النص المفهرس
صفحات 701-720
الجزء الأول
٦٨٥
فروع فقهية
(وشعرُ الميتةِ) غيرِ الخنزيرِ.
الصلاة بثيابِ الغنائم قبلَ الغَسل، وتمامُهُ في "الحلبة"(١).
ونقَلَ في "القنية"(٢): (( أنَّ الجلود التي تُدَبَغُ في بلدنا، ولا يُغسّلُ مذبحُها، ولا تُتوقَّى
النجاساتُ في دبغها، ويُلقُونها على الأرض النجسة، ولا يَغسِلونها بعدَ تمام الدَّبغ فهي طاهرةٌ،
يجوزُ اتّخاذُ(٣) الخِفافِ والمكاعِبِ(٤) وغلافِ الكُتب والمِشْطِ والقِراب والدِّلاء رطباً ويابساً)) اهـ
أقولُ: ولا يخفى أنَّ هذا عندَ الشَّكِّ وعدمِ العلم بنجاستها.
[١٨٠٤) (قولُهُ: وشعرُ الميتةِ إلخ) مع ما عُطِفَ عليه خبرُه قولُه الآتي(٥): ((طاهرٌ))، لِما
مَّ(٦) من حديث "الصحيحين" من قوله [١/ق١٥٥ /ب] عليه الصلاةُ والسلام في شاة "ميمونةً":
(( إنما حرُمَ أكُلُها ))(٧)، وفي روايةٍ: (( لحمُها))(٨)، فدلَّ على أنَّ ما عدا اللّحمَ لا يحرُّمُ، فدخلَتِ
الأجزاءُ المذكورة، وفيها أحاديثُ أُخَرُ صريحةٌ في "البحر"(٩) وغيره، ولأنَّ المعهود فيها قبلَ الموت
الطهارةُ، فكذا بعدَه؛ لأَنَّه لا يحِلُّها، وأمَّ قولُهُ تعالى: ﴿مَن يُخِ الْعِظَمَ﴾ الآيةَ [ يس-٧٨] فجوابُه
مع تعريف الموت بأَنَّه وُجوديٌّ أو عدميٌّ، أطالَ فيه صاحبُ "البحر"(١٠)، فراجِعْه.
(قولُهُ: فجوابُهُ مع تعريفِ الموت إلخ) حاصلُ ما أجاب به عن الآيةِ أنَّ المراد بإحيائها ردُّها إلى
ما كانت عليه غضَّةً رطبةً في بدنِ حسَّاسٍ، أو أنَّ المراد بالعظام النَّفوسُ، ويرجعُ الضميرُ إليها على طريقٍ
(١) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ١/ق٢٧٢/ب.
(٢) "القنية": كتاب الطهارة - باب في التطهير النجاسة والدباغ ق٦/ب.
(٣) قوله: (( يجوز اتخاذ إلخ)) لعلَّ سَقَطَ من قلمه صِلَةُ((اتخاذ)) وهو لفظ ((منها)). اهـ مصححه
(٤) ((المكاعب)) جمع ((مِكْعَب)) وِزَان ((مِقْوَد)) وهو الْمَدَاسُ لا يَبْلُغ الكعبين، غير عربي. اهـ "المصباح" مادة ((كعب)).
(٥) صـ ٦٩١ - "در".
(٦) المقولة [١٧٧٥] قوله: (( فيصلي به إلخ )).
(٧) تقدم تخريجه ص٦٧٦ -.
(٨) أخرج هذه الرواية أحمد ٣٦٥/١، والطبراني في "الكبير" ٤٢٨/٢٣، وعبد بن حميد صـ٢١٨ - رقم (٦٥١).
(٩) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١١٤/١.
(١٠) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١١٥/١-١١٦.
قسم العبادات
٦٨٦
حاشية ابن عابدين
على المذهب (وعظمُها وعَصْبُها)
وذكَرَ ذلك في بحث المياه لإفادةِ أَنَّه إذا وقعَ فيها لا يُنجِّسُها، وفي "القُهُستانيِ)) (١): ((الميتةُ: ما
زالتْ روحُه بلا تذکیةٍ )).
١٣٧/١
[١٨٠٥] (قولُهُ: على المذهبِ) أي: على قولِ "أبي يوسف" الذي هو ظاهرُ الرواية: إنَّ شعرَه
نجسّ، وصحَّحَهُ في "البدائع"(٢)، ورجَّحَهُ في "الاختيار"(٣)، فلو صلَّى ومعه منه أكثرُ من قَدْرِ
الدرهم لا تجوزُ، ولو وقعَ في ماءٍ قليلٍ تَجْسَه، وعند "محمَّدٍ" لا يُنجِّسُه، أفاده في "البحر "(٤).
وذكَرَ في "الدُّرر"(٥): (( أَنَّه عند "محمَّدٍ" طاهرٌ لضرورة استعماله، أي: للخرَّازين ))، قال
العلاَّمة "المقدسيُّ": (( وفي زماننا استغنَوا عنه))، أي: فلا يجوزُ استعمالُه لزوالِ الضَّرورة الباعِثة
للحُكم بالطَّهارة، "نوح أفندي".
الاستخدام، أو الكلامُ على تقديرِ مضافٍ، أي: أصحابُ العظام، وقال: ((الموتُ عند أهل السنَّةِ أمرٌ وجوديٌّ
ضدُّ الحياة؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَوَةَ﴾ [الملك-٢]، وعند المعتزلةِ عدميٌّ، وهو زوالُ الحياة)).
(قولُهُ: أي: فلا يجوزُ استعمالُهُ لزوالِ الضَّرورة إلخ) سيأتي له عن "ط" ردُّ ما قالَهُ في "النهر" في بيانِ
ثمرة الاختلاف في خُرءِ الحمام والعصفور هل هو طاهرٌ أو معفوٌّ عنه؟ (( من أَنَّها تظهرُ فيما لو وجَدَها في
ثوبٍ وعنده ما هو خالٍ عنه لا تجوزُ الصلاة على العفوِ لانتفاءِ الضرورة، وتجوزُ على الطهارة))، قال
"ط": (( فيه نظرً؛ إذ مقتضاهُ عدمُ جواز التطهُّر بهذا الماءِ حيث وُجِدَ غيرُهُ)) اهـ. فمقتضى ما قالَهُ "ط" أَنَّه
بزوالِ الضَّرورة الداعيةِ للطهارة لا تعودُ النجاسة، وهو الظاهرُ؛ إذ الضرورةُ هي علَّةٌ لقولِ الشَّارع
بالطهارة على ما قال "محمَّدٌ"، وبعد قوله علينا اتّباعُهُ حتَّى يوجدَ منه ما يدلُّ على النجاسةِ، ولذلك قال
"محمَّدٌ" بعدم فسادِ الماء وبصحَّةِ صلاة الحامل مع عدم وجود الضَّرورةِ حقيقةً.
(قولُ "المصنّفِ": وعَصَبُها) العصبُ: أطنابُ المفاصل، "ُهُستاني".
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٤/١.
(٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٣/١.
(٣) "الاختيار": كتاب الطهارة ١٦/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١١٣/١.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٤/١.
الجزء الأول
٦٨٧
فروع فقهية
على المشهورِ (وحافرُها وقَرنُها) الخاليةُ عن الدُّسومة، وكذا كلُّ ما لا تَحُلُّه الحياةُ
حتى الإِنْفَحَةُ واللَّنُ.
[١٨٠٦) (قولُهُ: على المشهورِ) أي: من طهارة العَصَب كما جزَمَ به في "الوقاية"(١)
و "الدُّرر"(٢) وغيرِهما، بل ذكَرَ في "البدائع"(٣) - وتَبِعَهُ في "الفتح"(٤) -: ((أَنَّه لا خلافَ فيه))،
لكنْ تعقّبُه في "البحر"(٥): (( بأَنَّ في "غاية البيان" ذكَرَ فيه روايتين، إحداهما: أنَّه طاهرٌ؛ لأنّه
عظْمٌ، والأخرى: أنَّه نجسرٌ؛ لأنَّ فيه حياةً، والحسُّ يقعُ به، وصحَّحَ في "السراج"(٦) الثانيةَ )).
[١٨٠٧) (قولُهُ: الخاليةُ عن الدُّسُومَةِ) قيدٌ للجميع كما في "القُهُستاني)"(٧)، فخرَجَ الشَّعرُ
المنتوفُ وما بعده إذا كان فيه دُسومةٌ.
[١٨٠٨) (قولُهُ: وكذا كلُّ ما لا تَحُلُّه الحياةُ) وهو ما لا يتألَّمُ الحيوانُ بقطعه كالرِّيشِ والمنقار
والظّلْف.
[١٨٠٩) (قولُهُ: حتى الإِنْفَحَةُ) بكسر الهمزة، وقد تُشدَّدُ الحاءُ، وقد تُكسَرُ الفاءُ، والِنْفَحَةُ
(قولُهُ: قيدٌ للجميع كما في "القُهُستانيّ") عبارتُهُ بعد أنْ حكَمَ بالطهارة على شعر الميتة
ونحوه: (( والأشياءُ مقيَّدةٌ باليُبوسة بلا دسومةٍ، وإلاَّ فنجسةٌ)) اهـ.
وقال "السِّنديُّ" بعد قوله: ((الخاليةِ عن الدَّسومة)): (( فلو لم تكن خاليةً فهي متنجِّسةٌ بها،
وتطهُرُ بالجفاف كما في "الخانَيَّة"، ومثلُها الشَّعرُ المنتوف، وعبارةُ "الخانَيَّة" في فصلِ البئر: وعظمُ الميتة
(١) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة ١٧/١ (هامش "كشف الحقائق").
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٤/١.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٣/١.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٨٤/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١١٢/١ وما بعدها.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٤٢/أ.
(٧) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٤/١.
قسم العبادات
٦٨٨
حاشية ابن عابدين
على الراجح.
والبِنْفَحَة شيءٌ واحدٌ يُستخرَجُ من بطنِ الجدْىِ الرَّاضع، أصفرُ، فُعصَرُ في صوفةٍ، فيغلُظُ به
الجبنُ، فإذا أكَلَ الجديُ فهو كَرِشٌ، وتفسيرُ "الجوهريِ)) (١) الإِنْفَحَةَ بالكَرِش سهوٌ،
"قاموس"(٢) بالحرف، فافهم.
[١٨١٠) (قولُهُ: على الرَّاجح) أي: الذي هو قولُ "الإِمام"، ولم أرَ مَنْ صرَّحَ بترجيحه، ولعلَّه
أُخَذَهُ من تقديم صاحبِ "الملتقى" له وتأخيرِه قولَهما كما هو عادتُه فيما يرجِّحُه، وعبارتُه مع
الشرح (٣): [١/ق١٥٦ / أ] ((وإنْفَحَةُ الميتةِ - ولو مائعةً - ولبنُها طاهرٌ كالمذَكَّة خلافاً لهما لتنجُّسها
بنجاسةِ المحلِّ، قلنا: نجاسته لا تؤثِّرُ في حالِ الحياة؛ إذِ اللَّنُ الخارجُ من بين فَرْثٍ ودمٍ طاهرٌ، فكذا
بعد الموت )) اهـ.
ثُمَّ اعلمْ أنَّ الضَّمير في قول "الملتقى": ((وَلَبِنُها )) عائدٌ على الميتة، والمرادُ به اللَّبنُ الذي في
ضَرْعها، وليس عائداً على الإِنْفَحة كما فَهِمَ "المحشِّي"(٤)، حيث فسَّرَها بالجلدة، وعزى إلى
"الملتقى" طهارتها؛ لأنَّ قول "الشارح": ((ولو مائعةً)) صريحٌ بأنَّ المراد بالإِنفحة اللَّبنُ الذي في
◌َ(٥) عن "القاموس".
الجلدة، وهو الموافقُ لِما مر
وقولُه: (( لتنتُّسِها إلخ)) صريحٌ في أنَّ جلدتَها نجسةٌ، وبه صرَّحَ في "الحلبة"(٦)، حيث قال
وصوفُها وشعرُها وقرنُها وظلفُها وحافرُها إذا يَبِسَ ولم تبق عليه دسومةٌ لا يُفسِدُ الماءَ اهـ، فليتنبّه له لغرابته
اهـ "رحمتي")) اهـ. وبهذا عُلِمَ جوابُ حادثة الفتوى، وهي الاّجارُ بريشِ النَّعام بعد نتفِهِ بدون ذکاةٍ.
(١) "الصحاح": مادة((نفح)).
(٢) "القاموس" : مادة((نفح)).
(٣) "الدر المنتقى": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٦٤/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب المياه ق ١٤/ب.
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ١/ق٢٦٦/أ.
الجزء الأول
٦٨٩
فروع فقهية
(وشعرُ الإنسانِ) غيرُ المنتوفِ (وعظمُهُ) وسِنْه ..
بعدَ الَّعليل المارِّ: ((وقد عُرِفَ من هذا أنَّ نفسَ الوعاء نجسٌ بالاتّفاق )) اهـ.
ولدفعٍ هذا الوهمٍ غَيَّرَ العبارةَ في "مواهب الرَّحمن"، فقال: (( وكذا لبنُ الميتةِ وَإِنْفَحْتُها،
وتَجْساها، وهو الأظهرُ إلاَّ أنْ تكونَ جامدةً، فتطهُرُ بالغَسل )) اهـ.
وأفادَ ترجيحَ قولهما، وأَنَّه لا خلافَ في اللَّبن على خلاف ما في "الملتقى" و"الشرح"،
فافهم.
[١٨١١) (قولُهُ: وشعرُ الإنسانِ) المرادُ به ما أُبينَ منه حيَّاً، وإلاّ فطهارةُ ما على الإنسان
مستغنيةٌ عن البيان، وطهارةُ الميت مدْرَجَةٌ في بيان الميتة، كذا نُقِلَ عن "حواشي عصام". والأولى
إسقاطُ ((حيََّ))، وعن "محمَّدٍ" في نجاسةِ شعرِ الآدميِّ وظفره وعظْمِه روايتان، والصَّحيحُ الطَّهارةُ،
"سراج"(١).
[١٨١٢] (قولُهُ: غيرُ المنتوفِ) أمَّا المنتوفُ فنجِسٌ، "بحر "(٢). والمرادُ رؤوسُه التي فيها
الدُّسُومةُ.
أقولُ: وعليه فما يبقى بين أسنان المِشْط يُنِّسُ الماءَ القليل إذا بُلَّ فيه وقتَ التَّسريح، لكنْ
يُؤخَذُ من المسألة الآتية(٣) - كما قال "ط " (٤) -: (( أنَّ ما خرجَ من الجلدِ مع الشعر إنْ لم يبلغْ
مقدارَ الظفر لا يُفسِدُ الماءَ ))، تأمَّل.
(قولُهُ: وأَنَّه لا خلافَ فِي اللَّبَن إلخ) نصَّ على الخلاف في "البحر" في اللَّبن كالْإِنْفَحَة.
(قولُهُ: المرادُ به ما أُبِينَ منه حيّاً) إنما فَيَّدَ بقوله: ((حيًَّ)) لأنَّ طهارةَ شعر الإنسان الميتِ معلومةٌ من
قولهم: وشعرُ الميتة طاهرٌ، وبهذا لا يكون الأَولى إسقاطَ قوله: ((حيًَّ)).
(١) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٤١/ب بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١١/١.
(٣) ص ٦٩٢ - "در".
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١١٤/١.
قسم العبادات
٦٩٠
حاشية ابن عابدين
مطلقاً على المذهب، واختُلِفَ في أذنه، ففي "البدائع": ((نجسة))، وفي "الخانية": ((لا))،
وفي "الأشباه":
[١٨١٣) (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان سِنَّه أو سِنَّ غيرِهِ من حيّ أو ميتٍ، قَدْرَ الدرهم أو
أكثرَ، حمَلَهُ معه أو أثبتَهُ مكانَه كما يُعلَمُ من "الحلبة"(١) و"البحر "(٢).
[١٨١٤] (قولُهُ: على المذهب) قال في "البحر"(٣): ((المصرَّحُ به في "البدائع"(٤) و"الكافي"(٥)
وغيرِهما: أنَّ سِنَّ الآدميِّ طاهرةٌ على ظاهر المذهب، وهو الصحيحُ؛ لأَنَّه لا دمَ فيها، والمنجِّسُ هو
الدَّمُ، "بدائع"(٦). وما في "الذَّخيرة" وغيرها من أنَّها نجسةٌ ضعيفٌ )) اهـ
(١٨١٥] (قولُهُ: ففي "البدائع)"(٧): نجسةٌ) فإِنَّه قال: (( ما أُبينَ [١/ق١٥٦ /ب] من الحيِّ إنْ
كان جزءاً فيه دمٌّ كاليد والأذنِ والأنف ونحوِها فهو نجسٌ بالإجماع، وإلاَّ كالشَّعر والظفر فطاهرٌ
عندنا)). اهـ ملخَّصاً.
[١٨١٦] (قولُهُ: وفي "الخانَّة"(٨): لا) حيث قال: ((صلَّى وأذُنُهُ في كُمِّه، أو أعادَها إلى
مكانِها تجوزُ صلاُه في ظاهر الرِّواية )). اهـ ملخَّصاً.
وعلَّهُ في "التجنيس": ((بأنَّ ما ليس بلحمٍ لا يَحُلُّه الموتُ، فلا يتنجَّسُ بالموت ))، أي:
والقطعُ في حكم الموت، واستشكلَهُ في "البحر"(٩) بما مرّ(١٠) عن "البدائع"، وقال في "الحلبة"(١١).
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ١/ق٢٧١/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١١٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١١٣/١ بتصرف.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٣/١.
(٥) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق٩/ب.
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٣/١.
(٧) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٣/١.
(٨) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٠/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٩) "البحر": كتاب الطهارة ١١٣/١.
(١٠) في المقولة السابقة.
(١١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ١/ق ٢٧١/ب.
الجزء الأول
٦٩١
فروع فقهية
((المنفصلُ من الحيِّ كميتِه إلاَّ في حقِّ صاحبهِ فطاهرٌ وإنْ كَثُرَ))،
((لا شكَّ أنّها ثَمّا تحلُّها الحياةُ، ولا تَعَرَى عن اللَّحم، فلذا أخَذَ الفقيهُ "أبو الليث" بالنجاسة، وأقرَّهُ
جماعةٌ من المتأخّرين)) اهـ
وفي "شرح المقدسيِّ"(١): ((قُلْتُ: والجوابُ عن الإشكال: أنَّ إعادةَ الأذن وإثباتَها(٢) إِنما
يكونُ غالباً بعَوْدِ الحياة إليها، فلا يصدُقُ أنّها مَّ أُبينَ من الحيِّ؛ لأَنّها بعَوْدِ الحياةِ إليها صارتْ
كأَنَّها لم تُبَنْ، ولو فرضْنا شخصاً ماتَ، ثم أُعيدتْ حياتُه معجزةً أو كرامةً لعادَ طاهراً)) اهـ
أقولُ: إِنْ عادَتْ الحياةُ إليها فهو مسَلَّمٌ، لكنْ يبقى الإشكالُ لو صلَّى وهي في كُمِّه مثلاً،
والأحسنُ ما أشار إليه "الشارحُ" من الجواب بقوله: ((وفي "الأشباه" إلخ))، وبه صرَّحٌَ في
"السِّراج(٣)، فما في "الخانَّةُ"(٤) من: ((جوازِ صلاته ولو الأذنُ في كُمِّه لطهارتها في حقّه؛ لأنّها
أذْتُه )) فلا ينافي ما في "البدائع" بعد تقييده بما في "الأشباهِ".
[١٨١٧) (قولُهُ: المنفصِلُ من الحيِّ) أي: ثَّا تَحِلُّه الحياةُ كما مرَّ(٥)، والمرادُ الحيُّ حقيقةً
١٣٨/١ وحكماً(٦) احترازاً عن الحيِّ بعد الذبح كما سيأتي(٧) بيانُه آخرَ كتاب الذبائح إنْ شاء الله تعالى.
(١) هو - والله أعلم - "شرح نظم الكنز"، لابن غانم الشهير بالمقدسي(ت١٠٠٤هـ) وتقدمت ترجمته صـ٣٢١ -.
"و"مُ": (( ثباتها)).
(٢) في "ب" و"م"
* قوله: ((وبه صرح في "السراج")) أي: حيث قال: ((والأذن المقطوعة والسِّنُّ المقطوعةُ طاهرتان في حق صاحبهما
وإنْ كانتا أكثر من قدر الدرهم إلخ )).اهـ منه
(٣) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٤٣/أ.
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٠/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) في "د" زيادة: ((يعني ظاهر الرواية وهو المختار كما في "العناية"، والمراد الحيُّ صورةً وحكماً، أقول: وفي "البحر" في
باب شروط الصلاة: كلُّ عضوٍ من المرأة عورةٌ إذا انفصل عنها هل يجوز النظر إليه؟ فيه روايتان إحداهما: يجوز كما
يجوز النظر إلى ريقها ودمعها، والثانية: لا يجوز وهو الأصحُّ، وكذا الذكر المقطوع من الرجل وشعرُ عانته إذا حلق على
هذا، والأصح أنه لا يجوز. انتهى، وسيأتي في كتاب الذبائح ما هو أوفى من هذا فراجعه)).
(٧) المقولة [٣٢٥٠١] قوله: ((حقيقة وحكماً)).
قسم العبادات
٦٩٢
حاشية ابن عابدين
ويفسُدُ الماءُ بوقوعِ قَدْرِ الظفرِ مِن جلدِهِ لا بالظفر (ودمُ سمكٍ طاهرٌ) واعلمْ أنَّه ......
وفي "الحلبة"(١) عن "سنن أبي داوود" و"الترمذيّ" و"ابن ماجه" وغيرِها ــ وحسَّنَهُ
"الترمذيُ)) (٢) - : «ما قُطِعَ من البهيمة وهي حيَّةٌ فهو ميتٌ) اهـ.
[١٨١٨] (قولُهُ: ويَفْسُدُ الماءُ) أي: القليلُ.
[١٨١٩] (قولُهُ: من جلده) أي: أو لحمِهِ، "مختارات النوازل" (٣). زادَ في "البحر"(٤) عن
"الخلاصة"(٥) وغيرها: (( أو قشرِهِ، وإنْ كان قليلاً مثلَ ما يتناثرُ من شُقوق الرِّجْل ونحوِهِ لا يُفسِدُ
الماءَ )).
[١٨٢٠) (قولُهُ: لا بالظّفْر) أي: لأَنَّه عَصَبٌ، البحر "(٦). وظاهرُه أَنَّه لو كان فيه دُسومةٌ
فحُكمُها كالجلد واللَّحم، تأمَّل.
[١٨٢١] (قولُهُ: ودَمُ سمكٍ طاهرٌ) أَولى من قول "الكنز)"(٧): ((إنَّه معفوٌّ عنه ))؛ لأَنَّه ليس
(قولُهُ: وظاهرُهُ أَنَّه لو كان فيه دسومةٌ إلخ) وقال "السِّنديُّ" نقلاً عن "الرَّحمتيِّ": ((ولم يحترز عن
رطوبةٍ في الظفر؛ لأنَّها إذا لم تبلغ حدَّ السَّيلان فليس بنجسٍ على الأصحِّ)) اهـ.
ويظهرُ أنَّ ما أفسَدَ الماء من الشَّعرِ المنتوفِ ونحوه لا بدَّ أنْ يكون ما فيه من النجاسة يبلغُ حدَّ
السَّيلان، ولذا قالوا: إنَّ الذي مع الشَّعر المنتوف إنْ لم يبلغ قدْرَ الظفر لا يُفسِدُ الماءَ، تأمَّل.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة ١/ق ٢٧١/ب.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٥٨) كتاب الصيد - باب في صيدٍ قُطِعَ منه قطعةٌ، والترمذي (١٤٨٠) كتاب الأطعمة - باب ما
قُطِعَ من الحيِّ فهو ميت، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأحمده/٢١٨ عن أبي واقد الليثي، وأخرجه ابن ماجه
(٣٢١٦) كتاب الصيد - باب ما قطع من البهيمة وهي حية عن ابن عمر رضي ◌ُّه مرفوعاً.
(٣) "مختارات النوازل": كتاب الطهارة - فصل فيما لا يفسد الماء وما يفسده ق٥/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١١٣/١.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السابع فيما يكون نجساً وفيما لا يكون ق ١٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١١٣/١ نقلاً عن "التجنيس".
(٧) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٢٧/١.
الجزء الأول
٦٩٣
فروع فقهية
(ليس الكلبُ بنجسِ العينِ) عند "الإِمام"، وعليه الفتوى وإنْ رجَّحَ بعضُهم النجاسةَ
كما بسَطَهُ "ابن الشِّحنة"(١)، فُباعُ ويُؤخَّرُ ويُضمَنُ ويُتَّخذُ جلدُهُ مصلَّىَّ ودلواً، ولو
أُخرِجَ حيّاً ولم يُصِبْ فمَهُ الماءُ لا يفسُدُ ماءُ البئر ولا الثوبُ بانتفاضِهِ».
بدمٍ حقيقةً بدليلٍ أَنَّه يَبْيَضُّ في الشمس، [١/ق١٥٧ / أ] والدَّمُ يَسْوَدُّ بها، "زيلعي"(٢).
[١٨٢٢] (قولُهُ: ليس الكلبُ بنجِسِ العَين) بل تجاستُه بنجاسة لحمه ودمه، ولا يظهرُ حكمُها
وهو حيٌّ ما دامتْ فِي مَعْدِنِها كنجاسة باطنِ المصلِّي، فهو كغيره من الحيوانات.
[١٨٢٣] (قولُهُ: وعليه الفتوى) وهو الصَّحيحُ والأقربُ إلى الصواب، "بدائع(٣). وهو ظاهرُ
المتون، "بحر "(٤). ومقتضَى عمومِ الأدلّة، "فتح"(٥).
[١٨٢٤) (قولُهُ: فُباعُ إلخ) هذه الفروعُ بعضُها ذُكرَتْ أحكامُها في الكتب هكذا، وبعضُها
بالعكس، والتَّوفيقُ بالتخريج على القولين كما بسَطَهُ في "البحر"(٦).
وما في "الخانَّةُ(٧) من: (( تقييدِ البيع بالمعلَّم)) فالظَّاهرُ أَنَّه على القول الثاني بدليلٍ أَنَّه ذكَرَ:
(( أَنَّه يجوزُ بِيعُ السَِّّور وسباعِ الوحش والطَّير معلّماً كان أوْ لا ))، تأمَّل.
[١٨٢٥] (قولُهُ: ويؤَجَّرُ) الظاهرُ تقييدُه بالمعلَّم ولو لحراسةٍ لوقوع الإجارة على المنافع، ولذا
عقّبَهُ في "عمدة المفتي" بقوله: ((والسَِّّورُ لا يجوزُ؛ لأَنَّه لا يُعلَّمُ)).
[١٨٢٦] (قولُهُ: ويُضمَنُ) أي: لو أتلفَه إنسانٌ ضَمِنَ قيمتَه لصاحبه.
[١٨٢٧) (قولُهُ: ولا الثوبُ بانتفاضِهِ) وما في "الولوالحيَّة"(٨) وغيرها: ((إذا خرجَ الكلبُ من
(١) "تفصيل عقد الفرائد": كتاب الطهارة ق ٢٢/ب.
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ٧٥/١ بتصرف.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٣/١ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٠٧/١.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٨٣/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٠٩/١.
(٧) "الخانية": كتاب البيع - فصل في البيع الباطل ١٣٣/٢ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٨) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الثاني في النجاسة التي تصيب الثوب والبدن ق٣/أ.
قسم العبادات
٦٩٤
حاشية ابن عابدين
ولا بِعَضِّهِ ما لم يُرَ ريقُهُ، ولا صلاةُ حامِلِهِ ولو كبيراً،
الماء وانتفَضَ، فأصابَ ثوبَ إنسانٍ أَفسَدَه، لا لو أصابَهِ ماءُ المطرِ؛ لأنَّ المبْتَلَّ في الأوَّلِ جلدُه،
وهو نجسٌ، وفي الثاني شعرُه، وهو طاهرٌ )) اهـ فهو على القول بنحاسة عينه كما في
"البحر"(١)، ويأتي تمامُهُ قريباً(٢).
[١٨٢٨] (قولُهُ: ولا بِعَضِّه) أي: عضِّ الكلبِ الثوبَ.
[١٨٢٩) (قولُهُ: ما لم يُرَ رِيقُه) فالمعتبرُ رؤيةُ البِلَّة، وهو المختارُ، "نهر"(٣) عن "الصَّرِفَيَّة".
وعلامتُها ابتلالُ يده بأخذه، وقيل: لو عضَّ في الرِّضى نَجْسَه؛ لأَنّه يأخذُه بشفته الرَّطْبة، لا في
الغضب لأخذه بأسنانه.
[١٨٣٠) (قولُهُ: ولا صلاةُ حامِلِه إلخ) قال في "البدائع"(٤): ((قال مشائُنا: من صلَّى وفي
كُمِّه جَرْوٌ تجوزُ صلاته، وقَّدَهُ الفقيهُ "أبو جعفرِ الهِندُوانيُّ" بكونه مشدودَ الفم )) اهـ.
وفي "المحيط": (( صلَّى ومعه جَرْوُ كلبٍ أو ما لا يجوزُ الوضوءُ بسُؤْره قيل: لم يُجُزْء
والأصحُّ أَنَّه إنْ كان فمُه مفتوحاً لم يجزْ؛ لأنَّ لُعَابَه يَسيلُ في كُمِّه فينجُسُ لو أكثرَ من قِدْرِ
الدرهم، ولو مشدوداً بحيث لا يصلُ لعابُه إلى ثوبه جاز؛ لأنَّ ظاهرَ كلِّ حيوانٍ طاهرٌ، ولا يتنجَّسُ
إلاَّ بالموت، ونجاسةُ باطنه في معدته، فلا يظهرُ حكمُها كنجاسة باطن المصلِّي )) اهـ.
والأشبهُ إطلاقُ الجواز عند أمْنِ سيلان القدْر [١/ق١٥٧ /ب] المانع قبل الفراغ من الصلاة
كما هو ظاهرُ ما في "البدائع"، "حلبة"(٥).
وأشار "الشارح" بقوله: ((ولو كبيراً)) إلى أنَّ النَّقييد بالجرْوِ لصحَّةِ التَّصوير بكونه
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٠٨/١.
(٢) المقولة [١٨٣٣] قوله: ((وطهارة شعره)).
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق١٤/ب.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٤/١ بتصرف يسير.
(٥) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ١/ق٣٣٩/ب.
الجزء الأول
٦٩٥
فروع فقهية
وشرَطَ "الحَلْوانيُّ" شدَّ فمِهِ».
في كُمِّه(١) كما في "النهر"(٢) و"شرح المقدسيّ"، لا لِما ظنّهُ في "البحر"(٣) من: (( أنَّ الكبير مأواه
النجاساتُ، فلا تصحُّ صلاةُ حامِله ))، فإِنَّهِ يرِدُ عليه - كما قال "المقدسي" - : (( أنَّ الصغيرَ
كذلك )).
ثم الظَّاهرُ أنَّ التقييد بالحمْل في الكُمِّ مثلاً لإخراج ما لو جلَسَ الكلبُ على المصلّي، فإِنّه لا
يتقيّدُ بربْطٍ فمِهِ لِما صرَّحَ به في "الظهيريَّةِ"(٤): (( من أَنَّ لو جلسَ على حِجْرِه صبيٌّ نوبُه نجسٌ
وهو يستمسكُ بنفسه، أو وقفَ على رأسه حمامٌ نجسٌ جازت صلاُه )) اهـ تأمَّل.
[١٨٣١) (قولُهُ: وشرَطَ "الحَلْوانِيُّ") صوابُه: "الهِندُوانِيُّ" كما مرَّ(٥)، وهو الموجودُ في "البحر "(٦)
(قولُهُ: ثمَّ الظاهرُ أنَّ التقييد بالحمل في الكمِّ إلخ) الظَّاهرُ أَنَّه لا فرق بين الحملِ وغيرِهِ للعموم
المأخوذ مماَ نقَلَهُ عن "المحيط" بقوله: ((صلَّى ومعه جَرْوُ كلبٍ إلخ))، وإذا جلَسَ الكلبُ على المصلّي لا
تصحُّ صلاته كما لو حمَلَهُ أو حَمَلَ خنزيراً، وإذا قلنا بطهارته لا تفسُدُ صلاته ما لم يَصِلْ من لُعابه
للمصلّي القدرُ المانع، وما في "الظهيريَّة" في متنجِّسٍ نجاسةٌ منفصلةً عن معدنِها متّصلةً بطاهرٍ مُستمسِكٍ
بنفسه، فُتُضافُ إليه لا إلى المصلّي.
(قُولُهُ: صوابُهُ "لهندوانيُّ" كما مرَّ) ما مرَّ لا ينافي نسبةَ هذا الشَّرطِ لـ "الحلوانيّ"، بل الذي يظهرُ
الاتّفاقُ عليه على القول بأنَّه طاهرُ العين؛ لأنَّ القصد بكونه مشدودَ الفم أنْ لا يصلَ لعابُهُ للّوب،
وبكونه مفتوحَهُ أنْ يصلَ لعابُهُ له كما يدلُّ عليه عبارة "المحيط" لا مجرَّدُهما، ولا خلافَ في صحَّةٍ
الصلاة في الأُولى وعدمِها في الثانية إذا كان الواصلُ القدرَ المانع.
(١) في "م": (( فمه)) وهو تحريف.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق١٤/ب.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٠٧/١.
(٤) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثالث - الفصل الأول فيما يمنع جواز الصلاة وفيما لا يمنع ق ٦/ب.
(٥) المقولة [١٨٣٠] قوله: ((ولا صلاة حامله )).
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٠٧/١.
قسم العبادات
٦٩٦
حاشية ابن عابدين
ولا خلافَ في نجاسةٍ لحمه وطهارةِ شعره (والمِسْكُ.
و"النهر"(١) وغيرهما.
[١٨٣٢] (قولُهُ: ولا خلافَ في نجاسةٍ لحمِهِ) ولذا أنَّفقوا على نجاسة سؤره المتولِّدِ من لحمه،
فمعنى القول بطهارة عينه طهارةُ ذاته مادام حيّاً، وطهارةُ جلده بالدِّباغ والذَّكاة، وطهارةُ ما لا
تَخُلُّه الحياةُ من أجزائه كغيره من السِّاعِ.
[١٨٣٣] (قولُهُ: وطهارةِ شعرِه) أخذَهُ في "البحر "(٢) من المسألة المارَّة(٣) آنفاً عن "الولوالحيَّة"،
فإِنَّها مبنيّةٌ على القول بنجاسة عينه، وقد صرَّحَ فيها بطهارة شعره، وَمّا في "السراج"(٤): ((أنَّ
جلد الكلب نجسٌ وشعرَهُ طاهرٌ، هو المختارُ )) اهـ؛ لأنَّ نجاسة جلده مبنيّةٌ على نجاسة عينه، فقد
أَتَّفِقَ القولُ بنجاسة عينه والقولُ بعدمها على طهارة شعره.
ويُفهَمُ من عبارة "السراج": أنَّ القائلين بنجاسة عينه اختلفوا في طهارة شعره، والمختارُ
الطهارةُ، وعليه يبتني ذكرُ الاتفاق، لكنَّ هذا مشكلٌ؛ لأنَّ نجاسة عينه تقتضي نجاسةً جميع أجزائه،
ولعلَّ ما في "السِّراج" محمولٌ على ما إذا كان ميتاً، لكنْ ينافيه ما مرَّ(٥) عن "الولوالجَيَّة"، نعمْ قال
في "المنح"(٦): (( وفي ظاهر الرواية أطلَقَ ولم يفصِّلْ))، أي: أنَّه لو انتفَضَ من الماءِ، فأصابَ ثوبَ
إنسان أفسدَهُ سواءٌ كان البللُ وصلَ إلى جلده أوْ لا، وهذا يقتضي نجاسةَ شعره، فتأمَّل.
(قولُهُ: لكنَّ هذا مشكلٌ؛ لأنَّ نجاسة عينه إلخ) قد يُدفَعُ الإشكالُ بأنَّ المراد بنجاسةِ عينه نجاسةٌ
جميع أجزائه ما عدا شعرَه، ثمَّ إنَّ ما وقَعَ في ظاهر الرِّواية من إطلاق النجاسة مقَّدٌ بما إذا أصابَ الماءُ
جلدَهُ لا شعرَهُ على ما هو المختار.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق١٤/ب.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٠٨/١.
(٣) المقولة [١٨٢٧] قوله: ((ولا الثوب بانتفاضه)).
(٤) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٤٣/أ.
(٥) المقولة [١٨٢٧] قوله: ((ولا الثوب بانتفاضه )).
(٦) "المنح": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق١٤/أ.
الجزء الأول
٦٩٧
فروع فقهية
طاهرٌ حلالٌ) فَيُؤْكَلُ بكلِّ حالِ (وكذا نافِحَتُهُ) طاهرةٌ.
[١٨٣٤) (قولُهُ: طاهرٌ حلالٌ) لأَنَّه وإنْ كان دماً فقد تغيََّ، فيصيرُ طاهراً كرماد العَذِرِة،
"خانَّة"(١). والمرادُ بالتغُّرِ الاستحالةُ إلى الطِّبَّة، وهي من المطهِّرات عندنا، وزادَ قولَه: ((حلالٌ))
لأَنّه لا يلزمُ من الطهارة الحلُّ كما في [١/ق١٥٨ /أ] التراب، "منح"(٢). أي: فإنَّ التراب طاهرٌ،
١٣٩/١ ولا يحلُّ أَكُلُه، قال في "الحلبة"(٣): ((وقد صحَّ عن النبي ◌َّ: ((أنَّ المسكَ أطيبُ الطِّيب)) كما
رواه "مسلمٌ" (٤)، وحكى "النوويُّ(٥) إجماعَ المسلمين على طهارته وجوازٍ بيعه )).
[١٨٣٥] (قولُهُ: فُؤْكَلُ بكلِّ حالٍ) أي: في الأطعمة والأدوية لضرورةٍ أَوْ لا، وفي
"القاموس"(٦): ((أَنَّ مقوِّ للقلب، مشجِّعٌ للسَّوداويِّ، نافعٌ للخَفَقان والرِّياحِ الغليظة في الأمعاء
والسُّموم والسُّدَد، باهيٌّ(٧))).
[١٨٣٦] (قولُهُ: وكذا نافِجَتُه) بكسر الفاء وفتح الجيم، وهي جلدةٌ يُجمَعُ فيها المسكُ،
معرَّبُ نافه. اهـ "شيخ إسماعيل"(٨) عن بعض الشروح، لكنْ قال في "المنح"(٩): (( فاؤُها مفتوحةٌ
في أكثر كتب اللُّغة )).
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في النجاسة التي تصيب الثوب أو البدن ٢٤/١ (هامش " الفتاوى الهندية").
(٢) "المنح": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق١٤/أ.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ١/ق٣٤٥/أ.
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٥٢) كتاب الألفاظ من الأدب - باب استعمال المسك - وأنه أطيب الطيب، وأبو داود
(٣١٥٨) كتاب الجنائز - باب المسك للميت، والترمذي (٩٩١) و(٩٩٢) كتاب الجنائز - باب ما جاء في المسك
للميت وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي ٤٠/٤ كتاب الجنائز - باب المسك للميت، عن أبي سعيد الخدري نظـ
الته.
(٥) "شرح صحيح مسلم": ١١/١٥ كتاب الألفاظ - باب استعمال المسك، وأنه أطيب الطيب وكراهة ردِّ الرَّيْحان والطيب.
(٦) "القاموس": مادة ((مسك)).
(٧) أي: يعين على الباه.
(٨) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق١٣١/أ.
(٩) "المنح": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق١٤/ب.
قسم العبادات
٦٩٨
حاشية ابن عابدين
(مطلقاً على الأصحِّ) "فتح"، وكذا الزَّبادُ، "أشباه". لاستحالتِهِ إلى الطِّيَّةِ (وبولُ
مأكولٍ) اللَّحمِ (نجسٌ) نجاسةً مخفّقةً،.
[١٨٣٧) (قولُهُ: مطلقاً) أي: من غير فرق بين رطْبها ويابسها، وبين ما انفصَلَ من المذبوحة
وغيرها، وبين كونها بحالٍ لو أصابها الماءُ فسدتْ أوْ لا. اهـ "إسماعيل"(١) عن "مفتاح
السعادة"(٢).
وبه ظهَرَ أنَّ ما في "الدرر"(٣): ((من أنَّها لو كانت رطبةً من غير المذبوحة ليستْ بطاهرةٍ))
على خلافِ الأصحِّ.
[١٨٣٨) (قولُهُ: "فتح "(٤)) وكذا في "الزيلعيّ" (٥) و"صدر الشريعة"(٦) و"البحر "(٧).
مطلبٌ في المِسك والزَّباد والعنبر
[١٨٣٩] (قولُهُ: وكذا الزَّبَادُ، "أشباه"(٨)) أي: في قاعدة: المشقّةُ تجلِبُ الَّيسير، وكذا العنبرُ
(قولُهُ: أي: من غيرِ فرقٍ بين رطبها ويابسِها) الظاهرُ أنَّ المراد بالرطب ما جَفَّ أوّلاً حتّى وُجِدَ فيه
الدِّباغ الحكميُّ، ثمَّ رَطُبَ بإصابةِ الماء، وليس المرادُ به الرَّطبَ قبله لعدم وجهِ الطهارة حينئذٍ إذا كانت
من ميتةٍ، ولعلَّ هذا هو المرادُ بالرَّطب في عبارة "الدُّرر"، فلا مخالفةَ حينئذٍ، تأمَّل. إلاَّ أنْ يقال: إنَّها تطهُرُ
تبعاً للمسك.
(١) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق١٣٦/أ.
(٢) "مفتاح السعادة": لكمال الدين بن أسايش الشِّرْواني (توفي قبل ٩٩٢هـ). ("كشف الظنون" ١٧٦١/٢، "فهرس
مخطوطات الظاهرية" _ الفقه الحنفي ١٩٤/٢).
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٥/١.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٨٥/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٢٦/١.
(٦) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة ١٧/١ (هامش"كشف الحقائق").
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١١٦/١.
(٨) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القواعد الكلية صـ٧٦ -.
الجزء الأول
٦٩٩
فروع فقهية
كما في "الدر المنتقى"(١)، وذكَرَ في "الفتح"(٢) و"الحلبة"(٣) طهارةَ الزَّباد بحثاً، ولم يَجدا فيه نقلاً،
لكنْ في "شرح الأشباهِ" للعلاّمة "البيري": ((قال في "خزانة الروايات" ناقلاً عن "جواهر
الفتاوى"(٤): الزَّبادُ طاهرٌ، ولا يقال: إنَّه عَرَقُ الهرَّة، وإنَّه مكروهٌ؛ لأَنَّه وإنْ كان عَرَقاً إلاَّ أنَّه تغيَّرَ
وصار طاهراً بلا كراهةٍ ))، وفي "شرح المواهب": (( سمعتُ جماعةً من النِّقات من أهل الخبرة
بهذا يقولون: إنَّه عَرَقُ سِنَّورٍ ))، فعلى هذا يكونُ طاهرً، وفي "المنهاجِيَّة"(٥) من "مختصر
المسائل"(٦): ((المسكُ طاهرٌ؛ لأَنَّه وإنْ كان دماً لكنَّه تغيَّ، وكذا الزَّبادُ طاهرٌ، وكذا العنبرُ ))،
وفي "ألغاز ابن الشِّحنة"(٧): (( قيل: إنَّ المسكَ والعنبر ليسا بطاهرين؛ لأنَّ المسكَ من داَبَّةٍ حَيَّةٍ،
والعنبر خُرْءُ دَبَّةٍ في البحر، وهذا القولُ لا يعوَّلُ عليه، ولا يُلتَفَتُ إليه كما صرَّحَ به "قاضي
خان"(٨)، وأمَّا العنبرُ فالصحيحُ أَنَّه عينٌ في البحر بمنزلة القِير(٩)، وكلاهما طاهرٌ من أطيب
الطِّيب)). اهـ ملخّصاً.
(١) "الدر المنتقى": كتاب الطهارة - الماء المستعمل ٣٣/١ (هامش"مجمع الأنهر").
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الأنجاس وتطهيرها ١٧٩/١.
(٣) "الحلبة": شروط الصلاة - الطهارة من الأنجاس ١/ق٣٤٥/ب.
(٤) "جواهر الفتاوى": لأبي بكر محمد بن عبد الرشيد بن نصر بن محمد، ركن الدين بن أبي المغافر الكَرْماني
(ت ٥٦٥هـ). ("كشف الظنون"٦١٥/١ وفيه ((محمد بن أبي المفاخر بن عبد الرشيد))، "الفوائد البهية"صـ ١٧٦-،
الأعلام ٢٠٤/٦).
(٥) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
(٦) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر.
(٧) "ألغاز ابن الشحنة": كتاب الطهارة صـ ٥٢-٥٣ - المسماة بـ"الذخائر الأشرفية في الألغاز الحنفية"، وتقدمت ترجمتها
صــ٣٧٥ _.
(٨) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الأسار ٢٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٩) ((القير والقار)) لغتان، وهو صُعُد [شَحَرٌ] يذاب فيستخرج منه القار، وهو شيء أسود تُطْلَى به الإبلُ والسفنُ
يَمنع الماء أنْ يدخلَ، وقيل: هو الزّفت. اهـ "لسان العرب" مادة ((قير )).
قسم العبادات
-
٧٠٠
حاشية ابن عابدين
وطهَّرَهُ "محمَّدٌ" (ولا يُشرَبُ) بولُهُ (أصلاً) لا للتَّداوي ولا لغيره عند "أبي حنيفة".
(فروع)
وفي "تحفة ابن حجرٍ"(١): ((وليس العنبرُ رَوْتاً خلافاً لمن زعمَه، بل هو نباتٌ في البحر ))
اهـ. والعلاَّمة "البيري" رسالةٌ سمَّها "السُّؤْل والمراد في جواز استعمال المسك والعنبر والزَّباد"(٢).
[١٨٤٠] (قولُهُ: وطهَّرَهُ "محمَّدٌ") [١/ق١٥٨/ب] أي: لحديث العُرَنِين(٣) الذين رخّصَ لهم
رسولُ الله ﴿ أَنْ يشربوا من أبوال الإبل لسُقْمٍ أصابهم، وعليه فلا يُفسِدُ الماءَ مالم يغلِبْ عليه
فُيُخرِجَه عن الطُّهورية، والمتونُ على قولهما، ولذا قال في "الإمداد"(٤): ((والفتوى على قولهما)).
[١٨٤١) (قولُهُ: لا للتَّداوي ولا لغيره) بيانٌ للَّعميم في قوله: ((أصلاً)).
[١٨٤٢) (قولُهُ: عند "أبي حنيفة") وأمَّا عند "أبي يوسف" فإنّه وإنْ وافَقَهُ على أَنَّه نجسٌ
الحديثٍ: (( استنزِهوا من البول(٥)) إلاَّ أَنَّه أجازَ شربَه للتَّداوي لحديث العُرَنِّين،
(١) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة - باب النجاسة وإزالتها ٢٩٦/١.
(٢) "السُّؤْل والمراد في جواز استعمال المسك والعنبر والزَّباد": لإبراهيم بن حسين المعروف بابن بيري (ت١٠٩٩ هـ).
("خلاصة الأثر" ١٩/١، "هدية العارفين" ٣٤/١).
(٣) أخرجه أحمد في "المسند" ١٠٧/٣ و١٦١ و١٦٣ و١٧٠ و١٧٧ و١٨٦ و ١٩٨ و ٢٠٥ و٢٣٣ و٢٧٨ و٢٩٠، والبخاري
(٢٣٣) كتاب الوضوء - باب أبوال الإبل والدَّواب، ومسلم (١٦٧١) كتاب القسامة - باب حكم المحاربين
والمرتدين، وأبو داود (٤٣٦٤) كتاب الحدود - باب ما جاء في المحاربة، والترمذي (٧٢) كتاب الطهارة - باب ما
جاء في بول ما يؤ كل لحمه، وقال:هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٩٣/٧-٩٤-٩٥ کتاب تحریم الدم - باب
تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤُاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.) الآية، وفيمن نزلت، وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين
لخبر أنس بن مالك فيه، وابن ماجه (٢٥٧٨) كتاب الحدود - باب من حارب وسعى في الأرض فساداً، وابن حبان
في "صحيحه" (١٣٨٦) و(١٣٨٧) و(١٣٨٨) كتاب الطهارة - باب النجاسة وتطهيرها، و(٤٤٦٧) و(٤٤٦٨)
و(٤٤٦٩) و(٤٤٧٠) و(٤٤٧١) و(٤٤٧٢) كتاب الحدود - باب قطع الطريق، عن أنس بن مالك نظُه مرفوعاً.
(٤) "الإمداد": كتاب الطهارة - باب الأنجاس ق٦٧/أ.
(٥) أخرجه عبد بن حميد (٦٤٢) والدار قطني ١٢٨/١ كتاب الطهارة - باب نجاسة البول والأمر بالتنزُّه منه، والطبراني في
"الكبير" (١١١٢٠) من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: ((عامَّةُ عذاب القبر من البول
فتنزَّهوا من البول )). قال الدار قطني: لا بأس به اهـ. وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"١٠٦/١: وإسناده حسن =
الجزء الأول
٧٠١
فروع فقهية
اخْتُلِفَ في التَّداوي بالمحرَّم،.
وعند "محمَّدٍ" يجوزُ مطلقاً، وأجاب "الإِمامُ" عن حديث العرنيين بأنَّه عليه الصلاة والسلام
عَفَ شفاءِهم به وحْياً، ولم يتبقَّنْ شفاءَ غيرهم؛ لأنَّ المرجِعَ فيه الأطْبَّاءُ، وقولُهم ليس بحجّةٍ،
حتى لو تعيّنَ الحرامُ مَدْفعاً للهلاك يحلُّ كالميتة والخمر عند الضَّرورة، وتمامُهُ في "البحر"(١).
مطلبٌ فِي النَّداوي بالمحرَّم
[١٨٤٣) (قولُهُ: اختُلِفَ في الَّداوي بالمحرَّم) ففي "النهاية" عن "الذخيرة": ((يجوزُ إِنْ عَلِمَ
فيه شفاءً، ولم يعلمْ دواءً آخرَ ))، وفي "الخانيّة"(٢) - في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الله
لم يجعلْ شفاءكم فيما حرَّم عليكم)) كما رواه "البخاريُّ"(٣) -: (( أنَّ ما فيه شفاءٌ لا بأس به
(قولُهُ: وعند "محمَّدٍ" يجوزُ مطلقاً) أي: للتَّداوي وغيره لطهارته عنده، وقولُ "محمَّدٍ" مشكلٌ؛ لأنَّ
كثيراً من الطَّاهرِ لا يجوزُ شربه. اهـ "زيلعي". وقال في "النهر": ((هذا مدفوعٌ؛ إذ الكلام في طاهرٍ لا
إيذاءَ فيه بل كان دواءً، على أنَّ المنع في لبنِ الأتان ممنوعٌ، ففي "البزَّازيَّة": لا بأس بالتداوي في لبنِ
الأتان، قال "الصَّدر الشَّهيد": وفيه نظرٌ )) اهـ من "حاشية البحر".
= ليس فيه غيرُ أبي يحيى القتات وفيه لين. وله شاهد من حديث أبي هريرة ◌ّه عن الدار قطني ١٢٨/١، ومن حديث
أنس عند الدار قطني أيضاً ١٢٧/١، وصوَّب الدارقطني إرسالهما، وله شاهد عن عبادة بن الصامت أخرجه البزار
وإسناده حسن، كما في "التلخيص الحبير"١٠٦/١، ومن مرسل الحسن أخرجه سعيد بن منصور، ورواتهُ ثقاتٌ مع
إرساله كما في "التلخيص" أيضاً.
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٢١/١-١٢٢.
(٢) "الخانية": كتاب الحظر والإباحة ٤٠٤/٣ بتصرف، ونقله عن أبي نصر بن سلام.
(٣) أخرجه البخاري تعليقاً موقوفاً على ابن مسعود كتاب الأشربة - باب شراب الحلواء والعسل، وأخرجه مرفوعاً أبو
يعلى (٦٩٦٦)، وابن حبان (١٣٩١) كتاب الطهارة - باب النجاسة وتطهيرها، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥/١٠
كتاب الضحايا - باب النهي عن التداوي بالمسكر، عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً، وذكره الهيثمي في "مجمع
%
الزوائد" ٨٦/٥ وعزاه لأبي يعلى والبزارِ، ثم قال: ورجال أبي يعلى رجالُ الصحيح خلا حسان بن مُخَارِق، وقد
وثّقه ابن حبان. وانظر "التلخيص الحبير" ٧٤/٤ -٧٥.
٥
قسم العبادات
٧٠٢
حاشية ابن عابدين
كما يَحِلُّ الخمرُ للعطشان للضَّرورة ))(١)، وكذا اختارَهُ صاحب "الهداية" في "التجنيس"،
فقال: (( لو رعَفَ، فكتبَ الفاتحةَ بالدَّم على جبهته وأنفِه جاز للاستشفاء، وبالبول أيضاً إِنْ عَلم
فيه شفاءً لا بأس به(٢)، لكنْ لم يُنقَلْ، وهذا لأنَّ الحرمة ساقطةٌ عند الاستشفاء كحِلِّ الخمر والميتة
للعطشان والجائع)). اهـ من "البحر"(٣).
(١) في "الأصل" و"ب" و"م": ((في الضرورة)) وما أثبتناه من "٢" هو الموافق لعبارة "البحر".
(٢) لا يخفى أنَّ الحكمَ بجواز كتابة الفاتحة بالدم أو البول للاستشفاء مقيسٌ على حلِّ الخمر والميتة للعطشان والجائع حال
المخمصة كما سيأتي من عبارة "البحر"، وفي هذا القياس نظر؛ إذ هو قياسٌ مع الفارق، فتناولُ الجائع والعطشان
للميتة والخمر حال المخمصة فيه إحياءً لنفسه وهو متحقّق النفع، بخلاف الطرف الآخر، وقد صرَّح بذلك ابن
عابدين رحمه الله عند الحديث عن التداوي بالمحرَّم في أواخر حاشيته في فصل البيع المقولة رقم [٣٣٢١٨]، فقال:
((قوله: دلَّ عليه إلخ، أقول: فيه نظر؛ لأنَّ إساغة اللقمة بالخمر وشربه لإزالة العطش إحياءً لنفسه متحقِّقُ النفع،
ولذا يأثم بتركه كما يأثم بترك الأكل مع القدرة عليه حتى يموت، بخلاف التداوي ولو بغير محرَّم، فإِنّه لو تركه
حتى مات لا يأثم كما نصُّوا عليه؛ لأَنَّه مظنون كما قدمنا تأمل)).
ثُمَّ إِنَّ الإفتاء بهذا المسألة والحكم بجوازها فيه ما لا يخفى من الامتهان للقرآن الكريم، وهو منافٍ لقوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، ثم إن المشعوذين والدَّجَّالين يجدون بإطلاق الحكم
بالجواز في هذه المسألة ذريعةً لارتكاب المحرَّمات تحت ستار المعالجة بالقرآن الكريم وآياته.
على أنَّ العلاَّمة ابن عابدين رحمه الله ذكر في "عقود اللآلي في الأسانيد العوالي" صـ١٨٧ - أنّه رأى بخط شيخه
محمد شاكر العمري ما نصُّه: ((﴿وَقِيلَ يَتَأَرْضُ الْلَِّى مَآءَكِ وَسَمَاءُ أَفْلِ وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ لا يجوز كتابتها
بدم الرُّعاف على جبهة المرعوف كما يفعله بعض الجهَّال؛ لأنَّ الدَّم نجس، فلا يجوز أنْ يكتب به كلام الله
تعالى)). انتهى كلام الشيخ محمد شاكر العمري.
نقول: ولا يخفى أنَّ عدم تعليق ابن عابدين على كلام الشيخ محمد شاكر العمري تأييدٌ منه لهذا الحكم، والله
تعالى أعلم.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٢٢/١ نقول: عبارة "البحر": ((وفي فتاوى قاضيخان معزياً لنصر بن سلام في معنى
قوله : ((إن الله لم يجعل .... )) والصواب أبو نصر محمد بن سلام، وتقدمت ترجمته صـ٤٦٠ -. على أن صاحب
"البحر" ذكره غير مرة باسمه الصحيح.
الجزء الأول
٧٠٣
فروع فقهية
وظاهرُ المذهب المنعُ كما في رَضاع "البحر"(١)، لكنْ نَقَلَ "المصنّف" ثَمَّةَ، وهنا عن
"الحاوي": ((وقيل: يُرخّصُ إذا عُلِمَ فيه الشفاءُ ..
وأفاد سيِّدي "عبد الغنيّ(٢): ((أَنَّه لا يظهرُ الاختلافُ في كلامهم لاتفاقهم على الجواز
للضَّرورة، واشتراطُ صاحب "النهاية" العلمَ لا يُنافيه اشتراطُ مَنْ بعدَه الشفاءَ، ولذا قال "والدي" في
"شرح الدرر"(٣): إنَّ قوله: لا للتَّداوي محمولٌ على المظنون، وإلاَّ فجوازُه باليقينيِّ اتفاقيٌّ(٤) كما
صرَّحَ به في "المصفَّى")) اهـ.
أقولُ: وهو ظاهرٌ موافِقٌ لِما مرَّ(٥) في الاستدلال لقول "الإِمام"، لكنْ قد علمتَ أنَّ قول
الأَطْبَّاء لا يحصُلُ به العلمُ.
والظَّاهرُ أنَّ الَّجربة يحصلُ بها غَلَبةُ الظَّنِّ دون اليقين، إلاَّ أنْ يريدوا بالعلم غلبة الظنِّ، وهو
شائعٌ في كلامهم، تأمَّل.
[١٨٤٤] (قولُهُ: وظاهرُ المذهب المنعُ) محمولٌ على المظنون كما علمتَه.
[١٨٤٥) (قولُهُ: لكنْ نقَلَ "المصنّف" إلخ) مفعولٌ [١/ق١٥٩/ أ] ((نقَلَ)) قوله: ((وقيل:
يرخِّصُ إلخ ))، والاستدراكُ على إطلاق المنع، و((إذا)) قيدٌ بالمظنون، فلا استدراكَ، ونصُّ ما في
"الحاوي القدسيِّ"(٦): ((إذا سالَ الدمُ من أنف إنسانٍ، ولا ينقطعُ حتى يُخشَى عليه الموتُ،
(قولُهُ: أَنَّه لا يظهرُ الاختلافُ في كلامهم إلخ) لا يظهرُ الاتّفاق إلاَّ في اليقينيِّ حقيقةً لا فيما يشملُ
غلبة الظنِّ كما تفيدُهُ عبارة "الحاوي" الآتية.
(١) "البحر": كتاب الرَّضاع ٢٣٩/٣.
(٢) "نهاية المراد": فصل في بيان الدباغة وما يتبعها صـ٣٢٩ -.
(٣) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق١٣٧/أ.
(٤) في "م": (( اتفاقاً )).
(٥) في المقولة السابقة.
(٦) "الحاوي القدسي": كتاب الاستحسان - باب أنواع متفرقة ق ١٤٩/أ.
قسم العبادات
٧٠٤
حاشية ابن عابدين
ولم يُعلَمْ دواءٌ آخرُ كما رُخْصَ الخمرُ للعطشان، وعليه الفتوى)).
وقد عُلِمَ أنَّه لو كتبَ فاتحةَ الكتاب أو الإخلاصَ بذلك الدمٍ على جبهته ينقطعُ فلا يرخِّصُ له فيه،
وقيل: يرخَّصُ كما رُخّصَ في شرب الخمر للعطشان وأكلِ الميتة في المخْمَصة، وهو الفتوى )) اهـ.
[١٨٤٦] (قولُهُ: ولم يُعلَمْ دواءٌ آخرُ) هذا المصرَّحُ به في عبارة "النهاية" كما مرَّ(١)، وليس في
عبارة "الحاوي"، إلاَّ أنَّه يفادُ من قوله: ((كما رُخِّصَ إلخ))؛ لأنَّ حِلَّ الخمر والميتة حيث لم
يوجدْ ما يقومُ مَقامهما، أفاده "ط" (٢).
قال: ((ونقلَ "الحمويُّ": أنَّ لحمَ الخنزير لا يجوزُ الَّداوي به وإنْ تعَّنَ))، والله تعالى أعلمُ.
١٤٠/١
انتھی بفضل الله ومنّه
الجزء الأول من قسم العبادات
(١) المقولة [١٨٤٣] قوله: ((اختلِفَ في التداوي بالمحرَّم)).
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١١٥/١.