النص المفهرس

صفحات 661-680

الجزء العاشر
٦٥٩
باب النفقة
(لا عقارَهُ) فَبِيعُ عقارَ صغيرٍ ومجنونِ اتّفاقاً (للنّفقةِ) له ولزوجتِهِ وأطفالِهِ كما في "النَّهر"
بحثاً بقَدْرِ حاجتِهِ لا فوقَها (ولا في دَيْنٍ له سواها) لمخالفةِ دَيْنِ النّفقةِ لسائرِ الدُّيونِ.
(ضَمِنَ) قضاءً لا ديانةً (مُودَعُ الابنِ)
[١٦٣٤٢) (قولُهُ: فَِيعُ عَقَارَ صَغيرٍ ومَحْنُونٍ) تفريعٌ على قولِهِ: ((لا عَقَارُهُ)) الرَّاجِعُ إلى الابنِ
الكبير، وزاد المَجْنونَ؛ لأَنَّهُ في حُكْمِ الصَّغِيرِ.
(١٦٣٤٣) (قولُهُ: ولزَوْجِهِ وأطفالِهِ) المُبادِرُ مِن كلامِهِ أنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ للأبِ، كضميرٍ
(لَهُ))، وعِبَارَةُ "النّهر"(١): ((ولم يَقُلْ لِنَفْقَتِهِ؛ لِمَا مَرَّ: مِن أَنَّه يُنفِقُ على الأُمِّ أيضاً مِن الثَّمَنِ، ويَنْغِي
أنْ تكونَ الزَّوجةُ وأولادُهُ الصِّغَارُ كذلك)) اهـ.
والمتبادر منها: أنَّ المرادَ زوجَةُ الغائِبِ وأولادُهُ؛ لأنَّ المُرادَ مِن الأُمِّ أُمُّهُ أيضاً.
[١٦٣٤٤) (قولُهُ: بِقَدْرِ حاجَتِهِ) قال في "الَّهر"(٢): ((وفي قولهِ: (اللَّفْقةِ)) إِماءٌ إلى أَنَّه لا يجوزُ
له بَيْعُ زيادَةٍ على قَدْرِ حاجَتِهِ فيها، كذا في "شَرْحِ الطَّحاوِيّ)) اهـ.
وعزَاهُ في "البحر "(٣) إلى "غايةِ البَيَان".
قُلْتُ: وهذا مُخالِفٌ لَبَحْثِ "النَّهر" إلاَّ أنْ يُحْمِلَ على ما إذا لم يكُنْ غيرَهُ، ويُؤيِّدُهُ: أَنَّه يُنْفِقُ
على أُمِّالغائِبِ أيضاً، كما علِمْتَهُ.
[١٦٣٤٥) (قولُهُ: ولا في دَيْنٍ له) أي: للأبِ على الابنِ الغائِبِ.
[١٦٣٤٦] (قولُهُ: لُخالَفَةِ إلخ) أشارَ إلى ما مرَّ(٤) مِن إِشْكالِ "الزَّيلِيِّ" وجَوابِهِ.
[١٦٣٤٧] (قولُهُ: لا دِيانَةٌ) فلو مات الغائِبُ حَلَّ له أنْ يَحْلِفَ لوَرَثَتِهِ أَنّهم ليس لهم عليه حقٌّ؛
لأَنّه لم يُرِدْ بذلك غيرَ "الإصلاحِ"، "بحر "(٥) عن "الفتح"(٦).
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٢/٤.
(٤) المقولة [١٦٣٣٩] قوله: ((لأنّه له ولاية التصرُّف)).
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٢/٤.
(٦) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٨/٤.

قسم العبادات
٦٦٠
حاشية ابن عابدين
كمديونِهِ (لو أُنفَقَ الوديعةَ على أبويه) وزوجتِهِ وأطفالِهِ (بغيرِ أمرٍ) مالِكٍ أو (قاضٍ)
إنْ كان، وإلاَّ فلا ضمانَ استحساناً.
[١٦٣٤٨) (قولُهُ: كمدْيُونِهِ) أي: فإنَّه إذا أنفَقَ على مَن ذُكِرَ ثَمّا عليه يَضْمَنُ مَعْنى: أنَّه لا يَبْرأُ
قَضاءِ، ويَبْرأُ دِينَةً "رحمتي".
[١٦٣٤٩) (قولُهُ: وزوجَتِهِ وأطفَالِهِ) أشار إلى أنَّ ذِكْرَ الأَبوَيْن غيرُ قَيْدٍ. كما نَّهَ عليه
1
في "البحر"(١)، وفي "النّهر"(٢): ((إِنَّمَا خَصَّ الأَبوَيْن ◌َعُمَّ الزَّوجَةَ والأولادَ بالأَوْلَى)).
[١٢٣٥٠] (قولُهُ: إنْ كان) أي: إِنْ وُجِدَ ثَمَّ قاضٍ شَرْعيٌّ وهو: مَنْ لم يَأْخُذِ القَضاءَ بالرِّشْوةِ
ولم يَطْلُبْ رِشْوةً على الإِذْنِ وإلاَّ فهو كالعَذَمِ "رحمتّ".
مطلبٌ في مواضعَ لا يَضْمنُ فيها الُنفِقُ إذا قصَدَ الإصلاحَ
(١٦٣٥١) (قولُهُ: استحساناً) لأَنَّه لم يُرِدْ به إلاَّ الإصْلاحَ "ذخيرة"، وفيها: ((وكذا قالوا في
مُسافِرَيْن أُغْمِيَ على أحدِهِما أو ماتَ فَأَنفَقَ الآخَرُ عليه مِن مالِهِ، وفي عَبْدٍ مَأْذُونِ ماتَ مَوْلاهُ
فَأَنفَقَ في الطَّريق، وفِي مَسْحدٍ بلا مُتَوَلِّ لَهُ أوقافٌ أَنفَقَ عليه مِنْها بعضُ أهلِ المَحَلَّةِ لا يَضْمَنُ
استحساناً فيما بيْنَهُ وبين اللهِ تعالى)).
وحُكِيَ عن "مُحمَّدٍ": ((أَنَّه ماتَ تِلْمِيذٌ له فَاعَ كُبُهُ وأَنفَقَ في تجهيزِهِ، فَقِيْلَ له: إنّه لم يُوْصِ
بذلك، فَتَلا "مُحمَّدٌ" قولَهُ تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحّ﴾ [البقرة - ٢٢٠]))، فما
كان على قِياسِ هذا لا يَضْمَنُ دِينَةً استحساناً، أمَّا فِي الْحُكْمِ فَيَضْمَنُ، وكذا لو عَرَفَ الوَصِيُّ
دَيْنَاً على الَيْتِ فَقَضَاهُ لا يَأْثَمُ، وكذا [٣/ ق ٤٨١/أ] لو مات رَبُّ الوديعةِ وعليه مِثْلُها دَيْنٌ لآخَرَ
لم يَقْضِهِ فَقَضَاهُ الْمُؤْدِعُ، ومِثْلُهُ: المَدْيُونُ لو مات دَائِنُهُ وعليه دَيْنٌ لآخَرَ مِثْلُه لم يَقْضِهِ فقَضاهُ
الْمَدْيُونُ، وكذا الوارثُ الكبيرُ لو أنفَقَ على الصَّغير ولا وَصِيَّ له فهو مُحْسِنٌ دِينَةً مُتَطوِّعٌ
حُكْماً)) اهـ، مُلخَّصاً من "البحر"(٣).
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٢/٤، نقلاً عن "الخانية".
(٢) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ بتصرف.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٢/٤ - ٢٣٣.

الجزء العاشر
٦٦١
باب النفقة
كما لا رجوعَ، وكما لو انحصَرَ إرتُّهُ في المدفوع إليه؛ لأَنَّه وصَلَ إليه عينُ حقِّهِ.
(و) الأبوان (لو أنفَقًا ما عندهما) لغائبٍ (مِن مالِهِ على أنفُسِهما وهو مِن
جنسِهِ) أي: جنسِ النّفقةِ (لا) يَضْمَنانِ؛ لوجوبِ نفقةِ الوِلادِ والزَّوجَيَّةِ قبل القضاء،
لكن ذَكَرَ في "الَّاتِرْ خانَّةٌ"(١) في المسأَلَةِ الأخيرةِ: ((أَنَّه إنْ كان طعاماً يُنْفِقُ سواءً كان الصَّغير
في حِجْرِهِ أو لا، وإنْ كان دَراهِمَ يَمْلِكُ شِراءَ الطَّعامِ لو في حِجْرِهِ، وإن كان شيئاً يَحتاجُ إلى بَيْعِهِ
لا يَمْلِكُ إِلاَّ إنْ كان وَصِيّاً)).
[١٦٣٥٢) (قولُهُ: كما لا رُجُوعَ) أي: للمُؤْدَعِ على الأَبِ بما أنفَقَهُ عليه إذا ضَمَّنَهُ الغائِبُ؛
لأَنَّ الْمُؤْدَعَ مَلَكَ المَدْفُوعَ بالضَّمانِ فكان مُتُبِّعاً بِلْكِ نَفْسِهِ، قال في "البحر"(٢): ((وظاهرُهُ: أَنَّه
لا فرْقَ بين أنْ يُنفِقَ عليهم أو يَدْفَعَ إليهم فِي وُجُوبِ الضَّمانِ وعدَمِ الرُّجُوعِ عليهم؛ لوُجُودِ العِلَّةِ
فيهما، ويظهَرُ أَنَّه لا ضَمَانَ لو أجازَ الَالِكُ؛ لأنَّ الإجازةَ إِبْراءٌ منه، ولأَنّها كالوَكَالَةِ السَّابقةِ)) اهـ.
(١٢٣٥٣) (قولُهُ: وكما لو انحصرَ إِرْتُهُ الخ) فإذا أَنْفَقَ على أبي الغائِبِ مَثَلاً بلا أمْرٍ ثُمَّ مات
الغائِبُ ولا وارِثَ له غيرُ الأَبِ فلا رُجُوعَ للأبِ على الْمُؤْدَعِ؛ لأَنَّه وَصَلَ إليه عينُ حقِّه، وهذا
ذَكَرَهُ في "النّهر"(٣) بَحْثًَ، وشَبَّهَهُ بما لَوْ أَطعَمَ المَغْصُوبَ للمالِكِ بِغيرِ عِلْمِهِ.
٦٨٤/٢
[١٦٣٥٤] (قولُهُ: لغائِبٍ) أي: هو وَلَدُهُما.
[١٦٣٥٥) (قولُهُ: أيْ: جِنْسِ النَّفقةِ) الأنسَبُ لَتَذْكيرِ الضَّميرِ قوْلُ "المنح"(٤): ((مِن حِنْسِ
حقّهما أي: النّفْقةِ)).
[١٦٣٥٦) (قولُهُ: لوُجُوبِ نفقةِ الولادِ والزَّوجَّةِ) أشار بهذا إلى أنَّالأبوَيْن في المتْنِ ليس بِقَيْدٍ،
(١) "التاتر خانية": كتاب النفقات - الفصل الثالث في نفقة ذوي الأرحام ٢٣٩/٤.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٣/٤ بتصرف يسير.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٤) "المنح": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام النفقة ١/ق ١٧٥/ب.

قسم العبادات
٦٦٢
حاشية ابن عابدين
حتّى لو ظَفِرَ بجنسٍ (١) حقِّهِ فله أَخْذُهُ، ولذا فُرِضَتْ من مالِ الغائب بخلافٍ بقيَّةٍ
الأقارب، ولو قال الابنُ: أنفقتَهُ وأنتَ مُوسِرٌ وكذَّبَهُ الأبُ حكَمَ الحاكمُ يومَ
الخصومة، ولو بَرْهَنا فبِنهُ الابنِ، "خلاصة"(٢).
بل الزَّوجةُ وبقيَّةُ الولادِ(٣) كذلك كما في "البحر "(٤) "ح "(٥).
[١٦٣٥٧] (قولُهُ: حَتَّى لو ظَفِرَ) أي: أحدُ هؤلاء.
[١٦٣٥٨] (قولُهُ: فَلَهُ أخذُهُ) أي: بلا قضاءٍ ولا رِضاءٍ، "بحر "(٦)، وهذا مُقَيَّدٌ بِإباءِ الابنِ، وأن
لا يَكُونَ ثَمَّةَ قاضٍ، كما سَلَفَ، "ط)"(٧).
[١٦٣٥٩] (قولُهُ: حَكَمَ الحاكِمُ) كذا في بعض النِّسَخِ، وفي بعضِهِا حَكَمَ الحالُ أي: حالُ
الأَبِ يومَ الْخُصُومِةِ، فإنْ كان مُعْسِراً فالقوْلُ له استحساناً في نفقة مِثْلِهِ وإلاَّ فالقوْلُ للابن "بحر "(٨).
[١٦٣٦٠) (قولُهُ: ولو بَرْهَنَا فَِّةُ الابنِ) أي: لأَنَّه يُثْبِتُ أَمْراً عارِضاً، "خانَّةُ"(٩)، أي: لأنَّ
الأصلَ الإعسارُ، واليسارُ عارِضٌ. ومُقْتَضى هذا الإطلاقِ: أَنَّه مع البِّنَةِ لا يُنْظَرُ إلى تَحْكِيمِ الحالِ
وإلاَّ فهذا ظاهِرٌ فيما إذا كان مُعْسِراً يومَ الخُصُومَةِ؛ لأنَّ الظَّهِرَ للأب، ولِذا كان القوْلُ له فتكُونُ
البِّنَةُ الْمُعْتبِرَةُ بِّةَ الابنِ؛ لإِنْباتِها [٣/ق ٤٨١ /ب] خلافَ الظَّاهرِ، أمَّا لو كان مُؤْسِراً يَوْمَها فَيَنْبغي أنْ
تُقَدَّمَ بِيِّنَةُ الأَبِ على أَنَّه كان مُعْسِراً يومَ الإنفاقِ، كما لو بَرْهَنَ وحدَهُ، تأمَّل.
(قولُهُ: وهذا مُقَيَّدٌ بإباءِ الابنِ إلخ) لا يظهَرُ، إلاّ إذا كانَ المأخوذُ مِنْ خِلافِ الجنسِ، تأمَّل.
(١) في "ب": ((بحبس))، وهو تحريف.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ق ٩٠/أ بتصرف.
(٣) في "م": ((الأولاد)).
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٣/٤.
(٥) "ح": كتاب الطلاق - باب النفقة ق٢١٩/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٣/٤.
(٧) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨١/٢ بتصرف.
(٨) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٣/٤، نقلاً عن "الخلاصة".
(٩) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في نفقة الوالدين وذوي الأرحام ٤٤٩/١ (هامش "الفتاوى الهندية").

الجزء العاشر
٦٦٣
باب النفقة
(قَضَى بنفقةٍ غيرِ الزَّوجةِ) زاد "الزَّيلعيُّ)"(١): ((والصَّغِيرِ)) (ومَضَت مُدَّةٌ) أي:
شهرٌ فأكثرُ (سقَطَتْ) لحصولِ الاستغناءِ فيما مَضَى،
قلْتُ: وما مرَّ(٢) مِن أنَّ القَوْلَ لِمُنْكِرِ اليَسارِ، والبِّنَةَ لِمُدَّعِيْهِ، فلعلَّهُ عند عدَمِ العِلْمِ
بالحال، تأمَّل.
[٦٣٦١ ١) (قولُهُ: غيرِ الزَّوجةِ) يَشْمَلُ الأُصُولَ والفُرُوعَ والمحارِمَ والَمالِيكَ.
[١٦٣٦٢) (قولُ: زَادَ "الزَّيلِعِيُّ": والصَّغيرِ) يعني: استَشْناهُ أيضاً فلا تَسْقُطُ نفقْتُهُ المَقْضِيُّ بها
بِمُضِيِّ المُدَّةِ كالزَّوجةِ، بخلاف سائرِ الأَقارِبِ، ثُمَّ اعلم أنَّ ما ذَكَرَهُ "الزَّيْلِيُّ" نقلَهُ عن "الذَّخيرةِ"
(قولُ "الشَّارِحِ": زادَ "الزَّيلِيُّ": والصَّغِيرِ) ما قالَهُ "الزَّيلِعِي" هو الذي عَلَيهِ العمَلُ الآنَ، وهو أرفَقُ، نعم
يظهَرُ إذا أنفقَت الأُمُّ مِنْ مالِ نفسِها، لا إذا أكَلَ مِنْ مسأَلَةِ النَّاسِ، ثمَّ رأيتُ في "نهجِ النَّحاةِ" عن
"الَّار خائِيَّةٍ": ((أَنَّهُ في حياةِ الأبِ لَها الرُّجوعُ عَلَيْهِ بما أنفقَتْهُ مِنْ مالِها على الصَّغِيرِ بعدَ الفرْضِ)) اهـ.
(قولُ "المُصنّفِ": ومضَت مُدَّةٌ سقطَت) قالَ في "مبسوطِ السَّرْخَسِيِّ": ((أورَدَ في بابِ الزَّكاةِ مِنَ
"الجامع": أنَّ نفَقةَ ذي الرَّحِمِ المَحرَمِ تصيرُ دَيناً بقضاءِ القاضي، وإنَّما اختُلِفَ لاختلافِ الموضوعِ،
فوضْعُ المسألَةِ هناكَ فيما إذا استَدَانَ الُنفِقُ عَلَيهِ وأنفَقَ مِنْ ذلِكَ فتكونُ الحاجةُ قائِمةً لِقِيامِ الدَّينِ، وهنا
وضْعُ المسألَةِ فيما إذا أنفَقَ مِنْ مالِهِ أو مِنْ صِدَقَةٍ تصدَّقَ بِها عَلَيهِ، والحاجةُ لا تبقَى بعدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وقد
قرَّرْنا هذا فيما أملَينا مِنْ "شرحِ الجامِعِ")) اهـ.
(قولُهُ: قُلتُ: وما مَرَّ مِنْ أنَّ القولَ لُنكِرِ اليسارِ والبِّنةَ لُدَّعِيهِ، فَعَلَّهُ عِندَ عَدَمِ العِلمِ بِالحالِ) مَوضوعُ
المسألَةِ السَّابقةِ: فيما إذا طَلَبَ الإنفاقَ مِنَ الأَبِ فامتنَعَ مُدَّعِياً يَسارَهُ، وما هنا فيما بعدَ الإنفاقِ لِمَا في يدِهِ،
ومعلومٌ أنَّ تحكيمَ الحالِ لا يصلُحُ حجَّةٌ للاستِحقاقِ، ويصلُحُ حجَّةً للدَّفعِ، فِذا قيلَ: بتحكيمِهِ هنا لا فيما سبقَ،
تأمَّل، لكنْ إذا كانَ الحالُ شاهِداً للابنِ وقُلنا: القَولُ لَهُ يلزَمُ جعْلُ تحكيمٍ الحالِ شاهِدً للاستِحقاقِ، مع أَنَّهُ
لا يصلُحُ حجَّةً لَهُ بل للدَّفعِ، إلاَّ أنْ يُقَالَ: إنَّهُ ثابتٌ يإتلافِ مالِ الغيرِ، والحالُ مُقَوِّلَهُ، نظيرُ ما قالوهُ فيما لواختلَفا
في حَريانِ ماءِ الرَّحَى، وكانَ الحالُ شاهِداً للمُؤْجٍِّ، فإنَّ القولَ لَهُ مِنْ أَنَّهُ يجِبُ الأجرُ لا بالحالِ؛ لأَنَّهُ
لا يصلُحُ للاستِحقاقِ، بل بالعقدِ السَّابِقِ، والحالُ يدُلُّ على بَقائِهِ إلى ذلِكَ الوقتِ.
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب النفقة ٦٥/٣.
(٢) المقولة [١٦٣٥٩] قوله: ((حكم الحاكم)).

قسم العبادات
٦٦٤
حاشية ابن عابدين
عن "الحاوِي في الفتاوى"(١)، وأقرَّهُ عليه في "البحر"(٢) و"النَّهر"(٣)، وتَبَعَهُمُ "الشَّارِحُ" مع أنّه
مُخَالِفٌ لإطلاقِ الْمُونِ والشُّرُوحِ و"كافي الحاكِمِ"، وفي "الهداية"(٤): ((ولو قَضَى القاضي للوَلَدِ
والوالدَيْن وذَوِي الأَرْحَامِ بِالنَّفْقةِ فَمَضَتْ مُدَّةٌ سَقَطَتْ؛ لأنَّ نفقةَ هؤلاءِ تَحِبُ كِفايةً للحاجَةِ حَتّى
لا تَجِبُ مع اليسارِ، وقد حصَّلَتْ بُضِيِّ المُدَّةِ، بخلافٍ نفقةِ الزَّوجةِ إذا قَضَى بها القاضي؛ لأنّها
تَجِبُ مع يَسارِها فلا تَسْقُطُ بُحُصُولِ الاسْتِغْنَاءِ فيما مَضَى)) اهـ
وقرَّر كلامَهُ في "فتح القدير"(٥)، ولم يُعرِّجْ على ما مرَّ(٦) عن "الذَّخيرةِ"، على أنَّه في
"الذَّخيرةِ" صرَّح بخلافِهِ وعزَاهُ إلى "الكِتابِ"؛ فإنَّه قال فيها: ((قال - أي: في "الكتاب" _(٧):
وكذلك إِنْ فَرَضَ القاضي النَّفْقةَ على الأب فغَابَ الأَبُ وتَرَكَهُم بلا نفقةٍ فاستَدَانَتْ بأَمْرِ القاضي
وأنفقَتْ عليهم تَرْجِعُ عليه بذلك، فإنْ لم تَسْتَدِنْ بعدَ الفَرْضِ وكانوا يَأْكُلُونَ مِن مَسأَلَةِ النَّاس لم
تَرجِعْ على الأَبِ بشَيءٍ؛ لأَنَّهم إذا سألُوا وأُعْطُوا صار مِلْكاً لهم فوَقَعَ الاستِغْناءُ عن نفقة الأَبِ،
واستحقاقُ هذه النَّفقةِ باعتبارِ الحاجَةِ، فإِنْ كانوا أُعْطُوا مِقْدَارَ نِصْفِ الكِفَايَةِ سقَطَ نِصْفُ النَّفْقَةِ (٨)
عن الأبِ، وتَصِحُّ الاسِدانةُ في النّصْفِ بعد ذلك، وعلى هذا القِياسُ، وليس هذا في حقِّ الأولادِ
خاصّةً بل في نفقةٍ جَمِيعِ المحارِمِ إذا أَكُلُوا مِن مسأَلَةِ النَّاسِ لا رُجُوعَ لهم؛ لأنَّ نفقةَ الأَقارِبِ لا
تَصيرُ دَيْناً بالقضاء بل تَسقُطُ بُضٍِّ المُدَّةِ، بخلاف نَفَقَةِ الزَّوجةِ)) اهـ.
(١) لم نعثر على المسألة في مخطوطة "الحاوي القدسي" التي بين أيدينا.
(٢) "البحر": كان الطلاق - باب النفقة ٢٣٤/٤.
(٣) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٤) "الهداية": كتاب الطلاق - باب النفقة ٤٩/٢.
(٥) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٩/٤.
(٦) في المقولة نفسها.
(٧) أي: في "شرح القدوري" كما في "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": ٢٢٧/٤.
(٨) في النسخ جميعها: ((الكفاية))، وما أثبتناه من "البحر" ٢٢٦/٤، نقلاً عن "الذخيرة".

الجزء العاشر
٦٦٥
باب النفقة
وأمَّا ما دون شهرٍ ونفقةُ الزَّوجةِ والصَّغيرِ فتصيرُ دَيْناً بالقضاءِ (إلاَّ أنْ يَستدِيْنَ)
ومِثْلُهُ فِي "شرْحِ أَدَبِ القضَاءِ" لـ "الخصَّافِ"(١)، وذَكَرَ مِثْلَهُ "قاضي خان(٢) جازِماً به، وقد قال في
أوَّلِ كِتابِهِ(٣): ((إنَّ ما فيه أقوالٌ(٤) اقَتَصَرْتُ فيه على قوْلٍ أو قَولَيْن، وقدَّمْتُ ما هو الأَظْهَرُ،
وافَتَحْتُ بما هو الأَشْهَرُ)). وقد رَاجَعَ "الرَّحمنُّ" نُسْخَةً مِن "الذَّخيرةِ" مُحرَّفَةً حتّى اشْتَبَهَ عليه ما
مرَّ(٥) بمسألَةِ الَّوْتِ الآتِيَةِ(٦)، وحَكَمَ على "الزَّيْلِيِّ" ومَن تَبِعَهُ [٣/ ١/٤٨٢] بالوَهْم وقال: ((لأَنَّ مُرادَ
"الحاوِي" أنَّ نفقةَ الصَّغِيرِ لا تَسقُطُ بعد الاستِداَةِ)) وأطالَ بِمَا لا يُحْدِي نَفْعً، والصَّوابُ في الرَّدِّ
على "الزَّيلِعِيِّ" ما قدَّمناهُ(٧).
(١٦٣٦٣] (قولُهُ: وأمَّا ما دوْنَ شَهْرٍ) مُخْترزُ قولِهِ: ((أي: شَهْرٌ فَأَكْثُرُ)، ووَجِهُهُ: أنَّ هذه
المُدَّةَ قصيرةٌ، وأنَّ القاضيَ مَأْمُورٌ بالقضاءِ، فلو سقَطَتِ المُدَّهُ القصيرةُ لم يكُنْ للأَمْرِ بالقضاءِ فائدةٌ؛
لأَنَّه إذا كان كُلُّ ما مَضَى سَقَطَ لم يُمْكِنِ استيْفَاءُ شيءٍ، كما في "الفتح"(٨).
[١٦٣٦٤] (قولُهُ: ونفقةُ الزَّوجةِ والصَّغيرِ) مُخْترزُ قولِهِ: ((غيرِ الزَّوجةِ والصَّغِيرِ))، أمَّا الصَّغِيرُ
ففيه ما عِلِمْتَ، وأمَّا الزَّوجةُ فإنَّما تصيرُ دَيْناً بالقضاء، ولا تَسقُطُ (٩) بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ فلأنَّ نفقّتها لم
تُشْرَع لحاجَتِها كالأقارِبِ بل لاحتِبَاسِها، وقد عُلِمَ مِن هذا أَنَّها بعد القَضَاءِ لا تَسقُطُ بمُضِيِّ الْمُدَّةِ
سواءٌ كَانَتْ شَهْراً(١٠) أو أكثرَ أو ◌َقَلَّ. نعم، تَسقُطُ نفقتُها بُمُضِيِّ المُدَّةِ قَبْلَ القضاءِ إنْ كانَتْ شَهْراً
(١) "شرح أدب القاضي": الباب الثاني والتسعون في نفقة الصبيان ٢٩٩/٤.
(٢) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في نفقة الأولاد ٤٤٦/١ - ٤٤٧ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "الخانية": المقدمة ٢/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) في "٢" و"ب": ((أقوالاً)).
(٥) في المقولة نفسها.
(٦) المقولة [١٦٣٧٣] قوله: ((فتأمل)).
(٧) في المقولة نفسها.
(٨) "الفتح": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٢٩/٤ بتصرف.
(٩) في "م": ((سقط)).
(١٠) في "ب": ((شهر)).

قسم العبادات
٦٦٦
حاشية ابن عابدين
غيرُ الزَّوجةِ (بأمرٍ قاضٍ) فلو لم يَستدِنْ بالفعلِ فلا رجوعَ، بل في "الذَّخيرة": ((لو
أَكَلَ أطفالُهُ من مسألةِ النَّاس فلا رجوعَ لأمِّهم(١)، ولو أُعطُوا شيئاً واستدانَتْ(٢) شيئاً.
فأكثرَ، كما قدَّمناهُ(٣) عند قوْلِ "المُصنّفِ": ((والنّفْقَةُ لا تَصيرُ دَيْناً إلاّ بالقضاءِ)).
والحاصِلُ: أنَّ نفقةَ الزَّوجةِ قَبْلَ القضَاءِ كنفَقَةِ الأقارِبِ بعد القضاءِ في أَنَّها تَسقُطُ بُضِيِّ المُدَّةِ
الطّويلِةِ.
[١٦٣٦٥] (قولُهُ: غيرُ الزَّوجةِ) أمَّا هي فَتَرْجِعُ بما فُرِضَ لها، ولو أَكَلَتْ مِن مال نَفْسِها أو مِن
مَسأَلَةٍ، كما في "الخانَّةِ"(٤) وغيرِها فاستِدانتُها بعد الفَرْضِ غيرُ شَرْطٍ. نعم، اسْتِدانْتُها للصَّغيرِ شَرْطٌ
كما عِلِمْتَهُ مَّا مَرَّ(٥)، ويأتي(٦).
[١٦٣٢٦] (قولُهُ: فلو لم يَسْتَدِنِ) أفاد: أنَّ مُحرَّدَ الأمْرِ بالاستِدانةِ لا يَكْفي، وما فَهِمَهُ بعضُهُم
٦٨٥/٢ مِن عِبَارَةِ "الهدايةِ" فهو غَلَطٌ، كما نَّه عليه في "أنفَعِ الوَسائِلِ".
[١٦٣٦٧] (قولُهُ: بل في "الدَّخيرةٍ") هذا مَحَلُّ النَّفْريع فكانَ الُنَاسِبُ أنْ يقولَ: ((ففي
"الذَّخيرةِ" إلخ))، وهذا أيضاً فيما إذا فَرَضَ القاضي لهمُ النَّفْقَةَ وأَمَرَ الأُمَّ بالاستِداَةِ، كما علِمتَهُ مِن
كلام "الذَّخيرةٍ"، وأنت خَبِيرٌ بأنَّ هذا مُخالِفٌ لِمَا قَدَّمهُ(٧) عن "الزَّلِعِيِّ" مِن قولِهِ: ((والصَّغير))،
(قولُهُ: هذا محَلُّ التّريعِ، فكانَ المناسِبُ أنْ يقولَ: ففِي "الذَّخيرَةِ إلخ) الإضرابُ ظاهِرٌ وصحيحٌ
بالنّظَرِ لآخِرِ الكلامِ، فإنَّهُ تقييدٌ لِمَا قبلَهُ على فهمِ "البحرِ"، وأيضاً ما قبلَهُ يُفيدُ أَنَّهُ بالاستِدانَةِ ترجعُ،
ورُبَّما يُتوهَّمُ مِنْ هذا الرُّجوعُ بجميعِ النَّفَقَةِ عِندَ اسْتِدَائَةِ البعضِ فأضرَبَ عَنْهُ.
(١) في "ب": ((مهم))، وهو تحريف.
(٢) في "ب": ((وبعدنت))، وهو تحريف.
(٣) المقولة [١٦٠٤٤] قوله: ((والنفقة لا تصير ديناً إلخ)).
(٤) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في نفقة الأولاد ٤٤٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) المقولة [١٦٣٦٢] قوله: ((زاد "الزيلعي": والصغير)).
(٦) المقولة [١٦٣٧٦] قوله: ((ولا يصح الأمر إلخ)).
(٧) المقولة [١٦٣٦٢] قوله: ((زاد "الزيلعي": والصغير)).

الجزء العاشر
٦٦٧
باب النفقة
أو أَنفَقَتْهُ من مالِها رجَعَتْ بما زادَتْ))، "خانَّة"(١).
كما نَبَّهْنا عليه آنِفاً، فافهم.
[١٦٣٦٨) (قولُهُ: أو أنفَقَتْ مِن مَالِها) هذا مِنْ كلامِ "الخالنَّةِ" كما تَعْرِفُهُ، وما قبلَهُ مَذْكورٌ
في "الخانيّة" أيضاً، وقولُهُ: ((رَجَعَتْ بما زادَتْ)) أي: بما استَدَانَتْهُ أو أنفَقَتْهُ مِن مَالِها لتَكْمِيلِ
نفقَتِهِم، وأفادَ: أنَّ الإنفاقَ مِن مَالِها على الأولادِ قائمٌ مَقَامَ الاستِدانَةِ فهو تقييدٌ لقولِهِ: ((فلو
لم تَسْتَدِن بالفِعْل فلا رُجُوعَ))، لكِنَّ هذا فَهْمٌ لصاحِبِ "البحر" وهو غيرُ صحيحٍ؛ فإِنَّه قال(٢).
((وفي "الخانَيَّةِ"(٢): رجلٌ غاب ولم يَتْرُكِ لأَولادِهِ الصِّغار نفقةً ولأُمِّهم مالٌ، تُحْبِرُ الأُمُّ على
الإنفاقِ، ثُمَّ تَرْجِعُ بذلك على الزَّوْجِ)) اهـ.
قال في "البحر"(٤): ((ولم يُشْتَرَطِ [٣/ ق٤٨٢ /ب] الاستِدانَةُ ولا الإِذْنُ بها فُيُفرَّقَ بين ما إذا
أنفقَتْ عليهم مِن مَالِها وبين ما إذا أَكُلُوا مِن المَسأَلَةِ)) اهـ.
قلْتُ: لا يَخْفِى عليك أنَّ ما في "الخانَيَّة" مِن مَسائلٍ أَمْرِ الأَبعَدِ بالإنفاقِ عند غَيَِّةِ الأَقْرَبِ
- وهي كثيرةٌ - تقدَّمتُ(٥) في الفُرُوعِ عن "واقِعاتِ المُفْتِين" لـ"قَدْرِي أَقْدِي"؛ ففيها: يأمُرُ القاضي
الأَبْعَدَ لِيَرْجِعَ على الأُقْرَبِ، كالأُمِّ لِتَرْجِعَ على الأَبِ، فهو أَمْرٌ بالإِدانَةِ، وَيُحْبَسُ المُمْتَنِعُ عنها؛ لأنَّ
هذا مِنَ المَعْروفِ كما قدَّمَهُ (٦) عن "الزَّلِعِيِّ" و"الاختيار" قُبيلَ قَوْلِ "المُصنّفِ": ((قَضَى بنفقةٍ
الإِعْسارِ))، فإذا كانَتِ الأُمُّ مُؤْسِرَةً تُؤْمَرُ بالإِدانَةِ مِن مَالِها، وإِنْ كانَتْ مُعْسِرَةً تُؤْمَرُ بالاستِداَةِ،
في كُلِّ مِنْهُما إذا أَكلَ الأَولادُ مِن مسأَلَةِ النَّاسِ سَقَطَتْ نفقَّتُهُم عن أبيهم؛ لِحُصُول الاسْتِغْنَاءِ
(١) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في نفقة الأولاد ٤٤٦/١ - ٤٤٧ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٥/٤.
(٣) "الخانية": كتاب النكاح - باب النفقة - فصل في نفقة الأولاد ٤٤٧/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٥/٤.
(٥) ص ٦١٤ - وما بعدها "در".
(٦) ص٥٣٩- ٥٤٠- "در".

قسم العبادات
٦٦٨
حاشية ابن عابدين
(ويُنفِقُ منها) عَزَاهُ في "البحر" لـ "المبسوط"، لكنْ نظَرَ فيه في "النَّهر"(١): ((بأنّه لا أثرَ
لإنفاقِهِ بما استدانَهُ، حتّى لو استدانَ وأنفَقَ من غيرِهِ ووَفَّى مما استدانَهُ لم تَسقُطْ
أيضاً)) اهـ. (فلو ماتَ الأبُ).
فلا تَرْجِعُ الأُمُّ بشَيءٍ فِي الصُّوْرَتَيْن، وأمَّا إذا أُمِرَتْ بالاستِدانَةِ ولم تَسْتَدِن بل أَنفَقَتْ مِن
مَالِها فلا رُجُوعَ لها أيضاً بمْزِلَةٍ ما إذا أَكُلُوا مِن المسأَلَةِ؛ لأَنَّها لم تَفعَلْ ما أمَرَها به القاضي
القائِمُ مَقَامَ الغائِبِ، ولذا صرَّحُوا باشتراطِ الاسْتِدانَةِ بالفِعْل ولم يَكْفِ مُجرَّدُ الأَمْرِ بها،
خلافاً لِمَنْ غَلِطَ فيه، كما قدَّمناهُ(٢) عن "أَنْفَعِ الوَسائِلِ"، ويَدُلُّ على أنَّ إنفاقَها لا يَقُومُ مَقَامَ
الاستِدانَةِ ما صرَّح به في "البزَّازيَّة"(٣) بقولِهِ: ((وإِنْ أَنفَقَتْ عليه مِنْ مَالِها أو مِنْ مَسأَلَةٍ
النَّاس لا تَرْجِعُ على الأَبِ، وكذا في نفقَةِ الَمحارِمٍ)) اهـ.
فهذا صَرِيحٌ فيما قُلْناه، وأشارَ إلى بعضِهِ "لَقْدِسيُّ"، و"الخيرُ الرَّمْلِيُّ"، فافهم.
نعم، لو أُمِرَتْ بالإنفاقِ وهي مُؤْسِرةٌ فاستَدَانَتْ وَأَنفَقَتْ مِنهُ تَرْجِعُ؛ لأنَّ ما استَدَانَتْهُ دَيْنٌ
عليها لا على الأَبِ؛ لأنه لا يَصيرُ دَيْناً على الأَبِ إلَّ بالأمرِ بالاستِدائَةِ عليه لعُمُوم وِلاَيَةِ القاضي،
فإذا كان دَيْناً عليها صارَ مِنْ مَالِها فلا فَرْقَ بين الإنفاقِ منه أو مِنْ مَالٍ آخَرَ، بخلاف ما إذا أُمِرَتْ
بالاستِدائَةِ وأنفقَتْ مِن مَالِها؛ فإِنَّها تكُونُ مُتُبِّعَةً، فاغْتِمْ تَحْرِيرَ هذا الَّقَامِ.
[١٦٣٦٩] (قولُهُ: ويُنْفِقُ مِنْها) الأَوْلَى: ((مِنْهُ)) أي: ثَمَا اسْتَدَانَهُ.
[١٦٣٧٠] (قولُهُ: لكِنْ نَظَرَ فِيه في "النّهر" الخ) قد يُجابُ عن "البحر "(٤): بأنَّ الْمُرادَ مِنْ قولِهِ:
(قولُهُ: قد يُجابُ عن "البحر": بأنَّ المرادَ مِنْ قولِهِ: ويُنفِقُ مِمَّ اسْتَدَانَهُ تحقيقُ الاستِدانَةِ إلخ) هذا بعيدٌ، بل
غيرُ صحيحٍ، فإنَّ الاسْتِدَانَةَ مُتُحقّقٌ بأخذِ المالِ، وما جعَلَهُ احترازاً عَنَهُ خارجٌ بِما قبلَهُ، تأمَّل، وما قَالَهُ "الرَّحمنُّ"
مَحَلُّ مُناقشةٍ، فإِنّهُ لا يلزَمُ أنْ يكونَ إنفاقُهُ مِنْ غَيرِ مالِ اسْتِدانَةً؛ لاحتِمالِ أَنَّهُ اسْتَدَانَ لنفسِهِ، وأيضاً الاستِدانَةُ ثانياً
على القريبِ لا تصِحُّ فتقَعُ لَهُ، وبالجُمَلَةِ المُتْعِّنُ مَا قَالَهُ في "البحرِ"؛ لأَنَّهُ المنقولُ، ولا نظَرَ للأبحاثِ، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٢) المقولة [١٦٣٦٦] قوله: ((فلو لم يستدن)).
(٣) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ١٦٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٤/٤.

الجزء العاشر
٦٦٩
باب النفقة
((ويُنْفِقُ ثَمَا اسْتَدَانَهُ)) تحقيقُ الاستِدانَةِ فهو للاحتِرَازِ عمَّا إذا لم يَسْتدِنْ وأَنفَقَ مِن مَالِهِ أو مِنْ
صَدَقَةٍ؛ ولذا قال في "البحر"(١) بعد ذِكْرِ هذا الشَّرْطِ: ((قال في "المبسوط"(٢): فلو أنفَقَ بعد الإِذْن
بالاستِدانَةِ مِن مَالِهِ أو مِنْ صَدَقَةٍ فلا رُجُوعَ له؛ لعدَمِ الحاجةِ))، وحينئذٍ فلا خلافَ [٣/ ق١/٤٨٣]
وسقَطَ الَّنْظِيرُ، أفادَهُ "ط" (٣).
وحاصلُهُ: أنَّ الإِنفاقَ لَّا اسْتَدَانَهُ غيرُ شَرْطٍ، لكِنْ قال "الرَّحِمِيُّ": ((لو أَنفَقَ مِن غيرِهِ، فَإِمَّا
أنْ يكُونَ مِن مالِهِ فلا يَسْتَحِقُّ نفقةً لِغِناهُ بِهِ أو مِنْ مالِ غيرِهِ فهو استِدانةٌ، ويُصَدَّقُ أَنَّه أَنفَقَ مَّا
اسْتَدَانَهُ، لكِنَّ صاحبَ "النّهر" مُؤْلَعٌ بالاعتراضِ على أخِيهِ في غيرِ مَحلِّهِ)) اهـ.
قُلْتُ: لَكِنْ هذا ظَاهِرٌ إذا كان قَبْلَ الاسْتِدَانَةِ، أمَّا بعدَمَا استَدَانَ(٤) وصارَ ما استَدَانَهُ دَيْناً
على المَقْضِيِّ عليه ثُمَّ تصَدَّقَ عليه بِشَيءٍ فَهَلْ تَسقُطُ نفقَتُهُ عن قَرِيِهِ - لأَنَّها تَجِبُ كِفايةً للحاجَةِ
وقد حَصَلَتْ بما صارَ معَهُ مِنِ الصَّلَقَةِ فليس لَهُ أنْ يُنْفِقَ ثَمّا استدَانَهُ حَتَّى يُنْفِقَ ما معَهُ، ولذا لو دَفَعَ
له القريبُ نفقةَ شهْرٍ فمَضَى الشَّهُ وَبَقِيَ معه شَيءٌ لم يُقْضَ لَهُ بأُخْرى ما لم يُنْفِقِ ما بَقِيَ - أم
لا تَسْقُطُ لكَوْنِ مَا اسْتَدَانَهُ صارَ مِلْكَهُ، ولذا لو عَجَّلَ له نفقةَ مُدَّةٍ فمات أحدُهُما قَبْلَ تَمامِ المُدَّةِ
(قولُهُ: أو مِنْ مالِ غيرِهِ فهو استِدانَةٌ إلخ) لا يلزَمُ مِنْ كَونِ ما أنفقَهُ مِنْ مالِ غيرِهِ أنْ يكونَ استِدانَةً؛ إذ
قد يكونُ إباحةً مثلاً.
(قولُهُ: لكنْ هذا ظاهِرٌ إذا كانَ قبلَ الاسْتِدانةِ إلخ) استِدراكٌ على قولِهِ: ((إِمَّا أنْ يكونَ مِنْ مالِهِ)) ثمَّ
المُتْعِنُ هو العمَلُ بما قَالَهُ في "البحرِ": مِنْ أَنَّهُ يُشترَطُ الإنفاقُ مِمَّا استَدَانَهُ، فبدونِهِ لا تصيرُ النَّفَقَةُ دَيناً على
القريبِ، وحينَئِذٍ فلا حاجةً لتردُّدِ "لُحَشِّي" الذي ذكَرَهُ.
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٤/٤ - ٢٣٥.
(٢) "المبسوط": كتاب النكاح - باب النفقة ١٩٦/٥ بتصرف.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨٢/٢.
(٤) في "م": ((استدن))، وهو تحريف.

قسم العبادات
٦٧٠
حاشية ابن عابدين
أو مَن عليه النّفقةُ (بعدَها) أي: الاستدانةِ المذكورةِ (فهي) أي: النَّفقةُ (دَيْنٌ) ثابتٌ
(في تَرِكِتِهِ في الصَّحيح) "بحر"(١)، ثمَّ نقَلَ عن "البزَّازيَّة"(٢) تصحيحَ ما يخالفُهُ، ونقَلَهُ
"المصنّفُ" (٣) عن "الخلاصة"(٤) قائلاً: ((ولو لم تَرجِعْ حتّى ماتَ لم تأخذها من تَرِكِتِهِ،
هو الصَّحِيحُ)) اهـ ملخّصاً، فتأمَّل.
لا يُسْتَرَدُّ شَيءٌ مِنْها اتفاقاً، كما في "البدائع"(٥). ونظيرُهُ: ما مرَّ(٦) في مَوْتِ الزَّوْجةِ أو طَلَاقِها؛ فما
اسْتَدَانَهُ فِي حُكْمِ الْمُعَّلِ فيما يَظْهَرُ؛ فحيثُ مَلَكَهُ فَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ منه أو مِنَ الصَّدقةِ، لكِنْ ليس له
الاسْتِدانةُ ثانياً ما لم يَفْرُغْ جميعُ ما معَهُ لَتَحقَّقَ الحَاجَةُ.
فالحاصِلُ: أَنَّه إذا اسْتَدَانَ بأمْرٍ قاضٍ صارَ مِلْكَهُ، ولذا لو مات القَريبُ بعدَها يُؤْخَذْ مِن
تَرِكَيْهِ ولا يَسْقُطُ بالموْتِ، فلا فَرْقَ حينئذٍ بين أنْ يُنْفِقَ مِنْهُ، أو ثَّا مَلَكَهُ بعد الاستِدانَةِ بصَدَقةٍ أو
غَيْرِها، هذا ما ظَهَرَ لفَهْمِيَ القَاصِرِ، فتأمَّلْهُ.
(١٦٣٧١] (قولُهُ: أو مَنْ عليه النَّفْقَةُ) أي: مِن بقيّةِ الأقارِبِ فالأبُ غيرُ فَيْدٍ.
[١٦٣٧٢) (قولُهُ: دينٌ ثابتٌ في تَرِكَتِهِ) فللأُمِّ أنْ تَأْخُذَها مِن تَرِكَتِهِ "ذخيرة ".
[١٦٣٧٣) (قولُهُ: فتأمَّلْ) أي: عند الفَتْوى ما هُو الأَوْلَى مِن هذَيْنِ القَولَيْن الْمُصَحَّحَيْن.
قُلْتُ: لكِنْ نقَلَ الثَّانِيَ في "الذَّخيرِ" عن "الخَصَّافِ"(٧)، والأوَّلَ عن "الأَصْلِ"، قال "الخيرُ
٦٨٦/٢ الرَّمْلِيُّ": ((وأنت على عِلْمٍ بأنَّ تَصحيحَ "الخصَّافِ " لا يُصادِمُ تَصحيحَ "الأَصْل" مع ما فِيهِ مِنَ
الإِضْرارِ بالنّساء فينبغي أنْ يُعوَّلَ عليه)) اهـ، أي: على ما في "الأَصْل" للإمام "مُحمَّدٍ".
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٥/٤.
(٢) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ١٦٥/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "المنح": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام النفقة ١/ق ١٧٦/أ.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ق ٩٠/أ وعبارتها: ((فإن لم يرجع حتى ماتت
ليس لها ... ))، وهو تحريف.
(٥) "البدائع": كتاب النفقة - فصل: وأما بيان كيفية وجوبها ٣٨/٤.
(٦) المقولة [١٦٠٥٠] قوله: ((وبموت أحدهما وطلاقها)).
(٧) انظر "شرح أدب القاضي": الباب التسعون في نفقة المرأة ٢٣٥/٤.

الجزء العاشر
٦٧١
باب النفقة
وفي "البدائع": ((الممتنعُ من نفقةِ القريبِ المحرَمِ يُضرَبُ ولا يُحبَسُ؛ لفواتِها بُمُضِيِّ
الزَّمن، فُيُستدرَكُ بالضَّرب))،
وفي "شَرْحِ الَقْدِسِيِّ": ((ولو مات مَنْ عليه النَّفْقَةُ الْمُستدَانَةُ بِإِذْنٍ لم تَسقُطْ في الصَّحِيحِ
فُتُؤْخَذُ مِنْ تَرَكَتِهِ، وإِنْ صَحَّحَ في "الخُلاصَةِ"(١) خِلافَهُ)) اهـ.
ووَفَّقَ "ط)(٢) بين القولَيْن بِما لا يَظْهَرُ، وعَزَا ما في "الْن" إلى "الكَنْز" و"الوِقَايَةِ"
و"الإيضاح"، مع أنَّه غيرُ الواقِعِ؛ فإنَّ مسألَةَ الموْتِ مَّا زادَها "لُصنِّفَ" على الْمُنُونِ تَبَعاً لشَيْخِهِ
صاحِبِ "البحر"(٣)، فافهم. [٣/ق٤٨٣ /ب]
[١٦٣٧٤] (قولُهُ: وفي "البدائِعِ" إلخ) تَبِعَ في النَّقْلِ عنها صاحبَ "البحرِ"(٤) و"النّهر"(٥)، والذي
رَأَيتُهُ في "البدائع"(٦) عَكْسُ ذلك؛ فإِنَّه قال: ((ويُحْبَسُ في نفقةِ الأقارِبِ كالزَّوْجَاتِ، أمَّا غيرُ الأَبِ
فلا شَكَّ فيه، وأمَّا الَّبُ فلأَنَّ فِي النَّقةِ ضَرورَةَ دَفْعِ الهلاكِ عن الولَدِ، ولأَنَّها تَسقُطُ بُمُضِيِّ الزَّمانِ،
فلو لم يُحْبَس سَقَطَ حَقُّ الوَلَدِ رَأْساً فكان في حَبْسِهِ دَفْعُ الهَلاكِ واستدراكُ الحَقِّ عن الفَوَاتِ؛ لأنَّ
حَبْسَهُ يَحْمِلُهُ على الأداءِ وهذا لم يُؤْحَد في سائِرِ دُيُونِ الوَلَدِ لأَنّها لا تَقُوتُ، ولهذا قال أصحابنا:
(قولُهُ: والذي رأيتُهُ في "البدائِعِ" عكسُ ذلِكَ إِلخ) والذي ذكَرَهُ "المُحَشِّي" في القَسْمِ: التَّسوِيَّةُ بِينَهُ
وبينَ النَّفَقةِ فِي عَدَمِ الحبْسِ؛ للعِلَّةِ المذكورةِ، وهي تفويتُ الحبْسِ الحقَّ مُدَّتَهُ وإِنْ كانَت العِلَّةُ الأُولى
- أعني: قولَهُ: ((لأنَّ فِي النَّفَقةِ ضرورةَ دفعِ الهلاكِ عن الوَلَدِ)) - لا تُفيدُهُ، وعبارةُ "لَنِ" مع "الشَّارِحِ" في
القَسْمِ: ((فإنْ عادَ إلى الجَورِ بعدَ نهْىِ القاضي عُزِّرَ بغيرِ حبْسٍ، "جَوهَرة"؛ لتفويتِهِ الحقَّ)) اهـ، قالَ
"مُحَشِّهِ": ((ومِثْلُهُ الامتناعُ مِنَ الإنفاقِ على قريِهِ)) اهـ.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ق ٩٠/أ بتصرف.
(٢) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨٢/٢.
(٣) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٥/٤.
(٤) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٥/٤ - ٢٣٦.
(٥) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٦) "البدائع": كتاب النفقة - فصل: وأما بيان كيفية وجوبها الخ ٣٨/٤ بتصرف.

قسم العبادات
٦٧٢
حاشية ابن عابدين
إِنَّ الْمُمْتِعَ مِن القَسْمِ(١) يُضْرَبُ ولا يُحْبَسُ، بخلاف سائِرِ الْحُقُوقِ؛ لأَنَّه لا يُمْكِنُ استِدراكُ هذا
الحقِّ بالحَبْسِ لأَنّه يَقُوتُ بُمُضِيِّ الزَّمانِ فُيُسْتدرَكُ بالضَّرْبِ، بخلاف سائِرِ الْحُقُوقِ)) اهـ، مُلخَّصاً.
وبِه عُلِمَ أنَّ ما ذَكَرَهُ هو حُكْمُ الْمُمْتِعِ عن القَسْم بين الزَّوْجَاتِ.
وقدَّمنا (٢) عن "الذَّخيرةِ": ((لا يُحَبَسُ وَالِدٌ وإِنْ علا فِي دَيْنٍ وَلَدِهِ(٣) وإِنْ سَفَلَ إلاَّ في النّفْقِةِ؛
لأنَّ فيه إتلافَ الصَّغِيرِ))، وسيأتي(٤) في فصْلِ الحَيْسِ التَّصريحُ بذلك، وفي "الكْزِ"(٥): ((لا يُحْبَسُ في
دَيْنٍ وَلَدِهِ إِلَّ إذا أَبِى عن الإنفاقِ عليه))، وذَكَر "المُصنّفُ" هناك(٦) مثلَهُ، وعلى هذا فلا يَصِحُّ أنْ
يُقالَ: إِنَّه يُمْكِنُ أنْ يَسْتَدِيْنَ بأمْرِ القاضي فلا يَلْزَمُ المَذُورُ؛ لأنَّ الكلامَ في الْمُمْتِعِ مِن الإنفاقِ وهو
شامِلٌ للإنفاقِ بالاستِدائَةِ فُيُحْبَسُ لِيُنفِقَ مِن مالِهِ أو لِيَسْتَدِيْن، فافهم. وقولُ "البدائِعِ": ((فلو لم يُحْبَس
سَقَطَ حقُّ الْوَلَدِ رَأْسً)) أي: كُلُهُ، بخلاف ما إذا حُسَ فإنَّ إِنَّمَا يَسْقُطُ حقُّه فِي مُدَّةَ الَحَبْسِ فَقَطْ،
وفي هذا دليلٌ على أنَّ الصَّغَيرَ ليس في حُكْمِ الزَّوجةِ، خِلافً لِمَا مَّ(٧) عن "الزَّيلِعِيِّ"؛ إذ لو كان في
حُكْمِها لكانَ يُمْكِنُ القاضي أنْ يَقْضِيَ عليه بالنَّفقةِ فلا يَسقُطُ مِنْها شيءٌ كسائِرِ دُيُونِ الصَّغِيرِ.
(قولُهُ: وعلى هذا فلا يصحُّ أنْ يُقالَ: إِنَّهُ يُمكِنُ أنْ يَستدينَ بأمرِ القاضِي إلخ) لا يندفِعُ ما قالَهُ
"ط" بهذا، بل بما يَأتي عن "الرَّحمِّ" مِنْ أَنَّهُ قد لا يحِدُ مَنْ يُدِيِّنُهُ، ثُمَّ إِنَّ اعتِراضَهُ إنّما هو على النَّقْلِ
الخُطَأِ، وعلى النَّقلِ الصَّابِ لا اعتراضَ ولا جَوابَ.
(١) عبارة "البدائع": ((أن الممتنع من النفقة)).
(٢) المقولة [١٦٢٠٨] قوله: ((يكتسب أو يتكفف)).
(٣) ((وإن علا في دين ولده)) ساقط من "آ".
(٤) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٢٣٧] قوله: ((وظاهر تقييدهم)).
(٥) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب القضاء - فصل: وإذا ثبت الحق للمدعي أمره بدفع ما عليه ٨٦/٢ بتصرف.
(٦) انظر "الدر" عند المقولة [٢٦٢٣٦] قوله: ((وهل يحبس لمحرمه لو أبى لم أره)).
(٧) المقولة [١٦٣٦٢] قوله: ((زاد "الزيلعي": والصغير)).

الجزء العاشر
٦٧٣
باب النفقة
وقَيَّدَهُ في "النّهر"(١) بحثاً بما فوقَ الشَّهرِ لعدم سقوطِ ما دونَهُ كما مَّ(٢)، ولا يصحُّ
الأمرُ بالاستدانةِ لَيَرجِعَ عليه بعدَ بُلُوغِهِ (و) تجبُ النَّفقةُ بأنواعِها.
[١٦٣٧٥] (قولُهُ: وَقَّدَهُ) أي: قَّدَ عدَمَ الحَبْسِ في نفقة القَريبِ، وهذا مَبِيٌّ على النَّقْلِ الخَطَأِ،
أمَّا على الصَّوابِ الذي نقَلْنَاهُ فلا تقييدَ، ثُمَّ قوْلُهُ: ((بِمَا فوْقَ الشَّهْر)) حقُّهُ - كما في "ط" (٣) - أنْ
يُقالَ: بالشَّهْرِ فما فَوْقَهُ؛ لأنَّ الذي لا يَسْقُطُ هو القليلُ وهو ما دوْنَ شَهْرِ كما مرَّ(٤).
[١٦٣٧٦) (قولُهُ: ولا يَصِحُّ الأمْرُ إِلَخ) في "الَّار خانَّةٌ"(٥): ((امرأةٌ لها ابنٌ صغيرٌ لا مالَ له
ولا للمَرْآةِ فاسْتَدَانَتْ وَأَنفَقَتْ على الصَّغير بِأَمْرِ القاضي فَبَلَغَ لا تَرْجِعُ عليه بذلك)) اهـ، أي:
أَمَرَها القاضي بأنْ تَسْتَدِينَ [٣/ ق ٤٨٤/) وتَرْجِعَ عليه بعد بُلُوغِهِ، كما في "البزَّازِيَّةِ"(٦)، قال في
"المنح"(٧): ((فقد أفاد أنَّه لا يَمْلِكُ الأَمْرَ بالاستِدانَةِ إلَّ إذا كان للصَّغير مَالٌ، أو كان هناك مَنْ
تَجِبُ نفقْتُهُ عليه))
[١٦٣٧٧) (قولُهُ: وَتَجِبُ النَّفقةُ) أي: على المَوَلَى ولو فقيراً "قُهُسْتَانِيّ(٨).
(قولُ "الشَّارِحِ": وَقَّدَهُ في "النَّهِ" إلخ) في "السِّنديِّ" عن "الرَّحميِّ" ما نصُّهُ: ((قولُهُ: وَقَيَّدَهُ فِي
"النّهرِ إِلخ: فُهِمَ مِنْ قَولِهِ: لفواتِها بِمُضِيِّ الزَّمانِ سقوطُها بُضِيِّ المُدَّةِ، ولا تسقُطُ إلَّبُمُضِيِّ المُدَّةِ التي قدَّرَها
القاضي كالشَّهرِ مِثَلاً، وصاحِبُ "البَدائِعِ" أرادَ فواتَها بحضورِ الحاجةِ إليها وفواتَ النّفسِ بِتأخيرِها،
ولا مَعَنَى حِينَئِذٍ لتقييدِها بالشَّهرِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يصِرُ عن الطَّعامِ والشَّرابِ شهراً، فمَتى اضْطُرَّ إلَيْها
يُضرَبُ مَنْ وجَبَتْ عَلَيهِ على تسليمِها، وهو ظاهِرٌ، وقد لا يُوجَدُ مَنْ يُدِيِّنُهُ))، والله أعلمُ.
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.
(٢) صـ ٦٦٣ - "در".
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨٢/٢.
(٤) صـ٦٦٣ - "در".
(٥) "التاتر خانية": كتاب النفقات - الفصل الثالث في نفقة ذوي الأرحام ٢٣٩/٤.
(٦) "البزازية": كتاب النكاح - الفصل التاسع عشر في النفقات ١٦٧/٤ بتصرف. (هامش "الفتاوى الهندية").
(٧) "المنح": كتاب الطلاق - باب في بيان أحكام النفقة ١/ق ١٧٦/أ.
(٨) "جامع الرموز": كتاب الطلاق - فصل في النفقة ٣٥٩/١ بتصرف.

قسم العبادات
٦٧٤
حاشية ابن عابدين
(المملوكِهِ) منفعةً وإنْ لم يَملِكْهُ رقبةً كمُوصَّى بخدمتِهِ، وفي "القنية"(١): ((نفقةٌ
المَبِيعِ على البائع ما دام في يدِهِ، هو الصَّحيح))، واستشكّلَهُ في "البحر"(٢): ((بأنّه
لا مِلكَ له رقبةً ولا منفعةً».
مطلبٌ في نفقة المَمْلُوك
[١٦٣٧٨] (قولُهُ: لِمَمْلُوكِهِ) أي: بِقَدْرِ كِفَايَتِهِ مِن غَالِبِ قُوْتِ البَلَدِ وإِدَامِهِ، وكذا الكِسْوَةُ،
ولا يَجُوزُ الاقتصارُ فيها على سَتْرِ العَوْرةِ، ولا يَلزَمُ السَّيِّدَ إِنْ تَنَعَّم على أنْ يَدْفَعَ له مِثْلَهُ بل
يُسْتحبُّ، ولو قَتَّرَ على نفْسِهِ شُخّاً أو رِياضَةً لَزِمَهُ الغالِبُ فِي الأَصحِّ، ويُسْتَحَبُّ الَّسويةُ بين عَبْدِهِ
وجَوارِيْهِ في الأصحِّ، وَيَزِيدُ جاريةَ الاستمتاعِ في الكِسْوةِ؛ للعُرْفِ، وعليه شِراءُ ماءِ الطَّهارةِ لهم،
ويَنْبَغِي أَنْ يُحْلِسَهُ لِيَأْكُلَ مِعَهُ "ط"(٣)، مُلخّصاً عن "الهنديَّةِ"(٤).
[١٦٣٧٩] (قولُ: مَنْفعةً) تَميِيزٌ مُحوَّلٌ عن نائِبِ الفاعِلِ، وخرَجَ به المكاَتَبُ؛ لأَنَّه مِالِكٌ
لمنافِعِهِ، ودخَلَ فيه الُدَّرُ وَأُّ الولَدِ؛ فإِنَّهما كالقِنِّ ولو كبيراً(٥) ذَكَراً صحيحاً، ولو لَهُ أبٌّ حاضِرٌ
ولو أَمَةً مُتزوِّجَةً ما لم يُبَوُِّها مَنْزِلَ الزَّوْجِ، كما في "البحر "(٦).
[١٦٣٨٠) (قولُهُ: كمُوْصَىَّ بِخِدْمَتِهِ) إلاَّ إذا مَرِضَ مَرَضاً يَمْنَعُهُ مِن الخِدْمةِ، أو كان صغيراً
لا يَقْدِرُ على الخِدْمةِ فنفقْتُهُ على الموْضَى لَهُ بِالرَّقَةِ حَتَّى يَصِحَّ وَيَبْلُغَ الخِدْمَةَ، "نهر)(٧).
[١٦٣٨١] (قولُهُ: هو الصَّحيحُ) وقَيْلَ: يَرْفَعُ البَائِعُ الأَمْرَ إلى الحاكِمِ فَيَأْذَنُ لَهُ فِي بَيْعِهِ
(١) "القنية": كتاب الطلاق - باب نفقة المماليك ق ٤٨/أ.
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٧/٤.
(٣) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨٢/٢.
(٤) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب السابع عشر في النفقات ٥٦٨/١.
(٥) في "ب" و"م": ((ولو له كبيراً))، وقد أشار المصحح في هامش "م" إلى أنّ الظاهر إسقاطُ(له)، كما هي عبارة
"الأصل" و"آ".
(٦) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٦/٤.
(٧) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ.

الجزء العاشر
٦٧٥
باب النفقة
فينبغي أنْ تَلَزَمَ المشتريَ)). (فإن امتنَعَ فهي في كَسْبِهِ) إنْ قدَرَ بأنْ كان صحيحاً،
ولو غيرَ عارفٍ بصناعةٍ فُيُؤْخِّرُ نفسَهُ كمُعينِ البِنَّاءِ، "بحر"(١). (وإلاّ) ككونِهِ زَمِناً
أو جاريةً لا يُؤْجَّرُ مثلُها.
وإِجارَتِهِ(٢) "قنية"(٣)، وفيها (٤): ((أنَّ نفقةَ الَِيْعِ بِشَرْطِ الخِيَارِ على مَنْ له الِلْكُ فِي العَبْد وَقْتَ
الوُجُوبِ، وقيل: على البائِعِ، وقَيْلَ: يَسْتديْنُ فَيَرْجِعُ على مَنْ يَصِيرُ له المِلْكُ، كصدَقَةِ الفِطْر)) اهـ.
[١٦٣٨٢) (قولُهُ: فينبغي أنْ تَلْزَمَ المُشْتَرِي) تِمَّةُ عِبَارَةِ "البحر"(٥) هكذا: ((وتكُونَ تابعةً
للمِلْكِ كالمَرْهُونٍ، كما بحَثَّهُ بعضُهُم كما في "القُنْةِ"(٦) أيضاً)) اهـ. ومِثْلُهُ في "النّهر"(٧).
والجوابُ: أنَّ المبيعَ باقٍ فِي ضَمانِ البائِعِ، واجِبٌ تَسليمُهُ كالمَغْضُوبِ نفقَتُهُ على الغاصِبِ،
ولا مِلْكَ له فيه رَقَّةً ولا مَنْفِعَةً، ولأنّ قبْلَ القَبْضِ بغرض(٨) العَوْدِ إلى مِلْكِهِ إذا هَلَكَ؛ ولذا يَسْقُطُ
ثَمَنُّهُ "رحميّ".
[١٦٣٨٣] (قولُهُ: كمُعِيْنِ البَّاءِ) هو مَنْ يَعْجِنُ لَهُ الطِّين ويُنَاوِلُهُ ما يَبْنِي بِهِ، وهو تَمْثِيلٌ
للصَّحيحِ غيرِ العارِفِ بِصِناعَتِهِ.
[١٦٣٨٤] (قولُهُ: وإِلاَّ) أي: إنْ لم يكُنْ له كَسْبٌ.
[١٦٣٨٥) (قولُهُ: أو جارِيَةً لا يُؤْجَّرُ مِثْلُها) بأنْ كانَتْ حَسْناءَ يُخْشَى عليها الفِتْنَةُ، والحالُ
أنَّها عاجزَةٌ عن الكَسْبِ حتَّى لو كانَتِ الأَمَةُ قادِرَةً عليه ومعروفةً بذلك؛ بأنْ كانَتْ خَبَّازةٌ
أو غَسَّالَةً تُؤْمَرُ به أيضاً، هكذا قال الإِمام "أبو بَكْرِ البَلْخِيُّ"، و"أبو إسحاقَ" الفقيهُ الحافِظُ
(١) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٨/٤ بتصرف.
(٢) في "م": ((أو إجارته))، وهو الموافق لما في "القنية".
(٣) "القنية": كتاب الطلاق - باب نفقة المماليك ق٤٨ /ب.
(٤) أي: "القنية": كتاب الطلاق - باب نفقة المماليك ق٤٨/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٧/٤.
(٦) "القنية": كتاب الطلاق - باب نفقة المماليك ق٤٨/أ.
(٧) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/أ ..
(٨) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((بعرض))، وهو تحريف.

قسم العبادات
٦٧٦
حاشية ابن عابدين
(أمَرَهُ القاضي ببيعِهِ) وقالا: يَبيعُهُ القاضي، وبه يُفتَى (إِنْ مَحَلاَّ له) وإلاَّ كمُدَّرٍ وأمّ
ولدٍ أُلزِمَ بالإنفاقِ لا غيرُ ..
٦٨٧/٢ "هنديَّة"(١). قال في [٣/ق٤ ٤٨ /ب] "الشُُّ بُلَالَّةِ"(٢): ((فَعُلِمَ أنَّ الأُنُوثَةَ هنا ليسَتْ أَمَارَةَ العَجْزِ بخِلافِها
فِي ذَوِي الأَرْحَامِ)) اهـ.
وتَمامُهُ في "ط)"(٣)، وقدَّمنا(٤) هناكَ عن "الرَّمْلِيِّ": أنَّ البِنْتَ لو كان لها كَسْبٌ لا تَلَمُ نفقْتُها
الأَّبَ.
[١٦٣٨٦] (قولُهُ: أمَرَهُ القاضي) وإِنْ امْتَنَعَ حَبَسَهُ، كما في "الدُّرِّ المنْتَقَى" (٥).
قلْتُ: فلو كان السَّيِّدُ غائباً هل يَبِيْعُهُ القاضي؟ الظَّاهِرُ: نَعَم، كما يأتي(٦) في العَبْد
الوَديعَةِ، وتقدَّمَ(٧) أنَّه لا يَفْرِضُ له القاضي في مالِ سيِّدِهِ الغائِبِ، بخلاف الزَّوجةِ وقَرَابَةٍ
الولادِ.
[١٦٣٨٧] (قولُهُ: وقالا: يَبِعُهُ القاضي) لأَنّهما يَرَيَانِ جَوازَ البَيْعِ على الحُرِّ لأجْلٍ حقِّ الغَيْرِ،
وسيأتي في الحَجْرِ: أنَّ الفَتْوى عليه، فأمَّا "الإِمامُ" فإنَّه لا يَرَى ذلك ولكِنْ يَحْسُهُ "نهر "(٨).
[١٦٣٨٨] (قولُهُ: أُلزِمَ بالإنفاقِ) فإنْ غاب ولا مَالَ لَهُ حاضِرٌ فالظَّاهِرُ: أنَّ القاضيَ يَأْمُرُهُ
بالاستِدانةِ على سيِّدِهِ إِحْياءً لُهْحَتِهِ، ويُحْتَمَلُ: أنْ تَلزَمَ نفقتُهُ على بَيْتِ المالِ كالمُعْتَقِ، تأمَّل.
(١) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب السابع عشر في النفقات ٥٦٨/١ و٥٧٣ بتصرف يسير، نقلاً عن "الفتح".
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطلاق - باب النفقة ٤٢١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٣) انظر "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨٣/٢.
(٤) المقولة [١٦٢٠٢] قوله: ((الفقير)).
(٥) "الدر المنتقى": كتاب الطلاق - باب النفقة ٥٠٥/١ بتصرف (هامش "مجمع الأنهر").
(٦) صـ ٦٧٨ - وما بعدها "در".
(٧) المقولة [١٦١٣٧] قوله: ((فلا تفرض وأخيه)).
(٨) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق ٢٦٢/ب.

الجزء العاشر
٦٧٧
باب النفقة
(عبدٌ لا يُنفِقُ عليه مولاه أكَلَ) أو أخَذَ (من مالٍ(١) مولاه) قَدْرَ كفايتِهِ
(بلا رضاهُ(٢) عاجزاً عن الكسبِ) أو لم يَأْذَنْ له فيه (وإلاَّ لا) يأكلُ، كما لو قَتْرَ
عليه مولاه لا يأكلُ منه بل يَكتسِبُ إِنْ قِدَرَ، "مجتبى"، وفيه: ((تنازَعَا في عبدٍ
أو داَبَّةٍ في أيديهما يُجبران على نفقتِهِ)).
(نفقةُ العبدِ المغصوبِ على الغاصبِ(٣) إلى أنْ يَرُدَّهُ إلى مالكِهِ، فإِنْ طَلَبَ)
الغاصبُ (من القاضي الأمرَ بالنّفقةِ أو البيعِ لا يُجيبُهُ) لأَنَّه مضمونٌ عليه.
[١٦٣٨٩) (قولُهُ: أو أَخَذَ) أي: ثَوْباً يَكْتَسِي به، أو دَرَاهِمَ يَشْتَرِي بها.
[١٦٣٩٠) (قولُهُ: وإلاَّ) أي: إنْ لم يَكُنْ عاجزاً عن الكَسْبِ وأَذِنَ له فيه.
[١٦٣٩١) (قولُهُ: كما لو قّ) أي: ضيّقَ.
(١٦٣٩٢] (قولُهُ: لا يَأْكُلُ مِنْهُ) أي: من مَالِ مَوْلاهُ.
[١٦٣٩٣] (قولُهُ: يُحْبِرَانِ على نفَقَتِهِ) وكذا وَلَدُ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ ادَّعاهُ الشَّريكان، وعليه إذا كَبْرَ
نفقةُ كُلِّ واحدٍ مِنْهما "ط "(٤) عن "الهنديَّةِ"(٥)، ولو أَتْبَتَ أحدُهُما الحَقَّلَهُ لم يَرْجِع عليه الآخَرُ
لِبُّعِهِ؛ حيثُ تَعرَّضَ(٦) لِمَالِ غَيْرِهِ، أو لوُجُوبِهِ عليه بزَعْمِهِ "رَحْمِّ".
[١٦٣٩٤] (قولُهُ: لأَنَّه مَضْمونٌ عليه) فإنَّه لو تَعَّبَ عندَهُ أو هَلَكَ يَضْمَنُ للمالِكِ إلى أنْ يَرُدَّهُ
عليه والرَّدُّ واجبٌ، وإِنْ كان الَالِكُ غائِباً فَمَا بَقِيَ عند الغاصِبِ فهو مُتُبرٌِّ بما يُنْفِقُهُ.
(١) ((مال)) ساقطة من "و".
(٢) في "ب": ((رضا)).
(٣) في "و": ((والغاصب)) بدل ((على الغاصب))، وما أثبتناه من باقي النسخ وهو الموافق لـ "المنح".
(٤) "ط": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٨٣/٢ بتصرف.
(٥) "الفتاوى الهندية": كتاب الطلاق - الباب السابع عشر في النفقات ٥٧٠/١، نقلاً عن "البدائع".
(٦) في "ب": ((فرض)).

قسم العبادات
٦٧٨
· حاشية ابن عابدين
(و) لكنْ (إِنْ خافَ) القاضي (على العبدِ الضَّياعَ باعَهُ القاضي لا الغاصبُ،
وأمسَكَ) القاضي (ثمنَهُ لمالكِهِ).
(طَلَبَ الْمُودَعُ) أو آخِذُ الآبقِ أو أحدُ شريكي عبدٍ غابَ أحدُهما (من
القاضي الأمرَ بالنّفقةِ على عبدِ الوديعةِ) ونحوِها (لا يُجيبُهُ) لئلاً تأكلَهُ النّفقةُ ....
.
[١٦٣٩٥] (قولُهُ: ولكِنْ إِنْ خَافَ إِلى) بأنْ خافَ هَرَبَهُ بِالعَبْدِ أو نَحْوَهُ.
[١٦٣٩٦] (قولُهُ: أو آخِذُ الآبِقِ) ما كان يَنْبغي ذِكْرُهُ على هذا الوَجْه؛ لأنَّ ذلك بَحْثٌ
لصاحبِ "النَّهر" (١) حيثُ قال: ((ونقَلُوا في آخِذِ الآبِقِ إذا طَلَبَ مِن القاضي ذلك، فإِنْ رَأَى
الإنفاقَ أَصْلَحَ أمَرَهُ، وإِنْ خافَ أنْ تَأْكُلَهُ النَّفْقَةُ أَمَرَهُ بِالبَيْعِ، فيُقالُ: إِنَّ أَمْرَهُ بالإِجارَةِ أَصْلَحُ، فِلِمَ
لم يَذْكُرُوهُ؟)) اهـ.
فالمنقولُ في حُكْمِهِ مُخالِفٌ للمُؤْدَعِ والْمُشْتَرَكِ، على أنَّ "الرَّمْلِيَّ" وغيرَهُ أجابَ: بأنَّ
الآبقَ يُخْشَى عليه الإِباقُ ثانياً فالغالِبُ انتفاءُ أَصْلِحَيَّةِ إِجارَتِهِ للغَيْرِ فِلِذَا سَكُتُوا عنه، ثُمَّ بَحَثَ
"الرَّمْلِيُّ": أنَّ الْحُكْمَ دَائِرٌ مع الأَصْلحِيَّةِ حَتَّى فِي الْمُؤْدَعِ لو كان الأَصْلَحَ الإنفاقُ عليه أمَرَهُ به
فلا فرْقَ بينَهُما، تأمَّل)) اهـ
قال في "البحر"(٢): ((وكذلك أي: كالعَبْد الآبِقِ إذا وَجَدَ دأَبَّةً ضالّةً في المِصْرِ أو في غيرِ
المِصْرِ)).
[١٦٣٩٧) (قولُهُ: ونَحْوِها) وهو الآبِقُ والمُشْتَكُ.
[١٦٣٩٨] (قولُهُ: لا يُحِبُهُ إِلَخ) [٣/ ق٤٨٥/ أ] ذكَرَ في "الذَّخيرةِ": أنَّ القاضيَ إنْ رَأَى الانفاقَ
أصْلَحَ أمَرَهُ بذلك، وكذا في اللَّقَيطِ والُّقَطِةِ، وبه عُلِمَ أنَّ المدارَ على الأَصْلَحِيَّةِ.
[١٦٣٩٩] (قولُ: أو أَحَد(٣) شريكي عبد إلخ)(٤) أي فيرفَعُ الشَّرِيكُ الأمْرَ إلى القاضي، ويُقيمُ
(١) "النهر": كتاب الطلاق - باب النفقة ق٢٦٢/ب، وفيه: ((الأجرة)) بدل ((بالإجارة)).
(٢) "البحر": كتاب الطلاق - باب النفقة ٢٣٦/٤.
(٣) في "الأصل" و"آ" و"ب": ((وأحد))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق لعبارة "الدر".
(٤) هذه المقولة حقَّها التّقديمُ على المقولتين السَّابقتين كما هو سياق "الدر"، وهي كذلك في "م".