النص المفهرس

صفحات 661-680

الجزء الأول
٦٤٥
باب المیاه
ولو بعكسِهِ فوقَعَ فيه نجسٌ لم يَحُزْ حتى يبلغَ العشرَ، ولو جُمُدَ ماؤه، فَتُقِبَ إن الماءُ ....
وقوله: ((أو ورَدَ عليها)) يشيرُ إلى ما اختاره في "الخلاصة"(١) و"الخانَيَّة"(٢): ((من أنَّ الماء إنْ
دخلَ [١/ق١٤٦/ب] من مكان نجس، أو أَتَّصل بالنجاسة شيئاً فشيئاً فهو نجسرٌ، وإنْ دخَلَ من
مكانٍ ظاهرٍ، واجتمعَ حتى صارَ عشراً في عشرٍ، ثم اَّصل بالنجاسة لا ينحُسُ)).
[١٦٩١) (قولُهُ: ولو بعكسِهِ) بأنْ كان أعلاهُ لا يبلغُ عشراً في عشرٍ، وأسفلُه يبلغُها.
[١٦٩٢] (قولُهُ: حَتَّى يبلغَ العَشرَ) فإذا بلَغَها جازَ وإنْ كان ما في أعلاهُ أكثرَ مَّا في أسفله،
أي: مقداراً لا مساحةً، وفي "البحر"(٣) عن "السراج الهنديّ": ((أَنَّه الأشبهُ)) اهـ.
أقولُ: وكأنّهم لم يعتبروا حالةَ الوقوع هنا؛ لأنَّ ما في الأسفلِ في حكم حوضٍ آخرَ بسبب
كثرته مساحةً، وأَنَّه لو وقعتْ فيه النجاسةُ ابتداءً لم تضرَّهُ بخلاف المسألة الأُولى، تدبّرْ.
وهذه يُلغَرُ فيها، فيقال: ماءٌ كثير وقعتْ فيه نجاسةٌ تنجَّس، ثم إذا قلَّ طُرَ.
بقيَ ما لو وقعتْ فيه النجاسةُ، ثم نقَصَ في المسألة الأولى، أو امتلأ في الثانية، قال "ح)"(٤):
((لم أجدْ حکمه)).
وأقولُ: هذا عجيبٌ، فإنَّه حيثُ حكمْنا بطهارته، ولم يَعرِضْ له ما ينِّسُه هل يُتوهّمُ
نجاسته ؟ نعمْ لو كانت النجاسةُ مرئيَّةً، وكانت باقيةً فيه، أو امتلأ قبل جفافِ أعلى الحوضِ
تنجَّسَ، أمَّا إذا كانت غيرَ مرئيَّةٍ، أو مرئيةً وأُخرِجتْ منه، أو امتلأ بعدَما حُكِمَ بطهارة جوانبٍ
أعلاه بالجفاف فلا؛ إذ لا مُقْتضِيَ للنجاسة، هذا ما ظهَرَ لي.
[١٦٩٣] (قولُهُ: ولو حَمُدَ ماؤه) أي: ماءُ الحوض الكبير، أي: وجهُ الماءِ منه.
[١٦٩٤] (قولُهُ: فُقِبَ) أي: ولم تبلُغْ مساحةُ الثقبِ عشراً في عشرٍ.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق٢/ب.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة بالماء ٦/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨٢/١.
(٤) "ح": كتاب الطهارة - باب المياه ق١٣/ب.

قسم العبادات
٦٤٦
حاشية ابن عابدين
منفصلاً عن الجمَدِ جازَ؛ لأَنَّه كالمسقَّفِ، وإنْ متَّصلاً لا؛ لأَنَّه كالقصعة، حتى لو ولَغَ
فيه كلبٌ تنجَّسَ، لا لو وقَعَ فيه فمات لتسفُلِهِ، ثم المختارُ طهارةُ المتنِّسِ.
[١٦٩٥] (قولُهُ: منفصلاً عن الجَمَد) أي: متسفّلاً عنه غيرَ متّصلٍ به، بحيث لو حُرِّكَ تحرَّكَ.
[١٦٩٦] (قولُهُ: وإنْ مَتَّصلاً لا) أي: لا يجوزُ الوضوءُ منه، وهو قولُ "نصير"(١)
و"الإسكاف"(٢)، وقال "ابن المبارك" و"أبو حفص الكبير"(٢): لا بأس به، وهذا أوسعُ، والأوَّلُ
أحوطُ، وقالوا: إذا حُرِّكَ موضعُ الثقب تحريكاً بليغاً يُعلَمُ عنده أنَّ ما كان راكداً ذهَبَ، وهذا ماءٌ
جديدٌ يجوزُ بلا خلافٍ. اهـ "بدائع"(٤).
وفي "الخانيّة"(٥): ((إِنْ حُرِّكَ الماءُ عند إدخال كلِّ عضوِ مرَّةً جازَ)) اهـ.
والظاهرُ: أنَّ القول الأوَّلَ هو الأشبهُ كما مرَّ(٦) عن "السراج الهنديِّ"، ثم رأيتُه في "المنية(٧)
صرَّحَ: ((بأنَّ الفتوى عليه))، وفي "الحلبة"(٨): ((أنَّ هذا مبنيٌّ على نجاسةِ الماء المستعمَلٍ)).
[١٦٩٧] (قولُهُ: تنجَّسَ) أي: موضعُ الثقب دون المتسفّلِ، فلو تَقَبَ في موضعٍ آخرَ، وأخَذَ
الماءَ منه وتوضَّأَ جازَ كما في "الناتر خانّة"(٩).
[١٦٩٨] (قولُهُ: لا لو وقَعَ فيه إلخ) أي: لا ينجُسُ موضعُ الثقب؛ لأنَّ الموت يحصُلُ غالباً بعدَ
التسفُّلِ، ولا ما تحتَه [١/ق١٤٧ / أ] لكثرته، لكنْ في تصوير المسألة بوقوع الكلب نظرٌ لتنُّسٍ
(١) أبو بكر نُصَيْر بن يحيى البلخي (ت٢٦٨هـ). ("الجواهر المضية"٥٤٦/٣، "الفوائد البهية"صـ ٢٢١-).
(٢) أبو بكر محمد بن أحمد الإسكاف البلخي (ت٣٣٣هـ). ("الجواهر المضية"٧٦/٣، ١٥/٤، "الفوائد البهية"صـ ١٦٠-).
(٣) أبو حفص أحمد بن حفص الكبير البخاري (ت٢٦٤هـ). ("الجواهر المضية ١٦٦/١، "الفوائد البهية "صـ ١٨-).
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في المقدار الذي يصير به المحل نجساً ٧٣/١ بتصرف.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة بالماء ٦/١ بتصرف (هامش"الفتاوى الهندية").
(٦) المقولة [١٦٩٢] قوله: ((حتى يبلغ العشر)).
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ١٠٠ -.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٥/أ.
(٩) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المياه ١٨٠/١ نقلاً عن شمس الأئمة الحلواني.

الجزء الأول
٦٤٧
باب المیاه
بمجرد جریانه،
الثقب بملاقاةِ الماءِ لفمِه وأنفِه، ولذا صوَّرَها في "المنية"(١) بوقوع الشَّاة، وفي "شرحها"(١): ((إذا عُلِمَ
أنَّ الموت حصَلَ في الثقب قبل التسفُّلِ منه، أو كان الحيوانُ الواقع متنِّساً يتنجَّسُ ما في الثقب)).
مطلبٌ: يطهُرُ الحوض بمجرَّدِ الْجَرَیان
[١٦٩٩] (قولُهُ: بمجرَّد جرَيانه) أي: بأنْ يدخُلَ من جانبٍ، ويُخرُجَ من آخرَ حالَ دخوله وإنْ
قلَّ الخارجُ، "بحر "(٢).
قال "ابن الشِّحنة"(٣): ((لأَنَّه صار جارياً حقيقةً، وبخروج بعضِه وقَعَ الشكُّ في بقاء
النجاسة، فلا تبقى مع الشكِ)) اهـ.
وقيل: لا يطهُرُ حتى يخرجَ قدرُ ما فيه (٤)، وقيل: ثلاثةُ أمثاله، "بحر "(٥). فلو خرَجَ بلا دخولٍ -
كأنْ تُقِبَ منه ثقبّ - فليس بجارٍ، ولا يلزمُ أنْ يكونَ الحوضُ ممتلئاً في أوَّلِ وقتِ الدخول؛ لأَنَّه إذا
كان ناقصاً، فدخلَةُ الماءُ حتى امتلأ، وخرج بعضُه طهُرَ أيضاً، كما لو كان ابتداءً ممتلئاً ماءً نجساً كما
حقّقَهُ في "الحلبة"(٦)، وذكَرَ فيها: ((أَنَّ الخارج من الحوض نجسٌ قبل الحكم عليه بالطّهارة)) أهـ.
أقولُ: هو ظاهرٌ على القولين الأخيرين؛ لأنَّه قبل خروجِ المثل أو ثلاثةِ الأمثال لم يُحكَمْ
بطهارة الحوض، فيظهرُ كونُ الخارج نجساً، وأمَّا على القول المختار فقد حُكِمَ بالطهارة بمجرَّدٍ
الخروج، فيكونُ الخارجُ طاهراً، تأمَّل.
ثُمَّ رَأيْتُهُ في "الظهيرِيَّة"(٧)، ونصُّهُ: ((والصحيحُ أَنَّه يطهُرُ وإِنْ لم يخرجْ مثلُ ما فيه، وإِلْ رفَعَ
إنسانٌ من ذلك الماءِ الذي خرجَ، وتوضَّأَ به جاز)) اهـ. فللَّهِ الحمدُ.
(١) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ١٠٠ -.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٨٢/١ بتصرف.
(٣) لم نعثر على هذا النقل في شرح ابن عبد البرّ على "الوهبانية" ولا في ألغازه، ولعله في شرح أبيه على "هداية" المرغيناني.
(٤) هذا القول صححه في "المحيط" وغيره كما في "البحر" ٨٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٨٢/١.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في الحوض ١/ق ١٩٨/ب.
(٧) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - الفصل الثاني فيما يتوضأ به وما لا يتوضأ به ق٣/ب.

قسم العبادات
٦٤٨
حاشية ابن عابدين
وكذا البئرُ وحوضُ الحمَّامِ.
هذا، وفي "القُهُستانيّ))(١).
لكنْ في "الظهيريَّة"(٢) أيضاً: ((حوضٌ نجسٌ امتلأ ماءً، وفارَ ماؤه على جوانبه، وجفّ
جوانبُه لا يطهُرُ، وقيل: يطهُرُ)) اهـ وفيها (٣): ((ولو امتلأ، فتشرَّبَ الماء في جوانبه لا يطهُرُ ما لم
يخرجِ الماءُ من جانبٍ آخرَ)) اهـ.
وفي "الخلاصة"(٤): ((المختارُ أَنَّه يطهُرُ وإِنْ لم يخرجْ مثلُ ما فيه، فلو امتلأ الحوضُ، وخرَجَ
من جانب الشَّطِّ على وجهِ الجريان حتى بلغَ المشجرةَ يطهُرُ، أمَّا قدرَ ذراعٍ أو ذراعين فلا)) اهـ،
فليتأمَّل.
١٧٠٠٦) (قولُهُ: وكذا البئرُ وحوضُ الحمَّام) أي: يطهران من النجاسة بمجرَّدٍ الجريان، وكذا
ما في حكمه من الغَرْف المتدارَك كما مرَّ(٥).
مطلبٌ في إلحاق نحوِ القصعة بالحوض
(تنبيةٌ)
هل يُلحَقُ نحوُ القصعة بالحوض؟ فإذا كان فيها ماءٌ نجسٌ، ثم دخَلَ فيها ماءٌ جارٍ حتى
١٣٠/١
(قولُهُ: لكنْ في "الظهيريَّة" أيضاً إلخ) استدراكٌ على ما أفادَهُ من أنَّ المختار الطهارةُ بمجرَّدِ الخروج
مع أنَّه على القول الأوَّلِ المذكور في "الظهيريَّة" لا يطهُرُ وإِنْ تحقَّقَ الخروجُ من الحوض إلى الجوانب،
وقد يقال: ليس المرادُ بالخروج الذي تتحقَّقُ به الطهارةُ مجرَّدَ الانفصال من الحوض - أي: مَقَرِّ الماء - بل
منه ومن الجوانب، فيكونُ ما في "الظهيريَّة" توضيحاً وبياناً للخروجِ ويكفي الانفضالُ منه على القيلِ
الثاني، وما في "الخلاصة" من اشتراطِ الجريان حتَّى يبلغَ المشجرةَ خلافُ المشهور كما يأتي له.
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ٣٠/١ بتصرف.
(٢) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - الفصل الثاني فيما يتوضأ به وما لا يتوضأ به ق ٤/أ.
(٣) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - الفصل الثاني فيما يتوضأ به وما لا يتوضأ به ق ٤/أ.
(٤) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق٣/أ معزياً إلى الصدر الشهيد.
(٥) صـ ٦٣١ - "در".

الجزء الأول
٦٤٩
باب المیاه
طفَّ من جوانبها هل تطهُرُ هي والماءُ الذي فيها كالحوض، أم لا لعدم الضَّرورة في غَسلها ؟
توقّفتُ فيه مدَّةً، ثم رأيتُ في "خزانة الفتاوى": [١/ق١٤٧/ب] ((إذا فسدَ ماءُ الحوض، فأُخِذَ منه
بالقصعة، وأمسَكَها تحت الأُنبوب، فدخلَ الماءُ، وسالَ ماءُ القصعة، فتوضَّأ به لا يجوز)) اهـ.
وفي "الظهيريَّة"(١) في مسألة الحوض: ((لو خرَجَ من جانبٍ آخرَ لا يطهُرُ ما لم يخرجْ مثلُ
ما فيه ثلاثَ مرَّاتٍ كالقصعة عند بعضهم، والصحيحُ أنَّه يطهُرُ وإنْ لم يخرجْ مثلُ ما فيه)) اهـ.
فالظاهر: أنَّ ما في "الخزانة" مبنيٌّ على خلاف الصحيح، يؤيِّدُه ما في "البدائع"(٢) بعد
حكاية(٣) الأقوال الثلاثة في جريان الحوض، حيث قال ما نصُّه: ((وعلى هذا حوضُ الحمَّام أو
الأواني إذا تنجَّسَ)) اهـ.
ومقتضاه: أَنَّه على القول الصحيح تطهُرُ الأواني أيضاً بمجرَّد الجريان، وقد علَّلَ في
"البدائع"(٤) هذا القولَ: ((بأَنَّه صارَ ماءً جارياً، ولم نستيقِنْ ببقاء النجاسة فيه))، فأتْضحَ الحكمُ،
ولله الحمدُ.
وبقيَ شيءٌ آخرُ سُئِلتُ عنه، وهو: أنَّ دَلْواً تنجَّس، فأفرَغَ فيه رجلٌ ماءً حتى امتلأ، وسالَ
من جوانبه، هل يطهُرُ بمجرَّدٍ ذلك أم لا ؟
والذي يظهرُ لي الطهارةُ أخذاً مما ذكرناه هنا، ومَّما مرَّ(٥) من أَنَّه لا يُشترطُ أنْ يكون
(١) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول - النوع الثاني في الحياض والأنهار ق٣/ب.
(٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان ما يقع به التطهير ٨٧/١.
(٣) في "ب" و"م": ((حكايته)).
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان ما يقع به التطهير ٨٧/١ معزياً إلى أبي جعفر الهندواني وأبي الليث.
** قوله: ((وبقي شيء إلخ)) أقول: رأيت بعد كتابتي لهذا المحلِّ في "حاشية الأشباه والنظائر" في آخر الفن الأول للعلامة
الكفيري التي تلقاها عن شيخه الشيخ إسماعيل الحائك مفتي دمشق ما نصه: مسألة: إذا كان في الكوز ماء متنجِّسٌ،
فصُبَّ عليه ماءٌ طاهرٌ حتى جرى الماء من الأنبوب، بحيث يُعَدُّ جرياناً ولم يتغير الماء فإنّه يُحْكَمُ بطهارته. اهـ. منه.
(٥) صـ ٦٢٤ - "در".

قسم العبادات
٦٥٠
حاشية ابن عابدين
الجريانُ بمدَدٍ، وما يقالُ: إِنَّه لا يُعدُّ فِي العُرف جارياً ممنوعٌ لِما مرَّ(١) من أَنَّه لو سالَ دمُ رِجْله مع
العصير لا ينجُسُ، وكذا ما ذكرَهُ "الشارح" بعدَه(٢): ((من أَنَّه لو حفَرَ نهراً من حوضٍ صغيرٍ، أو
صبَّ الماءَ في طرف الميزاب إلخ))، وكذا ما ذكرناه هناك(٣) عن "الخزانة" و"الذخيرة" من المسائل،
فكلُّ هذا اعتبروه جارياً، فكذا هنا، وأخبرني "شيخُنا"(٤) حفظه الله تعالى: أنَّ بعض أهل عصره في
حلب أفتى بذلك حتى في المائعات، وأَنَّهم أنكروا عليه ذلك.
وأقول: مسألةُ العصير تشهدُ لِما أفتى به، وقد مر(٥) أنَّ حكمَ سائر المائعات كالماء في
الأصحِّ.
فالحاصل: أنَّ ذلك له شواهدُ كثيرةٌ، فمَن أنكرَه وادَّعى خلافَه يحتاجُ إلى إثباتِ مدَّعاه بنقلٍ
صريحٍ، لا بمجرَّدٍ أَنّه لو كان كذلك لذكروه في تطهير المائعات كالزيت ونحوه، على أنّي رأيتُ
بعد ذلك في "القُهُستاني"(٦) أوَّلَ فصل النجاسات ما يدلُّ عليه، حيث ذكَرَ: ((أَنَّ المائع كالماء
والدِّبس وغيرِهما طهارتُه إمَّا يإجرائه مع جنسه مختلطاً به - كما رُوِيَ عن "محمَّدٍ" كما في
"التمرتاشيّ" - وإمَّا بالخَلْط مع الماء كما إذا جُعل الدُّهن في الخابية، ثم صُبَّ فيه ماءٌ مثلُهُ وحُرِّكَ،
ثم تُرِكَ حتى يعلوَ، أو تُقِبَ أسفلُها حتى يخرجَ الماءِ، هكذا يُفْعَلُ ثلاثَ(٧) مرَّاتٍ، فَإِنَّه يطهُرُ كما
في "الزاهديِّ" إلخ)).
فهذا صريحٌ [١/ق١٤٨/أ] بأنّه يطهُرُ بالإجراء نظيرَ ما قدَّمناه(٨) عن "الخزانة" وغيرها:
(١) صـ ٦١٧ - "در".
(٢) صـ ٦٢٦ - "در".
(٣) المقولة [١٦٥٢] قوله: ((في الأصح)).
(٤) أي: الشيخ سعيد الحلبي.
(٥) صـ ٦١٨ - "در".
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - ٥٨/١.
"و"م": ((ثلاثاً)).
(٧) في "ب"و"
(٨) المقولة [١٦٥٢] قوله: ((في الأصح)).

الجزء الأول
٦٥١
باب المیاه
((والمختارُ ذراعُ الكِرْباس، وهو سبعُ قبضاتٍ فقط،
((من أَنَّه لو أجرَى ماءَ إناءَين أحدُهما نجسٌ في الأرض، أو صبَّهما من علٍّ، فاختلطا طهُرا بمنزلة
ماءٍ جارٍ))، نعم على ما قدَّمناه(١) عن "الخلاصة" من تخصيص الجريان بأنْ يكونَ أكثرَ من ذراعٍ أو
ذراعين يتقيَّدُ بذلك هنا، لكنَّهُ مخالِفٌ لإطلاقهم من طهارة الحوض بمجرَّدِ الجريان، هذا ما ظهَرَ
الفكريَ السَّقيم، وفوقَ كلِّ ذي علمٍ عليمٌ.
مطلبٌ في مقدار الذّراع وتعيينه
[١٧٠١] (قولُهُ: والمختارُ ذراعُ الكِرْباس) وفي "الهداية"(٢): ((أنَّ عليه الفتوى))، واختاره في
"الدرر"(٣) و"الظهيريَّة"(٤) و"الخلاصة"(٥) و"الخزانة"، قال في "البحر"(٦): ((وفي "الخانيّة" وغيرها:
ذراعُ المساحة(٧)، وهو سبعُ قَبَضاتٍ، فوقَ كلِّ قبضةٍ أصبعٌ قائمةٌ، وفي "المحيط" و"الكافي"(٨): أنَّه
يُعتبرُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ذراعُهم))، قال في "النهر"(٩): ((وهو الأنسبُ)).
قُلْتُ: لكنْ ردَّهُ في "شرح المنية"(١٠): ((بأنَّ المقصود من هذا التقديرِ غلبةُ الظنِّ بعدم خُلُوص
النجاسة، وذلك لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة)).
[١٧٠٢) (قولُهُ: وهو سبعُ قَبَضاتٍ فقط) أي: بلا أصبعِ قائمةٍ، وهذا ما في "الولوالحيَّة"(١١)،
(١) المقولة [١٦٥٢] قوله: (في الأصح)).
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء ١٩/١.
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٢/١.
(٤) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأول في أحكام الوضوء - الفصل الثاني فيما يتوضأ به وما لا يتوضأ به ق ٤/أ.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٢/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٨٠/١ بتصرف.
(٧) هنا انتهى كلام "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الماء الراكد ٥/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٨) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق ٨/أ.
(٩) "النهر": كتاب الطهارة ق١٢/ب.
(١٠) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في الحياض صـ ٩٨- باختصار.
(١١) "الولوالجية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الحياض والآبار ق ١/ب.

قسم العبادات
٦٥٢
حاشية ابن عابدين
فيكونُ ثمانياً في ثمانٍ بذراعٍ زمانِنا، ثمانِ قبضاتٍ وثلاثُ أصابعَ على القول المفتى به
بالعشر، أي:
وفي "البحر"(١): ((أَنَّ في كثيرٍ من الكتب أنّه ستُّ قَبَضاتٍ ليس فوقَ كلِّ قبضةٍ أصبحٌ
قائمةٌ، فهو أربعٌ وعشرون أصبعاً بعدد حروف لا إلهَ إلاَّ الله، محمدٌ رسول الله، والمراد بالأصبعِ
القائمةِ ارتفاعُ الإبهامِ كما في "غاية البيان")) اهـ. والمرادُ بالقبضة أربعُ أصابعَ مضمومةٍ، "نوح".
أقولُ: وهو قريبٌ من ذراعِ اليد؛ لأنَّه ستُّ قبضاتٍ وشيءٌ، وذلك شِيران.
[١٧٠٣) (قولُهُ: فيكونُ ثمانياً في ثمانٍ) كأنّه نقَلَ ذلك عن "القُهُستاني"(٢) ولم يمتحِنْه،
وصوابُه: فيكونُ عشراً في ثمانٍ.
وبيانُ ذلك: أنَّ القبضة أربعُ أصابعَ، وإذا كان ذراعُ زمانهم ثمانٍ قَبَضاتٍ وثلاثَ أصابعَ
يكونُ خمساً وثلاثين أصبعاً، وإذا ضربتَ العشرَ في ثمانٍ بذلك الذراعِ تبلُغُ ثمانين، فاضربْها في
خمسٍ وثلاثين تبلغْ ألفَين وثمانمائةٍ أُصبِعٍ، وهي مقدارُ عشرٍ في عشرٍ بذراع الكِرْباس المقدَّرِ بسبعٍ
قبضاتٍ؛ لأنَّ الذراع حينئذٍ ثمانيةٌ وعشرون أصبعاً، والعشرُ في عشر بمائةٍ، فإذا ضربتَ ثمانية
(قولُهُ: كأنَّه نقَلَ ذلك عن "القُهُستانيِّ" ولم يَمتحِنه، وصوابُهُ إلخ) قد امتحنَّاه فوجدناه صحيحاً،
وإنما اشتبَهَ عليه الأمرُ من ضربِ بمجموع الأذرُع الحاصلِ من ضربِ الطول في العرض في الخمسة
والثلاثين أصبعاً، واللازمُ أنْ يكون في مريَّعِ الذّراع، أعني: خمسةً وثلاثين في مثلها.
وبيانُ ذلك أن يقال: إنَّ مسطّحَ مائة ذراعٍ من الكِرْباس يبلغُ من الأصابع ٧٨٤٠٠، وذلك بأنْ
تضربَ أوَّلاً طولَهُ في عرضه يبلغ ٧٨٤، اضربْها في مائةٍ يبلغُ ما ذكَرَ، وإذا ضربتَ طول ذراعِ العادة في
عرضِهِ يبلغُ ١٢٢٥، فاضربْها في عددٍ أذرعه يبلغ ٧٨٤٠٠ اهـ، تأمَّل.
ويدلُّ لمساواةٍ عشرةٍ أذرعٍ بالكرباس لثمانيةٍ بالذّراع المعتاد أنَّ كلاً منهما يبلغُ مائتين وثمانين أصبعاً.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٨٠/١.
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٠/١، وعبارته: ((فلو كان وجه الماء ثمانياً في ثمان بذراع
زماننا ثماني قبضات وثلاث أصابع لكان عشراً في عشر)).

الجزء الأول
٦٥٣
باب المیاه
ولو حكماً ليُعُمَّ مَا لَهُ طولٌ بلا عرضٍ في الأصحِّ، وكذا بئرٌ عمقُها عشرٌ فِي الأصحِّ،
وحينئذٍ فلو ماؤها بقدْرِ العَشرِ لم ينحُسْ كما في "المنية"(١)، وحينئذٍ فعمقُ خمس أصابعَ
تقريباً ثلاثةُ آلافٍ.
وعشرين في مائةٍ تبلغُ ذلك المقدارَ.
وأمَّا على ما قاله "الشارح" فلا تبلُغُ ذلك؛ لأَنَّك إذا ضربتَ ثمانياً في ثمانٍ تبلغُ أربعاً
وستّين، فإذا ضربتها في خمسٍ وثلاثين تبلغُ ألفَين ومائتين وأربعين أصبعاً، وذلك ثمانون ذراعاً
بذراع الكرباس، [١/ق١٤٨/ب] والمطلوبُ مائَةٌ، فالصوابُ ما قلناه، فافهم.
[١٧٠٤] (قولُهُ: ولو حُكْمًاً إلخ) تكرارٌ مع قوله: ((ولو له طولٌ لا عرضٌ إلخ))، "ط "(٢).
[١٧٠٥] (قولُ: عُمْقُها) بالفتح وبالضمِّ وبضمَّتَين، قَعرُ البشر ونحوِها، "قاموس" (٣).
[١٧٠٦] (قولُهُ: في الأصحِّ) ذكرَهُ في "المحتبى" و"التمرتاشيّ" و"الإيضاح" و"المبتغى"، وعزاه
في "القنية"(٤) إلى "شرح صدر القضاة"(٥) و"جمع التفاريق"(٦)، وهو متوغّلٌ في الإغراب مخالفٌ لِما
أطلقَه جمهورُ الأصحاب كما في "شرح الوهبائَّةَ"(٧).
[١٧٠٧] (قولُهُ: وحينئذٍ) أي: إذا اعتُبرَ العمقُ بلا سَعٍ.
١٣١/١
[١٧٠٩] (قولُهُ: وحينئذٍ) الأَولى حذفُه لإغناء ما قبلَه عنه.
[١٧٠٨] (قولُهُ: بقدْرِ العَشر) أي: بقدْرِ المربَّع الذي هو عشرٌ في عشرِ.
[١٧١٠] (قولُهُ: فَعُمقُ إلخ) حاصلُه: أنَّه إذا كان غديرٌ عشراً في عشرٍ، عمقُه خمسُ أصابعَ
(١) انظر "شرح المنية الكبير": فصل في أحكام الحياض صـ ٩٧ - ٩٨ -.
(٢) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٨/١.
(٣) "القاموس": مادة: ((عمق)).
(٤) "القنية": كتاب الطهارة - باب في حكم ماء الحياض والآبار ق ٤/أ.
(٥) "شرح الجامع الصغير": لصدر القضاة الإمام العالم. لم يذكروا في ترجمته غير ذلك، انظر "كشف الظنون" ٥٦٢/١،
و"الجواهر المضية" ٤٠٧/٤.
(٦) "جمع التفاريق": لأبي الفضل محمد بن أبي القاسم بن بالجوك، زين المشايخ البَقَّالي الْخوارزمي(ت ٥٦٢هـ، وقيل:
٥٧٢، وقيل: ٥٧٦، وقيل: ٥٨٦). ("كشف الظنون"٥٩٥/١، "تاج التراجم" صـ ٢٣٠-، "الفوائد البهية صـ ١٦١-).
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الزكاة ق ١٢١/أ.

قسم العبادات
٦٥٤
حاشية ابن عابدين
وثلثُمائةٍ واثنا عشرَ مَنَّاً من الماءِ الصافي، ويسعُهُ غديرٌ كلُّ ضلعٍ منه طولاً وعرضاً
وعمقاً ذراعان وثلاثةُ أرباعٍ ذراعٍ ونصفُ إصبعٍ تقريباً، كلُّ ذراعٍ أربعةٌ وعشرون
إصبعاً )) اهـ.
قلت: وفيه كلامٌ؛ إذ المعتمدُ عدمُ اعتبارِ العمق وحدَهُ، فتبصَّرْ.
(ولا يجوزُ بماءٍ) بالمدِّ.
تقريباً كان ماؤه ثلاثةَ آلافٍ إلخ، وقدَّمنا (١) الأقوالَ في مقدار العمق، وليس فيها قولٌ بتقديره
بخمسٍ أصابعَ.
[١٧١١] (قولُهُ: وَتَلْتُمائةٍ) في بعض النسخ: ((وثمانمائةٍ))، والموافِقُ لِما في "القُهُستانيِ) (٢)
الأوَّلُ.
[١٧١٢] (قولُهُ: منّاً) قال في "القاموس"(٣): ((المنُّ: كيلٌ أو ميزانٌ أو رَطلان كالمنا، جمعُه:
أمنانٌ، وجمعُ المنا: أمناءٌ. والرَّطْل بالفتح ويُكسَر: اثنتا عشرةَ أوقيَّةً، والأوقيَّةُ: أربعون درهماً)).
(٤١٧١٣ (قولُهُ: فعمقُ خمسٍ أصابعَ إلخ) الأَولى اعتباره بالأربع؛ لأَنّ المنقولُ كما قدَّمناه(٤)
عن "القُهُستاني"، ولأَنَّه أسهلُ، وعليه فيبلُغُ في المربَّع ما طولُه وعرضُه وعمقُه ذراعان ونصفُ
ذراعٍ وأصبعٌ وثلثُ أصبحٍ، وفي المثلّث ما طولُه وعرضه ثلاثةُ أذرُعٍ وخمسةُ أسداسِ ذراعٍ،
وعمقُه ذراعان ونصفُ ذراعٍ وأصبحٌ وثلثُ أصبعٍ، وفي المدوَّر ما قطرُه وعمقُه ذراعان وإحدى
وعشرون أصبعاً وخمسةُ أسداسِ أصبعٍ، ووزنُ ذلك الماءِ بالقُلَل سبعَ عشرةَ قلَّةً وثلثُ خمسٍ قَلَّةٍ،
والقلّةُ مائتان وخمسون رطلاً بالعراقي، كلٌّ رطلٍ مائةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهماً وأربعةُ أسباعٍ
درهمٍ، وجملةُ ذلك بالرَّطل الشَّامِيِّ في زماننا سبعُمائةٍ رطلٍ وأحدٌ وستون رطلاً وعشرُ أواقٍ
وأحدٌ وخمسون درهماً وثلاثةُ أسباعٍ درهمٍ، كلُّ رطلٍ سبعُمائة درهمٍ وعشرون درهماً.
(١) المقولة [١٦٨٧] (تنبيه).
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٠/١.
(٣) "القاموس": مادة ((منن)) و((رطل)).
(٤) المقولة [١٦٨٧] (تنبيه).

الجزء الأول
٦٥٥
باب المیاه
(زالَ طبعُهُ) وهو السيلانُ والإرواءُ والإِنبات (ب) سببِ (طبخٍ كمَرَقٍ) وماءٍ باقلاء، إلّ
بما قُصِدَ به التنظيفُ كأُشنان وصابونٍ، فيجوزُ إِنْ بقِيَ رَقْته (أو) بماءٍ (اسْتُعمِلَ لـ) أجلٍ
(قُريةٍ)
[١٧١٤) (قولُهُ: زالَ طبعُهُ) أي: وصْفُه الذي خلقَهُ الله تعالى عليه، "ط" (١).
[١٧١٥] (قولُهُ: والإِنباتُ) اقتصَرَ "الواني"(٢) عليه لاستلزامِهِ الإرواءَ دون العكس، فإنَّ
الأشربة تَروي ولا تُنْبِتُ، والماءُ الملحُ طبعُه الإنباتُ، إلاَّ أنَّه عُدِمَ منه لعارضِ كالماء الحارِّ، "ط)(٣).
[١٧١٦] (قولُهُ: بسببِ طبخٍ) أي: بغيره، فمجرَّدُ تسخينِ الماءِ بدون خلطٍ لا يسمَّى
[١/ق ١٤٩/أ] طبخاً، "ط"(٤) عن "أبي السعود"(٥). أي: لأنَّ الطّيخ هو الإنضاجُ استواءً،
"قاموس"(٦).
[١٧١٧] (قولُهُ: وماءٍ باقلاَءٍ) أي: فولٍ، وهو مخقَّفٌ مع المدِّ، ومشدّدٌ وَيُخفّفُ مع القصر كما
في "القاموس"(٧)، ورَسْمُ الأوَّلِ بالألف والثاني بالياء.
[١٧١٨] (قولُهُ: إنْ بقيَ رقّتُه) أمَّا لو صار كالسَّويق المخلوطِ فلا لزوال اسمٍ الماء عنه كما
قدَّمناه(٨) عن "الهداية".
مبحثُ الماء المستعمل
[١٧١٩) (قولُهُ: أو بماءٍ اسْتُعمِلَ إلخ) اعلمْ أنَّ الكلامَ في الماءِ المستعمَل يقعُ في أربعةِ مواضعَ:
(١) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٩/١.
(٢) محمد بن مصطفى الواني الشهير بوان قولي الكوراني الرومي الحنفي (ت١٠٠٠هـ). ( "هدية العارفين" ٢٦٠/٢،
"الأعلام"٩٩/٧). وما ينقله ابن عابدين عن "الواني" فمقصوده حاشيته على الدرر المسمّاة "نقد الدّرر".
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٩/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٩/١ نقلاً عن أبي السعود.
(٥) "فتح المعين": كتاب الطهارة - باب ما يجوز التطهير به وما لا يجوز ٦٣/١.
(٦) "القاموس": مادة ((طبخ)).
(٧) "القاموس": مادة ((بقل))، وقوله: ((مع القصر)) متعلق بـ((مشدد)) كما هو متعلق بـ ((مخفف)).
(٨) المقولة [١٥٨٨] قوله: ((بما لا يقصد به التنظيف)).

قسم العبادات
٦٥٦
حاشية ابن عابدين
أي: ثوابٍ ولو مع رفعٍ حدثٍ، ....
الأوَّلُ: في سببه، وقد أشار إليه بقوله: ((لقريةٍ أو رفعٍ حدثٍ)).
الثاني: في وقت ثبوته، وقد أشار إليه بقوله: ((إذا استقرَّ في مكانٍ)).
الثالث: في صفته، وقد بيَّنَها بقوله: ((طاهرٌ)).
الرابع: في حُكمه، وقد بيَّه بقوله: ((لا مطهٌّ)). اهـ "بحر "(١).
مطلبٌ في تفسير القُربة والثواب
[١٧٢٠] (قولُهُ: أي: ثوابٍ) قدَّمنا(٢) في سنن الوضوء أنَّ القُربة فعلُ ما يُنَابُ عليه بعد معرفةٍ
مَن يتقرَّبُ إليه به وإنْ لم يتوقّفْ على نَّةٍ كالوقف والعتق، وفي "البحر"(٣) عن "شرح الّعاية"(٤):
((أنّها ما تعلّقَ به حكمٌ شرعيٍّ، وهو استحقاقُ الثواب)) اهـ.
وفي "شرح الأشباهِ" لـ "البيري": ((قال علماؤنا: ثوابُ العمل في الأُخرى عبارةٌ عمَّا أوجبَه
الله للعبد جزاءٌ لعمله))، فتفسيرُ "الشارح" القربةَ بالثواب من تفسير الشيء بحكمه، وهو شائع في
كلامهم كما مرَّ(٥)، وهو المتبادِرُ من تعبير "المصنّف" بلام التعليل، أي: لأجل نَيْلِ قريةٍ، نعمْ لو قال
"المصنّف": في قريةٍ لَتَعَّنَ تفسيرُها بالفعل، فافهم.
[١٧٢١] (قولُهُ: ولو مع رفعٍ حدثٍ) يشيرُ به وبقوله الآتي(٦): ((ولو مع قربةٍ)) إلى أنَّ ((أو))
في قوله: ((أو رفعٍ حدثٍ)) مانعةُ الخلوِّ لا مانعةُ الجمع؛ لأنَّ القربة ورفعَ الحدث قد يجتمعان، وقد
ينفرِدُ كلٌّ منهما عن الآخر كما سيظهرُ(٧)، فبينهما عمومٌ وخصوصٌ وجهيٌّ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٢) المقولة [٨٤٧] قوله: (( أي نية عبادة )).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٩٦/١.
(٤) لم نعثر عليها في "شرح القاري على النقاية".
(٥) المقولة [٨٤٧].
(٦) صـ ٦٥٨- "در".
(٧) المقولة [١٧٢٦] قوله: (( أو لأجل رفع حدث )).

الجزء الأول
٦٥٧
باب المیاه
أو مِن مميِّزٍ، أو حائضٍ لعادةِ عبادةٍ، أو غسلِ ميتٍ، أو يدِ لأكلٍ، أو مِنْهُ ..........
[١٧٢٢] (قولُهُ: أو من مميِّزٍ) أي: إذا توضَّأ يريدُ به التطهيرَ كما في "الخانَيَّة"(١)، وهو معلومٌ
من سياق الكلام.
وظاهرُهُ: أَنَّه لو لم يُرِدْ به ذلك لم يصِرْ مستعمَلاً، تأمَّل.
(١٧٢٣] (قولُهُ: أو حائضٍ إلخ) قال في "النّهر"(٢): ((قالوا: بوضوءِ الحائض يصيرُ مستعملاً؛
لأَنَّه يُستحبُّ لها الوضوءُ لكلِّ فريضةٍ، وأنْ تجلسَ في مصلاَّها قدْرَها كيلا تنسى عادتَها، ومقتضى
كلامهم اختصاصُ ذلك بالفريضة، وينبغي أنَّها لو توضَّأتْ لتهجُّدٍ عاديٍّ أو صلاةٍ ضحىٍّ،
وجلستْ في مصلاّها أنْ يصيرَ مستعمَلاً، ولم أره لهم)) اهـ. وأقرَّهُ "الرمليُّ" وغيره.
ووجهُه ظاهرٌ، فلذا جزم به "الشارح"، فأطلَقَ العبادة تَبَعاً لـ "جامع الفتاوى"(٣)، فإِنَّه قال:
((يُستحبُّ [١/ق١٤٩/ب] لها أنْ تتوضَّأ في وقت الصلاة، وتجلسَ في مسجدها تسبِّحُ وتهلِّلُ
مقدارَ أدائها لئلاَّ تزولَ عادةُ العبادة)).
[١٧٢٤) (قولُهُ: أو غسلٍ ميتٍ ) معطوفٌ على: ((رفعِ حدثٍ))، وكونُ غُسالته مستعمَلةً هو
الأصحُّ، وإنما أطلقَ "محمَُّ" نجاستها لأَنّها لا تخلو عن النحاسة غالباً، "بحر"(٤).
أقولُ: قد يُقال: إنَّه مبنيٌّ على ما هو قولُ العامَّة - واعتمده في "البدائع)"(٥) - من أنَّ نجاسة
(قولُهُ: وظاهرُهُ أَنَّه لو لم يُرِدْ به ذلك لم يَصِرْ مستعملاً) بل الظاهرُ أَنَّه يكونُ مُستعمَلاً لرفع
الحدث به.
(قولُهُ: وجلَسَتْ في مصلاّها) يظهرُ أَنَّه غيرُ قيدٍ، بل المدارُ على نَّتِها بالوضوء عادةً العبادةَ.
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الماء المستعمل ١٦/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.
(٣) "جامع الفتاوى": كتاب الطهارة - فصل في الحيض ق٦/أ.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٩٧/١ بتصرف.
(٥) "البدائع": كتاب الصلاة - فصل في الكلام على غسل الميت ٢٩٩/١ بتصرف.

قسم العبادات
٦٥٨
حاشية ابن عابدين
بنيَّةِ السنّةِ (أو) لأجلِ (رفعِ حدثٍ) ولو مع قُربةٍ كوضوءِ مُحدِثٍ ....
الميت نجاسةُ خبثٍ - لأَنَّه حيوانٌ دمويٌّ - لا نجاسةُ حدثٍ، وعليه فلا حاجةً إلى تأويل كلام
"محمَّدٍ"، وسنُوضحُهُ(١) في أوَّلِ فصلِ البئر.
ويجوزُ عطفُه على: ((مٍَّ))، أي: ولو من أجلٍ غسلٍ ميتٍ؛ لأَنَّه يُندَبُ الوضوءُ من غَسل
الميت كما مرَّ(٢).
[١٧٢٥) (قولُهُ: بِنَّة السنَّةِ) قَيَّدَ به في "البحر"(٣) أخذاً من قول "المحيط": ((لأَنَّه أقامَ به قربةً؛
لأَنَّه سنّةٌ)) اهـ.
قال في "النهر "(٤): ((وعليه فينبغي اشتراطُه في كلِّ سِنَّةٍ كغسل الفم والأنف ونحوِهما، وفي
ذلك تردُّدٌ)) اهـ
١٣٢/١
قال "الرَّمليُّ": ((ولا تردُّدَ فيه، حتى لو لم يكنْ جُنُباً، وقصدَ بغسل الفم والأنف ونحوِهما
مجرَّدَ التنظيف لا إقامةَ القربة لايصيرُ مستعمَلاً)).
[١٧٢٦] (قولُهُ: أو لأجلِ رفعٍ حدثٍ ) مُفادُ اللَّم أَنَّه قصَدَ رفعَ الحدث، فيكونُ قربةً أيضاً مع
أنَّ المراد ما هو أعمُّ كما أفاده "الشارح" بقوله: ((ولو مع قربةٍ))، فكان الأَولى أنْ يقول: أو في
رفعٍ حدثٍ، تأمَّل.
[١٧٢٧) (قولُهُ: كوضوءٍ مُحدِثٍ) فإنَّه إنْ كان منويّاً اجتمَعَ فيه الأمران، وإلاَّ- كما لو كان
للتبرُّد - فرفعُ الحدَث فقط.
(قولُهُ: فكان الأَولى أنْ يقول: أو في رفعٍ حدثٍ) بجعلِ اللام لامَ العاقبة على حدٍّ قوله تعالى:
﴿ فَالْتَقَطَهُوءَالْ فِرْعَوْنَ﴾ الآيةَ [ القصص -٨] يندفعُ هذا الإيراد.
(١) المقولة [١٨٥٦] قوله: ((والمسلم المغسول)).
(٢) المقولة [٦٧٥] قوله: ((ذكرتها في "الخزائن" )).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٩٦/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.

الجزء الأول
٦٥٩
باب المیاه
ولو للتبرُّدٍ، فلو توضَّأَ متوضِّىٌّ لتبرُّدٍ أو تعليمٍ أو لطينٍ بيده لم يصِرْ مستعملاً اتّفاقاً
کزیادةٍ علی الثلاث.
[١٧٢٨] (قولُهُ: ولو للتبرُّدِ) قيل: فيه خلافُ "محمَّدٍ" بناءً على أنَّه لا يُستعمَلُ عنده إلاّ
بإقامة القُربة أخذاً من قوله - فيما لو انغمَسَ في البئر لطَلَبِ الدَّلْو - بـ: ((أنَّ الماء طهورٌ))، قال
"السرخسيُّ" (١): ((والصحيحُ عنده استعمالُه بإزالة الحدثِ إلاَّ للضَّرورة كمسألة البئر))، وتمامُهُ
في "البحر"(٢).
[١٧٢٩) (قولُهُ: فلو توضَّأ متوضِّىٌّ إلخ) محترَزُ قول "المصنّف": ((لأجلِ قريةٍ أو رفعٍ حدثٍ))،
لكنْ أُورِدَ أنَّ تعليم الوضوء قربٌ، فينبغي أنْ يصير الماءُ مستعملاً.
وأجاب في "البحر"(٢) - وتبعَهُ في "النهر "(٤) وغيره -: ((بأنَّ التوضِّيَ نفسَه ليس قربةً بل
التعليمُ، وهو أمرٌ خارجٌ عنه، ولذا يحصُلُ بالقول)).
[١٧٣٠] (قولُهُ: أو لطِينٍ) أي: ونحوِهِ كوسَخٍ لعدم إزالةِ الحدث وإقامةِ القربة، وكذا لو
وصلَتْ شعرَ آدميٍّ بِذُؤَايَتِها، فغسلْهُ لم يصِرْ مستعملاً؛ لأَنَّه لم يبقَ له حكمُ البدن بخلاف ما لو
غسَلَ رأسَ مقتولٍ قد بانَ منه، وتمامُهُ في "البحر "(٥).
(قولُهُ: وتمامُهُ في "البحر") قال فيه: ((لأنَّ الرَّس إذا وُجِدَ مع البدن ضُمَّ إليه وصُلِّيَ عليه، فيكونُ
بمنزلة البدن، والشَّعرُ لا يُضَمُّ مع البدن، فبالانفصالِ لم يَبْقَ له حكمُ البدن، فلا تكونُ غُسالته مستعملةً))
اهـ. لكنْ لا يظهرُ القول بالاستعمال فيما لو كان المقتولُ شهيداً لعدمٍ وجود سببه، تأمَّل.
(١) "المبسوط": كتاب الطهارة - باب الوضوء والغسل ٥٣/١.
(٢) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٩٦/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٩٦/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.
(٥) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٩٦/١، ونسوق للتوضيح تتمة كلام "البحر"فإنه قال بعد قوله: قد بان منه: ((صار الماء
مستعملاً؛ لأنَّ الرأس إذا وجد مع البدن ضُمَّ إلى البدن وصُلِّيَ عليه، فيكون بمنزلة البدن، والشعر لا يضم مع البدن،
فبالانفصال لم يبقَ له حكمُ البدن، فلا تكون غُسَالته مستعملة)).

قسم العبادات
٦٦٠
حاشية ابن عابدين
بلا نيَّةِ قُربةٍ، وكغَسلِ نحوِ فخذٍ أو ثوبٍ طاهرِ.
(فائدةٌ)
قال سيِّدي "عبدُ الغنيّ)(١): ((الظَّاهرُ [١/ق١٥٠ /أ) أنَّ المحدِثَ تَكْفيه غَسلةٌ واحدةٌ عن
الطِّين ونحوه، وعن الحدث بخلاف النَّحاسة كما قدَّمناه)).
[١٧٣١) (قولُهُ: بلا نيَّةِ قريةٍ)(٢) بأنْ أراد الزيادةَ على الوضوء الأوَّلِ، وفيه اختلافُ المشايخ،
أمَّا لو أراد بها ابتداءً الوضوءَ صارَ مستعملاً، "بدائع"(٣). أي: إذا كان بعد الفراغ من الوضوء
الأوَّلِ، وإلاّ كان بدعةً كما مرَّ في محلِّه(٤)، فلا يصيرُ الماءُ مستعملاً، وهذا أيضاً إذا اختلف
المجلسُ، وإلاَّ فلا؛ لأَنَّه مكروهٌ، "بحر "(٥). لكنْ قدَّمنا (٦) أنَّ المكروه تكرارُه في مجلسٍ مراراً.
[١٧٣٢) (قولُهُ: نحوِ فخذٍ) أي: ثَمّ ليس من أعضاءِ الوضوء وهو محدِثٌ لا جُنُبٌ، وقيل:
يصيرُ مستعملاً بناءً على القول يُخُلُولِ الحدَث الأصغرِ بكلِّ البدن، وغسلُ الأعضاء رافعٌ عن الكلِّ
تخفيفاً، والراجحُ خلاُقُه، أفاده في "النهر "(٧).
وأفاد سيِّدي "عبدُ الغنيّ"(٨): ((أَنَّ الظاهر أنَّ المرادَ بأعضاء الوضوء ما يشمَلُ المسنونةَ مع نَّةِ
فعلِ السّنّةِ))، تأمَّل.
[١٧٣٣] (قولُهُ: أو ثوبٍ طاهرٍ) أي: ونحوِهِ من الجامداتِ كالقُدُور والقِصاع والّمار،
"ُهُستاني(٩).
(١) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٩٢ - باختصار.
(٢) في "د"زيادة: ((القربة فعلُ ما يثاب عليه بعد معرفة مَنْ يُتَقَرَّبُ إليه به وإن لم يتوقف على نية، كما في "حاشية
الحموي" عن القاضي زكريا)).
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الطهارة الحقيقية ٦٩/١ بتصرف.
(٤) المقولة [٩٧٠] قوله: (( أو لقصد الوضوء على الوضوء)).
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٩٨/١.
(٦) المقولة [٩٧٠] قوله: ((أو لقصد الوضوء على الوضوء)).
(٧) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.
(٨) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٩٢ -.
(٩) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الماء الجائز للوضوء ٣٣/١.

الجزء الأول
٦٦١
باب المیاه
أو داَبَّةٍ تؤكَلُ (أو) لأجلِ (إسقاطِ فرضٍ) هو الأصلُ في الاستعمال كما نَّهَ عليه
"الكمال"،
[١٧٣٤) (قولُهُ: أو داَبَةٍ تؤكَلُ) كذا في "البحر"(١) عن "المبتغى"، قال سيِّدي "عبد الغنيّ"(٢):
((وتقييدُه بالمأكولة فيه نظرٌ؛ لأنَّ غيرَها كذلك لا تُنجِّسُ الماءَ، ولا تسلُبُ طُهورِيَّتَه كالحمار
والفارة وسِباع البهائم التي لم يصلِ الماءُ إلى فمِها)) اهـ. وذكر "الرَّحمتيُّ" نحوَه.
[١٧٣٥] (قولُهُ: أو لأجلِ إسقاطِ فرضٍ) فيه ما في قوله: ((أو لأجلِ رفعٍ حدثٍ))، وهذا
سببٌ ثالثٌ للاستعمال، زاده في "الفتح"(٣) أخذاً من مسألة الحُبِّ المذكورةِ ومن تعليلها المنقول
عن "الإِمام" بسقوطِ الفرض؛ لأنّه ليس بقربةٍ لعدمِ النَّة، ولا رفعِ حدثٍ لعدمٍ تجزِّيه كما يأتي(٤).
[١٧٣٦) (قولُهُ: هو الأصلُ في الاستعمال) أي: هو الأصلُ الذي يُنِيَ عليه الحكمُ بتدّسِ الماءِ،
قال في "الفتح"(٥): ((لأنَّ المعلوم من جهةِ الشَّارِعِ أنَّ الآلةَ التي تُسقِطُ الفرض، وتُقَامُ بها القربةُ
(قولُهُ: قال في "الفتح": لأنَّ المعلوم من جهةِ الشَّارع إلخ) عبارتُهُ في بيان سبب الاستعمال: (( من أنَّه
كلٌّ مِن رفع الحدث والتقرُّب، وعند "زفر": رفعُ الحدث كان معه تقرُّبٌ أَوْ لا، لا يقال: ما ذُكِرَ - يعني:
ما ذكرَهُ مِن دليلِ الاستعمال بقوله: لأنَّ المعلوم من جهةٍ إلى آخرِ ما نقَلَهُ "المحشِّي" عنه - لا ينهضُ على
"زفر"؛ إذ يقولُ: مجرَّدُ القربة لا يُدِنّسُ بل الإسقاطُ، فإنَّ المال لم يتدِّنَّس بمحرَّدِ التقرُّب، ولذا جاز
للهاشميِّ صدقةُ التطوُّع، بل مقتضاه أنْ لا يصيرَ مستعملاً إلاَّ بالإسقاطِ مع التقرُّب، فإنَّ الأصل - أعني
الزَّكاة - لا ينفردُ فيه الإسقاطُ عنه؛ إذ لا تجوزُ إلَّ بِنَّةٍ، وليس هو قولَ واحدٍ من علمائنا الثلاثة؛ لأَنَّا نقول: غايتُهُ
ثبوتُ الأصل مع المجموع، وهو لا يستلزمُ أنَّ المؤثّر المجموعُ، بل ذلك دائرٌ مع عقليَّةِ المناسب للحكم، فإنَّ
عُقِلَ استقلالُ كلٍّ حُكِمَ به، أو المجموعِ حُكِمَ به، والذي نعقلُهُ أنَّ كلاً من التقرُّبِ الماحي للسيّئَات
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٩٨/١.
(٢) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث صـ٢٩٢ -.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٩/١.
(٤) صـ ٦٦٤ - وما بعدها "در".
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٦/١.

قسم العبادات
٦٦٢
حاشية ابن عابدين
تتدَّسُ كمال الزَّكاة، تدِنَّس بإسقاطِ الفرض حتى جُعِلَ من الأوساخ))، ثم قال بعده(١): ((والذي
نعقِلُهُ أنَّ كلاّ من التقرُّبِ والإسقاط مؤثّرٌ في التغيُّرِ، أَلا ترى أَنَّه انفرَدَ وصفُ التقرُّب في صدقةٍ
التطوُّع، وأَثِّرَ النَغُّرَ حتى حُرِّمَتْ على النبيِلَ﴾(٢)؟ فُعرِفْنا أنَّ كَلاَّ أَثِّرَ تَغُراً شرعيًّ)) اهـ.
أقولُ: ومقتضاه أنَّ القُربةَ أصلٌ أيضاً بخلاف رفع الحدَث؛ لأَنّه لا يتحقَّقُ إلاَّ في ضِمن القربة
أو إسقاطِ الفرض أو في ضمنِهما، فكان فرعاً.
والإسقاطِ مؤثّرٌ في التغيُّر، ألا يُرى أَنَّه انفرَدَ وصفُ التقرُّب في صدقةِ التطوُّع وأَثِّرَ التغيُّرُ حَتّى حَرُمَ عليه
عليه السلام؟ ثمَّ رأينا الأثرَ عند ثبوت وصفِ الإسقاط ومعه غيرُهُ، وهو أشدُّ، فحَرُمَ على قرابته الناصرةِ
له، فعرفنا أنَّ كلاَّ أَنَّرَ تغيُّراً شرعيًّاً )) اهـ.
ثُمَّ قال بعد شروعٍ في منزعٍ آخر: ((وسقوطُ الفرض هو الأصلُ في الاستعمال؛ لِما عُرِفَ أنَّ أصله
مالُ الزَّكاة، والثابتُ فيه ليس إلاَّ سقوطَ الفرض حيث جُعِلَ دنساً شرعاً)) اهـ.
ولا يخفى أنّه لا تنافي بين كونِ الأصل في الاستعمال هو سقوطَ الفرض وبين كون التقرُّبِ مؤثّراً،
حتّى يسوغُ دعوى أنَّه أصلٌ أيضاً كما فعَلَ "المحشِّي"، تدبَّر. وقال "السِّنديُّ": ((إسقاطُ الفرض
موجودٌ في رفعِ الحدث حقيقةً، وفي القربة حكماً لكونها بمنزلةِ الإسقاط ثانياً))، ونقَلَ عن "المعراج": ((
أَنَّه لَمَّا نوى القربةَ فقد ازدادَ طهارةً على طهارةٍ، ولكنْ لا تكونُ طهارةً جديدةً إلاَّ بإزالةِ النجاسة
الحكميَّة حكماً، فصارت على الطهارةِ وعلى الحدث سواءً)) اهـ.
(قولُهُ: لأَنَّه لا يتحقَّقُ إلاّ في ضمنِ القُربة إلخ) ظاهرُ التقسيم تحقَّقُ رفعِ الحدث في ضمن القربة
فقط مع أنَّه ليس كذلك إلاَّ في وضوء الصبيِّ المحدِثِ مع النَّة.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٦/١ باختصار.
(٢) أخرجه مسلم (١٠٧٢)(١٦٨) كتاب الزكاة - باب ترك استعمال آل النبي ◌ُّ على الصدقة، عن عبد المطلب بن.
ربيعة أنَّ رسول الله وَّ قال: ((إنَّ هذه الصدقات إنَّما هي أوساخُ الناس، وإِنَّها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ)).
وأخرجه أحمد ١٦٦/٤، والطبراني في "الكبير"(٤٥٦٦). وانظر الأحاديث في هذا الباب في كتاب "الخصائص
الكبرى" للسيوطي ٢٦٥/٣-٢٦٧.

الجزء الأول
٦٦٣
باب المیاه
بأنْ يَغسِلَ بعضَ أعضائه، أو يُدخِلَ يدَهُ أو رِجْله في حُبٍّ لغيرِ اغترافٍ ونحوِهِ، .......
وبهذا ظَهرَ أَنَّه يُستغَنَى بهما عنه، فيكونُ [١/ق١٥٠/ب] المؤثّرَ في الاستعمال الأصْلان فقط، فيقال:
هو ما استُعمِلَ في قربةٍ سواءٌ كان معَها رفعُ حدثٍ أو إسقاطُ فرضٍ أوْ لا، ولا، أو في إسقاطِ فرضٍ
سواءٌ كان معه قربةٌ أو رفعُ حدثٍ أوْ لا، ولا، هذا ما ظهَرَ لي من فيض الفتّاح العليم، فاغتِمْه.
[١٧٣٧] (قولُهُ: بأنْ يَغْسِلَ) أي: المحدِثُ أو الجُنُبُ بعضَ أعضائه، أي: التي يجبُ غسلُها
احترازاً عن غَسل المحدِثِ نحوَ الفخذ كما مرَّ(١).
ثُمَّ الظاهرُ أَنَّه أرادَ الغَسلَ بنَّةِ رفع الحدَث ليُغايِرَ قوله: ((أو يُدخِلَ يدَه إلخ))، قال في
"البزَّازِيَّةِ"(٢): ((وإنْ أدخَلَ الكفَّ للغَسلِ فَسَدَ))، تأمَّلْ.
ثُمَّ في "الخلاصة"(٣) وغيرها: ((إنْ كان أصبعاً أو غيرَها دونَ الكفِّ لا يضرُّ)). قال في
"الفتح"(٤): ((ولا يخلو من حاجته إلى تأمُّلِ وجهِهِ)).
[١٧٣٨) (قولُهُ: في حُبٍّ) بالمهملة الجرَّةُ، أو الضَّخمةُ منها، "قاموس"(٥).
[١٧٣٩] (قولُهُ: لغيرِ اغترافٍ) بل للتبرُّد أو غسلٍ يده من طِينٍ أو عجينٍ، فلو قصدَ الاغترافَ
(قولُهُ: ثمَّ الظاهرُ أَنَّه أرادَ الغَسلَ بنيَّةِ رفع الحدث) الظاهرُ أَنَّه لا حاجةً لهذا القيد، فإنَّ الكلام في
الاستعمال بسببِ إسقاط الفرض فقط كما يدلُّ عليه كلامُهم، ويدلُّ عليه ما يأتي لـ "المحشِّي" من
الاعتراضِ على قوله: (( وإنْ لم يَزُلْ به حدثُ عضوِهِ )).
(قولُهُ: أو غَسْلِ يدِهِ من طينٍ أو عجينٍ) لا يخفى أنَّ غَسل اليدِ من الطين أو العجين لا يصيِّرُهُ
مستعملاً كالاغتراف ونحوه، فالأَولى أنْ يراد من قوله: (( لغيرِ اغترافٍ )) أحدُ الثلاثة، وهي إقامةُ القربة،
أو رفعُ الحدث، أو إسقاط الفرض. اهـ "سندي".
(١) المقولة [١٧٣٢] قوله: (( نحو فخذ)).
(٢) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في المستعمل والمقيد والمطلق ٩/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق٣/أ.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٦/١.
(٥) "القاموس": مادة ((حبب)).

قسم العبادات
٦٦٤
حاشية ابن عابدين
فإنَّه يصيرُ مستعملاً لسقوطِ الفرض اتّفاقاً وإنْ لم يزَلْ حدثُ عضوِهِ أو جنابِهِ ما لم
يُتِمَّ لعدم تجزِّيهما زوالاً وثبوتاً ..
ونحوَه كاستخراج كوزٍ لم يصِرْ مستعملاً للضَّرورة.
[١٧٤٠) (قولُهُ: فإِنَّه يصيرُ مستعملاً) المرادُ أنَّ ما أَتَّصلَ بالعضوِ وانفصلَ عنه مستعمَلٌ على ما
مرَّ(١) ويأتي(٢).
[١٧٤١) (قولُهُ: لسقوط الفرض) أي: فلا يلزمُهُ إعادةُ غَسل ذلك العضوِ عند غسل بقيَّة
الأعضاء، وهذا التعليلُ منقولٌ عن "الإِمام" كما مرَّ(٣)، فلا يقال: إنَّ العَلَّةَ زوالُ الحدث
زوالاً موقوفاً، كذا في "البحر "(٤). على أنَّ الأصلَ التعليلُ بما هو الأصلُ، وقد علمتَ أنَّ
زوال الحدث فرٌ.
١٣٣/١
[١٧٤٢] (قولُهُ: وإنْ لم يَزُلْ إلخ) كان الأولى إسقاطَ ((إِنْ)) وزيادةَ: أَنَّه لم توجدْ نَيَّةُ القُربة
كما فعلَ في "البحر"(٥) ليكونَ بياناً لوجهِ زيادةٍ هذا السببِ الثالثِ، وأَنَّه لا يُغني عنه ما قبله من
السَّبين كما قدَّمناه(٦)، وما في "النهر "(٧): ((من أَنَّه إنما تِمُّ زيادتُه بتقديرِ أنَّ إسقاطَ الفرض لا
ثوابَ فيه، وإلاَّ كان قربةً)) اعترضَهُ "ط "(٨): ((بأنَّ إسقاطَ الفرض لا يَتوقَّفُ على النَّةِ، ولا ثوابَ
بدونها، فكيف يمكن أنْ يكونَ قربً؟!)).
[٤٣ ١٧) (قولُهُ: جنابِهِ) أي: جنابةِ العضوِ المغسول في صورةِ الحدث الأكبر.
[١٧٤٤] (قولُهُ: ما لم يُتِمَّ) أي: ما لم يَغْسِلْ بقيَّةَ الأعضاء.
(١) المقولة [١٣١٢] قوله: ((على أنه إلخ)).
(٢) صـ٦٦٥ - "در".
(٣) المقولة [١٧٣٥] قوله: ((أو لأجل إسقاط فرض)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٩٧/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٩٧/١.
(٦) المقولة [١٧٣٦] قوله: ((هو الأصل في الاستعمال)).
(٧) "النهر": كتاب الطهارة - ق١٣/ب. وعبارته: ((لا ثواب فيه وإن كان قربى)) والصواب ما في الحاشية.
(٨) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١١٠/١ بتصرف.