النص المفهرس

صفحات 421-440

الجزء الحادي عشر
٤١٩
باب اليمين في الأكل والشرب
من هذا البُسْرِ أو الرُّطَب أو اللََّنِ بأكلِ رُطَبِهِ وتمرِهِ وشيرازِهِ)؛ لأنَّ هذِهِ صفاتٌ داعيةٌ
إلى اليمين فتقيَّدُ بها،(١) (بخلافٍ: لا يكلِّمُ هذا الصبيَّ أو هذا الشابَّ فكَلَّمَهُ بعدما
شاخَ، أو لا يأكلُ هذا الحمَلَ)
[١٧٦٤١] (قولُهُ: مِن هذا الْبُسرِ أو الرُّطَبِ) الَّخَلَةُ على سِتِّ مَراتِبَ: أوَّلُها طَلِعٌ، وثانيها:
خَلالٌ(٢)، وثالِتُها: بَلَحْ، ورابِعُها: بُسْرٌ، وخامِسُها: رُطَبٌ، وسادِسُها: تَمرٌ، كما يَظهَرُ مِن
"الصَّحَاحِ"(٢)، "عَزْمِيَّة".
(١٧٦٤٢) (قولُهُ: بأَكلِ رُطَبِهِ وَتَمرِهِ وشِيرازِهِ) لَفٍّ ونَشرٌ مُرتَّبٌ، قال في "المصباحِ"(٤):
((والشِّيرازُ - مِثالُ دِينارٍ -: اللَّنُ الرَّاتبُ يُستَخرَجُ منه ماؤُهُ، وقال بعضُهُم: لَبِنْ يُغَلَى حَتَّى يَتْخُنَ ثُمَّ
يُنْشَّفُ وَيَمِيلُ إِلى الْحُمُوضَةِ)) اهـ.
[١٧٦٤٣) (قولُهُ: لأنَّ هذِهِ صِفاتٌ إلخ) إذ لا حَفاءَ أنَّ صِفةَ البُسُورَةِ والرُّطُوبَةِ وَالَّبِيَّةِ ثَّا قد
تَدعُو إلى الْيَمِينِ بَحَسَبِ الأَمزِجةِ، فإذا زَالَت زَالَ ما عُقِّدت عليه اليَمِينُ، فآكلُهُ أَكلَ ما لم تَنْعِقِد
عليه اليَمِينُ، "نهر "(٥) و"فتح" (٦).
[١٧٦٤٤] (قولُهُ: بعدما شَاخَ) أي: صار شَيخاً، وهو فوقَ الكَهلِ كما يأتي(٧).
(قولُهُ: النخلةُ على ستِّ مراتبَ إلخ) أي: ثمرُها، وزادَ "السِّنديُّ" سابعاً عن "التُّحفةِ" حيثُ قالَ
بعدَ عدِّهِ الْبُسْرَ رابعاً: ((والخامسُ: القَسْبُ، والسادسُ: الرُّطَبُ، والسابعُ: التمرُ)) اهـ.
(١) في "د" و"و": ((به)).
(٢) نقول: في النسخ جميعها: ((حلال)) بالحاء المهملة، والصواب ما أثبتناه، وقد نَّه عليه المصحِّحُ فقال: ((قوله: ((حلال))
هكذا بخطِّ بالحاء المُهملَةِ، وعِبارةُ "القاموس" تُفيدُ أَنَّه بالخاءِ المُعجَمَةِ، وَنَصُّها في فصْلِ الخاءِ مِن بابِ اللَّمِ: والرُّطَبَ
- أي: وتَخَلِّلَ الرُّطَبَ -: طَلَبَه بين خِلال السَّعَفِ، وذلك الرُّطَبُ خُلالٌ وخُلالة بضمِّهما)). اهـ ولُيُحرَّر. اهـ مُصحِّحه.
(٣) "الصَّحاح": مادة ((بسر))، والذي في "الصَّحاح": ((الخلال)) بالفتح، وهو الموافق لما في "اللّسان"، وخالفهما في
"القاموس" فجعلها بالضم، وانظر التعليق السابق.
(٤) "المصباح المنير": مادة ((شرز)) بتصرف.
(٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٤/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٦/٤ بتصرف.
(٧) المقولة [١٧٦٥٢] قوله: ((يُدْعَى شاباً إلخ)).

حاشية ابن عابدين
٤٢٠
باب الیمین في الأكل والشرب
بفتحتين ولدَ الشاةِ (فَأَكَلَهُ بعدَ ما صارَ كبشاً) فإنَّهُ يحنَثُ؛ لأَنَّها غيرُ داعيةٍ. والأصلُ:
أنَّ المحلوفَ عليهِ إذا كانَ بصفةٍ داعيةٍ إلى اليمينِ.
[١٧٦٤٥] (قولُهُ: بفتحَتَين) أي: فَتَحِ الحاءِ الْمُهمَلةِ والمِيمٍ: ولدُ الشَّاةِ في السَّنَةِ الأُولى، جَمعُهُ
حِملان، كما في "المِصباحِ"(١).
[٤٦ ١٧٦] (قولُهُ: لأَنّها غيرُ داعيَةٍ) أي: هذِهِ الصِّفاتُ غيرُ داعَةٍ إلى الامتناعِ؛ لأنَّ هِجرانَ الْمُسلِمِ
تمنعِ الكَلامِ مَنِهِيٌّ، فلا يُعتبرُ ما يُخالُ دَاعِياً إلى الْيَمِينِ مِن جَهلِ الصَّبِيِّ أو الشَّابِّ وسُوءٍ أَدَبِهِ، وكذا
صِفَةُ الصِّغَرِ فِي الْحَمَلِ، فَإِنَّ المُمْتَنِعَ عنه أَكثرُ امْتِناعاً عن لَحمِ الكَبِشِ؛ لأنَّ الصَّغْرَ دَاعٍ إلى الأكلِ لا إلى
عدَمِهِ. واعتُرِضَ: بأنَّ الهجرانَ قد يَجوزُ أو يَجبُ إذا كان لله تعالى؛ بأن كان يَتكلّمُ بما هو مَعصيةٌ،
أو يَخْشَى فِتَتَهُ أو فَسَادَ عِرضِهِ بِكَلامِهِ، فإذا حَفَ لا يُكَلِّمُهُ عُلِمَ أَنَّهِ وُجِدَ الُسوِّغُ فُعَتَبَرُ الدَّاعِي
فَيَتَقَّدُ بِصِباهُ وَشَبِهِ، وبأنَّ الحَمَلَ غَيْرُ مَحمُودٍ لكثرةِ رُطُوبِهِ، حَتَّى قيل فيه: النَّحسُ بين الجَيِّدَين.
وأجاب في "الفتح"(٢): ((بأنَّ الاعتراضَ بذلك ذُهولٌ ونِسيانٌ عن وَضعِ المَسألَةِ، وأَنَّها يُنيت على
العُرفِ، وأنَّ الْمُتْكلِّمَ [٤/ق٧٩/ب] لو أرادَ ما تَصُّ إرادَتُهُ مِن اللَّفظِ لا يُمنَعُ منه، فالحمَلُ عند العُمُومِ
غِذاءٌ في غايَةِ الصَّلاحِ، وما يُدرِكُ نَحسَهُ إلَّ أفرادٌ عَرَفُوا الطِّبَّ، فوَجَبَ تَحكيمُ العُرفِ إذا لم يَنْوِ
ذاتَ الْحَمَلِ؛ إذ لا يُحكمُ على فردٍ مِن العُمُومِ أَنَّه على خِلافِهِمْ فَيَنْصَرِفُ حَلِفُهُ إليهم، وكذا الصَّبيُّ
لَمَّا كان مَوضِعَ الشَّفَقَةِ والرَّحمةِ عند العُمُومِ وفي الشَّرعِ لم يُجعل الصًِّا داعيةً إلى اليمينِ في حقِّ العُمُومِ،
وهذا لا يَنِفِي كَونَ حالِفٍ عَرفَ عَدَمَ طِيبِ الحَمَلِ أو سوءَ أَدبِ صِيٍّ عَلِمَ أَنَّهَ لا يَرَدَعُهُ إلَّ الهَحِرُ أَو
عَلِمَ أنَّ الكلامَ معه يَضْرُّهُ فِي دِينِهِ أو عِرضِهِ فعَقَدَ يَمِينَهُ على مُدَّةِ الْحَمِلَّةِ أو الصِّبَا فَإِنَّا نَصْرِفُ يَمِينَهُ
حيثُ صرَفَها، وإنَّما الكلامُ إذا لم يَنْوِ شيئاً فُيُسَلَكُ به ما عليه العُمُومُ أَخْطَؤوا فيه أو أصابوا، فليكُن هذا
مِنكَ بِبالِ فإنّك تَدفعُ به كثيراً مِن أمثالِ هذا الغَطِ المُورَدِ على الأئمَّةِ)) اهـ مُلخَّصاً.
(قولُهُ: حَتَّى قيلَ فيه: النّحسُ بينَ الجَيِّدَين إلخ) عبارةُ الفتحِ: ((من بينِ إلخ))، والقصدُ أَنَّهُ خبيثٌ
متولّدٌ من حَيِّدَين وهما أبواهُ.
(١) "المصباح المنير": مادة ((حمل)).
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٧/٤.

٤٢١
باب اليمين في الأكل والشرب
الجزء الحادي عشر
تَقَيَّدَ به في المعرَّفِ والمنكِّر، فإذا زالت زالتٍ(١) اليمينُ، وما لا يصلُحُ داعيةً اعتُبرَ في
المنكَّرِ دونَ المعرَّفِ. وفي "المجتبى": حلفَ لا يكلِّمُ هذا المجنونَ فَبَرِئَ، أوهذا
الكافرَ فأسلمَ لا يحنَثُ؛ لأنَّها صفةٌ داعيةٌ، وفي: لا يكلِّمُ رجلاً.
وهو في غايَةِ الْحُسن، وقد عدَلَ في "الذَّخيرةِ" عن الَّعليلِ بِكَونِ الصِّفةِ داعيَةً أو غيرَ داعيَةٍ وقال:
((الصَّحِيحُ أَنَّه لا يَحنث في الرُّطَبِ أو العِنَبِ إذا صار تَمراً أو زَبِباً؛ لأَنَّه اسمٌ لهذِهِ الذَّاتِ وَالرُّطُويَةِ
الَّتِي فِيها، فإذا أَكلَّهُ بعد الجَفافِ فقد أَكلَ بعضَ ما عقَدَ الْيَمِينَ عليه بخِلافِ الصَّبِيِّ بعدَما شاخَ،
أو الحَمَلِ بعدَما صار كبشاً فإنَّه لم يَنقُص، بل زادَ والزِّيادةُ لا تَمنَعُ الحِنثَ))، ثُمَّ قال: ((فهذا الفرقُ
هو الصَّحِيحُ وعليه الاعتمادُ)).
[٤٧ ١٧٦) (قولُهُ: تَقَّدَ به) الأَولى: بِهَا.
[١٧٦٤٨) (قولُهُ: في المُعرَّفِ والمُنكَّر) مِثل: لا آكُلُ هذا البُسْرَ، أو لا آكُلُ بُسْراً.
[١٧٦٤٩) (قولُهُ: اعْتُبِرَ فِي الْمُنكَّرِ) مِثلُ: لا آكُلُ حَمَلاً أو لا أُكُلِّمُ صَبًِّ؛ لأنَّ الكَبشَ لا يُسمَّى
حَمِلاً ولا الشَّيْخُ صَيّاً فلم يُوجَد الَحُوفُ عليه بِخِلافِ المُعرَّفِ، كـ: هذا الحَمَلَ، أو هذا الصَّبِيَّ؛
لأنَّ الصِّفَةَ الغَيَرَ الدَّاعَيَةِ تَلْغُو مع الإِشارَةِ فُتُعَتَبِرُ الذَّاتُ الْمُشارُ إليها وهي باقِيَةٌ بعد زَوالِ الصِّفةِ
فلا تَزُولُ الْيَمِينُ.
[١٧٦٥٠) (قولُهُ: فَرِئَ) في "المصباحِ"(٢): ((بَرِئَّ مِن الَرَضِ يَبْرَّأُ مِن باب تَعِبَ وَنَفَعَ)).
(قولُهُ: وقد عدَلَ في "الذخيرةِ " عن التعليلِ بكونِ الصفةِ إلخ) ما في "الذخيرةِ" يرِدُ عليه ما لو حَلَفَ
لا يأكلُ من هذا الْبُسْرِ فَأَكَلَهُ رُطَباً، فإنَّ المذكورَ أَنَّه لا يحنثُ مع أنّه لم يَنقُص بل زادَ، ومقتضاهُ الحنثُ لا عدمُهُ،
وما تقدَّمَ عن "العيونِ" في مسألةِ العنبِ يفيدُ أنَّ ذهابَ البعضِ مع بقاءِ الأكثرِ لا يمنعُ الحنثَ.
(١) في "د" و"و": ((فإذا زالت زال اليمين)).
(٢) "المصباح المنير": مادة ((برأ)).

حاشية ابن عابدين
٤٢٢
باب اليمين في الأكل والشرب
فكلَّمَ صبياً حيثَ، وقيلَ لا كـ: لا يكلِّمُ صبياً وكُلِّمَ بالغاً؛ لأَنَّهُ بعدَ البلوغِ يُدعى شاباً،
وفَتَّى إلى الثلاثينَ، فكهلٌ إلى خمسينَ، فشيخٌ. (أو: لا يأكلُ هذا العِنَبَ فصارَ زبيباً)،
هذا وما بعدَهُ معطوفٌ على قولِهِ: من هذا الْبُسْرِ مما لا يحنَثُ بهِ. (أو: لا يأكلُ هذا اللَّبَنَ
فصارَ جُبناً، أو: لا يأكُلُ من هذهِ البيضةِ فأكَلَ فرارِیجَها)،
(١٧٦٥١) (قولُهُ: فَكَلَّمْ صَيًِّ حَنِثَ) لأنَّ اسمَ الرَّجلِ يتناوَلُ الصَّيَّ في اللُّغَةِ، كما صرَّحَ به "ابنُ
الكَمالِ" في "لتصحيحِ السِّرّاجِيَّةِ"(١)، ولكِن في العُرفِ لا يُسمَّى فَالحَقُّ القولُ النَّانِي، اهـ "ح"(٢).
مطلبٌ: لا يُكلِّمُ هذا الصَّبِيَّ
[١٧٦٥٢) (قولُهُ: يُدعَى شاباً إلخ) في "الوَجيزِ" لـ "برهانِ البُخَارِيِّ"(٣): حَلَفَ لا يُكلِّمُ صَيّاً
أو غُلاماً أو شاباً أو كهلاً فالكلامُ في مَعرِفِهم لغةً وشَرعاً وغُرفاً.
أمَّا اللُّغَةُ فقالوا: [٤/ق٨٠٪) الصَّبِيُّ يُسمَّى غُلاماً إلى تسعَ عشرة، ثُمَّ شاباً إلى أَربعٍ وثلاثين،
ثُمَّ كَهلاً إلى إحدى وخمسينَ، ثُمَّ شَيخاً إلى آخِرِ عُمُرِهِ. وأمَّا الشَّرعُ: فالغُلامُ إلى أن يَبْلُغَ فَيَصِيرَ
شاباً وقَتَّى، وعن "أبي يُوسُف": مِن ثَلاثٍ وثلاثين كَهلٌ، إلى خمسين فهو شيخٌ. قال "القُدُوريُّ":
قال "أبو يُوسُف": الشَّابُّ مِن خمسَ عشرةَ إلى خمسين ما لم يَغِلِب عليه الشَّمَطُ قبلَ ذلك،
والكَهلُ مِن ثلاثين إلى آخِرِ عُمُرِهِ، والشَّيخ فِيما زاد على الخَمسين. وكان يقولُ قبلَ هذا: الكَهلُ
مِن ثلاثين إلى مائةٍ سنةٍ فأكثرَ، والشَّيخُ مِن أربعينَ إلى مائةٍ، وهنا رِواياتٌ أُخَرُ، والمعوَّلُ عليه: ما بِهِ
الإفتاءُ، كذا في "الفتح"(٤) مُلخّصاً. ولم يَذكُر معناها عُرفً؛ لأنَّ كُلَّ أُناسٍ قد عَلِمُوا مَشرَبَهُم.
[١٧٦٥٣) (قولُهُ: فصار حُبناً) فيه ثلاثُ لغاتٍ، أجوَدُها: سُكُونُ الباءِ، والنَّانيةُ: ضَمُّها
(١) المسمَّى "شرح فرائض السِّراجية": لأحمد بن سليمان، شمس الدين المعروف بابن كمال باشا الرّوميّ (ت ٩٤٠ هـ) على فرائض
أبي طاهر محمد بن محمد بن عبد الرشيد، سراج الدين السَّجاوَّنْديّ (توفي حدود ٦٠٠هـ) المعروفة بـ "الفرائض السِّراجية".
(كشف الظنون" ١٢٤٧/٢، "الشقائق النعمانية" صـ ٢٢٦ -، "الفوائد البهية" صـ ٢١ -، "هدية العارفين" ١٤١/١).
(٢) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق٢٣٩/ب.
(٣) تقدمت ترجمته ٤٥٧/١.
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الكلام ٤٢٧/٤.

الجزء الحادي عشر
٤٢٣
باب اليمين في الأكل والشرب
كذا في نُسَخِ الشرحِ، وفي نُسَخِ المتنِ: فرخَها. (أو: لا يذوقُ من هذا الخمرِ فصارَ خلاً،
أو مِن زهرِ هذهِ الشجرةِ فأكلَ بعدَ ما صارَ لوزاً) أو مِشمِشاً لم يحنث، بخلافِ حلفِهِ:
لا يأكلُ تمراً فأكَلَ حَيْساً، فإِنَّهُ يحنَثُ؛ لأَنّهُ تمرٌ مفَتَّتٌ وإن ضُمَّ إليهِ شيءٌ من السَّمنِ
أو غيرِهِ، "بحر "(١). وفيهِ(١): الأصلُ - فيما إذا حَلَفَ لا يأكلُ معيّناً فأكلَ بعضَهُ.
للإِباعِ، والَّالثةُ وهي أقُّها: النَّقيلُ، ومنهم مَن يَجعلُها مِن ضَرورةِ الشِّعرِ، "مِصباح"(٢).
[١٧٦٥٤) (قولُهُ: كذا في نُسَخِ "الشَّرِحِ") أي: شَرحِ "لُصنّف"(٣)؛ حيثُ جَعَلَها مَتناً في
"شرحِهِ".
٨٩/٣
[١٧٦٥٥] (قولُهُ: لم يَحنث) لأنَّ بَعضَها صِفاتٌ داعيَّةٌ، وبعضَها انقَلَت عَيْنُها.
[١٧٦٥٦) (قولُهُ: فَأَكلَ حَيْساً) فسَّرَ الحَيْسَ في "البدائعِ"(٤): بأنّه اسمٌ لَتَمْرٍ يُنقَعُ في اللَّبْنِ
ويَتَشرَّبُ فِيهِ الََّنُ. وقيلَ: هو طَعامٌ يُتَّخِذُ مِن تَمٍ ويُضمُّ إلى شَيءٍ مِنِ السَّمنِ أو غيرِهِ والغالبُ هو
الَّمرُ، فكأنَّ أجزاءَ الَّرِ بحالِهَا فَبقَى الاسمُ. اهـ "بحر "(٥).
[١٧٦٥٧] (قولُهُ: الأَصلُ إلخ) قدَّمنا(٦) الكلامَ عليه قبلَ قولِهِ: ((كُلُّ حِلِّ عليه حرامٌ)).
(فرعٌ)
ذَكرَ في "البحرِ"(٧) عن "الواقِعَاتِ": ((إن أكلتُ هذا الرَّغيفَ اليومَ فامرأتُهُ كذا، وإن لم آكُلُهُ
اليومَ فَأَمْتُهُ حُرَّةٌ فَأَكلَ النّصفَ لم يَحنث، وكذا لو حلَفَ على لُقمةٍ فِي فِيهِ فأَكلَ بعضَها وأُخرجَ
البَعضَ؛ لأنَّ شَرطَ الحِنثِ أَكلُ الكُلِّ)). اهـ مُلخّصً.
(١) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام ٣٤٦/٤.
(٢) "المصباح المنير": مادة ((جَبَن)) بتصرف.
(٣) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الأكل والشرب إلخ ١/ق ١٩٦/ب.
(٤) "البدائع": كتاب الأيمان - فصل: وأمَّا الحلف على الأكل والشرب إلخ ٦٠/٣.
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام ٣٤٦/٤.
(٦) المقولة [١٧٣٤٥] قوله: ((إلا إذا لم يمكن إلخ)).
(٧) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب واللبس والكلام ٣٤٦/٤.

حاشية ابن عابدين
٤٢٤
باب اليمين في الأكل والشرب
أنَّ كلَّ شيءٍ يأكلُهُ الرجلُ في مجلسٍ أو يشربُهُ في شَربةٍ فالحلِفُ على كلِّهِ، وإلا فعلى
بعضِهِ. (وكذا) لا يحنثُ (لو حلَفَ لا يأكُلُ بسراً فأكَلَ رُطَباً، أو لا يأكلُ عنباً فأكلَ
زبيباً) بخلافِ نحوِ لوزٍ وجوزٍ (١)).
(تنبيةٌ)
الأكلُ والشُّربُ غيرُ قَيدٍ؛ ففي "البزَّازِيَّةِ"(٢): ((ضَاعَ مالٌ في دارٍ فحلَفَ كُلُّ واحِدٍ أَنَّه
لم يَأخذهُ ولم يُخرجهُ مِن الدَّارِ ثُمَّ عُلِمَ أنَّ واحِداً أخرَجَهُ مع آخَرَ: إن كان لا يُطيقُ حَمَلَهُ وَحدَهُ
حَنِثَ؛ لأنَّ إخراجَهُ كذلك يكُونُ، وإن أطاقَهُ وَحدَهُ لا يَحنثُ؛ لأَنَّه صادِقٌ)) اهـ.
قلتُ: وعليه لو حلَفَ لا يَحمِلُ هذه الخَشبةَ أو الحَجرَ فهو على هذا النَّفصيلِ، ثُمَّ اعلم أنَّ
ما مرَّ(٣) عن "الواقِعاتِ" مُشكِلٌ جدّاً كما قال في "الحاوي الزَّاهدِيّ"، قال: ((فإنّه يَجبُ أن يَحنث
فِي يَمِينِ العِقِ؛ لأَنَّه لم يَأْكل الرَّغيفَ؛ إذ نقولُ: لا وَاسِطَةَ بين النَّهَيِ والإِثباتِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنْهُما
شَرطُ [٤/ ق٨٠/ب] الحِنثِ فَيَحنثُ في أَحدِهِما)). وفي "الجامِعِ الأصغرِ" عن "أبي القاسم الصَّفَّارِ"
قال: ((إن شَرِبَ فُلانٌ هذا الشَّرَابَ فامرَاتُهُ طالِقٌ، وقال الآخرُ: إن لم يَشْرَبِهُ فُلانٌ فامرَ أْتُهُ طالِقٌ،
فَشَرِبَ فُلانٌ مع غيرِهِ، أو انصبَّ بعضُهُ في الأرض حَنِثَ الثَّانِي دُونَ الأَوَّل)) اهـ.
[١٧٦٥٨) (قولُهُ: أَنَّ كُلَّ شَيءٍ) بفتح همزة ((أنَّ))، والمصدرُ المُنسَبِكُ خبرُ ((الأصلُ)).
[١٧٦٥٩) (قولُهُ: وكذا لا يَحنثُ إلخ) أشار إلى أنَّه لا فرقَ بين ذِكرِهِ مُعرَّفاً وهو ما مرَّ(٤)،
(قولُهُ: ثمَّ اعلم أنَّ ما مرَّ عن "الواقعاتِ" مشكِلٌ إلخ) لعلَّ ما فيها مبنيٌّ على العرفِ، وأنَّ معنى:
((إنْ لم آكل كذا إلخ)) إنْ لم أتناول منه شيئاً، فإذا أكلَ البعضَ برَّ في يمينِهِ، وليست يمينُهُ منعقدةً على
الجميعِ، وفي: ((إن أكلتُ إلخ)) منعقدٌ على الجميعِ، والعرفُ الآنَ بخلافِ ذلكَ.
(١) ((وجَوْزٍ)) ساقط من "و" .
(٢) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل التاسع عشر: في السرقة والخيانة ٣٣٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في هذه المقولة.
(٤) المقولة [١٧٦٤٨] قوله: ((في المعرَّف والمنكّر)) وما بعدها.

الجزء الحادي عشر
٤٢٥
باب اليمين في الأكل والشرب
فإنَّ الاسمَ يتناولُ الرَّطْبَ أيضً، (ولو حلَفَ لا يأكلُ رُطَباً أو بُسْرًاً أو) حَلَفَ (لا يأكلُ
رُطَباً ولا بُسْرً حِثَ بـ) أكلِ (المذَنِّبِ) بكسرِ النونِ(١)؛
أو مُنكَّراً لِزوالِ اليَمِينِ بزَوالِ الصِّفَةِ الدَّاعيةِ كما تقدَّم(٢).
[١٧٦٦٠) (قولُهُ: فإنَّ الاسمَ يَتناولُ الرَّطبَ أيضاً) بسُكونِ الطَّاءِ فِي الرَّطْبِ، وكان المُنَاسِبُ
إبدالَهُ باليابِسِ؛ لأنَّ وَجهَ الْمُخالَفةِ بين البُسْرِ والعِنَبِ وبين الجَوزِ واللّوزِ الحِنثُ فِي يَابِسِ الأخيرَين
لِتناولِ الاسمِ له دُونَ الأَوَّلَين. هذا وفي عُرفِ الشَّامِ الآن: اللَّوزُ خاصٌّ باليابِسِ، أمَّا الرَّطْبُ
فُسمُّونَهُ عَقَّابَّةً، فلا يَحنثُ بها.
[١٧٦٦١) (قولُهُ: أو بُسراً) أي: أو حلَفَ لا يَأْكلُ بُسْراً.
[١٧٦٦٢) (قولُهُ: حَنِثَ بأكل الُذَنّبِ) في "المُغْرِبِ"(٣): ((بُسْرٌ مُذَّبٌ بكسرِ النُّونِ، أي: مع
الَّشديدٍ، وقد ذَنَّبَ: إذا بَدَا الإِرطابُ مِن قِبَلٍ ذَنَبِهِ وهو ما سَقُلَ مِن جانِبِ القِمَعِ والعِلَاقَةَ)) اهـ.
وفي "المصباح"(٤): ((ذَّنْبَ الرُّطَبُ تَذِيً: بَدَا فِيه الإِرطابُ))، والمرادُ أَنَّه يَحنثُ بأكلِ البُسْرِ
المُذَّبِ أو الرُّطَبِ الْمُذّبِ وهو الذي أكثَرُهُ رُطَبٌ، وشَيءٌ قليلٌ منه بُسْرٌ عكسُ الأوَّلِ، قال في
"البحر "(٥): ((وحاصِلُ المسائلِ أَربعٌ: وِفَاقَّتَانِ وخلافِّتَانِ، فالوِفَاقِّتَانِ: لا يَأْكلُ رُطَبَاً فَأَكلَ رُطَباً
مُذَنّباً، لا يأكُلُ بُسْرًا فَأَكلَ بُسْراً مُذَنّباً فَيَحنثُ فِيهما اتّفاقً. والخِلافَِّانِ: لا يأكلُ رُطَباً فَأَكلَ بُسْراً
مُذَنّباً، لا يأكلُ بُسْراً فأكل رُطَباً مُذنّباً فَيَحنثُ عِندَهما خلافاً لأبي يوسف)) اهـ
(قولُهُ: لأنَّ وجهَ المخالفةِ إلخ) أي: فالمناسبُ ذكرُ موضعِ المخالفةِ.
(١) في "و"زيادة: ((المشددة)).
(٢) المقولة [١٧٦٤٩] قوله: ((اعتبر في المنكّر)).
(٣) "المغرب": مادة ((ذنب)).
(٤) "المصباح المنير": مادة ((ذنب)).
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٧/٤.

حاشية ابن عابدين
٤٢٦
باب اليمين في الأكل والشرب
لأكلِهِ المحلوفَ عليهِ وزيادةً. (ولا حنثَ في (١) شراءِ كِيَاسَةِ) بكسرِ الكافِ، أي: عُرجُون،
ويقالُ: عنقودُ أُسْرِ(٢) فيها رُطَبٌّ في حِلِفِهِ: لا يشتري رُطَباً)؛ لأنَّ الشراءَ يقعُ على الجملةِ،
والمغلوبُ تابعٌ، بخلافِ حلفِهِ على الأكلِ لوقوعِهِ شيئاً فشيئاً. (ولا) حنثَ (في) حلِفِهِ .......
وفي عامَّة نُسَخِ "الهدايةِ"(٣) ذُكِرَ قولُ "مُحمَّدٍ" مع "أبي يوسف"، وفي بعضِها: مع "الإِمام"،
وهو الُوافِقُ لِمَا في أكثر الكُتُبِ الْمُعتبرَةِ، كما في "الفتح"(٤) و"الزَّيَعِيِّ(٥).
[١٧٦٦٣) (قولُهُ: لأَكلِهِ الَحُلُوفَ عليه وزِيادةٌ) لأنَّ آكِلَ ذلك المَوضِعِ آكلُ رُطَبٍ ويُسرٍ
فَيَحنثُ به وإن كان قليلاً؛ لأنَّ ذلك القَدرَ كافٍ لِلحِنثِ، ولهذا لو مَّزَهُ وَأَكلَّهُ يَحنثُ، "زَيلِعِيّ"(٦).
وَبَحثَ فيه في "الفتح"(٧) بأنَّ هذا بناءً على انعقادِ اليَمِينِ على الحقيقةِ لا العُرفِ وإلاَّ فالرُّطَبُ الذي
فيه بُقعةُ بُسرِ لا يُقالُ لآكِلِه: آكلُ بُسرٍ في العُرفِ فكان قولُ "أبي يوسف" أَقْعَدَ.
[١٧٦٦٤) (قولُهُ: لأنَّ الشِّراءَ إلخ) جوابٌ عمَّا اسْتَشهدَ به "أبو يوسف" على قولِهِ بعدَمِ
الحِنْثِ فِي المَسأَلَةِ الأُولى اعتباراً للغالِبِ كما في هذِهِ الَسألَةِ.
وحاصِلُ الْجَوابِ: أنَّ اعتبارَ الغالِبِ هنا لوُقُوعٍ [٤/ ق ٨١/أ] الشِّراءِ على الجملةِ، أمَّا الأكلُ
فَقَضِي شيئاً فشيئاً فُيُصادِفُ المَغُلُوبَ وَحدَهُ فلا يَتَبَعُ الغالِبَ، وَبَحثَ فيه في "الفتح "(٨): ((بأنَّ هذا
قاصِرٌ على ما إذا فَصَلَهُ فَأَكَلَهُ وحدَهُ، أمَّا لو أَكَلَهُ جُملةً تَحقَّقْت التَّعيَّةُ(٩)) اهـ.
(١) في "د" و"و" : ((بشراء)) بالباء.
(٢) في "و" : ((ببسر)).
(٣) وهي كذلك في نسختنا، انظر "الهداية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٨٠/٢.
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٨/٤.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٢٦/٣.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٢٧/٣.
(٧) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٨/٤.
(٨) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٨/٤ بتصرف.
(٩) من قوله: ((التّبَعيَّةُ)) إلى آخر المقولة ساقط من "آ".

الجزء الحادي عشر
٤٢٧
باب اليمين في الأكل والشرب
(لا يأكلُ لحماً بأكلٍ) مرَقِهِ، أو (سمكٍ) إلا إذا نواهما. (ولا في: لا يركبُ دَبَّةً
فركِبَ كافراً، أو لا يجلِسُ على وَتَدٍ فَجَلَسَ على جَبَلٍ) مع تسميتها في القرآنِ لحماً
ودابَّةً وأوتادًا للعرفِ .
وأشار إلى أنَّ الْبُسْرَ غالِبٌ بِقَرينةِ الإِضافَةِ، قال "القُهستانِيُّ)(١): ((إذ المُتبادِرُ مِن إضافةٍ
الكِيَاسَةِ إلى البُسْرِ وجَعلِها ظَرِفً للرُّطَبِ أَنَّ الْبُسْرَ غالِبٌ، فلو كان الرُّطَبُ غالِباً أو هو والبُسْرُ
مُتَساوِيَين يَنْبَغي أن يَحنثَ)) اهـ.
مطلبٌ: حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحماً
[١٧٦٦٥] (قولُهُ: لا يَأْكُلُ لَحماً) تَنْعَقِدُ هذِهِ على لَحمِ الإِلِ والبَقَرِ والْجَامُوسِ والغَنمِ
والطُُّورِ مَطْبُوخاً ومَشوِيّاً أو قَدِيداً، كما ذَكرَهُ "مُحمَّدٌ" في "الأصل)"(٢). فهذا مِن "مُحمَّدٍ"
إشارةٌ إلى أنّه لا يَحنثُ بالَّيِ وهو الأَظهَرُ، وعند "أبي اللَّيثِ" يَحنثُ، "بحر "(٣) عن
"الخُلاصة"(٤) وغيرِها.
[١٧٦٦٦] (قولُهُ: بِأَكلِ مَرَقِهِ) قَّدَهُ في "الفتح "(٥) بحثاً في فُرُوعٍ ذَكَرِها آخِرَ الأَيمانِ بما إذا
لم يَجِدِ طَعَمَ اللَّحمِ، أَخذاً مما في الخانيَّةُ(٦): ((لا يَأْكلُ مَّا يَجِيءُ به فُلانٌ، فجاءَ بحِمِّصٍ فَأَكلَ مِن
مَرَقِهِ وفيه طَعمُ الحِمِّصِ يَحنثُ)) اهـ.
[١٧٦٦٧) (قولُهُ: مع تَسمِيَتِها في القرآن لَحماً) هذا يَظهرُ في الثَّلاثةِ الأخيرةِ، وأمَّا الَرَقُ
(١) "جامع الرموز": كتاب الأيمان - فصل: حلف الفعل ٣٩٣/١ - ٣٩٤.
(٢) "الأصل": كتاب الأيمان - باب الكفارة في اليمين في أكل الطعام ٢٣٣/٣.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٨/٤ باختصار.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الأيمان - الفصل الثاني عشر: في اليمين في الأكل ق ١٢٢/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٨/٤.
(٦) "الخانية": كتاب الأيمان - باب اليمين على الأكل والشرب ٦٦/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
٤٢٨
باب اليمين في الأكل والشرب
وما في "التبيين" : - مِنْ حنثِهِ في: لا يركبُ حيواناً بركوبِ الإِنسان - ردَّهُ في
"النهر": بأنَّ العرفَ العمليَّ مخصِّصٌ عندنا كالعرفِ القوليِّ. (ولحمُ الإنسانِ ..
ففي الحَديثِ: ((الَرَقُ أحدُ اللَّحمَين)(١) "ط)"(٢).
مطلبٌ في اعتبارِ العُرفِ العَمَلِيِّ كالعُرفِ اللَّفَظِي
[١٧٦٦٨] (قولُهُ: وما في "النَّبِيِينِ)") أي: "تَبِينِ الكَنْزِ" لـ"الزَّلِيِّ"(٣) حيثُ قال: ((وذكر
"العَنَّابِيُّ" أَنَّه لا يَحنث بأَكلِ لَحمِ الخِزِيرِ والآدَمِيِّ، وقال في "الكافي"(٤): وعليه الفتوى، فكأنَّه
اعَتَبَرَ فيه العُرفَ، ولكِنَّ هذا عُرفٌ عَمليٌّ فلا يَصِحُّ مُقَيِّداً، بِخِلافِ العُرفِ اللَّفَظِيِّ، ألا تَرَى أَنَّه لو
حَلَفَ لا يَرِكَبُ دَّةً لا يَحنث بالرُّكوبِ على إنسانٍ للعُرفِ اللََّظِيِّ؛ فإنَّ اللَّغْظَ عُرفً لا يَتناولُ إلَّ
الكُراعَ وإن كان في اللُّغَةِ يَتناولُهُ. ولو حلَفَ لا يَركبُ حيواناً يَحنثُ بالرُّكُوبِ على إنسان؛ لأنَّ
اللَّظَ يَتناولُ جميعَ الحيوانِ، والعُرِفُ العَمِلِيُّ - وهو أَنَّه لا يُركَبُ عادةً - لا يَصِلُحُ مُقَيِّداً)) اهـ
٩٠/٣
[١٧٦٦٩ ) (قولُهُ: ردّهُ في "الَّهر "(٥) وكذا قال في "البحر"(٦): ((رَدَّه في "فتح القديرِ)(٧) بأَنَّه غيرُ
صحيحٍ؛ لتَصريحِ أَهلِ الأُصُولِ بقولِهِم: الحقيقةُ تُترَكُ بِدَلاَةِ العادَةِ؛ إذ ليسَت العادَةُ إلَّ عُرفاً عَمَلياً،
ولم يُحِب ـ أي: صاحبُ "الفتح" - عن الفرقِ بين الدَّبَةِ والحَيَوانِ، وهي وارِدٌ عليه إنْ سَلَّمَها)) اهـ.
(١) أخرج الترمذي (١٨٣٢) في الأطعمة - باب إكثار ماء المرقة، والحاكم في "المستدرك" ١٣٠/٤ في الأطعمة، وابن عدي
في "الكامل" ١٧٠/٦-١٧١، وأبو نعيم في "المعرفة" (٤٣٦٧) (٤٣٦٨)، وابن قائع في "المعجم" ١٣٧/٢، من طريق
محمد بن فضاء عن أبيه عن علقمة بن عبد الله المزني مرفوعاً: ((إذا اشترى أحدكم لحماً فليكثر مرقته، فإنْ لم يصب
أحدكم لحماً أصاب مرقاً وهو أحد اللحمين))، قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن
فضاء هو المعبر، وقد تكلم فيه سليمان بن حرب، وتعقب الذهبي على الحاكم تصحيحه فقال: محمد ضعفه ابن معين
اهـ. وضعفه أبو حاتم والنسائي وابن حبان وأبو زرعة وغيرهم.
(٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٥٢/٢.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٢٨/٣.
(٤) "كافي النسفي": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب وغيرهما ٣/ق١٩٨/أ.
(٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٨/٤.
(٧) "الفتح": كتاب النكاح - فصل في الوكالة بالنكاح وغيرها ٢٠٣/٣.

الجزء الحادي عشر
٤٢٩
باب اليمين في الأكل والشرب
والكبدُ والكَرِشُ)
ولا يَخفى أَنَّه لا يُسلِّمُها بدَليلِ أَنَّه رَدَّ مَبناها، وهو عدَمُ اعتبارِ العُرفِ العَمِلِيِّ، وعِبارةُ
"النهر"(١) هكذا: ((وفي بَحثِ التَّخصيصِ مِن "النَّحريرِ"(٢): مسألةٌ العادَةُ العُرفُ العمَلِيُّ مُخصِّصٌ
عند الحنفيَّةِ خِلافً للشَّافِعِيَّةِ، كـ: حرَّمتُ الطَّعامَ وعادَتُهم ◌َكلُ البُرِّ، انصرَفَ إليه وهو (٤ /ق ٨١/ب]
الوَجْهُ، أمَّا بالعُرفِ القَولِيّ(٣) فاتّفَاقٌ، كالدََّةِ للحِمارِ، والدَّراهمِ على النَّقدِ الغالِبِ. وفي "الحواشي
السَّعَديَّةِ"(٤): أنَّ العُرفَ العمَلِيَّ يَصلُحُ مُقَيِّداً عند بعض مشايخٍ بَلْخ؛ لِما ذُكِرَ فِي كُبِ الْأُصُولِ في
مسأَلَةٍ: إذا كانَت الحقيقةُ مُستعملةً والمجازُ مُتعارَفاً)) اهـ.
قال في "النّهر "(٥): ((وهذِهِ النَّقُولُ تُؤْذِنُ بأَنَّه لا يَحنث برُكوبِ الآدَمِيِّ في: لا يَرَكَبُ
حيواناً)).
[١٧٦٧٠) (قولُهُ: والكِيدُ) بالرَّفع، وكذا ما بعدَهُ عَطفاً على ((لَحمُ))، وكان الأَولى ذِكرَ
الخِنْزِيرِ عَقِبَ الإنسانِ كما فعَلَ في "الكَنزِ"(٦)؛ ليكونَ مَجرُوراً عَطفاً على الإنسانِ بإضافةِ ((لَحم))
إليهِما؛ لأَنَّهما أَعُمُّ فتكونُ مِن إضافةِ الجُزءِ إلى الكُلِّ، بخِلافِ الكِيدِ وما بعدَهُ؛ فإنَّاللَّحمَ ليسَ حُزءً
منه بل هو عينُهُ، فِذَا قُلنا: إنَّه بالرَّفعِ عَطفاً على المضافِ، وإن صحَّ جِرُّهُ عَطفاً على المُضافِ إليه على
جَعلِ الإضافةِ فيه بيانَّةً، لَكِن يَلزمُ عليه اختلافُ الإضافَتَيْنِ فِي لَفَظٍ واحِدٍ، وفي "القُهستاني)(٧):
((الكِيدُ: بفتح الكافِ وكسرِها مع سُكونِ الباء، والكَرْشِرُ: بفتحِ الكافِ وكسرِ الرَّاءِ وسُكُونِها)).
(١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق٢٨٥/ب.
(٢) "التحرير": المقالة الأولى - الفصل الرابع - البحث الخامس: يَرِدُ على العامِّ التخصيصُ صـ١٢٥ -.
(٣) في "النهر": ((العقلي))، وهو خطأ.
(٤) "الحواشي السعدية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٩٩/٤، وفيها: ((عند مشايخ بلخ))
(هامش "فتح القدير").
(٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق٢٨٥/ب.
(٦) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٢٦١/١.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الأيمان - فصل: حلف الفعل ٣٩٤/١.

حاشية ابن عابدين
باب اليمين في الأكل والشرب
-
٤٣٠
والرئةُ والقلبُ والطِّحَالُ (والخنزيرُ لحمٌ)، هذا في عرفِ أهلِ الكوفةِ، أمَّا في عرفِنا
فلا كما في "البحر" عن "الخلاصة" وغيرِها،
(١٧٦٧١] (قولُهُ: والرِّئَةُ) بالهَمزةِ، ويجوزُ قَلْبُها ياءً: السَّحْرُ، "مصباح"(١)، وفيه(١): ((السَّحْرُ
وِزادُ فَلَسٍ وسَبَبٍ وقُلٍ: هو الرُِّ. وقيلَ: ما لَصِقَ بالخُلقُومِ والَرِيءٍ مِن أَعلى البَطنِ، وقيلَ: كُلُّ
مَا تَعلَّقَ بالْحُلْقُومِ مِن كِيدٍ وقَلبٍ ورِئَةٍ)).
[١٧٦٧٢) (قولُهُ: لَحِمٌ) خَبرُ المُبتدأ، وما عُطفَ عليه أي: هذه المَذكُوراتُ داخلةٌ
في مُسمَّى اللَّحمِ.
(١٧٦٧٣) (قولُهُ: هذا إلخ) الإشارةُ إلى الكَبِدِ والأربعةِ الَّتي بعدَهُ، وعِبارةُ "البحرِ)(٢): ((وفي
"الْخُلاصةِ"(٣): لو حَلَفَ لا يَأكلُ لَحماً فأكلَ شيئاً مِن الْبُطُونِ كالكِيدِ والطِّحَالِ يَحنثُ فِي عُرفٍ
أهلِ الكُوفِةِ، وَفِي عُرفِنا لا يُحَنثُ، وهكذا في "المحيطِ"(٤) و "الُّحتبى" ولا يَخْفَى أَنَّه لا يُسمَّى لَحماً
في عُرِفِ أهلِ مِصرَ أيضاً، فعُلِمَ أنَّ ما في "المَخْتَصَرِ" - أي "الكَنِ" - مَبنِيٌّ على عُرفِ أَهلِ الكُوفةِ،
وأنَّ ذلك يَختلِفُ باختِلافِ العُرفٍ)) اهـ. كلامُ "البحر".
قلتُ: وأمَّا لَحمُ الإنسانِ ولَحمُ الخِزِيرِ فهو لَحمٌ حقيقةً لغةً وعُرِفاً، فِلِذا مَشَى "المُصنِّفُ)) (٥)
كغيرِهِ على أنَّه يَحنثُ به، لكِن يُرِدِ عليه - كما أفادَهُ في "الفتح"(٦) -: ((أَنَّ لَفِظَ ((أَكَلَ)) لا يَنصرِفُ
(قولُهُ: لكن يرِدُ عليه - كما أفادَهُ في "الفتحِ" - أنَّ لفظَ أَكَلَ إلخ) يُدفَعُ بأنَّ ما مشى عليه
"المصنّفُ" وغيرُهُ في هذهِ المسألةِ بالنّسبةِ للحمِ الإنسانِ والخنزيرِ مبنيٌّ على عدمِ اعتبارِ العرفِ العمليِّ.
(١) نقول: عبارة المصباح مادة: ((ريا)): ((الرئة بالهمز وتركِهِ: مجرى النفس))، وليس فيها: ((السَّحْر)) في هذا
الموضع، وانظر "المصباح المنير": مادة ((ريا)) و((سحر)).
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٨/٤.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الأيمان - الفصل الثاني عشر: في اليمين في الأكل ق ١٢٢/ب.
(٤) "المحيط البرهاني": كتاب الأيمان - نوع آخر منه في الأكل ١/ق ٣٨٢/أ.
(٥) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الأكل والشرب إلخ ١/ق١٩٧/ب.
(٦) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٩/٤.

الجزء الحادي عشر
٤٣١
باب اليمين في الأكل والشرب
ومنهُ عُلِمَ أنَّ العجميَّ يُعتَبَرُ عرفُهُ قطعاً. وفي "الخانية(١): الرأسُ والأكارِعُ لحمٌّ في يمينٍ
الأكلِ لا في يمينِ الشراءِ، وفي: لا يأكلُ من هذا الحمارِ يقع على كِرائِهِ، ..
إليه عُرفاً وإن كان في العُرفِ يُسمَّى لَحماً كما مرَّ(٢) في: لا يَرِكَبُ دَّةَ فُلان، فإنَّ
العُرفَ اعْتُبَ في ((رَكِيبَ))، والمُتبادِرُ منه رُكُوبُ الأنواعِ الثَّلاثةِ وهي: الحمارُ والبَغْلُ والفَرَسُ وإن
كان لَفِظُ ((دَةٍ)) في العُرفِ يَشْمَلُ غيرَها أيضاً كالبَقْرِ والإِبِلِ، فقد تَقَّدَ الرُّكوبُ المَحلوفُ عليه
[٤/ ق٨٢/أ) بالعُرفِ، ولِذَا نَقلَ "العَتَّبِيُّ" خِلافَ ما هنا فقال: قيل: الحالِفُ إذا كان مُسِلِماً يَنَبَغي أن لا
يحنثَ؛ لأنَّ أَكَلَهُ ليسَ بُتُعارَفٍ، وَمَبنَى الأَيمانِ على العُرفِ، قال: وهو الصَّحِيحُ، وفي "الكافي)"(٢):
وعليه الفَتوى)). هذا خُلاصةُ ما حقَّقَهُ في "الفتح"، وهو حسَنٌ جِدًّا، وَيُؤيِّدُه(٤) ما قدَّمناهُ(٥) ويأتي(٦)
أيضاً: ((مِن أَنَّه لا يَحنثُ باللّحمِ النّيءٍ كما أشار إليه "مُحمَّدٌ" وهو الأظهَرُ))، قال في "الذخيرة":
(لأنه عَقدَ يَمِينَهُ على ما يُؤْكلُ عادةً فينصرِفُ إلى المُعتادِ وهو الأكلُ بعدَ الطَّخِ)) اهـ. مع أنّه لاشكَّ
في أنَّ الَّيءَ لَحمٌ حقيقةً، فعُلِمَ أَنَّ الَّحُوظَ إليه في العُرفِ هو الأكلُ لا لَفِظُ ((لَحم)).
[١٧٦٧٤) (قولُهُ: ومنه عُلِمَ) أي: مِن قولِهِم: ((أمَّا فِي عُرِفِنا))؛ فإنَّ الْمُرادَ عُرفُ بِلادِهم وهي
مِن العَجَم، فافهم. ثُمَّ إِنَّ الَّبِيهَ على هذا ليسَ فيه كبيرُ فائدةٍ؛ لأنَّ قولَهُم باعتِبارِ العُرفِ فِي الأَيمانِ
ليسَ المرادُ به عُرفَ العَربِ بل أيُّ عُرفٍ كان في أيِّ بَلَدٍ كان كما سَيَأْتِي(٧) عند قولِهِ: ((والخُبزَ
ما اعتادَهُ أهلُ بلَدِ الحالِفِ)). وفي "البحرِ"(٨) عن "الُحيطِ": ((وفي الأَيمانِ يُعتبَرُ العُرفُ فِي كُلِّ
مَوضعٍ، حَتّى قالوا: لو كان الحالِفُ خُوارِزِمَّاً فَأَكلَ لَحمَ السَّمكِ يَحنثُ؛ لأنّهم يُسمُّونَهُ لَحماً)).
[١٧٦٧٥) (قولُهُ: لَحْمٌ فِي يَمِينِ الأكلِ لا فِي يَمِينِ الشِّراءِ) وجَعلَ في "الشَّافي" الأكلَ والشِّراءَ
(١) "الخانية": كتاب الأيمان - باب من الأيمان - فصل في الأكل ٥٧/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) صـ ٤٠٦ - ٤٠٧ - "در".
(٣) "كافي النسفي": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب وغيرهما ٣/ق١٩٨/أ.
(٤) في "آ": ((یرید بها)).
(٥) المقولة [١٧٦٦٥] قوله: ((لا يأكل لحماً)).
(٦) المقولة [١٧٦٧٨] قوله: ((ولا يحنث بأكل الّيْءٍ)).
(٧) صـ ٤٣٧ - "در".
(٨) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٨/٤.

حاشية ابن عابدين
٤٣٢
باب اليمين في الأكل والشرب
ومن هذا الكلبِ لا يقعُ على صيدِهِ، ولا يعمُّ البقرُ الجاموسَ، ولا يحنَثُ بأكلِ النِّيءٍ
هو الأصحُّ. (ولا) يحنَثُ (بشحمِ الظَّهْرِ).
واحِداً، والأوَّلُ أصحُّ، "بَّازِيَّةِ"(١).
قلتُ: ولعلَّ وَجهَهُ أنَّ الرَّسَ والأكارِعَ مُشتملةٌ على اللَّحم وغيرِهِ، لكِّنَّها عندَ الإطلاق
لا تُسمَّى لَحماً، فإذا حَلَفَ لا يَشْتَرِي لَحماً لا يُقالُ في العُرفِ: إِنَّه اشتَرَى لَحماً بل اشتَرَى
رَأسَاً أو أَكارِعَ، أمَّا إذا أكلَ اللَّحمَ الَّذي فِيها فقَد أَكلَ لَحماً فَيَحنثُ. ويُشيرُ إلى هذا الفرقِ ما
في "الذَّخيرةِ": ((ولو أَكلَ رُؤُوسَ الحَيوانِ يَحنثُ؛ لأنَّ ما عليها لَحمٌ حقيقةً)).
[١٧٦٧٦] (قولُ: لا يقعُ على صيدِهِ) وإنَّما يقعُ على لَحمِهِ وهو القِياسُ في الحِمارِ إلاَّ أنَّ
الحِمارَ لَمَّا كان له كِراءٌ وَيَستعمِلونَ هذا اللَّفظَ في الأكلِ مِن كِرائِهِ حَمَلُوهُ على الكِراءِ، وفِيما
وَرَاءَهُ بَبقى على الأصلِ، "منح"(٢) عن "جَواهِرِ الفتاوى"، "ط)"(٣).
٩١/٣
[١٧٦٧٧] (قولُهُ: ولا يَعُمُّ البقرُ الجامُوسَ) أي: فلو حلَفَ لا يأكلُ لَحمَ بَقرٍ لا يَحنثُ بأكلٍ
الجامُوسِ كعَكْسِهِ؛ لأنَّ النَّاسَ يُفرِّقون (٤) بينَهُما، وقيلَ: يَحنثُ؛ لأنَّ البقرَ أَعمُّ. وَالصَّحيحُ الأوَّلُ،
كما في "النَّهر "(٥) عن "النَّتر خانيَّةِ"(٦). وفيه(٧) عن "الدَّخيرةِ": ((لا يأكلُ لَحمَ شاةٍ لا يَحنثُ بُلَحمِ
العَنزِ مِصرِيّاً كان أو قَرَويّاً، قال "الشَّهِيدُ": وعليه الفَتوى)).
[١٧٦٧٨] (قولُهُ: ولا يَحنثُ بأكل الّيِ) بالهَمزِ وزانُ حِمْلٍ، والإبدالُ والإدغامُ عامِّيٌّ،
[٤ / ق ٨٢/ ب] "مصباح"(٨)، أي: إبدالُ الهمزةِ ياءً وإدغامُها في الياء لغةُ العَوامٌّ، وقدَّمنا(٩) وَجهَ عدَمِ
(١) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الحادي عشر: في الأكل ٢٩٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "المنح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١/ق١٩٧ /ب.
(٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٥٢/٢.
(٤) في "الأصل": ((لا يفرقون بينهما))، وهو خطأ.
(٥) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٥/ب.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني عشر: في الحلف على الأفعال ٥٢٢/٤.
(٧) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٥/ب.
(٨) "المصباح المنير": مادة ((نيء)) بتصرف.
(٩) المقولة [١٧٦٧٣] قوله: ((هذا إلخ)).

الجزء الحادي عشر
٤٣٣
باب اليمين في الأكل والشرب
وهو اللحمُ السَّمِينُ (في) حلفِهِ (لا يأكلُ شحماً) خلافاً لهما، بل بشحمِ البَطْنِ والأمعاءِ
اتفاقً، لا بما في العَظْمِ اتفاقاً، "فتح". (واليمينُ على شراءِ الشحمِ) وبيعِهِ (كهيَ على أكلِهِ)
حُكماً وخلافاً، "زيلعي". (ولا) يحنثُ (بأَلْيَةٍ في) حِلِفِهِ (لا يأكلُ) أو لا يشتري (شحماً
أو لحماً) لأنها نوعٌ ثالثٌ، (ولا) يحنثُ (بخبزِ أو دقيقٍ أو سويقِ في) حلفِهِ: لا يأكُّل ......
الحِنثِ قريباً.
[١٧٦٧٩] (قولُهُ: وهو اللَّحمُ السَّمِينُ) كذا فسَّرَهُ في "الهدايةِ"(١)، والظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ به
اللَّحمُ الأبيضُ الْمُسمَّى في العُرفِ دُهنَ البَدنِ؛ فإنَّه يكونُ في حالةِ السِّمَنِ دُونَ الهُزالِ. وقد
يُرادُ بِهِ شَحمُ الكُلْيَةِ؛ لأَنّها مُعَلَّقَةٌ بالظَّهرِ، قال في "البحرِ "(٢): ((قال القاضي "الإسبيجابيُّ": إنْ
أُريدَ بِشَحمِ الظَّهرِ شَحمُ الكُلْيَةِ فَقولُهُمَا أَظهَرُ، وإن أُرِيدَ به شَحمُ اللَّحمِ فقولُهُ أَظهَرُ)) اهـ.
[١٧٦٨٠) (قولُهُ: بل بشَحمِ البَطنِ) هو ما كان مُدوَّراً على الكِرْشِ، وما بين المصارِينِ
شَحُمُ الأَمعاءِ، "ط)" (٣).
[١٧٦٨١) (قولُهُ: اتّفاقاً) رَدٌّ على صاحِبِ "الكافي"؛ حيثُ ذكرَ الخِلافَ فِي شَحمِ الأمعاءِ
والشَّحمِ المُختِطِ بالعَظمِ. قال "السَّرْحسِيُّ)(٤): ((إنَّه لم يَقُل أَحدٌ بأنَّ مُخَّ العَظمِ شَحِمٌ)) اهـ.
وكذا لا يَنْبَغيِ خِلافٌ في الحِنثِ بما على الأمعاءِ؛ فإنَّه لا يُختَلَفُ فِي تَسمَتِهِ شَحماً، "فتح"(٥).
[١٧٦٨٢] (قولُهُ: "زَيلِعِيّ " (٦)) عبارتُهُ: ((لَا يَحنثُ بأكلٍ شَحمِ الظَّهرِ وشِرائِهِ وَبَيْعِهِ في
يَمِينِهِ: لا يَأْكُلُ شَحماً ولا يَشْتَرِيهِ ولا يَبيعُهُ، وهذا عند "أبي حنيفةً"، وقالا: يَحنثُ)).
[١٧٦٨٣] (قولُهُ: بِأَلْيَةٍ) بفتحِ الهمزَةِ، قال في "المصباحِ"(٧): ((قال "ابنُ السِّكَّيْتِ" وجماعةٌ:
(١) "الهداية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٨٠/٢.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٨/٤.
(٣) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب والكلام ٣٥٢/٢.
(٤) "المبسوط": كتاب الأيمان - باب الأكل ١٨٤/٨.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٠/٤.
(٦) "تبيين الحقائق": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ١٢٨/٣ باختصار.
(٧) "المصباح المنير": مادة ((ألي)) بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤٣٤
باب الیمین في الأكل والشرب
(هذا الْبُرَّ إلا بالقضمِ من عينها).
ولا تُكسَرُ الهمزَةُ، ولا يُقالُ: لِيَّةٌ. والجمعُ أَيَاتٍ كسَجْدَةٍ وَسَحَدَاتٍ، والّنيةُ أَلْيَانِ بحذفِ الهاءِ
على خِلافِ القِياسِ)).
مطلبٌ: لا يأكُلُ هذا البُرَّ
[١٧٦٨٤) (قولُهُ: إلاَّ بالقَضمِ مِن عَينِها) أي: عينِ البُرِّ، وَأَنْتَ ضَميرَهُ؛ لأَنَّه يُسمَّى حِنطةً
أيضاً، و((إلَّ)) بمعنى ((لكن)) أي: لكنَّهُ يَحنثُ بقَضِهِ مِن قَضِمَتِ الدَّابةُ الشَّعِيرَ تَقَضَمُهُ مِن بابِ
تَعِبَ: كسَرَتهُ بأطرافِ الأسنانِ، ومِن بابِ ضَرَبَ لغةٌ، "مصباح"(١). قال في "الفتح"(٢): ((وليس
المرادُ حقيقةَ القَضمِ، بل أن يأكُلَ عَيْنَها بأطرافِ الأسنانِ أو بسُطُوجِها)). وفي "القُهستانيِ)(٣):
(فلو ابْتَلِعَهُ صحيحاً حَنِثَ بِالأَوْلِى كما في "الكِرمانيّ"؛ فإنَّ احَتَرزَ بالقَضِ عمَّا يُتَّخِذُ منه كالخُبزِ
والسَّويقِ؛ فَإِنَّه لا يَحنثُ به عندَهُ؛ لأنَّ عينَ الحِنطَةِ مَأْكُولٌ، وعندَهُما يَحنثُ)).
قلتُ: ومَبنى الخِلافِ على أنَّ الحقيقةَ الْمُستعملَةَ أَولِى مِن الَجازِ المتعارَفِ عندَهُ خِلافً لَهُما،
فإنَّ لَفْظَ ((أَكَلَ الحِنطَةِ)) يُستعمَلُ حقيقةً فِي أَكلٍ عَيِنِها؛ فإِنَّ النَّسَ يَقُلُونَها وَيَأْكُلُونَها، فهو أَولِى
مِن الَجازِ المُتَعارَف (٤) وهو أن يُرادَ بـ: ((أكلتُ الخِنطةَ)) أَكلُ خُبزِها، قال في "الفتح"(٥): ((لَفظُ
((أَكْلْتُ حِنطةً)) يَحتمِلُ أن يُرادَ به كُلٌّ مِن الَعنَينِ، فَيَترجَّحُ قولُهُ لتَرجُّحِ الحقيقةِ عند مُساواةٍ
المجازِ، بل الآنَ لا يُتعارَفُ في أَكلِ الخُبزِ مِنها إلاَّ لَغظٌ آخَرُ وهو: أكلتُ الخُبزَ))، ثُمَّ قال(٦):
(قولُهُ: فلو ابتلَعَهُ صحيحاً حيثَ بالأَولى إلخ) لا وجهَ للأولويَّةِ يظهرُ.
(١) "المصباح المنير": مادة ((قضم)).
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٢/٤.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الأيمان - فصل: حلف الفعل ٣٩٠/١.
(٤) من ((عنده خلافاً)) إلى ((المتعارف)) ساقط من "الأصل".
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٢/٤.
(٦) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٢/٤ بتصرف.

الجزء الحادي عشر
٤٣٥
باب الیمین في الأكل والشرب
لو مقليَّةً كالبليلَةٍ في عرفنا، أمَّا لو قَضَمَها نِيْئَةً فلا حنثَ إلا بالنَّةِ، "فتح". وفي
"النهر"(١) عن "الكشفِ"(٢): المسألةُ على ثلاثةِ أوحُهٍ: أحدُها: أن يقولَ: هذه
الحنطةَ ويشيرُ لصُبْرَةٍ وهيَ مسألةُ المختصَرِ، الثانيةُ: أن يقولَ: هذهِ بلا ذكرِ حنطةٍ
فيحنَثُ بأكلِها كيفَ كان ولو نِيْئَةً أو خبزاً، الثالثةُ: أن يقولَ: حنطةً
((وهذا الخِلافُ إذا حلَفَ على [٤/ ق١/٨٣] حنطَةٍ مُعيَّنَةٍ، أمَّا لو حلَفَ لا يَأْكُلُ حِنطَةٌ يَنْبَغي أن
يَكُونَ قولُهُ كَقَولِهما، ذكرَهُ "شيخُ الإسلامِ". ولا يَخفى أَنَّه تَحُكُمْ والدَّلِيلُ الَذِكُورُ المَنَّفْقُ على
إِيرادِهِ فِي جَميعِ الكُتُبِ يَعُمُّ المُعَنَةَ والمُنكَّرَةَ وهو أنَّ عَيْنَها مَأْكُولٌ)) اهـ.
[١٧٦٨٥) (قولُهُ: لو مَقليّةً كَاليَلِلةِ) قال في "الفتح" (٣): ((فَإِنَّالنَّاسَ يَغُلُونَ(٤) الحِنطةَ ويَأْكُلُونَها
وهي الَّتِي تُسمَّى فِي عُرفٍ بِلادِنا يَلِيلَةً، وتُقُلى أيضاً أي: تُوضَعُ جافّةً في القِدرِ ثُمَّ تُؤْكلُ قَضماً)) اهـ.
وحينئذٍ فقولُهُ: ((كالبليلة)) الكافُ فيه للّظيرِ إن كانت النِّسَخُ: ((لو مَقَلّةً)) بالقافِ، أمَّا إذا كانت
بالغَيْنِ الُعجَمةِ فهي للتّمثيلِ. والبَليلةُ هي المُسمَّةُ في عُرفٍ بِلادِنا سَلِيقَةً؛ لأَنّها تُسلَقُ بالماءِ الَغْلِيِّ.
[١٧٦٨٦] (قولُهُ: فلا حِنثَ إلاَّ بالنِّةِ) ولو نَوَى ما يُنَّخِذُ مِنها صحَّ، ولا يَحنثُ بأكلٍ
عَينِها، "ذخيرة".
[١٧٩٨٧] (قولُهُ: وهي مسألةُ "الْخَتَصر") أي: المتن. أي: أنَّه يَحنثُ بأَكلِ عَيِها لو مَغِيَةً(٥)
أو مَقلّةً لا لو ◌ِيْئَةً ولا بُنَحوِ خُزِها.
[١٧٦٨٨) (قولُهُ: فَيَحنثُ بأَكلِها كيفَ كان) لعلَّ وَجِهَهُ: أَنَّه إذا وُجدت الإِشارَةُ بِدُونِ
(١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٦/أ.
(٢) "كشف الأسرار": باب أحكام الحقيقة والمجاز والصريح والكناية ١٧٢/٢ بتصرف.
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٢/٤ بتصرف.
(٤) في "آ": ((يقلون)) بالقاف.
(٥) قوله: ((لو مغليّةً)) مقتضى عبارتِهِ في هذا المحلِّ أنَّه اسمُ مفعولٍ من الثلاثي معَ أنَّه لازمٌ، ويتعدى بالهمزة كما في
"المصباح" فيقال في اسم مفعوله: مُغْلَى ومُغْلَاة لا مَغْلِيّ ومَغْلَّة اهـ مصحِّحُهُ.

حاشية ابن عابدين
٤٣٦
باب اليمين في الأكل والشرب
فيحنثُ بأكلِها ولو نِيْئَةً لا بنحوِ الخبزِ، ولو زَرعهُ لم يحنث بالخارجِ. (وفي: هذا
الدقيقِ حِنِثَ بما يُتَّخَذُ منهُ كالخبزِ ونحوِهِ) كعَصِيدَةٍ وحَلوى (لا بسفْهِ).
تَسميةٍ تُعتَبرُ ذاتُ المُشارِ إليه سواءٌ بَقِيَت على حالِها أو حَدَث لها اسمٌ آخَرُ.
[١٧٦٨٩] (قولُهُ: فَيَحنثُ بأَكلِها ولو نِيْئَةً) أي: بخِلافِ الحِنطِ المُعرَّفَةِ وهو الوجهُ الأوَّلُ؛ فإنّه
لا يَحنثُ بالنِِّ مِنها، وأمَّا عدَمُ الحِنثِ بالخُبْزِ ونَحوِهِ كالدَّقِيقِ والسَّويقِ فقد اشتَرِكَ فيه المُعرَّفَةُ
والمنكَّرَةُ لَقُّدِ الحَلِفِ بالاسمِ؛ فَإِنَّ الْخُبزَ ونَحوَهُ لا يُسمَّى حِنطةً على الإطلاق، بل يُقالُ: حُبُرُ
حِنطةٍ، لَكِن يَبْقِى الكَلامُ فِي وَجِهِ الفَرقِ بينَهُما في الّيءٍ؛ حيثُ دخلَ في المُنكَّرِ دُونَ المُعرَّفِ.
ولعلَّ وَجِهَهُ: أنَّ ((حِنطةٌ)) نَكرةٌ في سِياقِ النَّفِيِ فَتَعُمُّ جميعَ أنواعٍ مُسمَّاها، بخِلافِ المُعرَّفَةِ فإِنَّها
تَنَصرِفُ إلى المَعُهُودَةِ في الأكل، والّيُ غيرُ مَعُهُودٍ فيه، هذا غايَةُ ما ظهَرَ لي في تَوجِيهِهِ. لكِنَّ ما
ذُكِرَ مِن الفَرقِ بينَهُمَا مَبِيٌّ على أنَّ الَنظُورَ إليه لَفَظُ ((حِنطة))، أمَّا لو نَظرنا إلى لَفظِ ((أكلتُ
الخِنطةَ)) فإنَّ لا يَظهرُ الغرقُ؛ إذ قولُكَ: ((أَكلتُ حِنطةً)) مثلُهُ فِي أَنَّه يُرادُ به حقيقتُهُ أو مَجازُهُ
المستعمَلُ على الخِلافِ بين "الإِمام" وصاحبَيهِ، ويُؤْيِّدُهُ ما مرَّ(١) عن "الفتح" مِن رَدِّه ما ذَكرَهُ
"شيخُ الإسلامِ" وإن كان مِن جِهةٍ أُخرى، وكذا يُؤَيِّدُهُ ما قدَّمْناهُ(٢) في: لا أَرْكَبُ دَّةَ فُلان،
وفي: لا آكُلُ لَحماً؛ حيثُ اعْتُبِرَ لَفَظُ (أركبُ)) و((آكُلُ)) فصُرِفَ إلى الَعُهُودِ، وَقُيِّدَ بِه لَفَظُ
((دَّةٍ)) ولفظُ ((لحماً)) بلا فرق بين مُعرَّفِهِ ومُنكَّرِهِ، واللهُ سبحانَهُ أعلَمُ.
[١٧٦٩٠] (قولُهُ: لم يَحنث بالخارِجِ) أي: اتّفاقاً، [٤/ق٨٣/ب] " نهر "(٣). وهذا إذا لم يَقُل:
((حِنطةً)) بالتّكير.
٩٢/٣
[١٧٦٩١) (قولُهُ: بما يَتَّخِذُ منه) في "النوازلِ": ((لو أَتَّخذ منه خَبيصاً أَخافُ أن يَحنثَ)).
(١) المقولة [١٧٦٨٤] قوله: ((إلا بالقضم من عينها)).
(٢) المقولة [١٧٦١٠] قوله: ((لا يحنث استحساناً))، والمقولة [١٧٦٧٣] قوله: ((هذا إلخ)).
(٣) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٦/أ.

الجزء الحادي عشر
٤٣٧
باب اليمين في الأكل والشرب
في الأصحِّ كما مرَّ في أكلِ (١) عينِ النَّخْلةِ (والخبزُ ما اعتادَهُ أهل بلدِ الحالفِ)
فالشاميُّ بالبُرِّ، واليمنيُّ بالذُّرَةِ، والطبريُّ بخبزِ الأرزِّ، وبعضُ أهلِ القرى بالشعيرِ، ..
ويَنْبَغِي أن لا يُتْرَدَّدَ في حِنِه إذا أكلَ منه ما يُسمَّى في دِيارِنا بالكُسكُس، "نهر" (٢). وهو
الُسمَّى في الشَّام بالمغربَّةِ، ومِثُهُ الشَّعِيرِيَّةِ.
[١٧٦٩٢) (قولُهُ: في الأصحّ) احترازٌ عمَّا قيلَ: إِنَّه يَحنثُ؛ لأَنَّه حقيقةُ كلامِهِ. قُلنا: نعم،
ولكِن حقيقةٌ مهجورةٌ، ولَمَّا تَعَّنَ المجازُ سِقَطَت الحقيقةُ، كقوله لأجنبيّةٍ: إن نَكحتُكِ فَعَبدِي
حُرٍّ، فَرَنَى بها لا يَحنثُ؛ لانصِرافِ يَمِينِه إلى العَقْدِ فلم يَتناول الوَطءَ إلاَّ أن يَنْوِيَهُ، "فتح)(٢).
[١٧٦٩٣] (قولُهُ: كما مرَّ(٤) في أكلِ عَينِ النَّخلةِ) إلَّ أَنَّه لو نَوَى أَكلَ عينِ الدَّقِيقِ
لم يَحنث بأكلٍ خُبْزِهِ؛ لأَنَّه نَوَى الحقيقةَ، "بحر "(٥). أي: بخِلافِ النَّخلةِ بناءً على ما مرَّ(٦)
عن "الوَلوالجِيَّةِ".
[١٧٦٩٤) (قولُهُ: فالشَّامِيُّ بالبُرِّ إلخ) هذا حيثُ لا مَجاعةَ، وإلاَّ فالظَّاهِرُ أنَّ المُرادَ ما
يُسمَّى خُبزاً في ذلك الوقتِ.
[١٧٦٩٥) (قولُهُ: والطَّرِيُّ) نسبةً إلى طَبَرِستان، وهي اسمُ آمُلَ وأَعمالِها. سُمِيت بذلك
لأنَّ أهلها كانوا يُحارِبُونَ بِالفَأْسِ ومعناها بالغارسيَّةِ أَخذَ الفأسَ بِيدِهِ اليُمنى. والمرادُ بالفأسِ
الطَّبَرُ وهو مُعرَّبُ تَبَرَ، كما في "الفتح"(٧).
(١) في "و": ((أكله)).
(٢) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٦/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٣/٤.
(٤) ص ٤١٧ - "در".
(٥) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٩/٤ بتصرف.
(٦) صـ ٤١٧ - "در".
(٧) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٣/٤.

حاشية ابن عابدين
٤٣٨
باب الیمین في الأكل والشرب
فلو دَخَلَ بلدَ البُرِّ واستمرَّ لا يأكلُ إلا الشعيرَ لم يحنث إلا بالشعيرِ؛ لأنَّ العرفَ
الخاصَّ معتَبرٌ، "فتح". (حلَفَ لا يأكلُ من خبزِ فلانةٍ انصرفَ إلى) الخابزةِ (التي
تضرِبُهُ في التّنُّورِ لا لمن عجَنتَهُ وهيَّأتَهُ للضربِ)، "ظهيرية"(١).
مطلبٌ: لا يأكُلُ خُبزاً
[١٧٦٩٦) (قولُهُ: فلو دَخلَ إلخ) عِبارةُ "الفتح"(٢): ((قال العبدُ الضَّعيفُ: وقد سُئلتُ: لو أنَّ
بَدَوِيّاً اعتادَ أكلَ خُبزِ الشَّعِيرِ فدَخلَ بلدةً المعتادُ فيها أَكلُ خُبزِ الحِنطةِ واستمرَّ هو لا يأكلُ
إلّ الشَّعِيرَ فحَلَفَ لا يأكلُ خُبزاً. فقلتُ: يَنعقِدُ على عُرفِ نفسِهِ فَيَحنثُ بالشَّعِيرِ؛ لأَنَّه لم يَنعقِد
على عُرفِ النَّاس إلاَّ إذا كان الحالِفُ يَتعاطاهُ فهو منهم(٣) فيه فُيُصرَفُ كلامُهُ إليه لذلك، وهذا
مُنْتَفٍ فيمَن لم يُوافِقهم بل هو مُجانِبٌ لهم)) اهـ.
فقولُ "الشَّارعِ": (لأَنَّ العُرفَ الخاصَّ مُعتَبِرٌ)) ليسَ لفظُهُ مَوْجُودً في "الفتح" بل مَعناهُ، فهو
منه، فافهم. وقال "المُصنّفُ" في "مِنَحِهِ"(٤): ((قلتُ: وبهذا ظهَرَ أنَّ قولَ بعضِ المُحقّقِينَ -: إنَّ
المذهبَ عدَمُ اعتبارِ العُرفِ الخاصِّ، ولكِن أَفتى كثيرٌ باعتبارِهِ - مَحُّهُ فِيما عدا الأَّيمانِ، أمَّا هي
فالعُرفُ الخاصُّ مُعتَبرٌ فِيها، يُعرَفُ ذلك مِن تَتُّعِ كلامِهِم، وَمَا يَدُّ عليه ما في "فتح القدير" إلخ)).
[١٧٦٩٧) (قولُهُ: انصرَفَ إلى الخَابزَةِ إلخ) الأوضحُ أن يُقالَ: انصرَفَ(٥) إلى ما تَضْرِبُهُ في
التّور لا ما تَعَجُنُهُ وَتُهُِّهُ للضَّرَبِ، فيكونُ المعنى: لو قال: لا آكلُّ مِن حُبِ هِندٍ، فإن كانَت خَزْتَهُ
في التُّورِ حَنِبَ، وإن كانَتْ عَجَنَتَهُ وهَّتُهُ - أي: قَطَّعتَهُ أَقراصَاً للخَبَزِ وخَبَزَهُ غيرُها - لا يَحنثُ،
(١) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الثاني - الفصل السادس في الأكل ق ١٣٤/أ بتصرف يسير.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٣/٤.
(٣) في "الأصل" و"م": ((مُتَّهَمٌ)).
(٤) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الأكل والشرب إلخ ١ /ق١٩٨/ب.
(٥) من ((إلى الخابزة)) إلى ((انصَرَفَ)) ساقط من "الأصل".