفِيفً يَحْتَمِلُهُ،
وفي "الفَتْحِ"(٨): ((ولو كانَ المرَضُ لا يُرجَى زَوْلُهُ كالسِّلِّ أو كانَ ضعيفَ الخِلْقَةِ فِعِندَنا وعِندَ
"الشّافعيّ": يُضرَبُ بِعِتْكالِ فِيهِ مِائَةُ شِمراخِ دُفْعَةً، وتقدَّمَ [٤ ق ١/١٤٤] في الأَيمانِ أَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وُصولِ
الكُلِّ إلى بدَنِهِ، ولِذا قيلَ: لا بُدَّ أنْ تكونَ مَبسوطَةً)) اهـ، والعِتْكَالُ والعُنْكُولُ عُنْقُودُ النَّخْلِ.
[١٨٤٣٦] (قولُهُ: لَا قَبَلَهُ أَصْلاً) أي: سَواءٌ كانَ حَدُّها الجَلْدَ أو الرَّجْمَ؛ كَيْ لا يُؤدِّيَ إلى
هَلاكِ الوَلَدِ؛ لأَنَّهُ نَفْسٌ مُحَتَرَمَةٌ لا جريَمَةَ مِنْهُ، "فتح"(٨).
[١٨٤٣٧) (قولُهُ: إلَّ إذا لم يَكُنْ إلخ) هذهِ روايَةٌ عن "الإِمامِ " اقْتَصَرَ عَلَيها صاحِبُ "المُختَارِ"(٩)،
(١) "البحر": كتاب الحدود ١١/٥ بتصرف، وعزا استثناء اليأس من البرء إلى "الظهيرية".
(٢) في "ب": ((رضعها)) بالراء، وهو تحريف.
(٣) في النسخ جميعها: ((لاعتبار))، وما أثبتناه من "الدر المنتقى"، وهو الأَوْلى.
(٤) في "ب" و"م": ((أو)).
(٥) صـ ٢٥٧ - "در".
(٦) "تبين الحقائق": كتاب السرقة - باب قطع الطريق ٢٤٠/٣ بتصرف.
(٧) المقولة [١٩١٤٣] قوله: ((ثُمَّ نَقَلَ)).
(٨) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٩/٥ بتصرف.
(٩) انظر "الإختيار": كتاب الحدود - فصل في بيان حدِّ الزنى ٨٤/٤.

الجزء الثاني عشر
٥٣
کتاب الحدود
فحتّى يَستغنيَ، ولو ادَّعَتِ الحبلَ يُرِيها النّساءَ، فإن قلنَ: نعم
قالَ في "البَحرِ"(١): ((وظاهِرُهُ أَنَّها هِيَ الَذهَبُ))، وفي "النَّهْرِ"(٢): ((وَلَعَمْري إنَّها مِنَ الْحُسْنِ
بمكانٍ)) اهـ، وفي حَديثِ "الغامِديَّة: ((أَنَّهُ ﴿َ رِجَمَها بعدَمَا فِطَمَّتْهُ)(٣)، وفِي حَديثٍ آخَرَ:
(قالَ: لا نَرجُمُها وندَعُ ولَدَها صَغيراً ليسَ لَهُ مَنْ يُرِضِعُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنصارِ: إليَّ رَضاعُهُ،
فَرَجَمَها))، قالَ في "الفَنْحِ"(٤): ((وهذا يَقْتَضي أنَّ الرَّجْمَ عِندَ الوَضْعِ بخِلافِ الأَوَّلِ، والطّريقانِ في
"(مُسلِمِ"، وهذا أصَحُّ طَريقً إلخ)).
[ ١٨٤٣٨] (قولُهُ: فخَتَّى يَستغنيَ) عِبَارَةُ "الفَتَحِ"(٤): ((حَتَّى تفطِمَهُ)).
(١) "البحر": كتاب الحدود ١٢/٥ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠١/ب.
(٣) أخرجه مسلم (١٦٩٥) في الحدود - باب مَن اعترفَ على نفسه بالزِّنى، وأبو دواد (٤٤٤٢) في الحدود - باب المرأةِ
التي أُمرَ النّبيُّ برجِمِها من جُهَينة، والنّسائيُّ في "الكبرى" (١١٦٧) في الرجم - بابُ المسألةِ عن عقلِ المعترفِ
بالزِّنى مختصراً، و(٧١٩٧) بابُ الحفرةِ للمرأة إلى تُندُوتها، و(٧٢٠٢) باب إلى أين يحفر للرجل ، وأحمد
٣٤٧/٥ - ٣٤٨، والدراميُّ (٢٣٢٥) في الحدود - باب الحفرِ لِمَن يُرادِ رَجْمه مختصراً، و(٢٣٢٩) باب الحاملِ إذا
اعترفتْ بالزِّنى، والبيهقيُّ ٢٢١/٨ في الحدود - باب في حفرِ المرجومِ والمرجومةِ، و٢٢٩/٨ باب الحبلى لا تُرجم
حتّى تضعَ، من طرق عن بشير بن المهاجر، حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة بن الحُصيب ◌َظُه، وفيه قصةُ
ماعزٍ والغامديَّة بالرواية الأولى ((فلمَّا فَطمَته أتْهُ بالصبيِّ في يده كسرةُ خُبزٍ ... )) وبشير: ليس به بأس، قال
البخاري: يخالف في بعض حديثه ولذلك رجحّ في الفتح الرواية الثانية.
وأخرجه مسلم (١٦٩٥) وأبو دواد (٤٤٣٣) باب رجم ماعزٍ - باختصارٍ شديدٍ -، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (٧١٦٣)
باب كيف الاعترافُ بالزِّنى؟ و(٧١٨٦) نوعٌ آخر من الاعتراف. والدراقطنيُّ ٩١/٣ - ٩٢ في الحدود، والبيهقيُّ
٢١٤/٨ في الحدود - باب ما يستدلُ به على شرائط الإحصان، و ٢٢٦/٨ باب مَن قال: لا يقامُ عليه الحدُّ حتَّى يعترفَ
أربعَ مراتٍ و٢٢٩/٨ باب الحبلى لا تُرجم حتَّى تضعَ، كُلُّهم عن يحيى بن يعلى بن الحارث عن أبيه عن غيلان بن
جامع عن علقمة بن مَرتد عن سليمان بن بُريدة عن أبيه ... فذكرَ الروايةَ الثانية، قال النسائيُّ: هذا صالحُ الإِسناد.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٣٠/٥.

حاشية ابن عابدين
٥٤
کتاب الحدود
حبسَها سنتينِ ثُمَّ رجَمَها، "إختيار"(١)، (وإنْ كانَ الجلدَ فبعدَ النّفاسِ) لأنّه مرضٌ.
(و) شرائطُ (إحصانِ الرَّجْمِ) سبعةٌ: (الحريَّةُ والتِّكْلِيفُ) عقلٌ وبلوٌ (والإِسلامُ ....
[١٨٤٣٩] (قولُهُ: حَبَسَها سنَينِ) أي: إذا تَبَتَ زِناها بالبَِّةِ، كَمَا مَرَّ، "ط) (٢).
مطلَبٌّ: شرائِطُ الإحصان
[١٨٤٤٠) (قولُهُ: وشرائِطُ إحصانِ الرَّجْمِ) الإضافَةُ بيانيّةٌ، أي: الشَّرائِطُ التي هِيَ الإِحصادُ،
فالإِحصانُ هُوَ الأمورُ الَذكورَةُ فهِيَ أجزاؤُهُ، وقَّدَ بالرَّجْمِ؛ لأنَّ إحصانَ القَذْفِ غَيْرُ هذا، كَما
سَيَأْتِي، "فَتْح"(٣) مُلخَّصاً.
[٤١ ١٨٤] (قولُهُ: عَقَلٌ وبٌلوٌ) بدَلٌ مِنْ قَولِهِ: ((والتَّكليفُ)) وبَيَانٌ لَهُ، وَاعْتُرِضَ بأنَّ التَّكليفَ
شَرطٌ لكَونِ الفِعْلِ زِنِىَّ؛ لأنَّ فِعلَ الصَّبِيِّ والمجنونِ ليسَ بزِنِىٌ أَصْلاً، وأجابَ في "البَحرِ"(٤): ((بأَنَّهُ
إِنَّمَا جِعَلَهُ شرْطَ الإِحصانِ؛ لأجْلٍ قَولِهِ: ((وكَونُهُما بصِفَةِ الإحصانِ)) هـ، يَعني: أَنَّهُ شَرْطٌ باعتبارٍ
أنَّ الرَّانِيَ لو كانَ رَجُلاً مَثَلاً فَلا يُرجَمُ إلَّ إذا كانَ قَدْ وَطِئَ زَوجَةً لَهُ مُكلَّةً، فَكُونُها مُكلَّفَةً شَرطٌ
في كَونِهِ مُحصَّناً، لا في كَونِ فِعِلِهِ الذي فعَلَهُ مِعَ الأَجَنَّةِ زِنِىَّ، ولذا يُحلَدُ بهِ إذا لم تكُنْ زَوجَتُهُ
مُكلَّغَةً ولا يُرجَمُ لعدَمِ إحصائِهِ.
[١٨٤٤٢] (قولُهُ: والإِسلامُ) لحَديثِ: (مَنْ أَشرَكَ باللهِ فَيْسَ بُمُحصَنِ(٥)، وَرَحْمُهُ مَّ
١٤٨/٣
(١) "الإختيار": كتاب الحدود - فصل في بيان حدِّ الزَّاني ٨٨/٤.
(٢) "ط": كتاب الحدود ٣٩٣/٢ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٢/٥ -٢٣.
(٤) "البحر": كتاب الحدود ١١/٥.
(٥) أخرجه الدَّراقُطنيّ ١٤٦/٣ - ١٤٧ في الحدود والدِّيات، وابن عدي في "الكامل" ١٦٩/١، والبيهقي ٢١٦/٨ في
الحدود - باب من قال من أشركَ بالله فليس بِمحصنٍ، كُلُّهم من طريق أحمد بن أبي نافع عن عفيف بن سالم عن
الثّوريّ عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عُمرَ مرفوعاً قال: ((لا يُحصِّنُ أهلُ الشرك بالله شيئاً))، قال البيهقيُّ:
وهو مُنكرٌ من حديث الثوريِّ. قال الدَّارِقُطنيّ: وَهِمَ عَفيف في رفعهِ والصوابُ موقوفٌ من قول ابن عُمرَ =

الجزء الثاني عشر
٥٥
کتاب الحدود
والوطءُ) وكونُهُ (بنكاحٍ صحيحٍ)
اليهودِيَّينِ(١) إِنَّمَا كانَ بُحُكمِ الّوراةِ قبلَ نُزولِ آيَةِ الرَّجْمٍ، ثُمَّ نُسِخَ، "بَحْر "(٢)، وَتَحقيقُهُ فِي
"الفَتْحِ"(٣)، وخاَلَفَ في هذا الشَّرطِ "أبو يوسُفَ" و"الشَّافِعِيُّ".
(٤٣ ١٨٤] (قولُهُ: وَالوَطْءُ) أي: الإيلاجُ وإنْ لم يُنزِلْ، كَما في "الفَتحِ" (٤) وغَيْرِهِ.
[١٨٤٤٤] (قولُهُ: وكَوْنُهُ بنكاحٍ صَحيحٍ) خرَجَ الفاسِدُ كالنِّكَاحِ بِغَيْرِ شُهودٍ فَلا يكونُ بِهِ
= واعترضه ابن القطّان كما في "نصب الراية" ٣٢٧/٣ بأنَّ عَفيفاً ثقةٌ، ومالَ إلى قول ابن عدي أنَّ الوَاهِم فيه أحمد
بن أبي نافع الموصليِّ، فقد قال فيه أبو يعلى الموصليِّ: لم يَكُن مَوضِعاً للحديث، وقال ابن عدي: مقاربُ
الحديث، ليست أحاديثُه بالمنكرة جداً، وهذا الحديثُ غيرُ محفوظٍ.
ثم أخرجه الدَّارِقُطنيّ، والبيهقي من طريق وكيع وأبي أحمد الزُّبيريِّ عن سفيان الثوريِّ، به موقوفاً.
وأخرجه البيهقي من طريق جُويرية عن نافع به موقوفاً، ثمَّ قال: هكذا رواه أصحابُ نافع عن نافع.
وأخرجه هو والدَّارِقُطنيّ من طريق إسحاق بن راهويه، وهو في "مسنده" كما في "نصب الراية" في الحدود -
الحديثُ الثامن عشر، قال إسحاق: أخبرنا عبد العزيز بن مُحمَّد الدَّرَاورْديّ عن عبيد الله عن نافع عن ابن
عمرَ مرفوعاً: ((مَن أشركَ بالله فليس بِمُحصَن))، قال إسحاق: رفعَه مرةً عن النَّبِيِّنَ﴿ٌ، ووَقَفَه مرةً. قال
الدَّارِ قُطنيّ: لَم يرفعه غيرُ إسحاق، ويقال: إنَّه رجعَ عنه، والصوابُ موقوفٌ اهـ. وظاهرٌ أنَّ إسحاقَ نَسبَ
التّردُّد فيه لعبدِ العزيز والله أعلم.
(١) هذا الحديثُ مرويّ من طُرق عن ابن عمرَ، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله والبَراء بن عازب، وجابر بن سَمُرة،
وغيرهم أمَّا عن ابن عمرَ فرواه نافع وسالم وعبد الله بن دينار وزيد بن أسلم ويحيى بن وَتَّاب وغيرهم عن ابن عمرَ.
أخرجه مالك في "الموطأ" (٥١٢) في الحدود - باب ماجاء في الرجم، ومن طريقه البخاريُّ (٦٨٤١) في الحدود - باب أحكامِ
أهل الذَمَة وإحصانهم، ومسلم (١٦٩٩) في الحدود - باب رجم اليهود من أهل الذّمَة في الزِّنا، وأبو دواد (٤٤٤٦) في
الحدود - باب من رجم اليهوديين، والترمذيُّ (١٤٣٦) في الحدود - باب ما جاء في رجم أهل الكتاب، والنسائيُّ في
"الكبرى" في الرجم كما في "التحفة" ٢٠٧/٦، وأحمد ١٧/٢، ٧٦، وابن حبَّان في "صحيحه" (٤٤٣٤)في الرجم، وغيرهم.
وكذلك رواه أيوب وعبيد الله وموسى بن عقبة وعبد الكريم الجَزَريِّ وابن أبي ليلى بنحو رواية مالك عن نافع،
به، وبعضھم يختصره.
(٢) "البحر": كتاب الحدود ١١/٥.
(٣) انظر "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٤/٥.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٥/٥.

حاشية ابن عابدين
٥٦
کتاب الحدود
حالَ الدخول (و) كونهُما (بصفةِ الإحصانِ) المذكورةِ وقتَ الوطءِ، فإحصانُ كلٍّ منهما
مُحصَناً، "ط)"(١)، ويَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ ((اتّفاقاً))، لِمَا سَيَذْكُرُهُ(٢) "المُصنّفُ " قُبِيلَ حَدِّ الشُّربِ: ((أَنَّهُ لو
كانَ بلا وَلِيٍّ لا يَكونُ مُحصَناً عِندَ النَّانِي))، تأمَّل.
[١٨٤٤٥] (قولُهُ: حالَ الدُّخولِ) مُتعلّقٌ بقَولِهِ: (صَحِيحٍ))، قالَ في "الفَتَحِ"(٣): ((يَعني: تكونُ
الصِّحَّةُ قَائِمَةً حالَ الدُّخولِ، حَتَّى لو تزوَّجَ مَنْ علَّقَ طلاقَها بَتَزَوُّجِها يكونُ النِّكَاحُ صَحيحاً، فلو
دخَلَ [٤/ق١٤٤ /ب] بها عَقِبه (٤) لا يَصيرُ مُحصَناً لوقوعِ الطَّلاقِ قَبَلَهُ) اهـ، وتِبِعَهُ في "النَّهِ"(٥).
قُلْتُ: وَمُقْتَضاهُ أَنَّ الوَطْءَ حصَلَ في نكاحٍ، لَكِنَّهُ غَيرُ صَحِيحٍ، معَ أنَّهُ لم يَحصُلْ في النِّكَاحِ
أصْلاً، فالأَولى أنْ يكونَ احتِرازاً عمَّ لو وطِئَ في نكاحٍ مَوقوفٍ على الإجازَةِ ثُمَّ أجازَت المرأةُ
العَقْدَ، أو وَلِيُّ الصَّغِيرَةِ فلا يَكونُ بهذا الوَطْءِ مُحصَناً وَإنْ كانَ العَقدُ صَحِيحً؛ لأَنَّهُ وَطْءٌ فِي عَقْدٍ
لم يصِحَّ إلَّ بعدَهُ، لا في حالَةِ الوَطْءِ، تأمَّل.
/١٨٤٤٦] (قولُ: وَكُونُهُما) أي: الرَّوجَينِ المفهومَينِ مِنْ قَولِهِ: ((والوَطْءُ بنكاحٍ صَحِيحٍ))،
وفي هذا الحَلِّ إصلاحٌ لعِبَارَةِ الَتنِ، فإِنَّها لا تُفيدُ اشِرَاطَ إحْصانِ كُلِّ مِنْهُما لإحصانِ الآخَرِ، وفيهِ
خِلافُ "الشَّافِعِيِّ".
(قولُهُ: وينبغي أنْ يزيدَ ((اتفاقاً)) إلخ) لو زادَه لا يستقيمُ كلامُه إلا على قولِ "أبي يوسف"،
والظَّاهرُ اعتمادُ غيرِهِ، فلا فائدةَ في الزِّيادةِ إلا أنْ يقالَ: إنَّ قولَهُ هو المعتمدُ، أو لا خلافَ في المسألةِ،
وإِنَّا نُسبت له؛ لأَّهِ الرَّاوي لها، فحينئذٍ يستقيمُ زيادةُ هذا القيدِ.
(قولُهُ: قلتُ: ومقتضاهُ أنَّ الوطءَ حصلَ في نكاح إلخ) قد يقالُ: إن السَّالبَةَ تَصدقُ بنفىِ الموضوعِ، فيصحُّ
(١) "ط": كتاب الحدود ٣٩٣/٢ بتصرف.
(٢) صـ ١٢٠ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٣/٥.
(٤) في "٢" و"ب" و"م": ((عَقِيبه))، وما أثبتناه مِن "الأصل"، قالَ في "المصباح" مادة ((عَقِب)): ((فقولُ الفقهاء:
- ((يفعلُ ذلك عَقِيبَ الصلاة)) ونحوَهُ بالياء - لا وَجْهَ له إلا على تقديرٍ محذوف، والمعنى: في وقتٍ عَقِيبِ وقتِ
الصلاةِ، فيكونُ ((عَقِيبٍ)) صفة ((وقتٍ))، ثمَّ حُذِفَ من الكلام حتى صار عَقِيبَ الصلاة)).
(٥) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠١/أ.

الجزء الثاني عشر
٥٧
کتاب الحدود
شرطٌ لصيرورةِ الآخَر محصناً(١)، فلو نكحَ أمةً أو الحرةُ عبداً فلا إحصانَ إلا أنْ
يطأَها بعد العتقِ فيحصلُ الإِحصانُ به لا بما قبلَه،
قُلتُ: وَقَدْ يَكونُ أحَدُهُما مُحصَناً دونَ الآخَرِ، كَما لو خَلا بها وأَقَرَّ بأَنَّهُ وطِئَها أو بأنّها
كانَتْ مُسِلِمَةً وَأَنْكَرَتْ فإذا زَنَى يُرجَمُ؛ لأَنَّهُ مُحصَنٌ بإقرارِهِ، كَمَا سَيَأْتِي(٢) قُبَيلَ حَدِّ الشُّرِبِ.
[١٨٤٤٧] (قولُهُ: فلو نكَحَ أمَةً إلخ) تفريعٌ على الشَّرِطِ الأخيرِ، أي: لو نكَجَ الحُرُّ أَمَةً أو العَبدُ
حُرَّةً ووَطِئَها لم يَكُنْ واحِدٌ مِنْهُما مُحصَنَاً، إلاَّ أنْ يطَأَّها بعدَ العِتَقِ فِي الصُّورَتَينِ فَحِينَئِذٍ يحصُلُ
لِكُلِّ مِنْهُما الإِحصانُ بهذا الوَطْءِ؛ لأَّصافِ كُلِّ مِنْهُما بصفَةِ الإِحصانِ وقَتَهُ، حَتَّى لو زَنَى
أحَدُهُما بعدَ هذا الوَطْءِ يُرجَمُ، بخِلافِ الوَطْءِ الحاصِلِ قبلَ العِقِ، وَكَذَا لَوْ دخَلَ الحُرُّ المكلَّفُ
الْمُسلِمُ بمنكوحَتِهِ الكَافِرَةِ أو المجنونَةِ أو الصَّغِيرَةِ لم يَكُنْ أحَدُهُمَا مُحصَناً، إلاَّ أنْ يطَأَها ثانياً بعدَ
إسلامِها أو إفاقَتِها أو بُلوغِها، وكذا لو كانَ الزَّوجُ صَبِيّاً أو مَجنوناً أو كافِراً وهِيَ حُرَّةٌ مُكلَّفَةٌ
مُسِمَةٌ، حَتَّى لو دخَلَ بها الزَّوجُ وهُوَ كَذلِكَ ثُمَّ زَنَتْ لا تُرجَمُ؛ لعدَمِ إحصائِها، وصورَةُ كَونِ
زَوجِ الْمُسِلِمَةِ كافِراً كَما في الفَتَحِ(٣): ((أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ، فُسِلِمَ هِيَ فَطَأَها قبلَ عَرْضِ القاضي
الإِسلامَ عَلَيهِ وإبائِهِ فإنَّهُمَا زَوجانِ ما لم يُفَرِّق القاضي بِينَهُما بإبائِهِ)) اهـ.
(تَنبِيةٌ)
اشتراطُ إحصانٍ كُلِّ مِنَ الزَّوجَينِ للرَّجْمِ لا يُنافِي قَولَهُمْ : - كَما يَأتِي(٤) قُبيلَ حَدِّ الشُّربِ -
((إذا كانَ أحَدُ الرَّأنَينِ مُحصَناً دونَ الآخَرِ يُرجَمُ المُحصَنُ وَيُحَدُ غَيرُ المُحصَنِ))؛ لأنَّ المرادَ أنَّ الرَّجُلَ
إذا كانَ مُحصَناً الإِحصانَ الَذكورَ بِشُروطِهِ ثُمَّ زَنَى بامرَةٍ فَإِنَّهُ يُرجَمُ، ثُمَّ المَرَأَةُ الَزْنِيُّ بِها إذا كانَتْ
مُحصَنَةً مِثْلَهُ تُرجَمُ أَيضاً وإلاَّ فُتُحَدُ، وَكَذَا الَرَةُ إذا كانَتْ مُحصَنَةَ الإِحصانَ المذكورَ ثُمَّزنَتْ بِرَجُلٍ.
أنْ يقالَ في صورةٍ "الفتح": إنَّه لم يوجدِ النّكاحُ الصحيحُ؛ لعدمِ وجودِ أصلِ النكاحِ، كما أنَّه في صورةٍ
"المحشِّي" لم يوجد؛ لعدمٍ وجودِ الصِّحةِ، تأمَّل.
(١) في "د" و"و": ((لصيرورة الآخر به محصناً)) بزيادة ((به)).
(٢) صـ ١٢٠ - "در".
(٣) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٤/٥.
(٤) صـ ١٢٠ - "در".

حاشية ابن عابدين
٥٨
كتاب الحدود
حتى لو زنى ذميٌّ بمسلمةٍ ثُمَّ أسلمَ لا يُرجمُ بل يُجلدُ، وبقيَ شرطٌ آخرُ ذكرُهُ "ابنُ
كمال"، وهو: أنْ لا يبطلَ إحصائهُما بالارتدادِ، فلو ارتدَّا ثُمَّ أسلما لم يَعُد ......
[١٨٤٤٨) (قولُهُ: حَتَّى لو زَنَى ذِمِّيٌّ بُمُسلِمَةٍ إلخ) أطلَقَ الذّمِّيَّ فشَمِلَ ما لو كانَ لَهُ زَوجَةٌ
دخَلَ بِها أو لا، وكَونُ المَرْنِيِّ بِها مُسلِمَةً [٤/ق١/١٤٥] غَيرُ قَيْدٍ، وإِنَّمَا لَم يُرجَمْ لعدَمِ إحصائِهِ؛
الكَونِهِ غَيرَ مُسلِمٍ وَقْتَ الفِعلِ وإِنْ صارَ مُحصَناً بعدَ إسلامِهِ، كَما يُفهَمُ مِنَ الإِطلاقِ، فَيُفيدُ أَنَّهُ
لا بُدَّ في الرَّجْمِ مِنْ كَونِهِ مُسلِماً وَقْتَ الرِّنَى، وَكَذا الْحُرِّيّةُ، حَتَّى لو أسلَمَ أو أُعْتِقَ بعدَ الرِّنى ثمَّ
صارَ مُحصَناً لا يُرجَمُ، بلْ يُحَلَدُ، فالمرادُ بهذا التَّفْرِيعِ بَيَانُ هَذِهِ الفَائِدَةِ معَ تأويلِ ما وقَعَ فِي "فَنَاوَى
قارِئ الهدايَةِ"(١)، كَما أفادَهُ في "النَّهِ"(٢)؛ حَيثُ قالَ بعدَ تَقريرِ شرائِطِ الإِحْصانِ: ((وهذا يقتضي
أنَّ الذِّمِّيَّ لو زَنَى بُسِلِمَةٍ ثُمَّ أَسَلَمَ لا يُرجَمُّ، ولا يُعارِضُهُ ما في "فَنَاوَى قارِئِ الهِدَايَةِ"(٣): مِنْ أَنَّهُ
لو زَنَى أو سرَقَ ثُمَّ أسلَمَ إِنْ ثَبَتَ ذلِكَ بإقرارِهِ أو بشهادَةِ الْمُسلِمِينَ لا يُدرَّأُ عَنْهُ الَحَدُّ، وإنْ بشهادَةِ
أهْلِ الدّمَّةِ لا يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ؛ لأَنَّهُ أرادَ بالحَدِّ مُنا الجَنْدَ)) اهـ.
[١٨٤٤٩) (قولُهُ: فلو ارتَدًّا ثُمّ أسلَما إلخ) عَزاهُ "ابنُ الكَمالِ" إلى "شَرْحِ الطَّحاويّ"، ومِثْلُهُ فِي
"الغَنَحِ"(٤)، وقَّدَ بارِدادِهِما مَعاً في "الفَتْحِ"(٤) أي: لَيَعودَ النّكاحُ بِعَودِهِما إلى الإسلامِ بلا تحديدِ
عَقْدٍ آخَرَ، بقِيَ لو ارتَدَّ أحَدُهُما فِي "النَّهِ" (٥): ((وعَنْ "مُحَمَّدٍ": لو لحِقَت الزَّوجَةُ بدارِ الحَربِ
(قولُهُ: بقي لو ارتدَّ أحدُهما إلخ) في "السنديِّ" عن "الهنديَّةِ": ((وإذا ارتدَّ بعدَ وجوبِ الحدِّ ثمَّ أسلمَ
يُحَلَدُ ولا يُرجَمُ، وكذا لا يُجْلَدُ إذا كانَ الواجبُ هو الجلدَ، كذا في "العتابيَّةِ"، فرِدَّةُ كلٍّ منهما معاً، أو ردَّةُ
أحدِهما تُبطِلُ إحصانَه، ثمَّ لا يعودُ إلا بتحديدِ عقدٍ وتحديدِ وطءٍ بعدَ الإِسلامِ فيما لو وقعَ الارتدادُ مرتباً،
أو بتجديدِ وطءٍ فقط لو أسلما معاً بعد ارتدادِهما)) اهـ.
(١) "فتاوى قارئ الهداية": مسألةٌ في دَرْءِ الحدِّ عن الذِّمّي إذا أسلم صـ ١٠٧ - ١٠٨ -.
(٢) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠١/أ.
(٣) "فتاوى قارئ الهداية": مسألة في دَرْءِ الحدِّ عن الذِّمَي إذا أسلم ضـ ١٠٧ - ١٠٨ -.
(٤) "الفتح": كتاب الحدود - فصل في كيفية إقامة الحدِّ ٢٣/٥.
(٥) "النهر": كتاب الحدود ق ٣٠١/أ.