النص المفهرس

صفحات 621-640

الجزء الأول
٦٠٥
باب المیاه
لا بماءٍ (مغلوبٍ بـ) شيءٍ (طاهرِ) الغلبةُ إمَّا بكمالِ الامتزاجِ بتشرُّبِ نباتٍ أو بطَّبْخِ بما
لا يُقصَدُ به التنظيفُ،.
[١٥٨٥] (قولُهُ: ولا بماء مغلوبٍ) التقييدُ بالمغلوب بناءٌ على الغالب، وإلاَّ فقد يَمْنَعُ التساوي
في بعض الصُّور كما يأتي(١).
[١٥٨٦] (قولُهُ: الغلبةُ إلخ) اعلمْ أنَّ العلماء اتَّفقوا على جواز رفع الحدث بالماء المطلق، وعلى
عدمه بالماء المقَّد، ثمَّ الماءُ إذا اختلَطَ به طاهرٌ لا يُخرِجُه عن صفة الإطلاق ما لم يغلبْ عليه.
وبيانُ الغلبة اختلفتْ فيه عباراتُ فقهائنا، وقد اقتحَمَ الإمام فخر الدِّين "الزيلعيُّ) (٢) التوفيقَ
بينها بضابطٍ مفيدٍ أقرَّهُ عليه مَن بعده من المحقّقين كـ "ابن الهمام"(٣) و"ابن أمير حاج"(٤)
وصاحب "الدرر"(٥) و"البحر"(٦) و"النهر"(٧) و"المصنّف" و"الشارح" وغيرِهم، وهو ما ذكَرَهُ
"الشارح" بأوجزِ عبارةٍ وألطفِ إشارةٍ.
[١٥٨٧] (قولُهُ: بتشَرُّبِ نباتٍ إلخ) بدلٌ من قوله: ((بكمالِ الامتزاج))، أو متعلِّقٌّ بمحذوفٍ
حالاً منه، وهذا يشملُ ما خرَجَ بعلاجٍ أوْ لا كما مرَّ(٨).
[١٥٨٨] (قولُهُ: بما لا يُقْصَدُ به التنظيفُ) كالمرَق وماءِ الباقلاً، أي: الفولِ، فإنَّه يصيرُ مقيَّداً
(قولُهُ: التقييدُ بالمغلوبِ بناءٌ على الغالب، وإلاَّ فقد يَمنَعُ إلخ) فيه أنَّ المراد بالغلبة في قوله: ((مغلوبٍ))
الغلبةُ الشرعيَّةُ المذكورة على الوجهِ الذي ذكَرَهُ الشارع، وهي شاملةٌ للتساوي، وليس المرادُ الغلبةَ باعتبار
الأجزاء حتَّى يَرِدَ أَنَّه قد يَمنَعُ التساوي، تأمَّل.
(١) صـ ٨ ٦٠ - "در".
(٢) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٢٠/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٥/١.
(٤) في "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل المياه ١/ق ١٧٩/ب.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٣/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٧٢/١-٧٣.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة ق١٢/ب.
(٨) صـ ٦٠٣ - "در".

قسم العبادات
٦٠٦
حاشية ابن عابدين
وإمَّا بغلبةِ المخالِطِ، فلو جامداً فبثخانةٍ .
سواءٌ تغيَّرَ شيءٌ من أوصافه أوْ لا، وسواءٌ بقيتْ فيه رِقَّةُ الماءِ أوْ لا في المختار كما في "البحر"(١).
واحترَزَ عمَّا إذا طُبِخَ فيه ما يُقَصَدُ به المبالغة في النَّظافة كالأشْنان [١/ق١٣٧/أ] ونحوه، فإنّه
١٢١/١ لا يضرُّ ما لم يغلبْ عليه، فيصيرُ كالسَّويق المخلوطِ لزوال اسمِ الماء عنه كما في "الهداية"(٢).
[١٥٨٩] (قولُهُ: وإِمَّ بغلبةِ إلخ) مقابلُ قوله: ((إِمَّا بكمالِ الامتزاجِ)).
[١٥٩٠] (قولُهُ: فبثخانةٍ) أي: فالغلبةُ بشخانةِ الماء، أي: بانتفاء رقّتِه وجريانِه على الأعضاء،
"زيلعي)(٣).
وأفاد في "الفتح"(٤): ((أنَّ المناسب أنْ لا يُذكَرَ هذا القسمُ؛ لأنَّ الكلام في الماء، وهذا قد
زالَ عنه اسمُ الماء كما أشار إليه كلام "الهداية" السابق)).
(قولُهُ: وأفادَ في "الفتح" أنَّ المناسب أنْ لا يُذكَرَ هذا القسمُ الخ) عبارتُهُ: ((الثاني: غلبةُ المخالط،
فإنْ كان جامداً فبانتفاءِ رقَّةِ الماء وجريانِهِ على الأعضاء، وإنْ كان مائعاً إلخ))، ثُمَّ قال: ((والوجهُ أنْ
يَخرُجَ من الأقسام ما خالَطَ جامداً فسلَبَ رقّتَهُ وجريانَه؛ لأنَّ هذا ليس بماءٍ مقِيَّدٍ والكلامُ فيه، بل ليس
بماء أصلاً كما يشيرُ إليه قول "المصنّف" فيما يأتي قريباً في المختلط بالأشنان، إلاَّ أنْ يغلبَ عليه فيصيرَ
كالسَّويق لزوالِ اسم الماء عنه )) اهـ.
لكنْ فيه أنَّه إذا لم يُذكَر هذا القسمُ لا يُعلَمُ بماذا تكونُ الغلبة للماء إذا خالطَهُ جامدٌ والحالُ مُحوِجٌ
وداعٍ للبيان، فبَّهُ: (( بأنَّه ما دام الماءُ على رقَتِهِ وسيلانِه تكونُ الغلبة للماء، وإنْ لم يكن كذلك لا
تكونُ الغلبةُ له وإِنْ خَرَجَ عن كونه ماءً مقيَّداً في هذه الصُّورة))، فيكونُ ذكرُ مسألة الشَّخانة غيرَ
مقصودٍ؛ لأنّها ليس مما الكلامُ فيه، بل القصدُ بيانُ صورةٍ غلبة الماء، تدبَّر.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٧٢/١.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ١٨/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٢٠/١ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٦٥/١.

الجزء الأول
٦٠٧
باب المیاه
ما لم يَزُلِ الاسمُ كنبيذٍ تمرٍ، ولو مائعاً فلو مُبايناً لأوصافه فبتغيُّرِ أكثرِها، أو موافِقاً
کلَبَنٍ.
=
[١٥٩١) (قولُهُ: ما لم يزُلِ الاسمُ) أي: فإذا زال(١) الاسمُ لا يُعتبرُ في منع التطهُّر به الشَّخانةُ،
بل يضرُّ وإِنْ بقيَ على رِقَّتْه وسيلانِهِ، وهذا زاده في "البحر"(٢) على ما ذكرَهُ "الزيلعيُّ"(٣).
أقولُ: لكنْ يُرِدُ عليه ما قدَّمناه(٤) عن "الفتح"، تأمَّل.
[١٥٩٢) (قولُهُ: كنبيذٍ تمرِ) ومثلُه الزَّعفرانُ إذا خاَطَ الماءَ، وصار بحيث يُصَبَغُ به، فليس بماءٍ
مطلقٍ من غير نظرٍ إلى النَّخانة، وكذا إذا طُرِحَ فِيه زاجٌ(٥) أو عَفْصٌّ(٦)، وصار يُنقَش به لزوال اسم
الماء عنه، أفاده في "البحر "(٧)، وسينبِّهُ عليه "الشارح"(٨).
[١٥٩٣] (قولُهُ: ولو مائعاً) عطفٌ على قوله: ((فلو جامداً))، ثمَّ المائعُ إمَّا مباينٌ لجميع
الأوصاف - أعني الطعمَ واللّون والرِّيح كالخلِّ - أو موافقٌ في بعضٍ مباينٌ في بعضٍ، أو مماثلٌ في
الجميع، وذكَّرَ تفصيلَه وأحكامه.
[١٥٩٤) (قولُهُ: فبتغُّر أكثرِها) أي: فالغلبةُ بتغُّرِ أكثرِها، وهو وصفان، فلا يضرُّ ظهورُ
وصفٍ واحدٍ في الماء من أوصاف الخلِّ مثلاً.
[١٥٩٥) (قولُهُ: كلَنٍ) فإنَّه موافقٌ للماء في عدم الرائحة مباينٌ له في الطَّعم واللون، وكماء
(١) من ((عنه اسم الماء)) إلى ((فإذا زال)) ساقط من "الأصل".
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٧٣/١.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٢٠/١.
(٤) في المقولة السابقة.
(٥) الزَّاج: من الأدوية، وهو من أخلاط الحبر، فارسي معرب، ويقال له: الشَّبُّ اليماني. اهـ "اللسان" مادة ((زوج)).
(٦) العَفْص: معروف، وهو الذي يتخذ منه الحبر، مُوَلّد وليس من كلام أهل البادية، وليس من نبات أرض العرب. اهـ
"اللسان" مادة((عفص)).
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٧٤/١.
(٨) صـ ٦٢٣ - "در".

قسم العبادات
٦٠٨
حاشية ابن عابدين
فبأحدِها، أو مماثلاً كمستعمَلِ فبالأجزاءٍ، فإن المطلقُ أكثرَ من النصف جاز التطهيرُ
بالكلِّ، وإلاَّ لا، وهذا يعمُّ الملقَى والملاقِيَ، ففي الفَسَاقِي يجوزُ التوضِّي ما لم يُعلَمْ
تساوي المستعمَلِ.
البطِيخ - أي: بعضِ أنواعه - فإنّه موافقٌ له في عدم اللون والرائحة مباينٌ له في الطعم.
هذا، وفي "حاشية الرمليّ" على "البحر": ((أَنَّ المشاهَدَ في اللبن مخالفته للماء في الرائحة)).
[١٥٩٦] (قولُهُ: فبأحدِها) أي: فغلبته بتغيُّرِ أحد الأوصاف المذكورة كالطعم أو اللون في
اللَّن، وكالطعم فقط في البطيخ، فافهم.
[١٥٩٧) (قولُهُ: كمستعمَلٍ) أي: على القول بطهارته، وكالماء الذي يؤخَذُ بالتقطير من لسان
الثور(١) وماءِ الورد المنقطعِ الرائحة، "بحر"(٢).
[١٥٩٨) (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: وإنْ لم يكن المطلقُ أكثرَ - بأنْ كان أقلَّ أو مساوياً - لا يجوزُ.
[١٥٩٩] (قولُهُ: وهذا) أي: ما ذكرَ من اعتبار الأجزاء في المستعمل يعمُّ الملقَى بالبناءِ
للمفعول - أي: ما كان مستعملاً من خارجٍ، ثمَّ أُخِذَ وأُلْقِيَ في الماء المطلق، وخُلِطَ به -
والملاقِيَ، أي: والذي لاقَى [١/ق١٣٧ /ب] العضوَ من الماء المطلق القليلِ، بأنِ انغمَسَ فيه
مُحدِثٌ، أو أدخَلَ يدَه فيه.
مطلبٌ في مسألة الوضوء من الفَسَاقِي
[١٦٠٠] (قولُهُ: ففي الفَسَاقِي) أي: الحياضِ الصغار، يجوزُ التوضِّي منها مع عدم جريانها،
وهو تفريعٌ على ما ذكَرَهُ من التعميم، ومن جملة الفساقي مغطِسُ الحمَّامِ وبِرَكُ المساجد ونحوها مما
لم يكن جارياً، ولم يبلغْ عشراً في عشرٍ، فعلى هذا القولِ يجوزُ فيها الاغتسالُ والوضوءُ ما لم يُعَلَمْ
أنَّ الماء الذي لاقى أعضاء المتطهِرين ساوى المطلقَ، أو غلّبَ عليه.
(١) لسان الثور: نبات مفرِّح جداً، مليّن يُخرج المِرَّة الصفراء، نافعٌ للخَفَقان. اهـ "القاموس" مادة ((اللسان)).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٧٣/١.

الجزء الأول
٦٠٩
باب المياه
على ما حقَّقَهُ في "البحر" و"النهر"(١) و"المنح"(٢).
قلت: لكنَّ "الشرنبلاليَّ" في شرحه لـ "الوهبائَيَّةِ"
[١٦٠١] (قولُهُ: على ما حقَّقَهُ في "البحر"(٢) إلخ) حيث استدلَّ على ذلك بإطلاقهم المفيدِ
للعموم كما مرَّ(٤)، وبقول "البدائع"(٥): ((الماءُ القليلُ إنما يخرُجُ عن كونه مطهِّراً باختلاط غيرِ
المطهِّر به إذا كان غيرُ المطهّر غالباً كماء الورد واللبن، لا مغلوباً، وها هنا الماءُ المستعمل ما يلاقي
البدنَ، ولا شكَّ أَنَّ أقلُّ من غير المستعمل، فكيف يُخرُجُ به من أنْ يكون مطهِّراً ؟!)) اهـ. ونحوُه
في "الحلبة" لـ "ابن أمير حاج"(٦).
وفي "فتاوى الشيخ "سراج الدِّين" قارئ "الهداية"(٧) التي جَمَعَها تلميذه المحقّق "ابن الهمام":
((سُئل عن فَسقيَّةٍ صغيرةٍ يتوضَّأ فيها الناس، وينزلُ فيها الماءُ المستعمل، وفي كل يومٍ ينزلُ فيها ماءٌ
جديدٌ، هل يجوزُ الوضوء فيها؟ أجاب: إذا لم يقعْ فيها غيرُ الماء المذكورِ لا يضرُّ)) اهـ.
يعني: وأمَّا إذا وقعتْ فيها نجاسةٌ تنجَّست لصِغَرها، وقد استدلَّ في "البحر "(٨) بعباراتٍ أُخرَ
لا تدلُّ له كما يظهرُ للمتأمِّل؛ لأَنَّها في الملقَى، والنّزاع في الملاقِي كما أوضحناه فيما علَّقناه
علیه(٩)، فلذا اقتصرنا على ما ذكرنا.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٢/ب.
(٢) لم نعثر على هذه المسألة في "المنح".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٧٤/١ وما بعدها.
(٤) صـ ٨ ٦٠ - "در".
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة الحقيقية ٦٧/١.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في المياه ١/ق ١٧٧ /ب - ١٧٨/أ.
(٧) "فتاوى قارئ الهداية": ق ٥١/ب، لأبي حفص عمر بن علي بن فارس، سراج الدين المعروف بقارئ الهداية
الكناني (ت٨٢٩هـ). ("الضوء اللامع" ١٠٩/٦، "الأعلام" ٥٧/٥، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي
٢٦/٢). ووهم صاحب "كشف الظنون" ١٢٢٧/٢ فنسب فتاوى قارئ الهداية إلى عمر بن إسحاق، سراج الدين
الغزنوي الهندي(ت٧٧٣هـ).
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ٧٤/١ - ٧٥.
(٩) "حاشية مهيجة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة ٧٥/١.

قسم العبادات
٦١٠
حاشية ابن عابدين
فرَّقَ بينهما، فراجعْه متأمِّلاً.
[١٦٠٢) (قولُهُ: فرَّقَ بينهما) أي: بين الملقَى والملاقِي، حيث قال: ((وما ذُكِرَ من أنَّ
الاستعمال بالجزء الذي يلاقي جسده دون باقي الماء، فيصيرُ ذلك الجزءُ مستهلَكاً في كثيرٍ فهو
مردودٌ لسرَيانِ الاستعمال في الجميع حكماً، وليس كالغالب بصبِّ القليل من الماء فيه)) أهـ.
وحاصله الردُّ على ما مرَّ(١) عن "البدائع" بأنَّ المحدِث إذا انغمَسَ، أو أدخَلَ يدَه في الماءِ صار
مستعمِلاً لجميع الماء حكماً وإنْ كان المستعمَلُ حقيقةً هو الملاقيَ للعضو فقط، بخلاف ما لو أُلْقِيَ
فيه المستعمَلُ القليل، فإِنَّه لا يُحكَمُ على الجميع بالاستعمال؛ لأنَّ المحدِثَ لم [١/ق ١٣٨/ أ]
يستعملْ شيئاً منه حتى يُدَّعَى ذلك، وإنما المستعمَلُ حقيقةً وحكماً هو ذلك الملقَى فقط.
وملخّصُه: أنَّ الملقَى لا يصيرُ به الماءُ مستعملاً إلاَّ بالغَلَبة بخلاف الملاقِي، فإنَّ الماء يصيرُ
مستعملاً كُلُّه بمجرَّد ملاقاةِ العضو له.
ورَدَّ ذلك في "البحر"(٢): ((بأنّه لا معنىًّ للفرق المذكور؛ لأنَّ الشُّيوع والاختلاطَ في
الصُّورتين سواءٌ، بل لقائلٍ أنْ يقول: إلقاءُ الغُسالة من خارجٍ أقوى تأثيراً من غيره لتعيَّنِ المستعمَل
فيه)) اهـ. ولذلك أمَرَ "الشارح" بالتأمُّل.
واعلمْ أنَّ هذه المسألةَ ثَما تَحَّرتْ فيها أفهامُ العلماء الأعلام، ووقع فيها بينهمُ النزاعُ، وشاعَ
وذاع، وأَّفَ فيها العلاَّمة "قاسمٌ" رسالةً سمَّاها "رفعَ الاشتباه عن مسألة المياه"(٣)، حقَّق فيها عدمَ
الفرق بين الملقَى والملاقِي، أي: فلا يصيرُ الماءُ مستعملاً بمجرَّد الملاقاة، بل تُعْتَبَرُ الغلبةُ في الملاقِي
كما تُعتبرُ في الملقَى، ووافَقَه بعض أهلِ عصره، وتعقّبه غيرُهم، منهم تلميذه العلاَّمة "عبد البَرِّ بنُ
الشِّحنة"، فردَّ عليه برسالةٍ سمَّها "زهرَ الرَّوض في مسألة الحوض (٤)، وقال: ((لا تغْتَرَّ بما ذكره
١٢٢/١
(١) المقولة [١٦٠١] قوله: ((على ما حققه في "البحر" إلخ)).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٧٧/١.
(٣) "كشف الظنون" ٩٠٩/١ وفيه: "رفع الاشتباه عن مسيل المياه". وانظر "الضوء اللامع" ١٨٧/٦، و"هدية العارفين" ٨٣٠/١.
(٤) انظر "كشف الظنون" ٩٦٠/٢، و"هدية العارفين" ٤٩٨/١.

الجزء الأول
٦١١
باب المياه
شيخُنا العلاَّمة "قاسمٌ))، ورَدَّ عليه أيضاً في "شرحه" على "الوهبائَّةِ"(١)، واستدلَّ بما في
"الخانَّة"(٢) وغيرها: ((لو أدخَلَ يده أو رِجْله في الإناء للتبرُّد يصيرُ الماءُ مستعملاً لانعدامٍ
الضرورة))، وبما في "الأسرار" للإمام "أبي زيد الدبوسيّ"، حيث ذكَرَ ما مرَّ(٣) عن "البدائع"، ثمَّ
قال: ((إلاَّ أنَّ "محمَّدً" يقول: لَمَّا اغْتسَلَ في الماء القليل صار الكلُّ مستعمَلاً حكماً)) اهـ.
ومن هنا نشأَ الفرْقُ السابق، وبه أفتى العلاَّمة "ابن الشِّلْبِيِّ"، وانتصَرَ في "البحر " (٤) العلاَّمة
"قاسمٍ"، وأَلَّفَ رسالةً سمَّاها "الخير الباقي في الوضوء من الفساقي"(٥)، وأجاب عمَّا استدلَّ به
"ابن الشّحنة": ((بأَنّ مبنيٌّ على القول الضعيف بنجاسة الماء المستعمَل، ومعلومٌ أنَّ النجاسة - ولو
قليلةً - تُفسِدُ الماءِ القليل))، وأقرَّهُ العلاَّمة "الباقانيُ))(٦)، والشيخ "إسماعيل" النابلسيُّ(٧)، وولدُه
سيِّدي "عبد الغنيّ)(٨)، وكذا في "النَّهر"(٩) و"المنح"(١٠)، وعلمتَ أيضاً موافقته للمحقّق "ابن أمير
حاج" و"قارئ الهداية"، وإليه يميلُ كلام العلاّمة "نوح أفندي".
ثُمَّ رأيتُ "الشارح" في "الخزائن"(١١) مالَ إلى ترجيحه، وقال: ((إنّه الذي حرَّرَهُ صاحب
(١) تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطهارة ق ١١/أ - ب.
(٢) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الماء المستعمل ١٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) المقولة [١٦٠١] قوله: ((على ما حققه في "البحر" إلخ)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٧٥/١ - ٧٦.
(٥) اسم الرسالة: "الخير الباقي في جواز الوضوء من الفساقي" انظر "رسائل ابن نجيم" صـ٩ -.
(٦) محمود بن بركات بن محمد، نور الدين الدمشقيّ الباقانيّ الحنفيّ(ت١٠٠٣هـ). ("خلاصة الأثر" ٣١٧/٤،
"الأعلام" ١٦٦/٧).
(٧) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٢٦/أ.
(٨) "نهاية المراد": الطهارة من الخبث، صـ ٢٤٠ - وما بعدها.
(٩) "النهر": كتاب الطهارة ق١٢/ب.
(١٠) "المنح": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ ق ١٣/أ.
(١١) "الخزائن": كتاب الطهارة - باب المياه ق ٣٤/ب.

قسم العبادات
٦١٢
حاشية ابن عابدين
(ويجوزُ) رفعُ الحدثِ (بما ذُكِرَ وإنْ ماتَ فيه) أي: الماء ولو قليلاً (غيرُ دمويّ.
...
"البحر"(١) بعد اطلاعه على كتب المذهب [١/ق١٣٨/ب] ونقلِه عباراتها المضطربةِ ظاهراً، وعلى
ما أُلْفَ في هذا الخصوص من الرسائل، وأقامَ على هذه الدعوى الصادقةِ البَِّةَ العادلةَ، وقد حرَّرتُ
في ذلك رسالةً(٢) حافلةً كافلةً بذلك متضمّنةً لتحقيق ما هنالك، وبلغَني أنَّ شيخنا الشيخ "شرف
الدين الغزِّيّ" محشِّيَ "الأشباه"(٣) مالَ إلى ذلك كذلك)). اهـ ملخَّصاً.
قلتُ: وفي ذلك توسعةٌ عظيمةٌ، ولاسيَّما في زمن انقطاع المياه عن حياض المساجد وغيرِها
في بلادنا، ولكنَّ الاحتياطَ لا يخفى، فينبغي لمن ابْتُلِيَ بذلك أنْ لا يغسلَ أعضاءَه في ذلك الحوضِ
الصغير، بل يغترفُ منه، ويغسلُ خارجَه وإنْ وقعت الغُسالةُ فيه ليكون(٤) من الملقَى لا من الملاقِي
الذي فيه الّاعُ، فإنَّ هذا المقامَ فيه للمقالِ محال، واللَّهُ تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
[١٦٠٣] (قولُهُ: ويجوزُ) أي: يصحُّ وإنْ لم يحِلَّ في نحو الماء المغصوب، وهو أولى هنا من
إرادة الحلِّ وإنْ كان الغالبُ إرادةَ الأوَّلِ في العقود والثاني في الأفعال، فافهم.
[١٦٠٤) (قولُهُ: بما ذُكِرَ) أي: من أقسام الماءِ المطلَق.
[١٦٠٥) (قولُهُ: غيرُ دمَوىٍّ) المرادُ ما لا دمَ له سائلٌ لِما في "القُهُستانيِّ "(٥): ((أَنَّ المعتبر عدمُ
(قولُهُ: أي: يصحُّ وإنْ لم يحلَّ) إذا قيل: إنَّ الجوازَ هنا بمعنى الحلِّ يكونُ كلام "المصنّف" موافقاً
للقاعدة المذكورة وأتّمَّ فائدةً لإفادتِهِ الصحَّةَ والسَّوغَ الشرعيَّ، ولا يَرِدُ الوضوءُ بالماء المغصوب لعدم
ذكرهٍ في كلامه، تأمَّل.
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٧٧/١.
(٢) لم نهتد إلى معرفة هذه الرسالة.
(٣) شرف الدين بن عبد القادر بن بركات المعروف بابن حبيب الغَزّي الحنفيّ (كان حياً سه.٠ ١-نقهـ، وقيل: ١٠٣٤).
("خلاصة الأثر" ٢٢٣/٢، "هدية العارفين" ٥٩٩/١، "الأعلام" ١٦١/٣). واسم حاشيته "تنوير البصائر"، وسيأتي
التعريف بها صـ ٦٧١ -.
(٤) ((فيه ليكون)) ساقطة من "آ".
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - بيان الماء الجائز للوضوء ٣١/١ باختصار نقلاً عن حاشية "الهداية" وغيرها.

الجزء الأول
٦١٣
باب المیاه
كُرُنبورٍ) وعَقْرَبٍ وبقٍّ، أي: بَعُوضٍ، وقيل: بقُّ الخشبِ، وفي "المجتبى": ((الأصحُّ في
عَلَقِ مصَّ الدمَ أنَّه يُفسِدُ، ومنه يُعلَمُ حكمُ بقِّ وقُرادٍ.
السيلان لا عدمُ أصله، حتى لو وُجدَ حيوانٌ له دمٌ جامدٌ لا ينجسُ)) اهـ.
أقولُ: وكذا دُ القملة والبُرغوثِ، فَإِنَّه غيرُ سائلٍ، وخرَجَ الدمويُّ سواءٌ كان دمُهُ من نفسه
أو مكتسباً بالمصرِّ كالعلق، فإنّه يُفسِدُ الماءَ كما يأتي(١)، والمرادُ: الدمويُّ غيرُ المائيِّ بدليل ذكرِهِ
المائيّ بعده.
[١٦٠٦) (قولُهُ: كُنبورٍ) بضمِّ الزاي، وهو أنواعٌ منها النَّحلُ، "نهر"(٢).
[١٦٠٧] (قولُهُ: أي: بَعُوضٍ) في "البحر"(٣) وغيره: ((أَنَّه كبارُ البعوض))، لكنْ في
"القاموس"(٤): ((البقَّةُ: البعوضة، ودُوَيَّة مفرطَحةٌ - أي: عريضةٌ - حمراءُ منتنةٌ)).
والظاهرٌ: أنَّ الثانيَ هو المرادُ بقوله: ((وقيل: بقُّ الخشب))، ويؤيِّدُه عبارة "الحلبة"(٥): ((وقد
يُسمَّى به الفِسْفِسُ في بعض الجهات، وهو حيوانٌ كالقُراد شديدُ النتن))، وعبارة "السراج"(٦).
((وقيل: الكُتَّان، وفي "القاموس"(٧): الكُتَّان دُوِيَّةٌ حمراءُ لسَّاعةٌ)) اهـ. والظاهرُ أَنَّه الفِسفِسُ.
[١٦٠٨) (قولُهُ: ومنه يُعلَمُ إلخ) أصلُ عبارة "المجتبى": ((ومنه يُعلَمُ حكمُ القُراد والحَلَم)) اهـ.
أي: يُعلَمُ أنَّ الأصحَّ أَنَّ مفسِدٌ، وقال في "الَّهر"(٨): ((والترجيحُ في العلق ترجيحٌ في البقِّ؛ إذ الدَّمُ
فيها مستعارٌ)) اهـ. أي: مكتسَبٌ.
(١) في هذه الصحيفة "در".
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٤) "القاموس": مادة((بقق)) بتوضيح من ابن عابدين.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في البتر ١/ق ٢٩٣/ب.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٥/أ.
(٧) "القاموس": مادة ((كتن)) وذكر أنها على وزن رُمَّان.
(٨) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٣/أ. وعبارته: ((إذ الدم فيهما مستعار)).

قسم العبادات
٦١٤
حاشية ابن عابدين
وعَلَقِ ))، وفي "الوهبائَّة": ((دودُ القزِّ وماؤُهُ.
فأدرَجَ [١/ق١٣٩ /أ] "الشارح" البقَّ في عبارة "المجتبى" مع أَنَّه بحثٌ لصاحب "النَّهر)"(١)،
وفيه نظرٌ للفرق الظاهر بين البقِّ والعَلَق؛ لأنَّ دم العلق وإنْ كان مستعاراً لكنَّه سائلٌ، ولذا ينقُضُ
الوضوء بخلاف دم البقِّ، فإِنَّه لا ينقُضُ كالذباب لعدم الدَّمِ المسفوح كما مرَّ(٢) في محلّه، وقد
علمتَ أنَّ الدمَوي المفسدَ ما له دمٌ سائلٌ، وعلى هذا ينبغي تقييدُ العلق والقُراد هنا بالكبير؛ إذ
الصغيرُ لا ينقُضُ الوضوء كما مرَّ(٢)، فينبغي أنْ لا يُفسِدَ الماءَ أيضاً لعدم السيلان.
[١٦٠٩] (قولُهُ: وعَلَقٍ) كذا في أكثرِ النسخ، وفي بعضها (٢): ((وحلَمٍ))، وهي الصَّواب الموافقةُ
العبارة "المجتبى"، وهو جمعُ حَلَمَةٍ بالتحريك، وفي "النّهر"(٤) عن "المحيط ": ((الحَلَمةُ ثلاثةُ أنواعٍ:
قرادٌ وحنانٌ(٥) وحَلَمٌ، فالقُراد أصغرُها، والحنانةُ أوسطُها، والحَلَمة أكبرُها، ولها دمّ سائلٌ)) اهـ.
وذكّرَ في "القاموس"(٦): ((أَنَّها تُطلَقُ على الصغير وعلى الكبير من الأضداد، وعلى دودةٍ
تقعُ في جلد الشَّة، فإذا دُبِغَ وَهَى موضعُها)).
[١٦١٠) (قولُهُ: دُودُ القرّ أي: الذي يَتولَّد منه الحريرُ.
[١٦١١] (قولُهُ: وماؤه) يُحتمَلُ أنْ يكون المرادُ به ما يوجدُ فيما يهلِكُ منه قبل إدراکه، وهو
(قولُهُ: فأدرَجَ "الشارحُ" البَقَّ في عبارة "المجتبى" مع أَنَّه بحثٌ إلخ) فيه أَنَّه ليس في كلامِهِ ما يدلُّ على
أَنَّه ساقَ قوله: ((ومنه يُعلَمُ)) مَساقَ العَزْو لـ "المجتبى"، بل قصدُهُ بيانُ الحكم في ذاته وإنْ كان مأخوذاً من
"النهر" و"المجتبى" في الواقع، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٣/أ.
(٢) صـ ٤٦٣ - "در".
(٣) مثل نسخة "و".
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٣/أ.
(٥) قوله: ((وحنانة إلخ)) هكذا بالأصل وحاشية الطحطاوي، وليس له وجود في "القاموس" ولا في "الصحاح" ولا في
"المصباح" ولا في "حياة الحيوان"، ولعله مُخَّرفٌ عن الحمنانة بزيادة ميم. اهـ مصححه (ميمنية).
نقول: وقد ذكر صاحب "اللسان" ((الحمنانة)) بالميم في مادة ((حمن)).
(٦) "القاموس": مادة ((حلم)) بتصرف.

الجزء الأول
٦١٥
باب المياه
وبزرُهُ وخرؤه طاهرٌ كدودةٍ متولِّدةٍ من نجاسةٍ )) (ومائيُّ مَولِدٍ).
شبيهٌ باللبن، أو الذي يُغلَى فيه عند حلّه حريراً، وعندي أنَّ المراد الأوَّلُ لِما في "الصيرفيَّة"(١): ((لو
وطِئَ دودَ القزِّ، فأصاب ثوبَه أكثرُ من قدر الدرهم تجوزُ صلاته معه)). اهـ من "شرح ابن
الشحنة"(٢).
[١٦١٢) (قولُهُ: وِزْرُهُ) أي: بيضُه الذي فيه الدُّودُ.
[١٦١٣) (قولُهُ: وحُرؤه) لم يجزِمْ بطهارته في "الوهبانَّة"(٣)، بل قال: ((وفي خُرء دودِ القزِّ
خُلْفٌ))، ومثلُه في "شرحها"(٤).
١٢٣/١
[١٦١٤) (قولُهُ: كدودةٍ إلخ) فإنّها طاهرةٌ ولو خرجتْ من الدبر، والنَّقضُ إنما هو لِما عليها لا
لذاتها، "ط"(٥). وقدَّمنا(٦) قولاً بنجاستها، وعلى الأوَّلِ فإذا وقعتْ في الماء لا ينجُسُ، لكنْ لو بعدَ
غَسلها كما قَّدَهُ في "البَّازية(٧)، فما في "القنية (٨): ((من أَنَّه ينجُسُ)) محمولٌ على ما قبلَ الغَسل.
[١٦١٥) (قولُهُ: ومائيُّ مولِدٍ) عطفٌ على قوله: ((غيرُ دمويٍ))، أي: ما يكون توالدُه ومثواه
في الماء سواءٌ كانَت له نفسٌ سائلٌ أَوْ لا في ظاهر الرواية، "بحر "(٩) عن "السراج"(١٠). أي: لأنَّ
(قولُهُ: وعندي أنَّ المراد الأوَّلُ) الظاهرُ أنَّ الماء المذكور بمعنبيه طاهرٌ لطهارةِ الدُّود؛ لأَنَّه لا نفسَ له سائلةٌ.
(١) "الفتاوى الصيرفية": لأسعد بن يوسف بن علي، مَحْد الدين المعروف بآهو البخاريّ الصيرفيّ(ت١٠٨٨ هـ). ("كشف
الظنون" ١٢٢٥/٢ "الأعلام" ٣٠٢/١، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٣٠/٢).
(٢) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطهارة ق٢٣/ب نقلاً عن ابن وهبان و"التاترخانية" و"الصيرفية".
(٣) "الوهبانية": فصل من كتاب الطهارة صـ٧- (هامش "المنظومة المحبية").
(٤) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطهارة ق ٢٣/ب.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٤/١.
(٦) المقولة [١٠٨٢] قوله:((من دبر)).
(٧) "البزازية": كتاب الطهارة - الفصل السابع في النجس ٢١/٤ (هامش الفتاوى الهندية").
(٨) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الأعيان النجسة ق٥/ب.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة ٩٤/١ بتصرف.
(١٠) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٥/ب.

قسم العبادات
٦١٦
حاشية ابن عابدين
ولو كلبَ الماءِ وخنزيرَهُ(١) (كسمكٍ وسرطانٍ) وضفدعٍ إلاَّ برِّياً له دمٌ سائلٌ، وهو ما
لا سترةَ له بين أصابعِهِ، ....
ذلك ليس بدمٍ حقيقةً.
وعرَّفَ في "الخلاصة"(٢) المائيَّ بـ: ((ما لو استُخرِجَ من الماء يموتُ من ساعته، وإنْ كان
يعيشُ فهو مائيٌّ وبرِّيٌّ))، فجعَلَ بين المائيِّ والبرِّيِّ قسماً آخَرَ، وهو ما يكون مائياً وبرِّياً، لكنْ
لم يذكرْ له حكماً على [١/ق١٣٩ /ب] حدةٍ، والصحيحُ أنَّه ملحقٌ بالمائيِّ لعدم الدمويَّة،
"شرح المنية"(٣).
أقولُ: والمرادُ بهذا القسمِ الآخرِ ما يكون توالدُه في الماء، ولا يموت من ساعته لو أُخرِج منه
كالسََّطان والضفدع بخلاف ما يَتوالدُ في البرِّ، ويعيشُ في الماءِ كالبطٌ والإِوَزِّ كما يأتي (٤).
[١٦١٦] (قولُهُ: ولو كلبَ الماء وخنزيرَه) أي: بالإجماع، "خلاصة"(٥). وكأنّه لم يعتبرِ القولَ
الضعيف المحكيَّ في "المعراج"، أفاده في "البحر" (٦).
[١٦١٧] (قولُهُ: كسمكٍ) أي: بسائر أنواعه ولو طافياً خلافاً لـ "الطحاويّ" كما في
"النَّهر " (٧).
ھر
[١٦١٨) (قولُهُ: وسرطانٍ) بالتحريك، ومنافعُه كثيرةٌ بسَطَها في "القاموس"(٨).
[١٦١٩] (قولُهُ: وضفدعٍ) كزِيْرِجٍ وجَعْفَرٍ وجُنْدَبٍ ودِرْهَمٍ، وهذا أقلُّ أو مردودٌ، "قاموس"(٩).
(١) في "و":(( أو خنزيره )).
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السابع فيما يكون نجساً وفيما لا يكون ق ١٥/ب.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في البئر صـ ١٦٦ -.
(٤) صـ ٦١٧ - ٦١٨ - "در".
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل السابع فيما يكون نجساً وفيما لا يكون ق ١٥/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.
(٨) انظر "القاموس": مادة ((سرط)).
(٩) "القاموس": مادة ((ضفدع)).

الجزء الأول
٦١٧
باب المیاه
فُيُفسِدُ في الأصحِّ كحيَّةٍ بِرِّيةٍ إِنْ لها دمٌّ، وإلاَّ لا (وكذا) الحكمُ (لو ماتَ) ما ذُكِرَ
(خارجَهُ وَأُلْقِيَ فيه) في الأصحِّ، فلو تفتّتَ فيه نحوُ ضفدعٍ جاز الوضوءُ به لا شربُهُ
لحرمةٍ لحمِهِ.
(وينجُسُ) الماءُ القليلُ (بموتِ مائيِّ معاشٍ بِرِّيِّ مولٍ) ..
[١٦٢٠] (قولُهُ: فُيُفسِدُ في الأصحِّ) وعليه فما جزَمَ به في "الهداية"(١): ((من عدم الإفساد
بالضفدع البَرِّيِّ)) - وصحَّحَهُ في "السراج"(٢) - محمولٌ على ما لا دمَ له سائلٌ كما في "البحر"(٣)
و "النهر" (٤) عن "الحلبة"(٥).
[١٦٢١) (قولُهُ: كحَّةٍ بَرِّةٍ) أمَّا المائيّةُ فلا تُفسِدُ مطلقاً كما عُلِمَ مما مرَّ(٦)، وكالحَيَّة البريَّةِ
الوَزَغةُ لو كبيرةً لها دمٌّ سائلٌ، "منيةٍ(٧).
[١٦٢٢] (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: وإنْ لم يكن للضِّدع البرّيَّةِ والحيّة البرّيَّة دمٌ سائلٌ فلا يُفسِدُ.
[١٦٢٣] (قولُهُ: ما ذُكِرَ أي: من مائيِّ المولِدِ وغيرِ الدمويِّ، "ط (٨).
[١٦٢٤) (قولُهُ: لحرمةٍ لحمه) لأَنَّه قد صارت أجزاؤه في الماء، فيكرهُ الشربُ تحريماً كما في
"البحر"(٩).
[١٦٢٥) (قولُهُ: القليلُ) أمَّا الكثيرُ فيأتي حكمُهُ بعدُ(١٠).
(١) "الهداية": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ١٩/١.
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٦/أ.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٩٥/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/ب.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل في البئر ١/ق ٢٩٤/أ.
(٦) المقولة [١٦١٥] قوله: ((ومائي مولد)).
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في البئر صـ ١٦٦ -.
(٨) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٥/١.
(٩) "البحر": كتاب الطهارة ٩٤/١ نقلاً عن "الفتح".
(١٠) صـ ٦١٩-٦٣٣ - "در".

قسم العبادات
٦١٨
حاشية ابن عابدين
في الأصحِّ (كبطٍ وإوزٍّ) وحكمُ سائرِ المائعاتِ كالماء في الأصحِّ، حتى لو وقَعَ بولٌ في
عصيرِ عشرٍ في عشرٍ لم يَفسُدْ، ولو سالَ دُ رِجْله.
[١٦٢٦] (قولُهُ: في الأصحِّ) أي: من الرِّوايتين؛ لأنَّ له نفساً سائلةً، واتَّفقت الرواياتُ على
الإفساد في غير الماء، كذا في "شرح الجامع" لـ "قاضي خان" (١)، فما في "المجتبى": ((من تصحيح
عدم الإفساد به)) غيرُ ظاهرٍ، "نهر"(٢).
[١٦٢٧] (قولُهُ: كبطٍ وإِوَزِّ) فسَّرَ في "القاموس"(٣) كلاً منهما بالآخر، فهما مترادفان،
والإِوَزُّ بكسرٍ ففتحٍ وزايٍ مشدّدةٍ، وقد تحذف الهمزة.
مطلبٌ: حكمُ سائر المائعاتِ كالماء في الأصحّ
[١٦٢٨] (قولُهُ: وحكمُ سائر المائعات إلخ) فكلُّ ما لا يُفسِدُ الماءَ لا يُفسِدُ غيرَ الماءِ، وهو
الأصحُّ، "محيط" و"تحفة"(٤). والأشبهُ بالفقهِ، "بدائع"(٥). اهـ "بحر "(٦).
وفيه من موضعٍ آخرَ (٧): ((وسائرُ المائعات كالماء في القلّة والكثرة، يعني: كلُّ مقدارٍ لو كان
ماءً تنجَّسَ فإذا كان غيرُه ينجُسُ)) أهـ. ومثلُهُ في "الفتح "(٨).
[١٦٢٩] (قولُهُ: في عصيرٍ) أي: في حوضٍ فيه عصيرٌ، "ط)(٩).
[١٦٣٠] (قولُهُ: لم يُفسِدْ) أي: ما لم يظهرْ أثرُ النجاسة.
(١) "شرح الجامع الصغير": كتاب الطهارة - باب النجاسة تقع في الماء ١/ق ١٠/ب.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٣/أ.
(٣) "القاموس": مادة ((أوز)) و((بطط)).
(٤) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة ٦٣/١، وقوله: ((فكل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء)) نقله في "التحفة"عن
الکرخي عن أصحابنا.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا٧٩/١ً.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٩٥/١ بتصرف.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٨٢/١.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٢/١.
(٩) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٥/١.

الجزء الأول
٦١٩
باب المیاه
مع العصير لا ينجُسُ خلافاً لـ "محمَّدٍ"، ذكَرَهُ "الشمُنِيُّ" وغيره (ويتغيُّرِ أحدِ أوصافِهِ)
من لونٍ أو طعمٍ أو ريحٍ (بنحسٍ (١)) الكثيرُ ولو جارياً إجماعاً، أمَّا القليلُ فينحُسُ وإِنْ
لم يتغيَّرْ خلافاً لـ "مالكٍ".
(١٦٣١) (قولُهُ: مع العصير) أي: والعصيرُ يسيلُ، ولم يظهرْ فيه أثرُ الدَّم كما في "المنية"(٢) عن
"المحيط"(٣).
[١٦٣٢] (قولُهُ: لا ينجُسُ) أي: ويحلُّ شربُه؛ لأَنَّه جُعِلَ [١/ق ١٤٠/ أ] في حكم الماء،
فُتُستهلكُ فيه النجاسة بخلاف مسألة الضفدع المتقدِّمة(٤)، تأمَّل.
[١٦٣٣) (قولُهُ: خلافاً لـ "محمَّدٍ") أفاد أنَّ هذا قولُ "أبي حنيفة" و"أبي يوسف"، وبه صرَّحَ
في "المنية"(٥).
[١٦٣٤] (قولُهُ: وبتغُّرِ) عطفٌ على قوله: ((موتِ مائٍ)) المتعلّقِ بقوله قبله: ((وينجُسُ))،
وقولُهُ: ((بنجَسٍ)) جارٌّ ومجرورٌ متعلّقٌ بقوله: ((تغُّرٍ))، وقولُه: ((الكثيرُ)) فاعلُ ((ينجُسُ)) الذي
تعلَّق به قولُهُ: ((بتغُّرِ))، وقَّدَ بالكثير إصلاحاً لعبارة المتن؛ لأنَّ الكلام في القليل، ولا يصحُّ إرادتُه
هنا، ويوجدُ في بعض النسخ: ((ينجُسُ الكثيرُ)) بصيغة المضارع، وهو تحريفٌ، وكأنَّ المحشِّين لم
تقعْ لهم نسخةٌ صحيحةٌ، فاعترضوا على ما رأَوا، فافهم.
[١٦٣٥] (قولُهُ: خلافاً لـ "مالكٍ") فإنَّ ما هو قليلٌ عندنا لا ينجُسُ عنده ما لم يتغيّرْ، القليلُ
عنده ما تغيَّرَ، والكثيرُ بخلافه، وعند "الشافعيّ": الكثيرُ ما بَلَغَ القُلِّتين، والقليلُ ما دونه، وأمَّا
عندنا فسيأتي(٦) الفرقُ بينهما، والأدَّة مبسوطةٌ في "البحر"(٧).
(١) في "د" و"و": ((ينجس)).
(٢) انظر شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الشرط الثاني (الطهارة من الأنجاس) صـ١٩٥ -.
(٣) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارة - فصل في النجاسات ١/ق ٣١/ب.
(٤) صـ ٦١٧ - "در".
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الشرط الثاني الطهارة من الأنجاس (صـ١٩٥-).
(٦) ص ٦٣٤ - ٦٣٦ - " در".
(٧) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٧٨/١ وما بعدها.

قسم العبادات
٦٢٠
حاشية ابن عابدين
(لا لو تغيَّرَ بـ) طولِ (مُكْثٍ) فلو عَلِمَ نتَنَهُ بنجاسةٍ لم يجزْ، ولو شكَّ فالأصلُ الطهارةُ،
[١٦٣٦) (قولُهُ: لا لو تغيَّرَ إلخ) أي: لا ينجُسُ لو تغيَّرَ، فهوٌ عطفٌ على قوله:
((وينجُسُ))، لا على قوله: ((بموتٍ))، فتأمَّل ممعِناً:
[١٦٣٧) (قولُهُ: فلو عَلِمَ إلخ) صرَّحَ به لزيادة التوضيح، وإلاّ فهو داخلٌ تحت قول
"المصنّف": ((وبتغُرِ أحدِ أو صافه بنجَسٍ)).
[١٦٣٨] (قولُهُ: ولو شكَّ إلخ) أي: ولا يلزمُهُ السؤال، "بحر"(١). وفيه(٢) عن "المبتغى" بالغينِ:
((وبرؤية آثارِ أقدامِ الوحوش عند الماء القليل لا يتوضَّأ به، ولو مرَّ سبعٌ بالرَّكِيَّة(٣)، وغَلَبَ على ظنّه
شربُه منها تنجَّسَ، وإلاّ فلا اهـ. وينبغي حملُ الأوَّلِ على ما إذا غَلَبَ على ظنّه أنَّ الوحوش شربت
منه بدليل الفرع الثاني، وإلاَّ فمجرَّدُ الشكِّ لا يمنعُ لِما في "الأصل"(٤): أَنَّه يتوضَّأ من الحوض الذي
يَخافُ فيه(٥) قذراً ولا يتيقَّنه، وينبغي حملُ التيقُنِ المذكورِ على غلبة الظنِّ، والخوفِ على الشكِّ أو
الوهمِ كما لا يخفى)) اهـ.
(قولُهُ: الذي يَخافُ قذراً) عبارة "البحر": ((يَخافُ فيه قذراً)).
* قوله: ((فهو عطف على قوله: وينجس لا على ... إلخ))، وجهُهُ: أنَّ قَوله: ((بطول مكث)) متعلّقٌ بقوله: ((تغير))
وتغير فعل، و((بموت)) الباء فيه متعلقة بقوله: ((ينجس)) فمعمول ((ينجس)) في الحقيقة هو ((موت)) المجرور،
وتوصَّلَ إليه الفعلُ بواسطة الباء، فلو جُعِلَ قولُهُ: ((لو تغير)) معمولاً لـ ((ينجس)) المذكور، لَزِمَ عطفُهُ على معموله
وهو ((موت)) المجرور، فيلزم تسلّطُ الباءِ عليه، ولا تدخل الباء على غير الأسماء، اللهمَّ إلّ أنْ يُدَّعَى عطفُهُ على
الباء ومجرورها .اه منه.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٧١/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٩٢/١.
(٣) الرَكِيَّة: البئر. اهـ "القاموس": مادة ((ركو)).
(٤) "الأصل": كتاب الطهارة - باب الوضوء ٦٨/١ بتصرف.
(٥) ((فيه)) ساقطة من النسخ جميعها، وإثباتها هو الصواب والموافق لعبارة "الأصل" لمحمد و"البحر".

الجزء الأول
٦٢١
باب المیاه
والتوضِّي من الحوض أفضلُ من النّهر رَغْماً للمعتزلةِ.
(و كذا يجوزُ.
.
مطلبٌ في أنَّ التوضِّيَ من الحوض أفضلُ رغماً للمعتزلة، وبيان الجزء الذي لا يتجزّأَ
[١٦٣٩] (قولُهُ: والتوضِّي من الحوض أفضلُ إلخ) أي: لأنَّ المعتزلة لا يُجيزونه من
الحياض، فُرغمُهم بالوضوء منها، قال في "الفتح"(١): ((وهذا إنما يُفيدُ الأفضلَّةَ لهذا العارض،
ففي مكانٍ لا يتحقَّقُ يكون النَّهرُ أفضلَ)) اهـ.
بقيَ الكلامُ في وجهِ منع المعتزلة ذلك، ففي "المعراج": ((قيل: مسألةُ الحوض بناءٌ على الجزء
الذي لا يتحرًّا، فإنَّه عند أهل السنّة موجودٌ في الخارج، فتصلُ أجزاءُ النجاسة إلى جزءٍ لا يمكنُ
تجزِئْتُه، فيكونُ باقي الحوض طاهراً، وعند المعتزلة والفلاسفة هو معدومٌ، فيكون [١/ق ١٤٠/ب]
كلُّ الماء مجاوِراً للنجاسة، فيكون الحوضُ نجساً عندهم، وفي هذا التقرير نظرٌ)) اهـ.
(قولُهُ: فيكونُ باقي الحوضِ طاهراً) لكنْ لا يُعرَفُ الطاهرُ مِن المتنجِّسِ، ولَمَّا كانت أجزاءُ الماء تزيدُ
على أجزاءِ النجاسة وطهارتُهُ في الأصل متيقّةً، ووقَعَ الشكُّ في تنجُّسِ شيءٍ منه بلا تعيينٍ فُؤخَذُ بالمتَقَّن، أو
لضرورةِ أنَّ الماء لا يُحرَزُ في البيوت حكموا بطهارة الكلِّ. اهـ من "السِّنديّ".
(قولُهُ: وفي هذا التقريرِ نظرٌ) الأظهرُ في وجهِ النظر أنَّ في كلامِهِ خلطَ مذهبٍ بمذهبٍ، وذلك أنَّ كلاً
من الفلاسفة والمعتزلة قائلٌ بعدم جواز الطهارة من الحوض الكبير إذا وقَعَتْ فيه نجاسة ولو كانت الماءَ
المستعملَ على القول بنجاسته، إلاَّ أنَّ المعتزلة وإنْ كانوا من الحنفيَّة قائلين بالجزء الذي لا يتجزّأَ خالفوهم
في قولهم: إنَّ نجاسة الماء بالسَّريانِ، وقالوا: إنَّها بالجوار، فقالوا: لو وقَعَ في الحوض جزءً لا يتجزّأُ من
النجاسة صار كلُّهُ نجساً لصيرورةٍ مُحاوِرِ النجاسة نجساً، وهكذا محاوِرُهُ إلى آخرِ الحوض، والفلاسفة
النافون للجزء الذي لا يتجزّاً قالوا بالنجاسة للسِّراية، وذلك أنَّهم لَمَّا رأوا عدمَ تناهيه قالوا: أجزاءُ النجاسةِ
الواقعةِ في الحوض غيرُ متناهيةٍ كأجزاء الماءِ، فانقسَمَ كلُّ النجاسة إلى أجزاءٍ الماء فينجُسُ الكلُّ، كأنَّ في
كلِّ قطرةٍ من قطرات الماء نجاسةً، وعلماؤنا قالوا: إنَّ النجاسة بالسَّريان، وقد ثبَتَ عندهم الجزءُ الذي لا
يتجزَّ، فَلَزِمَ أنَّ بعض أجزاء الماءِ طاهرٌ، ولا يَرِدُ علينا أنَّ المسألة لو كانت مبنيّةً على ذلك لَزِمَ أنْ لا يُحكّمَ
بنجاسة ما دون عشر في عشر؛ لأنَّ السِّراية تغلبُ فيه لا في العشر في عشر.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الماء الذي يجوز به الوضوء وما لا يجوز ٧٢/١.

قسم العبادات
٦٢٢
حاشية ابن عابدين
١٢٤/١
أقولُ: وتوضيحُ ذلك: أنَّ الجزء الذي لا يتجزّأ" عبارةٌ عن الجوهر الفرد الذي لا يقبلُ الانقسامَ
أصلاً، وهو ما تتألّفُ الأجسامُ من أفراده بانضمام بعضِها إلى بعضٍ، وهو ثابتٌ عند أهل السنّة، فكلُّ
جسمٍ يتناهى بالانقسام إليه، فإذا وقعتْ في الحوض الكبير نجاسةٌ، وفرضْنا انقسامَها إلى أجزاءٍ لا
تتجزّاً، وقابَها من الماء الطاهر مثلُها يبقى الزائدُ عليها طاهراً، فلا يُحكَمُ على الماء كلِّه بالنجاسة،
وعند الفلاسفة هو معدومٌ، بمعنى أنَّ كلَّ جسمٍ قابلٌ لانقساماتٍ غيرِ متناهيةٍ، فكلُّ جزءٍ من النجاسة
قابلٌ للقسمة، وكذا الماءُ الطاهر، فلا يوجدُ جزءٌ من الطاهر إلاَّ ويقابلُه جزءٌ من النجاسة لعدم تناهي
القسمة، فَتَّصلُ أجزاءُ النجاسة بجميع أجزاء الماء الطاهر، فُحكَمُ عليه كلّه بأنّه نجسرٌ.
ولعلَّ وجهَ النظر في هذا التقرير: أنَّه لو كانت المسألةُ مبنيّةً على ذلك لزِمَ أنْ لا يُحكمَ
بنجاسة ما دون عشرٍ في عشرٍ أيضاً، إلاَّ إذا غلبت النجاسةُ عليه، أو ساوَتْه لبقاء الزائد على
الطهارة، فلا يُحكَمُ على الكلِّ بالنجاسة، وأيضاً فالتعبيرُ بالنجاسة مبنيٌّ على خلاف المعتمد من
طهارة الماء المستعمَل، على أنَّ المشهور أنَّ الخلاف في مسألة الجزء الذي لا يتجزّأ بين المسلمين
وحكماء الفلاسفة، فنفاه الفلاسفةُ، وبنوا عليه قِدَمَ العالَم وعدمَ حشر الأجساد وغيرَ ذلك من
أنواع الإلحاد، وأثبتَهُ المسلمون لردِّ ذلك؛ لأنَّ مادَّةَ العالَم إذا تناهتْ بالانقسام إليه يكون ذلك
الجزءُ حادثاً محتاجاً إلى موجدٍ، وهو الله تعالى كما بُيِّنَ ذلك في محلّه.
وأمَّ المعتزلةُ فلم يخالفوا أهلَ السنة في شيءٍ من ذلك، وإلاّ لكفَروا قطعاً مع أنّهم من أهل
قِبلِتِنا ومقلّدون في الفروع لمذهبنا.
فالأَولى ما قيل من بناءِ المسألة على أنَّ الماء يتنجَّسُ عندهم بالمجاورة، وعندنا لا، بل
بِالسَّرَيان، وذلك يُعلَمُ بظهور أثرها فيه، فما لم يظهرْ لا يُحكَمُ بالنجاسة بناءً على أنَّ المستعمَل
نجسٌ، هذا ما ظهَرَ لي في تقرير هذا المحلِّ، فاغتنمْه فإنَّك لا تكادُ تجدُه موضّحاً كذلك في غير
هذا الكتاب، والله أعلم بالصواب.
** الجزء الذي لا يتجزأ جوهرٌ ذو وَضْعٍ لا يقبل الانقسام أصلاً، لا بحسب الخارج ولا بحسب الوَهْم أو الفَرَض
العقلي، تتألف الأجسام من أفراده بانضمام بعضها إلى بعض. اهـ تعريفات السيد.اهـ منه.

الجزء الأول
٦٢٣
باب المیاه
بماء خالَطَهُ طاهرٌ جامدٌ) مطلقاً (كأُشنان وزعفران) لكنْ في "البحر"(١) عن
"القنية"(٢): ((إِنْ أمكَنَ الصبغُ به لم يَحُزْ كنبيذِ تمرٍ)) (وفاكهةٍ وورقِ شجرٍ) وإنْ غيَّرَ
كلَّ أوصافِهِ (في الأصحِّ إِنْ بقيَتْ رِقَّتْه) أي: واسمُهُ.
[١٦٤٠] (قولُهُ: بماءٍ) بالمدِّ والتنوين.
[٤١ ١٦] (قولُهُ: خالطَهُ طاهرٌ [١/ق١٤١/أ] جامدٌ) أي: بدون طبخٍ كما مرَّ(٣) ويأتي(٤).
(١٦٤٢] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان المخالِطُ من جنس الأرض كالتُراب، أو يُقْصَدُ بخلطه
التنظيفُ كالأُشْنان والصَّابون، أو يكونُ شيئاً آخرَ كالزَّعفران عند "الإِمام"، "منح"(٥).
[١٦٤٣) (قولُهُ: كأُشنانٍ) بالضّمِّ والكسر، "قاموس" (٦).
[١٦٤٤] (قولُهُ: لم يَجُزْ) لأنَّ اسمَ الماءِ زالَ عنه نظيرَ النَّبِيذ كما قدَّمناه(٧).
[١٦٤٥] (قولُهُ: وإنْ غَّرَ كلَّ أوصافِهِ) لأنَّ المنقولَ عن الأساتذة أَنَّهم كانوا يتوضَّؤون من
الحِياض التي تقعُ فيها الأوراقُ مع تغُرِ كلِّ الأوصاف من غير نكيرِ، "نهر"(٨) عن "النهاية".
[١٦٤٦) (قولُ: في الأصحّ) مقابلُهُ ما قيل: إنَّه إِنْ ظَهَرَ لونُ الأوراق(٩) في الكفِّلا يُتَوضَّأُ به،
لكنْ يُشْرَبُ. وَالَّقِيدُ بالكَفِّ إشارةٌ إلى كثرة التغُّ؛ لأنَّ الماء قد يُرى في محلّه متغيِّراً لونُه، لكنْ لو
رفَعَ منه شخصٌ في كفّه لا يراه متغيِّراً، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٧٤/١.
(٢) "القنية": كتاب الطهارة - باب في حكم الحياض والآبار ق ٤/أ.
(٣) صـ ٦٠٦ - "در".
(٤) المقولة [١٧١٦] قوله: ((بسبب طبخ)).
(٥) "المنح": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق ١٣/أ بتصرف يسير.
(٦) "القاموس": مادة ((أشن)).
(٧) المقولة [١٥٨٤] قوله: ((وكذا نبيذ التمر)).
(٨) "النهر": كتاب الطهارة ق١٢/أ.
(٩) من ((مع تغير)) إلى ((لون الأوراق)) ساقط من "الأصل".

قسم العبادات
٤ ٦٢
حاشية ابن عابدين
لِما مرَّ (و) يجوزُ (بجارِ وقعتْ فيه نجاسةٌ و) الجاري (هو ما يُعَدُّ جارياً) عرفاً، وقيل: ما
يَذْهَبُ بِبنةٍ، والأوَّلُ أظهرُ، والثاني أشهرُ (وإنْ) وصليَّةٌ (لم يكنْ جريانُهُ بعدَدٍ) في
الأصحِّ،.
[١٦٤٧] (قولُهُ: لِما مرَّ(١) أي: في قوله: ((فلو جامداً فبتخانةٍ ما لم يزُلِ الاسمُ)).
[١٦٤٨) (قولُهُ: وقعتْ فيه نجاسةٌ) يشمَلُ المرئيّة كالجيفة، ويأتي قريباً(٢) تمامُهُ.
[١٦٤٩] (قولُهُ: عُرْفً) تمييزٌ أو منصوبٌ بنزع الخافض، أي: يُعَدُّ من جهة العُرف، أو في
العُرف، تأمَّل.
[١٦٥٠] (قولُهُ: والأوَّلُ أظهرُ) أي: وأصحُّ كما في "البحر"(٣) و"النهر"(٤) لتعويله على
العُرْف، ولجريانه على قاعدة "الإِمام" من النّظر إلى المبتلَينَ، "ط" (٥). لكنِ اسْتُشكِلَ بأَنَّه لا يتعَيّنُ
أصلاً لتعدُّده واختلافِه بتعدُّد العادِّين واختلافِهم.
[١٦٥١] (قولُهُ: والثاني أشهرُ لوقوعه في كثيرٍ من الكتب حتى المتونِ، وقال "صدر الشريعة"(٦)
- وتَبِعَهُ "ابنُ الكمال" - : ((إنّ الحدُّ الذي ليس في دَرْكِه حرجٌ))، لكنْ قد علمتَ أنَّ الأوَّلَ أصحُ،
والعُرْفُ الآن: أَنَّه متى كان الماءُ داخلاً من جانبٍ وخارجاً من جانبٍ آخرَ يُسمَّى جارياً وإِنْ قلَّ
الداخلُ، وبه يظهرُ الحكمُ في بِرَكِ المساجد ومَغطِسِ الحَمَّام مع أنّه لا يذهبُ بِبْنَةٍ، والله أعلمُ.
مطلبٌ: الأصحُّ أَنَّه لا يُشترَطُ في الجريان المددُ
[١٩٥٢) (قولُهُ: في الأصحِّ) نقَلَ تصحيحَهُ في "البحر"(٧) عن "السِّراج الوهَّاجِ "(٨)، وعن
(١) صـ ٦٠٦ - ٦٠٧ - "در".
(٢) صـ ٦٢٧ -، وصـ ٦٣٤ - "در".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٣/أ.
(٥) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٦/١.
(٦) "شرح الوقاية": كتاب الطهارة ١٥/١ (هامش"كشف الحقائق").
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٩١/١.
(٨) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ٣٢/أ.