النص المفهرس

صفحات 541-560

الجزء الأول
٥٢٥
سنن الغسل وآدابه
إلاّ إذا كان ببدنه خبثٌ، ولعلَّ القائلين بتأخير غسلهما إنما استحُّوه ليكونَ البدءُ والختمُ
بأعضاء الوضوء، وقالوا: لو توضَّأَ أوَّلاً لا يأتي به ثانياً؛ لأَنَّه لا يُستحَبُّ وضوءان للغُسل
اتّفاقاً، أمَّا لو توضَّأَ بعد الغُسل،.
من الماء حُكِمَ باستعماله، ولم يُصبْه منه شيءٌ بعد خروجه، فلا حاجةً إلى إعادة غَسل الرَّجْلين.
واعلمْ أنَّه اختلفت الروايةُ في تَجَزِّي الطهارة وعدمِه، وفائدةُ الاختلاف أَنَّه لو تمضمَضَ
الجنبُ، أو غسَلَ يديه هل يحلُّ له القراءةُ ومسُّ المصحف؟ فعلى رواية التجزِّي نعم، وعلى رواية
عدمِه لا، وهي الصحيحة؛ لأنَّ زوال الجنابة موقوفٌ على غَسل الباقي، وما ذكَرَهُ "الشارح":
((من أنَّ الماء لا يصير مستعملاً إلاَّ بعد الانفصال)) متَّفقٌ عليه كما صرَّحَ به في "البحر"(١)، فيصحُّ
بناؤه على كلّ من هاتين الروايتين، فافهم.
ثُمَّ اعلمْ أيضاً أنَّ ما ذكره "الشارح" يصحُّ دفعاً للقول بأنَّه لا فائدةً في تقديم غسلهما على
رواية نجاسةِ الماء المستعمل أيضاً؛ إذ لا يُحكَمُ باستعماله ونجاستِهِ إلاَّ بعد [١/ق١١٩/ب]
الانفصال، فلا حاجةً إلى غسلهما ثانياً على هذه الرواية أيضاً، ولصاحب "النهر"(٢) هنا كلامٌ فيه
نظرٌ من وجوهٍ أوضحناه فيما علَّقناه على "البحر "(٣).
[١٣١٣) (قولُهُ: إلاَّ إذا كان إلخ) أي: فيلزمُهُ إعادةُ غَسلهما للنجاسة فقط.
[١٣١٤] (قولُهُ: ولعلَّ القائلين إلخ) ذكَرَهُ في "البحر "(٤) بحثاً، ونقلَهُ في "الحلبة"(٥) عن
"القرطبي"(٦)، ثم قال: ((وعلى هذا يغسلُهما ثانياً مطلقاً سواءٌ أصابَهما طينٌ، أو كانتا في مجمعٍ
الماء، أوْ لا ولا)).
[١٣١٥] (قولُهُ: لأَنّه لا يُستحَبُّ إلخ) قال العلاَّمة "نوح أفندي": ((بل ورَدَ ما يدلُّ على
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٥٣/١.
(٢) انظر "النهر": كتاب الطهارة ق ١٠/أ.
(٣) "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق١٠٧/أبتصرف.
(٦) "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": ٥٧٧/١.

قسم العبادات
٥٢٦
حاشية ابن عابدين
واختلَفَ المجلسُ على مذهبنا، أو فصَلَ بينهما بصلاةٍ كقول الشافعيَّةِ فُيُستحَبُّ (ثم
يُفِيضُ الماءَ) على كلِّ بدِنِهِ.
كراهته، أخرَجَ "الطبراني" في "الأوسط"(١) عن "ابن عباسٍ" رضي الله عنهما قال: قال رسول
الله ◌َّ: ((مَنْ توضَّأَ بعد الغُسل فليس منَّا)))) اهـ، تأمَّل.
والظاهرُ: أنَّ عدم استحبابه لو بقيَ متوضّئاً إلى فراغ الغُسل، فلو أحدَثَ قبلَه ينبغي إعادته،
ولم أره، فتأمَّل.
[١٣١٦] (قولُهُ: واختلَفَ المجلسُ) كذا في "البحر"(٢)، وقدَّمنا(٣) الكلامَ عليه في بحث
الوضوء.
١٠٦/١
[١٣١٧] (قولُهُ: ثُمَّ يُفيضُ) أتى بـ ((ثمَّ)) للإشارة إلى الترتيب، وإنما لم يقلْ: ثم يتمضمضُ
ويستنشقُ، ثم يفيضُ للإشارة إلى أنَّ فعلَهما في الوضوء كافٍ عن فعلهما في الغُسل، فالسنَّةُ نابتْ
مَنَابَ الفرض، "ط"(٤). ومعنى ((يُفيضُ)): يصُبُّ، قال في "الدُّرر"(٥): ((حَتَّى لو لم يصُبَّ لم
يكن الغسلُ مسنوناً وإِنْ زالَ الحدثُ)) اهـ.
وهذا لو كان في ماءٍ راكدٍ، أمَّا لومكَثَ في ماءٍ جارٍ قامَ الجريانُ مَقام الصبِّ كما عُلِمَ مما
قدَّمناه قريباً(٦).
[١٣١٨] (قولُهُ: على كلِّ بدنه) زاد ((كلِّ)) لدفع توهُّمٍ عدم إعادة غسل أعضاء الوضوء لرفع
الحدث عنها، "ط"(٧).
(١) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٠٦٥)، وفي"الكبير" (١١٦٩١)، و"الصغير"١٠٦/١، وابن عدي في "الكامل"
١١٤٠/٣، عن ابن عباس مرفوعاً، وفي إسناده سليمان بن أحمد الواسطي، كذّبه يحيى بن معين وضعّفه النسائي،
وفيه أيضاً سعيد بن بشير الأزدي وهو ضعيف، وله طرق أخرى كلها واهية.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٣) المقولة [٩٧٠] قوله: ((أو لقصد الوضوء على الوضوء)).
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٩٠/١.
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٨/١.
(٦) المقولة [١٣٠٢] قوله: ((أو حوض كبير أو مطر)).
(٧) "ط": كتاب الطهارات ٩٠/١.

الجزء الأول
٥٢٧
سنن الغسل وآدابه
ثلاثاً مستوعباً من الماءِ المعهود في الشَّرع للوضوء والغُسل، وهو ثمانيةُ أرطالٍ، وقيل:
المقصودُ عدمُ الإِسراف،.
أقولُ: لم أرَ مَن صرَّحَ بأنَّه يُسنُّ ذلك، وإنما يُفهَمُ ذلك من عباراتهم، ونظيرُهُ ما مرَّ(١) في
الوضوء: من أنَّه يسنُّ إعادة غَسلِ اليدين عند غسل الذراعين.
[١٣١٩) (قولُهُ: ثلاثاً) الأُولى فرضٌ، والّتان سِّتان على الصحيح، "سراج"(٢).
[١٣٢٠] (قولُهُ: مستوعباً) أي: في كلِّ مرَّةٍ لتحصُلَ سنَّةُ التثليث، "ط"(٣).
مطلبٌ في تحرير الصاعِ والمُدِّ والرَّطْل
[١٣٢١] (قولُهُ: وهو ثمانيةُ أرطالٍ) أي: بالبغداديِّ، وهي صاعٌ عراقيٌّ، وهو أربعةُ أمدادٍ،
كلُّ مُدٍّ رَطلان، وبه أخَذَ "أبو حنيفة"، والصَّاعُ الحجازيُّ خمسةُ أرطالِ وتُلُثٌّ، وبه أخَذَ
الصاحبان و الأئمّة الثلاثة.
فالمُدُّ حينئذٍ رَطْلٌ وثلثٌ، والرطلُ مائَةٌ وثلاثون درهماً، وقيل: مائَةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهماً
وأربعةُ أسباعِ درهمٍ، وتمامُهُ في "الحلبة"(٤).
قلت: والصاعُ العراقيُّ نحوُ نصفِ مدٍّ دمشقيٍّ، فإذا توضَّأَ واغتسل به فقد حصَّلَ السنَّةَ.
[١٣٢٢] (قولُهُ: وقيل: المقصودُ إلخ) الأصوبُ حذف ((قيل)) لِما في "الحلبة"(٥): ((أَنَّه نقَلَ
غيرُ واحدٍ إجماعَ المسلمين [١/ق١٢٠/أ] على أنَّ ما يجزئُ في الوضوء والغُسل غيرُ مقدَّرِ بمقدارٍ،
وما في ظاهر الرواية: من أنَّ أدنى ما يكفي في الغُسل صاعٌ، وفي الوضوء مدٌّ للحديث المتفق
عليه(٦): ((كان ﴿ يتوضَّأ بالمدِّ، ويغتسلُ بالصاع إلى خمسة أمدادٍ)) ليس بتقديرِ لازمٍ، بل هو بيانُ
أدنى القدْرِ المسنون)) اهـ.
(١) صـ٣٧٥ - "در".
(٢) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق٢٢/أ.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٩٠/١.
(٤) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق٦٨/أ.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٦٧/أ.
(٦) أخرجه البخاري (٢٠١) كتاب الوضوء - باب الوضوء بالمد، ومسلم (٣٢٥) كتاب الحيض - باب القدر المستحب
من الماء في غسل الجنابة عن أنس مظلته .

قسم العبادات
٥٢٨
حاشية ابن عابدين
وفي "الجواهر": ((لا إسرافَ في الماء الجاري؛ لأَنَّه غيرُ مضيعٍ))، وقد قدَّمناهُ(١) عن
"القُهُستانيِّ" (بادئاً بمنكبِهِ الأيمنِ ثم الأيسرِ ثم برأسِهِ ثم) على (بقيَّةِ بدنه مع دلكِهِ) ندباً،
قال في "البحر"(٢): ((حتى إنَّ مَن أسبَغَ بدون ذلك أجزأه، وإنْ لم يكفِه زادَ عليه؛ لأنَّ
طِباع الناس وأحوالهم مختلفةٌ، كذا في "البدائع"(٣))) اهـ. وبه جزَمَ في "الإمداد"(٤) وغيره.
[١٣٢٣) (قولُهُ: وفي "الجواهر" إلخ) قدَّمنا (٥) الكلامَ عليه في الوضوء مستوفىٍّ.
[١٣٢٤] (قولُهُ: ثمَّ الأيسرِ) أي: ثلاثاً أيضاً، وقوله: ((ثُمَّ برأسه)) أي: يغسلُهُ مع بقيّة البدن
ثلاثاً أيضاً كما في "الحلبة"(٦) وغيرها خلافاً لِما يفيدُه كلام المتن من غسلِهِ الرأسَ وحدَه.
[١٣٢٥] (قولُهُ: ثُمَّ على بقيَّةِ بدنه) أي: ثم يفيضُ على بقيّة بدنه، وإنما قدَّرَ "الشارحُ"
لفظةَ ((على)) ولم يُبقِهِ معطوفاً على مجرورِ الباء المتعلّقة بقوله: ((بادئاً)) لعدم صحَّةِ المعنى؛
لأنَّ ذلك ختامٌ.
[١٣٢٦) (قولُهُ: مع دلكِهِ) قَيَّدَهُ في "المنية"(٧) بالمرَّةَ الأُولى، وعلََّهُ في "الحلبة(٨) بكونها سابقةً
في الوجود، فهي بالدلك أولى.
[١٣٢٧] (قولُهُ: ندباً) عدَّهُ في "الإِمداد"(٩) من السنن، ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(١٠) في الوضوء.
(١) المقولة [١٠٥٦] قوله: ((والإسراف)).
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٥٤/١.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الغسل ٣٥/١.
(٤) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في آداب الوضوء ق ٤٥/أ وما بعدها.
(٥) المقولة [١٠٥٦] قوله: ((والإسراف))، والمقولة [١٠٥٩] قوله: ((تحريماً)).
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق١٠٦/أ نقلاً عن شرح الزاهدي معزياً إلى الحلواني في "النوادر".
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ ٥١ -.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق١٠٨/أ.
(٩) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء ق ٤٤/ب.
(١٠) المقولة [٩٩١] قوله: ((الدلك)).
١

الجزء الأول
٥٢٩
سنن الغسل وآدابه
وقيل: يُثْنِّي بالرأس، وقيل: يبدأ بالرأس، وهو الأصحُّ وظاهرُ الرواية والأحاديثِ، قال في
"البحر" (١): ((وبه يضعُفُ تصحيحُ "الدرر")) (وصحَّ نقلُ بلَّةِ عضوٍ إلى) عضوٍ (آخرَ ..
[١٣٢٨] (قولُهُ: وقيل: يتّي بالرأس) أي: يبدأ بالأيمن ثلاثاً، ثمَّ بالرأس ثلاثاً، ثُمَّ بالأيسرِ ثلاثاً،
"حلية"(٢).
[١٣٢٩) (قولُهُ: وقيل: يبدأُ بالرأسِ) أي: ثمَّ بقيَّةِ البدن، "درر"(٣).
[١٣٣٠] (قولُهُ: وظاهرُ الرِّواية) كذا عبَّرَ في "النهر"(٤)، والذي في "البحر"(٥) وغيره التعبيرُ بـ:
((ظاهر "الهداية")).
[١٣٣١] (قولُهُ: والأحاديثِ) قال الشيخ "إسماعيل"(٦): ((وفي "شرح البِرْ جَندي": وهو
الموافقُ لعدَّةٍ أحاديثَ أوْرَدَها "البخاريُّ" في "صحيحه(٧))) اهـ، فافهم.
[١٣٣٢) (قولُهُ: تصحيحُ "الدُّرر"(٨) هو ما مشى عليه "المصنّف" في متنه هنا.
[١٣٣٣] (قولُهُ: وصحَّ نقلُ بِلَّةِ) بكسر الباء، "أبو السُّعود"(٩).
[١٣٣٤] (قولُهُ: إلى عضوٍ آخرَ مُفادُه أَنَّه لو أَتَّحَدَ العضوُ صحَّ في الوضوء أيضاً كما صرَّحَ به
"القُهُستاني"(١٠).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق ١٠٦ /أ - ب.
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٠/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٦) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٠١/ب.
(٧) رقم (٢٥٦) كتاب الغسل باب من أفاض على رأسه ثلاثاً، عن جابر قال: كان النبي ﴿ يأخذ ثلاثة أكُفِّ ويفيضها
على رأسه، ثم يفيض على سائر جسده، وأحمد في "المسند": ٣٧٥/٣.
(٨) "الدرر": كتاب الطهارة ١٨/١.
(٩) "فتح المعين": كتاب الطهارة - نواقض الوضوء ٤١/١.
(١٠) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - سنن الغسل ٢٥/١.

قسم العبادات
٥٣٠
حاشية ابن عابدين
فيه) بشرطِ التقاطُرِ (لا في الوضوءِ) لِما مرَّ أنَّ البدن كلَّهُ كعضوٍ واحدٍ.
(وَفُرِضَ) الغُسَلُ.
[١٣٣٥] (قولُهُ: فيه) أي: في الغُسل، قال في "القنية"(١): ((فلو وضَعَ الجُنُبُ إحدى رِجْليه
على الأخرى في الغُسل تطهُرُ السُّعلى بماء العُليا بخلاف الوضوء؛ لأنَّ البدن في الجنابة كعضوٍ
واحدٍ)) اهـ.
[١٣٣٦] (قولُهُ: بشرطِ التقاطُر) صرَّحَ به في "فتح القدير "(٢).
[١٣٣٧] (قولُهُ: لِما مرَّ(٣) أي: قريباً في قوله: (لأَنَّه في الغُسل كعضوٍ واحدٍ))(٤)، وهو علَّةٌ
لقوله: ((صحَّ))، ولقوله: ((لا في الوضوء))؛ لأَنَّه يُفهَمُ منه أنَّ أعضاء الوضوء ليستْ كعضوٍ
واحدٍ، فافهم.
قال "ط "(٥): ((وقدَّمَ "الشارحُ"(٦): أَنَّه يجوزُ مسحُ الرأس ببللٍ باقٍ بعد غَسلٍ لا مسحٍ، وهو
ليس بنقل)).
[١٣٣٨] (قولُ: وُرِضَ الغُسلُ) الظاهرُ أَنَّه أرادَ بالفرض ما يعمُّ العِلْميَّ والعمَليَّ؛ لأَنَّه عند
رؤية مستيقظٍ بلَلاَّ ليس مما ثبَتَ [١/ق١٢٠ /ب] بدليلٍ لا شبهةَ فيه كما نَّهَ عليه في "الحلبة(٧)،
ولذا خالَفَ فيه "أبو يوسف" كما سيأتي(٨).
(١) "القنية": كتاب الطهارة - باب في الماء المستعمل ق ٤/ب.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.
(٣) ص ٥٢٤ - "در".
(٤) من ((بشرط التقاطر)) إلى ((كعضو واحد)) ساقط من "الأصل".
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٩٠/١.
(٦) صـ٣٢٨ - "در".
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق١١٢/أ.
(٨) المقولة [١٣٨٦] قوله: ((منياً أو مذياً)).

الجزء الأول
٥٣١
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
(عند) خروجٍ (منيٍّ) من العضوِ، وإلاَّ فلا يُفرَضُ اتفاقاً؛ لأَنَّه في حكمِ الباطن (منفصلٍ
عن مَقَرِّهِ) هو صُلْبُ الرَّجُل ..
[١٣٣٩] (قولُهُ: عند خروجٍ) لم يقل: بخروج؛ لأنَّ السبب هو ما لا يحِلُّ مع الجنابة كما
اختاره في "الفتح"(١)، وسيذكرُه "الشارح"(٢) في قوله: ((وعند انقطاعٍ حيضٍ ونفاسٍ))، ولو قال:
وبعد خروجٍ لَكان أظهرَ؛ لأَنَّه لا يجبُ قبل السبب.
[١٣٤٠) (قولُهُ: منيٍّ) أي: منيِّ الخارجِ منه، بخلاف ما لو خرَجَ من المرأة منيُّ الرجل كما
يأتي(٣)، وشمِلَ ما يكونُ به بلوغُ المراهق على ما سيذكرُهُ "المصنّف" (٤).
[١٣٤١) (قولُهُ: من العضوِ) هو ذكَرُ الرجل وفرجُ المرأة الداخلُ احترازاً عن خروجه من مقرِّه
ولم يخرج من العضو، بأنْ بقيَ في قصبة الذكر أو الفرج الداخل، أمَّا لو خرَجَ من جُرحٍ في
القصبة(٥) بعد انفصاله عن مقرِّه بشهوةٍ فالظاهرُ افتراضُ الغُسل، وليراجع.
(قولُهُ: لأنَّ السَّب هو ما لا يحلُّ مع الجنابة) لكنَّ ظاهر "الهداية" و"القدوريّ": أنَّ إنزال المنيِّ ونحوِهِ
سببٌ له، فإنَّه قال: ((المعاني الموجبةُ له إنزالُ المنيِّ إلخ))، وأَيَّدَهُ بعض المتأخّرِين بأنَّ الرِّواية محفوظةٌ أَنَّ الْجُنُسب
لو استُشهِدَ غُسِّلَ؛ لأنَّ الغُسل قد وحَبَ قبله، وهي لا ترفعُ ما وجَبَ قبلها؛ لأنّها عُرِفَت مانعةً للنجاسة لا
رافعةً، حتَّى لا يُغسَلُ دمُّهُ ويُغْسَلُ مَا لَحِقَ بجسمه من خَبَثٍ، وهذا فيه شهادةٌ قاطعةٌ على أنَّ المعانيَ الناقضة
الغُسلٍ موجبةٌ الغُسلٍ آخرَ بلا توقُّفٍ على وجوبِ ما لا يحلُّ فعلُهُ إلاَّ بها. اهـ "سندي".
(قولُ "الشارح": وإِلاَّ فلا يُعرَضُ اتفاقاً) يُشكِلُ عليه ما لو جُومِعَتْ فيما دون الفرج، ووصَلَ المنيُّ إلى
رحمها ولم يخرج فلا غُسلَ عليها، فإنْ حبِلت وجَبَ؛ لأنّه دليلُ الإنزال، فقد وجَبَ الغُسلُ عليها بالحمل بدون
خروجٍ، ويمكنُ الجواب بأنَّه مبنيٌّ على وجوبِهِ عليها بدون خروجٍ، بل بمجرَّدٍ انفصاله إلى الرَّحم، وهو خلافُ
الأصحِّ كما قرَّرَهُ في "شرح المنية". لكنْ يبقى الإشكالُ في الاتّفاق الذي حكاه "الشارح". اهـ "سندي"
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٣/١.
(٢) ص ٩ ٥٤- "در".
(٣) المقولة [١٣٤٦] قوله: ((وإلا لا)).
(٤ ) ص ١ ٥٦ - "در".
(٥) في "الأصل" و"ب" و"م": ((الخصية)).

قسم العبادات
٥٣٢
حاشية ابن عابدين
وترائِبُ المرأة، ومنيُّهُ أبيضُ، ومنيُّها أصفرُ، فلو اغتسلتْ فخرَجَ منها منيٌّ إنْ منَّها
أعادت الغُسلَ لا الصلاةَ، وإلاّ لا (بشهوةٍ) أي: لذَّةٍ ولو حكماً كمُحتلِمٍ،.
[١٣٤٢] (قولُهُ: وترائبُ المرأة) أي: عظامُ صدرِها كما في "الكشاف"(١).
(١٣٤٣] (قولُهُ: ومنُّه أبيضُ إلخ) وأيضاً منيُّه خاترٌ، ومنيُّها رقيقٌ.
[١٣٤٤] (قولُهُ: إنْ منَّها) أي: يقيناً، فلو شكَّتْ فيه فلا تعيدُ الغُسل اتفاقاً للاحتمال، والأولى
الإعادةُ على قولهما احتياطاً، "نوح أفندي".
١٠٧/١
[١٣٤٥) (قولُهُ: لا الصلاةَ) كما أنَّ الرجل لا يعيدُ ما صلَّى إذا خرَجَ منه بقيَّةُ المني بعد الغُسل
اتّفاقاً كما في "الفتح"(٢)، لكنْ قال في "المبتغى"(٢): ((بخلاف المرأة))، يعني: أَنَّها تعيدُ تلك الصلاةَ،
وفيه نظرٌ ظاهرٌ، والذي يظهرُ أَنَّها كالرجل، كذا في "الحلبة (٤)، وتبعَهُ في "البحر "(٥).
وأجابَ "المقدسيُّ" بـ: ((حمل قوله: بخلاف المرأة على أنَّها لا تعيدُ أصلاً - أي: لا الغسلَ
ولا الصلاة - لأنَّ ما يخرجُ منها يُحتمَلُ أَنَّه ماءُ الرجل)) اهـ.
أقولُ: أي: إذ لم تعلمْ أَنَّ ماؤها.
[١٣٤٦] (قولُهُ: وإلاَّ لا) أي: وإنْ لم يكن منّيَّها بل منيَّ الرجل لا تعيدُ شيئاً، وعليها الوضوءُ،
"رملي" عن "التاتر خانيّة"(٦).
[١٣٤٧] (قولُهُ: بشهوةٍ) متعلّقٌ بقوله: ((منفصلٍ))، احترَزَ به عمَّا لو انفصَلَ بضرْبٍ أو حمْلٍ
ثقيلٍ على ظهره، فلا غُسلَ عندنا خلافاً لـ "الشافعيّ" كما في "الدُّرر(٧).
(١) "الكشاف": سورة الطارق - الآية السابعة ٢٤١/٤.
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٤/١.
(٣) "المبتغى": لعيسى بن محمد بن إينانج القِرْشَهْري الرومي الحنفي(ت بعد سـ٧٣٤سنةهـ). ("كشف الظنون "٥٧٩/٢،
"هدية العارفين" ٨٠٩/١، "الأعلام" ١٠٨/٥).
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق ٩٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٥٨/١.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٥٦/١.
(٧) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٨/١.

الجزء الأول
٥٣٣
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
ولم يذكرِ الدَّفْقَ ليشملَ منيَّ المراة؛ لأنَّ الدفْقَ فيه غيرُ ظاهر، وأمَّا إسنادُهُ إليه أيضاً في
قوله تعالى ﴿خُلِقَ مِن مَّلَوِدَافِقٍ﴾ الآيةَ [ الطارق-٦] فَيَحتمِلُ التغليبَ،
[١٣٤٨] (قولُهُ: كمحتلمٍ) فإِنَّه لا لذَّةَ له يقيناً لفَقْدِ إدراكه، "ط"(١). فتأمَّل.
وقال "الرَّحمتيُّ": ((أي: إذا رأى البللَ، ولم يدركِ الذَّةَ؛ لأَنَّه يمكنُ أنّه أدرَكَها، ثم ذهِلَ
عنها، فجُعَلَت الذَّة حاصلةً حكماً)).
[١٣٤٩] (قولُهُ: ولم يذكرِ الدَّفْقَ) إشارةٌ إلى الاعتراض على "الكنز"(٢) حيث ذكَرَهُ، فإنَّه في
"البحر "(٣) زيَّفَ كلامَه، وجعلَه متناقضاً، وقد أجبنا عنه فيما علَّقناه على "البحر".
ولا يخفى أنَّ المتبادِر من الدَّفْقِ هو سرعةُ الصَّبِّ من رأس الذَّكَرِ لا مِن مَقَرِّه، [١/ق١٢١/أ]
وأمَّا ما أجاب به في "النهر"(٤) عن "الكنز": ((من أنّه يصحُّ كونُه دافقاً من مقرّه بناءً على قول "ابن
عطيّة"(٥): إنَّ الماء يكون دافقاً أي: حقيقةً لا مجازاً؛ لأنَّ بعضه يدفُقُ بعضاً)) فقد قال صاحب
"النهر"(٦) نفسُه: ((إنّي لم أر مَن عرَّجَ عليه))، فافهم.
[١٣٥٠] (قولُهُ: غيرُ ظاهرٍ) أي: لاّساعٍ محلّه.
[١٣٥١) (قولُهُ: وأمَّا إسنادُه إلخ) أي: إسنادُ الدَّفْقِ إلى منيِّ المرأة أيضاً، أي: كإسناده إلى
منيِّ الرجل.
[١٣٥٢] (قولُهُ: فَيَحتمِلُ التغليبَ) أي: تغليبَ ماءِ الرجل لأفضلَتِه على ماء المرأة.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٩١/١ بتصرف يسير.
(٢) انظر"شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٥٦/١-٥٧.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق١٠/ب بتصرف.
(٥) في كتابه "المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز": سورة الطارق ٣٩٩/١٥ بتصرف، وابن عطية هو أبو محمد عبد
الحق بن غالب بن عبد الرحمن المعروف بابن عَطِيَّة المحاربي الغَرْناطيّ المالكيّ(ت٥٤٦هــ، وقيل: ٥٤١،
وقيل: ٥٤٢). (سير أعلام النبلاء" ٥٨٧/١٩، "طبقات المفسرين" للسيوطي صـ١٦-، "الأعلام" ٢٨٢/٣).
(٦) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٠/ب.

قسم العبادات
٥٣٤
حاشية ابن عابدين
فالمستدلُّ بها كـ "القُهُستانيِّ"(١) تبعاً لـ "أخي جلبي" غيرُ مصيبٍ، تأمَّلْ. ولأَنّه ليس
بشرطٍ عندهما خلافاً لـ "الثاني"، ولذا قال (وإنْ لم يخرجْ) من رأس الذِّكَر (بها)
وشرَطَهُ "أبو يوسف"، وبقولِهِ یفتی في ضيفٍ.
[١٣٥٣] (قولُهُ: فالمستدلُّ بها) أي: بالآية، على أنَّ في منيِّها دفقاً أيضاً.
[١٣٥٤] (قولُهُ: تأمَّلْ) لعلَّهُ يشيرُ إلى إمكان الجواب؛ لأنَّ كون الدَّفْق منها غيرَ ظاهرٍ يُشعِرُ
بأنَّ فيه دفقاً وإنْ لم يكن كالرجل، أفاده "ابن عبد الرزَّاق".
[١٣٥٥] (قولُهُ: ولأَنَّه) معطوفٌ على قوله: ((ليشملَ))، والضميرُ للدَّفق بالمعنى الذي ذكرناه،
فافهم.
[١٣٥٦] (قولُهُ: ولذا قال إلخ) أي: لكون الدَّفق ليس شرطاً قال "المصنّف": ((وإنْ لم يخرجْ
بها))، أي: بشهوةٍ، فإنَّ عدم اشتراط الخروج بها مستلزِمٌ لعدم اشتراط الدَّفق؛ إذ لا يوجدُ الدَّفقُ
بدونها.
١
[١٣٥٧] (قولُهُ: وشرَطَهُ "أبو يوسف") أي: شرَطَ الدَّفقَ، وأثرُ الخلاف يظهرُ فيما لو احتلَمَ
أو نظَرَ بشهوةٍ، فأمسكَ ذكَرَه حتى سكنتْ شهوتُه، ثم أرسلَه فأنزَلَ وجب عندهما لا عنده،
وكذا لو خرَجَ منه بقيَّةُ المني بعد الغُسل قبل النوم أو البول أو المشي الكثير، "نهر)(٢). أي:
لا بعده؛ لأنَّ النومَ والبول والمشيَ يقطعُ مادّةً الزائل عن مكانه بشهوةٍ، فيكون الثاني زائلاً عن
مكانه بلا شهوةٍ، فلا يجبُ الغُسل اتفاقاً، "زيلعي)"(٣).
وأطلَقَ المشيَ كثيرٌ، وقَّدَهُ في "المجتبى" بالكثير، وهو أوجهُ؛ لأنَّ الخطوة والخطوتين لا
يكون منهما ذلك، "حلبة"(٤) و"بحر "(٥).
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - موجبات الغسل ٢٦/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٠/ب.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١٦/١.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق ٩٥/ب - ٩٦/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٥٨/١.

الجزء الأول
٥٣٥
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
خافَ ريبةً أو استحى كما في "المستصفى"، وفي "القهستانيِّ"(١) و"التاتر خانيَّة" (٢)
معزّاً لـ "النوازل": ((وبقولِ "أبي يوسف" نأخذُ؛ لأنّه أيسرُ على المسلمين )).
قلتُ: ولا سيَّما في الشتاءِ والسفرِ، وفي "الخانَيَّة"(٣): ((خرَجَ منيٌّ بعد البولِ
وذكَرُهُ منتشرٌ لزِمَهُ الغُسلُ ))، قال في "البحر" :.
قال "المقدسيُّ": ((وفي خاطري أنه عُيِّنَ له أربعون خطوةً، فليُنظر)) اهـ
[١٣٥٨] (قولُهُ: خافَ رِيبةً) أي: تهمةً.
[١٣٥٩] (قولُهُ: وبقول "أبي يوسف" نأخذُ) أي: في الضيف وغيره، وفي "الذَّخيرة: ((أَنَّ
الفقيهَ "أبا اللَّيث" و"خلفَ بن أيوبَ" أخَذا بقول "أبي يوسف"))، وفي "جامع الفتاوى"(٤): ((أنَّ
الفتوى على قوله))، "إسماعيل"(٥).
[١٣٦٠] (قولُهُ: قلت: إلخ) ظاهرُه الميلُ إلى اختيار ما في "النوازل"، ولكنَّ أكثرَ الكتب على
(قولُ "الشارح": في ضيفٍ خافَ رِيبٌ) قال "الرَّحمتيُّ": ((هذا إذا لم يمكنه أنْ يُؤخّرَ الصلاة أو
يتشبََّ بالمصلّين، وإلاَّ فهو أهونُ من الصلاة مع الجنابة على القول الرَّاجح مع ما يُتوقّعُ فيه من المضرَّة لو
أمسَكَ ذكَّرَهُ في حال خروج المنيِّ؛ لأَنَّه ربما ينشقُّ به الذَّكَرُ، أو يورِثْه داءً، وأمَّا قولُهُ: أو استحى فلا
يظهرُ وجهه؛ إذ الحياءُ خُلُقٌ يَمنَعُ صاحبه عن الوقوع فيما يُذَمُّ فيه شرعاً، والرَّاجحُ في تفسير قوله ◌ِ ﴾.
(( إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت )) أنَّ الشيء الذي لا يُستحَى منه شرعاً يُفْعَلُ لا الذي يُستحَى منه
شرعاً، وأمَّا الْجُبن عن الأمورِ المباحة في الشَّرع فإنَّه لا يُسمَّى حياءً، ولا يُعذَرُ به )) اهـ.
قلت: فعلى هذا تكونُ النسخةُ التي فيها الواوُ أصحَّ من نسخة أو. اهـ "سندي".
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - موجبات الغسل ٢٦/١.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٥٦/١ نقلاً عن "الحجَّة".
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٥/١ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "جامع الفتاوى": كتاب الطهارة - فصل في نواقض الوضوء وموجبات الغسل وما أزيل به الحدث ق ٤/أ. وهو
لِقَرَق أمير الَحَمِيْدي الرُّومي (ت٨٦٠هـ). ("كشف الظنون" ٥٦٥/١، "هدية العارفين" ٨٣٥/١، "فهرس
مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٢٤٦/١).
(٥) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق١٠٤/ب بتصرف.

قسم العبادات
٥٣٦
حاشية ابن عابدين
(( ومحملُهُ إِنْ وجَدَ الشهوةَ ))،
خلافه حتى "البحر" (١) و"النهرُ" (٢)، ولا سيَّما قد ذكروا: أنَّ قوله قياسٌ وقولَهما استحسانٌ، وأنّه
الأحوطُ، فينبغي [١/ق ١٢١ /ب] الإفتاءُ بقوله في مواضعِ الضرورة فقط، تأمَّل.
وفي "شرح الشيخ إسماعيل"(٢) عن "المنصوريَّة"(٤): ((قال الإِمام "قاضيخان"(٥). يُؤخَذُ
بقول "أبي يوسف" في صلواتٍ ماضيةٍ، فلا تُعاد، وفي مستقبَلَةٍ لا يصلّي ما لم يغتسلْ)) اهـ.
(تنبيةٌ)
إذالم يتداركْ مَسْكَ ذكَرِهِ حتى نزلَ المنيُّ صار جنباً بالاتّفاق، فإذا خشِيَ الرِّيبةَ يتستّر بإيهامٍ
أَنَّه يصلِّي بغير قراءةٍ ونَيَّةٍ وتحريمةٍ، فيرفعُ يديه ويقومُ ويركعُ شبهَ المصلِّي، "إمداد"(٦).
[١٣٦١] (قولُهُ: ومَحمَلُهُ) أي: ما في "الخانيَّةِ(٧)، قال في "البحر "(٨): ((ويدلُّ عليه تعليلُه في
"التجنيس": بأنَّ في حالة الانتشار وُجِدَ الخروجُ والانفصالُ جميعاً على وجهِ الدَّفْقِ والشهوة)) اهـ
وعبارةُ "المحيط" كما في "الحلبة"(٩): ((رجُلٌ بالَ، فخرَجَ من ذكره منيٌّ إنْ كان منتشراً
فعليه الغُسل؛ لأنَّ ذلك دلالةُ خروجه عن شهوةٍ)).
(قولُهُ: ويدلُّ عليه تعليلُهُ في "التجنيس": بأنَّ في حالة الانتشار إلخ) لكنَّ عبارة "المحيط" تدلُّ على أنَّ مجرَّد
الخروج مع الانتشار فيه دلالة على الشَّهوة، فلا حاجة إلى أمر زائدٍ وهو وجدانُ الشهوة، بل يقال: إنَّ الخروج
على الوجهِ المذكور لا يخلو عن شهوةٍ، والتعليلُ المذكور لا يدلُّ على اشتراطِ الوِجدان.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٥٧/١-٥٨.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ١٠/ب.
(٣) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٠٤/ب.
(٤) لعلها "الفتاوى المنصورية"، ولم نقف لها إلا على إشارة يسيرة في"كشف الظنون"١٢٣٠/٢، وفي "معجم المؤلفين"
٩١٩/٣: ((منصور بن محمد المنصوريّ الحنفيّ، فقيه، من آثاره: "فتاوى"، وهو من أهل القرن الثاني عشر الهجري)).
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٤/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الاغتسال ق٣٩/ب.
(٧) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٥/١ (هامش"الفتاوى الهندية").
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ٥٨/١.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - الغسل ١/ق٩٢/ب.

الجزء الأول
٥٣٧
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
وهو تقييدُ قولهم بعدم الغُسل بخروجه بعد البول (و) عندَ (إيلاج حشفةٍ) هي ما فوقَ
الختان (آدميٍ).
[١٣٦٢] (قولُهُ: وهو) أي: ما في "الخانّة".
[١٣٢٣] (قولُهُ: تقييدُ قولِهم) أي: فيقال: إنَّ عدم وجوب الغُسل بخروجه بعد البول اتفاقاً إذا
لم يكن ذكرُه منتشراً، فلو منتشراً وحَبَ؛ لأَنّه إنزالٌ جديدٌ وُجدَ معه الدَّفقُ والشهوة.
أقولُ: وكذا يُقَّدُ عدمُ وجوبه بعد النوم والمشي الكثير(١).
[١٣٦٤) (قولُهُ: وعند إيلاجٍ) أي: إدخالٍ، وهذا أعمُّ من التعبير بالتقاءِ الخِتانين لشموله
الدبرَ أيضاً.
[١٣٦٥] (قولُهُ: هي ما فوق الخِتان) كذا في "القاموس"(٢)، زادَ "الزيلعيُّ"(٣): ((مِن رأس
الذَّكَر))، وفي "حاشية نوح أفندي": ((هي رأسُ الذَّكَر إلى الخِتان، وهو - أي: الختانُ(٤) -
موضعُ قطعِ جلدِ القُلفة)) اهـ.
فموضعُ القطع غيرُ داخلٍ في الحشفة كما في "شرح الشيخ إسماعيل"(٥)، ومثلُهُ في
"الْقُهُستاني"(٦)، وفي "شرح المنية(٧): ((الحشفةُ: الكَمَرة)).
(١) في "د" زيادة: ((ففي "المصفى" أنّه: ((لا يجب الغسل إجماعاً؛ لأنّه مذيّ وليس بمنيٍّ؛ لأنَّ البول والنوم والمشي يقطع
مادة الشهوة)) اهـ. قال في "البحر": ((وقيد المشي بالكثير في "المجتبى"، وأطلقه كثيرٌ، والتقييد أوجه؛ لأنَّ الخطوة
والخطوتين لا يكون منهما ذلك كما لا يخفى)). اهـ وهو مأخوذ من "الحلبة"لابن أمير حاج)).
(٢) "القاموس": مادة((حشف)).
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١٧/١.
(٤) ((وهو أي: الختان)) ساقط من "آ".
(٥) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٠٥/ب.
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - موجبات الغسل ٢٦/١.
(٧) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٤١-، والذي في مطبوعة "شرح المنية الكبير" ((المكمره))
وهو خطأ، والصواب ((الكمرة))، انظر "القاموس": مادة ((كمر)).

قسم العبادات
٥٣٨
حاشية ابن عابدين
احترازٌ عن الجِنِّيِّ، يعني: إذا لم تُنزِلْ،
أقولُ: هذا هو المرادُ بما فوقَ الختان، وأمَّا كونُ المراد بها من رأس الذكر إلى الختان
فالظاهرُ أَنَّه لا يقولُ به أحدٌ؛ لأنَّ ذلك نحوُ نصفِ الذَّكَر، فيلزمُ عليه أنْ لا يجبَ الغسلُ حتى
يغيبَ نصف الذكر.
[١٣٦٦] (قولُهُ: احترازٌ عن الجنّيِّ) ففي "المحيط": ((لو قالت: معي جنيٌّ يأتيني مراراً، وأحدُ
١٠٨/١ ما أجدُ إذا جامَعَني زوجي لا غسلَ عليها لانعدامٍ سببه، وهو الإيلاجُ أو الاحتلام))، "درر"(١).
ووقَعَ في "البحر"(٢) و "الفتح"(٣) وغيرهما: ((يأتيني في النوم مراراً))، وظاهرُه أنَّه رؤيةُ منامٍ، لكنْ
ضَبَطَه الشيخ "إسماعيلُ"(٤) بالياء المشّة التحتّيَّة لا بالنون.
أقولُ: يدلُّ عليه قوله في "الحلبة"(٥): ((هذا إذا كان [١/ق ١٢٢ / أ] واقعاً في اليقظة، فلو في
المنام فلا شكَّ أنَّ له من التفصيل ما للاحتلام)).
[١٣٦٧] (قولُهُ: يعني: إذا لم تُنزِلْ) قَّدَ به في "الفتح"(٦)، حيث قال: ((ولا يخفى أنَّه مقيَّدٌ بما
إذا لم ترَ الماءَ، فإنْ رأتْه صريحاً وجَبَ كأنّه احتلامٌ)) اهـ.
قال في "البحر"(٧): ((وقد يقال: ينبغي وجوبُ الغُسل من غير إنزال لوجودِ الإِيلاج؛ لأنَّها
تَعرِفُ أنَّه يجامعُها كما لا يخفى)) اهـ.
أقولُ: إنْ كان هذا مناماً فهو غيرُ صحيحٍ، وإلاّ فإنْ ظهَرَ لها بصورة آدميٍّ فهو البحث
الآتي (٨)، وإلاَّ فهو أصلُ المسألة، والمنقولُ فيها عدمُ الوجوب لعدم سببه كما علمتَ، والبحثُ في
المنقول غيرُ مقبول.
ء
(١) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٨/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٥/١.
(٤) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٠٥/أ.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ق ٩٠/ب بتصرف يسير.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٥/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٨) في المقولة الآتية.

الجزء الأول
٥٣٩
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
وإذا لم يَظهَرْ لها في صورةِ الآدميِّ كما في "البحر"(١) (أو) إيلاجِ (قدْرِها من
مقطوعِها) ولو لم يبقَ منه قدْرُها قال في "الأشباه": ((لم يتعلَّقْ به حكمٌ))، ولم أره
(في أحدِ سبيلَيْ ..
[١٣٦٨] (قولُهُ: وإذا لم يظهرْ لها إلخ) هو بحثٌ لصاحب "البحر"(٢)، وسبَقَهُ إليه صاحب
"الحلبة"(٣)، لكنَّه تردّدَ فيه، فقال: ((أمَّا إذا ظهَرَ في صورة آدميّ - وكذا إذا ظهَرَ للرجل جنّةٌ في
صورة آدميَّةٍ فوطِئَها - وجب الغُسل لوجود المجانسة الصوريَّة المفيدةِ لكمال السبيَّةِ، اللهمَّ إلاَّ أنْ
يقال: هذا إنما يتمُّ لو لم توجدْ بينهما مباينةٌ معنويَّةٌ في الحقيقة، ومن ثَمَّ عَلَّلَ به بعضُهم حرمةً
التناكح بينهما، فينبغي أنْ لا يجبَ الغُسل إلاَّ بالإنزال كما في البهيمة والميتة، نعمْ لو لم يعلم ما في
نفس الأمر إلاَّ بعدَ الوطءِ وجَبَ الغُسل فيما يظهرُ لانتفاءِ ما يفيدُ قصورَ السبيَّةِ)).
[١٣٦٩] (قولُهُ: من مقطوعِها) أي: من ذَكَرِ مقطوع الحشفة، بقيَ لو كان مقطوعَ البعض
منها، هل يُناط الحكمُ بالباقي منها، أم يُقدَّرُ من الذَّكر قدْرُ ما ذهَبَ منها كما يقدَّرُ منه لو كان
الذاهبُ كلَّها ؟ لم أره، فتأمَّل.
[١٣٧٠] (قولُهُ: قال في "الأشباه" إلخ) جوابُ ((لو))، وعبارتُه في أحكام غيبوبة الحشفة من
الفنِّ الثاني(٤): ((وإنْ لم يبقَ قدرُها لم يتعلَّقْ به شيءٌ من الأحكام، ويحتاجُ إلى نقلٍ لكونها كُلّةً،
ولم أره الآن)) اهـ.
ونقَلَ "ط " (٥) عن "المقدسيِّ": ((أَنَّه يُفهَمُ من التقييد بقدْرها أَنَّه لا يتعلَّقُ بذلك حكمٌ، ويفتى
به عند السؤال)) اهـ. أي: لأنَّ مفاهيم الكتب معتبرةٌ كما تقدَّمَ(٦).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٦٠/١.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ق ٩٠/أ - ب باختصار.
(٤) بل في الفن الثالث، انظر "الأشباه والنظائر": الجمع والفرق صـ٣٩٧ - وليس فيه لفظ ((الآن)).
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٩٢/١.
(٦) المقولة [٨٨٦] قوله: ((بخلاف أكثر مفاهيم النصوص)).

قسم العبادات
٥٤٠
حاشية ابن عابدين
آدمىٍ) حيٍّ (يُجامَعُ مثلُهُ) سيجيءُ محترَزُهُ (عليهما) أي: الفاعلِ والمفعولِ (لو) كانا ...
(مكلّفَينٍ) ولو أحدُهما مكلّفاً فعليه فقط دون المراهق، لكنْ يُمنَعُ من الصلاة حتى
يغتسلَ، ويُؤمَّرُ به ابنُ عشرٍ تأديباً (وإنْ) وصلِيَّةٌ (لم يُنزِلْ) منّاً بالإجماع.
[١٣٧١] (قولُهُ: آدمىٍّ) احترازٌ عن البهيمة كما يأتي(١)، وعن الجنّة كما مرَّ(٢).
[١٣٧٢) (قولُهُ: سيجيءُ محترزُهُ) أي: محترزُ ما ذكرَ من القيود الثلاثة.
[١٣٧٣) (قولُهُ: مكلّفَينِ) أي: عاقلينِ بَالِغين.
[١٣٧٤] (قولُهُ: ولو أحدُهما إلخ) لكنْ لو كانت هي المكلّفةَ فلا بدَّ أنْ يكون الصبيُّ ممن
يُشْتَهَى، وإِلاَّ فلا يجبُ عليها أيضاً كما يأتي في "الشرح"(٣).
[١٣٧٥] (قولُهُ: تأديباً) في "الخانَيَّة"(٤) وغيرها: ((يُؤمَرُ به اعتيادً وتخلُّقاً كما يؤمرُ بالصلاة
والطهارة))، وفي "القنية"(٥): ((قال [١/ق ١٢٢ /ب] "محمَّدٌ": وطِئَ صبةً يجامَعُ مثلُها يستحبُّ لها
أنْ تغتسلَ، كأنَّه لم يَرَ جَبْرَها وتأديَها على ذلك، وقال "أبو عليٍّ الرازي"(٦): تُضرَبُ على.
الاغتسال، وبه نقولُ، وكذا الغلامُ المراهقُ يُضرَبُ على الصلاة والطهارة)) اهـ.
[١٣٧٦] (قولُهُ: بالإجماع) لِما في "الصحيحين"(٧) من حديث "أبي هريرة" قال: قال رسول
(١) المقولة [١٤١٣] قوله: ((ولا عند وطء بهيمة إلخ)).
(٢) المقولة [١٣٦٦] قوله: ((احتراز عن الجني)).
(٣) صـ ٥٥٢ - "در".
(٤) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ٤٣/١ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٥) "القنية": كتاب الطهارة - باب الجنابة والغسل ق ٣/ب.
(٦) لم نقف في كتب التراجم إلا على هذه الترجمة المقتضبة: ((أبو علي الرازي، كان رفيق الحسن بن أبي مالك في
أخذ الفقه عن أبي يوسف، وروى عنه أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجي)). ("الجواهر المضية" ٦٩/٤، "الفوائد
البهية" صـ١٤٦-). نقول: ولعله أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي من أصحاب محمد بن سماعة كما في "الجواهر
المضية" ٣٠٠/٢، و"الفوائد البهية"صـ ١٠٢-)، والله تعالى أعلم.
(٧) أخرجه البخاري (٢٩١) كتاب الغسل - باب إذا التقى الختانان، ومسلم (٣٤٨) كتاب الطهارة - باب نسخ الماء من الماء
ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأبو داود (٢١٦) كتاب الطهارة - باب في الإكسال، والنسائي (١٩١) كتاب الطهارة - باب
وجوب الغسل إذا التقى الختانان، وابن ماجه (٦١٠) كتاب الطهارة وسننها - باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى =

الجزء الأول
٥٤١
ما یوجب الغسل وما لا يوجبه
يعني: لو في دُبُرِ غيره، أمَّا في دبرِ نفسه فرجَّحَ في "النهر" عدمَ الوجوب إلّ بالإنزالِ، ...
اللـه وَّ: (إذا جَلَسَ بين شُعَبها الأربع، ثمَّ جَهَدها فقد وجب الغُسل، أَنزَلَ أو لم يُنزِلْ)، وأمَّا قوله
عليه الصلاة والسلام: (إنما الماءُ من الماء)(١) فمنسوخٌ بالإجماع، ووجوبُه على المفعول به في الدُبُر
بالقياس احتياطاً، وتمامُه في "شرح المنية"(٢).
[١٣٧٧] (قولُهُ: يعني إلخ) تقييدٌ لقوله: ((في أحدِ سبيلَي آدميٍّ))، فإنّه شاملٌ لدبر نفس
المولِج.
[١٣٧٨] (قولُهُ: فرجَّحَ في "النهر "(٣) إلخ) هو أحدُ قولين حكاهما في "القنية"(٤) وغيرها، قال
(قولُهُ: إذا جلَسَ بين شُعَبِها) جمعُ شُعبةٍ، المرادُ بها اليدان والرِّجلان، أو الرِّجلان والفخذان، أو
الشِّفران والرِّجلان، أو الفخذان والأَسكَتان، وهما ناحيتا الفرج، أو نواحي فرجِها الأربعِ.
وقولُهُ: ((جَهَدَها )) هو كنايةٌ عن معالجةِ الإِيلاج، أو الجهدُ الجماع، وإِنما كَنَّى بذلك للتنزُّهِ عمَّا
يفحُشُ ذكرُهُ صريحاً. اهـ "قسطلاَّني".
(قولُهُ: أَنزَلَ أو لم يُنزِلْ) ليس من الحديث.
(قولُهُ: وتمامُهُ في "شرح المنية") عبارته: (( لأَنَّه في حقِّ الفاعل سببٌ لاستطلاقِ المنيِّ كالإيلاج في
القُبُل لاشتراكهما في وجود الّين والحرارةِ والشَّهوة، وأمَّا المفعولُ به فاحتياطاً، أمَّا عند "أبي يوسف"
و"محمَّدٍ" فلأَنَّ لَمَّا ساوى الفاعلَ فيما يُنِيَ على الدَّرُءُ - وهو الحدُّ - فلأنْ يساويَهُ فيما يُنِيَ على الاحتياطِ
- وهو الغُسل - أَولى، وأمَّا على أصلِ "أبي حنيفة" فلأَنَّه إذا لم يجب الحدُّ فيه للاحتياطِ في درءِ الحدِّ -
وهو الاحتياطُ في الإيجاب - فيجبُ الغُسل إجماعاً )) اهـ.
وفي "البحر" بعد أنْ ذكَرَ سبب الوجوب على الفاعل بنحوِ ما تقدَّمَ قال: ((وعلى المُلاط به؛ إذ
ربما يلتذُّ، فَيُنزِلُ ويخفي )) اهـ.
= الختانان. عن أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً. أما زيادة: ((أنزل أو لم ينزل)) فليست في البخاري، إنما في إحدى روايات مسلم.
(١) أخرجه أحمد٤٧/٣، ومسلم (٣٤٣) كتاب الحيض - باب إنما الماء من الماء)، وأبو داود (٢١٧) كتاب الطهارة - باب
في الإكسال، عن أبي سعيد الخدري رضَّه مرفوعاً.
(٢) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ ٤١ -.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق١١/أ بتصرف.
(٤) "القنية": كتاب الطهارة - باب الجنابة والغسل ق٣/ب.

قسم العبادات
٥٤٢
حاشية ابن عابدين
ولا يَرِدُ الخنثى المشكلُ، فإنَّه لا غُسلَ عليه بإيلاجه في قُبُلِ أو دبرٍ، ولا على مَنْ جامَعَهُ
إلاَّ بالإنزالِ؛
في "النهر"(١): ((والذي ينبغي أنْ يعوَّلَ عليه عدمُ الوجوب إلاَّ بالإنزال؛ إذ هو أولى من الصغيرة
والميتة في قصور الداعي، وعُرِفَ بهذا عدمُ الوجوب بإيلاج الأصبع)).
[١٣٧٩) (قولُهُ: ولا يرِدُ) أي: على إطلاق "المصنّف" الحشفةَ وأحدَ السبيلين.
[١٣٨٠] (قولُهُ: فإنَّه لا غُسلَ عليه إلخ) أي: لجوازٍ كونه امرأةً، وهذا الذكَرُ منه زائدٌ، فيكونُ
كالأصبع، وأنْ يكون رجُلاً، ففرجُه كالجرح، فلا يجبُ بالإِيلاج فيه الغسلُ بمجرَّده(٢).
قلت: ويُشكِلُ عليه معاملةُ الخنثى بالأضرِّ في أحواله، وعليه يلزمُه الغُسل، فليتأمَّل. اهـ
"إمداد"(٣).
أقولُ: سيذكرُ "الشارح" هذا الإشكالَ آخرَ "الكتاب" في كتاب الخنثى(٤)، وسنُوضِحُ
الجوابُ* هناك إن شاء الله تعالى، وذكرناه هنا فيما علَّقناه على "البحر "(٥).
[١٣٨١] (قولُهُ: ولا على مَن جامعَهُ) أي: في قُلِه، فلو جامعَهُ رجلٌ في دبره وجَبَ الغُسل
عليهما كما أفاده "ط" (٦)، أي: لعدم الإشكال في الدبر، وكذا لا إشكالَ فيما لو جامَعَ وجُومِعَ
لتحقُّقِ جنابته بأحد الفعلين.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ١١/أ.
(٢) ذكره في "الإمداد" نقلاً عن "البحر".
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل فيما يوجب الغسل ق ٤٠/أ - ب بتصرف.
(٤) المقولة [٣٦٨٤٩]، قوله: ((قلت إلخ)).
قوله: ((وسنوضح الجواب)) حاصلُهُ: أنَّ معاملته بالأضرِّ والأحوط ليس دائماً، بل قد يكون مستحباً في مواضع،
منها هذه، ووجهه: أنَّ إشكاله أورث شبهةً، وهي لا ترفع الثابت بيقين كالطهارة هنا، بخلاف نحو توريثه؛ لأنَّ شرط
الإرث تحقُّقُ سببه فيعامل فيه بالأضرِّ لعدم تحقق ما يثبت له الأنفع، يدلُّ عليه ما في "غاية البيان": إذا وقف في صفِّ
النساء أحبُّ إليَّ مِنْ أن يعيد الصلاة، كذا قال محمد في "الأصل"؛ لأنَّ الْمُسْقِطَ - وهو الأداء - معلومٌ، والمفسد - وهو
المحاذاة - موهوم، وإنْ قام في صف الرجال يعيدُ مَن عن يمينه ويساره وخلفه استحباباً لتوهُّم المحاذاة. اهـ منه
(٥) "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٩٢/١.

الجزء الأول
٥٤٣
ما يوجب الغسل وما لا يوجبه
لأنَّ الكلام في حشفةٍ وسبيلين محققين (و) عند (رؤيةِ مستيقظٍ) خرَجَ رؤيةُ السَّكران
والمغمى عليه المذْيَ.
[١٣٨٢) (قولُهُ: لأنَّ الكلام) علَّةٌ لقوله: ((ولا يرِدُ)).
[١٣٨٣] (قولُهُ: وسبيلين) أي: وأحدِ سبيلين، فهو على تقدير مضافٍ دلَّ عليه كلامُ المتن
السابقُ، ولهذا قال: ((محقّقَينٍ))، أي: الحشفةِ وأحدِ السبيلين، فافهم.
والأحسنُ إبدالُ السبيلين بالقبُل كما في "البحر"(١)؛ لأنَّ السبيل يشملُ الدَّبر، وهو من
الخنثى محقَّقٌ.
[١٣٨٤) (قولُهُ: وعند رؤيةٍ مستيقظٍ) أي: بفخذه أو ثوبه، "بحر)(٢). والمرادُ بالرؤية العلمُ
ليشملَ الأعمى، والمرأةُ كالرَّجُل كما في "القُهُستاني(٣).
[١٣٨٥] (قولُهُ: خرَجَ رؤيةُ السَّكرانِ والمغمى عليه [١/ق١٢٣ /أ] المذيَ) أي: بعدَ إفاقتِهما،
"(٤)
والفرقُ أنَّ النوم مظِنّهُ الاحتلام، فيُحالُ عليه، ثمَّ يُحتمَلُ أَنَّه منيٌّ رقَّ بالهواء أو للغذاء،
١٠٩/١ فاعتبرناه منَّاً احتياطاً، ولا كذلك السَّكرانُ والمغمى عليه؛ لأَنَّه لم يظهرْ فيهما هذا السببُ،
"بحر "(٥).
وقولُهُ: ((المذْيَ)) مفعولُ ((رؤيةُ))، وهما موجودان في بعض النسخ، ولابدَّ منهما؛ لأنَّ برؤية
المنيِّ يجبُ الغُسلُ كما صرَّحَ به في "المنية"(٦) وغيرها، قال "ط(٧): ((وأشارَ به - أي: بالتقيد بالمذي -
إلى أنَّ في مفهوم المستيقظ تفصيلاً، وما أحسَنَ ما صنع، ولا تكلّفَ فيه)) اهـ، فافهم.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٥٨/١.
(٣) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - موجبات الغسل ٢٧/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٥٩/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٥٩/١.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - الطهارة الكبرى صـ٤٥ -.
(٧) "ط": كتاب الطهارة ٩٢/١.

قسم العبادات
٥٤٤
حاشية ابن عابدين
(منيَّاً أو مَذْياً
[١٣٨٦] (قولُهُ: منّاً أو مذْياً) اعلمْ أنَّ هذه المسألةَ على أربعةَ عشرَ وجهاً: لأَنَّه إمَّا أنْ يعلمَ أَنَّه
منيٍّ أو مذْيٌ أو ودْيٌّ، أو شكَّ فِي الأَوَّلين، أو في الطرفين، أو في الأخيرين، أو في الثلاثة، وعلى
كلٍّ إِمَّا أنْ يتذكَّرَ احتلاماً أوْ لا.
فيجبُ الغُسل اتّفاقاً في سبعِ صورٍ منها، وهي: ما إذا عِلِمَ أَنَّه مذْيٌّ، أو شكَّ في الأوَّلين، أو
في الطرفين، أو في الأخيرين، أو في الثلاثة مع تذكَّرِ الاحتلامِ فيها، أو علِمَ أنَّه منيٌّ مطلقاً.
ولا يجبُ أنّفاقاً فيما إذا عَلِمَ أَنَّ وديٌ مطلقاً، وفيما إذا علِمَ أَنَّ مذيّ، أو شكَّ في الأخيرين
مع عدم تذكُّرِ الاحتلام.
ويجبُ عندهما فيما إذا شكَّ في الأوَّلين، أو في الطَّرفين، أو في الثلاثة احتياطاً، ولا يجبُ عند
"أبي يوسف" للشكِّ في وجود الموجب.
واعلمْ أنَّ صاحب "البحر"(١) ذكَرَ اثنتي عشرةَ صورةً، وزِدْتُ الشكَّ في الثلاثة تذكَّرَ أَوْ لا
أخذاً من عبارته. اهـ "ح"(٢).
أقولُ: إذا عرفتَ هذا فاعلمْ أنَّ "المصنّف" اقتصَرَ على بعض الصور، ولا يلزمُ أنْ يكون ما
سكَتَ عنه مخالفاً في الحكم لِما ذَكَرَهُ كما لا يخفى، فافهم.
نعمْ قولُهُ: ((أو مذْياً)) يقتضي أنَّه إذا علِمَ أنَّه مذْيٌّ، ولم يتذكَّر احتلاماً يجبُ الغُسل، وقد
علمتَ خلافه، وعبارةُ "النِّقايةِ"(٣) كعبارة "المصنّف".
(قولُهُ: ويجبُ عندهما فيما إذا شكَّ إلخ) أي: مع عدمِ التذكِّرِ في المسائل الثلاث.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٥٨/١-٥٩.
(٢) "ح": كتاب الطهارة ق ١١/ب وما بعدها.
(٣) "النقاية": كتاب الطهارة صـ٤- للإمام عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد، صدر الشريعة الأصغر المحبوبيّ
البخاريّ(ت٧٤٧هـ، وقيل: ٧٤٥) و"النقاية" هي مختصر "وقاية الرواية في مسائل الهداية" لمحمود بن أحمد، تاج
الشريعة المحبوبيّ. ("كشف الظنون" ١٩٧١/٢، "الفوائد البهية" صـ١٠٩، ٢٠٧-).