النص المفهرس

صفحات 401-420

الجزء الحادي عشر
٣٩٩
بابُ اليَمِينِ فِي الدُّخولِ والخُرُوجِ
في "الجامِعِ الصَّغَيرِ"(١): ((أرادَتْ أنْ تَخرُجَ فقال الزَّوجُ: إِنْ خَرجتِ فعادَتْ وجَلسَتْ وَخَرجَتْ بعدَ
ساعَةٍ لا يَحْنَث))، "حَمَويّ" عن "البِرْجَندِيّ"، ولا يُشترطُ لعدَمِ حِنِهِ إذا خرَجتْ بعد ساعَةٍ تَغييرُ
تلكَ الهيئَةِ الحاصِلَةِ مع إرادَةِ الْخُرُوجِ، يُشيرُ إليهِ قَوْلُ "الفتحِ"(٢): (َهَّأْتْ للخُرُوجِ فحلَفَ لا تَخْرُجُ،
فإِذا جَلَسَتْ ساعةً ثُمَّ خرجَتْ لا يَحنث؛ لأنَّ قصدَهُ مَنْعُها مِن الْخُرُوجِ الذي تَهِيَّتْ له، فكأَنَّهُ قال:
إِنْ خَرجتِ السَّاعَةَ))، وهذا إذا لم يكُنْ له ◌ِيَّةٌ، فإنْ نَوَى شيئاً عَمِلَ به، "شُرُبُلَالَيَّةِ"(٣).
قُلْتُ: وهو مُفادُ عِبارةِ "الجامعِ الصَّغِيرِ" أيضاً، لكِنْ في "البحرِ"(٤) عن "المحيطِ": ((إِنْ
لم تَقُومِي السَّاعَةَ وَتَجِيئي إلى الدَّارِ فأنتِ كذا، فقامَتِ السَّاعَةَ ولِسَتِ الْتّابَ وخَرجتْ ثُمَّ رَجَعتْ
وجَلَسَتْ حَتَّى خرَجَ الزَّوجُ فخَرَجَتْ وَأَتَتِ الدَّارَ بعدَهُ لا يَحنث؛ لأنَّ رُجُوعَها وجُلوسَها ما دامَتْ
فِي تَهُِّ الخُرُوجِ لا يكونُ تَرْكاً للفَورِ، كما لو أخذَها البَولُ فِبالَت قبلَ لُبْسِ الثّابِ)). اهـ مُلخَّصاً.
إلا أنْ يُفرَّقَ بين الإِنْبَاتِ وَالَّغْيِ، فإنَّ الَمَحُلُوفَ عليه في الأوَّلِ عدَمُ الْخُروجِ وهو ترْكٌ
فيتحقَّقُ بِتَحقُّقِ ضِدِّهِ وهو الْجُلُوسُ على وَجِهِ الإِعِراضِ فَإِنَّها إِنَّمَا جَسَتْ للإِعراضِ عن الخَرجَةِ
الَحُلُوفِ عليها فيَتحقَّقُ عدَمُ الْخُرُوجِ سواءٌ تَغَّرتِ الهَيئَةُ أو لا، والمَحُلُوفُ عليه في الثَّانِي الَجِيءُ
(قولُهُ: لكن في "البحرِ" عن "المحيطِ": إنْ لم تقومي السَّاعةَ إلخ) فيه: أنَّ ما في "المحيطِ" لا يفيدُ
اشتراطَ عدمٍ تغييرِ الهيئةِ الحاصلةِ مع إرادةِ الخروجِ؛ إذ معنى قولِهِ: ((ما دامت في تهُّؤِ الخروجٍ)) ما
دامت متأهِّبَةً له، عازمةً عليه، غيرَ معرِضَةٍ عنه، وليسَ في هذا ما يدلُّ على اشتراطِ عدمٍ تغييرِ الهيئةِ التي
تحصُلُ عندَ إرادةِ الخروجِ، حَتَّى يُحتاجَ للفرقِ البعيدِ الذي ذكرَهُ، تأمَّل، ثمَّ رأيتُ في "القاموسِ":
((الهيئةُ: حالُ الشيءٍ وكيفيَّتُه، وهاءَ إليه: اشتاقَ، وللأمرِ يهاءُ ويَهِيُ: أخذَ له هيئتَهُ، كتهيّاً له)) انتهى.
(قولُهُ: وهو الجلوسُ على وجهِ الإعراضِ إلخ) على هذا لا بدَّ لتحقُّقِ عدمِ الحنثِ في الأولى من
الجلوسِ والإعراضِ، مع أن العباراتِ دالّةٌ على أنَّهُ بمجرَّدٍ جلوسِ ساعةٍ يفوتُ الفورُ.
(١) "الجامع الصغير": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك صـ ٢٦١ -٢٦٢ -.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك ٣٩٣/٤.
(٣) "الشرنبلالية": كتاب الأيمان - باب حلف الفعل ٤٨/٢ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ٣٤٣/٤.

بابُ الَمِينِ في الدُّخولِ والخُرُوجِ
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
وهذهِ تُسمَّى يمينَ الفَوْرِ تفرَّدَ "أبو حنيفة" - رحمه الله - بإظهارها ولم يخالفهُ أحدٌ. (و)
كذا (في) حلفِهِ: (إن تغدَّيْتُ) فكذا (بعد قولِ الطالبِ): تعالَ (تغدَّ معي) شُرِطَ للحنثِ
(تغدِّيهِ معه) ذلك الطعامَ المدعوَّ إليه، (وإن ضَمَّ) إلى: إن تغدَّيْتُ.
[٤ /ق ٧٤/ب] الُثَبَتُ وهو لا يَتحقَّقُ إلَّ بِفِعِلِهِ، والفاعِلُ إذا تَهِيَّ للفِعلِ وجلَسَ مُنْتَظِراً له عازِماً عليه
لا يكُونُ مُعرِضاً عنه بل هو فاعِلٌ حُكْمًاً، لكِنْ لا بُدَّ مِن بَقاءِ تِلكَ الهَيئةِ هنا لْيُعَلَمَ بها أنَّ الْجُلُوسَ
ليْسَ على وَجِهِ الإعراضِ؛ لأنَّ الْجُلُوسَ ضِدُّ الفِعلِ الْمُرادِ ظاهِراً، هذا ما ظهَرَ لي، فتدَّرهُ.
[١٧٥٩٦) (قولُهُ: وهذِهِ تُسمَّى يَمِينَ الفَورِ إلخ) مِن فَارَتِ القِدْرُ غَلَتْ، استُغِيرَ للسُّرعَةِ، أو
مِن فَوَرَانِ الْغَضْبِ، اتفرَدَ الإِمامُ بإظهارِها وكانَتِ الْيَمِينُ أوّلاً قِسمَين: مُؤْبَّدةٌ: أي مُطلَقَةٌ ومُوقّتَةٌ،
وهذِهِ مُؤَّدةٌ لَفْظًاً مُوقّةٌ مَعْنَى تَنَقَّدُ بالحالِ، إِمَّا بأَنْ تكُونَ بِناءً على أَمرِ حالِيٍّ كما مُّثْل، أو أنْ تَقْعَ
جَواباً لِكَلامٍ يَتَعلَّقُ بالحالِ، كما في: إِنْ تَغَدَّيتُ، أفادَهُ فِي "النّهر)"(١).
٨٤/٣
[١٧٥٩٧) (قولُهُ: ولم يُخالِفهُ أحَدٌ) كذَا في "البحرِ"(٢) عن "المحيطِ"، لكِنْ نَقَلَ في "الفتح"(٣)
عن "زُفرَ" و"الشَّافِعِيِّ": الحِنثَ بها اعتباراً للإِطلاقِ اللَّفَظِيِّ.
[١٧٥٩٨] (قولُهُ: تَغْدِيهِ معَهُ) نائبُ فاعلٍ شُرطَ، فلو خَرَجَ إلى مَنزِلِهِ فَتَغَدَّى لم يَحنثْ؛ لأنَّ
جَوَابَهُ خَرجَ مَخَرَجَ الْجَوابِ فَيَنْطَبِقُ على السُّؤَالِ فَنصرِفُ إلى الغَدَاءِ الَدعُوِّ إليه، كذا في "الهدايَةِ (٤).
[١٧٥٩٩] (قولُهُ: ذلك الطَّعامَ الَدعُوَّ إليه) كذا في "الإيضاحِ" لـ "ابنِ كمال" مَعزّاً إلى
"الهدايَةِ"، والّذي في "الهِدايَةِ" هو ما سَمِعَتَهُ، وهو مُحَتَمِلٌ أنْ يَكُونَ المرادُ به الفِعلَ أي: التَّغْدِّي،
وأنْ يَكُونَ المرادُ بِه الطَّعامَ الَّذي هو حقيقةُ الغَداءِ بالدَّالِ الْمُهمَلَةِ، والظَّاهِرُ الأوَّلُ، وأنَّ قوْلَ
"الهِدايَةِ": ((فَيَنْصَرِفُ إلى الغَدَاء إلخ)) على حذْفِ مُضافٍ، أي: إلى أَكلِ الغَداءِ، أو أَنَّه أَطَلَقَ الغَدَاءَ
(١) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ق ٢٨٣/ب.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ٣٤٢/٤.
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤ /٤٠٧.
(٤) "الهداية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك ٧٩/٢.

الجزء الحادي عشر
بابُ الْيَمِينِ فِي الدُّخولِ والْخُرُوجِ
٤٠١
(اليومَ أو معكَ) فعبدي حر.
على النَّغدِّي تَساهُلاً بدليلٍ قولِهِ في البابِ الآتِي(١): ((الغَداءُ الأكلُ مِن طُلُوعِ الفَجرِ إلى الطُّهرِ)).
قال في "الفتح"(٢) هناك: ((وهذا تَساهُلٌ مَعُرُوفُ الَعْنى فلا يُعتَرِضُ به)) اهـ.
وَيَلْزَمُ على ما فَهِمُهُ "ابنُ كمالٍ": أَنَّه لو أَكلَ ذلك الطَّعامَ في بَيْتِهِ وحدَهُ يَحنثُ، وليْسَ
كذلِك؛ لأنَّ الَحُلُوفَ عليه هو النَّغدِّي مع الطَّالِبِ؛ لأَنّه هو الَدعُوُّ إليه، وليْسَ في كَلامِ الطَّالبِ
ولا في كلامِ الحالِفِ تَعِينُ طَعامٍ، بل لو دَعاهُ إلى الغَداءِ معه قبْلَ حُضُورٍ طعامٍ أصلاً فالظَّاهرُ أنَّ
الحُكمَ كذلك، بدليلٍ تَعليلهم: بأنَّ الجَوابَ يَنطِقُ على السُّؤالِ، نعم لو قال الطَّالِبُ: تغدَّ مَعِي هذا
الطَّعامَ تَقَّدَ به، أمَّ بُدُونِ ذلك فلا، والّذي يَظهرُ لي أنَّ هذا الفَهمَ الَّذِي فَهِمَهُ "ابنُ كمالٍ" غيرُ
صحيحٍ، ولم أَرَ مَن سَبْقَهُ إليه وإنْ عَوَّلَ "الشَّارِعُ " عليه، تأمَّل.
(١٧٦٠٠] (قولُهُ: اليومَ أو مَعَك) مَفعولُ [٤/ق ١٥/أ] ضَمَّ أي: بأنْ قال: إنْ تغدَّيتُ اليومَ، أو قال:
إِنْ تَغَدَّيتُ معَكَ حَنِثَ مُطَلَقِ النَّعَدِّي، وَاعْتَرِضَ ح "(٣) قولَهُ: أو معك: ((بأنَّه لم يَزِدِ على السُّؤالِ؛
لأنَّ السُّؤَالَ فِيهِ لَفظةُ ((مع)) فالصَّوابُ أنْ يقولَ: تَغَدَّ عِندي، كما قال في "الكنز)"(٤)) اهـ.
(قولُهُ: ويلزَمُ على ما فهمِهُ "ابنُ كمالٍ": أَنَّه لو أكلَ ذلكَ الطعامَ إلخ) لا يلزمُ ما ذكرَ على ما فهمَهُ "ابنُ
كمال"؛ لأَنَّه إذا أكَلَ ذلكَ الطعامَ المدعوَّ إليه في بيتِهِ وحدَهُ لم يَصدُق أَنَّه تغدَّاهُ معه الذي جعلَ شرطَ الحنثِ
حَتّى يحنثَ، بلِ الظاهرُ صحَّةُ ما قالَهُ "ابنُ كمالٍ"؛ لموافقتِهِ لظاهرِ عبارةِ "الهداية،" بدونِ احتياجٍ لدعوى تحوّزٍ أو
حذفِ مضافٍ، والطعامُ وإن لم يُذكر في كلامِ أحدِهما إلا أنَّ المسؤولَ الطعامُ الحالي، فهوَ في حُكمِ المذكورِ في
السُّؤالِ، والجوابُ متضمِّنٌ له، ويدلُّ لذلكَ ظاهرُ ما ذكرَه عن "الذخيرةٍ"، وحملُ عبارتِها على النَّساهُلِ لا يليقُ،
ولا يناسِبُ حملُ عباراتِ المؤلّفينَ علی ذلكَ بدونِ دليلٍ علیهِ.
(١) صـ ٤٥٣- ٤٥٤ - "در".
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٤٠٧/٤.
(٣) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول ق٢٣٩/أ.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الأيمان - باب أحكام اليمين في الدخول والسكنى إلخ ٢٥٩/١.

حاشية ابن عابدين
بَابُ الْيَمِينِ فِي الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ
٤٠٢
(حنِثَ بمطلقِ التغدِّي) لزيادتِهِ على الجوابِ ..
قلْتُ: لكِنْ في "الذَّخيرةِ": ((قال له: تَعْدَّ مَعِي، فقال: واللهِ لا أَتغدَّى(١) فذَهبَ إلى بَيْتِهِ
وتَغْدَّى مع أَهلِهِ لا يَحَنَث، ووَجَهُ ذلك: أنَّ يَمِيَهُ عُقدَتْ على غَدَاءِ مُعَيَّنِ وهو الَّذِي دَعاهُ إليه؛ لأنَّ
٦ قولَهُ: واللهِ لا أَتغدَّى خَرجَ جَواباً لسُؤالِ الْمُخاطَبِ وَأَمَكَنَ جَعُهُ جَوابً؛ لأنّه لم يَزِد على حرْفٍ
الجَوابِ فُيجعَلُ جَواباً والجوابُ يَتضمَّنُ إعادَةَ مَا فِي السُّؤَالِ، والسُّؤْالُ وَقَعَ على غَدَاءِ بَعَنِهِ بِدَلاَةٍ
قَولِهِ: ((َغَدَّ معي)) أي: هذا الغَدَاءَ فُيُجعَلُ ذلك كالُصرَّحِ به في السُّؤالِ، كأنَّه قال: تَعْدَّ مَعِي هذا
الغَدَاءَ، والجوابُ يَتضمَّنُ إِعادةً ما في السُّؤَالِ، بخِلافٍ ما لو قال: واللهِ لا أَتغدَّى معكَ؛ لأَنَّه زاد على
حَرِفِ الْجَوابِ ومع الزِّيادةِ عليه لا يُمكِنُ أنْ يُجعلَ جَواباً فجُعِلَ ابتداءً ولا قِيْدَ فيه)) اهـ. ومِثْلُهُ في
"الَّتِرِ خانَّةِ "(٢) عن "السِّرَاجِيَّةِ"(٣)، فعُلِمَ أنَّ قولَهُ: إنْ تَغدَّيْتُ معَكَ زِيادةٌ على الجوابِ، وإنْ كان
لَفْظُ ((مع)) مَذْكُوراً في كلامِ الطَّالبِ للاستِغناءِ عنه ولعُمُومِهِ المَدعُوَّ إليه وغيرَهُ، أي: النَّغْدِّي معه
في ذلك اليَومِ وغيرِهِ، لكِنْ لا يَخُلُو عنْ نَظَرٍ. فالظَّاهرُ ما قالَهُ "ح"، فَتَدَبَّر. ثُمَّ في هذِهِ العِبارةِ
إطلاقُ الغَداءِ على التَّغَدِّي كما وَقِعَ فِي عِبَارَةِ "الهِدَايَةِ"(٤) تَساهُلاً.
[١٧٦٠١) (قولُهُ: حَنِثَ بُطلَقِ التَّغَدِّي) الإطلاقُ بالنّظرِ ليَومِ معناهُ سواءٌ تَعْدَّى معه، أو في
بَيْتِهِ مَثْلاً في ذلك اليَومِ، وبالنّظرِ إلى قولِهِ: ((معي)) تَغْدِّيه معَهُ، ولو في غيرِ هذا الوقْتِ، ولا يَحنثُ
إِنْ تَغَدَّى مع غيرِهِ ولو في الوقْتِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ، "ط " (٥).
(قولُهُ: فالظَّاهرُ ما قالَهُ "ح"، فتدبَّرْ إلخ) لا يصحُّ استظهارُ ما قالَهُ "الحلبيُّ" واتّباعُهُ مع وجودٍ
النقلِ بخلافِهِ.
(١) في "آ": ((فقال: لا واللهِ لا أتغدَّى)).
(٢) لم نعثر على المسألة في القسم المطبوع من "التاتر خانية".
(٣) "السراجية": كتاب الأيمان - باب اليمين على الأكل ٣٣٠/١ (هامش "فتاوى قاضيخان").
(٤) "الهداية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك ٧٩/٢.
(٥) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان ٣٤٩/٢.

الجزء الحادي عشر
بابُ الَمِينِ فِي الدُّخولِ والخُرُوجِ
٤٠٣
فجُعِلَ مبتدِئاً. وفي طلاق "الأشباه"(١): ((إِنْ)) للتراخي إلا بقرينةِ الفَوْرِ، ومنهُ: طَلَبَ
جماعَها فأبت فقالَ: إن لم تدخلي معيَ البيتَ فدخلت بعد سكون شهوتِهِ.
[١٧٦٠٢] (قولُهُ: فحُعِلَ مُبْتدِثاً) لكِنْ لو نَوَى الْجَوابَ دُونَ الابتداءِ صُدِّقَ دِيانةً لأنَّ احتمالَ
كَونِهِ جَواباً قائِمٌ، لا قضاءً لِمُخالفَتِهِ الظَّاهرَ فِيْما فيه تَخفيفٌ عليه، ولو قال: إنْ تَغَدَّيْتُ ونَوَى ما
بين الفَورِ والأَبدِ كاليَومٍ أو الغَدِ لم يُصدَّق أَصلاً؛ لأنَّ النَّّةَ إِنَّمَا تَعملُ فِي الَلْفُوظِ، والحالُ لا تَدِلُّ
عليه فانتَفَى دَلالَةُ الحالِ ودَلالَةُ الْمَقَالِ، كما لو حَلَفَ لا يَتَزوَّجُ النِساءَ وَنَوَى عَددً، أو: لا يَأْكُلُ
طَعَاماً ونَوَى لُقَمَةً أو لُقْمَتَيْنِ لم يَصِحَّ، كذا في "شرح تلخيصِ الجامِعِ".
[١٧٩٠٣) (قولُهُ: ((إِنْ)) للتَّراخِي إلخ) احترزَ بها عن ((إذا)) فإنَّها للفَورِ، ففي
"الخانَةِ"(٢): ((إذا فَعلتَ [٤/ق ٧٥/ب] كذا فَلَم أَفعل كَذا، قال "أبو حنيفة": إذا لم يَفعل على
أَثْرِ الفِعلِ الَمحُلُوفِ عليهِ حَنِثَ، ولو قال: إن فعلتَ كذا فَلَمْ أَفعل كذا فهو على الأَبدِ، وقال
"أبو يُوسُف": على الفَورِ أيضاً)) اهـ.
ومَعنى كَونِ ((إن)) للَّرَاخِي أَنَّها تكُونُ للَّرَاخِي وغيرِهِ عند عدَمٍ قَرِينةِ الفَورِ، والمرادُ فِعلُ
الشَّرْطِ الَّذِي دَخَلَت عليه، أو ما رُتِّبَ عليه، فإذا قال لها: إن خَرجتِ فكذا، وحَرَجَت فَوراً أو بعد
يَوْمٍ مَثَلاً حَنِثَ إلاَّ لقرينةِ الفَورِ فَتَقيّدُ به كما مرَّ(٣)، ومنه ما مُثْلَ به، وكذا ما في "الخانَيَّةُ"(٤): ((إِنْ
دخلتُ دارَكَ فلم أَجلِس، فهو على الفَورِ)) اهـ. أي: الجُلُوسُ على فَورِ الدُّخُولِ. وفيها (٤) أيضً:
(قولُهُ: كما لو حلَفَ لا يتزوَّجُ النّساءَ ونوى عدداً إلخ) الظَّاهرُ: حذفُ لفظِ النساءِ والطعامِ.
(١) "الأشباه والنظائر": صـ ٢١١ -.
(٢) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل: فيما يكون على الفور أو على الأبد ٣١/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) في هذه المقولة.
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل: فيما يكون على الفور أو على الأبد ٣٢/٢، بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").

حاشية ابن عابدين
بابُ الَمِينِ فِي الدُّخولِ والخُرُوجِ
٤٠٤
حيثَ. وفي "البحر" عن "المحيط": طُولُ التّشاجُرِ لا يقطَعُ الفورَ، وكذا لو خافَتْ
فوتَ الصلاةِ فصلت،
((إِنْ بَعثتُ إليكَ فلم تَأْتِنِي فَعَبَدِي حُرٌّ، فَبَعثَ إليه فَأَتَاهُ ثُمَّ بَعثَ إليه ثانياً فَلَم يَأْتِهِ حَنِثَ، ولا يَبطُلُ
اليَمِينُ بالبِرِّ حَتّى يَحنثَ مرَّةً فحينئذٍ بَبطُلُ اليَمِينُ)) اهـ.
مطلبٌ: إنْ ضَربِتِي ولم أَضرِبْك
وفي "الذَّخيرةِ": ((إِنْ ضَربتني ولم أَضرِبْك، فهذا على الماضي عندَنا، كأَنَّه قال: ولم أَكُن
ضَرِبْتُكَ قَبْلَ ضَرِبِكَ إِيَّيَ، وإِنْ نَوَى بَعْدُ صَحَّ أي: إنْ ضَربْتَنِي انتِداءً ولم أَضرِبْك بعدَهُ ويَكُونُ
على الفَورِ. والحاصِلُ: أنَّ كَلِمةَ ((ولَمْ)) تَقع على الأَبَد، كـ: إِنْ أَيْتِي ولم آتِكَ، إِنْ زُرْتَنِي ولم
أَزُركَ، وقد تَقعُ على الفَورِ، والمُعتبرُ في ذلك مَعَانِي كَلامِ النَّاسِ، وكذلك تَقعُ على ((قَبْلُ)) وعلى
((بعْدُ)) كما مرَّ، وفي: إنْ كَلَّمَتَنِي ولم أُحِبِكَ على ((بعْدُ))؛ لأنَّ الجوابَ لا يَتقدَّمُ، وعلى الفَورِ
أيضاً باعتبارِ العادَةِ)). اهـ مُلخَّصاً.
٨٥/٣
[١٧٦٠٤) (قولُهُ: حَنِثَ) قال في "الإختيارِ"(١): ((لأنَّ مَقَصُودَهُ الدُّخولُ لِقَضَاءِ الشَّهوةِ وقد
فاتَ، فصارَ شَرطُ الحِنْثِ عدَمَ الدُّخُولِ لِقَضَاءِ الشَّهوةِ وقد وُجِدَ)) اهـ.
[١٧٦٠٥) (قولُهُ: وفي "البحر" عن "الُحِيطِ") عِبارتُهُ(٢): ((إذا قال لامرَأْتِهِ: إذا لم تَجِئِي إلى
الفِراشِ هذه السَّاعَةَ فأنتِ طالِقٌ و هُمَا فِي النَّشاجُرٍ فِطَالَ بِينَهُما، كان على الفَورِ حَتَّى لو ذَهبت
إلى الفِراش لا يَحنث)) اهـ.
وظاهرُهُ ولو كان بعْدَ سُكُونِ شَهوَتِهِ فُيُقَيَّدُ به ما قبلَهُ لكنَّهُ خِلافُ ما يُفهَمُ ثَمَا نَقلناهُ(٣) عن
"الإختيارِ"، فَنْبُغِي تَقِيدُ هذا بما إذا لم تَسكُنْ شَهوَتُهُ، فتأمَّل.
[١٧٦٠٦) (قولُهُ: وكذا إلخ) وكذا لو أَخذَها البَولُ فبالَتْ كما قدَّمناهُ(٤). وقَيْلَ: الصَّلاةُ تَقطعُ
(١) "الإختيار": كتاب الأيمان - فصل: فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب ٥٨/٤.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ٣٤٣/٤.
(٣) في المقولة السَّابقة.
(٤) المقولة [١٧٥٩٥] قوله: ((فَوْراً)).

الجزء الحادي عشر
بابُ الْيَمِينِ فِي الدُّخولِ والْخُرُوجِ
٤٠٥
أو اشتغَلَتْ بالوضوءِ لصلاةِ المكتوبةِ، أو اشتغلَتْ بالصلاةِ المكتوبةِ؛ لأنَّ ◌ُعُذرٌ شرعاً،
وكذا عرفاً. (مَركَبُ العبدِ المأذونِ)
الفَورَ؛ لأَنّها عمَلٌ آخَرُ، والفُتَّوى على الأوَّلِ، كما في "البحرِ"(١).
[١٧٦٠٧) (قولُهُ: أو اشْتَغَلَتْ بِالصَّلاةِ الْمَكُنُوبِةِ) أي: إذا خافَتْ فَوْتَها كما يُعلَمُ مَما قبلَهُ، وهذا
تَكرارٌ إلاَّ أنْ يُحملَ على ما إذا كان الحَلِفُ وهي تُصلِّي، تأمَّل، قال في "البحر "(١): ((ولو اشتَغَلَتْ
بالَّطوُّعِ أو بالوُضُوءِ، أو أَكَلَتْ أو شَرِبَت حَنِثَ لأنَّ (٤/ ق١٧٦) هذا ليْسَ بِعُذْرِ شَرعاً)) اهـ.
مطلبٌ: لا يَركَبُ دابَّةَ فُلان
1
[١٧٦٠٨] (قولُهُ: مَركَبُ العَبدِ المأذُونِ إلخ) يعني لو حلَفَ لا يَركَبُ دَّةَ فُلانٍ فَرَكِبَ دأَبَّةَ
عبدِهِ فإنّه يَحْنَثُ بِشَرطَينِ: الأوَّل: أنْ يَنْوِيَها، الثّاني: أنْ لا يَكُونَ عليهِ دَينٌ مُستغرِقٌ، أمَّا إذا كان
عليه دَينٌ مُستغرِقٌ لا يَحنث وإنْ نَوَى؛ لأَنَّه لا مِلكَ للمَوْلى فيه عند "أبي حنيفةً"، وإنْ كان الدَّينُ
غيرَ مُستغرِقٍ أو لم يكُنْ عليه دَينٌ لا يَحنثْ ما لم يَنوِهِ؛ لأنَّ المِلكَ فِيه للمَوْلى، لكنَّهُ يُضافُ للعبدِ
عُرْفً، وكذا شَرِعاً قال: ﴿: ((مَن باع عَبداً وله مالٌ))(٢) الحديث، فَتَخَتَلُّ الإضافةُ إلى المَوْلى فلا بُدَّ
(قولُهُ: أي: إذا خافت فوتَها إلخ) الذي يظهرُ في هذهِ المسألةِ إبقاءُ قولِهِ: ((أو اشتغلت)) على
ظاهرِهِ، ويكونُ قولُهُ: ((لو خافت)) ليس احترازيّاً، ومفهومُهُ غيرُ معتَبَرٍ، والقصدُ بما هنا بيانُ أَنَّه
لا يخالِفُهُ، وغيرُ هذا غيرُ ظاهرٍ من كلامِهِ تأمَّل، واشتغالُها بالمكتوبةِ شاملٌ للقضاءِ والأداءِ.
(قولُهُ: قَالَ مَ﴿ّ: (من باعَ عبداً وله مالٌ)) الحديثَ)، تمامُهُ: ((فمالُهُ للبائعِ، إلا أن يَشترطَهُ المبتاعُ)).
(١) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ٣٤٣/٤.
(٢) أخرجه مالك ٦١٧/٢ في البيوع - باب ثمر المال يباع أصله (مختصراً)، وأحمد ٥٤،٦/٢، والبخاري
(٢٢٠٤) في البيوع - من باع نخلاً قد أُبرت، ومسلم (١٥٤٣) في البيوع - من باع نخلاً عليها ثمر، وأبو
داود (٣٤٣٣) في البيوع - العبد يباع وله مال، والترمذي (١٢٤٤) في البيوع - باب ما جاء في ابتياع
النخل بعد التأبير، والنسائي ٢٩٦/٧ في البيوع - العبد يباع - والنخل يباع أصلها، وابن ماجه (٢٢١٠)
و(٢٢١١) في التجارات - من باع نخلاً وغيرهم.
===

حاشية ابن عابدين
بابُ الیمین في الدّخول والخُرُوجِ
٤٠٦
والمكاتَبِ (ليسَ لمولاهُ في حقِّ اليمينِ إلا) بشرطين (إذا لم يكن دَيْنُهُ مستغرقاً و) قد
(نَواهُ) فحينئذٍ يحنثُ. (حلَفَ لا يركبُ، فاليمينُ على ما يركبُهُ الناسُ) عرفاً من فرسٍ
وحمار، (فلو ركبَ ظهرَ إنسانٍ) أو بعيراً أو بقرةً أو فيلاً.
مِن النّةِ، وقال "أبو يُوسُف" في الوُجُوهِ كُلّها يَحنثُ إذا نَواهُ، وقال "مُحمَّدٌ": يَحنثُ وإنْ لم يَنوِ
لاعتبارِ حقيقةِ المِلكِ؛ إذِ الدَّينُ لا يَمنعُ وُقُوعَهُ السَّيِّدِ عندَهُمَا، "هداية"(١).
قلْتُ: وبه ظَهرَ أنَّ الَّقييدَ بالمَأْذُونِ لأَنَّه محلُّ الخِلافِ فَحنثُ في غيرِ الْمَأْذُونِ إذا نَواهُ
بالأَوْلى اتّفاقاً.
[١٧٦٠٩] (قولُهُ: والمكاتَبِ) لم أرَ مَن ذَكرَهُ هنا، ولا يَتَأَّى فيه هذا النَّفصيلُ، وإنَّما قال في
"البحر"(٢) عن "المُحيطِ": ((ولو رَكِبَ دَّةَ مُكاتَبه لا يَحنثُ؛ لأنَّ مِلكَهُ ليْسَ بِمُضافٍ إلى المَوْلى
لا ذَاتاً ولا يَداً)) اهـ.
ومُقتضاهُ: أَنَّه لا يَحنثُ وإنْ نَواهُ اتفاقاً؛ لأنَّ دَبَّهُ مِلكٌ له لا لِمَولاهُ ولِذا يَضمنُها الَوْلى
بالإِثْلَافِ سواء كان عليه دَينٌ أو لا، فتدبّر. ثُمَّ رأيتُ "القُهستانِّ (٣) قال: ((والإضافةُ إلى المأذُونِ
تُشيرُ إلى أَنَّه لو رَكِبَ مَركَبَ المكاَتَب لم يَحنث)).
(قولُهُ: فيحنَثُ في غيرِ المأذونِ إذا نواهُ بالأَولى إلخ) ليسَ شرطً.
= من طرق عن سالم ونافع عن ابن عمر يبلغ به النبي {﴿ قال: ((من باع نخلاً بعد أن تُؤَّر فثمرتها للذي باعها
إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع))، ورواه بعضهم مختصراً.
ورواه عن نافع مالكٌ وأيوبُ وعبيد الله بن عمر وعبد ربه بن سعيد وليث بن سعد وغيرهم.
ورواه عن الزهري عن سالم، ابن عيينة ومعمر والليث ويونس وغيرهم.
ورواه سليمان بن موسى عن نافع عن ابن عمر، (ح) وعن عطاء عن جابر أخرجه النسائي في "الكبرى" (٤٩٨٣)،
وابن حبان في "صحيحه" (٢٩٢٤)، ورواه عبيد الله بن أبي جعفر عن نافع: ((من أعتق عبداً وله مال))، أخرجه
النسائي في "الكبرى" (٤٩٨٠) (٤٩٨١).
(١) "الهداية": كتاب الأيمان - باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك٧٩/٢.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ٣٤٣/٤.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الأيمان - فصل: حلف الفعل ٣٩٠/١.

الجزء الحادي عشر
بابُ الَّمِينِ فِي الدُّخولِ والخُرُوجِ
٤٠٧
(لا يحنَثُ) استحساناً إلا بالنّةِ، "ظهيرية"(١). قلتُ: وينبغي حِنْتُهُ بالبعيرِ في مصرَ
والشامٍ، وبالفيلِ في الهندِ؛ للتعارفِ، قالَهُ المصنِّفُ(٢)
[١٧٦١٠) (قولُهُ: لا يَحنثُ استحساناً) أي: وإنْ كان اسمُ الدََّبَّةِ لِما يَدِبُّ على الأَرضِ إذا
قال: دابَّةَ فُلان؛ لأنَّ العُرفَ خَصَّصهُ بالرُّكُوبِ الْمُعتادِ، والمعتادُ هو الحِمارُ والْبَغْلُ والفَرَسُ فُيُقَّدُ به
وإنْ كان الجَمَّلُ مَّا يُركَبُ أيضاً في الأسفارِ وبعْضِ الأوقاتِ فلا يَحنث بالَجَمَلِ إلَّ إذا نَواهُ، وكذا
الفِيلُ والْبَقَرُ إذا نَواهُ حَنِثَ وإلاَّ لا، ويَنْبَغِي إِنْ كان الحالِفُ مِن البَدْوِ أنْ يَنعقِدَ على الجَمَلِ أيضاً
بلا نِيَّةٍ؛ لأنَّ رُكوبَهُ مُعتادٌ لهم، وكذا إنْ كان حَضَرِيّاً حَمَّلاَ والَحُلُوفُ على داََّتِهِ جَمَّالٌ دَخَلَ في
يَمِنِهِ بلا ◌ِيَّةٍ، وإذا كان مُقْتَضى اللَّفَظِ انعقادُها على الأنواعِ الثَّلاثةِ، فلو نَوَى بَعضَها دُونَ بَعْضٍ
بأنْ نَوَى الْحِمارَ دُونَ الفَرَسِ - مَثَلاً - لا يُصدَّقُ دِيانةً ولا قَضاءً؛ لأنَّ [٤/ ق٧٦ /ب] ◌ِيَّةَ الْخُصُوصِ
لا تَصُّ في غيرِ اللَّفْظِ، وسيأتي تَمامُهُ في الفَصلِ الآتِي، كذا في "الفتح"(٣).
قُلْتُ: أي: لأنَّ المحَمُولَ على العُرفِ هو لَفَظُ ((أَركبُ)) لا لَفِظُ ((دَّةٍ))، فإنَّ لِفْظَ
(دَأَبَةِ)) يَشْمَلُ الكُلَّ عُرْفً ولُغَةً، وإنَّما خَصَّصَ العُرفُ لَفَظَ ((أَركَبُ)) بهذِهِ الأنواعِ الثَّلاثةِ، فلو
نَوَى بَعضَها لم يَصحَّ؛ لأَنَّه تَخصيصُ الفِعلِ ولا عُمُومَ له، وسَيَأْتِي(٤) تَمامُهُ، ثُمَّ حيثُ كان المدارُ
على العُرفِ الْمُعتادِ فينبغي أنَّ الحالِفَ لو كان ليْسَ مَمَن يَركَبُ الحِمارَ أنْ لا يَحنثَ بالحِمارِ، وأَنَّه لو
كان الحالِفُ مُسافِراً أنْ يَحنثَ بالَجَمَلِ بلا ◌ِيَّةٍ.
(١٧٦١١) (قولُهُ: وَيَنْبَغِي حِنْتُهُ بِالْبَعِيرِ إلخ) أي: إذا كان ثَمَن يَركَبُ الْبَعِيرَ، كالمُسافِرِ والجَمَّالِ
وَأَهلِ البَدْوِ، كما عُرِفَ ثَمّ نَقلناهُ(٥) عن "الفتح".
(قوله: فلو نَوَى بَعضَها دُونَ بعضٍ بأن نَوَى الحِمارَ دُونَ الفَرَسِ إلخ) أي: بهذه الجملة، وإلا فنيّةُ
البعضِ بلفظ الدابَّة تصحُّ كما يظهر؛ إذ هي نيَّةُ الخصوص في اللفظ، تأمل.
(١) "الظهيرية": كتاب الأيمان - القسم الأول - الفصل الخامس: في الضرب والقتل والركوب ق١٢٩/ب.
(٢) "المنح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى إلخ ١/ق ١٩٦/أ.
(٣) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الخروج والإتيان والركوب وغير ذلك ٣٩٣/٤ - ٣٩٤.
(٤) المقولة [١٧٦١٣] قوله: ((ولو حلَفَ لا يركَبُ، أو لا يركَبُ مركباً))
(٥) في المقولة السابقة.

حاشية ابن عابدين
بابُ اليَمِينِ في الدُّخولِ والْخُرُوجِ
٤٠٨
ولو حُمِلَ على الدابَّةِ مُكرَهاً فلا حِنْثَ كحلِفِهِ: لا يركبُ فرساً فركبَ بِرْذَوْناً أو
بعكسِهِ؛ لأنَّ الفرسَ اسمٌ للعربيِّ، والبرذونَ اسمٌ للعجميِّ، والخيلُ يعمُّ هذا لو يمينُهُ
بالعربيةِ، ولو بالفارسيةِ حنِثَ بكلِّ حالٍ، ولو حلَفَ: لا يركبُ أو: لا يركبُ
مَركَباً، حيثَ بكلِّ مركَبٍ سفينةً أو مَحمِلاً أو دابَّةً سوى الآدميِّ، وسيجيءُ ما لو
حَلَفَ لا يركبُ حيواناً أو دابةً.
[١٧٦١٢] (قولُهُ: ولو حُمِلَ إلخ) أمَّا لو أُكرِهَ على الرُّكُوبِ فَرَكِبَ حَنْثَ، "ط)(١).
(١٧٦١٣ ) (قولُهُ: ولو حلَفَ: لا يَركَبُ، أو: لا يَركَبُ مَرَكَباً) كذا في بعْضِ النُسخِ، ومِثْلُهُ فِي
"البحرِ"(٢) عن "الظَّهِيرِيَّةِ"(٣)، وكذا في "الخانَّةِ "(٤)، وهو مُخالِفٌ لقوْلِ "المُصنّفِ" المَارِّ(٥) قَرِيباً،
فاليَمِينُ على ما يَركَبُه النَّاسُ، نعم في بعْضِ النُّسخِ: حَلَفَ لا يَركَبُ مَرَكَباً، ومِثْلُهُ فِي "النّهر)"(٦)، وفي
"الَّتِرِ خانيَّةٌ"(٧): ((حَلَفَ لا يَركَبُ مَرَكَباً فرَكِبَ سَفينةً، قال "الحسَنُ" في "المُحرَّدِ": لا يَحنث،
وعليه الفَتْوى)) اهـ لكِنَّ العُرفَ الآنَ: المركَبُ خاصٌّ بالسَّفينةِ، فَنْبَغِي أَنْ لا يَحنثَ بِغَيْرِها.
[١٧٦١٤) (قولُهُ: وسَيجيءٌ(٨)) أي: قَرِيباً في البابِ الآتِي، واللهُ سُبحانهُ أعلمُ.
(١) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان ٣٤٩/٢.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ٣٤٤/٤.
(٣) "الظهيرية": كتاب الأيمان - الفصل الخامس - النوع الثاني في الركوب ق ١٣٠/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الركوب ٩٩/٢ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) صـ ٤٠٦ - وما بعدها "در".
(٦) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الدخول والخروج والسكنى والإتيان وغير ذلك ق ٢٨٤/أ.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني عشر: في الحلف على الأفعال ٦١٨/٤.
(٨) صـ ٤٢٧- وما بعدها "در".

باب اليمين في الأكل والشرب
٤٠٩
الجزء الحادي عشر
﴿بابُ اليمين في الأكل والشرب واللُّبْس والكلام﴾
(ثم الأكلُ: إيصالُ ما يحتملُ المضغَ بفيهِ إلى الجوفِ) كخبزٍ وفاكهةٍ، (مضَغْ
أو لا) أي: وإنِ ابتلَعَهُ بغيرِ مضغٍ. (والشربُ إيصالُ ما لا يحتملُ الأكلَ من المائعاتِ
إلى الجوفِ) كماءٍ وعسلٍ،.
﴿بَابُ الَمين في الأكل والشُّرب واللُّبس والكَلامِ﴾
لم يَذْكُرُ مَسائِلَ اللبسِ هِنا بَلَ ذَكرَها في بابِ الْيَمِينِ (١) بالبيعِ والشّراءِ، فكان المناسِبُ إسقاطَ
اللُّيسِ مِن هذِهِ التّرجمةِ وذِكْرَهُ هناك.
[١٧٦١٥) (قولُهُ: ثُمَّ الأكلُ تَرتيبٌ إخبارِيٌّ، "ط)" (٢).
(١٧٦١٦] (قولُهُ: إلى الجَوفِ) مُتعلّقٌ بإيصال، فلو حَلَفَ لا يأكلُ كذا أو لا يشربُ فأدخلَهُ في
فِيهِ ومَضْغَهُ ثُمَّ ألقاهُ لا يَحنث حَتَّى يُدخِلَهُ فِي جَوفِهِ؛ لأَنّ بُدُونِ ذلك لا يكونُ أَكلاً بل يكونُ ذَوقاً،
"ط"(٢) عن "البحر"(٣).
٨٦/٣
[١٧٦١٧) (قولُهُ: كماءٍ وعَسَلٍ) أي: غيرٍ جامِدٍ وإلاَّ فهو مَأْكُولٌ، تأمَّل. ثُمَّ إِنَّ المائعَ الَّذي
لا يَحْتِمِلُ المَضْغَ إِنَّما يُسمَّى مَشَرُوباً إذا تَنَاوَلَهُ وحدَهُ وإلاَّ فهو مَأْكُولٌ، وكذا عَكِسُهُ؛ ففي
"البحر"(٣) عن "البدائع"(٤): ((لو حلَفَ لا يأكلُ هذا الَّبِنَ فَأَكَلَهُ بُخُبزٍ أو تَمٍ، أو لا يأكلُ هذا العسَلَ
﴿بابُ اليمين في الأكل والشُّرب واللبس والكلام﴾
(قولُهُ: لم يذكر مسائلَ اللُّبْسِ هنا إلخ) ذكرَ بعضَ مسائلِ اللُّبْسِ في هذا البابِ، وذكرَ غالبَ
مسائلِهِ في البابِ الآتي، وهي داخلَةٌ في قولِهِ: ((وغيرِها)) كما نَّهَ عليه فيما يأتي.
(١) صـ ٦١٧ - "در".
(٢) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٥٠/٢.
(٣) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٤/٤.
(٤) "البدائع": كتاب الأيمان - فصل وأما الحلف على الأكل والشرب إلخ ٥٦/٣ بتصرف.

حاشية ابن عابدين
٤١٠
باب الیمین في الأكل والشرب
أو الخَلَّ فأكلَهُ بُخُبزٍ يَحنثُ؛ لأَنَّه هكذا يكونُ. ولو أكلَّهُ بانفرادِهِ لا يَحنثُ؛ لأَنَّه شُربٌ لا أكلٌ،
وكذلك إن حلَفَ لا يأكلُ هذا الخُبزَ فحقَّقْهُ ثُمَّ دَقَّهُ وصَبَّ عليه الماءَ فشَرِبَه لا يَحنثُ؛ لأَنَّه شُربٌ
لا أكلٌ)) اهـ.
وفي "الفتح"(١): ((حَلَفَ لا يأكلُ لَبَنَاً فَشَرِبَه لا يَحنث، [٤ /ق ٧٧/) ولو ثَرَدَ فيه فَأَوَصَلَهُ إلى
جَوفِهِ حَنِثَ)) اهـ.
وقوله: (تَرَدَ فِيه)) بالَّاءِ الُلَّة أي: فَتَّ الخُبرَ فيه، وفي "الخانَّةِ"(٢): ((حَلَفَ لا يأكلُ اللَّبْنَ
فطَبخَ به أَرُزاً فأكلَهُ، قال "أبو بكرِ البَلِيُّ": لا يَحنث وإن لم يَجعل فيه ماءً، وإن كان يَرَى
عَيْنَهُ، وكذا لو جَعَلَهُ جُبناً إلاَّ أن يَنْوِي أكلَ ما يُتَّخذُ منه. حلَفَ لا يأكلُ السَّمنَ فأكلَ سَوِيقاً
مَلْتُوتاً بِالسَّمنِ، ذَكرَ في "الأصلِ"(٣): إن كان السَّمَنُ مُستَبِيناً يَجِدُ طَعمَهُ حَنِثَ؛ لأَنّه ليسَ
بُمسْتَهَلَكِ. وذكر "الحاكمُ" في "المختصر (٤): إن كان بحيثُ لو عُصرَ سالَ منه السَّمنُ حَنِثَ،
وإلاَّ لا، وإن وَجِدَ طَعمَهُ))، قال - أي "قاضي خان" -: ((وَيَنْبَغِي أن يكونَ الجوابُ في مسأَلَةٍ
الأَرُزِّ على هذا النَّفصيلٍ)) اهـ.
قلتُ: والحاصِلُ: أَنَّه إذا حلَفَ لا يأكلُ مائِعاً كلَنٍ وسَمنٍ وخَلِّ، فإن شَرِبَه لا يَحنث، وإن
تَنَاولَهُ مع غيرِهِ ولم يُستَهَلَك كأكلِهِ بُبزٍ أو تَمرِ حَنِثَ، وإن استُهلِكَ بأن لا يَحْدَ طَعمَهُ أو بأن
لا يَنْعَصِرَ على الخِلافِ في تفسيرِهِ لم يَحنث، قال "السَّاتِحانيُّ": ((وقولُ "الحاكِمِ" أَرَفَقُ، ولذا مَشَت
عليه الشُّرُوحُ)) اهـ. وأمَّا لو خَلَطَ مَأْكُولاً بِمَأْكُولٍ آخَرَ فَأْتِي(٥) بَيَانُهُ فِي الْفُرُوعِ الآتية في أثناءِ الباب.
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٤/٤.
(٢) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الأكل ٥٦/٢ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الأصل": كتاب الأيمان - باب الكفارة في اليمين في أكل الطعام ٢٤٧/٣.
(٤) "المختصر الكافي": لأبي الفضل محمد بن محمد بن أحمد المعروف بالحاكم الشهيد المِرْوَزيّ السُّلميّ البَلْخيّ
(ت ٣٣٤ هـ) (الجواهر المضية ٣١٣/٣، تاج التراجم صـ ٢٣١-، الفوائد البهية ص ١٨٥-).
(٥) صـ ٤٤٨- وما بعدها "در".

الجزء الحادي عشر
٤١١
باب الیمین في الأكل والشرب
ففي حلِفِهِ لا يأكلُ بيضةً حنثَ ببلعِها، وفي لا يأكل عِنْباً مثلاً لا يحنثُ بمصِّهِ؛ لأنَّ المصَّ
نوعٌ ثالثٌ، ولو عَصَرَهُ.
[١٧٦١٨] (قولُهُ: ففي حَلِفِهِ إلخ) تَفَرِيعٌ على تَعرِيفِ الأكلِ، "ط) (١).
[١٧٦١٩) (قولُهُ: حَنِثَ بِبَلِعِها) أي: مع قِشْرِها أو بدُونِهِ إذا كانَت مَسْلُوقَةً.
[١٧٦٢٠) (قولُهُ: وفي: لا يَأْكلُ عِنَباً إلخ) قال في "الفتح"(٢): ((ولو حلَفَ لا يأكلُ عِنْباً، أو
رُمَّاناً فحَعَلَ يَمتصُّهُ وَيَرِمِي تُقْلَهُ(٣) ويَتِعُ المنحصِّلَ بالَصِّ لا يَحنث؛ لأنَّ هذا ليسَ أَكلاً ولا شُرِباً،
بل مَصِّ)) اهـ. ومثلُهُ في "البحر "(٤) عن "البدائع"(٥).
قلتُ: لكِن يَصدُقُ عليه تَعريفُ الشُّربِ الَذكُورِ وهو: إيصالُ ما لا يَحتمِلُ الْمَضْغَ مِن
المائعاتِ إلى الجَوفِ إلاَّ أن يكونَ المُرادُ المائِعَ وقتَ إدخالِهِ الفَمَ، وعليه فالُرادُ بالَصِّ استخراجُ مائِيَّةٍ
الجامِدِ بالفَمِ وإيصالُها إلى الجَوفِ. ومُقْتَضاهُ: أَنَّه لو حلَفَ لا يَمَصُّ شيئاً لا يَحنث بشُربِ المائِعِ،
مع أنَّ السُّنَّةَ في شُربِ الماءِ المَصُّ، فَعُلِمَ أنَّ المَصَّ أَعُمُّ مِن الشُّربِ مِن وَجٍ، فَيَحتمِعانِ فِيما إذا أَخذَ
الماءَ بفِيهِ مع ضِيقِ الشَّفْتَينِ، ويَنفرِدُ الشُّربُ بالعَبِّ، والمَصُّ باستِحلابِ مائيَّةِ الجامِدِ بالفَمِ، حَتَّى لو
عَصرَ الفاكهةَ وشَربَ ماءَها عَبَّاً يَحنثُ فِي حَلِفِهِ: لا يَشْرَب، لا في حَلِفِهِ: لا يَمَصُّ، ولو شَرِبَهُ
مَصَاً حَنِثَ فيهِما، هذا ما ظهر لي.
[١٧٦٢١) (قولُهُ: لأنَّ المَصَّ نَوعٌ ثالثٌ) أي: في بعضِ الأَوجُهِ كما في الصُّورةِ الَذكورةِ،
وإلاَّ فقد يكونُ شُرباً كما علِمتَهُ.
(قولُهُ: مع أنَّ السّنّةَ في شربِ الماءِ المصُّ إلخ) ما وردَ من أنَّ السنَّةَ في شربِ الماءِ المصُّ فهو مجازٌ
عن أخذِ الماءِ بفيهِ مع ضيقِ الشفتينِ. اهـ "سندي".
(١) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٥٠/٢.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٥/٤.
(٣) قوله: ((تُفْلَهُ)) هكذا بخطه بالمثناة الفوقية، والذي في "القاموس" و"المصباح" بالثاء المثلثة. اهـ مُصحِّحه.
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٤/٤.
(٥) "البدائع": كتاب الأيمان - فصل: وأمَّا الحلف على الأكل والشرب إلخ ٥٩/٣.

حاشية ابن عابدين
٤١٢
باب اليمين في الأكل والشرب
وأكلَ قشرَهُ حنثَ، "بدائع". لكن في "تهذيبِ القلانسيِّ"(١): حَلَفَ لا يأكلُ سُكَّراً
لا يحنثُ بمصِّهِ، وفي عرفِنا يحنَثُ، وأما الذوقُ فَعَمَلُ الفمِ لمجردِ معرفةِ الطَّعْمِ، وصَلَ
إلى الجوفِ أم لا،.
[١٧٦٢٢] (قولُهُ: وأكلَ قِشرَهُ) أي: ولم يَشرب ماءَهُ؛ لأنَّ ذهابَ [٤/ق٧٧/ب] الماء لا يُخرجُه
مِن أن يكونَ أَكلاً له، ألا تَرَى أَنَّه إذا مَضْغَهُ وابتَلعَ الماءَ أَنَّه لا يكونُ آكِلاَّ له بايتِلاعِ الماءِ، فدلَّ أنَّ
أَكلَ العِنَبِ هو أَكلُ القِشْرِ والحُصرُمِ منه وقد وُجِدَ فَيَحنث، "بحر"(٢) عن "البدائع(٣). وفيه نظرٌ،
كما في "الذَّخيرةِ" *.
وحاصِلُهُ: أَنَّهَ ذَكرَ في "العُيُونِ": ((أَنّ إذا ابتَعَ ماءَهُ فقَط لم يَحنث، ولو ابْتَعَ الحَبَّ أيضاً
دُونَ القِشرِ يَحنث))، وعلَّلهُ "الصَّدرُ الشَّهِيدُ": ((بأنَّ العِنبَ اسمٌ لهذه الثَّلاثةِ، ففي الأوَّل أَكَلَ
الأقلَّ، وفي النَّانِي الأَكْثَرَ وله حُكمُ الكُلِّ)).
[١٧٦٢٣] (قولُهُ: لا يَحنث ◌َمَصِّهِ) لأَنَّه ليسَ بأكلٍ؛ فقد وَصلَ إلى جَوفِهِ ما لا يَتأَتَّى فيه
المَضْغُ، "ذخيرة".
[١٧٦٢٤] (قولُهُ: وفي عُرفِنا يَحنثُ) مِن تِمَّةِ كلامِ "القَلانِسِيِّ"، وهو مَحطّ الاستِدراكِ. اهـ
" ح "(٤). أي: لأَنَّه يؤكلُ بالمضغِ وبالَصِّ عادةً، وكذا العِنبُ والرُّمَّانُ.
[١٧٦٢٥] (قولُهُ: وأمَّا الذَّوقُ فعَمَلُ الفَمِ إلخ) هذا هو الحقُّ على ما في "الفتح"(٥)،
(١) "تهذيب الواقعات" لأحمد القلانسي. ("كشف الظنون" ٥١٧/١، "الجواهر المضية" ٣٥٧/١، "الطبقات السنية" ١٣٣/٢).
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٤/٤.
(٣) "البدائع": كتاب الأيمان - فصل: وأمَّا الحلف على الأكل والشرب إلخ ٥٦/٣.
قوله: ((كما في الذخيرة)) حيث قال: ((وإنَّه مشكلٌ؛ لأنَّ العنبَ اسمٌ للكلِّ، وكذلك الرُّمَّانة، فإذا أكل القِشْرَ والحُصْرُمَ فقد
أكل بعضَ ما عُقِدَ عليه اليمينُ فلا يحنث، وذكر المسألة في "العيون" في صورة أخرى فقال: إذا رمى قشرَهُ وحبَّهُ وابتلع ماءه
لم يحنث، ولو ابتلع ماءَهُ وحبَّهُ فقط حنث، وعلّله "الصدر الشهيد" بأنَّ العنب اسمٌ لهذه الثلاثة، ففي الوجه الأوَّل أَكَلَ
الأقلَّ فلا یصیر آكلاً، وفي الثاني أُكَلَ الأكثرَ وله حکمُ الکلِّ فی کثیر من الأحكام)). اهـ ملخصاً، اهـ منه.
(٤) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق٢٣٩/أ.
(٥) "الفتح" كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٥/٤.

الجزء الحادي عشر
٤١٣
باب اليمين في الأكل والشرب
فكلُّ(١) أكلٍ وشُربٍ ذوقٌ ولا عكسَ، ولو تمضمضَ للصلاةِ.
خلافاً لِما في "النّظمِ": ((مِن أَنَّه عَملُ الشِّاهِ دُونَ الْحَلقِ))؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ عدمَ الوُصُولِ إلى
الجَوفِ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِ الذَّوقِ.
قلتُ: لكنّهُ مُوافِقٌ لِما في "الفتح"(٢) مِن رِوايةِ "هشامِ": ((حَلَفَ لا يَذْوقُ فَيَمِينُهُ على الذَّوق
حقيقةً، وهو: أن لا يُوصِلَ إلى جَوفِهِ، إلاَّ أن يَتقدَّمَهُ كلامٌ يَدلُّ عليه، نحو أن يُقالَ: تَغْدَّ مَعِي
فحَلَفَ لا يَذوقُ معه طعامً(٣)، فهذا على الأكلِ والشُّربِ)) اهـ.
مطلبٌ في الفرقِ بين الأَكلِ والشُّربِ والذَّوق
[١٧٩٢٦) (قولُهُ: فكلُّ أكلٍ وشُربٍ ذَوقٌ ولا عَكسَ) أي: وليسَ كلُّ ذَوقِ أَكلاً أو شُرباً
بناءً على أنَّ الذَّوْقَ أعمُّ مُطلقاً؛ لأَنَّه لا يُشترطُ فيه الوُصُولُ إلى الجَوفِ، بل يَصدُقُ بِدُونِهِ
بِخِلافِهما، فإذا أُكلَ أو شَرِبَ يَحنثُ في حَلِفِهِ: لا يَذُوقُ، وإذا حَلَفَ لا يأكُلُ أو لا يَشْرَبُ فِذَاقَ
بلا إيصالٍ إلى الْجَوفِ لم يَحنث، لكِن فيه: أَنَّه قد يَتحقَّقُ الأكلُ بلا ذَوقٍ، كما لو ابتَعَ ما يَتوقَّفُ
مَعرفَةً طَعمِهِ على المَضْغِ، كَبِيضَةٍ أَوْ لَوزَةٍ، وعليه: فَبَينَ الأكلِ والذَّوقِ عُمومٌ وَجِهِيٌّ، وعن هذا قال
في "الفتح"(٤): ((إنَّ قولَ "المحيطِ" :- لو حلَفَ لا يَذوقُ فأكلَ أو شَرِبَ يَحنثُ - يَغِلِبُ على الظَّنِّ
أنَّ المرادَ به الأكلُ الْمُقْتَرِثُ بالَضْغِ، أو بَلِعُ ما يُدرَكُ طَعمُهُ بلا مَضْغٍ؛ لأَنَّا تَقْطَعُ بأنَّ مَن ابْتَلَعَ قلبَ
لَوزَةٍ لا يُقالُ فيه: ذَاقها، ولا يَحنثُ بَبَلِعِها)) اهـ.
٨٧/٣
قلتُ: وعلى ما مرَّ(٥) عن "النّظمِ" فبَينِهُما الَّبأيُنُ كما بين الأكلِ والشُّربِ، فلا يَحنثُ
الحالِفُ على واحِدٍ مِن الثّلاثة بفِعلِ الآخَرِ .
(١) في "د" و"و" و"ب": ((وكلُّ)) بالواو.
(٢) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٥/٤.
(٣) عبارة "الفتح": ((طعاماً وشراباً)).
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٥/٤.
(٥) في المقولة السابقة.

حاشية ابن عابدين
٤١٤
باب اليمين في الأكل والشرب
لا يحنَثُ، ولو عنَى بالذوقِ الأكلَ لم يصدَّق إلا لدليلِ. (حلَفَ لا يأكلُ من هذهِ النخلةِ)
أو الكرمةِ (تقيَّدَ حْتُهُ بأكلِهِ من ثمرِها) بالمثلَّةِ، أي: ما يخرجُ منها بلا تغيرِ بصنعةٍ جديدةٍ،
[١٧٦٢٧) (قولُهُ: لا يحنثُ) أي: [٤/ق١/٧٨) فِي حَلِفِهِ: لا يَذُوقُ الماءَ كما في "الجوهرةِ"(١)؛
لأَنّه لا يَقصدُ به ذوقَ الماءِ، بل إقامةَ القُربَةِ، ولذا كُرِهَ الذَّوقُ للصَّائِمِ دُونَ المَضمضَةِ.
[١٧٦٢٨) (قولُهُ: لم يُصدَّق إلاَّ لدليلٍ) أي: كقولِ القائلِ له: تغذَّ معي كما مرَّ(٢)، وكذا
العُرفُ الآنَ لو قال ابتداءً: لا أَذوقُ في بيتِ زَيدٍ طعاماً فإنَّه يُرادُ به الأكلُ.
مطلبٌ: حَلَفَ لا يأكلُ مِن هذه النَّخلِ
مطلب: إذا تعذَّرت الحقيقةُ أو وُجِدَ عُرفٌ بخِلافِها تُرِكَت
[١٧٦٢٩] (قولُهُ: حَلَفَ لا يأكلُ مِن هذِهِ النَّخلةِ إلخ) الأصلُ في جِنسِ هذِهِ المسائلِ أنَّ العملَ
بالحقيقةِ عند الإِمكان، فإن تَعذَّرَ أو وُجِدَ عُرفٌ بِخِلافِ الحقيقةِ تُرِكت. فإذا عَقَدَ يَمِينَهُ على ما هو
مأكولٌ بعَيْنِهِ انصرفَت إلى العَينِ؛ لإمكانِ العَملِ بالحقيقةِ، وإذا عَقدَها على ما ليسَ مأكولاً بِعَيْنِهِ
أو هو مأكولٌ إلَّ أَنَّه لا تُؤْكلُ عَيْنُهُ عادةً انصرفَت إلى ما يُنَّخذُ منه مَجازاً؛ لأنَّ العملَ بالحقيقةِ غيرُ
مُمكِنٍ، فإذا حَلَفَ لا يأكلُ مِن هذه الشَّةِ شيئاً فأكلَ مِن لَيْنِها أو سَمِنِها لا يَحنث؛ لأنَّ عينَ
الشَّةِ مأكولٌ فَيَنصرِفُ إلى عينها لا ما يتولَّدُ منها، وكذا العنبُ فلا يحنَثُ بزبيبه وعصيره، وفي
النَّخْلِة يحنث بتمرها وطَلْعها؛ لأنَّ عَيْنَها غيرُ مأكولةٍ، وفي الدَّقِيقِ يَحنثُ بُخُبزِهِ؛ لأنَّ الدَّقِيقَ وإن
كان يُؤكلُ إلَّ أَنَّه لا يُؤكلُ كذلك عادةً، وتمامُهُ في "الذَّخيرة)".
[١٧٦٣٠) (قولُهُ: أو الكَرمةِ) شجرةُ العِنَبِ، ولم أَرَها بالنَّاءِ، فلمتُراجَع.
(١٧٦٣١) (قولُهُ: بالمثلّةِ) لأنَّ المرادَ ما يَتولَّدُ مِنها سواءٌ كان تَمراً - بالُثَّةِ - أو غيرَهُ كالجُمَّارِ،
وهو شيءٌ أبيضُ لَيِّنٌ في رأسِ النَّخلِةِ، ولأنَّ النَّخلةَ مِثالٌ والمُرادُ ما يَعُمُّها وغيرَها تَمَا لا تُؤْكلُ عَيْنُهُ.
(١) "الجوهرة النيرة": كتاب الأيمان ٣٠١/٢.
(٢) المقولة [١٧٦٢٥] قوله: ((وأمَّا الذوقُ فعملُ الفم إلخ)).

الجزء الحادي عشر
٤١٥
باب اليمين في الأكل والشرب
فيحنَثُ بالعصيرِ لا بالدِّبسِ المطبوخِ، ولا بوصلِ غصنٍ منها بشجرةٍ أخرى، (وإن
لم يكن) للشجرةِ ثمرةٌ (تنصرفُ) يمينُهُ (إلى ثمنِها، ..
[١٧٦٣٢) (قولُهُ: فَيَحنثُ بالعَصيرِ) استُشكِلَ بأنَّ الْيَمِينَ على الأكلِ، والعَصيرُ مَّا لا يُؤكلُ،
وأُجيبَ: بأنَّ الأكلَ هنا مَجازٌ عن التَّناولِ، فالمرادُ: لا أَتناولُ مِنها شيئاً، "ط)) (١).
قلتُ: مُقْتضى الجَوابِ أَنَّه يَحنثُ بشُربِ العَصيرِ، وَيَحتاجُ إلى نَقلٍ؛ فإنَّ كلامَهُمْ يَصحُّ
بُدُونِ هذا الَّأويلِ، فقد ذَكَرنا(٢) عن "البحر": ((لو حلَفَ لا يَأْكلُ هذا اللَّبِنَ أو العَسَلَ أو الخَلَّ
فَأَكَلَهُ بَخَزِ يَحنثُ؛ لأنَّ أَكَلَهُ هكذا يكونُ، وكذا لو تُرِدَ فِي اللَّبنِ)). وفي "البزَّازِيَّةَ"(٣): ((لا يأكلُ
طعاماً يَنصرِفُ إلى كُلِّ مَأْكُولٍ مَطعُومٍ، حَتَّى لو أكلَ الخَلَّ يَحنثُ)) اهـ. فقد صحَّ أكلُ
ما يُشربُ، فكذا يُقالُ هنا، فتأمَّل.
(١٧٢٣٣) (قولُهُ: لا بالدِّبسِ المَطْبُوخِ) وكذا النَِّيدُ والنَّاطِفُ [٤/ق٧٨ / ب] والخَلُّ؛ لأَنَّه مُضافٌ
إلى فِعلٍ حادِثٍ فلم يَبْقَ مُضافاً إلى الشَّجرةِ، "بحر "(٤). ولذا عُطِفَ عليه في قولِهِ تعالى:
﴿ِيَأْكُلُ مِنْ تَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَبْدِيهِمْ﴾ [يس - ٣٥]، "فتح "(٥). واحترزَ بالمَطُوخِ عمَّا يَسيلُ مِن
الرُّطَبِ؛ فإنَّه يَحنثُ بأكلِهِ، كما في "الذَّخيرةِ".
مطلب فيما لو وَصَلَ غُصنَ شجرةٍ بُخرى
[١٧٦٣٤) (قولُهُ: ولا بوَصلِ إلخ) يعني إذا قَطعَ غُصناً مِن الشَّجرةِ المَحُلُوفِ عليها ووَصَلَهُ
بِشَجرةٍ أُخرى وأَكلَ مِن الَّمرِ الخارِجِ منه لا يَحنث، اهـ "ح"(٦). وقال بعضُهم: ((يَحنث))،
(١) "ط": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٥٠/٢.
(٢) المقولة [١٧٦١٧] قوله: ((كماءٍ وعسلٍ)).
(٣) "البزازية": كتاب الأيمان - الفصل الحادي عشر: في الأكل ٢٩٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٥/٤.
(٥) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٦/٤.
(٦) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق٢٣٩/أ.

حاشية ابن عابدين
٤١٦
باب اليمين في الأكل والشرب
فيحنَثُ إذا اشترى به مأكولاً وأكلَهُ،.
"فتح "(١)، و"بحر "(٢). ولعلَّ وَجهَ الأوَّلِ: أنَّ الغُصنَ صارَ جُزءًا مِن الثّانية ولا يُسمَّى في العُرفِ أَكلاً
مِن الأُولى.
ومُقْتَضى الإطلاق أنّه لا فرقَ بين كَونِ الشَّحرتَين مِن نَوعٍ واحِدٍ أو مِن نَوعَين، وَنَقلَ في
"الذَّخيرةِ" المسألةَ مُطلقةً كما مرَّ(٢)، ثمَّ صَوَّرِها: (بما إذا حلَفَ لا يأكلُ مِن شجرةِ التّفَّاحِ فَوَصَلَ
بها غُصنَ شَحِرةِ الكُمَّثَرَى)) قال: ((فإن سَمَّها باسمِها مع الإشارةِ بأن قال: لا أكُلُ مِن هذِهِ
الشَّجرةِ الْتُفَّاحِ لم يَحنث، وإن لم يُسمِّها بل قال: مِن هذِهِ الشَّحرةِ حَنِثَ)) ثُمَّ نَقلَ عن بعضِهِم:
((أَنَّ الرِّوايةَ هكذا)).
قلتُ: ويُمكنُ الَّوفيقُ بين القولَين بَحَملِ الحِنثِ على ما إذا اختلَفَ النَّوعُ وسَمَّى الشَّجرةَ
باسمِها ثُمَّ أَكلَ مَّا سَمَّى، والقولُ بعدَمِ الحِنثِ على ما إذا أَتَّحدَ النَّوعُ أو اختَلَفَ ولم يُسَمِّ، وَاللَّهُ
تعالى أعلمُ.
[١٧٦٣٥) (قولُهُ: فَيَحنثُ إذا اشْتَرَى به مأكُولاً وأَكَلَهُ) لفظةُ: ((وأكله)) زَادَها في "البحرِ"(٢)
على ما في "الفتحِ"(٤)، قال في "الشُُّنُبُلَالَّةِ"(٥): ((وقد يُقالُ: يُرادُ بالأكلِ الإِنفاقُ في أيِّ شَيءٍ،
فَيَحنثُ به إذا نَوَى، فليُنظَر)) اهـ
(قولُهُ: ثُمَّ صوَّرَها بما إذا حلَفَ لا يأكلُ من شجرةِ التَّاحِ إلخ) هذا التصويرُ لا يوافِقُ عبارةً "الشَّارِحِ".
(قولُهُ: ويمكنُ التوفيقُ بين القولينِ إلخ) أي: على تصويرِ المسألةِ كما قالَهُ "الشَّارِحُ".
(١) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٦/٤.
(٢) "البحر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣٤٥/٤.
(٣) ص ٤١٤ - "در".
(٤) "الفتح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب ٣٩٦/٤.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الأيمان - باب حلف الفعل ٤٩/٢ (هامش "الدرر والغرر").

الجزء الحادي عشر
٤١٧
باب اليمين في الأكل والشرب
ولو أَكَلَ من عينِ النخلةِ لا يحنثُ) وإن نواها؛ لأنَّ الحقيقةَ مهجورةٌ، "ولوالجية"(١).
وفي "المحيط"(٢): لو نوى أكلَ عينها.
قلتُ: إذا نَوَى ذلك لا كَلامَ، أمّا إذا لم يَنوِ فالظَّاهرُ تَقَبِيدُهُ بالأكلِ حقيقةً، حتَّى لو اشتَرَى به
مَشْرُوباً وشَرِبَهُ لا يَحنث إلاّ إذا أَكلَهُ مع غيرِهِ عَمَلاً بحقيقةِ الكَلامِ ما لم يُوجد نَقَلْ بِخِلافِهِ، فافهم.
[١٧٦٣٦] (قولُهُ: ولو أَكلَ مِن عينِ النَّخلةِ لا يَحنث) [٤/ق٧٩/أ] هو الصَّحيحُ، كما في
"النهر"(٣) وغيرِهِ.
[١٧٦٣٧) (قولُهُ: مَهجُورةٌ) صَوابُهُ: مُتعذّرةٌ، كما عبَّرَ به في "إيضاحِ الإصلاحِ"، وقال في
"حاشَتِهِ": ((ومَن قال: مَهجُورةٌ لا يُفرِّقُ بين المُتعذّرِ والَهحُورِ))، قال صاحب "الكَشفِ"(٤):
((الُتعذّرُ: ما لا يُوصلُ إليه إلاَّ بَشقَّةٍ، كأكلِ النَّخلِةِ، وَالَهجُورُ ما يَتِيسَّرُ إليه الوُصُولُ لكِنَّ النَّاسَ
تَركُوهُ كَوَضْعِ القَدَم)) اهـ "ح"(٥).
وقد يقال: أرادَ بالمهجُورةِ الغَيرَ الْمُستَعملَةِ تَحوُّزاً، كما تَحوَّزَ صاحِبُ "الكشفِ" بإطلاق
المُتعذّرِ على المُتَعَسِّرِ، مع أنَّ المُرادَ ما يَشْمَلُ القِسمَين، وحقيقةُ المُتعذّرِ مثلُ قولِهِ: لا يأكُلُ مِن هذا
القِدر، فافهم.
(قولُهُ: أمّا إذا لم ينوِ فالظَّاهرُ تقييدُهُ بالأكلِ إلخ) فيه: أَنَّه إذا كانت عباراتُهم كعبارةِ "المصنّفِ" كانتِ
اليمينُ منصرفةً للثمنِ، فيحنَثُ بصرفِهِ في أيِّ شيءٍ، ولا يكونُ الأكلُ مراداً بهِ حقيقتُهُ، وتفريعُهم - على أنَّ
اليمينَ تنصرفُ إلى الثمنِ قولَهُم: فيحنثُ إذا اشترى بهِ مأكولاً - لا يخصِّصُ المفرَّعَ عليه، ولا يفيدُ أنَّ الحنثَ
مقَّدٌ بشراءِ ما يُؤكَلُ وأكلِهِ، بل يبقى المفرَّعُ عليه عامًّاً له ولغيرِهِ، والواجبُ اتباعُ العرفِ في ذلكَ، وأَنَّه فيه إذا
صرَفَه في أيِّ نوعٍ يحَنَثُ.
(١) "الولوالجية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني في التزويج والتزوج إلخ ق ٩٤/أ.
(٢) "المحيط البرهاني": كتاب الأيمان - فصل في الحلف على الأفعال - نوع آخر في الأكل ١/ق ٣٨١/ب بتصرف.
(٣) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٤/ب.
(٤) "كشف الأسرار" للبخاري: باب أحكام الحقيقة والمجاز والصَّريح والكناية ١٦٠/٢.
(٥) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق ٢٣٩/أ.

حاشية ابن عابدين
٤١٨
باب اليمين في الأكل والشرب
لم يحنث بأكلِ ما يخرجُ منها؛ لأَنَّهُ نوى حقيقةَ كلامِهِ. قال "المصنفُ"(١) تبعاً
الشيخِهِ: وينبغي أن لا يصدَّقَ قضاءً لتعُّينِ المجازِ. زادَ في "النهر (٢): فإن قلتَ:
ورقُ الكرمِ مما يؤكَّلُ عرفاً فينبغي صرفُ اليمينِ لعِينِهِ، قلتُ: أهلُ العرفِ إنما
يأكلونَهُ مطبوخاً. (وفي الشاةِ يحنّثُ باللحمِ خاصَّةً)، لا باللَّبَنِ؛ لأنَّها مأكولةٌ،
فتنعقدُ اليمينُ عليها. (ولا يحنَثُ في) حلِفِهِ (لا يأكلُ.
[١٧٦٣٨] (قولُهُ: لم يَحنث بأَكلِ ما يَخْرُجُ مِنها) مُقتضاهُ: أَنَّ نِيَّةَ عَيِنِها صحَّت، فهو قولٌ
آخَرُ غيرُ ما في "الوَلوالِحَّةِ"(٣)، كما أفادَهُ في "النّهرِ"(٤)، فافهم.
ولم أَرَ مَن صَحَّحَ أحدَهُما، وما نُقِلَ عن "حاشيةِ أبي السُّعُودِ"- أَنَّه قال: ((ما في
"الوَلوالِحِيَّةِ" هو الصَّحيحُ)) - فهو خِلافُ الواقِعِ، وإنَّما فِيها (٥) ما نَقلناهُ عن "النّهرِ" آنفاً مِن
تَصحيحِ(٦) ما في الَتَنِ، ثُمَّ ذَكرَ بعدَهُ عِبارةً "الوَلوالِحِيَّةِ"، فافهم.
[١٧٦٣٩) (قولُهُ: لتعُّنِ الَمجازِ) ولذا انصرَفَ إليه عند عدَمَ الَّّةِ فكانت الحقيقةُ خِلافَ
٨٨/٣
الظَّاهر.
[١٧٦٤٠ ] (قولُهُ: إِنَّمَا يَأْكُلُونَهُ مَطْبُوخاً) أي: فلا يَحنثُ بأكلِهِ لكَونِهِ دَخَلَهُ صَنعةٌ جديدٌ،
11 !! (٧)
.
ح .
(١) "المنح": كتاب الأيمان - باب في بيان أحكام اليمين في الأكل والشرب إلخ ١/ق١٩٦/ب.
(٢) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٤/ب بتصرف.
(٣) "الولوالجية": كتاب الأيمان - الفصل الثاني في التزوج والتزويج ودخول الدار وخروجها والأكل والشرب - أمّا.
الأكل ق ٩٤/أ.
(٤) "النهر": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ق ٢٨٤/ب.
(٥) "فتح المعين": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل والشرب إلخ ٣١٤/٢.
(٦) من ((الواقع)) إلى ((تصحيح)) ساقط من "آ".
(٧) "ح": كتاب الأيمان - باب اليمين في الأكل ق٢٣٩/ب.