النص المفهرس
صفحات 601-620
الجزء الأول
٥٨٥
ما يحظر بالجنابة وما يكره
بما لم يُبدَّلْ (لا).
هذا، وصحَّحَ في "الخلاصة"(١) عدمَ الكراهة، قال في "شرح المنية"(٢): ((لكنَّ الصحيحَ
الكراهةُ؛ لأنَّ ما بُدِّلَ منه بعضٌ غيرُ معَيَّنٍ، وما لم يُبدَّلْ غالبٌ، وهو واجبُ التعظيم والصَّونِ، وإذا
اجتمَعَ المحرِّمُ والمبيحُ غَلَبَ المحرِّمُ، وقال عليه الصلاة والسلام: ((دعْ ما يَرِيُك إلى ما لا
يَرِيبُك))(٣)، وبهذا [١/ق ١٣٢/ب] ظهَرَ فسادُ قول مَن قال -: يجوزُ الاستنجاءُ بما في أيديهم من
التوراة والإنجيل - من الشافعيَّةِ(٤)، فإنَّه محازَفَةٌ عظيمةٌ؛ لأنَّ الله تعالى لم يخبِرْنا بأنّهم بدَّلوها عن
آخرِها، وكونُه منسوخاً لا يُخرِجُه عن كونه كلامَ الله تعالی کالآيات المنسوخة من القرآن)) اهـ.
واختار سيِّدي "عبدُ الغنيّ)) (*) ما في "الخلاصة"، وأطالَ في تقريره، ثمَّ قال(٦): ((وقد نُهِينا
عنِ النظر في شيءٍ منها، سواءٌ نقَلَها إلينا الكفَّارُ، أو مَن أسلَمَ منهم)).
[١٥١٧] (قولُهُ: بما لم يبدَّلْ) أمَّا ما عُلِمَ أنه مبدَّلٌ لو كُتِبَ وحدَه يجوزُ مسُّه كزعمهم أنَّ
مِن التوراة: ((هذه شريعةٌ مؤبَّدةٌ ما دامت السمواتُ والأرض))، قال في "شرح التحرير "(٧):
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق٢٩/ب، نقلاً عن الطحاوي.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ ٦٠ -.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٨٤)، وأحمد ٢٠٠/١، والطيالسي (١١٧٨)، والترمذي (٢٥١٨) كتاب صفة القيامة باب
(٦٠) وقال: وهذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٣٢٧/٨ كتاب الأشربة - باب الحث على ترك الشبهات،
والطبراني في "الكبير"(٢٧٠٨)، والحاكم ١٣/٢ ٩٩/٤، وأبو نعيم في "الحلية" ٢٦٤/٨، والبغوي في "شرح
السنة" (٢٠٣٢) كلهم من حديث الحسن بن علي مرفوعاً، وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأنس، وواثلة.
(٤) نقول: ولا شكّ أنّ الآداب الإسلامية تمنع من ذلك، وأن المؤمن يجب أن يعتمد في عبادته الورع والبعد عن
الشبهات، وكيف تجوز المجازفة بإطلاق مثل هذا الحكم وقد ثبت في صريح الكتاب وفي صريح السنة الأمرُ
بالإحسان إلى أهل الكتاب والنهي عن إيذائهم، ولا شكَّ أنَّ هذا مما يؤذيهم فهو داخل تحت النهي والتحريم.
(٥) "نهاية المراد": مطلب ما يحرم بالحيض والنفاس والجنابة صـ ٢٠٠ - وما بعدها.
(٦) أي: صاحب "نهاية المراد" صـ٢٠٢ -.
(٧) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية، الباب الثالث ، فصل - مسألة جواز النسخ ٤٦/٣.
قسم العبادات
٥٨٦
حاشية ابن عابدين
قراءةُ (قنوتٍ) ولا أكلُهُ وشربُهُ بعد غَسلِ يدٍ وفمٍ، ولا معاودةُ أهله قبلَ اغتساله،
إلاّ إذا احتلَمَ لم يأتِ أهلَهُ،.
((وقد ذكَرَ غيرُ واحدٍ أَنَّه قيل: أوَّلُ مَن اختلقَه لليهود "ابنُ الرَّاوَنْدِيِّ"(١) ليعارِضَ به دعوى
نبيِّنا محمَّدٍ
[١٥١٨) (قولُهُ: لا قراءةُ قنوتٍ) هذا ظاهرُ المذهب، وعن "محمَّدٍ": أَنَّه يكرهُ احتياطاً؛ لأنَّ
له شبهةَ القرآن لاختلافِ الصحابة؛ لأنَّ "أُبَّاً" جعلَهُ سورتين من القرآن: مِن أَوَّله إلى:
((اللهمَّ، إِيَّاكِ نعْبُدُ)) سورةً، ومن هنا إلى آخره أخرى، لكنَّ الفتوى على ظاهر الرواية؛ لأَنَّه
ليس بقرآنٍ قطعاً ويقيناً بالإجماع، فلا شبهةَ تُوجِبُ الاحتياطَ المذكور، نعمْ يستحبُّ الوضوءُ
لذكرِ الله تعالى، وتمامُهُ في "الحلبة"(٢).
[١٥١٩] (قولُهُ: بعد غَسلِ يدٍ وفٍ) أمَّا قَبْلَه فلا ينبغي؛ لأَنَّه يصيرُ شارِباً للماء المستعمَل، وهو
مكروه تنزيهاً، ويدُه لا تخلو عن النجاسة، فينبغي غسلُها ثمَّ يأكل، "بدائع"(٢).
وفي "الخزانة": ((وإِنْ تُرِكَ لا يضُرُّهُ))، وفي "الخانَيَّةُ"(٤): ((لا بأس به))، وفيها: ((واختلف في
الحائض، قيل: كالجنب، وقيل: لا يستحبُّ لها؛ لأنَّ الغَسل لا يزيلُ نجاسةَ الحيض عن الفم
واليد))، وتمامُهُ في "الحلبة"(٥).
[١٥٢٠] (قولُهُ: لم يأتِ أهلَه) أي: ما لم يغتسلْ لئلا يشاركَه الشيطانُ كما أفاده
"ركن الإسلام"(٦)، وفي "البستان"(٧).
(١) أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرَّاوَنْدي أو ابن الرَّاوَنْدي، فيلسوف مجاهر بالإلحاد، من سكان بغداد
(ت ٢٩٨ هـ). ("وفيات الأعيان"٩٤/١، "سير أعلام النبلاء" ٥٩/١٤).
(٢) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق ١٢٠/ب.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الغسل ٣٨/١ بتصرف.
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٦/١ (هامش الفتاوى الهندية).
(٥) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق١٢٥/ب.
(٦) أبو الفضل ركن الإسلام الكرماني، وتقدمت ترجمته صـ١٢٢ -.
(٧) "بستان العارفين": الباب التاسع والثمانون في الجماع صـ٥٦-، وهو لأبي الليث نصر بن محمد السمر قندي(ت٣٧٣هـ على
الراجح). (عقب كتاب "تنبيه الغافلين"). ("كشف الظنون" ٢٤٣/١، "الفوائد البهية" صـ٢٢٠-).
الجزء الأول
٥٨٧
ما يحظر بالجنابة وما يكره
قال "الحلبيُّ": ((ظاهرُ الأحاديثِ إنما يفيدُ الندبَ لا نفيَ الجوازِ المفادَ ...
((قال "ابن المقنَّع"(١): يأتي الولدُ مجنوناً أو مختلاً))(٢)، "إسماعيل"(٣).
[١٥٢١) (قولُهُ: قال "الحلبيُّ" إلخ) هو العلاَّمةُ " محمَّد بن أمير حاج" الحلبيُّ، شارحُ "المنية"
و "التحريرِ الأصوليِّ".
[١٥٢٢] (قولُهُ: ظاهرُ الأحاديث إلخ) يُشعِرُ بِأَنَّه وردتْ في الاحتلام أحاديثُ، والحالُ أَنّا لم
نقفْ فيه على حديثٍ واحدٍ، والذي ورَدَ: أَنَّهِ﴿ («دارَ على نسائه في غُسلٍ واحدٍ)(٤)، وورَدَ:
((أَنّه طاف على نسائه، واغتسَلَ عند [١/ق١٣٣/ أ] هذه وعند هذه))(٥)، فقلنا باستحبابه.
(قولُهُ: يُشعِرُ بأَنَّه وردتْ في الاحتلام أحاديثُ إلخ) ليس في عبارته ما يدلُّ صراحةً على أنَّ
الأحاديث واردةٌ في الاحتلام، ويُحتمَلُ أنَّ مراده ما يفيدُهُ قولُ "المحشِّي": ((لَمَّا قام الدَّليلُ على
استحباب الغُسل إلخ))، فُيُحمَلُ الكلامُ عليه تصحيحاً له.
(١) في "البستان": ((ابن المقفع)) وهو الصواب، وما وقع هنا تحريف، وابن المُقَفَّع هو عبد الله بن المقفع(ت١٤٢ هـ)،
من أئمة الكُتّاب، وكان يتهم بالزندقة. ("سير أعلام النبلاء" ٢٠٨/٦، "الأعلام" ١٤٠/٤).
(٢) في النسخ جميعها: ((بخيلاً)) وما أثبتناه من عبارة "البستان" هو المناسب للسياق.
(٣) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق١١٧/أ باختصار.
(٤) أخرجه أحمد ٢٢٥/٣ وأخرجه مسلم (٣٠٩) في كتاب الحيض - باب إذا أتى أهله ثم أراد أن يعود، وأبو داود(٢١٨) كتاب
الطهارة - باب في الجنب يعود، والترمذي (١٤٠) كتاب أبواب الطهارة - باب ما جاء في الرجل يطوف على نسائه بغسل
واحد، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي (٢٦٤) كتاب الطهارة - باب إتيان النساء قبل إحداث الغسل، وابن
ماجه (٥٨٨) كتاب الطهارة وسننها. وأخرجه البخاري(٥٢١٥) بلفظ: كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ
تسع نسوة. فهذا اللفظ ليس بصريح في أنه طاف عليهن بغسل واحد مع أن البخاري بوّب للحديث بذلك فقال: باب من
طاف على نسائه في غسل واحد. عن أنس مرفوعاً.
(٥) أخرجه أحمد ٣٩١/٦، وابن أبي شيبة ١٧٢/١ كتاب الطهارات - باب الرجل يطوف على نسائه ليلة، وأبو
داود (٢١٩) كتاب الطهارة - باب الوضوء لمن أراد أن يعود، وقال: وحديث أنس أصح من هذا، وقال العلامة
شمس الحق العظيم آبادي في "عون المعبود"٣٧٠/١ - ٣٧١: وقول المؤلف - أي: أبي داود - ليس بطعن في حديث
أبي رافع؛ لأنه لم ينف الصحة عنه. وأخرجه ابن ماجه (٥٩٠) كتاب الطهارة وسننها - باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلاً.
قسم العبادات
٥٨٨
حاشية ابن عابدين
من کلامه )).
(والتفسیرُ کمصحفٍ.
وأمَّا الاحتلامُ فلم يرِدْ فيه شيءٌ من القول والفعلِ، على أنَّه من جهة الفعل محالٌ؛ لأنَّ الأنبياء
صلواتُ الله عليهم وسلامُه معصومون عنه، غايةُ ما يقال: إنَّه لَمَّا دلَّ الدليلُ على استحباب الغُسل
لمن أراد المعاودة عُلِمَ استحبابُه للجنب إذا أرادَ ذلك، سواءٌ كانت الجنابةُ من الجماع أوِ الاحتلام.
اهـ "نوح أفندي".
وهو كلامٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّ عبارة "الحلبيِّ" ليس فيها الاستدلالُ بالأحاديثِ على الندب، وإنما
نفيُ الدليل على الوجوب، و"الشارعُ" تَابَعَ صاحبَ "البحر"(١) في عزوٍ هذه العبارة إليه.
ونصُّ عبارة "الحلبيِّ" في "الحلبة"(٢) بعد نقلِه جملةَ أحاديثَ: ((فيستفادُ من هذه الأحاديثِ
أنَّ المعاودةَ من غير وضوءٍ ولا غسلٍ بين الجماعين أمرٌ جائزٌ، وأنَّ الأفضل أنْ يتخلََّها الغُسلُ أو
الوضوءُ))، ثمَّ قال بعد نقله الفرعَ المذكور عن "المبتغى" - بالغين المعجمة، وهو قولُه: ((إلاّ إذا
احتلَمَ لم يأتِ أهَلَه)) -: ((هذا إنْ لم يُحمَلْ على الندب غريبٌ، ثمَّ لا دليلَ فيما يظهرُ يدلُّ على
الحرمة)) اهـ.
[١٥٢٣] (قولُهُ: من كلامِهِ) أي: كلامٍ "المبتغى"، وليس في عبارة "الشارح" ما يرجِعُ إليه هذا
الضميرُ.
[١٥٢٤] (قولُهُ: والتفسيرُ كمصحفٍ) ظاهرُه حرمةُ المسِّ كما هو مقتضى التشبيهِ، وفيه نظرٌ؛
إذ لا نصَّ فيه بخلاف المصحف، فالمناسبُ التعبيرُ بالكراهة كما عبَّرَ غيرُه.
(قولُهُ: إلاَّ أنَّ عبارة "الحلبيِّ" ليس فيها الاستدلالُ إلخ) نعم ليس فيها ذلك صراحةً، لكنّها تُفْهِمُه
دلالةٌ كما لا يخفى، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٤٩/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق١٢٦/أ.
الجزء الأول
٥٨٩
ما يحظر بالجنابة وما يكره
لا الكتبُ الشرعيَّةُ) فإنَّهِ رُخْصَ مسُّها باليدِ لا التفسيرِ كما في "الدرر" عن "مجمع
الفتاوى"، وفي "السِّراج": ((المستحبُّ أنْ لا يأخذَ الكتبَ الشرعيَّةَ بالكمِّ أيضاً تعظيماً))،
لكنْ في "الأشباهِ" من قاعدةِ إذا اجتمَعَ الحلال والحرامِ رَجَحَ الحرامُ: ((وقد جوَّزَ
أصحابُنا مسَّ كتبِ التفسير للمُحدِثِ، ولم يفصِّلوا بين كونِ الأكثرِ تفسيراً أو قرآناً، ...
[١٥٢٥] (قولُهُ: لا الكتبُ الشرعيَّةُ) قال في "الخلاصة"(١): ((ويكرهُ مسُّ المحدِث المصحفَ
كما يكرهُ للجنب، وكذا كتبُ الأحاديثِ والفقهِ عندهما، والأصحُّ أَنَّه لا يكرهُ عنده)) اهـ
قال في "شرح المنية"(٢): ((وجهُ قوله أَنَّه لا يسمَّى ماسّاً للقرآن؛ لأنَّ ما فيها منه بمنزلةٍ
التابع)) اهـ.
ومشى في "الفتح"(٣) على الكراهة، فقال: ((قالوا: يكرهُ مسُّ كتب التفسيرِ والفقهِ والسنن؛
لأَنّها لا تخلو عن آياتِ القرآن، وهذا التعليلُ يَمنَعُ من شروح(٤) النحو)) اهـ.
[١٥٢٦) (قولُهُ: لكنْ في "الأشباهِ"(٥) إلخ) استدراٌ على قوله: ((والتفسيرُ كمصحفٍ))، فإنَّ ما
في "الأشباهِ" صريحٌ في جواز مسِّ التفسير، فهو كسائر الكتب الشرعيَّة، بل ظاهرُه أَنَّه قولُ أصحابنا
جميعاً، وقد صرَّحَ بجوازه أيضاً في "شرح درر البحار"(٦)، وفي "السِّراج"(٧) عن "الإيضاح"(٨):
(قولُهُ: والأصحُّ أَنَّه لا يكرهُ عنده) أي: في كتبِ الحديث والفقه، فيكونُ ساكتاً عن التفسير.
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الحادي عشر في القراءة ق٢٩/ب.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل ص٥٩ ..
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥٠/١.
(٤) كذا في النسخ، وفي "الفتح": ((يمنع مَسَّ شروح النحو)).
(٥) "الأشباه والنظائر": الفن الأول - القاعدة الثانية صـ١٢٤ -.
(٦) "غرر الأذكار": كتاب الطهارة - باب الغسل ق ١١/ب.
(٧) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - باب الحيض ١/ق٨٨/ب بتصرف.
(٨) "الإيضاح": لأبي الفضل عبد الرحمن بن محمد بن أَمِيْرَوَيْه، ركن الإسلام الكَرْماني(ت٥٤٣هـ، وقيل: ٥٤٤)
شَرَحَ به كتابَه "التجريد الركني". ("كشف الظنون" ٢١١/١، ٣٤٥، "الجواهر المضية" ٣٨٨/٢، "الفوائد البهية" صـ٩١-).
قسم العبادات
٥٩٠
حاشية ابن عابدين
١١٨/١ ((أَنَّ كتب التفسير لا يجوزُ مسُّ موضعِ القرآنِ منها، وله أنْ يَمَسَّ غيرَه، وكذا كتبُ الفقه
[١/ق١٣٣/ب] إذا كان فيها شيءٌ من القرآن بخلاف المصحف، فإنَّ الكلَّ فيه تبعٌ للقرآن)) اهـ.
والحاصلُ: أَنَّه لا فرقَ بين التفسير وغيره من الكتب الشرعيَّة على القولِ بالكراهة وعدمِه،
ولهذا قال في "النّهر"(١): ((ولا يخفى أنَّ مقتضى ما في "الخلاصة" عدمُ الكراهة مطلقاً؛ لأنَّ مَن
أثْبَتَها حتى في التفسير نظَرَ إلى ما فيها من الآيات، ومَن نفاها نظَرَ إلى أنَّ الأكثرَ ليس كذلك،
وهذا يُعُمُّ التفسيرَ أيضاً، إلاَّ أنْ يقالَ: إِنَّ القرآنَ فيه أكثرُ من غيره)) اهـ. أي: فيكرهُ مسُّه دون
غيره من الكتب الشرعيّة كما جرى عليه "المصنّف" تبعاً لـ "الدرر"(٢)، ومشى عليه في "الحاوي
القدسيِّ"(٣)، وكذا في "المعراج" و"التحفة"(٤).
فتلخَّصَ في المسألة ثلاثةُ أقوالٍ، قال "ط " (٥): ((وما في "السِّراج" أوفقُ بالقواعد)) اهـ.
أقولُ: الأظهرُ والأحوطُ القولُ الثالث، أي: كراهته في التفسير دون غيره لظهور الفرق، فإِنَّ
القرآن في التفسير أكثرُ منه في غيره، وذكرُه فيه مقصودٌ استقلالاً لا تبعاً، فشبَهُهُ بالمصحف أقربُ
من شَهِهِ ببقَّة الكتب.
والظاهرُ أنَّ الخلاف في التفسير الذي كُتِبَ فيه القرآنُ بخلاف غيره كبعض نسخ
"الكشّاف"، تأمَّل(٦).
(قولُهُ: ولذا قال في "النهر") أي: عقِبَ ما في "الدُّرر".
(١) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحيض ق ٢٧/أ.
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٧/١.
(٣) "الحاوي القدسي": كتاب الطهارة - فصل: الجنب لا يقرأ ق٣٠/ب.
(٤) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ١٠٠/١ بتصرف.
(٦) من ((والظاهر)) إلى ((تأمل)) ساقط من "الأصل".
الجزء الأول
٥٩١
ما يحظر بالجنابة وما يكره
ولو قيل به اعتباراً للغالب لكانَ حسناً))، قلت: لكِنَّه يخالِفُ ما مرَّ، فتدَبَّرْ.
(فروعٌ) المصحفُ إذا صارَ بحالٍ لا يُقرَأ فيه يُدفَنُ كالمسلم، ..
[١٥٢٧) (قولُهُ: ولو قيل به) أي: بهذا التفصيل، بأنْ يقالَ: إنْ كان التفسيرُ أكثرَ لا يكرهُ،
وإنْ كان القرآنُ أكثرَ يكرهُ، والأَولى إلحاقُ المساواةِ بالثاني، وهذا التفصيلُ ربما يشيرُ إليه ما
ذكرناه(١) عن "الَّهر"، وبه يحصلُ التوفيقُ بين القولين.
[١٥٢٨] (قولُهُ: قَلْتُ: لكنَّه إلخ) استدراكٌ على قوله: ((ولو قيل به إلخ))، وحاصلُه: أنَّ ما مرَّ
في المتن(٢) مطلقٌ، فتقييدُ الكراهةِ بما إذا كان القرآنُ أكثرَ مخالفٌ له، ولا يخفى أنَّ هذا الاستدراكَ
غيرُ الأوَّلِ؛ لأنَّ الأوَّلَ كان على كراهةٍ (٣) مسِّ التفسير، وهذا على تقييدِ الكراهة، فافهم.
[١٥٢٩] (قولُهُ: فتدبّر) لعلَّه يشيرُ به إلى أَنَّه يمكنُ ادِّعاءُ تقييدِ إطلاق المتن بما إذا لم يكنِ
التفسیرُ أکثرَ، فلا يُنافي دعوى التفصيل.
١٥٣٠١) (قولُهُ: يُدفَنُ) أي: يُجعَلُ في خِرقةٍ طاهرةٍ، ويُدفن في محلٍّ غِيرٍ مِمْتَهَنٍ لايوطأُ، وفي
"الذخيرة": ((وينبغي أنْ يُلحَدَ له، ولا يشقُّ له؛ لأَنَّه يَحتاج إلى إهالةِ التراب عليه، وفي ذلك نوعُ
تحقيرٍ، إلاَّ إذا جَعلَ فوقَه سقفاً بحيث لا يصلُ الترابُ إليه، فهو حسنٌ أيضاً)) اهـ
وأمَّا غيرُه من الكتب فسيأتي(٤) في الحظر الإباحة: ((أَنَّه يُمحَى عنها اسمُ الله تعالى
وملائكتِه ورسله، ويُحرَقُ الباقي، ولا بأس بأنْ تُلقَى في ماءِ جارٍ كما هي، أو تدفنَ، وهو
أحسنُ)) اهـ.
[١٥٣١] (قولُهُ: كالمسلم) [١/ق ١٣٤ / أ] فإنَّه مكرَّمٌ، وإذا مات وعُدِمَ نفعُه يدفن، وكذلك
المصحفُ، فليس في دفنه إهانةٌ له، بل ذلك إكرامٌ خوفاً منَ الامتهان.
(١) المقولة [١٥٢٦] قوله: ((لكن في "الأشباه")).
(٢) صـ ٥٨٨ - "در".
(٣) من ((بما إذا)) إلى ((كراهة)) ساقط من "آ".
(٤) انظر المقولة [٣٣٥١٦]، قوله: ((الكتب إلخ)) وما بعده.
قسم العبادات
٥٩٢
حاشية ابن عابدين
ويُمنَعُ النصرانيُّ من مسِّهِ، وحوَّزَهُ "محمَّدٌ" إذا اغتسَلَ، ولا بأسَ بتعليمه القرآنَ والفقهَ
عسى يهتدي، ويكرهُ وضعُ المصحف تحت رأسِهِ إلاَّ للحفظ،.
[١٥٣٢] (قولُهُ: ويُمنَعُ النصرانيُّ) في بعض النسخ(١): ((الكافر))، وفي "الخانَيَّة"(٢): ((الحربيُّ
أو الذميُّ)).
[١٥٣٣] (قولُهُ: مِن مسِّهِ) أي: المصحفِ بلا قيدِهِ السابقِ(٣).
[١٥٣٤] (قولُهُ: وجوَّزه "محمَّدٌ" إذا اغتسَلَ) جزَمَ به في "الخانَيَّةِ"(٤) بلا حكايةِ خلافٍ، قال
في "البحر"(٥): ((وعندهما يُمنَعُ مطلقاً)).
[١٥٣٥) (قولُهُ: ويكرهُ وضعُ المصحفِ إلخ) وهل التفسيرُ والكتب الشرعيَّة كذلك ؟
يُحرَّرُ، "ط" (٦).
أقولُ: الظاهرُ نعم كما يفيدُه المسألةُ التالية، ثمَّ رأيْتُه في كراهية "العلاّميّ".
[١٥٣٦] (قولُهُ: إلاَّ للحفظ) أي: حفظِهِ من سارقٍ ونحوِه.
(تنبيةٌ)
سئلَ بعضُ الشافعيّة عمَّن اضطُرَّ إلى مأكولٍ، ولا يَتوصَّلُ إليه إلاّ بوضع المصحف تحت رِجْلُه.
فأجاب: الظاهرُ الجوازُ؛ لأنَّ حفظ الرُّوح مقدَّمٌ ولو من غير الآدميِّ، ولذا لو أشرفتْ سفينةٌ
على الغرق، واحتيج إلى الإلقاء أُلقيَ المصحف حفظاً للروح، والضَّرورةُ تمنع كونَه امتهاناً كما لو
اضطُرَّ إلى السجود لصنَمٍ حفظاً لرُوحه.
(١) مثل نسخة "د" و"و".
(٢) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل كيفية القراءة ١٦٣/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٣) ص ٥٧٩- "در".
(٤) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل كيفية القراءة ١٦٣/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٥) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٢/١.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ١٠٠/١.
الجزء الأول
٥٩٣
ما يحظر بالجنابة وما يكره
والمقلمةِ على الكتاب إلاَّ للكتابة، ويُوضَعُ النحوُ، ثمَّ فوقه(١) التعبيرُ، ثمَّ الكلامُ، ثُمَّ
الفقهُ، ثمَّ الأخبارُ والمواعظ، ثمَّ التفسيرُ.
تكرهُ إذابةُ درهمٍ عليه آيَةٌ إلاّ إذا كسَرَهُ.
[١٥٣٧) (قولُهُ: والمقلمةِ) أي: الدَّواةِ.
[١٥٣٨] (قولُهُ: إلاَّ للكتابة) الظاهرُ أنَّ ذلك عند الحاجة إلى الوضع.
[١٥٣٩) (قولُهُ: ويُوضَعُ إلخ) أي: على سبيل الأولويَّةِ رعايةً للتعظيم.
[١٥٤٠] (قولُهُ: النحوُ) أي: كُه، واللغةُ مثلُه كما في "البحر"(٢).
[١٥٤١] (قولُهُ: ثمَّ التعبيرُ) أي: تعبيرُ الرُّؤيا كـ "ابن سيرين" و"ابن شاهين" لأفضلَتِه لكونه
تفسيراً لِما هو جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة، وهو الرُّؤْيا، "ط" (٣).
[١٥٤٢] (قولُهُ: ثُمَّ الفقهُ) لعلَّ وجهَه أنَّ معظمَ أدلَّته من الكتاب والسنَّة، فيكثُرُ فيه ذكرُ
الآيات والأحاديثِ بخلاف علم الكلام، فإنَّ ذلك خاصٌّ بالسمعيَّات منه فقط، تأمَّل.
[١٥٤٣) (قولُهُ: ثُمَّ الأخبارُ والمواعظُ) عبارةُ "البحر "(٤) عن "القنية"(٥): ((الأخبارُ والمواعظ
والدعَوات المرويَّةُ)) اهـ.
والظاهرُ أنَّ ((المرويَّةُ)) صفةٌ للكلِّ، أي: المرويَّةُ عن النبيَِّّ.
[١٥٤٤] (قولُهُ: ثُمَّ التفسيرُ) قال في "البحر"(٦): ((والتفسيرُ فوق ذلك، والتفسيرُ الذي فيه
آياتٌ مكتوبةٌ فوق كتبِ القراءة))، زاد "الرمليُّ" عن "الحاوي": والمصحفُ فوقَ الجميع.
[١٥٤٥] (قولُهُ: إِلَّ إذا كسَرَهُ) فحينئذٍ لا يكرهُ كما لا يكرهُ مسُّه لتفرُّقِ الحروف، أو لأنَّ
الباقيَ دونَ آیةٍ.
(١) ((فوقه)) ليست في "ب".
(٢) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٢/١ نقلاً عن "القنية".
(٣) "ط: كتاب الطهارة ١٠٠/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٢/١.
(٥) "القنية": كتاب الكراهية - باب في صف المصاحف والكتب ق ٦٨/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ٢١٢/١ نقلاً عن "القنية".
قسم العبادات
٥٩٤
حاشية ابن عابدين
رُقيّةٌ في غلافٍ متحافٍ لم يكرهْ دخولُ الخلاء به، والاحترازُ أفضلُ. يجوزُ رميُ بُرايةٍ
القلم الجديد، ولا تُرمَى بُرايةُ القلمِ المستعمل لاحترامه كحشيشِ المسجد وكُناسته لا
يُلقَى في موضعٍ يُخِلُّ بالتعظيم، ولا يجوزُ لفُّ شيءٍ في كاغِدٍ فيه فقةٌ، وفي كتب الطِّبِّ
يجوزُ، ولو فيه اسمُ اللهِ أو الرسولِ فيجوزُ محوُّهُ لَيُلَفَّ فيه شيءٌ،
[١٥٤٦] (قولُهُ: رُقيّةٌ إلخ) الظاهرُ: أنَّ المراد بها ما يسمُّونه الآنَ بالهيكل والحمائلِ (١) المشتملِ
على الآيات القرآنيَّة، فإذا كان غلاقُه منفصلاً عنه كالمشمَّع ونحوِهِ جاز دخولُ الخلاء به ومسُّه
وحملُه للجنب، ويستفاد [١/ق١٣٤/ب] منه: أنَّ ما كُتِبَ من الآيات بنيَّةِ الدعاء والثناء لا يخرُجُ
عن كونه قرآناً بخلاف قراءته بهذه النَّّةِ، فالنيَّةُ تَعمَلُ في تغيير المنطوقِ لا المكتوب. اهـ من "شرح
سيِّدي عبدِ الغنيّ"(٢).
[١٥٤٧] (قولُهُ: لاحترامِهِ) أي: بسبب ما كُتِبَ به من أسماء الله تعالى ونحوِها، على أنَّ
الحروفَ في ذاتِها لها احترامٌ.
١١٩/١
[١٥٤٨] (قولُهُ: لا يُلقَى) أي: ما ذُكِرَ من الحشيش والكُناسة.
[١٥٤٩] (قولُهُ: في كاغَدٍ) هو القرطاس معرَّباً، "قاموس"(٣). وهو بفتح الغين المعجمة كما
نُقِلَ عن "المصباح"(٤).
[١٥٥٠] (قولُهُ: فيجوزُ محوُهُ) المحوُ: إذهابُ الأثرِ كما في "القاموس" (٥)، قال "ط"(٦): ((وهل
إذا طَمَس الحروفَ بنحوِ حبرٍ يُعَدُّ محواً؟ يحرَّرُ).
(١) في "ب" و"م": ((الحمائلي)).
(٢) "نهاية المراد": ما يحرم بالحيض والنفاس والجنابة صـ٢٠٣ - وعبارته: ((فالنية إنما تعمل في تفسير المنطوق ... )) وهو تحريف.
(٣) "القاموس": مادة ((كغد)).
(٤) "المصباح": مادة ((كغد)).
(٥) "القاموس": مادة ((محو)).
(٦) "ط": كتاب الطهارة ١٠١/١.
الجزء الأول
٥٩٥
ما يحظر بالجنابة وما يكره
ومحوُ بعضِ الكتابة بالريق يجوزُ، وقد ورَدَ النهيُ في محوِ اسمِ الله بالبزاق، وعنه عليه
الصلاة والسلام: ((القرآنُ أحبُّ إلى الله تعالى من السمواتِ والأرض ومَنْ فيهنَّ))(١).
يجوزُ قربانُ المرأة في بيتٍ فيه مصحفٌ مستورٌ. بساطٌ أو غيرُهُ كُتِبَ عليه: الملكُ
لله يكرهُ بسطُهُ واستعمالُهُ لا تعليقُهُ للزِّينة، وينبغي أنْ لا يكرهَ كلامُ الناس.
[١٥٥١] (قولُهُ: ومحوُ بعضِ الكتابة) ظاهرُه: ولو قرآناً، وقَّدَ بالبعض لإخراج اسم الله تعالى،
"ط" (٢).
[١٥٥٢] (قولُهُ: وقد ورَدَ النهيُ إلخ) فهو مكروهٌ تحريماً، وأمَّا لَعقُهُ بلسانه وابتلاعُهُ فالظاهر
جوازُه، "ط" (٣).
[١٥٥٣] (قولُهُ: ومَن فيهنَّ) ظاهرُه يُعُمُّ النبيِلَ﴿ٌ، والمسألةُ ذاتُ خلافٍ، والأحوطُ
الوقفُ(٤).
وعَبَّر بـ ((مَن)) الموضوعةِ للعاقل؛ لأنَّ غيره تبعّ له، ولعل ذِكْرَ هذا الحديثِ للإشارة إلى أنَّ
القرآن يُلحَقُ باسم الله تعالى في النهي عن محوِهِ بالبزاق(٥)، فُيُخَصُّ قولُه: ((ومحوُ بعضِ الكتابة
إلخ)) بغير القرآن أيضاً، فليتأمَّل، "ط)"(٦).
[١٥٥٤] (قولُهُ: مستورٌ) ظاهرُه عدمُ جوازه إذا لم يُستَرْ، "ط)"(٧).
أقولُ: وعبارةُ "الخانَيَّة (٨): ((ولا بأسَ بالخلوة والمجامعةِ في بيتٍ فيه مصحفٌ؛ لأنَّ بيوت
المسلمين لا تخلو من ذلك)).
(١) أخرجه الدارمي ٨٩٩/٢ كتاب فضائل القرآن - باب فضل كلام الله على سائر الكلام.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ١٠١/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ١٠١/١.
(٤) في "م": ((الوقت)) وهو تحريف.
(٥) أخرجه ابن عدي في "الكامل" ٢٠٤٩/٦ عن ابن عمر وابن عباس قال: نهى رسول الله مُ طلّ: أن يُمْحَى اسمٌ من
أسماء الله بالبزاق. وفي إسناده ضعف.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ١٠١/١.
(٧) "ط": كتاب الطهارة ١٠١/١.
(٨) "الخانية": كتاب الصلاة - مسائل كيفية القراءة ١٦٤/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
قسم العبادات
٥٩٦
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، وقيل: يكرهُ مجرَّدُ الحروفِ، والأوَّلُ أوسعُ، وتمامُهُ في "البحر" وكراهيةٍ
"القنية" (١).
قلتُ: وظاهرُهُ انتفاءُ الكراهة بمجرَّدٍ تعظيمه وحفظِهِ، عُلِّقَ أوْ لا، زُيِّنَ به أوْ لا،
وهل ما يُكتَبُ على المراوحِ وجدُرِ الجوامعِ كذلك(٢)؟ يحرَّرُ.
[١٥٥٥] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواء استُعمِلَ أو غُلِّقَ.
[١٥٥٦] (قولُهُ: وتمامُهُ في "البحر")(٣) حيث قال: ((وقيل: يكرهُ حتى الحروفُ المفردةُ، ورأى
بعضُ الأَئِمَّةِ شَبَّاناً يرمُون إلى هدفٍ كُتِبَ فيه: "أبو جهلٍ" لعنَهُ الله، فنهاهم عنه، ثمَّ مرَّ بهم وقد
قطعوا الحروفَ، فنهاهم أيضاً، وقال: إنما نهيتكم في الابتداء لأجل الحروف، فإذا يكرهُ مجرَّدُ
الحروف، لكنَّ الأوَّلَ أحسنُ وأوسعُ)) اهـ.
قال سيِّدي "عبد الغنيّ) (٤): ((ولعلَّ وجهَ ذلك أنَّ حروف الهجاء قرآنٌ أُنزِلِتْ على هوٍ
عليه السلام كما صرَّحَ بذلك الإمام "القسطلانيُّ" في كتابه "الإشارات في علم القراءات"(٥)) اهـ.
[١٥٥٧] (قولُهُ: قُلْتُ: وظاهرُه إلخ) كذا يوجدُ في بعض النسخ، أي: ظاهرُ قوله: ((لا تعليقُه
للزِّينة)).
[١٥٥٨) (قولُهُ: يُحرَّرُ) أقولُ: في "فتح القدير"(٦): ((وتكرهُ كتابةُ القرآنِ وأسماءِ الله تعالى
على الدَّراهم والمحاريب والجدران [١/ق١٣٥/أ] وما يُفرَشُ)) اهـ. والله تعالى أعلمُ.
(١) "القنية": كتاب الكراهية - باب في حقِّ المصاحف والكتب ق ٦٨/ب.
(٢) في "ب" و"و": ((كذا)).
(٣) انظر "البحر": كتاب الطهارة - باب الحيض ١١٢/١.
(٤) "نهاية المراد": ما يحرم بالحيض والنفاس والجنابة صـ٢٠٣ -.
(٥) "لطائف الإشارات في علم القراءات": لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر، شهاب الدين القَسْطَلاَّنيّ المصريّ
الشافعيّ(ت٩٢٣هـ). ("كشف الظنون" ١٥٥١/٢-١٥٥٢، "الضوء اللامع" ١٠٣/٢ "الأعلام"٢٣٢/١).
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - باب الحيض ١٥٠/١.
الجزء الأول
٥٩٧
باب المیاه
﴿بابُ المياه﴾
جمعُ ماءٍ بالمدِّ ويُقصَرُ، أصلُهُ: مَوَهُ، قُلِبت الواوُ ألفاً والهاءُ همزةً، وهو جسمٌ
لطيفٌ سَّالٌ، به حياةُ كلِّ نامٍ (يُرِفَعُ الحدثُ).
﴿بابُ المياه﴾
شروعٌ في بيان ما تحصُلُ به الطهارة السَّابِقُ بيانُها.
والبابُ لغةً: ما يُتوصَّل منه إلى غيره، واصطلاحاً: اسمٌ لجملةٍ مختصَّةٍ من العِلْم مشتملةٍ على
فصولٍ ومسائلَ غالباً.
[١٥٥٩) (قولُهُ: جمعُ ماءٍ) هو جمعُ كثرةٍ، ويُحمَعُ جمعَ قَلَّةٍ على أمواهٍ، "بحر"(١).
[١٥٦٠] (قولُهُ: ويُقصَرُ أشار بتغيير التعبير إلى قِلَّته، ولذا قال في "النّهر"(٢): ((وعن بعضهم
قصرُه))، "ط"(٣).
[١٥٦١] (قولُهُ: والهاءُ همزةً) وقد تبقى على حالها، فيقالُ: ماةٌ بالهاء كما في "القاموس" (٤).
[١٥٦٢] (قولُهُ: به حياةُ كلِّ نامٍ) أي: زائدٍ من حيوانٍ أو نباتٍ، ولا يُرِدُ أنَّ الماء المِلِحَ
﴿ بابُ المياه﴾
(قولُ "الشارح": والهاءُ همزةٌ) على غيرِ قياسٍ، "سندي".
(قولُهُ: ولا يَرِدُ أنَّ الماءَ الِلْحَ ليس فيه حياةٌ الخ) قال "السِّنديُّ": ((فبالعذبِ حياةُ ما في البَرِّ، وبالمالح
حياةُ ما في البحر؛ إذ ما فيه من الحيوانات حياتُها به، فلو فارَقَتْهُ أفضى إلى هلاكها، فمَن قال: فبالعذبِ
حياتُها فقد قصَّرَ، وكذلك ما فيه مِن نامٍ غيرِ حيوانٍ كما قيل في المرجان: إنَّه أشجارٌ في قعرِ البحر، ونماؤه
به، فلا يقال: إنَّ كلَّ نامٍ يحيا بكلِّ ماءٍ، بل كلُّ نوعٍ يحيا بنوعٍ يناسبُهُ على القدر المتوقّفة عليه حياتُهُ، فإنَّ
الزِّيادة على القدرِ المعتادِ تضرُّ بالحيوان وبعضِ النبات، وربما تُفسِدُه )) اهـ.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٦٩/١ بتصرف يسير.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق١٢/أ.
(٣) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٢/١.
(٤) "القاموس": مادة ((موه)).
قسم العبادات
٥٩٨
حاشية ابن عابدين
مطلقاً (بماء مطلقٍ) هو ما يَتبادَرُ عند الإطلاق (كماءِ سماءِ وأوديةٍ وعيونٍ.
ليس فيه حياةٌ؛ لأنَّ ذلك عارضٌ، والأصلُ فيه العذوبةُ كما في "حاشية أبي السُّعود"(١)، أي: لأنَّ
أصله من ماء السماء كما يأتي(٢).
[١٥٦٣] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان أكبرَ أو أصغرَ.
[١٥٦٤] (قولُهُ: هو ما يتبادرُ عند الإطلاق) أي: ما يسبقُ إلى الفهم بمطلقٍ قولنا: ماءٌ، ولم
يُقُمْ به خبثٌ، ولا معنىً يمنع جوازَ الصلاة، فخرَجَ الماءُ المقَّد والماءُ المتنجِّس والماءُ المستعمَل،
"بحر"(٣).
وظاهرُهُ: أنَّ المتنجِّس والمستعمَل غيرُ مقَّدٍ مع أنّه منه، لكنْ عند العالِم بالنجاسة
والاستعمال، ولذا قَّدَ بعض العلماء التَّبَادُرَ بقوله: بالنسبة للعالِم بحاله.
واعلمْ أنَّ الماءِ المطلق أخصُّ من مطلقٍ ماءٍ لأخذِ الإطلاق فيه قيداً، ولذا صحَّ إخراجُ المقَّد
به، وأمَّا مطلقُ ماءٍ فمعناه: أيُّ ماءٍ كان، فيدخلُ فيه المقيَّدُ المذكور، ولا يصحُّ إرادته هنا.
[١٥٦٥] (قولُهُ: كماءٍ سماءٍ) الإضافة للتعريف بخلاف الماء المقيَّد، فإنَّ القيد لازمٌ له لا يُطلَقُ
الماءُ عليه بدونه كماء الورد، "بحر "(٤).
[١٥٦٦] (قولُهُ: وأوديةٍ) جمعُ وادٍ.
(قولُهُ: الإضافةُ للتعريفِ) إضافةُ التقييد مغايرةٌ للإطلاق، فلا يكونُ الماءِ معها ماءً مطلقاً بل مقيَّداً،
وهي ما لا يتبادرُ معها اسمُ الماءِ، ولا يصحُّ إطلاقُ اسم الماءِ معها، ويصحُّ نفيُّهُ بخلاف إضافة التعريف، فيتبادرُ
اسمُ الماء إليه عند الإطلاق، ويصحُّ إطلاقُهُ عليه ولا يصحُّ نفيُّهُ عنه. اهـ من "السِّنديّ".
(١) "فتح المعين": كتاب الطهارة - المياه ٦١/١ نقلاً عن والده.
(٢) ص ٥٩٩- "در".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٦٩/١ بتصرف يسير.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٧٠/١.
الجزء الأول
٥٩٩
باب المیاه
وآبارٍ وبحارٍ وثلجِ مُذابٍ) بحيث يتقاطرُ، وبَرَدٍ وجَمَدٍ وندىً، هذا تقسيمٌ باعتبارِ ما
يُشاهَدُ، وإلاَّ فالكلُّ من السماء لقوله تعالى: ﴿أَلَتَرَأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِمَآءَ ﴾
[الحج- ٦٣] الآية، والنكرةُ ولو مثبتةً في مقام الامتنان تعمُّ (وماءِ زمزمَ).
[١٥٦٧] (قولُهُ: وآبارٍ) بعدِّ الهمزة وفتح الباء بعدها ألفٌ، وبقصر الهمزة وإسكان الباء
بعدَهما همزةٌ ممدودةٌ بألفٍ، جمعُ بئرٍ، "شرح المنية"(١).
[١٥٦٨] (قولُهُ: بحيث يتقاطرُ) وعن "الثاني" الجوازُ مطلقاً، والأصحُّ قولُهما، "نهر "(٢).
[١٥٦٩) (قولُهُ: وبرَدٍ وجمدٍ) أي: مُذابين أيضاً.
[١٥٧٠) (قولُهُ: وندىٍ) بالفتح والقصر، قال في "الإمداد"(٣): ((هو الطَّلُّ، وهو ماءٌ على
الصحيح، وقيل: نَفَس داَبَّةٍ)) اهـ.
أقولُ: وكذا الزُّلال، قال "ابن حجرِ"(٤): ((وهو ما يخرجُ من جوفِ صورةٍ توجدُ في نحو
الَّلجِ كالحيوان، وليست بحيوانٍ، فإنْ تحقَّقَ كان نجساً؛ لأَنّ قيءٌ)) اهـ
نعم لا يكون نجساً عندنا [١/ق١٣٥/ب] ما لم يُعَلَمْ كونُه حيواناً دمويًّاً، أمَّا رفعُ الحدث به
فلا يصحُّ وإنْ كان غيرَ دمويّ.
[١٥٧١) (قولُهُ: فالكلُّ) أي: كلُّ المياهِ المذكورة بالنظر إلى ما في نفس الأمر.
[١٥٧٢] (قولُهُ: والنكرةُ) جوابٌ عمَّا يقال: إنَّ ﴿مَآءُ﴾ في الآية نكرةٌ في سياق
الإثبات، فلا تعمُّ.
وبيانُ الجواب: أنَّ النكرة في الإِثْبات(٥) قد تعمُّ لقرينةٍ لفظيَّةٍ كما إذا وُصِفت بصفةٍ عامَّةٍ
مثل: ﴿لَعَبْدٌ مُّؤْ مِنُ خَيْرٌ﴾ [البقرة - ٢٢١]، أو غيرِ لفظَّةٍ مثل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ﴾ [التكوير - ١٤]،
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في بيان أحكام المياه صـ٨٨ -.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٢/أ.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة ق ١٠/أ.
(٤) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة ٦٧/١.
(٥) من ((فلا تعم)) إلى ((الإثبات)) ساقط من "آ".
قسم العبادات
٦٠٠
حاشية ابن عابدين
بلا كراهةٍ، وعن "أحمدَ": يُكرَهُ(وبماءٍ قُصِدَ تشميسُهُ بلا كراهةٍ) وكراهتُهُ عند
"الشافعيِّ" طِّيّةٌ، وكَرِهَ "أحمدُ" المسخِّنَ بالنجاسةِ (و) يُرفَعُ (بماءٍ يَنعقِدُ به ملحٌ، لا بماءٍ)
حاصلٍ بذوبانِ (ملحٍ).
ومثل: تمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ، وهنا كذلك، فإنَّ السِّياق للامتنان، وهو تعدادُ النّعم من المنعِم، فيفيدُ
أنَّ المراد: أنزَلَ من السَّماءِ كلَّ ماءِ، فسلَكَه ينابيعَ، لا بعضَ الماء حتى يفيدَ أنَّ بعض ما في
الأرض ليس من السَّماءِ؛ لأنَّ كمال الامتنان في العموم؛ ويستدلُّ بالآية أيضاً على طهارته؛ إذ لا
منة بالنجس.
[١٥٧٣] (قولُهُ: بلا كراهةٍ) أشار بذلك إلى فائدة التّصريح به مع دخوله في قوله: ((وآبارٍ))،
١٢٠/١ وسيذكرُ "الشارح" في آخر كتاب الحجِّ(١): ((أَنَّه يكرهُ الاستنجاءُ بماء زمزم لا الاغتسالُ)) اهـ.
فاسْتُفيدَ منه أنَّ نفيَ الكراهة خاصٌّ في رفع الحدث بخلاف الخبث.
[١٥٧٤] (قولُهُ: قُصِدَ تشميسُه) قيدٌ اتفاقيٌّ؛ لأنَّ المصرَّحَ به في كتب الشافعيَّةِ: أَنَّه لو تشمَّسَ
بنفسه کذلك.
[١٥٧٥) (قولُهُ: وكراهتُه إلخ) أقولُ: المصرَّحُ به في شرحي "ابن حجرٍ "(٢) و"الرمليّ)(٣) على
"المنهاج": ((أَنَّها شرعيّةٌ تنزيهِيَّةٌ لا طِيّةٌ))، ثمَّ قال "ابن حجرٍ": ((واستعمالُه يُخشَى منه البرصُ
كما صحَّ عن "عمرَ"وَ﴾ (٤)، واعتمدَهُ بعضُ محقّقي الأطبّاء لقبض زُهومته على مسامٌ البدن،
(قولُ "المصنّف": وبماءِ قُصِدَ تشميسُهُ بلا كراهةٍ) قال "شرفُ الدِّين المقريُّ" على ما نقلَهُ "السنديُّ"
عنه: ((انتهت مسألةُ الماءِ المشمَّسِ إلى خمسة آلاف ألفِ وجهٍ ومائةٍ ألفٍ وأربعةٍ وثمانين ألفَ وجهٍ ))، وقد
بَيَّنَها "السِّنديُّ" فانظره.
(١) المقولة [١١٠٨٢] قوله: ((ويكره الاستنجاء بماء زمزم)).
(٢) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة ٧٥/١.
(٣) "نهاية المحتاج": كتاب الطهارة ٦٩/١.
(٤) أخرجه الدار قطني (٣٩/١) كتاب الطهارة - باب الماء الساخن، والبيهقي (٦/١) كتاب الطهارة - باب كراهة =
الجزء الأول
٦٠١
باب المياه
فتحبسُ الدمَ))، وذكَرَ (١) شروط كراهته عندهم، وهي: أنْ يكون بقُطْرِ حارٌ وقتَ الحرِّ، في إناءِ
منطبعٍ غيرِ نقدٍ، وأنْ يُستعمَلَ وهو حارٌّ.
أقولُ: وقدَّمنا (٢) في مندوبات الوضوء عن "الإمداد": ((أَنَّ منها: أنْ لا يكون بماءٍ
مشمَّسٍ))، وبه صرَّحَ في "الحلبة(٣) مستدلاً بما صحَّ عن "عمر" من النهي عنه، ولذا صرَّحَ في
"الفتح"(٤) بكراهته، ومثلُهُ في "البحر"(٥)، وقال في "معراج الدِّراية": ((وفي "القنية"(٦): وتكرهُ
الطهارةُ بالمشمَّس لقوله : ﴿ لـ "عائشة" رضي الله عنها حين سخّنت الماء بالشَّمس: ((لا تفعلي يا
"حميراءٌ"، فإِنَّه يُورِثُ البَرَص))(٧)، وعن "عمر " مثلُه، وفي روايةٍ: لا يكرهُ، وبه قال "مالكٌ"
و"أحمدُ"، [١/ق١٣٦/أ] وعند "الشافعيّ": يكرهُ إنْ قُصِدَ تشميسُه، وفي "الغاية": وكُرِهَ بالمشمَّس
= التطهير بالماء المشمَّس، من طريق إسماعيل بن عياش، حدثني صفوان بن عمرو عن حسان بن أزهر أنَّ عمر بن
الخطاب ◌َّه قال: لا تغتسلوا بالماء المشمَّس فإنَّه يُؤْرِثُ البَرَص. قال ابن حجر في "التلخيص" (٢٣/١): وإسماعيل
صدوق فيما روى عن الشاميين، ومع ذلك فلم ينفرد بل تابعه عليه أبو المغيرة عن صفوان، أخرجه ابن حبان في
الثقات في ترجمة حسان. اهـ.
(١) أي "ابن حجر" في "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة ٧٤/١.
(٢) المقولة [١٠٠٤] قوله: ((إلى نيف وستين)).
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - مندوبات الوضوء ١/ق ٧٥/ب.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات ٣٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٣٠/١ نقلاً عن "الفتح".
(٦) "القنية": كتاب الطهارة ق٢/ب.
(٧) قال البيهقي في "معرفة السنن والآثار" (٢٣٥/١): وأمَّا ما روي عن عائشةً عن النبي ◌ُؤثّ من قوله في ذلك: ((يا
حُمَيراءُ لا تفعلي فإنَّه يُؤْرِثُ البرص)). فلا يثبت ألبتة.اهـ، ونقله ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢١/١) ثم قال:
(( قال العقيلي: لا يصحُّ فيه حديثٌ مسندٌ وإنَّما هو شيءٌ روي من قول عمر اهـ. والأحاديث المرفوعة في النهي
عن الماء المشمَّس أوردها وتكلم عليها الزيلعي في "نصب الراية" (١٠٢/١) بما يفيد بطلانها، وأوردها ابن الجوزي
في "الموضوعات" (٧٨/٢-٨٠)، والسيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (٥/٢-٦)، والثابت في ذلك إنّما هو قول عمر وقد
مرَّ تخريجه في الصفحة السابقة.
قسم العبادات
٦٠٢
حاشية ابن عابدين
لبقاءِ الأوَّلِ على طبيعته الأصلَيَّةِ، وانقلابِ الثاني إلى طبيعته الملحيّة (و) لا (بعصير
نباتٍ) أي: مُعتصَرِ من شجرِ ..
في قُطرِ حارِّ في أوانٍ منطبعةٍ، واعتبارُ القصد ضعيفٌ، وعدمُه غيرُ مؤثّرٍ)). اهـ ما في "المعراج".
فقد علمتَ أنَّ المعتمد الكراهةُ عندنا لصحَّةِ الأثر، وأنَّ عدمها روايةٌ، والظاهرُ أنّها تنزيهيّةٌ عندنا
أيضاً بدليل عدِّه في المندوبات، فلا فرقَ حينئذٍ بين مذهبنا ومذهبِ "الشافعيّ"، فاغتنمْ هذا التحریرَ.
[١٥٧٦] (قولُهُ: لبقاءِ الأوَّلِ إلخ) هذا الفرقُ أبداه صاحب "الدرر"(١) بعدَما نقل الأُولى عن
"عيون المذاهب" والثانيةَ عن "الخلاصة"(٢)، واعترضَهُ محشِّيه العلاَّمة "نوح أفندي": ((بأنَّ عبارة
"الخلاصة": ولو توضَّأَ بماء الِلْحِ لا يجوزُ، قال في "البرَّزية(٣): لأَنَّه على خلاف طبعٍ الماء؛ لأنّه
يجمُدُ صيفاً، ويذوبُ شتاءً، وقال "الزيلعيُّ(٤): ولا يجوزُ بماء الِلْحِ، وهو ما يجمُدُ في الصيف،
ويذوبُ في الشتاء عكسَ الماءِ، وأقرَّهُ صاحب "البحر"(٥) والعلاَّمة "المقدسيُّ"، ومقتضاه أَنَّه لا يجوزُ
بماء الملح مطلقاً، أي: سواءٌ انعقَدَ مِلْحاً ثمَّ ذابَ أوْ لا، وهو الصوابُ عندي)). اهـ ملخَّصاً.
[١٥٧٧) (قولُهُ: أي: مُعتصَرٍ) إشارةٌ إلى أنَّ ((عصيرٍ)) اسمُ مفعولٍ.
[١٥٧٨] (قولُهُ: من شجرٍ) ينبغي أنْ يُعمَّم بما له ساقٌ أَوْ لا ليشملَ الرِّيباسَ (٦) وأوراقَ
(قولُهُ: فقد علمتَ أنَّ المعتمد الكراهةُ عندنا) لكنَّ ظاهر تعبيرِ "المنح" على ما نقّلَهُ "السِّنديُّ" عنها
بقوله: ((وقيل: يكره)) يفيدُ ضعفَ روايةِ الكراهة واعتمادَ روايةِ عدمها، وذكَرَ: ((أنَّ "ابن الملقّن" قال
بعد كلامٍ طويلٍ: فتلخّصَ أنَّ الوارد في النهي عن استعمالِ الماء المشمَّس من جميع طرقه باطلٌ لا يصحُّ
ولا يحلُّ لأحدٍ الاحتجاجُ به )).
(١) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢١/١.
(٢) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الأول في المياه ق ٤/أ.
(٣) "البزازية": كتاب الطهارة - فصل في المستعمل والمقيد والمطلق ١٠/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١٩/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٧١/١.
(٦) الرِّيْباس: نَبْتٌ ينفع الحصبةَ والجُدَرِيَّ والطاعونَ، وعُصَارَتُه تُحِدُّ النظر كُحْلاً. اهـ "القاموس"مادة ((ربس)).
الجزء الأول
٦٠٣
باب المیاه
أو ثمر؛ لأَنَّه مقيَّدٌ (بخلافِ ما يقطُرُ من الكرْمِ) أو الفواكهِ (بنفسه) فإنَّه يرفعُ الحدثَ،
وقيل: لا،
الهِنْدَبا(١) وغيرَ ذلك كما في "البِرْجَنديّ"، "إسماعيل"(٢).
[١٥٧٩] (قولُهُ: أو ثمرٍ) مثلَّةٍ، "نهر"(٣). كالعنب.
مطلبٌ في حديثِ: (لا تسمُّوا العنبَ الكرمَ))
[١٥٨٠] (قولُهُ: من الكَرْم) أخرَجَ "السيوطيُّ": (لا تُسَمُّوا العنبَ الكَرْمَ)(٤)، زاد في روايةٍ:
(الكرْمُ قلبُ المؤمن))(٥)، وذلك لأنَّ هذه اللفظةَ تدلُّ على كثرة الخير والمنافعِ في المسمَّى بها،
وقلبُ المؤمن هو المستحقُّ لذلك، وهل المرادُ النهيُ عن تخصيص شجرِ العنب بهذا اللفظ، وأنَّ
قلب المؤمن أولى به منه، فلا يمنعُ من تسميته بالكرم، أو المرادُ أنَّ تسميته بها مع اتّخاذ الخمر المحرَّم
منه وصفٌ بالكرم والخيرِ لأصل هذا الشرابِ الخبيث المحرَّمِ، وذلك ذريعةٌ إلى مدح المحرَّم وتهييجٍ
النفوس إليه؟ محتمِلٌ. اهـ "مناوي" (٦).
وجزَمَ في "القاموس"(٧) بالاحتمال الأوَّلِ، وفي "شرح الشِّرعة"(٨) بالثاني.
(١) الهندَبُ والهندَبا والهندِيا والهندباء: بقلة معتدلة نافعة للمعدة والكبد والطحال أكلاً، ولِلَسْعَةِ العقرب ضِماداً
بأصولها اهـ "القاموس" مادة ((هندب)).
(٢) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٢٧/ب.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٢/أ.
(٤) "الجامع الصغير": ٧٣٧/٢ برقم ٩٨٠٠.
(٥) أخرجه البخاري (٦١٨٢) كتاب الأدب - باب لا تَسُبُّوا الدهر، ومسلم (٢٢٤٧) (٨) كتاب الألفاظ من الأدب
وغيرها. وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٩٣٧) ومن طريقه أحمد ٢٧٢/٢، والبغوي في "شرح السنة" (٣٣٨٨)،
والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٤٨١)، وابن حبان (٥٨٣١) كتاب الحظر والإباحة - باب الأسماء والكنى
من حديث أبي هريرة تقلُّه مرفوعاً.
(٦) "فيض القدير": ٤٠٣/٦.
(٧) "القاموس": مادة ((كرم)).
(٨) "شرح شرعة الإسلام": فصل في سنن الكلام وآدابه صـ٣٤٢-٣٤٣ -.
قسم العبادات
٦٠٤
حاشية ابن عابدين
وهو الأظهرُ كما في "الشرنبلاليَّة"(١) عن "البرهان"، واعتمَدَهُ "القُهُستانيُّ"(٢) فقال:
(( والاعتصارُ يعمُّ الحقيقيَّ والحكميَّ كماء الكرْمِ، وكذا ماءُ الدابُوغةِ والبطّيخ بلا
استخراجٍ، وكذا نبيذُ الَّمْر)) (و)
[١٥٨١] (قولُهُ: وهو الأظهرُ) وهو المصرَّحُ به في [١/ق١٣٦/ب] كثيرٍ من الكتب، واقتصَرَ
عليه في "الخانَيَّة"(٣) و"المحيط"، وصدَّرَ به في "الكافي"(٤)، وذَكَرَ الجوازَ بـ ((قيل))، وفي
"الحلبة"(٥): ((أَنَّه الأوجهُ لكمالِ الامتزاج))، "بحر"(٦) و"نهر "(٧). وقال "الرَّمليُّ" في "حاشية المنح":
((ومَن راجَعَ كتب المذهب وجَدَ أكثرَها على عدم الجواز، فيكونُ المعوَّلَ عليه، فما في هذا المتن
مرجوحٌ بالنسبة إليه)) اهـ.
[١٥٨٢] (قولُهُ: والاعتصارُ إلى آخره) فالمرادُ به الخروجُ، "ط)(٨).
[١٥٨٣] (قولُهُ: وكذا ماءُ الدَّابوغةِ إلخ) أي: كماء الكرْم في الخلاف، وفي أنَّ الأظهر عدمُ
جوازِ رفع الحدث بها، ولم أجدْ فيما عندي من كتب اللغة لفظَ الدَّابوغة، فليراجع، "ح"(٩).
ونقَلَ بعض المحشِّين عن كتب الطبِّ أنَّ البطّيخ الأخضر يقال له: الحبْحَبُ والدَّابوغة
والدابوقة، قال: وعلى هذا يتعيّنُ حملُ البطّيخ في كلام "الشارح" على الأصفرِ المسمَّى بالخِرْبِزِ.
[١٥٨٤] (قولُهُ: وكذا نبيذُ التَّمر) أي: في أنَّ الأظهرَ فيه عدمُ الجواز أيضاً، وفصَلَهُ عمَّا
قبله لأَنَّه ليس منه، بل من قسم المغلوب الذي زالَ اسمُه كما يذكرُهُ قريباً(١٠).
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فرض الغسل ٢٣/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٢) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ٣٢/١.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما لا يجوز. به التوضؤ ١٦/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - باب المياه ١/ق ٧/ب.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - فصل المياه ١/ق ١٧٧/أ بتصرف.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٧٢/١ بتصرف.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة ق١٢/أ.
(٨) "ط": كتاب الطهارة - باب المياه ١٠٣/١.
(٩) "ح": كتاب الطهارة - باب المياه ق١٣/أ.
(١٠) صـ ٦٠٧ - وما بعدها "در".