النص المفهرس

صفحات 641-660

الجزء الحادي عشر
٦٣٩ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
لم يحنَث، "بحر"(١). (الشهرُ وما فوقَه) ولو إلى الموتِ (بَعِيدٌ، وما دونَه قريبٌ)،
فُيُعْتَبَرُ ذلك في: ليقضِيَنَّ دينَه أو لا يكلِّمُهُ إلى بعيدٍ أو إلى قريبٍ، (و) لفظُ (العاجلِ
والسريعِ كالقريبِ، والآجلِ كالبعيدِ) وهذا بلا نَيَّةٍ، (وإن نوى) بقريبٍ أو بعيدٍ
(مدَّةً) معيَّنةً (فيهما فعلى ما نَوَى) ويُدَيَّنُ فيما فيه تخفيفٌ عليه، "بحر". (حلَفَ
لا يكلِّمُه مليّاً أو طويلاً إنْ نَوَى شيئاً فذاك، وإلا فعلى شهرٍ ويومٍ)،.
(١٨٢٠٣) (قولُهُ: لم يحنَث)؛ لأنَّ اللُّقِيَّ الَّذِي رَّبَ عليهِ الضَّرَبَ، لا يَكُونُ إلَّ في [٤ / ق ١٢٦/أ)
مكان يُمكِنُ فِيهِ الضَّرِبُ، ولِذَا قَالُوا: لو لَقِيَهُ عَلَى سَطحٍ لا يُحَنَثُ أيضاً.
قُلتُ: وهذا لو كانَت يمِيُهُ على الضَّرِبِ بالْيَدِ، فلو بِسَهِمٍ أو حَجَرِ اعْتُبِرَ مَا يُكِنُ، تأمل.
مطلبٌ: الشَّهِرُ وما فَوقَه بعيدٌ
(١٨٢٠٤) (قولُهُ: فُعتَبرُ ذلكَ إلخ) أي: إذا حَلَفَ (الْيَقْضِيَنَّ دَينَهُ إلى بَعِيدٍ فَقَضَى بعدَ شَهرٍ
أو أكثرَ بَرَّ في يمينِهِ، لا لو قضَاهُ قبلَ شَهرٍ، وفي: ((إلى قريبٍ)) بالعَكسِ.
[١٨٢٠٥] (قولُهُ: فعلى ما نَوَى) حَتَّى لو نَوى بالقريبِ سنةً أو أكثرَ صحَّت نَيَّنُهُ، وكَذا إلى
آخرِ الدُّنْيَا؛ لأَنَّها قَرِيبٌ بالنسبةِ إلى الآخِرَةِ، "فتح"(٢).
[١٨٢٠٦) (قولُهُ: ويُدَيَّنُ فيما فيهِ تخفيفٌ عليهِ) هذا ذكرَهُ في "البحر"(٣) بحثاً، وكَذا في
"الَّهر"(٤)، ويأتِي(٥) ما يُؤَيِّدُهُ.
(قولُ "الشَّارِحِ": وإنْ نوى بقريبٍ إلخ) الظَّاهرُ أنَّ العاجلَ والسَّرِيعَ والآجلَ كذلك. اهـ "سندي".
(١) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٥/٤.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٤/٤ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٦/٤ بتصرف، نقلاً عن "الفتح"
و "الولوالجية" و"الظهيرية".
(٤) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٦/ب.
(٥) المقولة [١٨٢٠٨] قوله: ((وفي "النهر" عن "السراج" إلخ)).

٦٤٠ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
حاشية ابن عابدين
كذا في "البحر" عن "الظهيرية"، وفي "النّهر" عن "السِّراج": على شهرٍ. وكذا كذا يوماً:
[١٨٢٠٧) (قولُهُ: كَذا في "البحر"(١) عن "الظَّهِيرِيَّةِ"(٢) ومثلُهُ في "الخانَيَّةِ"(٣).
[١٨٢٠٨] (قولُهُ: وفي "النَّهر" عن "السِّراج " إلخ) ذكَرَ ذلكَ في "النّهر" عندَ قَولِ "الكنز ":
((الحينُ والزمانُ ومُنَكَّرُهُما ستَةُ أشهُرٍ))؛ حيثُ قالَ(٤): ((وفي "السِّراج": لا أكلِّمُهُ مَلًِّ فهذا على
شَهرِ(٥)، إلاَّ أنْ يَنويَ غيرَ ذلكَ، ولو قالَ: لأهجُرَنَّكَ مَلًِّ فهو على شَهرِ فصَاعِدً، وإنْ نَوى أقلَّ
مِن ذلكَ لم يُدَّيَّنْ في القضاءِ)) اهـ، فافهم. وفي بعضِ نُسخِ "النّهر"(٥): ((فهو على ستة أشهرٍ)) في
الموضعينِ، وما نقلَهُ الشَّارحُ موافِقٌ للنّسخةِ الأولى، وعبارةُ "النَّهر "(٦) هنا: ((وقياسُ ما مَرَّ أنْ يكونَ
على شهرِ أيضاً))، أي: قياسُ ما ذكروهُ(٧) في البعيدِ والآجلِ، فإِنَّ ((مَلِّاً وطويلاً)) في معناهُما،
وكأنَّ صَاحِبَ "النّهر" نَسِيَ ما قدَّمَهُ عن "السِّراج"، بدليلِ عدولِهِ إلى القياسِ، وإلاَّ فكانَ المناسِبُ أنْ
يقولَ: ((وقدَّمَنَا عن "السِّراج" أَنَّه يكونُ على شهرِ أيضاً))، إلاَّ أنْ تكونَ النُّسخةُ ((ستةِ أشهرٍ))،
هذا وقولُ "السِّراج" : - ((لم يُدَيَّنْ في القضاءِ)) - يُؤَيِّدُ بحثَ "البحر" المارّ(٨) آنفاً، تأمَّل.
(تنبيه)
في "الْغْرِبِ" (٩): ((الَلِيُّ مِن النّهارِ: السَّعةُ الطَِّيلَةُ، وعَن "أبِي عَلِيِّ الفَارِسيِّ" (١٠): الَلِيُّ:
(١) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٦/٤.
(٢) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثاني - الفصل الثامن في الكلام ق ١٣٧/أ.
(٣) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الكلام والقراءة ١٠٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ق٢٨٩/ب.
(٥) الذي في نسختنا من "النهر": ((ستة أشهر)).
(٦) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٦/ب.
(٧) في "م": ((ذكره)).
(٨) المقولة [١٨٢٠٦] قوله: ((ويُدِيَّنُ فيما فيه تخفيفٌ عليه)).
(٩) "المغرب": مادة ((ملي)) بتصرف.
(١٠) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار الفارسي الأصل، أحد الأئمة الكبار في علم العربيّة (ت٣٧٧ هـ).
("نزهة الألباب" صـ ١٨٧ -، "وفيات الأعيان" ٨٠/٢، "سير أعلام النبلاء" ٣٧٩/١٦).

باب الیمین في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٤١ -
الجزء الحادي عشر
أحدَ عشرَ، وبالواوٍ: أحدٌ وعشرون، وبضعةَ عشرَ: ثلاثةَ عشرَ، (يَبَرُّ في حِلِفِهِ:
ليقضيَنَّ دينَه اليومَ لو قضاه نَبَهْرَجَةً(١)) ما يردُّه التُّجَّارُ (أو زُيُوفاً).
الَّسِعُ، وقيلَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم - ٤٦]: أي: دَهراً طَوِيلاً عَن "الحسن"
و"مُجَاهِد" و"سعيد بن جبير"، والّركيبُ دالٌ عَلَى السَّعَةِ والطُّولِ)) اهـ
قلتُ: يمكِنُ أنْ يكونَ مأخَذُ تركيبِهِ وجهاً لزيادةِ مُدَّتِهِ على البعيدِ والآجلِ، فِلِذا جزَمَ في
"الظَّهِيرِيَّةِ"(٢) و"الخانَّة"(٣) بأنَّهُ شهرٌ ويومٌ، وتبعَهُما "المصنّفُ" ، وأمَّا عَلَى نُسخةِ ((ستة أشهرٍ))
فباعتبارِ أَنَّهُ اسمٌ لزمانٍ طويلٍ، والزَّمانُ ستةُ أشهرٍ، تأمل.
[١٨٢٠٩] (قولُهُ: أحدَ عشرَ)؛ لأَنَّهُ أقلُّ عددٍ مُرَكَّبٍ بدونٍ عَطفٍ، وأمَّا بالعَطفِ نحوُ: كذا
وكذا فأقلُّ عددٍ نظيرُهُ أحدٌ وعشرونَ.
[١٨٢١٠) (قولُهُ: ثلاثةَ عشرَ)؛ لأنَّ الِضعَ بالكسرِ: ما بينَ الثَّلاثةِ إلى العَشَرَةِ، وقيلَ: إلى التّسعِ
كُما في "المصباحِ"(٤)، لكنْ صَرِيحُ ما في الشَّرِحِ أنَّ الثَّلاثَةَ داخِلٌ، وما في "المصباح" يخالفُهُ، تأمل.
مطلبٌ: ليقضينَّ دينَةُ فقضاه نَبَهْرجة أو زيُوفاً أو سَتُّوقة
[١٨٢١١) (قولُهُ: نَبَهْرَجَةَ) هذا غيرُ عربيٍّ، وأصلُهُ: نَبَهْرَه وهُوَ الحَظُّ، أي: حَظُّ هذه الدراهِمِ
مِنَ الفِضَّةِ أَقلُّ، وغِشُّهُ أكثرُ، ولِذا ردَّها النُّحارُ، أي: المُستَقَصِي منهُم، والمسَهِّلُ منهُم يقبلُهَا،
[٤/ق ١٢٦/ب] "نهر "(٥).
[١٨٢١٢) (قولُهُ: أو زُيُوفاً) جَمِعُ زَيْفٍ، أي: كَفَلْسٍ وَقُلُوسٍ، "مِصباح"(٦)، وهِيَ المغشُوشَةُ
(١) في "ط": ((ببهرجة))، وهو تحريف.
(٢) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٢/ب.
(٣) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الكلام والقراءة ١٠٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "المصباح المنير": مادة ((بضع)) بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٦/ب.
(٦) "المصباح المنير": مادة ((زيف)).

حاشية ابن عابدين
٦٤٢
باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
-
ما يردُّه بيتُ المال (أو مستَحَقّةً) للغير، ويعتِقُ المكاتَبُ بدفعِها، (لا) يَبَرُّ (لو قَضَاه
رَصَاصاً أو سَتُّوْقَةَ) وسَطُها غشٌّ؛ لأنّهما ليسا من جنسِ الدَّراهمِ؛.
يتجوَّزُ بها التّجارُ، ويردُّها بيتُ المالِ، ولفظُ ((الزِّيافةِ)) غيرُ عربيٍّ، وإنّا هو مِن استعمالِ الفقهاء،
"هر"(١) و"فتح"(٢) يعني أنَّ فعلَهُ زافَ، وقياسُ مصدرِهِ الزُُّوفُ لا الزِّيافةُ، كَما في "المُغربَ"(٣).
[١٨٢١٣) (قولُهُ: ما يَردُّهُ بيتُ المالِ)؛ لأَنَّهُ لا يَقبَلُ إلَّ ما هُوَ في غايةِ الجودَةِ ، "قُهستانيُ) (٤)
فالنَّهْرَجَةُ غِشُّهَا أكثرُ مِن الزُّيُوفِ، "فتح " (٥).
١٣٢/٣
(١٨٢١٤] (قولُهُ: أو مُسْتَحَقَّةً للغَيرِ) بفَتَحِ الحاءِ، أي: أَتْبَتَ الغَيرُ أَنَّها حقُّهُ، قَالَ في "الفتح "(٥):
((وإذَا بَرَّ في دفعِ هذه المسمِيَّاتِ الثَّلاثةِ، فلو ردَّ الزُُّوفَ أو النّبَهرجَةَ أو استُرِدَت المستحَقّةُ،
لا يرَفِعُ البِرُّ، وإن انتقضَ القبضُ فإنّا ينتقضُ في حقِّ حكمٍ يقبلُ الانتقاضَ، ومثلُهُ لو دفَعَ الْمُكَانَبُ
هذه الأنواعَ، وعَتَقَ فردَّها مولاهُ لا يرتَفِعُ العِقُ)) اهـ.
[١٨٢١٥] (قولُهُ: أو سَتُوقَةَ) بفتحِ السِّينِ المهملةِ وضمِّها وتشديدِ الَّاءِ، "قُهستانِيُ))(٦)، قالَ في
"الفتح"(٧): ((وهِيَ المغشوشَةُ غِشً زائداً، وهِيَ تَعرِيبُ (سَيْ تُوْقة) أي: ثلاثُ طبقاتٍ، طبقتَا
الوجهين فضّةٌ، وما بينَهُما نحاسٌ ونحوُهُ)).
[١٨٢١٦) (قولُهُ: لأَنّهُما إلخ) علٌ لقولِهِ: ((لا يَبَرُّ))، قالَ "الزيلعيُّ)(٨): ((وإنْ كانَ الأكثَرُ
(قولُهُ: وقياسُ مصدرِهِ الزُّيُوف) لعلَّهُ الزَّيف.
(١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٦/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٤/٤ بتصرف.
(٣) "المغرب": مادة ((زيف)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الأيمان - فصل: حلف الفعل ٣٩٩/١
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٤/٤.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الأيمان - فصل: حلف الفعل ٣٩٩/١.
(٧) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٥/٤ بتصرف.
(٨) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١٥٨/٣.

الجزء الحادي عشر
باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٤٣ -
ولذا لو تُحوِّزَ بهما في صَرْفٍ وسَلَمٍ لم يُجُز. ونقلَ "مسكين": أن النَّبَهْرَجةَ إذا
غلبَ غِشُّها لم تُؤْخَذْ، وأمَّا السَُّوقَةُ فَأخْذُها حرامٌ؛ لأَنَّها نحاسٌ، انتهى.
فضَّةً والأقلُّ سَنُوقَةَ لا يحنثُ، وبالعكسِ يحنثُ؛ لأنَّ العبرةَ للغالبِ)).
[١٨٢١٧] (قولُهُ: لم يجزْ)؛ لأَنَّه يَلزمُ الاستبدالُ ببدلهِمَا قبلَ قبضِهِ، وهو غيرُ جائزٍ كَما
عُلِمَ في بابِهِ، "ح"(١).
[١٨٢١٨) (قولُهُ: ونَقَلَ "مسكين") أي: عَن "الرِّسالةِ الْيُوسُفِيَّة(٢)، وهِيَ الَّتي عمِلَهَا "أبو
يُوسُفَ" في مسائِلِ الخراجِ والعُشرِ للرَّشيدِ، ونقلَ العبارةَ أيضاً في "الُغرِب" (٣) عندَ قولِهِ: سَنُّوقةً،
وكذا في "البحر"(٤) و "الَّهر"(٥) عَن "مسكين"(٦)، ولعلَّ المرادَ أنَّ الإِمامَ لا ينبغي لهُ أن يأخذَ
النَبَهْرَجَةَ مِن أهلِ الجزيةِ أو أهلِ الأراضِي، بخلافِ السَّنَّوقِةِ، فَإِنَّهُ يحرِّمُ عليهِ أخذُهَا؛ لأنَّ في ذلكَ
(قولُهُ: بخلافِ السَُّّوقةِ؛ فإنَّه يحرُمُ عليه أخذُها إلخ) قالَ "ط": ((بلا رضاهُ، وعليه أنْ يَتَقِيَ اللهَ تعالى إذا
رضيَ بأخذِها، فلا يعطيها لغيرِهِ بلا بيانِ اهـ "أبو السُّعودِ"، وظاهرُهُ أنَّ أخذَ الزَّيفِ والََّهرَجةِ والمستحَقِّ لا يحرُمُ
ولو بغيرِ رضاهُ، والظَّاهرُ خلافُهُ؛ لأَنّها معيبةٌ أو ملكُ الغيرِ، فالحكمُ واحدٌ؛ إذِ الدَّفعُ بغيرِ بيانِ العيبِ لا شكَّ
في حرمتِهِ)) اهـ. وبسردِ رسالةِ "الخراج" للإمامِ "أبي يوسفَ" لم أجد ما عزاهُ "مسكين" إليها، فليُتَأمَّل فيها.
(١) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ق٢٤٩/أ.
(٢) "الرسالة اليوسفية": هي المعروفة بكتاب "الخراج" للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، صاحب "أبي حنيفة"
(ت ١٨٢ هـ). ("كشف الظنون" ١٤١٥/٢، "الجواهر المضية" ٦١١/٣، "سير أعلام النبلاء" ٥٣٥/٨، "هدية العارفين"
٥٣٦/٢). نقول: ولم نعثر على هذا النقل في كتاب "الخراج"، وقد نَّه عليه "الرافعي" أيضاً.
(٣) "المغرب": مادة ((ستق)).
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٦/٤ بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٦/ب بتصرف.
(٦) "شرح منلا مسكين": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك صـ ١٤٠ -.

٦٤٤ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
حاشية ابن عابدين
وهذه إحدى المسائلِ الخمسِ التي جعلوا الزُّيُوفَ فيها كالجيادِ. (يَبَرُّ) المديونُ (في
حِلِفِهِ) لربِّ الدَّينِ: (لأَقَضِيَنَّ مَلَكَ اليومَ (١)) فجاءَ به فلم يجدْه ودفَعَ للقاضي، ولو في
موضعٍ لا قاضيَ له حنِثَ، بِهِ يفتى، "منية المفتي". وكذا يَرُّ (لو) وجدَهُ فـ (أعطاه فلم
يَقْبُل فَوضَعَه بحيثُ تنالُه يدُه لو أرادَ) قبضَه، (وإلَّ) يكنْ كذلكَ (لا) يَبَرُّ، "ظهيرية"(٢).
وفيها(٣): حَلَفَ لَيَجْهَدَنَّ في قضاءِ ما عليهِ لفلان.
تضييعَ حقٍّ بيتِ المالِ، واللهُ سبحانَهُ أعلمُ.
مطلب: المسائلُ الخمسُ التي جعلوا الزُّيُوف فيها كالجياد
[١٨٢١٩] (قولُهُ: وهذِهِ إحدَى المسائِلِ الخمسِ) الثَّانِيةُ: رَجُلٌ اشْتَرَى داراً بالجَيَادِ، وَنَقَدَ
الزُّيُوفَ أَخَذَ الشَّفيعُ بالجِيَادِ؛ لأَنَّهُ لا يأخذُهَا إلَّبما اشْتَرَى. الثّالثَةُ: الكفيلُ إذا كَفَلَ بالجِيَادِ ونَقَدَ
الزُّيُوفَ يُرجِعُ على المكفولِ عنهُ بالجِيَادِ. الرَّابعةُ: إذَا اشتَرَى شَيئاً بالجَيَادِ، ونَقَدَ البائعَ الزُُّوفَ،
ثُمَّ باعَهُ مُرابِحَةً فإنَّ رأسَ المالِ هو الجِيَادُ. الخامسةُ: إذا كانَ لهُ على آخرَ دراهمُ جَادٌ، فَقَبَضَ
الزُّيُوفَ فَأَنفَقَّهَا، ولم يَعلَمْ إلَّ بعدَ الإنفاقِ لا يرجِعُ عليهِ بالجِيَادِ في قولِ: "أبي حنيفةً" و"محمَّدٍ"
كما لو قبَضَ الجِيَادَ، كذا في "البحر"(٤)، "ح"(٥). [٤/ق ١٢٧/أ]
مطلب: لأَقضینَّ مالَكَ اليوم
[١٨٢٢٠) (قولُهُ: ودَفَعَ للقاضِي) وذَكَرَ "الناطفيُّ" أنَّ القاضِيَ يُنَصِّبُ عَن الغائِبِ وكيلاً،
(قولُهُ: يرجعُ على المكفولِ عنه بالجيادِ) لأنَّ رجوعَهُ بحكمِ الكفالةِ، وحكمُها أَنَّه يملكُ الدَّينَ بالأداء،
فيصيرُ كالطَّلبِ نفسِه فيرجِعُ بنفسِ الدَّينِ، فصارَ كما إذا ملكَ الدَّينَ بالإرثِ بأنْ ماتَ الطَّالبُ والكفيلُ وارثُه.
(١) نقول: في مخطوطة "الظهيرية" التي بين أيدينا: ((إذا قال المديون لرب الدين: والله لأقبضَنَّ مَالَكَ اليومَ فأعطاه إلخ))،
وهو خطأ، والصواب ما أثبته "المصنف" ((لأقضينَّ)).
(٢) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٣/أ بتصرف،
نقلاً عن "النوازل".
(٣) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٣/أ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٧/٤.
(٥) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٤٩/أ.

باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٤٥ -
الجزء الحادي عشر
باعَ ما للقاضي بيعُهُ لو رُفِعَ الأمرُ إليهِ، (وكذا بَيَرُّ بالبيعِ)
وقيلَ: إذا غابَ الطَّالبُ لا يحنَثُ الحالِفُ وإِنْ لم يدفَعْ إلى القاضِي ولا إلى الوكيلِ، وفي بعضِ
الرِّواياتِ: يحنَثُ وإِنْ دَفَعَ للقاضِي، والمختارُ الأوَّلُ، "خانَّةً"(١).
قلتُ: وهذهِ إحدَى المسائِلِ الخمسِ، الَّتي يجوزُ فيها القضاءُ على المُسَخَّرِ، وذكَرَهَا "ط)" (٢)،
وسيذكُرُها (٣) الشَّارِحُ في كتابِ القضاءِ.
(١٨٢٢١) (قولُهُ: باعَ ما للقاضِي بيعُهُ إلخ) أي: لا يَرُّ بَيَمِينِهِ إلاّ إذا باعَ ما يبعُهُ القاضِي عليهِ إذا
امتَعَ مِن البيعِ بنفسِهِ، وذلكَ كَما في "الجوهرة(٤) وغيرِها: أنَّه يُبَاعُ في الدَّينِ العُرُوضُ أوَّلاً ثُمَّ العَقَارُ،
ويُتْرَكُ لهُ دَسْتٌ مِن ثيابِ بدِنِهِ، وإنْ أمكنَهُ الاجتزاءُ بدونِهَا باعَهَا واشتَرَى مِن ثمنِهَا ثَوباً يَلْبَسُهُ؟
لأنَّ قضاءَ الدَّينِ فرضٌ مُقدَّمٌ على التَّحمُّلِ، وكذا لو كانَ لهُ مسكَنٌ يمكنُهُ أنْ يُجَتْزِئَّ بدونِهِ ويشترِيَ
مِن ثَمِنِهِ مَسكناً يبيتُ فيهِ، وقيلَ: يُبَاعُ ما لا يحتاجُ إليهِ في الحالِ قُتُبَاعُ الْجَبَّةُ وَاللَّبْدُ والنّطْعُ في الشِّنَاءِ.
(١٨٢٢٢) (قولُهُ: وكذا يَرُّ بالبيعِ) أي: وإنْ لم يَقْبِضْ؛ لأنَّ البِرَّ وقضاءَ الدَّينِ يحصَلُ بمجردٍ
البيعِ، حَتّى لو هلَكَ المبيعُ قبلَ قبضِهِ انفسخَ البيعُ، وعادَ الدِّينُ، ولا ينتقِضُ البِرُّ في اليمينِ، وإنَّا نصَّ
(قولُهُ: وقيلَ: يُباعُ ما لا يُحتاج إليه في الحالِ إلخ) عبارتُهُ في الحَجْرِ: ((قالوا: يبيعُ ما لا يَحتاجُ
إليه في الحالِ كاللَّدِ في الصَّيفِ والنّطْعِ في الشِّنَاءِ)) اهـ. وهذه العبارةُ لا تُفيدُ الضَّعفَ، بخلافِ عبارتِهِ
هنا، والنّطْعُ: البساطُ من الجلدِ كما في "القاموسِ".
(قولُهُ: أي: وإنْ لم يقبِضْ إلخ) قد يقالُ: حيثُ نصَّ "محمَّدٌ" على القبضِ يُعتبرُ ذلكَ قِيداً وإنْ
كانَ ما ذكرَهُ في "الفتحِ" ظاهرَ الوجهِ، لكنَّ اللازمَ اتباعُ المنقولِ، والأصلُ في القيودِ أَنَّها للاحترازِ، وكذا
يُقالُ في مسألةِ الّزوُّجِ، وإنَّما شرَطَهُ لتحقُّقِ المماثلةِ بينَ الدَّينِينِ، ولا تحصُلُ المقاصَّةُ إلا إذا تماثلا.
(١) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في اليمين المؤقتة ٢٨/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٨٤/٢ بتصرف.
(٣) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٣٩٥] قوله: ((والمعتمد إلخ)).
(٤) لم نعثر عليها في مطبوعة "الجوهرة " التي بين أيدينا.

حاشية ابن عابدين
٦٤٦ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
ونحوِهِ ثَمّا تحصُلُ (١) المقاصَّةُ فيه.
"(محمَّدٌ" على القبضِ ليتقرَّرَ الدَّينُ على رَبِّ الدَّينِ؛ لاحتمالِ سقوطِ الثَّمنِ بهلاكِ المبيعِ قبلَ قبضِهِ،
ولو كانَ البيعُ فاسداً وقبضَهُ، فإنْ كانَت قيمتُهُ تفِي بالدَّينِ، وإلاَّ حِنِثَ؛ لأَنَّهُ مَضمونٌ بالقيمةِ،
"فتح "(٢)، قالَ في "البحر"(٣): ((وشَمِلَ ما إذا كانَ المبيعُ مملوكاً لغيرِ الحالفِ، ولذا (٤) قالَ في
"الظَّهِبرِيَّةِ "(٥): إنَّ ثمنَ المستحَقِّ مملوكٌ مِلكاً فاسدًاً، فمَلَكَ المديونُ ما في ذمَّتِهِ)).
(١٨٢٢٣) (قولُهُ: ونحوِهِ إلخ) كَما لو تزَوَّجَ الطَّالبُ أمةَ المطلوبِ ودخَلَ بِهَا، أو وجَبَ عليهِ
دَيْنٌ بالاستهلاكِ أو بالجنايةِ يَبَرُّ أيضاً، "نهر "(٦)، والظَّاهرُ أنَّ الَّقبيدَ بالدُّخولِ اتّفاقِيٌّ، واحتمالُ
سقوطِ نصفِ المهرِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ لا يَنقضُ البِرَّ، كاحتمالِ هلاكِ المبيعِ قبلَ قبضِهِ كَما
مَرَّ(٧)، ويؤيِّدُهُ ما في "الظَّهِبرِيَّة"(٨): ((حَفَ لا يفارقُهَا حَتَّى يستوفيَ حقَّهُ منها، فتزوَّجَها على مَا لَهُ
عليها فهو استيفاءٌ))، وفيها: (٩) ((حَلَفَ لا يقبضُ دينَه مِن غريِهِ اليومَ، واستهلَكَ شيئاً مِن مالِهِ
اليومَ، فلو مثليًّ لا يحنَثُ؛ لأنَّ الواجبَ مثلُهُ لا قيمتُهُ، ولو قِيْمِيّاً وقيمتُهُ مثلُ الدَّينِ أو أكثرُ حَنِثَ؛
لأَنَّه صارَ قابِضاً بطريقِ المُقَاصَّةِ، وهذا إن استهلكَهُ بعدَ غصِهِ؛ لأَنَّهُ وُجِدَ القبضُ الموجِبُ للضَّمانِ،
(قولُهُ: فلو مثلياً لا يحنثُ إلخ) عدمُ الحنثِ إِنَّما يظهرُ فيما إذا كانَ المثليُّ المستهَلَكُ ليسَ من جنسِ
الدَّينِ، وإلَّ فلو كانَ الدَّينُ بُرًَّ مثلاً والمستهلَكُ كذلك يظهرُ الحنثُ.
(١) في "و": ((يحصل)).
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٥/٤ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٧/٤.
(٤) من قوله: ((قال في البحر)) إلى: ((الحالف ولذا)) ساقط من "٢".
(٥) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٢/ب بتصرف.
(٦) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٦/ب - ٢٩٧/أ.
(٧) المقولة [١٨٢٢٢] قوله: ((وكذا يبر بالبيع)).
(٨) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق١٤٢ /ب - ١٤٣/أ
بتصرف.
(٩) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٣/أ بتصرف.

٦٤٧ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
الجزء الحادي عشر
(به) أي: بالدّينِ؛ لأنَّ الدُّيُونَ تُقْضَى بأمثالِها، (وهبةُ) الدائنِ (الدينَ منه) أي: من
المديونِ (ليسَ بقضاءٍ)؛ لأنَّ الهبَةَ إسقاطٌ لا مقاصَّةٌ (و) حينئذٍ فـ (لا حنثَ لو
كانتْ اليمينُ موقّتةٌ) لعدمٍ إمكانِ البِرِّ مع هبةِ الدَّينِ.
فيصيرُ قابضاً دينَهُ، وإنْ قبلَهُ [٤/ق١٢٧ /ب] كأنْ أحرقَهُ لم يحنَثْ لعدَمِ القبضٍ)). اهـ ملخصاً. وتمامُ
فروعِ المسألةِ في "البحر"(١).
[١٨٢٢٤) (قولُهُ: بهِ) متعلِّقٌ بالبيعِ، والظَّاهرُ أَنَّه غيرُ قيدٍ، حَتَّى لو باعَهُ شيئاً بثمَنٍ قَدْرِ الدّينِ
تَقَعُ المقاصَّةُ وإنْ لم يُجعَلِ الدَّينُ الثَّمنَ، يدُلُّ عليهِ ((مسألةُ الاستهلاكِ)) المذكورةُ آنفاً،
ولذا لم يقيِّدْ بِهِ في "الفتح" (٢).
[١٨٢٢٥] (قولُهُ: لأنَّ الدُّونَ تُقضَى بأمثالِهَا) قالَ في "الفتح"(٢): ((لأنَّ قضاءَ الدَّينِ لو وقَعَ
بالدَّراهمِ كانَ بطريقِ المقاصَّةِ، وهو أنْ يثُبُتَ في ذمَّةِ القابِضِ - وهو الدَّائِنُ - مضمونَاً عليهِ؛
لأَنَُّ قِبِضَهُ لنفسِهِ ليَتَمَلَّكَهُ، وللدائنِ مثلُهُ على المقَبِّضِ فيلتقيانِ قِصَاصًاً، وكذا هنا)).
[١٨٢٢٦] (قولُهُ: لأنَّ الهبةَ إسقاطٌ) ولأنَّ القضاءَ فعلُ المديونِ، والهبةَ فعلُ الدائنِ بالإِبراءِ،
(قولُ "الشَّارِحِ": لأنَّ الدُّونَ تُقَضَى بأمثالِها) هذا التَّعليلُ إنَّا هو فيما إذا باعَ بثمنٍ مطلَقٍ، ولا يظهرُ فيما
إذا باعَه بالدَّينِ على ما ذكرَهُ، وفي مسألةِ الكوزِ أَنَّه إذا اشترى بما في ذمَّةِ المديونِ من الدَّينِ ينبغي أن لا يُبُتَ
للمديونِ شيء؛ لأنَّ الَّمنَ هنا معَيَّنٌ وهو الدِّينُ، فلا يمكنُ أن يجعلَ شيئاً غيرَهُ، فتبرأ ذمةُ المديونِ ضرورةً، بمنزلةٍ
ما لو أبراً من الدَّينِ، وبه ظهرَ الفرقُ بين قبضِ الدَّينِ وبينَ الشِّراءِ به اهـ. وما هنا ينافي ما قدَّمه بحثً.
(قولُهُ: وإنْ قبلَهُ كأنْ أحرقَهُ لم يحنث؛ لعدمِ القبضِ) لأنَّ شرطَ الحنثِ القبضُ الموجِبُ للضَّمانِ، فيصيرُ
قابضً دينه، كرجلينِ لهما دينٌ مشترَكٌ على رجلٍ، فغصَبَ أحدُهما من المديونِ ثوباً واستهلَكَه كانَ لشريكِهِ أنْ
يرجعَ عليه بحصَّتِهِ من الدَّينِ، وإِنْ أحرقَهُ من غيرِ غصبٍ لا يرجعُ عليه بشيءٍ، اهـ "بحر".
(١) انظر "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٧/٤.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٥/٤.

حاشية ابن عابدين
٦٤٨ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
وإمكانُ البَرِّ شرطُ البقاء (كما) هو شرطُ الابتداء كما مرَّ(١) في مسألةِ الكوزِ، وعليه:
(لو حلَفَ ليقضيَنَّ دينَه غداً فقضاه اليومَ، أو حلَفَ ليقتلَنَّ فلاناً غداً فماتَ اليومَ، أو)
حَلَفَ (ليأكلَنَّ هذا الرغيفَ غداً فأكلَه اليومَ) لم يحنث، "زيلعي"(٢). (حلَفَ ليقضيَنَّ دينَ
فلان فأمرَ غيرَه بالأداءِ أو أحالَه فقبضَ بَرَّ، وإِنْ قَضَى عنه متبرِّعٌ لا) يَرُّ، "ظهيرية"(٣) ...
فلا يكونُ فعلُ هذا فعلَ الآخَرِ، "فتح"(٤).
(تنبيه)
١٣٣/١
قيلَ: إنَّ شرطَ البِرِّ القضاءُ ولم يُوجَدْ، فيلزمُ الحِنثُ، وإلَّ لزِمَ ارتفاعُ النَّقْيضَينِ، قالَ في
"الفتح"(٥): ((وهو غلَطٌ، فإِنَّ الَّقيضَينِ - الواجِبَ صِدقُ أحدِهِمَا دائِماً - هما في الأمورِ الحقيقيَّةِ
كَوجودٍ زيدٍ وعدمِهِ، أمَّا المتعلّقُ قيامُهُما بسببٍ شرعيٍّ فيثبُتُ حكمُهُمَا ما بَقِيَ السَّببُ قائِماً،
وقيامُ الْيَمينِ سببٌ لثبوتِ أحدهما مِن الحِنثِ أو البِرِّ، وينتفيانِ بانتفائِهِ كَما هو قبلَ اليَمينِ حيثُ
لا بَرَّ ولا حِنثَ، ولذا قالُوا هنا: لم يحنَثْ، ولم يقولُوا: بَرَّ ولم يحنَثْ)) اهـ.
[١٨٢٢٧) (قولُهُ: وإمكانُ البِرِّ شرطُ البقاءِ إلخ) أي: في اليمينِ الموقّةِ، بخلافِ المُطْلَقَةِ، فإنّهُ
فيها شرطُ الابتداءِ فقط، وحينَ حَلَفَ كانَ الدَّينُ قائماً، فكانَ تصوُّرُ البِرِّ ثابتاً فانعقدَت، ثُمَّ
حِثَ بعدَ مُضِيِّ زمنٍ يقدِرُ فيهِ على القضاءِ باليأسِ مِن البِرِّ بالهيةِ، "فتح"(٥).
[١٨٢٢٨) (قولُهُ: وعليهِ) أي: ويَبْتَنِي على اعتبارِ هذا الشَّرْطِ.
[١٨٢٢٩] (قولُهُ: لم يحنَثْ) لفَواتِ إمكانِ البِرِّ في الغَدِ قبلَ وقِهِ فبطلَت اليمينُ.
[١٨٢٣٠] (قولُهُ: فأمَرَ غيرَهُ) الضَّميرُ فيهِ عائدٌ إلى الحالفِ، وضميرُ ((أحالَهُ)) و((قبضَ))
(١) صـ ٤٧٢ - "در".
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١٥٩/٣.
(٣) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق١٤٢/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٥/٤ - ٤٦٦.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٦/٤.

باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٤٩ -
الجزء الحادي عشر
وفيها:(١) حَلَفَ لا يفارقُ غريمَه حتى يستوفيَ فقَعَدَ بحيثُ يراه أو يحفظُهُ فليسَ بفارق
ولو نامَ أو غَفَلَ أو شغلَه إنسانٌ بالكلامِ أو منَعَهُ عن الملازمةِ حتى هربَ غريُمُه ..
إلى فلان، قالَ "ط" (٢): ((أفادَ بهِ أنَّ القضاءَ لا يتحقَّقُ بمجردِ الحوالةِ والأمرِ، بل لا بدَّ معَهُما
مِن القبضِ، قالَ في "الهنديَّة"(٣): وإِنْ نوَى أنْ يكونَ ذلكَ بنفسِهِ صُدِّقَ قضاءً وديانةً، ولو حلَفَ
المطلوبُ أنْ لا يُعطيَهُ فأعطاهُ على أحدِ هذه الوجوهِ حَنِثَ، وإنْ نوَى أنْ لا يُعطيَهُ بنفسِهِ لم يُدَّيَّنْ
في القضاءِ)).
[١٨٢٣١] (قولُهُ: حَلَفَ لا يفارقُ غريمَهُ إلخ) تقدَّمَ (٤) بعضُ مسائلِ الغريمِ في أواخرِ بابِ
اليمينِ بالأكلِ والشُّربِ.
[١٨٢٣٢) (قولُهُ: أو يحفظُهُ) الَّذِي فِي "الِنَحِ"(٥) و"البحر"(٦): ((ويحفظُهُ بالواو))، "ط)"(٧). قالَ
في "البحر"(٨): ((وكذلكَ [٤/ق ١٢٨/أ) لو حالَ بينَهما سِتْرٌ، أو أُسْطُوانةٌ مِن أساطينِ المسجدِ،
وكذلكَ لو قعدَ أحدُهما داخلَ المسجدِ والآخَرُ خارجَهُ والبابُ بينَهما مفتوحٌ بحيثُ يراهُ، وإنْ
توارى عنه بحائطِ المسجدِ والآخَرُ خارجَهُ فقد فارقَهُ، وكذلكَ لو كانَ بينَهما بابٌ مغلقٌ، إلاَّ إنْ
(قولُ "الشَّارِحِ": ولو نامَ، أو غَفَلَ، أو شغَلَهُ إنسانٌ بالكلامِ، أو منعَهُ عن الملازمةِ حَتَّى هرَبَ غرِبُه
لم يحنث) علَّلَ عدمَ الحنثِ في "الولوالجيةِ" بأنَّ شرطَ الحنثِ أنْ يفارقَهُ ولم يفارقهُ، وإنَّما فارقَه غريْمُه، قالَ:
((وكذا لو كابرَهُ حتَّى انفلتَ منه؛ لأَنَّه ليسَ في وُسعِهِ الامتناعُ فلم تنعقد يمينُه عليه)) اهـ.
(١) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٣/أ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٨٤/٢.
(٣) "الفتاوى الهندية": كتاب الأيمان - فصل في اليمين في تقاضي الدراهم ١٣٥/٢.
(٤) صـ ٥٠٠ _ "در".
(٥) "المنح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١/ق ٢١٣/أ.
(٦) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٨/٤.
(٧) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٨٤/٢.
(٨) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٨/٤.

حاشية ابن عابدين
٦٥٠ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
لم يحنث، ولو حلَفَ بطلاقِها أن يعطيَها كلَّ يومٍ درهماً فربَّما يدفعُ إليها عندَ
الغروبِ أو عندَ العشاءِ قالَ: فإذا(١) لم يُخْلِ يوماً وليلةً عن دفع درهمٍ لم يحنث.
(حَلَفَ لا يقبضُ دِينَه) من غريمه (درهماً دونَ درهمٍ فَقَبَضَ بعضَه لا يحنَثُ حتَّى
يقبضَ كلَّه) قَبْضاً (متفرِّقً(٢)) لوجودِ شرطِ الحنثِ وهو قبضُ الكلِّ بصفةِ التفرُّق، ..
أدخلَهُ وأغلقَ عليهِ وقعَدَ على البابِ)).
(١٨٢٣٣] (قولُهُ: قالَ) أي: صاحبُ "مجموعِ الّوازلِ" كَمَا عزاهُ إليهِ في "البحر"(٣) عن
"الظَّهِيرِيَّةِ "(٤).
[١٨٢٣٤] (قولُهُ: لم يحنَث) الظَّاهرُ أنَّ وجهَهُ أَنَّهُ يُرادُ باليومِ عُرفاً ما يشملُ اللَيلَ، وتقدَّمَ (٥)
أَنَّهُ: لو قالَ: يومَ أكُلِّمُ فلاناً فكذا فهو على الجديدينِ لِقرانِهِ بفعلٍ لا يمتدُّ فعمَّ، وكذلكَ هنا؛ لأنَّ
الإعطاءَ لا يمتدُّ، فافهم.
مطلب: لا يقبضُ دینه درهماً دون درهمٍ
[١٨٢٣٥] (قولُهُ: لا يقبِضُ دِينَه درهماً دونَ درهمٍ) أي: لا يقبِضُهُ حالةً كونِ درهمٍ منهُ مخالفاً
الدرهمٍ آخرَ في كونِهِ غيرَ مقبوضٍ، أي: لا يقبِضُهُ متفرّقاً بل جملةٌ، فالمجموعُ في تأويلٍ حالٍ
مشتقّةٍ، فهو مثلُ: بعتُهُ يداً بيدٍ، أي: متقابضَينِ، كذا ظهرَ لي.
[١٨٢٣٦] (قولُهُ: لا يحنَثُ حتَّى يقبضَ كُلَّهُ متفرَّقاً) أي: لا يحنَثُ بمجردٍ قبضِ ذلكَ البعضِ،
بل يتوقّفُ حنتُهُ على قبضٍ باقيهِ، فإذا قبضَهُ حِنِثَ ، "فتح"(٦).
[١٨٢٣٧] (قولُهُ: وهو قبضُ الكلِّ إلخ) لأَنَّهُ أضافَ القبضَ المتفرِّقَ إلى كلِّ الدَّينِ حيثُ قَالَ:
(١) في "د" و"و": ((إذا)).
(٢) في "و": ((متعرفا))، وهو تحريف.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٨/٤.
(٤) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس: فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٢ /ب و١٤٣/أ بتصرف.
(٥) صـ ٤٩٦ - "در".
(٦) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٦/٤.

٦٥١ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
الجزء الحادي عشر
(لا) يحنثُ (إذا قبَضَه بتفريقِ ضروريًّ) كأنْ يقبضَه كلَّه بوزنين؛ لأَنَّه لا يُعَدُّ تفريقاً
عُرْفً مادامَ في عملِ الوزنِ. (لا يأخذُ ما لَه على فلانٍ إلا جملةً أو إلا جَمْعاً فتركَ منه
درهماً ثم أخذَ الباقي كيف شاءَ لا يحنَثُ)، "ظهيرية)(١). وهو الحيلةُ في عدمٍ حيثه في
المسألةِ الأولى، (كما لا يحنثُ مَنْ قالَ: إنْ كانَ لي إلا مِائَةٌ أو غيرُ أو سوى) مائةٍ (فكذا
((دَيني))، وهو اسمٌ لكلِّهِ، "فتح"(٢)، فلو قالَ: ((مِن دَيني)) يحنَثُ بقبضِ البعضِ؛ لأنَّ شرطَ الحنثِ
هنا قبضُ البعضِ مِن الدَّينِ متفرّقاً وأشارَ إلى أنَّهُ لو قيَّدَ باليومِ فقبضَ البعضَ فيهِ متفرِّقاً، أو لم
يقبضْ شيئاً لم يحنَثْ؛ لأنَّ الشرطَ أخذُ الكلِّ في اليومِ متفرِّقاً، ولم يوجَدْ، وتمامُهُ في "البحر)"(٣).
[١٨٢٣٨) (قولُهُ: بوزنَينٍ) أو أكثرَ؛ لأَنَّهُ قد يتعذَّرُ قبضُ الكَلِّ دُفْعَةً، فيصيرُ هذا المقدارُ
مستثنَّى، ولأنَّ هذا القدرَ مِن النَّفريقِ لا يُسمَّى تفريقاً عادةً، والعادةُ هي المعتبرةُ، "زيلعي)" (٤).
[١٨٢٣٩] (قولُهُ: فَتَرَكَ منه درهماً) أي: لم يأخذْهُ منهُ أصلاً.
[١٨٢٤٠] (قولُهُ: كيفَ شاءَ) أي: جملةً أو متفرّقاً.
مطلب: حلفَ لا يأخذُ ما لَهُ على فلان إلاَّ جملةً
مطلب: إنْ أنفقتَ هذا المالَ إلاَّ على أهلِك فكذا فَأَنفقَ بعضَهُ لا يحنَثُ
(١٨٢٤١) (قولُهُ: لا يحنَثُ) كذا ذكرَ في "البحر "(٥) عن "الظَّهِيرِيَّة" هذه المسألةَ غيرَ معَلَّةٍ،
(قولُهُ: لأَنَّه قد يَتعذَّرُ قبضُ الكَلِّ دُفْعَةً إلخ) في "السِّنديّ": ((يُستفادُ من المقامِ أَنَّه إذا كانَ لا يحتاجُ إلى
الوزن ففرَّقَه أَنَّه يحنثُ، والظَّاهِرُ أنَّ التّفريقَ الحاصلَ من العددِ كالتفريقِ الحاصلِ بالوزنِ، ولو تشاغَلَ بغيرِ الوزنِ
أو العددِ حنثَ؛ لأَنَّه به يختلِفُ مجلسُ القبضِ على ما عُرفَ)). اهـ "نهر".
(١) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثالث - الفصل الخامس فيما يجري بين صاحب المال والغريم ق ١٤٣/ب
بتصرف، نقلاً عن "الحيل".
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٦/٤. بتصرف.
(٣) انظر "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٩/٤.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١٦٠/٣.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٩٩/٤.

حاشية ابن عابدين
- باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٥٢
والظَّاهرُ أنَّها بمعنى المسألةِ المارَّةِ؛ لأنَّ درهماً دونَ درهمٍ بمعنى متفرِّقاً كَما مرَّ(١)، وقولُهُ هنا:
((إلاَّ جملةً)) هو معنى لا يقبضُهُ متفرّقًاً، لكنَّ الأُولى في الإِثباتِ، وهذه في الَّفي، والمعنى واحدٌ،
ورأيتُ في طلاقِ "الذَّخيرة" في ترجمةِ المسائلِ الَّتِي يُنظرُ فيها إلى شرطِ البرِّ: ((وهَبَ لرجلٍ مالاً،
فقالَ الواهبُ: امرأتي طالقٌ ثلاثً إنْ أنفقتَ هذا المالَ الَّذي وهبتُكَ إلاَّ على أهلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ أنفقَ
بعضَهُ على أهلِهِ، وقضَى بالباقي دَيناً أو حجَّ أو تزوَّجَ لا تَطُلُقُ امرأةُ الحالفِ، ذكرَهُ "خُواهَر زاده"
في "شرح الحيل"(٢)، وعلَّله بأنَّ شرطَ برِّهِ [٤ /ق١٢٨ /ب] إنفاقُ جميعِ الهبةِ على أهلِهِ، فيكونُ شرطُ
حنثِهِ ضدَّ ذلكَ، وهو إنفاقُ جميعِها على غيرِهم ولم يوجدْ، وهو نظيرُ ما لو حلَفَ لا يأخذُ ما لَهُ
على فلان إلاَّ جميعاً وأخذَ البعضَ دونَ البعضِ لا يحنَثُ؛ لأنَّ شرطَ برِّهِ أخذُ جميعِ الدَّينِ جملةً،
فيكونُ شَرطُ حنثِهِ ضدَّ ذلكَ، وهو أخذُ جميعِ الدَّينِ متفرِّقاً ولم يوجَدْ ذلكَ، كذا هنا)) اهـ.
وحاصلُهُ: أَنَّهُ لا يحنَثُ بمجرَّدٍ قبضِ البعضِ جملةً أو متفرّقاً ما لم يقبِضِ الباقيَ كما مرَّ(٣)،
فإذا تركَ البعضَ بأنْ لم يقِضْهُ أصلاً بإبراءٍ أو بدونِهِ لم يحنَثْ؛ لعدمٍ شرطِهِ وهو قبضُ كلِّهِ غيرَ
جملةٍ، أي: متفرِّقً، ولمَّا كانَت هذه المسألةُ في معنى الأُولى كما ذكرْنا قالَ "الشَّارِحُ": ((وهو الحيلةُ
في عدمٍ حنثِهِ في الأُولى))، وبقيَ هنا شيءٌ، وهو ما لو لم يأخذْ مِن دَينِهِ شيئاً أصلاً، أو لم ينفقْ
(قولُهُ: لكنَّ الأُولى في الإثباتِ، وهذه في النَّفىِ إلخ) كلٌّ من المسألتينِ فِي النَّفي، فلم يظهر ما قالَهُ،
وإذا كانَ المرادُ بالنَّفيِ والإثباتِ قولَهُ: درهماً دونَ درهم وقولَهُ: إلا جملة فالمناسِبُ أنْ يقولَ: الأُولى
بالنَّفيِ والثّانية بالإثباتِ نظراً إلى معنى التَّفريقِ والجملةِ، تأمَّل.
(١) صـ ٦٥٠ - "در".
(٢) "شرح الحيل": لمحمد بن محمود بن عبد الكريم، بدر الدين المعروف بـ: "خواهَرْ زَاده" (ت٦٥١هـ)، والحيل:
لأبي بكر أحمد بن عمر الخصَّاف (ت٢٦١هـ). ("كشف الظنون" ٦٩٥/١، "الجواهر المضية" ٢٣٠/١،
و٣٦٢/٣، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٠-، "هدية العارفين" ١٢٥/٢).
(٣) المقولة [١٨٢٣٦] قوله: ((لا يحنثُ حتّى يقبضَ كلَّه متفرِّقاً)).

٦٥٣ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
الجزء الحادي عشر
يمِلْكِها) أي: المائةِ (أو بعضِها)؛ لأنَّ غرضَه نفيُ الزيادةِ على المائةِ، وحنِثَ بالزيادةِ
لو مما فيه الزكاةُ، وإلاَّ لا،
في مسألةِ الهبةِ شيئاً، بأنْ ضاعَت الهبةُ مثلاً، والظَّاهرُ أَنَّهُ لا يحنَثُ؛ لأنَّ المعنى: إِنْ أخذتُ دَيني
الا آخذُهُ إلَّ جملةً، أو إِنْ أنفقتَها لا تنفقُها إلاَّ على أهلِكَ، ونظيرُهُ: لا أبيعُ هذا الَّوبَ إلاَّ بعشرةٍ،
١٣٤/٣ أو لا تَخرجي إلاَّ بإذني فلم بيعْهُ أو لم تخرجْ أصلاً فلا شكَّ في عدمِ الحنثِ، فكذا هنا.
مطلب: حَلَفَ لا يشكوهُ إلَّ مِن حاكمِ السِّياسةِ ولم يشكُهُ أصلاً لم يحنَثْ
ومنه يُعلَمُ جوابُ ما لو حلَفَ لا يشكوهُ إِلَّ مِن حاكمِ السِّياسةِ وترَكَ شكايتَهُ أصلاً
لا يحنَثُ، هذا ما ظهَرَ لي فاغتنمهُ.
(١٨٢٤٢] (قولُهُ: يمِلْكِها) مَتَعَلِّقٌ بقولِهِ: ((لا يحنَثُ)).
[٤٣ ١٨٢) (قولُهُ: لأنَّ غرضَهُ نفيُ الزِّيادةِ على المئةِ) أي: أنَّ ذلكَ هو المقصودُ عُرفً، والخمسونَ
مثلاً ليسَ زائدً على المئةِ، وهذا بخلاف ما لو قالَ: لي على زيدٍ مئةٌ، وقالَ زيدٌ: خمسونَ، فقالَ: إِنْ
كانَ لي عليهِ إلَّ مئةٌ فهذا لِنَفي النُّقْصانِ؛ لأنَّ قصدَهُ بيمينِهِ الرَّدُّ على المنكرِ، اهـ "فتح)(١).
[١٨٢٤٤) (قولُهُ: لو ثَمّ فيهِ الزَّكَاةُ) أي: لو كانَت الزِّيادةُ مِن جنسِ ما تحبُ فيهِ الزَّكَاةُ،
كالنّقدينِ والسَّائمةِ وعرضِ التِجارةِ وإِنْ قَلَّتْ الزِّيادةُ، ولو كانَت مِن غيرِهِ كالرَّقِيقِ والدُّورِ
لم يحنَثْ، وهذا؛ لأنَّ المستثنى منهُ عُرفً المالُ لا الدَّراهمُ، ومطلقُ المالِ ينصرفُ إلى الزَّكويِّ(٢) كما لو
قالَ: واللهِ ليسَ لي مالٌ، أو قالَ: مالي في المساكينِ صدقةٌ، وهذا بخلافِ ما لو أوضَى بثلثِ مالِهِ،
أو استأمَنَ الحربيُّ على مالِهِ، حيثُ يعمُّ جَمِيعَ الأموالِ؛ لأنَّ الوصيّةَ خلافةٌ كالميراثِ، ومقصودُ
(قولُهُ: والظَّاهرُ أنّه لا يحنثُ إلخ) بل ما قالَه في "الذَّخيرةِ"- من أنَّ شرطَ برِّهِ إنفاقُ جميعِ الهبةِ على
أهلِهِ، فيكونُ شرطُ حنثِهِ ضدَّ ذلكَ، وهو إنفاقُ جميعِها على غيرِهم إلخ - نصٌّ صريحٌ في عدمِ حنثِهِ إذا
لم يأخذ شيئاً من دينِهِ، أو لم يُنفق شيئاً في مسألةِ الهبةِ.
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في تقاضي الدراهم ٤٦٧/٤ بتصرف.
(٢) في "آ": ((الزكاة)).

حاشية ابن عابدين
٦٥٤ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
حتَّى لو قالَ: (امرأتُهُ كذا إن كانَ لهُ مالٌ، وله عروضٌ) وضِياٌ (ودُوْرٌ لغيرِ التجارةِ
لم يحنث)، "خزانة أكمل"(١). (حلَفَ لا يفعلُ كذا تركَه على الأبدِ) لأنَّ الفعلَ يقتضي
مصدراً منكَّراً، والنكرةُ في النفيِ تعمُّ، (فلو فعَلَ) المحلوفَ عليه (مرةً) حنِثَ و(النحلَّتْ
الحربيِّ الْغُنْيَّةُ لهُ بِمالِهِ، وتمامُهُ في "شرح التلخيص".
[١٨٢٤٥] (قولُهُ: حَتَّى لو قالَ إلخ) تفريعٌ على مافُهِمَ مِن كلامِهِ مِن ((أنَّ المالَ إذا أُطلقَ
ينصرفُ إلى [٤/ق١٢٩ /أ) الزَّكويِّ)) كما قرَّرناهُ(٢)، فافهم.
مطلب: حلَفَ لا يفعلُ كذا تركَهُ على الأبدِ
[١٨٢٤٦) (قولُهُ: تركَهُ على الأبدِ إلخ) ففي أيِّ وقتٍ فعلَهُ حِنِثَ، وإنْ نوى يوماً أو يومين أو ثلاثةً
أو بلداً أو منزلاً أو ما أشبهَهُ لم يُدَيَّنْ أصلاً؛ لأَنّهُ نوى تخصيصَ ما ليسَ بملفوظٍ كما في "الذَّخيرة".
[١٨٢٤٧) (قولُهُ: لأنَّ الفعلَ يقتضِي مصدراً مُنَكَّراً إلخ) فإذا قالَ: لا أكلِّمُ زيداً، فهو معنى
لا أكلِّمُهُ كلاماً، وهذا أحدُ تعليلينِ ذكرَهما في "غايةِ البيانِ"، ثانيهما: أنَّهُ نَفَى فعلَ ذلكَ الشَّيءِ
مطلقاً، ولم يقيِّدهُ بشيءٍ دونَ شيءٍ، فيعمُّ الامتناعُ عنهُ ضرورةَ عمومِ النَّفي، وعليهِ اقتصرَ
في "البحر "(٣) وهو أظهرُ، وأحسنُ منهما ما نقلناه(٤) عن "الذخيرة"؛ لِما يرِدُ على الأوَّلِ أنَّ عمومَ
(قولُهُ: الغُنية) في "القاموسِ": ((الغِنى ضدُّ الفقرِ، والاسمُ الغُنْيَةُ، بالضمِّ والكسرٍ)) اهـ.
(قولُهُ: وأحسنُ منهما ما نقلناهُ عن "الذَّخيرةِ"إلخ) وعلَّلَه في "الزيلعيّ": ((بأنَّه نفيُ الفعلِ مطلقاً، فيتناولُ
فرداً شائعاً في جنسِهِ، فيعمُّ الجنسَ كلَّه ضرورةَ شيوعِهِ، وإلا لما كانَ شائعاً في الجنسِ، بل في البعضِ المنفِيِّ)) اهـ.
وهو الأظهرُ في التَّعليلِ، وما في "الذَّخيرةِ" إنَّا أفادَ وجهَ عدمٍ صحَّةٍ نَّتِهِ ما ذُكِرَ، ولا تعرُّضَ في كلامِهِ لوجهِ لزومٍ
تركِهِ أبداً، إلا إذا قيلَ: إنَّ هذهِ العَلَّةَ أفادت عدمَ صحَّةٍ نَّةِ الَّخصيصِ فبالأَّولى إفادتُها لزومَ الَركِ أبداً، تأمَّل.
(قولَهُ: لِما يردُ على الأول أنَّ عمومَ ذلكَ المصدر في الأفرادِ إلخ) فيه: أنَّ الأولَ ليسَ فيه دعوى
عمومِ الأزمانِ وإنْ كانَ لازماً لعمومِ الأفعالِ، وبالجملةِ كلامُه هنا لا يخلو عن مناقشاتٍ.
(١) في "و": ((الأكمل)).
(٢) المقولة [١٨٢٤٤] قوله: ((لو مما فيه الزكاة)).
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٤٠٠/٤.
(٤) المقولة [١٨٢٤٦] قوله: ((تركه على الأبد إلخ)).

باب الیمین في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٥٥ -
الجزء الحادي عشر
يميُ). وما في "شرح المجمع" - مِنْ عدمِهِ - سهوٌ (فلو فعَلَه مرَّةً أخرى لا يحنَثُ)
إلاَّ في ((كلَّما))، (ولو قَيَّدَها بوقتٍ) كواللهِ لا أفعلُ اليومَ (فمضى) اليومُ (قبلَ الفعلِ
بَرَّ) لوجودِ تركِ الفعلِ في اليومِ كلِّهِ (وكذا إن هلكَ الحالِفُ والمحلوفُ عليهِ) بَرَّ .....
ذلكَ المصدرِ في الأفرادِ لا في الأزمانِ، وأيضاً فقد قالَ "ح"(١): ((إِنَّ هذا ينافي ما مرَّ في باب اليمينِ
في الأكلٍ))، أي: ((مِن أَنَّ النَّابتَ في ضمنِ الفعلِ ضروريٌّ لا يظهرُ في غيرِ تحقيقِ الفعلِ، بخلافٍ
الصَّرِيحِ، ومِن أنَّ الفعلَ لا عمومَ لهُ، كما في "المحيط" عن "سيبويه"(٢)).
[١٨٢٤٨) (قولُهُ: وما في "شرحِ المَجمَعِ") أي: لـ"ابنِ ملك"، ((مِن عدمِهِ)) أي: عدمِ انحلالِ
اليمينِ فهو سهوٌ كما في "البحر "(٣)، بل تنحلُّ، فإذا حِنِثَ مرَّةً بفعِلِهِ لم يحنَثْ بفعلِهِ ثانياً، وللعلَّمَةِ
"قاسم" رسالةٌ(٤) ردَّ فيها على العلاَّمةِ "الكَافِيجِي"(٥) حيثُ اغترَّ بما في "شرح المجمعِ"، ونقلَ فيها
إجماعَ الأئمةِ الأربعةِ على عدمِ تكرارِ الحِنثِ.
[١٨٢٤٩) (قولُهُ: لا يحنَثُ) لأَنَّهُ بعدَ الحنثِ لا يُنتصوَّرُ البِرُّ، وتصوُّرُ البرِّ شرطُ بقاءِ اليمينِ، فلم
تبقَ اليمينُ فلا حنثَ، رسالةُ العلاَّمةِ "قاسم" عن "شرح مختصر الكَرْخِيّ".
[١٨٢٥٠) (قولُهُ: إلاَّ في كلَّما)؛ لاستلزامِها تكرُّرَ الفعلِ، فإذا قالَ: كلَّما فعلتُ كذا، يحنثُ
بكلِّ مرَّةٍ.
[١٨٢٥١] (قولُهُ: وكذا إلخ) هذا إذا لم يمضِ الوقتُ.
[١٨٢٥٢] (قولُهُ: والمحلوفُ عليهِ) الواو بمعنى أو.
(١) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق٢٤٩/أ.
(٢) من قوله: ((من أن الثابت)) إلى ((كما في "المحيط" عن سيبويه)) هو من كلام "ح" لكن في موضع آخر انظر
"ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ق ٢٤٠/أ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٤٠٠/٤.
(٤) لم تنصَّ كتب التراجم التي بين أيدينا على اسم هذه الرسالة.
(٥) هو أبو عبد الله محمد بن سليمان بن سعد الرُّومي، محيي الدين المعروف بـ "الكافِيَجِيِّ" (ت٨٧٩هـ). ("الضوء
اللامع" ٢٥٩/٧، "بغية الوعاة" ١١٧/١، "الشقائق النعمانية" صـ ٤٠-).

حاشية ابن عابدين
٦٥٦ - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
لتحقَّقِ العدَمِ، ولو جُنَّ الحالِفُ في يومِهِ حيِثَ عندنا خلافاً لـ: "أحمد"، "فتح". (ولو
حَلَفَ ليفعلَنَّه بِرَّ بمرَّةٍ) لأنَّ النكرةَ في الإثباتِ تُخُصُّ، والواحدُ هو المتَقَّنُ،.
(١٨٢٥٣] (قولُهُ: لتحقَّقِ العدمِ) أي: عدمِ الفعلِ في اليومِ، "ط)(١).
[١٨٢٥٤) (قولُهُ: ولو جُنَّ الحالفُ إلخ) محلٌّ هذا في الإِثباتِ كما في "الفتح"(٢)، وصورتُهُ:
قالَ: لاَكَلَنَّ الرَّغيفَ في هذا اليومِ، فحُنَّ فيهِ ولم يأكلْ، أمَّا في صورةِ النَّفيِ إذا جُنَّ ولم يأكلْ فلا
شكَّ في عدمِ الحنثِ، "ط) (٣)، وقدَّمَ(٤) "المصنّفُ" أوَّلَ الأيمانِ أَنَّهُ يُحِنَثُ لو فَعَلَ المحلوفَ عليهِ وهو
مُغمىَّ عليهِ أو مجنونٌ.
مطلب: حَلَفَ ليفعلنَّهُ برَّ بَرَّةٍ
[١٨٢٥٥) (قولُهُ: لأنَّ النَّكرةَ في الإثباتِ تخصُّ) أرادَ بالنَّكرةِ المصدرَ الَّذي تضمَّنَهُ الفعلُ، وهذا
مبنيٌّ على النَّعليلِ السَّابقِ، وقد علمتَ ما فيهِ، وفي "الفتح"(٥): ((لأنَّ المُلْتَزَمَ فعلٌ واحدٌ غيرُ عَينِ؛
إذ المقامُ للإثباتِ، فيبرُّ بأيِّ فعلٍ، سواءٌ كان مُكرَهً [٤/ق١٢٩ /ب] فيهِ أو ناسياً، أصيلاً أو وكيلاً عن
غيرِهِ، وإذا لم يفعلْ لا يُحكَمُ بوقوعِ الحنثِ حَتّى يقعَ اليأسُ عن الفعلِ، وذلكَ بموتِ الحالفِ قبلَ
الفعلِ، فيجبُ عليهِ أنْ يوصيَ بالكفّارةِ، أو بفوتِ محلِّ الفعلِ، كما لو حلَفَ ليضربَنَّ زيداً
و(٦) ليأكلَنَّ هذا الرَّغيفَ، فماتَ زيدٌ أو أُكِلَ الرَّغيفُ قبلَ أكلِهِ، وهذا إذا كانَت اليمينُ مطلقةً)) اهـ.
(قولُ المصنّفِ: ولو حلَفَ ليفعلنَّه برَّ بمرَّةٍ) الصَّوابُ: ((بَرَّ بالفعلِ مرةً))، أي: في ساعةٍ مسمّاقٍ
بالمرةِ؛ لأنَّ كلمةَ ((مرَّة)) لازمةُ النَّصبِ على الظرفيَّةِ أو المصدرِيَّةِ، "سندي" عن "الحمَويّ".
(١) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٨٥/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - مسائل متفرقة ٤ /٤٦٧.
(٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٣٨٥/٢.
(٤ ) صـ ٢٤٠ - "در".
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - مسائل متفرقة ٤٦٧/٤ بتصرف.
(٦) في "م": ((أو)).

باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
٦٥٧ -
الجزء الحادي عشر
ولو قَّدَها بوقتٍ فمضى قبلَ الفعلِ حِنِثَ إن بقيَ الإمكانُ، وإلا بأنْ وقعَ اليأسُ موتِهِ أو
بفوتِ المحلِّ بطَلَتْ يمينُهُ كما مرَّ في مسألةِ الكوزِ، "زيلعي)"(١). (حلّفَهُ والِ ليعلِمِنَّهُ بكلِّ
داعرٍ) بمهملتين، أي: مُفسِدٍ (دخلَ البلدةَ تقيّدَ) حلِفُهُ (بقيامٍ ولايِتِهِ)، بيانٌ لكونِ اليمينِ
المطلَقَةِ تصيرُ مقيَّدَةً بدلالةِ الحالِ، وينبغي تقييدُ يمينِهِ بفَوْرِ علمِهِ، ..
[١٨٢٥٦] (قولُهُ: ولو قَّدها بوقتٍ) مِثلُ ليأكلَنَّهُ في هذا اليومِ، "فتح"(٢).
[١٨٢٥٧) (قولُهُ: بأنْ وقَعَ اليأسُ) أي: قبلَ مضيِّ الوقتِ.
[١٨٢٥٨) (قولُهُ: أو بفوتِ المحلِّ) هذا عندَهما خلافاً لـ"أبي يُوسُفَ"، "فتح"(٢).
مطلب: حلَّفهُ والٍ لِيُعْلِمِنَّهُ بكلِّ داعٍ
[١٨٢٥٩] (قولُهُ: تقيَّدَ حلفُهُ بقيامٍ ولايتِهِ) هذا الَّخصيصُ بالزَّمانِ ثبتَ بدِلالةِ الحالِ، وهو
العلمُ بأنَّ المقصودَ مِن هذا الاستحلافِ زجرُهُ بِما يدفعُ شرَّهُ أو شرَّ غيرِهِ بزجرِهِ؛ لأَنَّهُ إذا زُجِرَ
داعرٌ انزجرَ داعرٌ آخَرُ، وهذا لا يتحقَّقُ إلاَّ في حالٍ ولايتِهِ؛ لأَنَّها حالُ قدرتِهِ على ذلكَ، فلا يفيدُ
فائدتَهُ بعدَ زوالِ سلطنِهِ، والزَّوالُ بالموتِ، وكذا بالعزلِ في ظاهرِ الرِّوايةِ، وعن "أبي يُوسُفَ" أَنَّهُ
يجبُ عليهِ إعلامُهُ بعدَ العزلِ، "فتح"(٢).
[١٨٢٦٠) (قولُهُ: وينبغي تقييدُ يمينِهِ بفورِ علمِهِ) هذا بحثٌ لـ "ابنِ الهُمام) (٣) فإِنَّهُ قالَ: ((وفي
"شرح الكنز "(٤): ثُمَّ إِنَّ الحالفَ لو عِلِمَ بالدَّاعرِ، ولم يعلِمْهُ بهِ لم يحنَثْ إلَّ إذا ماتَ هو،
أو المستحلِفُ، أو عُزِلَ؛ لأَنَّهُ لا يحنَثُ في اليمينِ المُطْلَقةِ إلَّ باليأسِ، إلاَّ إذا كانَت موقّتَةً فيحنَثُ
بمضيِّ الوقتِ معَ الإِمكانِ)) اهـ.
ولو حُكِمَ بانعقادِ هذه للفورِ لم يكنْ بعيداً، نظراً إلى المقصودِ وهو المبادرةُ لزجرِهِ ودفعٍ شرِّهِ،
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١٦٠/٣ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - مسائل متفرقة ٤ /٤٦٧.
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - مسائل متفرقة ٤ /٤٦٨.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١٦١/٣.

حاشية ابن عابدين
٦٥٨
- باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك
١٣٥/٣
والدَّاعي يوجبُ الَّقييدَ بالفورِ، أي: فورِ علمِهِ به)) اهـ. وأقرَّهُ في "البحر"(١) و"النّهر"(٢) و"الِنَح"(٣)،
واعتُرضَ بأَنَّهُ خلافُ ظاهرِ الرِّوايةِ، ففي "العناية"(٤): ((وليسَ يلزمُهُ الإِعلامُ حالَ دخولِهِ، وإنّا يلزمُهُ
أنْ لا يؤخّرَ الإِعلامَ إلى ما بعدَ موتِ الوالي أو عزلِهِ على ظاهرِ الرِّوايةِ)) اهـ.
قلتُ: قولُهُ: ((على ظاهرِ الرِّوايةِ)) راجعٌ إلى قولِهِ: ((أو عزلهٍ)) أي: بناءً على ظاهرِ الرِّوايةِ مِن
أنَّ العزلَ كالموتِ في زوالِ الولايةِ، خلافاً لِمَا عَن "أبي يُوسُفَ" كما يُعلَمُ مَّا نقلناهُ(٥) سابقاً عَن
"الفتح"، ولا شكَّ أنَّ النَّقييدَ بالفورِ عندَ قيامِ القرينةِ حكمٌ ثابتٌ في المذهبِ، فصارَ حاصلٌ
بحثِ "ابنِ الهُمام": أنَّ الواليَ إذا كانَ مرادُهُ دفعَ الفسادِ في البلدِ، وحَلَّفَ رجلاً بأنْ يُعلِمَهُ
بكلِّ مُفسدٍ دخلَ البلدَ فليسَ مرادُهُ أنْ يخبرَهُ بعدَ إفسادِهِ [٤/ق١٣٠/أ] سنينَ في البلدِ، بل مرادُهُ
إخبارُهُ بهِ قبلَ إظهارِهِ الفسادَ، فهذا قرينةٌ واضحٌ على أنَّ هذه اليمينَ يمينُ الفورِ النَّابتُ حكمُها في
المذهبِ، فما في "شرح الكنز" و"العناية" مبنيٌّ على عدمٍ قيامٍ قرينةِ الفورِ، وما بحثَهُ "ابنُ الهُمام"
مبنىٌّ على قيامِها، فحيثُ قَامَتِ القرينةُ على الفورِ حُكِمَ بها بنصِّ المذهبِ، وإلاَّ فلا، فلم يكنْ بحثُهُ
(قولُهُ: ولا شكَّ أنَّ التّقييدَ بالغورِ عندَ قيامِ القرينةِ حكمٌ ثابتٌ إلخ) ما مشى عليه "المحشِّي" طريقةٌ ثالثةٌ
غيرُ بحثِ "الفتحِ" وغيرُ ما في "العنايةِ" و"شرحِ الكنزِ"، وذلكَ أنَّ ما فيهما يُفيدُ أنَّ هذه يمينٌ مُطْلَقَةٌ على
الإطلاقِ، والبحثُ يفيدُ أنّها يمينُ الفورِ كذلك، وما مشى عليه يُفيدُ أَنّ تارةً تكونُ مطلقةً، وتارةً يمينَ فورٍ باعتبارِ
القرائنِ الدَّةِ على الغوريَّةِ والإطلاقِ، وهذا فيه مخالفةٌ للبحثِ حيثُ قَالَ: ((إنَّها للفورِ)) وأطلَقَ، وادَّعى أنَّ
المقصودَ دالٌّ عليه، ولا شكَّ أنَّ بحثَ "الفتحِ" مخالفٌ لظاهرِ الرِّوايةِ، وما ذكرَهُ من العَّةِ إِنَّما ذكروه تعليلاً لها،
وأَنَّه يلزمُهُ عدمُ التَّأخيرِ لما بعدَ الموتِ، وهو جعلُهُ دليلاً على الفورِ.
(١) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ٤٠٠/٤.
(٢) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ق ٢٩٧/أ - ب.
(٣) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك ١/ق ٢١٤/أ.
(٤) "العناية": كتاب الأيمان - مسائل متفرقة ٤٦٨/٤ (هامش "فتح القدير").
(٥) في هذه المقولة.