النص المفهرس

صفحات 481-500

الجزء الحادي عشر
٤٧٩
باب اليمين في الأكل والشرب
٠٠.
.....
عن ذِمَّةِ الَدُيُونِ، حَتَّى لو أَبْرَأَهُ الدَّائنُ يَرجِعُ عليه بما قَبَضَهُ منه، وقُصارَى أَمرِ الشِّراء به أن يكُونَ
كَقَبِضِهِ، اهـ "ح"(١) عن "شرح المقدِسيّ".
قلتُ: وأصلُ الإِشكالِ لصاحِبِ "البحر"(٢)؛ ذَكرَهُ في باب التَّعِلِيقِ عند قولِهِ: ((وزَوالُ المِلكِ
لا يُطِلُ الْيَمِينَ)). وأجاب "ط"(٣): ((بأنَّ مَبنى الأَيمانِ على العُرفِ والعُرفُ يَقضِي بأنّها إذا
اشْتَرت بمَهرِها شيئاً تَصيرُ لا شَيءَ لها، وفيه: أنَّالمقصُودَ العجزُ وعدَمُ النَّصوُّرِ شَرعاً لا عُرِفاً،
وإلاَّ انتقضَ الأَصلُ المارُّ في كثيرٍ مِن المسائلِ، فافهم)).
وأجاب "السَّائِحانِيُّ": ((بأَنَّها لَمَّ جَعلتِ الَهرَ ثَمَناً والكُلُّ وَصِفٌ فِي الدِّمَّةِ تَغَيّر مِن المَهِيَّةِ
إلى الثَّمَّةِ، فلم يكُن هناك مهرٌ حَتَّى يُوهَبَ. وأمَّ الدَّينُ فَبَدَلُهُ لم يُدفَع على صريحِ المُعاوَضةِ فلم
يَقع الَّقاصُّ به مِن كُلِّ وَجٍ، ولم يُدفَع حالةَ كَونِهِ وَصفاً في الذِّمَّةِ حَتَّى يَنتقل إليه لقُرِبِهِ منه)) اهـ.
مطلبٌ في قولِهِمْ: الدُّيُونُ تُقضى بأمثالِها
قلتُ: والجوابُ الواضِحُ أن يُقالَ: قد قالوا إنَّ الدُُّونَ تُقضى بأمثالِها أي: إذا دَفَعَ الدَّينَ إلى دَائِنْه
ثَبَتَ للمَدُيُونِ بِذِمَّةِ دائِه مِثْلُ ما للدَّائِ بِذِمَّةِ الَّدُونِ فَتَقِيانِ قِصاصاً لعدَمِ الفائدَةِ فِي الْمُطالَبةِ، ولذا
لو أَبرأَهُ الدَّائِنُ بَراءَةً إسقاطٍ يَرجِعُ عليه المديُونِ كما مرَّ(٤)، وكذا إذا اشتَرَى الدَّائنُ شيئاً مِن المَدُيُونِ
بيمِثْلِ دَيْنِهِ [٤ /ق٩٢/ب] الَقيَا قِصاصاً. أمَّا إذا اشتراهُ بما في ذِمَّةِ المَدُيُونِ مِن الدَّينِ يَنبغي أن لا يَتْبُتَ
(قولُهُ: أمَّا إذا اشتراهُ بما في ذمَّةِ المديونِ إلخ) سيأتي في بابِ اليمينِ في القتلِ وغيرِهِ: أَنَّه يبَرُّ فِي حِلِفِهِ
- لأقضينَّ مَلَكَ اليومَ - بالبيعِ بِهِ؛ لأنَّ الدُّونَ تُقضى بأمثالِها، ومُفادُهُ: أَنَّه ليسَ بمنزلةِ الإِبراءِ، بل من قَبِيلِ التقاصِّ،
وقالَ "الزيلعيُّ": ((والبيعُ بالدَّينِ قضاءٌ للدَّينِ؛ لأنَّ قضاءَ الدينِ طريقُهُ المقاصَّةُ، وتحقَّقْت بمجرَّدِ البيعِ)) اهـ.
(١) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق ٢٤١/ب.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٥٩/٤.
(٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٥٩/٢ باختصار.
(٤) في هذه المقولة.

حاشية ابن عابدين
٤٨٠
باب اليمين في الأكل والشرب
(وفي) حلِفِهِ: واللهِ (ليصعدَنَّ السماءَ أو ليقلِبَنَّ هذا الحجَرَ ذهباً) حنِثَ للحالِ
لإمكان البرِّ حقيقةً.
للمَدُونِ بِذِمَّةِ الدَّائنِ شَيءٌ لأنَّ الَّمنِ هنا معيَّنٌ وهو الدِّينُ فلا يُمكِنِ أن يَجعلَ شيئاً غيرَهُ فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ
المَدُيُونِ ضَرورةً بمنزلَةٍ ما لو أَبرأَهُ مِن الدَّينِ، وبه يَظهرُ الفرقُ بين قَبَضِ الدَّينِ وبين الشِّراءِ به، فندبّر.
مطلبٌ: حَلَفَ لَيَصعدَنَّ السَّماءَ أو لِيَقِبَنَّ الحَجِرَ ذَهَباً
[١٧٧٨٨) (قولُهُ: وفي لَيَصعدَنَّ السَّماءَ إلخ) مثلُهُ: إن لم أَمَسَّ السَّماءَ، بخلاف: إن تركتُ
مَسَّ السَّماءِ فعَبدِي حُرٌّ لا يَحَنَثُ؛ لأنَّ الشَّرِطَ هو الِّكُ وهو لا يَتحقَّقُ في غيرِ المَقْدُورِ عادةً، وفي
الأوَّلِ الشَّرطُ عدمُ الَسِّ والعدَمُ يَتحقَّقُ فِي غَيرِ الْمَقْدُورِ، كذا في "التّحريرِ" شرح "الجامِعِ الكبيرِ"
١٠١/٣ لـ " الحصيري" معزياً إلى "المنتقى"، ومثلُه في "النهر "(١) عن "المحيط".
قلتُ: ويَظهرُ الفرقُ في قولِك: لا أَمسُّ السَّماءَ، وقولك: أَتركُ مَسَّ السَّماءِ؛ فإنَّ الأَوَّلَ
لا يَقتضي أَنَّ مُعتادٌ مُمكِنٌ بِخِلافِ الَّانِي، وهذا يُنافِي ما مرَّ(٢) في: إن لم تُصلِّي(٣) الصُّبحَ غدً،
وفي: إن لم تَرُدِّي الدِّينارَ، ولعلَّهُ رِوايةٌ أُخرَى، فتأمَّل.
[١٧٧٨٩] (قولُهُ: لإمكانِ البِرِّ حقيقةً) لأَنَّه صعَدتَها الملائكَةُ وبعضُ الأنبياءِ، وكذا تَحويلُ
(قولُهُ: وهذا ينافي ما مرَّ في: إن لم تُصَلِّي الصبحَ غدً، وفي: إن لم ترُدِّي الدِّينارَ إلخ) أي: فإنَّه فيهما
تحقّقَ العدمُ، ومعَ ذلكَ قيلَ بعدمِ الحنثِ مع أَنَّه قيلَ بهِ في: إن لم أمسَّ السَّماءَ؛ لتحقُّقِ العدمِ، والعدمُ يتحقَّقُ
في غيرِ المقدورِ، وقد يقالُ في الفرقِ: إِنَّه مقدورٌ عليه، ويمكنُ في ذاتِهِ، فانعقدت يمينُهُ ثُمَّ حِنِثَ للعجزِ العاديِّ،
ولا كذلكَ مسألةُ الصَّلاةِ والردِّ؛ إذ يستحيلُ الصَّلاةُ مع الحيضِ، وردُّ الدِّينارِ مع وجودِهِ في محلِّهِ.
(قولُهُ: ولعلَّهُ روايَةٌ أُخرى) لا يلزَمُ من هذا التعليلِ أن يكونَ في المسألتينِ السَّابِقتينِ روايةٌ أُخرى؛ فإنَّه
لا نظَرَ للتعليلِ في الفروعِ، بل يُنظَرُ لما ذكروهُ من الأحكامِ في كلِّ مسألةٍ وإِنِ اشتبهتِ العِلَلُ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق٢٨٨/أ.
(٢) صـ ٤٧٦-٤٧٧ - "در".
(٣) في النسخ جميعها بغير ياء ((تصلٍ))، والخطاب للمؤنث، فالصواب ما أثبتناه، وقد نَّه عليه المصحِّحُ بقوله: ((قوله: ((لم تصلٍ))
هكذا بخطّه، والأنسبُ بكونِ الخطاب لمؤنّثٍ - كما في "الشَّارح "- أن يُرْسَمَ ((لم تصلِّي)) بالياءِ كما لا يخفى)). اهـ مصحِّحُه.

الجزء الحادي عشر
٤٨١
باب الیمین في الأكل والشرب
ثم يحنَثُ للعجزِ عادةً، ولو وَقَّتَ اليمينَ.
الحَجرِ ذَهَبًاً يَتَحويلِ الله تعالى صِفةَ الحَجريَّةِ إلى صفةِ الذَّهبيَّةِ بناءً على أنَّ الجواهِرَ كُلَّهَا مُتجانِسَةٌ
مُستويَّةٌ فِي قَبُولِ الصِّفاتِ، أو بإعدامِ الأجزاءِ الحَجريَّةِ وإبدالِها بأَجزاءٍ ذهبيّةٍ، والَّحويلُ فِي الأَوَّل
أظهَرُ وهو مُمكِنٌ عند المتكلِّمين على ما هو الحقُّ، "فتح"(١).
مطلبٌ: يجوزُ تحويلُ الصِّفاتِ وتحويلُ الأجزاءِ
[١٧٧٩٠] (قولُهُ: ثُمَّ يَحنثُ) عَطفٌ على مَعُلُومٍ مِن الَقَامِ أي: فَتَعْقِدُ ثُمَّ يَحنثُ، "ط)"(٢). قال
في "شرحِ الجامعِ الكبيرِ": ((فِباعتبارِ الَّصوُّرِ في الجُمَةِ انعقدت اليَمِينُ، وباعتبارِ العَجزِ عادةً حَنِثَ
للحال، وهذا العَجزُ غيرِ العَجزِ المُقَارِنِ للَمِينِ؛ لأنَّ هذا هو العَجرُ عن البِرِّ الواجِبِ بالْيَمِينِ)) اهـ.
أي: بخلافِ العَجزِ فِي مسألَةِ الكُوزِ فَإِنَّه مُقَارِنٌ للَيَمِينِ فلذا لم تَنَعقِد. واعلَم أنَّ الحِنثَ في هذِهِ
المسأَةِ عند أئمَّنَا الَّلاثةِ، وفِيها خِلافُ "زُفرَ"؛ فعندَهُ لا تَنَعقِدُ اليَمِينُ ولا يَحنثُ لِإِلحاقِهِ الْمُستحِيلَ
عادةً بالمستحِيلِ حقيقةً، بخِلافٍ مسألَةِ الكُوزِ، فإِنَّ فِيها خِلافَ "أبي يُوسُف" كما مرَّ(٣).
(تنبية)
المرادُ بالعَجِ هنا عدَمُ الإِمكانِ والتّصوُّرِ عادةً، فلو حلَفَ لْيُؤدِّينَّ له دَينَهُ اليومَ فلم يكُن مَعَهُ
شَيءٌ ولم [٤/ق١/٩٣) يَجِد مَن يُقْرِضُهُ يَحنثُ بُضِيِّ اليومِ على المُفْتَى به كما مرَّ(٤) في بابِ الَّعليقِ؛
لأنَّ الأداءَ غيرُ مُستحيلٍ عادةً.
(قولُهُ: وباعتبارِ العجزِ عادةً حنِثَ للحالِ إلخ) لأنَّ التأخيرَ لآخرِ الحياةِ فيما يُرجى وجودُهُ، بخلافِ ما
لو تحقّقَ العجزُ للحال.
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤١٦/٤ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام إلخ ٣٥٩/٢ بتصرف.
(٣) المقولة [١٧٧٧٣] قوله: ((إذ لا بدَّ من تصوُّر الأصل إلخ)).
(٤) المقولة [١٣٨٦٠] قوله: ((وستجيءُ مسألة الكوز بفروعها)).

حاشية ابن عابدين
٤٨٢
باب اليمين في الأكل والشرب
لم يحنث مالم يمضِ ذلكَ الوقتُ. وفي "حيرةِ الفقهاءِ"(١): قالَ لامرأتِهِ: إن لم أعرُج
إلى السماءِ هذهِ الليلةَ فأنتِ كذا ينصِبُ سُلَّماً ثم يعرِجُ إلى سماءِ البيتِ؛ لقولِهِ
تعالى ﴿فَلْيَمْدُ دْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ﴾ [الحج - ١٥] أي سماءِ البيتِ. قالَ "الباقانيُّ":
والظاهرُ خروجُها عن قاعدةٍ: مبنَى الأيمان.
[١٧٧٩١] (قولُهُ: لم يَحنث ما لم يَمضِ ذلك الوقتُ) أي: فَيَحنثُ في آخرِهِ، قال في
"الفتح"(٢): ((فلو ماتَ قبلَهُ فلا كفَّارةَ عليه؛ إذ لا حِنثَ)) اهـ.
(تنبيةٌ)
قال في "شرحِ الجامِعِ الكبيرِ": ((قال "الكَرْخِيُّ": إذا حلَفَ أن يَفعلَ ما لا يَقدِرُ عليه كقولِهِ:
الأصعَدنَّ السَّمَاءَ، فهو آثِمٌ، ورَوَى "الحسَنُ" عن "زُفَر" فيمَن قال: لأَمسَنَّ السَّماءَ اليومَ، إِنَّه آثِمٌ
ولا كفَّارَةَ عليه؛ لأَنَّه لا تَنْعقِدُ عندَهُ إِلاَّ على ما يُمكِّنُ)).
[١٧٧٩٢) (قولُهُ: والظَّاهرُ خُرُوجُها إلخ) هذا الاعتذارُ يُحتاجُ إليه إن كانت المَسأَلَةُ مِن نَصِّ
المَذهَبِ لا إن كانت مِن تخريجِ بعضِ المشايخِ على القولِ باعتبارِ الحقيقةِ اللُّغْوِيَّةِ وإن لم يُمكِن
فالعُرفُ، وعليه مَشَى "الزَّيلِعِيُّ)(٣)، وقد تقدَّم(٤) ردُّهُ وأنَّ الاعتِمادَ على العُرفِ، ولو كانت هذه
المسألةُ مَنصُوصةً لذَكُرُوا استثناءِها مِن القاعدَةِ الَنِيِّ عليها مسائلُ الأَيمانِ وهي العُرفُ، والّذي
يَظهرُ حَمَلُ هذِهِ المسأَلَةِ على ما إذا نَوَى سَقْفَ البَيتِ، كما أجابوا عن قولِ صاحبِ "الذَّخيرةِ"
و "المرغِينانيِّ" في: لا يَهدِمُ بَيْنَاً، أنّه يَحنثُ بِهَدمٍ بِيتِ العَنكُبُوتِ، كما أَوْضَحِناهُ(٥) في أوَّل البابِ
السَّابِقِ فَرَاجِعهُ لِيَظهرَ لك ما قُلنا.
(١) "حيرة الفقهاء": لأبي المفاخر عبد الغفار بن لقمان بن محمد، تاج الدين الكَرْدَريّ (ت٥٦٢هـ). ("إيضاح
المكنون" ٤٢٥/١، "الجواهر المضية" ٤٤٣/٢، "تاج التراجم" ص ١٣٤-، " الفوائد البهية" صـ ٩٨-).
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤١٦/٤.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٣٥/٣.
(٤) المقولة [١٧٧٠٨] قوله: ((ما يُبَاعُ في مصره)).
(٥) المقولة [١٧٤٢٨] قوله: ((فلا حنثَ إلخ)).

الجزء الحادي عشر
٤٨٣
باب اليمين في الأكل والشرب
(وكذا) الحكمُ لو حلَفَ (ليقتُلَنَّ فلاناً عالماً بموتِهِ)؛ إذ يمكِنُ قتلُهُ بعدَ إحياءِ اللهِ
تعالى فيحنَثُ (وإن لم يكن عالِماً) بموتِهِ (فلا) يحنَثُ؛ لأَنَّهُ عقَدَ يِمِينَهُ على حياةٍ
كانت فيهِ ولا يُتَصَوَّرُ كمسألةِ الكوزِ، وكقولِهِ: إن تركتُ مسَّ السماءِ فعبدي(١)
حٌّ؛ لأنَّ التركَ لا يُتَصَوَّرُ في غيرِ المقدورِ.
(١٧٧٩٣] (قولُهُ: وكذا الحُكمُ) أي: في الانعقادِ والحِنثُ للحَالِ، وقَّد بالقَتلِ احتِرازاً عن
الضَّربِ، ففي "الخانيَّةِ"(٢): ((َيَضرِبِنَّ فُلاناً اليومَ وفُلانٌ مَيتٌ لا يَحنثُ عَلِمَ بَموتِهِ أَو لا، ولو حَيّاً
ثُمَّ مات فكذلك عندَهُما، وحَنِثَ عند "أبي يُوسُف")) اهـ، أفادَهُ في "الشُّرُ نُالَّةِ"(٣)، فافهم.
[١٧٧٩٤) (قولُهُ: فَيَحَنَثُ) أي: بالإجماع؛ لأنَّ يَمِينَهُ انصرفَت إلى حَياةٍ يُحدِثُها اللهُ تعالى فيه،
وأَنَّه مُتُصوَّرٌ، وإذا أَحياهُ اللهُ تعالى فهو فُلانٌ بِعَيِنِهِ لكِنَّهِ خِلافُ العادَةِ فَحَثُ كما في صُعُودِ السَّماءِ.
[١٧٧٩٥) (قولُهُ: كمسالَةِ الكُوزِ) تَشبية في عدَمِ الحِنثِ لعدَمِ النَّصوُّرِ لا في التّفصيلِ بين العالِمِ
وغيرِهِ؛ لِما مرَّ(٤) أنَّ الأصحَّ عدَمُ التَّفصيلِ فِيها، فإِنَّ حِنْثَ العالِمِ هنا لأنَّ الِرَّ مُتصوَّرٌ كما عَلمتَ.
أمَّا في الكُوزِ لو خَلَقَ الماءَ لا يكُونُ عينَ الماءِ الَّذِي انعَقدَ عليه اليَمِينُ فلا يُتصوَّرُ البِرُّ أصلاً، فكان
الماءُ نظيرَ الشَّخصِ لا نَظيرَ الحياةِ، كذا في "شرحِ الجامِعِ"، وكأنَّه يُشيرُ إلى أَنَّه لو جُعِلَ الماءُ نظيرَ
الحياةِ لَزِمَ الَتَّفصيلُ فيه أيضاً؛ لأنَّ الحياةَ الحادِثَةَ غيرُ المعقُودِ عليها، تأمَّل.
[١٧٧٩٦] (قولُهُ: لأنَّ الَّركَ لا يُتصوَّرُ في غيرِ الَقَدُورِ) لأنَّ تركَ الشَّيءٍ فرعٌ عن إمكانِ فِعِلِهِ
(قولُهُ: ليضربَنَّ فلاناً اليومَ وفلانٌ مَيِّتٌ لا يحنَثُ إلخ) الحقُّ ما في "ط" أنَّ كلَّ ما اختصَّ بالحياةِ
- كالإِعطاءِ والضربِ - كالقتلِ، وفرعُ "الخانَّةِ" لا ينافي ذلكَ لتقييدِهِ باليومِ، فإذا لم توجد فيه الحياةُ لم يوجد
شرطُ بقاءِ اليمينِ وهو تصوُّرُ البِرِّ، تأمَّل.
(١) في "و": ((فعبدُهُ حرٌّ)).
(٢) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الضرب والقتل ونحو ذلك ١١٤/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الأيمان - باب حلف الفعل ٥٢/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) صـ ٤٧٣-٤٧٤ - "در".

حاشية ابن عابدين
٤٨٤
باب اليمين في الأكل والشرب
(حَلَفَ لا يكلِّمُهُ فناداهُ وهوَ نائمٌ فأيقَظَهُ) فلو لم يوقِظهُ لم يحنَث، هوَ المختارُ، ولو
مستيقظاً حنِثَ لو بحيثُ يَسمَعُ بشرطِ انفصالِهِ عنِ اليمينِ، فلو قالَ موصولاً: إن
كلمتكِ فأنتِ طالقٌ فاذهبي أو واذهبي.
عادةً، أي: بخِلافِ العدَمِ فإنّه يَتحقَّقُ مُطلقاً فلذا حَنِثَ في: إن لم أَمَسَّ [٤/ق٩٦/ب] السَّماءَ، كما
في "الّهر"(١). وقدَّمناهُ(٢) عن "شرحِ الجامِعِ".
مطلبٌ: حلَفَ لا يُكلِّمُهُ
[١٧٧٩٧) (قولُهُ: حَلَفَ لا يُكلِّمُهُ) قال في "الذَّخيرةِ": ((يَقعُ على الأَبَدِ، وإِن نَوَى يوماً أو
يومين أو بلَداً أو مَنزِلاً فإِنَّه لا يُصدَّقُ دِيانةً ولا قضاءً، وفي أيِّ يومٍ كَلَّمَهُ حَنِثَ؛ لأَنَّه نَوَى
تَخصيصَ ما ليسَ بَلِفُوظٍ)) اهـ.
[١٧٧٩٨) (قولُهُ: هو المختارُ) خلافاً لِمَا ذَكَرَهُ "القُدُورِيُّ)(٣): ((مِن أَنَّه يَحَنَثُ إذا كان بحيثُ
يَسمعُ(٤))، ورَجَّحُهُ "السَّرْحَسِيُّ" (٥) مُتُمسِّكاً بما في "السِّيرِ"(٦): ((لو أَمَّنَ المُسلِمُ أهلَ الحَربِ مِن
مَوضعٍ بحيثُ يَسمَعُونَ صوتَهُ لكِنْهم باشتِغَالِهِم بالحَربِ لم يَسمعُوهُ فهذا أَمالٌ))، ودُفِعَ بالفرقِ
وذلك: أنَّ الأَمانَ يُحتاطُ في إثباتِهِ بِخِلافٍ غيرِهِ، "نهر "(٧).
[١٧٧٩٩) (قولُهُ: لو بحيثُ يَسمعُ) أي: إن أَصغَى إليه بأُذُنِهِ، وإن لم يَسمع لِعارِضِ شُغلٍ
(قولُهُ: ودُفِعَ بالفَرْقِ إلخ) هذا الدفعُ لا يتمُّ مع الاتفاقِ على الحنثِ فيما لو ناداهُ مستيقظاً بحيثُ
يسمعُ، فهذا مما يُتَمسَّكُ به لِما ذكرَهُ "القدوريُّ"، فيلزَمُ إثباتُ الفارقِ على القولِ المختارِ وبيانُهُ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٨/أ.
(٢) المقولة [١٧٧٩١] قوله: ((لم يحنَثْ ما لم يَمْضِ ذلكَ الوقتُ)).
(٣) انظر "اللباب شرح الكتاب": كتاب الأيمان ١٦/٤.
(٤) في "م": ((لم يسمع))، وهو خطأ.
(٥) "المبسوط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام وغيره ٢٢/٩ بتصرف.
(٦) انظر "شرح السير الكبير": ما يكون أماناً وما لا يكون ٣٥٨/١ بتصرف.
(٧) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٨/أ.

الجزء الحادي عشر
٤٨٥
باب الیمین في الأكل والشرب
لا تطلُقُ مالم يُرِدِ الاستئنافَ، ولو قالَ: إِذهبي طَلُقَت؛ لأَنَّهُ مستأنِفٌ، ولو قالَ:
يا حائطُ اسمع أو اصنع كذا وكذا وقصَدَ إسماعَ المحلوفِ عليهِ لم يحنث،
"زيلعي"(١). وفي "السِّراجيَّة"(٢): سألَ "محمدٌ" حالَ صغَرِهِ "أبا حنيفةً" فيمن قالَ
لآخرَ: واللهِ لا أكلِّمُكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فقالَ "أبو حنيفةً": ثمَّ ماذا؟ فتبسَّمَ "محمدٌ"
وقالَ: انظر حَسَناً يا شيخُ، فَنَكَسَ "أبو حنيفةً".
أو صَمَمٍ، فلو لم يَسمَع مع الإصغاءِ لشِدَّةِ بُعدٍ لا يَحنثُ، كما في "البحر"(٣) عن "الذَّخيرةِ"،
وفيه: (٤) لو كلَّمَه بكلامٍ لم يَفهمهُ الَحُلُوفُ عليه ففيه روايتان.
[١٧٨٠٠] (قولُهُ: لَا تَطِلُقُ) أقولُ: في "البَّازيَّةُ" (٥): ((فلو وَصلَ وقال: إن كلَّمتُكِ فأنتِ طالِقٌ
فاذَهِي لا يَحنثُ، ولو: اذَهِي، أو وَ اذَهَبِي يَحنثُ)) اهـ. لكِن ما ذَكرَهُ(٦) "الشَّارِحُ" مِن الَسويَةِ
بين الواوِ والفاءِ هو الَّذكُورُ في "الفتحِ"(٧) و"البحرِ"(٨) عن "المُنتقى"، ومِثُهُ في "النَّاتِر خانَّةٍ" (٩).
(١٧٨٠١) (قولُهُ: ما لم يُرِدِ الاستئنافَ) قال في "الَّتر خانيَّةِ"(٩): ((وفي "الذَّخيرةِ" و"المُنتقى":
إن أرادَ بقولِهِ: فاذهَبِي طلاقاً طَلّقت به واحدةً وباليَمِينِ أُخرى)).
[١٧٨٠٢) (قولُهُ: وَقَصدَ إسماعَ الَمَحُلُوفِ عليه) أي: ولم يَقصِد خِطابَهُ مع الحائِطِ بل قَصدَ
١٠٢/١
(قولُ "الشَّارحِ": لا تطلُقُ ما لم يُرِدِ الاستئنافَ) لأنَّ هذا من تمامِ الكلامِ الأوَّلِ، فلا يكونُ مُرادً
باليمينِ اهـ. "سندي".
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٣٦/٣ بتصرف.
(٢) "السراجية": كتاب الأيمان - باب اليمين على الكلام ونحوه ٣٢٠/١ بتصرف. (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٠/٤.
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦١/٤.
(٥) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الثامن في الكلام ٢٨٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) ص ٤٨٤ - "در".
(٧) "الفتح": کتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٨/٤.
(٨) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦١/٤.
(٩) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل العاشر في الحلف على الأقوال ٤٥٦/٤.

حاشية ابن عابدين
٤٨٦
باب اليمين في الأكل والشرب
ثم قالَ: حِنِثَ مرَّتَين، فقالَ "محمد": أحسَنتَ، فقالَ "أبو حنيفة": لا أدري أيُّ الكلمتينِ
أوجعُ لي قولُهُ:
خطابَ الحائِطِ فقَط، ولذا قال في "البحرِ"(١) وغيره: ((لو سَلَّم على قَومٍ هو فِيهم حَنِثَ إلاَّ أن
لا يَقصِدَهُ فُيُدَيَّنُ. أمَّا لو قال: السَّلامُ عليكُم إلاَّ على واحِدٍ فُيُصدَّقُ قضاءً عندَنا، ولو سَلَّمَ مِن
الصَّلاة لا يَحنثُ وإن كان المحلُوفُ عليه عن يَسارِهِ هو الصَّحيحُ؛ لأنَّ السَّلامَينِ فِي الصَّلاةِ مِن
وَجٍ، ولو سَّحَ له لسَهوٍ أو فَتَحَ عليه القِراءةَ وهو مُقْتٍ لم يَحنث، وخارِجَ الصَّلاةِ يَحنثُ)).
(تنبيهٌ)
لو قال: إِنِ ابْتَدأتُكَ بكلام فعَبدِي حُرٍّ فَالتَقِيَا فِسَلَّمَ كُلٌّ على الآخَرِ لا يَحنثُ، والنحلَّتِ
اليَمِينُ؛ لعدَمٍ تَصوُّرٍ أن يُكلِّمَهُ بعد ذلك انِتِداءً، ولو قال لها: إِنِ ابْتَدُتُكِ بكلامٍ وقالت هي كذلك
لا يَحنثُ إذا كلَّمَها؛ لأَنَّه لم يَتَدِئِها، ولا تَحنثُ هي بعد ذلك؛ لعدَمٍ تَصوُّرِ ابتدائِها، كذا في
"الفتح"(٢)، ومِثْلُهُ في "البحر"(٣) و"الزَّيلِيِّ) (٤) و "الدَّخيرةِ" و"الظَّهِبرِيَّةِ"(٥)، وفي "تلخيصِ الجامِعِ":
((إِنِ [٤/ق٩٤/أ] ابْتَدَأْتُكَ بِكَلامٍ أو تَزوُّجٍ أو كلَّمتُكَ قبلَ أن تُكُلِّمَنِي فَتَكَالَما أو تَزَوَّجا معاً
لم يَحنث أبداً؛ لاستحالَةِ السَّبْقِ مع القِرانِ)) اهـ. وبه ظَهرَ أنَّ قولَ "البزَّازِيَّةِ"(٦): ((حَنِثَ الحالِفُ))
صَوَابُهُ: لا يَحنثُ.
[١٧٨٠٣) (قولُهُ: حَنِثَ مرَّتين) لأَنَّه انعَقْدَ الْيَمِينُ بِالأُولِى فَيَحْنَثُ بالثَّانِيةِ، وتَنعقِدُ بها يَمِينٌ
أُخرى فَيَحَنَثُ بها في الثَّالثةِ مرَّةً؛ لأنَّ الْيَمِينَ الأُولى قد انحلَّت بالثّانيةِ. وفي "تَلخيصِ الجامِعِ":
(١) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦١/٤ بتصرف.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٨/٤.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦١/٤.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٣٧/٣.
(٥) "الظهيرية": كتاب الأيمان - فصل في الكلام ق١٣٦/ب.
(٦) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الثامن في الكلام - النوع الأول ٢٨٦/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء الحادي عشر
٤٨٧
باب اليمين في الأكل والشرب
حَسَناً أو: أحسنْتَ؟! (أو) حلَفَ: لا يكلِّمُه (إلا بإذنِهِ فأذِنَ لهُ ولم يعلم) بالإِذن فكلَّمَهُ
(حنِثَ) لاشتقاقِ الإِذْنِ منَ الأذانِ فُيُشتَرَطُ العلمُ،
((لو قال ثلاثاً لغيرِ الَدخُولَةِ: إن كلَّمتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، النحلَّتِ الأُولى بالنَّنيةِ؛ لاستِنافِ الكلامِ،
بخِلافٍ: فاذهبي يا عَدُوَّ الِلِهِ)) اهـ.
وحيثُ انحلَّتِ الأُولى بالثّانيةِ لا يَقعُ بالنَّالثةِ شَيءٌ؛ لأَنّها بانَت لا إلى عِدَّةٍ، بخِلافِ
الْمَدْخُولِ بها.
[١٧٨٠٤) (قولُهُ: حَسَناً أو: أَحسنتَ) لأنَّ قولَهُ: انظُر حسَناً يُقِيدُ النَّقْرِيعَ (١) بأَنَّك لم
تَنْأمَّل في الجوابِ، وقولُهَ: أَحسنتَ وإن كان تَصويباً إلاَّ أنَّه يَتضمَّنُ أَنَّه لم يُحسِن قَبَلَهُ، فَكُلٌّ
مِن الكَلِمْتَيْن مُوجِعٌ.
[١٧٨٠٥) (قولُهُ: أو حلَفَ إلخ) عَطفٌ على قَولِ "المُصنّفِ": ((حَلَفَ لا يُكلِّمُهُ)). وقولُهُ:
((حَنِثَ)) جوابُ الْمَسْأَتَين.
[١٧٨٠٦) (قولُهُ: لاشتِقاقِ الإِذنِ) أي: اشتِقاقاً كبيراً - كما في "النّهرِ"(٢) - مِن الأَذان
وهو: الإعلامُ، "ح"(٣).
قلتُ: وفيه نَظرٌ يُعلَمُ ثَمّا قدَّمناهُ(٤) فِي الوُضُوءِ.
[١٧٨٠٧] (قولُهُ: فُيُشترَطُ العِلمُ) ظاهرُهُ أَنَّه لا يُكَتَفَى بِمُجرَّدِ السَّماءِ بل لا بُدَّ معه مِن العِلمِ
بمعناهُ احترازاً عمَّا لو خاطَبَهُ بلُغةٍ لا يَفْهَمُها، كما قدَّمنا (٥) نَظِيرَهُ في حَلِفِهِ: لا تَخْرُجِي إلاَّ بإذني.
(قولُهُ: إلا أنَّه يتضمَّنُ أَنَّهُ لم يحسين قبلَهُ إلخ) أو أنَّ قولَهُ: ((أحسنت)) يفيدُ أنَّ عندَهُ عِلماً بالحُكمِ
قبلَ السؤالِ فيكونُ كالمتعنّتِ، ومثلُهُ مِنْ"محمَّدٍ" لا يُعَدُّ سوءَ أدبٍ لصغرِهِ. اهـ "سندي".
(قولُهُ: وفيهِ نظرٌ يُعلَمُ مّا قدَّمناهُ في الوضوءِ) حيثُ قالَ عن "تعريفاتِ السَّيد": ((الاشتقاقُ: نزعُ لفظٍ
(١) في "آ" و"م": ((التفريع)) بالفاء، وهو تحريف.
(٢) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق٢٨٨/ب.
(٣) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق ٢٤١/ب.
(٤) المقولة [٧٤٣] قوله: ((مشتق إلخ)).
(٥) المقولة [١٧٥٧٨] قوله: ((شُرِطَ لبِرِّ لكلِّ خروجٍ إذنٌ)).

حاشية ابن عابدين
٤٨٨
باب اليمين في الأكل والشرب
بخلافِ: لا يكلِّمُهُ إلا برضاهُ فرَضِيَ ولم يعلم؛ لأنَّ الرِّضى من أعمالِ القلبِ فَتِمُّ بِهِ.
(الكلامُ) والتحديثُ (لا يكونُ إلا باللسانِ) فلا يحنَثُ بإشارةٍ وكتابةٍ كما في "النتف" (١).
وفي "الخانية"(٢): لا أقولُ له: كذا فكَتَبَ إليهِ حِنِثَ، ففرَّقَ بينَ القولِ والكلامِ، لكن نقلَ
"المصنّفُ" (٣) بعد مسألةِ شمِّ الرَّيحانِ عنِ "الجامع" أنهُ كالكلامِ خلافاً لـ "ابنِ سماعةً".
(والإِخبارُ والإقرارُ والبشارةُ.
[١٧٨٠٨] (قولُهُ: فَرَضِيَ) أي: بأن أَخبرَهُ بعد الكَلامِ بأَنَّه كان رَضِيَ.
[١٧٨٠٩) (قولُهُ: فلا يَحنثُ بإشارَةٍ وكِتَابٍ) وكذا بإرسالِ رَسُولٍ؛ لأَنَّه لا يُسمَّى كلاماً
عُرفً، خِلافً لـ"مالكٍ" و "أحمدَ" رَحِمَهُما اللهُ تعالى استدلالاً بقولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ
اَللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا﴾ إلى قوله: ﴿أَوْيُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى - ٥١].
أُجيبَ عنه: بأنَّ مَبنى الأَيمانِ على العُرفِ، "فتح"(٤).
[١٧٨١٠) (قولُهُ: عن "الجامِعِ"(٥) حيثُ قال: ((إذا حَلَفَ لا يُكُلِّمُ فُلانً، أو قال: واللهِ
لا أَقولُ لفُلان شيئاً، فَكَتَبَ له كتاباً لا يَحنثُ. وذَكرَ "ابنُ سماعةً" في "نَوادِرِهِ": أَنَّه يَحنثُ)) اهـ.
فقولُهُ: ((خِلافً لابنِ سَماعةَ)) أي: فِيهما فَتَحصَّل أنَّ الأقوالَ ثلاثةٌ: الحِنْثُ مُطلقً، وعدَمُهُ مُطلقً،
من آخرَ بشرطِ مناسبِتِهما معَنَّى وتركيباً ومغايرتِهما في الصيغَةِ، فإنْ كانَ بينهما تناسُبٌ في الحروفِ والترتيبِ
كضَربَ مِن الضَّربِ فهو اشتقاقٌ صغيرٌ، أو المعنى دونَ الترتيبِ كجَبَذَ من الجذبِ فكبيرٌ، أو في المخرجِ كَنَعَقَ
من النَّهْقِ فأكبرُ)). اهـ أي: فما نحنُ فيه صغيرٌ لا كبيرٌ.
(١) "النتف": كتاب الإيمان والكفارات - حلف على الكلام ٤٠٦/١ بتصرف.
(٢) "الخانية": كتاب الأيمان - باب من الأيمان - فصل في الكلام والقراءة ١٠٣/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الضرب والقتل وغير ذلك (فروع) ١/ق٢١٥/أ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٨/٤.
(٥) أي: "الجامع في الفتاوى" كما في "البحر"٤٠٢/٤.

باب اليمين في الأكل والشرب
٤٨٩
الجزء الحادي عشر
تكونُ بالكتابةِ لا بالإشارةِ والإِيماءِ، والإظهارُ والإِنشاءُ والإعلامُ يكونُ) بالكتابةِ
و (بالإشارةِ أيضاً) ولو (١) قالَ: لم أنوِ الإشارةَ دُيِّنَ، وفي: لا يدعوهُ.
وتَفصيلٌ، "قاضي خان" (٢)، "ط" (٣).
[١٧٨١١] (قولُهُ: تكُونُ بالكِتابةِ) أي: كما تكُونُ باللِّسانِ، ولم يُنِّه عليه لظُهورِهِ، فافهم.
[١٧٨١٢) (قولُهُ: والإيماءِ) بالجرِّ عطفٌ على الإشارَةِ، وكأَنَّه أرادَ الإِشارةَ بالَيَدِ والإيماءَ
بالرَّأْسِ؛ لأنَّ الأصلَ فِي العَطفِ الْمُغَايَرةُ.
[١٧٨١٣] (قولُهُ: والإظهارُ إلخ) بالرَّفعِ مُبتدأ .
[١٧٨١٤) (قولُهُ: والإِنشاءُ) كذا في النَّسَخِ، والّذي [٤/ق٩٤/ب] في "الفتحِ"(٤) و "البحرِ "(٥)
و "الِنَحِ"(٦): ((الإِفِشَاء)) بالفاء، أي: لو حلَفَ لا يُفشِي سِرَّ فُلانٍ أو لا يُظهِرُهُ أو لا يُعلِمُ به يَحَنَثُ
بالكِتابَةِ وبالإِشارَةِ.
[١٧٨١٥) (قولُهُ: ولو قال إلخ) قال في "البحرِ"(٧): ((فإن نَوَى في ذلك كلِّهِ أي: في الإظهار
والإِفِشاءِ والإعلامِ والإخبارِ كَونَهُ بالكِتابةِ دُونَ الإشارةِ دُيِّنَ فِيما بينَهُ وبين اللهِ تعالى)) اهـ. وهكذا
في "الفتحِ"(٨)، ونحوُهُ في "البزَّازِيَّةِ"(٩)، ولم يَذكُر في "النَّهر "(١٠) الإخبارَ وهو الظَّاهرُ؛ لِما مرَّ (١١):
(١) في "و": ((فلو قال)).
(٢) "شرح الجامع الصغير": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٢/ ٨/أ بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٦٠/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٨/٤.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦١/٤.
(٦) "المنح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١/ق ٢٠١/ب.
(٧) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦١/٤ - ٣٦٢.
(٨) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٨/٤.
(٩) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الثامن في الكلام ــ نوعٌ في الإعلام والبشارة والإخبار ٢٩٢/٤ (هامش
"الفتاوى الهندية").
(١٠) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب واللباس والكلام ق٢٨٨/ب.
(١١) في هذه المقولة.

حاشية ابن عابدين
باب اليمين في الأكل والشرب
٤٩٠
أو لا(١) يبشِّرُهُ يحنَثُ بالكتابةِ. (إن(٢) أخبرتني) أو أعلمتَني (أنَّ فلاناً قدِمَ ونحوُهُ
يحنَثُ بالصدق والكذبِ، ولو قالَ: بقدومِهِ ونحوِهِ ففي(٣) الصدقِ خاصَّةً).
((أَنَّ الإخبارَ لا يكُونُ بالإِشارَةِ)). فما مَعنى أَنَّه يُديَّنُ في أَنَّه لم يَنوِ به الإِشارةَ؟ ومَفَهُومُ قولِهِ:
((دُيِّن إلخ)) أنَّه لا يُصدَّقُ قضاءً، كما عزَاهُ في "الَّار خانَِّ"(٤) إلى عامَّةِ المشارِخِ. وفِيها(٥): ((وكُلُّ
ما ذَكرنا أنَّه يَحنثُ بالإِشارَةِ إذا قال: أَشرتُ وأنا لا أُرِيدُ الَّذي حلَفتُ عليه، فإن كان جواباً
لشَيءٍ سُئِلَ عنه، لم يُصدَّق في القضاء ويُدِيَّنُ)).
[١٧٨١٦) (قولُهُ: أو لا يُبشِّرُهُ) تكرارٌ مع قولِ المتنِ: ((والبِشارَةُ تَكُونُ بالكِتابةِ)). اهـ "ح"(٦).
ولعلَّه: أو لا يُسِرُّهُ مِن الإِسرَارِ.
[١٧٨١٧) (قولُهُ: إن أَخبرتَنِي أو أَعلمتَنِي إلخ) وكذا البِشارَةُ، كما في "الفتحِ"(٧) و"البحرِ (٨)،
وهو مُخالِفٌ لِما سَيَذكُرُه في البابِ الآتِي(٩) عن "البدائِع": ((مِن أنَّ الإعلامَ كالبِشَارَةِ لا بُدَّ فِيهما
مِن الصِّدَقِ ولو بِلا باءٍ))، ويُؤْيِّدُهُ ما في "َتَلخيصِ الجامِعِ الكبيرِ": ((لو قال: إن أخبرتَنِي أَنَّ زيداً
قَدِمَ فكذا،َ حَنِثَ بالكَذِبِ، كذا إن كَتَبتَ إليَّ وإن لم يَصِل. وفي: بشَّرْتَنِي، أو أَعلمتَنِي يُشترَطُ
الصِّدِقُ وجَهلُ الحالِفِ؛ لأنَّ الرُّكنَ فِي الأُولَينِ الدَّلُّ على المُخَبَرِ وجَمعِ الْحُرُوفِ، وفي الأُخرِيَين
إفادةُ البِشرِ والعِلمِ، بُخِلافٍ ما إذا قال بقُدُومِهِ؛ لأنَّ باءَ الإلصاقِ تَقْتَضِي الوُجُودَ وهو بالصِّدقِ،
ويَحنثُ بالإِيماءِ في: أَعَلَمَتِي، وبالكِتَابِ وَالرَّسُولِ فِي الْكُلِّ)) اهـ.
(١) في "د": ((ولا يبشره)) بالواو.
(٢) في "د": ((إذ أخبرتني))، وهو تحريف.
(٣) في "و" و"د": ((فعلى)).
(٤) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل العاشر في الحلف على الأقوال ٤٧٢/٤.
(٥) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل العاشر في الحلف على الأقوال ٤٧٣/٤.
(٦) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ق ٢٤١/ب.
(٧) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٩/٤.
(٨) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٢/٤.
(٩) صـ ٥٤١ - "در".

الجزء الحادي عشر
٤٩١
باب اليمين في الأكل والشرب
الإِفادتِها إلصاقَ الخبرِ بنفسِ القدومِ كما حقّقْناهُ في بحثِ الباءِ منَ الأصولِ، وكذا:
إن كتبتَ بقدومٍ فلانٍ كما سيجيءُ(١) في البابِ الآتي، وسأَلَ الرشيدُ "محمَّدًا"
عمَّن(٢) حَلَفَ لا يكتُبُ إلى فلان فأومَاً بالكتابةِ هل يحنَثُ؟ فقالَ: نعم يا أميرَ
المؤمنينَ إن كانَ مثلَكَ. (لا يكلِّمُهُ شهراً.
[١٧٨١٨) (قولُهُ: لإِفادَتِها) أي: الباءِ إلصاقَ الخَبَرِ بَنَفسِ القُدُومِ، أي: فصارَ كأَنَّه قال: إن
أَخبرتَنِي خبراً مُلصَقاً بِقُدُومٍ زَيدٍ فَاقْتَضَى وُجُودَ القُدُومِ لا مَحالةَ، قال "ط)(٣): ((وفيه أنَّ الباءَ في:
إن أخبرتَنِي أنَّ فُلاناً قَدِمَ مُقَدَّرةً، ومُقتضاهُ: قَصرُهُ على الصِّدقِ)) اهـ.
قلتُ: قد يُجابُ بأَنَّها لم تَدخُل على المصدَرِ الصَّرِيحِ وفَرقاً بين الصَّرِيحِ والمؤوَّلِ، على أنَّ
تقديرَها لضرورَةِ النَّعديَةِ فلا تُفيدُ ما تُفيدُهُ مَلِفوظَةٌ، فتأمَّل.
١٠٣/١
[١٧٨١٩)] (قولُهُ: وكذا إن كَتَبتَ بِقُدُومٍ فُلانٍ) أي: أَنَّ مِثْلُهُ في اقتصارِهِ على الصِّدقِ، بخِلافٍ:
إِن كَتَبتَ إليَّ أَنَّ فُلانً قَدِمَ فَعَبدِي حُرِّ يَحنثُ بِالْخَبْرِ الكَاذِبِ حَتَّى لو كَتَبَ إليه قبلَ القُذُومِ أنَّ زيداً
قَدِمَ حَنِثَ [٤/ق١/٩٥] وإن لم يَصِل الكِتابُ إلى الحالِفِ، كذا في "شرحِ التَّخيصِ".
ومُفادّهُ: الحنثُ بُمجرَّدِ الكِتابةِ، ومُفادُ "الفتحِ"(٤) و"البحرِ "(٥) اشتراطُ الوُصُولِ، وَيَدِلُّ للأوَّل
تَعَليلُ "التَّلخيصِ" المارِ(٦) بأنَّ الرُّكنَ فِي الكِتَابَةِ جَمعُ الحُروفِ، أي: تَأْلِيفُها بالقَلَمِ وقد وُجِد.
[١٧٨٢٠) (قولُهُ: فقال: نَعَم إلخ) قال "السَّرْحَسِيُّ)(٧): هذا صحيحٌ؛ لأنَّ السُّلطانَ لا يَكُتُبُ
(قولُهُ: ويدلُّ للأوَّلِ تعليلُ "التّلخيصِ" إلخ) ويدلُّ للثاني التَّعبيرُ بـ: ((إلى))، فإِنَّها تفيدُ أنَّ الكتابةَ
منتهيَةٌ إليه، فيمينُهُ تفيدُ ذلكَ وإن كانت الكتابةُ جمعَ الحروفِ.
(١) صـ ٥٤١ - "در".
(٢) في "و" : ((من حلف)).
(٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٦٠/٢ بتصرف.
(٤) "الفتح": کتاب الأيمان - باب الیمین في الكلام ٤١٩/٤.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٢/٤.
(٦) المقولة [١٧٨١٧] قوله: ((إن أخبرتني أو أعلمتني إلخ)).
(٧) "المبسوط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام وغيره ٢٣/٩.

حاشية ابن عابدين
٤٩٢
باب اليمين في الأكل والشرب
فمِن حينِ حِلِفِهُ) ولو عرَّفَهُ فعلى باقيهِ (بخلافِ: لأَعتكِفَنَّ) أو لأصومَنَّ (شهراً فإنَّ
التعيينَ إليهِ) والفرقُ أنّ ذكرَ الوقتِ.
بَنَفْسِهِ وإنَّما يَأْمُرُ به، ومِن عادَتِهِم الأمرُ بالإِيِماءِ والإِشارةِ، "فتح"(١).
مطلبٌ: حلَفَ لا يُكلِّمُهُ شَهراً فهو مِن حِینِ حَلِفِه
[١٧٨٢١] (قولُهُ: فمِن حِينِ حَلِفِهِ) أي: يَقعُ على ثَلاثِينَ يوماً مِن حِينِ حَلَفَ؛ لأنَّ دَلالةَ حالِهِ
وهِيَ غَيْظُهُ تُوجِبُ ذلك، كما إذا آجَرَهُ شهراً؛ لأنَّ العُقُودَ تُرادُ لدَفعِ الحاجَةِ القائمَةِ، بخِلافٍ:
الأَصُومِنَّ شهراً فإنَّهَ نَكرٌ في الإثباتِ تُوجِبُ شهراً شائِعاً ولا مُوجِبَ لصَرفِهِ إلى الحالِ، "فتح"(٢).
[١٧٨٢٢) (قولُهُ: ولو عرَّفَهُ) كقولِهِ: لا أُكُلِّمُهُ الشَّهرَ يَقعُ على باقِيهِ، وكذا السَّنَةَ واليومَ
واللَّلَةَ. وأشار إلى أنَّه لو حَلَفَ بالَّلِ لا يُكُلِّمُهُ يوماً حَنِثَ بكلامِهِ فِي بَقِيَّةِ اللَّلِ وَفِي الغَدِ؛ لأنَّ
ذِكرَ اليَومِ للإخراجِ، وكذا لو حلَفَ بالنّهارِ لا يُكُلِّمُهُ ليلةً حَنِثَ بِكَلامِهِ مِن حِينِ حَلَفَ إلى طُلُوعِ
الفَجرِ، ولو قال في النّهارِ: لا أُكلِّمُهُ يوماً فهو مِن ساعَةٍ حَلِفِهِ مع اللَّلةِ المستقبَلَةِ إلى مِثلِ تِلكَ
السَّاعةِ من الغَدِ؛ لأنَّ اليومَ مُنْكَّرٌ فلا بُدَّ مِن استيفائِهِ، ولا يُمكِنُ إلَّ بإتمامِهِ مِن الغَدِ فَتَبَعُهُ(٣) اللَّيلُ.
وكذا: لا يُكُلِّمُهُ ليلةً فهُوَ مِن تلكَ السَّاعَةِ إلى مِثِلِها مِن اللّيلةِ الآتِيَةِ مع النّهارِ الَّذِي بَيْنِهُما، أفادَهُ في
"البحر"(٤) عن "البدائع"(٥).
مطلبٌ مُهمٌّ: لا يُكلِّمُهُ اليومَ ولا غَداً ولا بعد غَدٍ فِهِي أيمانٌ ثلاثةٌ
وفيه (٦) عن "الواقعاتِ": ((لا أُكُلِّمُكَ اليومَ ولا غَدً ولا بعد غدٍ فَلَهُ أن يُكلِّمَهُ ليلاً؛ لأَنّها
أيمانٌ ثلاثةٌ، ولو لم يُكرِّرِ النَّفيَ فهِيَ واحدٌَّ فَيَدخُلُ الَّلُ بِمَنْزَةِ قولِهِ: ثلاثَةَ أَيَّامٍ)).
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٩/٤.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤١٩/٤ - ٤٢٠ بتصرف.
(٣) في "م": ((فلا يتبعه))، وهو خطأ.
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٣/٤.
(٥) "البدائع": كتاب الأيمان - فصلٌ: وأمَّا الحلف على الكلام ٤٩/٣.
(٦) أي: في "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٣/٤ بتصرف.

الجزء الحادي عشر
٤٩٣
باب الیمین في الأكل والشرب
فيما يتناولُ الأبدَ لإخراجِ ما وراءَهُ، وفيما لا يتناولُهُ للمدِّ إليهِ، "زيلعي)"(١). (حلَفَ
لا يتكلمُ فقَرَأَ القرآنَ أو سبَّحَ في الصلاةِ لا يحنَثُ) اتفاقاً، (وإن فعلَ ذلكَ خارجَها
حِنِثَ على الظاهرِ) كما رجَّحَهُ في "البحرِ"، ورجَّحَ في "الفتح" عدمَهُ مطلقاً للعرفِ،
وعليهِ "الدررُ " (٢) و"الملتقى"(٣)، بل في "البحر"(٤) عن "التهذيب": أنهُ لا يحنَثُ بقراءةٍ
الكُتُبِ في عرفنا. انتھی.
[١٧٨٢٣] (قولُهُ: فِيما يَتناوَلُ الأَبَدَ إلخ) مِثلُ: لا أُكلِّمُهُ؛ فإنَّه لو لم يَذكُرِ الشَّهِرَ تَنَأَبَّدُ الْيَمِينُ.
فذِكرُ الشَّهِ لإخراجِ ما وَرَاءَهُ فَبَقِيَ ما يَلِي يَمِينَهُ داخلاً، "بحر "(٥).
[١٧٨٢٤) (قولُهُ: وفِيما لا يَتناولهُ) مِثلُ: لَأَصُومِنَّ أو لأَعْتَكِفِنَّ؛ فإِنّه لو لم يَذكُرِ الشَّهِرَ
لا تَتَأَبَّدُ الْيَمِينُ فكان ذِكرُهُ لَتَقديرِ الصَّومِ به وأَنَّه مُنكَّرٌ فالتَّعبينُ إليه، بخِلافِ: إن تركتُ الصَّومَ
شهراً فإنَّ الشَّهِرَ مِن حينِ حَلَفَ؛ لأنَّ تَركَهُ مُطلقً يَتناوَلُ الأَبدَ. فذِكرُ الوقتِ لإخراجِ ما وَرَاءَهُ،
وتَمامُهُ في "البحر"(٦).
[١٧٨٢٥] (قولُهُ: على الظَّاهرِ) أي: ظاهرِ الرّوايةِ مِن الفرقِ بين الصَّلاةِ وخارِجِها وهو ما
عليه "القُدُورِيُّ)(٧).
[١٧٨٢٦) (قولُهُ: كما رَجَّحهُ في "البحرِ "(٨) حيثُ قال: ((فَقَد اختَلَفَت الفَتوى، والإفتاءُ
بظاهرِ الَذهبِ أَولى)).
[١٧٨٢٧)] (قولُهُ: وَرَجَّح في "الفتح"(٩) عِدَمَهُ) [٤/ ق ٩٥/ب] حيثُ قال: ((وَلَمّا كان مَبنى
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٣٧/٣ بتصرف.
(٢) "الدرر": كتاب الأيمان - باب حلف القول ٥٧/٢ - ٥٨ بتصرف.
(٣) "ملتقى الأبحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٥٦٥/١ - ٥٦٦.
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٣/٤ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٢/٤.
(٦) انظر "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٢/٤ - ٣٦٣.
(٧) انظر "اللباب شرح الكتاب": كتاب الأيمان ١١/٤.
(٨) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٣/٤.
(٩) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤٢٠/٤ - ٤٢١.

حاشية ابن عابدين
٤٩٤
باب اليمين في الأكل والشرب
وقوَّاهُ في "الشُّ نبلالية" قائلاً: ولا عليكَ من أكثريَّةِ التصحيحِ له مع مخالفتِهِ (١) العرفَ،
ويقاسُ عليهِ إلقاءُ درسٍ ما، لكن يُعَكِّرُ عليه ما في "الفتح"(٢): ((وأمَّ الشِّعرُ فيحنَثُ بِهِ؛
الأَنَّه كلامٌ منظوٌ)). انتهى. فغيرُ المنظومِ أَوْلى، فتأمَّل. (حَلَفَ لا يقرأُ القرآنَ.
الأيمان على العُرفِ - وفي العُرفِ المُتأخّر لا يُسمَّى التّسبيحُ والقُرآنُ كلاماً حَتَّى يُقالُ لِمَن سَبَّح
طُولَ يَومِهِ أو قَرأ: لم يَتكَلَّمِ اليومَ بِكَلمةٍ - اختارَ المشايخُ أَنَّه لا يَحنثُ بَجَميعِ ما ذُكرَ خارِجَ
الصَّلاةِ، واختير للفَتوى مِن غيرِ تَفصيلٍ بين اليمينِ بالعربيّةِ والفارسيَّةِ)) اهـ.
وأفاد أنَّ ظاهرَ الرِّوايةِ مَبنيٌّ على عُرفِ المنقدِّمين، وقولُهُ: ((مِن غيرِ تفصيلٍ إلخ)) يُِّنُ قولَ
"الشَّارِحِ": ((مُطَلَقاً)).
[١٧٨٢٨] (قولُهُ: وقوَّاهُ في "الشُُّنُالَّةِ"(٣) إلخ) الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما في "الفتحِ"، فكان الأَولى
تَقديمَهُ على قولِهِ: ((بل في "البحر")).
[١٧٨٢٩) (قولُهُ: قائلاً: ولا عَليكَ إلخ) الَّذِي رَأيْتُهُ فِي "الشُّرُ بَالَّة "(٣) بعد نقلِهِ عن "البحرِ"(٤)
أنَّ الإفتاءَ بظاهرِ المذهبِ أَولى: ((قلتُ: الأَولويّةُ غيرُ ظاهرةٍ؛ لِمَا أنَّ مَبنى الأيمانِ على العُرفِ
المُتْأَخِرِ، ولِمَا عَلِمتَ مِن أكثريَّةِ الَّصحيحِ له (٥)) اهـ.
[١٧٨٣٠] (قولُهُ: ويُقاسُ عليه) أي: على ما في "الّهذيبِ"(٦)، والبحثُ لصاحِبِ "النَّهرِ)(٧)،
وكذا الاستدراكُ بعدَهُ.
[١٧٨٣١] (قولُهُ: فتأمَّل) إشارةٌ إلى مُخالَفةِ ما في "الفتح" لِكلامِ "التّهذيبِ"، أو إلى ما في
(١) في "و" و"د": ((مع مخالفة العرف)).
(٢) "الفتح": کتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤٢١/٤.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الأيمان - باب حلف القول ٥٨/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٣/٤.
(٥) نقول: هذا نصُّ عبارة "الشرنبلالية" - كما رأيناه - وهو موافق كما ترى لنقل "ابن عابدين" عنها، لا كما نقل
"الشارح الحصكفي"، فليتنبّه.
(٦) أي: "تهذيب الواقعات "لأحمد القلانسيّ، كما صرح به في "البحر". ("كشف الظنون" ٥١٧/١، "الجواهر المضية"
٣٥٧/١، "الطبقات السنية" ١٣٣/٢).
(٧) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق٢٨٨/ب.

الجزء الحادي عشر
٤٩٥
باب الیمین في الأكل والشرب
اليومَ يحنَثُ بالقراءةِ في الصلاةِ أو خارجَها، ولو قرأَ البسملةَ فإن نوى ما في النملِ
حِنِثَ وإلا لا) لأَنَّهم لا يريدونَ بهِ القرآنَ، ولو حَلَفَ لا يقرأُ سورةَ كذا أو كتابَ
فلان لا يحنَثُ بالنظرِ فيهِ وفهمِهِ، به يُفتَى، "واقعات".
دَعوى الأَولويَّةِ مِن البَحثِ؛ إذ لا يَلزمُ مِن كَونِه كلاماً مَنظُوماً وكَونِ قائِلِهِ مُتكلِّماً أن يُسمَّى إلقاءُ
الدَّرسِ(١) كلاماً، وإلاّ لزِمَ أن تكونَ قراءةُ الكُبِ كذلك، وهذا كلُّهُ بناءً على عدَمِ العُرفِ، وإلّ
فإِن وُجِدَ عُرفٌ فالعِبرةُ له كما تقرَّر، فافهم.
[١٧٨٣٢] (قولُ: اليومَ) قيدٌ اتّفاقِيٌّ، "ط)(٢).
[١٧٨٣٣) (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: وإن لم يَنوِ ما في النَّملِ بأن نَوَى غيرَها، أو لم يَنوِ شيئاً
لا يَحنثُ، كما في "البحرِ"(٣).
[١٧٨٣٤] (قولُهُ: لأَنَّهم لا يُريدونَ به القُرآنَ) أي: لأنَّ النَّاسَ لا يُريدونَ بغيرِ ما في النَّملِ
القُرآنَ بلِ التَّبُرُّكَ.
[١٧٨٣٥) (قولُهُ: به يُفتَى) هو قولُ "أبي يوسف" وفرَّق "مُحمَّدٌ" فقال: المقصُودُ مِن قراءةٍ
كتابٍ فُلانٍ فَهمُ ما فيه وقد حصَلَ، ويَحنثُ بقِراءةٍ سَطرٍ منه لا نصفِهِ؛ لأَنَّه لا يكُونُ مفهومَ المعنى
غالباً، والمقصودُ مِن قراءةِ القرآنِ عينُ القرآن؛ إذ الحُكمُ مُتَعلّقٌ به، كما في "البحر"(٣)، قال "ح(٤).
((وقولُ "مُحمَّدٍ" هو الْمُوافِقُ لعُرفِنا كما لا يخفى)).
(قولُهُ: أي: لأنَّ الناسَ لا يريدونَ بغيرِ ما في النَّمَلِ إلخ) ولوقوعِ الخلافِ فيها أيضاً.
(قولُهُ: ويحنثُ بقراءةٍ سطرٍ منه إلخ) حيثُهُ بقراءةٍ سطرٍ منه خلافُ ما يقتضيه اللفظُ، ولعلَّهُ مبنىٌّ
على العرفِ، والذي يقتضيهِ اللفظُ تعلُّقُ الحنثِ بقراءةِ الكلِّ.
(١) في "آ": ((دروس)).
(٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٦١/٢ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٤/٤.
(٤) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق ٢٤١/ب.

حاشية ابن عابدين
٤٩٦
باب اليمين في الأكل والشرب
-
(حَلَفَ لا يكلِّمُ فلاناً اليومَ فعلى الجديدينِ) لقِرانِهِ اليومَ بفعلٍ لا يمتدُّ فعمَّ (فإنْ نَوَى
النهارَ صُدِّقَ)؛ لأَنَّهُ الحقيقةُ، (ولو قالَ: ليلَةَ) أُكُلِّم فلاناً فكذا (فهو (١) على الليلِ خاصَّةً)
[١٧٨٣٦) (قولُهُ: حَلَفَ لا يُكلِّمُ فلاناً اليومَ) هذا المثالُ غيرُ صحيحٍ هنا؛ لأنَّ الحُكمَ فيه أنَّ
الْيَمِينَ على باقي اليَومِ، كما في "البحر"(٢). والذي مَثَّلَ به في "الكنز"(٢) كعامَّةِ الْمُونِ: يومَ أُكلِّمُ
فلاناً فعَلَى الْجَديدَين اه، "ح (٤).
مطلبٌ: أنتِ طالِقٌ يومَ أُكلّمُ فُلاناً فهو على الجَديدَين
أي: لو قالَ يومَ أُكُلِّمُ فُلانً فأنتِ طالِقٌ فهو على اللَّيلِ والنَّهَارِ، سُمِّيًا جَديدَين لنَجدُّدِهِمَا،
١٠٤/٣ أي: عَودِهِما مرَّةً بعد أُخرى، فإن كلَّمهُ ليلاً أو نهاراً حَنِث.
[١٧٨٣٧) (قولُهُ: القِرانِهِ اليَومَ بفِعلٍ لا يَمتدُّ) [٤/ ق٩٦/) قيلَ: المرادُ به الكلامُ؛ لأَنَّه عرَضٌ
والعرَضُ لا يَقبلُ الامتدادَ إلَّ بَتَحدُّدِ الأمثالِ، كالضَّربِ والْجُلُوسِ والسَّفْرِ والرُّكُوبِ وذلك عند
الموافقَةِ صُورةً ومَعَنَّى. والكلامُ الَّانِي يُفيدُ مَعَنَّى غيرَ مُفادِ الأوَّلِ، وفيه: أنَّ الكلامَ اسمٌ لألفاظٍ مُفيدةٍ
مَعَنَّى كَفَمَا كان، فَتَحقَّقْتِ الْمُماثَلَةُ، ولذا يُقالُ: كَلَّمَتُهُ يوماً. فالصَّحِيحُ أنَّ المُرادَ بما لا يَمْتَدُّ الطَّلاقُ،
ولأنَّ اعتبارَ العامِلِ في الظَّرفِ أَولِى مِن اعتبارِ ما أُضيفَ إليه الظَّرفُ؛ لأَنَّه غيرُ مَقْصُودٍ إلَّ لْتَعيينِ
ما تَحقَّق فيه الَقَصُودُ، وَتَمامُهُ في "الفتح" (٥). وقد مرَّ(٦) مَبسُوطً في بحثِ إضافةِ الطَّلاقِ إلى الزَّمان.
[١٧٨٣٨] (قولُهُ: صُدِّق) أي: دِيانةً وقَضاءً، وعن الثّاني: لا يُصدَّقُ قضاءً، "بحر "(٧).
(١) في "د" : ((فهي)).
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٤/٤.
(٣) "انظر شرح العيني على الكنز": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٢٦٤/١.
(٤) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق ٢٤١/ب - ٢٤٢/أ بتصرف.
(٥) انظر "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤٢١/٤.
(٦) المقولة [١٣٢٥١] قوله: ((متى قُرِنَ بفعلٍ ممتدٍّ إلخ)).
(٧) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٦٤/٤.

الجزء الحادي عشر
٤٩٧
باب اليمين في الأكل والشرب
لِعِدمِ استعمالِهِ مفرداً في مطلقِ الوقتِ. قالَ: (إِنْ كلمتُهُ) أي: عَمراً (إلاَّ أن يَقدَمَ
زيدٌ أو حتى(١) أو إلا أن يأذنَ أو حتى يأذنَ فكذا فكلِّمَهُ قبلَ قدومِهِ أو) قبلَ
(إذنِهِ حِنِثَ، و) لو (بعدَهما لا يحنثُ) لجعلِهِ القدومَ والإِذنَ غايةً لعدمِ الكلامِ
(وإن ماتَ زِيدٌ قبلَهما.
[١٧٨٣٩] (قولُهُ: لعدَمِ اسْتِعمالِهِ مُفرَداً إلخ) أي: بخِلافِ الجَمعِ؛ فإنَّه يُستعمَلُ في مُطلَقِ الوقتِ
كقولِ الشَّاعر: [الطويل]
وكُنَّا حَسِبنا كُلَّ بَيْضاءَ شَحمَةً لَيَالِيَ لاَقَينا حُذَامَاً وحِمِيَرًا(٢)
[١٧٨٤٠] (قولُهُ: ولو بَعدَهُما لا يَحنثُ) أقولُ: وكذا معَهُما لقولِ "الخانَيَّةِ"(٣): ((حلَفَ
لا يَدخُلُ هذِهِ الدَّارَ حتَّى يَدخُلَها فلانٌ فدَخلاها معاً لم يَحنث، وكذا: لا أُكلِّمُك حَتّى تُكُلِّمَنِي،
وكذا: إن كلَّمتُكَ إلاَّ أن تُكُلِّمَنِي)) اهـ "سائحانيّ".
مطلبٌ: إن كلَّمتُهُ إلاَّ أن يَقدُمِ زَيدٌ أو حتّى
[١٧٨٤١) (قولُهُ: لِجِعِلِهِ القُدُومَ والإِذنَ غايةً لعدَمِ الكلامِ) أمَّا الغايةُ فِي حَتّى فظاهرَةٌ، وأمَّا في:
(قولُهُ: وكذا معهما إلخ) على هذا لا تكونُ الغايةُ داخلةً فيما جُعِلَتْ له غايةً، فزمنُ كلامِ
المخاطبِ غيرُ داخلٍ في المنعِ عن كلامِ الحالفِ.
(١) في "ب" و"ط": ((حين))، وما أثبتناه من "د" و"و" هو الصواب؛ إذ المقصود الغايةُ.
(٢) البيت لزفرَ بنِ الحارثِ الكِلابي في مجموع شعره صـ ١٦٤ - ضمن "مجلة معهد المخطوطات العربية" (مج/٣٥)، وفي
"شرح الحماسة" للمرزوقي ١٥٥/١، وفي "شرح الحماسة" للتبريزي ٤١/١، وفي "فرائد القلائد" للعيني ٣١٢/١،
وفيه مزيد تخريج.
(٣) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في اليمين المؤقتة ٢٧/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٤٩٨
باب اليمين في الأكل والشرب
((إلاَّ أنْ)) فلأنَّ الاستثناءَ وإن كان هو الأصلُ فِيها إلاَّ أنَّها تُستعارُ للشَّرطِ والغايَةِ عند تَعذُّرِهِ؛
لُناسبَةٍ هي: أنَّ حُكمَ كُلِّ واحِدٍ مِنها يُخالِفُ ما بعدَهُ، وقيلَ: هي للاستثناءِ، قال في "الفتح"(١):
((وفيه شَيءٌ، وهو أنَّ الاستثناءَ فِيها إنَّما يكُونُ مِن الأوقات أو الأحوالِ على مَعنى: امرَأَتُهُ طالِقٌ في
جميع الأوقاتِ أو الأحوالِ إلاَّ وقتَ قُدُومٍ فُلانٍ أو إذِنِهِ، أو إلّ(٢) حالَ قُدُومِهِ أو إِذْنِهِ وهو يَستلزِمُ
تَقييدَ الكلامِ بوقتِ الإذنِ أو القُدُومِ فَيَقْتَضِي أَنَّه لو كلَّمَهُ بعدَهُ حَنِثَ؛ لأَنّه لم يَخرُج مِن أوقاتٍ
وُقُوعِ الطَّلَاقِ إلَّ ذلك الوقتَ)) اهـ.
(قولُهُ: إلا أنّها تُستعارُ الشَّرطِ والغايةِ إلخ) قالَ "الزيلعيُّ": ((الأصلُ فيها إذا تعذَّرَ الاستثناءُ أنَّها إذا دخلت
على ما لا يَتوقَّتُ تكونُ الشَّرطِ، كقولِهِ: أنتِ طالقٌ إلاَّ أن يَقْدَمَ فلانٌ، إن قدِمَ لا تطلُقُ، وإن لم يقدَم حَتَّى ماتَ
طُلُقْت، فحُمِلَت على الشَّرطِ؛ لأنَّ الاستثناءَ متعذّرٌ لعدمِ المجانسةِ بين الطلاقِ والقدومِ، وكانَ حملُها على
الشَّرطِ أَولِى مِن حملها على الغايةِ؛ لأنَّ الطَّلَاقَ لا يحتمِلُ النَّأَقِيتَ؛ لأَنَّه متى وقَعَ في وقتٍ وقعَ في جميعِ الأوقاتِ،
فيكونُ معلّقاً بعدمِ القدومِ لا بوجودِهِ؛ لأَنَّه جعَلَ القدومَ رافعاً للطلاقِ، فيكونُ عَلَماً على عدمِ الطَّلاقِ، وعدَمُ
القدومٍ على وجودِهِ، وإن دخلَت على ما يَتَوقَّتُ تكونُ للغايةِ كما فيما نحنُ فيه؛ لتعذُّرِ الاستثناءِ لعدمِ المجانسةِ
بينَ الإذنِ والكلامِ، فحُمِلَت على الغايةِ؛ لأَنَّها دخلَت على اليمينِ وهي تَقَبلُ الغايةَ، كما إذا حلَفَ لا يكَلِّمُه إلى
رجبٍ، فكانَ حمُه على الغايةِ أَولى من حمِلِهِ على الشَّرطِ؛ لأنَّ مناسبةَ الاستثناءِ للغايةِ أقوى من مناسبيتِهِ للشَّرْطِ،
ألا ترى أنَّ الحكمَ موجودٌ فيهما بخلافِ الشَّرطِ، فإذا تَبَتَ هذا: فإذا كلَّمَه قبلَ القدومِ أو الإذنِ حنثَ؛ لأنَّ
اليمينَ باقيةٌ قبلَ وجودِ الغايةِ، وإنْ كَلَّمَهُ بعدَهُ لا يحنَثُ؛ لأنَّ اليمينَ انتهَتْ بوجودِ الغايةِ)) اهـ.
(قولُهُ: لمناسبةٍ هي: أنَّ حكمَ كلِّ واحدٍ منها يخالِفُ ما بعدَهُ إلخ) عبارةُ "البحرِ": ((وهو أنَّ حكمَ
ما قبلَ كلِّ واحدٍ مِن الاستثناءِ والشَّرطِ والغايةِ إلخ)).
(قولُهُ: على معنى: امرأتُهُ طالقٌ في جميعِ الأوقاتِ أو الأحوالِ إلا إلخ) أي: إنْ كلمتُهُ في جميعِ
إلخ، وقولُهُ: ((تقييدُ الكلامِ)) أي: المستثنى كما هو ظاهرٌ.
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤٢٣/٤.
(٢) في "ب" طَمْسٌ في هذا الموضع، وتظهرُ في بعض الطبعات هنا كلمة ((قد))، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه من عبارة "الفتح".