النص المفهرس
صفحات 521-540
الجزء الأول
٥٠٥
فرض الغسل
لكنْ في "المغرب" وغيره: ((البدنُ من المَنْكِبِ إلى الألية))، وحينئذٍ فالرأسُ والعنقُ واليدُ
والرِّجْل خارجةٌ لغةً داخلةٌ تبعاً شرعاً (لا دَلْكُهُ) لأَنَّه متمِّمٌ فيكونُ مستحبّاً لا شرطاً
خلافاً لـ "مالك"
الأنف كالخبز الممضوغ والعجينِ يمنعُ)) اهـ. وهذا غيرُ الدَّرن الآتي متناً(١).
وقَّدَ باليابس لِما في "شرح الشيخ إسماعيل"(٢): ((أَنَّ في الرَّطب اختلافَ المشايخ كما في
"القنية"(٣) عن "المحيط")).
[١٢٥٤] (قولُهُ: لكنْ) استدراكٌ على ظاهر المتن، حيث أطلَقَ البدنَ على الجسد؛ لأنَّ المراد ما
يعمُّ الأطراف، والذي في "القاموس"(٤): ((البدنُ محرٌَّ من الجسد: ما سوى الرأس))، "ط"(٥).
[١٢٥٥] (قولُهُ: في "المغرب") (٦) بميمٍ مضمومةٍ فغينٍ معجمةٍ ساكنةٍ: اسمُ كتابٍ في اللغة
١٠٢/١ للإمام "المطرِّرِيِّ" تلميذِ الإِمام "الزمخشريّ"، ذكَرَ فيه الألفاظَ اللغويَّة الواقعةَ في كتب فقهائنا، وله
كتابٌ أكبرُ منه سمَّاه "المعربَ" بالعين المهملة(٧).
[١٢٥٦] (قولُهُ: خلافاً لـ "مالكٍ") وهو روايةٌ عن "أبي يوسف" أيضاً كما في "الفتح"(٨).
(قولُ "الشارح": لأَنَّه متمِّمٌ، فيكونُ مستحبّا إلخ) متمِّمُ الغرض إنما يكونُ واجباً أو سنَّةً، ومتمِّمُ السنَّةِ
مستحبًّاً، وقد عدَّهُ في سنن الوضوء، فكونُهُ سنَّةً هنا أولى؛ لأنَّ المبالغة في الغُسل فوق المبالغة في الوضوء. اهـ
"سندي" عن "الرَّحمتيِّ". ولعلَّ مراد "الشارح" بالمستحبِّ السنّة بدليل التفريع.
(١) صـ ٥١٣ - "در".
(٢) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق٩٨/أ.
(٣) "القنية": كتاب الطهارة - باب الجنابة والغسل ق ٣/ب.
(٤) "القاموس": مادة ((بدن)).
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٨٧/١.
(٦) عبارة "المغرب" في مادة ((بدن)) ((والبدن ما سوى الشَّوى من الجسم)) والشَّوَى - كما في "لسان العرب" ((شوا)) -
الیدان والرجلان.
(٧) وهو أصل كتاب "المغرب"، والمُطَرِّي هو أبو المظفّر وأبو الفتح ناصر بن عبد السيّد، برهان الدين الُخُوارزميّ المُطَرِّزيّ
(ت ٦١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٧٤٧/٢، "بغية الوعاة ٣١١/٢، " الفوائد البهية" صـ٢١٦-، مقدمة "المغرب").
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.
قسم العبادات
٥٠٦
حاشية ابن عابدين
(ويجبُ) أي: يُفرَضُ (غَسلُ) كلِّ ما يمكنُ من البدن بلاحرجٍ مرَّةً كأذنٍ و (سرَّةٍ
وشاربٍ وحاجبٍ و) أثناءِ (لحيةٍ) وشعرِ رأسٍ ولو متلِّدً؛ لِما في ﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾ من
المبالغة (وفرجٍ خارجٍ) لأَنَّه كالفمٍ، لا داخلٍ؛ لأنَّه باطنٌ، ولا تُدخِلُ إصبعَها فِي قُبُلها، به
يُفتَى (لا) يجبُ (غَسلُ ما فيه حرجٌ ..
[١٢٥٧] (قولُهُ: أي: يُفرَضُ) أي: ليس المرادُ بالواجب المصطلحَ عليه.
[١٢٥٨] (قولُهُ: وشاربٍ وحاجبٍ) أي: بشرةً وشعراً وإِنْ كُتُفَ بالإجماع كما في "المنية"(١).
[١٢٥٩] (قولُهُ: لِما في ﴿فَأَطَّهَرُواْ﴾ من المبالغة) علّةٌ لقوله: ((ويجبُ))، وكان الأولى تأخيرَه
عن قوله: ((وفرجٍ خارجٍ إلخ))، أي: لأَنَّها صيغةُ(٢) مبالغةٍ تقتضي وجوبَ غَسلِ ما يكون من
ظاهرِ البدن ولو من وجهٍ كالأشياءِ المذكورة، "درر"(٣).
بيانُ ذلك: أنّه أمرٌ من باب التفعيل، مصدرُه: الإطَّهُر بكسر الهمزة وفتح الطاء وضمِّ الهاء
المشدَّدتين، أصلُه: تَطَهُّ، قُلبت التاء طاءً، ثم أُدغمت، ثم جيءَ بهمزة الوصل، ومجرَّدُه: طَهُرَ
بالتخفيف، وزيادةُ البناء تدلُّ على زيادة المعنى، ولصاحب "البحر" هنا كلامٌ خارجٌ عن الانتظام
أوضحناه فيما علَّقناه(٤) عليه.
[١٢٦٠) (قولُهُ: لا داخلٍ) أي: لا يجبُ غَسلُ فرجٍ داخلٍ.
[١٢٦١) (قولُهُ: ولا تُدخِلُ أصبعَها) أي: لا يجبُ ذلك كما في "الشرنبلالية"(٥)، "ح" (٦).
(قولُهُ: من بابِ التفعيلِ) لعلَّ حقَّهُ التفعُّلُ.
(١) انظر" شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ ٤٧ -.
(٢) من ((علة)) إلى ((صيغة)) ساقط من"آ".
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٧/١.
(٤) حاشية "منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة ٥٠/١.
(٥) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٧/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٦) "ح": كتاب الطهارة ق ١١/أ.
الجزء الأول
٥٠٧
فرض الغسل
كعينٍ) وإنِ اكتحَلَ بِكُحْلٍ نجسٍ (وثَقْبِ انضَمَّ و) لا
أقولُ: وهو مأخوذٌ من قول "الفتح"(١): (( ولا يجبُ إدخالُها الأصبحَ في قُبُلها، وبه يفتى))
اهـ، فافهم.
وفي "التتار خانّة"(٢): ((ولا تُدخِلُ المرأةُ أصبعَها في فرجها عند الغسل، وعن "محمَّدٍ": أَنَّه إِنْ
لم تدخل الأصبعَ فليس بتنظيفٍ، والمختارُ هو الأوَّلُ )) اهـ.
فقولُ "الشرنبلالَيَّة" تبعاً لـ "الفتح": ((لا يجبُ إدخالُها)) ردٌّ لهذه الرواية، وظاهرُهُ أنَّ المراد
بها الوجوبُ، وهو بعيدٌ، تأمَّل.
[١٢٦٢) (قولُهُ: كعينٍ) لأنَّ في غسلها من الحرج ما لا يخفى؛ لأنّها شحمٌ لا تقبلُ الماء، وقد
[١/ق١١٥/ب] كُفَّ بصرُ مَن تكلَّفَ له من الصحابة كـ "ابن عمر" و"ابن عباسٍ"، "بحر "(٣).
ومُعادُه عدمُ وجوب غَسلها على الأعمى خلافاً لـ "الحانوتيّ" (٤)، حيث بناه على أنَّ العلّة
أَنَّه يُورِثُ العمى، ولهذا نقَلَ "أبو السُّعود"(٥) عن العلاَّمة "سريِّ الدين"(٩): ((أَنَّ العَلَّة الصحيحةَ
كونُه يضرُّ وإنْ لم يُورِثِ العمى، فيسقطُ حَتَّى عن الأعمى)) اهـ
[١٢٦٣) (قولُهُ: وَإِنِ اكتحَلَ إلخ) الظاهرُ أَنَّها شرطيّةٌ، وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: لا يجبُ
غسلُها، فهو استئنافٌ لبيان مسألةٍ أخرى؛ لأنَّ الغَسل المذكور قبلُ غَسلُ نجاسةٍ حكمِيَّةٍ، وهذا
غَسلُ نجاسةٍ حقيقيَّةٍ، فلا يصحُّ جعلُ ((إِنْ)) وصليَّةً، تأمَّل.
[١٢٦٤) (قولُهُ: وَتُقْبِ انضَمَّ) قال في "شرح المنية"(٧): ((وإن انضَمَّ الثقبُ بعد نزع القُرط،
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الغسل ١٥٠/١ نقلاً عن "الفتاوى العتابية".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٤٨/١.
(٤) أبو طاهر محمد بن عمر، شمس الدين الحانوتيّ المصريّ(ت١٠١٠هـ). ("خلاصة الأثر" ٧٦/٤، "هدية العارفين" ٢٦٤/٢).
(٥) "فتح المعين": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ٥٢/١.
(٦) لعله محمد بن إبراهيم، سريّ الدين المعروف بابن الصائغ الدروريّ المصريّ(ت ١٠٦٦هـ) له حاشية على "شرح الأكمل على
الهداية". ("كشف الظنون" ٢٠٣٥/٢، "خلاصة الأثر" ٣١٦/٣، "هدية العارفين" ٢٨٧/٢، "الأعلام" ٣٠٣/٥).
(٧) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ ٤٨ -.
قسم العبادات
٥٠٨
حاشیة ابن عابدين
(داخلٍ قُلفةٍ) بل يُندَبُ، هو الأصحُّ، قاله "الكمال"(١)، وعلَّلَهُ بالحرج، فسقَطَ
الإِشکالُ،
وصار بحالٍ إِنْ أُمِرَّ عليه الماءُ يدخلُه، وإنْ غُفِلَ لا فلا بدَّ من إمراره، ولا يتكلَّفُ لغيرِ الإِمرار من
إدخالٍ عودٍ ونحوه، فإنَّ الحرج مدفوعٌ)) اهـ.
(١٢٦٥) (قولُهُ: وداخلٍ قُلْفَةٍ) القُلفة والغُلفة بالقاف وبالغين: الجلدةُ التي يقطعُها الخاتنُ، يجوزُ
فيها فتح القاف وضعُّها، وزاد "الأصمعيُّ" فتحَ القاف واللام، "حلبة"(٢).
[١٢٦٦) (قولُهُ: فسقَطَ الإشكال) أي: إشكالُ "الزيلعيِّ"(٣)، حيث قال: ((لا يجبُ؛ لأَنَّه
خلقةٌ كقصبة الذَّكَر، وهذا مُشكِلٌ؛ لأَنَّه إذا وصَلَ البولُ إلى القُلفة ينتقض الوضوء، فجعلوه
كالخارج في هذا الحكم، وفي حقِّ الغُسل كالداخل)) اهـ.
٠
ووجهُ السقوط: أنَّ علَّ عدمٍ وجوب غسلها الحرجُ، أي: أنَّ الأصل وجوبُ الغَسل، إلاَّ أَنَّه
سقَطَ للحرج، وإنّما يرِدُ الإشكالُ على التعليل بكونها خلقةً، ولهذا قال في "الفتح"(٤): ((والأصحُّ
الأوَّلُ، أي: كونُ عدمِ الوجوب للحرج، لا لكونه خلقةٌ))، وقال قبله(٥) في نواقض الوضوء بعد ذكرهٍ
الإشكالَ: ((لكنْ في "الظهيريَّة"(٦) إنما علَّله بالحرج لا بالخلقة، وهو المعتمدُ، فلا يرِدُ الإشكال)) اهـ.
(قولُهُ: والأصحُّ الأوَّلُ، أي: عدمُ كون الوجوب إلخ) فيه أنَّ المراد بالأوَّلِ في عبارة "الكمال"
القولُ بأنَّ إدخال الماءِ القُلْفةَ استحبابٌ، لا كونُ عدم الوجوب للحرج، ونصُّ عبارتِهِ: ((ويُدخِلُ القُلفةَ
استحباباً، وفي "النوازل": لا يجوزُ تركه، والأصحُّ الأوَّلُ للحرج، لا لكونه خلقةً )) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق ١٠١/ب.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٧/١ بتصرف.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٠/١.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارت ٣٣/١.
(٦) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الثالث - الفصل الثالث فيما يوجب الغسل وما يتعلق به ق ٨/أ.
الجزء الأول
٥٠٩
فرض الغسل
وفي "المسعوديّ": ((إنْ أمكَنَ فسخُ القلفةِ بلا مشقَّةٍ يجبُ، وإلاَّ لا)) (وكفى بَلُّ أصلٍ
ضغيرتِها) أي: شعرِ المرأة المضفورِ للحرج، أمَّا المنقوضُ فُفرَضُ غَسلُ كلِّهِ.
[١٢٦٧] (قولُهُ: وفي "المسعوديِّ"(١) إلخ) مشى عليه في "الإمداد"(٢)، وبه يحصُّلُ التوفيق بين
القولين؛ لأَنَّه إذا أمكنَ فسخُها - أي: بأنْ أمكَنَ قلبُها وظهورُ الحشفة منها - فلا حرجَ في غَسلها
فيجبُ، وإلاَّ - بأنْ لم يكن فيها سوى ثقبٍ يخرجُ منه البول - فلا يجبُ للحرج، لكنْ أوْرَدَ في
"الحلبة"(٣): ((أنَّ هذا الحرجَ يمكنُه إزالته بالختان))، ثمَّ قال: ((اللهمَّ إلاَّ إذا كان لا يطيقُه، بأنْ
أسلَمَ وهو شيخٌ ضعيفٌ)).
[١٢٦٨] (قولُهُ: ضغيرِها) المرادُ الجنسُ الصادق بجميع الضفائر، "ط (٤).
[١٢٦٩) (قولُهُ: للحرج) والأصلُ [١/ق١١٦/أ] فيه ما رواه "مسلمٌ)"(٥) وغيره عن "أمِّ سلمةً"
قالت: قلت: يا رسولَ الله، إنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضفرَ رأسي، أفأنقضُه لغسل الجنابة؟ فقال: ((لا، إنما
وعليه فالمرادُ بالحرج ما يحصُلُ من مشقَّةٍ فسخِ القُلفة عند كلِّ غُسلٍ لا التعذِّرُ، وعلى هذا لا يصحُّ أنْ يكون
ما قالَهُ "المسعوديُّ" توفيقاً بين القولين، ولذا صاحبُ هذا القول حكَمَ بالندب، ولا يتأَنَّى إلاَّ مع إمكان
الفسخ، فيظهرُ أنَّ الخلاف حقيقيٌّ وإنْ كان إشكالُ "الزيلعيِّ" ساقطً بما قالَهُ "الكمال".
(١) "المسعودي": لأبي محمد عبد الله بن الحسين، قاضي القضاة الناصحيّ(ت٤٤٧هـ)، أُلّفه للسلطان مسعود بن السلطان محمود
الغزنويّ. ("كشف الظنون" ١٦٧٦/٢، "تاج التراجم"صـ١١٦-، " الفوائد البهية" صـ١٠٢-، "معجم المؤلفين" ٢٣٨/٢)، لكن في
"هدية العارفين" ٤٢٨/٢: أنَّ اسمه ((مسعود بن الحسين))، ولعله سهوٌ.
(٢) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في فرائض الغسل ق ٤٢/ب.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق ١٠١/ب.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٨٨/١.
(٥) أخرجه مسلم (٣٣٠) كتاب الحيض - باب حكم ضفائر المغتسلة، وأبو داود (٢٥١) كتاب الطهارة - باب في المرأة هل
تنقض شعرها عند الغسل، بنحوه، وأخرجه الترمذي (١٠٥) كتاب الطهارة - باب هل تنقض المرأة شعرها عند الغسل،
وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (٢٤١) كتاب الطهارة - باب ذكر ترك المرأة نقض شعر رأسها عند اغتسالها
من الجنابة، وبنحوه ابن ماجه (٦٠٣) كتاب الطهارة وسننها - باب ما جاء في غسل النساء من الجنابة.
قسم العبادات
٥١٠
حاشية ابن عابدين
يكفيكِ أنْ تحثِي على رأسكِ ثلاثَ حثّياتٍ، ثم تُفيضين عليك الماءَ، فتطهرين))، ومقتضى هذا
الحديثِ عدمُ وجوب الإيصال إلى الأصول، "فتح"(١). لكنْ في "المبسوط "(٢): ((وإنما شُرِطَ تبليغُ
الماء أصولَ الشعر لحديث "حذيفةً"، فإنَّه كان يجلسُ إلى جنبِ امرأته إذا اغتسلت، فيقول:(( يا
هذه، أَبلغي الماءَ أصولَ شعرك وشؤون رأسك))(٣)، وهي بجمعُ عظام الرأس، ذكَرَهُ القاضي
"عياض"))، "بحر "(٤).
واستُفيد من الإطلاق أنّه لا يجبُ غَسل ظاهرِ المسترسِل إذا بلَغَ الماءُ أصولَ الشعر، وبه
صرَّحَ في "المنية "(٥)، وعزاه في "الحلبة"(٦) إلى "الجامع الحساميِ))(٧) و"الخلاصة"(٨)، ثمَّ قال: ((وممن
نصَّ أيضاً على أنَّ غَسل ظاهرِ المسترسِلِ من ذوائبها موضوعٌ عنها "البزدويُّ" و"الصدرُ الشهيد"،
وعبَّرَ عنه بالصحيح في "المحيط البرهانيّ"(٩)، ومشى عليه في "الكافي"(١٠) و"الذَّخيرة")) اهـ
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥٢/١.
(٢) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٤٥/١.
(٣) لم نعثر على تخريجه من حديث حذيفة.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٥٤/١-٥٥.
(٥) انظر"شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ٤٧ -.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق٩٨/أ - ب بتصرف.
(٧) "الجامع الحسامي": لأبي محمد عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، حسام الدين المعروف بالصدر الشهيد(ت٥٣٦هـ)
وهو شرح "الجامع الصغير" للإمام محمد. ("كشف الظنون" ٥٦٣/١، "الفوائد البهية" صـ ٦١٤٩).
(٨)"خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثاني في الغسل ق٥/ب.
(٩) "المحيط البرهاني": كتاب الطهارات الفصل الثالث ١/ق٩/ب، وليس فيه التعبير بالصحيح، وليتنبه إلى أن صاحب
"الحلبة" نقل ذلك عن "المحيط البرهاني" بواسطة بعض محشي القدوري، وذلك لأنه لم يقف على "المحيط
البرهاني"، فما ينقله عن "المحيط البرهاني" إنما ينقله بواسطة، وقد نص على ذلك في "الحلبة" في شرح المقدمة،
انظر "الحلبة" ١/ق ٧/أ، و ٩٨/ب. وتقدم الكلام على "المحيط البرهاني" صـ ١٤٦ -.
(١٠) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق٦/ب.
الجزء الأول
٥١١
فرض الغسل
اتّفاقً، ولو لم يبتلَّ أصلُها يجبُ نقضُها مطلقاً، هو الصحيحُ، ولو ضَرَّها غَسلُ رأسِها
ترَكَتْه، وقيل: تمسحُهُ،.
[١٢٧٠) (قولُهُ: اتفاقاً) كذا في "شرح المنية"(١)، وفيه نظرً؛ لأنَّ في المسألة ثلاثةَ أقوال(٢) كما
في "البحر"(٣) و"الحلبة"(٤): ((الأوَّلُ: الاكتفاءُ بالوصول إلى الأصول ولو منقوضاً، وظاهرُ
"الذخيرة": أَنَّه ظاهرُ المذهب، ويدلُّ عليه ظاهرُ الأحاديث الواردةِ في هذا الباب.
الثاني: التفصيلُ المذكور، ومشى عليه جماعةٌ، منهم: صاحبُ "المحيط" و "البدائع"(٥)
و "الكافي"(٦).
١٠٣/١
الثالثُ: وجوبُ بلِّ الذوائبِ مع العصر، وصُحِّحَ))، وتمامُ تحقيقِ هذه الأقوالِ في "الحلبة(٧)،
ومالَ فيها آخراً إلى ترجيح القول الثاني، وهو ظاهر المتون.
(١٢٧١) (قولُ: ولو لم يبتلَّ أصلُها) بأن كان متلبِّداً أو غزيراً، "إمداد"(٨). أو مضفوراً ضغراً
شديدا لا ينفذ فيه الماء، "ط " (٩).
[١٢٧٢] (قولُهُ: مطلقاً) قال "ح"(١٠): ((لم يظهرْ لي وجهُ الإطلاق)) اهـ.
وقال "ط"(١١): ((أي: سواءٌ كان فيه حرجٌ أم لا، وقولُهُ: هو الصحيحُ مقابلُه أَنَّه لا بدَّ من
(١) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ٤٧ -.
(٢) من ((اتفاقاً)) إلى ((ثلاثة أقوال)) ساقط من "الأصل".
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٥٥/١.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق ٩٩/أ.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الغسل ٣٤/١.
(٦) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق ٦/ب.
(٧) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق ٩٩/أ، ق ١٠٠/أ.
(٨) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في فرائض الغسل ق٤٣/أ.
(٩) "ط": كتاب الطهارة ٨٨/١.
(١٠) "ح": كتاب الطهارة ق ١١/أ.
(١١) "ط": كتاب الطهارة ٨٨/١.
قسم العبادات
٥١٢
حاشية ابن عابدين
ولا تمنعُ نفسَها عن زوجها، وسيجيءُ في التيمُّمِ (لا) يكفي بَلُّ (صغيرتِهِ) فينقضُها
وجوباً (ولو عَلَوَّا(١) أو تركيّاً) لإمكانِ حلقِهِ.
(ولا يمنعُ) الطهارةَ (وَنِيمٌ) أي: خرُ ذبابٍ وبرغوثٍ ..
عصر الشعر ثلاثاً بعد غسله منقوضاً أو معقوصاً)) اهـ.
أقولُ: كان ينبغي لـ "الشارح" أنْ يقول: يجبُ غَسلها بدلَ قوله: ((يجبُ نقضها))، فقولُهُ:
((مطلقاً)) معناه: سواءٌ كان مضفوراً أوْ لا، وقولُهُ: ((هو الصحيحُ)) احترازٌ عن القول الأوَّلِ
والثالثِ من الأقوال الثلاثة، فتدبّر.
(تنبيةٌ)
يُؤخَذُ من مسألة الضفيرة أَنَّه لا يجبُ غسلُ عُقَدِ الشعر المنعقد بنفسه؛ لأنَّ الاحتراز عنه غيرُ
ممكنٍ ولو من شعر الرَّجُل، [١/ق١١٦/ب] ولم أر مَن نَّهَ عليه من علمائنا، تأمَّل.
وإذا نَتَفَ شعرةً لم تُغْسَلْ فالظاهرُ وجوبُ غسل محلّها لانتقالِ الحكم إليه، تأمَّل.
(١٢٧٣] (قولُهُ: ولا تمنعُ نفسَها) أي: خوفاً من وجوب الغُسل عليها إذا وطِئها؛ لأنّه حقُّه،
ولها مندوحةٌ عن غَسل رأسها.
[١٢٧٤) (قولُهُ: وسيجيءُ في التيمُّم) أي: في آخره(٢).
[١٢٧٥] (قولُهُ: ولو عَلَويّاً أو تُركًَّ) هو الصحيحُ لعدم الضرورة وللاحتياط، وفي روايةٍ: لا
يجبُ نظراً إلى العادة كما في "شرح المنية"(٢).
[١٢٧٦] (قولُهُ: لإمكان حلْقِه) أي: بخلاف المرأة، فإنّها منهيَّةٌ عنه بالحديث، فلا يمكنُها
شرعاً، فافهم.
[١٢٧٧] (قولُهُ: وَنِيمُ إلخ) ظاهرُ "الصحاح"(٤) و "القاموس"(٥): ((أَنَّ الونيمَ مختصٌّ بالذباب))،
(١) أي: منسوباً إلى سيدنا علي نظـ
(٢) المقولة [٢٣٢٠] قوله: ((وكذا يسقط غسله)).
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ ٤٨ -.
(٤) "الصحاح": مادة ((ونم)).
(٥) "القاموس": مادة ((ونم)).
الجزء الأول
٥١٣
فرض الغسل
لم يَصِلِ الماءُ تحته (وحنّاء) ولو جرمَهُ، به يُفتَى (ودَرَنٌ ووسخٌ) عطفُ تفسيرٍ، ..
"نوح أفندي". وهذا بالنظر إلى اللغة، وإلاَّ فالمرادُ هنا ما يشملُ البرغوثَ؛ لأَنَّ أَولى بالحكم.
[١٢٧٨] (قولُهُ: لم يصِلِ الماءُ تحتَهُ) لأنَّ الاحترازَ عنه غيرُ ممكنٍ، "حلبة)(١).
[١٢٧٩) (قولُهُ: به يفتى) صرَّحَ به في "المنية"(٢) عن "الذَّخيرة" في مسألة الخِنَّاء والطين والدرن
معلّلاً بالضرورة، قال في "شرحها"(٢): ((ولأنَّ الماءَ ينفذُه لتخُلُّله وعدمٍ لُزوجَتِه وصلايتِه، والمعتبرُ
في جميع ذلك نفوذُ الماء ووصولُه إلى البدن)) اهـ.
لكنْ يرِدُ عليه أنَّ الواجب الغسلُ، وهو إسالةُ الماء مع النقاطُر كما مرَّ(٣) في أركان الوضوء.
والظاهرُ: أنَّ هذه الأشياءَ تمنعُ الإِسالة، فالأظهرُ التعليلُ بالضرورة، ولكنْ قد يقال أيضاً: إنَّ
الضرورةَ فِي دَرَن الأنف أشدُّ منها في الحِنَّاء والطين لنُدورِهما بالنسبة إليه مع أنَّه تقدَّمَ(٤) أَنَّه يجبُ
غسلُ ما تحته، فينبغي عدمُ الوجوب فيه أيضاً، تأمَّل.
[١٢٨٠) (قولُهُ: عطفُ تفسيرٍ) لقول "القاموس"(٥): ((الدَّرَنُ: الوسخ))، وأشار بهذا إلى أنَّ
المراد بالدرن هنا المتولِّدُ من الجسد، وهو ما يذهبُ بالدلك في الحمام بخلاف الدرن الذي يكون
من مخاطِ الأنف، فإنَّه لو يابساً يجبُ إيصالُ الماء إلى ما تحتَه كما مرَّ(٦).
(قولُهُ: مع أَنَّه تقدَّمَ أَنَّ يجبُ غَسلُ ما تحتَهُ، فينبغي عدمُ الوجوب فيه أيضاً) فيه أنَّه لا يقال ذلك مع
وجودِ النصِّ بخلافه، وإنما يلزمُ التأمُّلُ في وجهِ الفرق، ويظهرُ أنَّ علَّة عدم منع الطهارة في هذه الأشياءِ
الضرورةُ مع وجودٍ وصول الماء ولو بدون التقاطُرِ بخلاف درَنِ الأنف، فإِنَّ الضرورة وُجِدَت فيه، إلاَّ أنَّ
الوصول لم يوجد، وهذا هو الفرقُ، وأيضاً قد اكتفوا بتحريكِ نحو الخاتم الضيِّق مع أنَّ يَمنَعُ الإسالةَ تحته.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق١٠٣/ب.
(٢) انظر"شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ٤٩ -.
(٣) المقولة [٧٣٨] قوله: ((أي: إسالة الماء إلخ)).
(٤) المقولة [١٢٥٣] قوله: ((حتى ما تحت الدرن)).
(٥) "القاموس": مادة((درن)).
(٦) المقولة [١٢٥٣] قوله: ((حتى ما تحت الدرن)).
قسم العبادات
٥١٤
حاشية ابن عابدين
وكذا دُهنٌ ودسومةٌ (وترابٌ) وطينٌ ولو (في ظُفرِ مطلقاً) أي: قروبًا أو مدنّاً في الأصحّ
بخلاف نحوِ عجينٍ (و) لا يمنعُ (ما على ظُفرِ صبَّاغٍ و) لا (طعامٌ بين أسنانه) أو في سِنْه
المحوَّف، به يُفتَى، وقيل:
[١٢٨١] (قولُهُ: وكذا دُهنٌ) أي: كزيتٍ وشيرجٍ بخلاف نحوِ شحمٍ وسمنٍ جامدٍ.
[١٢٨٢)] (قولُهُ: ودسومةٌ) هي أثرُ الدُّهن، قال في "الشرنبلاليّة"(١): ((قال "المقدسيُّ" في
"الفتاوى": دهَنَ رِجْليه، ثم توضَّأ وأمرَّ الماءَ على رجليه، ولم يقبل الماءَ للدُّسومةِ جاز لوجود غَسل
الرِّجْلين)) اهـ.
[١٢٨٣] (قولُهُ: في الأصحّ) مقابلُهُ قولُ بعضهم: يجوزُ للقرويِّ؛ لأنَّ درَنَهُ من التراب والطين
فينفذُه الماء، لا للمدنيِّ؛ لأَنّه من الوَدَك، "شرح المنية"(٢).
[١٢٨٤] (قولُهُ: بخلاف نحوِ عجينٍ) [١ /ق١١٧ / أ] أي: كعلكٍ وشمعٍ وقشرِ سمكٍ وخُبزٍ
ممضوغِ متلِّّدٍ، "جوهرة(٣). لكنْ في "النهر"(٤): ((ولو في أظفاره طينٌ أو عجينٌ فالفتوى على أَنَّه
مغتفَرٌ قروبَّاً كان أو مدنيًّ)) اهـ. نعمْ ذكَرَ الخلافَ في "شرح المنية"(٥) في العجين، واستظهَرَ المنعَ؟
لأنَّ فيه لزوجةً وصلابةً تمنعُ نفوذَ الماءِ.
[١٢٨٥] (قولُهُ: به يفتى) صرَّحَ به في "الخلاصة"(٦)، وقال: ((لأنَّ الماءَ شيءٌ لطيفٌ يصِلُ تحتَه
غالباً)) اهـ. ويرِدُ عليه ما قدَّمناه آنفاً(٧).
ومُفادُه عدمُ الجواز إذا عِلِمَ أنه لم يصلِ الماءُ تحته، قال في "الحلبة"(٨): ((وهو أثبتُ)).
(١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ١٠/١ (هامش"الدرر والغرر").
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ ٤٨ -.
(٣) "الجوهرة النيرة": كتاب الطهارة ١١/١ بتصرف.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ.
(٥) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ٤٨ -.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٨/أ معزياً إلى "الفتاوى".
(٧) المقولة [١٢٧٩] قوله: ((به يفتى)).
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق١٠٣/أ.
الجزء الأول
٥١٥
فرض الغسل
إِنْ صُلِباً منَعَ، وهو الأصحُّ (ولو) كان (خَاتُهُ ضيِّقاً نزَعَهُ أو حرَّكَهُ) وجوباً (كقُرطٍ،
ولو لم يكن بثقبِ أذنِهِ قرطٌ فدخَلَ الماءُ فيه) أي: الثقبِ (عند مرورِهِ) على أذنه
(أجزأه كسُرَّةٍ) وأذنٍ دخَلَهما الماءُ (وإلاَّ) يدخلْ (أدخَلَهُ) ولو بإصبعِهِ، ولا يتكلَّفُ
بخشبٍ ونحوه، والمعتبرُ غلبةُ ظنّهِ بالوصول.
(فروعٌ) نسِيَ المضمضةَ أو جزءاً من بدنه، فصلَّى ثم تذكْرَ فلو نفلاً لم يُعِدْ لعدم
صحَّةٍ شروعه. عليه غُسلٌ وَثَمَّةَ رجالٌ.
[١٢٨٦] (قولُهُ: إِنْ صُلْباً) بضمِّ الصاد المهملة وسكون اللام، وهو الشديد، "حلبة"(١). أي:
إنْ كان ممضوغاً مضغاً متأكَّداً، بحيث تداخلتْ أجزاؤه، وصار له لزوجةٌ وعلاكةٌ كالعجين،
"شرح المنية" (٢).
[١٢٨٧] (قولُهُ: وهو الأصحُّ) صرَّحَ به في "شرح المنية"(٣)، وقال: ((لامتناعِ نفوذٍ الماء مع
عدم الضرورة والحرجِ)) اهـ. ولا يخفى أنَّ هذا التصحيحَ لا ينافي ما قبله، فافهم.
[١٢٨٨] (قولُهُ: كَقُرطٍ) بالضمِّ: ما يُعلَّقُ فِي شَحمة الأذن.
[١٢٨٩] (قولُهُ: ولا يَتَكلَّفُ) أي: بعدَ الإِمرارِ كما قدَّمناه(٤) عن "شرح المنية".
[١٢٩٠) (قولُهُ: لعدم صحَّةٍ شروعِهِ) أي: والنقلُ إنما تلزمُ إعادته بعد صحَّةِ الشروع فيه
قصداً، وسكَتَ عن الفرض لظهور أَنَّه يلزمُهُ الإتيان به مطلقاً.
(قولُهُ: ولا يخفى أنَّ هذا التصحيحَ لا ينافي ما قبله) لِما سَبَقَ له بقوله: ((ومُفادُه عدمُ إلخ))، أي:
فلا يصحُّ ما قاله "ط": ((تقدَّمَ في "رسم المفتي": أنَّ ما به الفتوى مقدٌَّ على الأصحِّ وغيرِهِ )).
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الغسل ١/ق١٠٢/ب.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ٤٩ -.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فرائض الغسل صـ ٤٨ -.
(٤) المقولة [١٢٦٤] قوله: ((وثقب انضم)).
قسم العبادات
٥١٦
حاشية ابن عابدين
لا يدَعُهُ وإِنْ رَأوه، والمرأةُ بين رجالٍ أو رجالٍ ونساء تؤخَّرُهُ، لا بينَ نساء فقط،
واخْتُلِفَ في الرَّجُل بين رجال ونساءٍ أو نساءٍ فقط كما بسَطَّهُ "ابن الشِّحنة"، ..........
[١٢٩١) (قولُهُ: لا يدَعُهُ وإِنْ رأَوهُ) عزاه في "القنية"(١) إلى "الوبريّ"(٢)، قال في "شرح
المنية"(٣): ((وهو غيرُ مسلّمٍ؛ لأنَّ تركَ المنهيِّ مقدّمٌ على فعل المأمور، وللغُسل خَلَفٌ، وهو التيمُّم،
فلا يجوزُ كشفُ العورة لأجله عند من لا يجوزُ نظرُه إليها بخلاف الختان))، وتمامُهُ فيه.
وكذا استشكلَهُ في "الحلبة"(٤) بما في "النهاية" عن "الجامع الصغير" للإمام "التمرتاشيّ"(٥) عن
الإمام "البقاليّ": ((لو كان عليه نجاسةٌ لا يمكن غسلُها إلاَّ بإظهار عورته يصلِّي معها؛ لأنَّ إظهارها
منهيٌّ عنه، والغسلُ مأمورٌ به، وإذا اجتمعا كان النهيُ أَولى)) اهـ. وأطالَ في ذلك، فراجعه.
[١٢٩٢] (قولُهُ: واخْتُلِفَ إلخ) ظاهرُهُ يقتضي أنَّ المسألة نُصَّتْ في المذهب، وقد وقَعَ فيها
خلافٌ، وليس كذلك كما ستقِفُ عليه، "ط" (٦).
[١٢٩٣] (قولُهُ: كما بسَطَهُ "ابن الشِّحنة") أي: في "شرح الوهبائَّة(٧)، حيث نقَلَ عن
١٠٤/١ "شرحها" لـ "ناظمها"(٨): ((أَنَّه لم يقفْ فيها على نقلٍ، وأنَّ القياس أنْ يؤخّرَ الرجلُ بين النساء،
(١) "القنية": كتاب الطهارة - باب الجنابة والغسل ق ٣/ب.
(٢) هو محمد بن أبي بكر، زين الأئمة المعروف بَخَمِير الوَبَري الخوارزميّ (توفي في حدود ٥١٠هـ). ("الجواهر المضية" ١٨٣/٢،
"هدية العارفين" ٨٣/٢، "الفوائد البهية" صـ ١٦١ - وفيه: ((خبير الوَبَري)) وكتب التراجم على الأوّل، والله أعلم.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ ٥١ -.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - منهيات الوضوء ١/ق٧٩/ب.
(٥) هو شرح أبي العباس أحمد بن إسماعيل بن محمد، ظهير الدين الْتُمُرتاشي الخُوارزميّ(ت٠ ٦١هـ، وقيل: ٦٠١) على "الجامع
الصغير" للإمام محمد. ("كشف الظنون" ٥٦٢/١، "الفوائد البهية" صـ ١٥-، "هدية العارفين"٨٩/١، "الأعلام" ٩٧/١).
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٨٩/١.
(٧) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطهارة ق٨/ب بتصرف.
(٨) المسمّى "عقد القلائد في حلِّ قيد الشرائد": لأبي محمد عبد الوهّاب بن أحمد المعروف بابن وهبان الدمشقي
(ت ٧٦٨ هـ). ("كشف الظنون" ١٨٦٥/٢، "تاج التراجم" صـ ١٣٨-، "هدية العارفين" ٦٣٩/١).
الجزء الأول
٥١٧
فرض الغسل
وينبغي لها أنْ تتيمَّمَ وتصلِّيَ لعجزِها شرعاً عن الماء، وأمَّ الاستنجاءُ فُتْرَكُ ..
أو بين الرجال والنساء))، وأَيَّدَهُ "ابنُ الشحنة" بما في "المبسوط"(١): ((من أنَّ نظرَ الجنس إلى الجنس
[١/ق ١١٧/ب] مباحٌ في الضرورة لا في حالة الاختيار، وأَنَّه أخفُّ من نظر الجنس إلى خلاف
الجنس)) اهـ.
هذا، وقال "ح"(٢): ((واعلمْ أنَّه ينبغي أنْ لا تكشِفَ الخنثى للاستنجاء ولا للغسل عند أحدٍ
أصلاً؛ لأَنّها إنْ كشفتْ عند رجلٍ احْتُمِلَ أَنَّها أنثى، وإنْ عند أنثى احْتُمِلَ أَنَّها ذكرٌ. فصار
الحاصلُ: أنَّ مُريد الاغتسال إِمَّا ذكرٌ أو أنثى أوخنثى، وعلى كلٍّ فإمَّا بين رجالٍ أو نساءِ أو
خنائى، أو رجالٍ ونساءٍ، أو رجالٍ وخنائى، أونساءٍ وخنائى، أو رجالٍ ونساءٍ وخنائى، فهو أحدٌ
وعشرون، يغتسلُ في صورتين منها، وهما: رجلٌ بين الرجال، وامرأةٌ بين نساءِ، ويؤخّرُ في تسعَ
عشرةَ صورةً)) اهـ.
[١٢٩٤) (قولُهُ: وينبغي لها) أي: للمرأة، ومثلُها - فيما يظهرُ - الرجلُ، حيث قلنا: إنّه يؤخْرُ
أيضاً، ولا يخفى أنَّ تأخير الغُسل لا يقتضي عدمَ التيمُّم، فإِنَّ المبيحَ له - وهو العجزُ عن الماء - قد
وُجَدَ، فافهم.
بقيَ هنا شيءٌ لم يذكره، وهو أنَّه هل تجبُ إعادة تلك الصلاةِ في هذه المسألة، وفي مسألة
"النهاية" السابقة؟
قال في "الحلبة"(٣): ((فيه تأمُّلٌ، والأشبهُ الإعادةُ تفريعاً على ظاهر المذهب في الممنوع من
إزالةِ الحدث بصنع العِباد إذا تيمَّمَ وصلَّى)) اهـ.
وسيذكرُ "الشارح"(٤) في التيمُّم: ((أَنَّ المحبوس إذا صلَّى بالتيمُّم إنْ في المصر أعادَ، وإلاّ
(١) "المبسوط": كتاب الجنائز - باب غسل الميت ٧١/٢ بتصرف.
(٢) "ح": كتاب الطهارة ق ١١/أ بتصرف.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - منهيات الوضوء ١/ق ٨٠/أ].
(٤) صـ ٣٣٨ - "در" قوله: ((فروع)).
قسم العبادات
٥١٨
حاشية ابن عابدين
مطلقاً، والفرقُ لا يخفى.
فلا))، واستظهَرَ "الرحمتي" عدمَ الإعادة، قال: ((لأنَّ العذرَ لم يأتِ من قِبَلِ المخلوق، فإنَّ المانعَ لها
الشرعُ والحياءُ، وهما من الله تعالى، كما قالوا: لو تيمَّمَ لخوفِ العدوِّ فإنْ توَعَّدَه على الوضوء أو
الغُسل يعيد؛ لأنَّ العذر أتى من غير صاحب الحقِّ، ولو خاف بدون توعُّدٍ من العدو فلا؛ لأنَّ
الخوف أوقعَهُ الله تعالى في قلبه، فقد جاء العذرُ من قِبَلٍ صاحب الحقِّ، فلا تلزمُه الإِعادة)) اهـ.
[١٢٩٥] (قولُهُ: مطلقاً) أي: سواءٌ كان بين رجالٍ، أو نساءٍ، أو بينهما، "ط"(١).
[١٢٩٦) (قولُهُ: والفرقُ لا يخفى) الفرقُ صحَّةُ الصلاة مع الحقيقيّة فيما إذا لم تكن أكثرَ من
قَدْر الدرهم، وعدمُ صحَّتِها مع الحكميَّة رأساً. اهـ "ح"(٢).
زاد في "شرح الوهبانَّة"(٣): ((أنَّ الغسل فرضٌ، فلا يُترَكُ لكشف العورة بخلاف الاستنجاء،
فإنّه سنّةٌ، وتركُها أَولى من الكشف الحرام)).
واعترَضَ "الحمويُّ(٤) الفرقَ الأوَّلَ: ((بأنَّ الحكميَّةَ قد يُعفى عن قليلها أيضاً، فإنَّ الجبيرةَ
يجوزُ تركُ المسح عليها وإنْ لم يضرَّ المسحُ عند "الإِمام" مع أنَّ تحتها حدثاً)) اهـ.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّ رفع الحدث لا يتجزّاً، فيكون غسلُ باقي [١/ق١١٨ /أ] الجسدِ رافعاً لجميع
الحدث، وصار كأنه غسَلَ ما تحتَها حكماً.
نعم الفرقُ الثاني غيرُ مؤثّرٍ لِما علمتَ من أَنَّه لا يجوزُ كشفُ العورة لغَسل النجاسة مع أنّه
فرضٌ، ومن تقديم النهي على الأمر إذا اجتمعا، فالظاهرُ أنَّ ما في "القنية"(٥) ضعيفٌ، والله أعلم.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٨٩/١.
(٢) "ح": كتاب الطهارة ق١١/أ.
(٣) "تفصيل عقد الفرائد": فصل من كتاب الطهارة ق٩/أ بتصرف.
(٤) "غمز عيون البصائر": الفن الأول - القاعدة السادسة ٢٩٢/١ بتصرف.
(٥) "القنية": كتاب الطهارة - باب الجنابة والغسل ق ٣/ب.
الجزء الأول
٥١٩
سنن الغسل وآدابه
(وسننُهُ) كسُننِ الوضوءِ سوى الترتيبِ، وآدابُهُ كآدابه سوى استقبال القبلة؛ لأنّه يكونُ غالباً
مطلبٌ: سننُ الغُسل
[١٢٩٧] (قولُهُ: وسنتُهُ) أفاد أنَّه لا واجبَ له، "ط"(١). وأمَّا المضمضة والاستنشاق فهما بمعنى
الفرض؛ لأَنَّه يَفوتُ الجوازُ بفَواتهما، فالمراد بالواجب أدنى نوعيه كما قدَّمناه(٢) في الوضوء.
[١٢٩٨) (قولُهُ: كسنن الوضوء) أي: من البُداءة بالنيَّة والتسمية والسواك والتخليل والدلك
والولاء إلخ، وأخَذَ ذلك في "البحر"(٣) من قوله: ((ثمَّ يتوضَّأ)).
[١٢٩٩) (قولُهُ: سوى الترتيبِ) أي: المعهودِ في الوضوء، وإلاَّ فالغسلُ له ترتيبٌ آخرُ بَيَّنَهُ
"المصنّف" بقوله: ((بادئاً إلخ))، "ط"(٤) عن "أبي السُّعود"(٥).
أقولُ: ويُستثنى الدعاءُ أيضاً، فإنّه مكروهٌ كما في "نور الإيضاح"(٦).
[١٣٠٠] (قولُهُ: وآدابُه كآدابِهِ) نصَّ عليه في "البدائع"(٧)، قال "الشرنبلاليُ)(٨): ((ويُستحَبُّ
أنْ لا يتكلَّمَ بكلامٍ مطلقاً، أمَّا كلامُ الناس فلكراهته حالَ الكشف، وأمَّا الدعاء فلأَنَّه في مصبٌ
المستعمَل ومحلِّ الأقذار والأوحال)) اهـ
أقولُ: قد عدَّ التسمية من سنن الغُسل، فُيُشكِلُ على ما ذكرَهُ، تأمَّل.
(قولُهُ: أقول: قد عَدَّ التسميةَ من سننِ الغُسل، فُيُشكِلُ على ما ذكَرَهُ) يظهرُ أنَّ التسمية مستثناةٌ من
عموم العبارة الثانية بدليل التعليل بقوله: ((فلأَنَّه في مَصَبِّ إلخ))؛ إذ حينَ التسميةِ لم يوجد استعمالٌ ولا
أقذارٌ ولا أرحالٌ.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٨٩/١.
(٢) المقولة [٨٣٠] قوله: ((أفاد إلخ)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٨٩/١.
(٥) "فتح المعين": كتاب الطهارة - سنن الغسل ٥٤/١ بتصرف.
(٦) بل هو في "مراقي الفلاح": كتاب الطهارة - فصل في آداب الاغتسال صـ١٤٢-١٤٣ -.
(٧) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الغسل ٣٥/١.
(٨) "مراقي الفلاح": كتاب الطهارة - فصل في آداب الاغتسال صـ١٤٢ - بتصرف.
قسم العبادات
٥٢٠
حاشية ابن عابدين
مع كشفِ عورةٍ، وقالوا: لو مكَّثَ في ماءِ جارٍ أو حوضٍ كبيرٍ أو مطرٍ.
واستشكَلَ في "الحلبة"(١) عمومَ ذلك بما في "صحيح مسلمٍ"(٢) عن "عائشة" رضي الله عنها قالت:
((كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ الله ﴿ّ من إناءِ بيني وبينه واحدٍ، فيبادرُني حتى أقولَ: دعْ لي، دعْ
لي))، وفي رواية "النسائيّ": (يبادرُني وأبادرُه حتى يقولَ: دعي لي، وأقولَ أنا: دعْ لي)).
ثُمَّ أجاب بـ: ((حمِلِهِ على بيان الجواز، أو أنَّ المسنون تركُه ما لا مصلحةَ فيه ظاهرةً)) اهـ.
أقولُ: أو المرادُ الكراهةُ حالَ الكشف فقط كما أفاده التعليلُ السابق، والظاهرُ من حاله عليه
الصلاة والسلام أَنَّ لا يغتسلُ بلا ساترٍ.
(١٣٠١] (قولُهُ: مع كشفِ عورةٍ) فلو كان متّزراً فلا بأسَ به كما في "شرح المنية"(٢)
و"الإمداد"(٤).
(١٣٠٣] (قولُهُ: أو حوضٍ كبيرٍ أو مطرٍ) هذا ذكَرَهُ في "البحر"(٥) بحثاً قياساً على الماء الجاري،
(قولُهُ: والظاهرُ من حاله عليه الصلاة والسلام أَنَّه لا يَغتسلُ بلا ساترٍ) قال "السِّنديُّ":
(( في "البخاريِّ" من حديث "أمِّهانيٍ" أَنَّهَ﴿ قال لها في حال اغتساله: ((مرحباً بـ "أمِّ هانئٍ")) يوم فتح
مكَّة، وكان كاشفاً لعورتِهِ بدليل أنَّها وجدت "فاطمة " تسترُهُ، فتنبّهْ )) اهـ.
لكنْ قد يقال: إنَّ ستر "فاطمة" له لا يدلُّ على أنَّه كان كاشفاً لعورته، بل لاحتمالِ أنْ تنكشفَ
عورته في حال الغُسل الذي هو محلُّ توهُّمِهِ، فتراه مكشوفاً.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق ١٠٨/ب.
(٢) أخرجه مسلم (٣٢١) كتاب الحيض - باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وأخرجه أبو داود (٧٧) كتاب
الطهارة - باب الوضوء بفضل وضوء المرأة، مختَصَراً.
وأما رواية النسائي فهي في ١٣٠/١ كتاب الطهارة - باب الرخصة في ذلك.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الغسل صـ٥١ -.
(٤) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في آداب الاغتسال ق ٤٥/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٥٤/١.
الجزء الأول
٥٢١
سنن الغسل وآدابه
قَدْرَ الوضوءِ والغُسلِ فقد أكمَلَ السنَّةَ.
وهو مأخوذٌ من "الحلبة(١)، لكنْ في "شرح هديّة ابن العماد" لسيِّدي "عبد الغني النابلسيِّ"(٢) ما
يخالفُ ذلك، حيث قال: ((إنَّ ظاهر التقييد بالجاري أنَّ الراكد - ولو كثيراً - ليس كذلك باعتبار أنَّ
جريانَ الماء على بدنه قائمٌ مَقامَ التثليث في الصبِّ، ولا كذلك الراكدُ، وربما يقال: إن انتقَلَ فيه من
موضعٍ إلى آخرَ مقدارَ الوضوء والغُسل فقد أكمَلَ [١/ق١١٨ /ب] السنَّةَ)) اهـ. وهو كلامٌ وجية.
والظاهرُ أنَّ الانتقال غيرُ قيدٍ، بل التحرُّكُ كافٍ، ولا يقال: إنَّ الحوض الكبيرَ في حكم
الجاري، فلا فرقَ؛ لأَنَّا نقول: هو مثلُه في عدم قبوله النجاسةَ لا مطلقاً.
[١٣٠٣] (قولُهُ: قَدْرَ الوضوء والغُسل) انظرْ: هل المرادُ قدرُ زمنهما لو كان يصبُّ الماءَ عليهِ
بنفسه، أو مقدارُ ما يتحقَّقُ فيه جريانُ الماءِ على الأعضاء بلحظاتٍ يسيرةٍ يتحقَّقُ فيها غَسلُ أعضاء
١٠٥/١ الوضوء مرتّبةً ثلاثاً مع غَسل باقي الجسدِ كذلك؟ لم أره لأئمَّتنا، وذكَرَ الشافعيَّة الموجبون ترتيبَ
غَسلِ الأعضاء في الوضوء: أنَّ المتوضِّئَ لو غطَسَ في ماءٍ، ومكث قدرَ الترتيب صحَّ، وإلاَّ فلا،
وصحَّحَ "النوويُّ)(٣) الصحَّةَ بلا مُكثٍ؛ لأنَّ الترتيب يحصُلُ في لحظاتٍ لطيفةٍ، وقال العلاَّمة "ابن
حجرٍ" في "التحفة"(٤) بعد ذكرِهِ سننَ الغُسل: ((ويكفي في راكدٍ تحرُّكُ جميعِ البدن ثلاثاً وإنْ لم
ينقُلْ قدمَهُ إلى محلٍ آخرَ على الأوجهِ؛ لأنَّ كلَّ حركةٍ تُوجِبُ مُماسَّة ماءٍ لبدنه غيرِ الماء الذي
٠
قبلها)) انتهى ملخصا.
(قولُهُ: ولا كذلك الراكدُ) قد يقال: إنَّ الراكد كالجاري بدون انتقال وتحرُّكٍ؛ لأَنّه بنزولِهِ فيه
يضطربُ، فيماسُّ بدنَهُ مياةٌ كثيرةٌ متغايرةٌ قبل سكونه من الاضطراب، فيكونُ ذلك بمنزلةٍ جريانه عليه
فيما لو انغمَسَ في الجاري، تأمَّل.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الغسل ١/ق ١١٠/أ.
(٢) "نهاية المراد": سنن الغسل صـ ١٨٤ -.
(٣) انظر "السراج الوهاج"للغمراوي "شرح المنهاج": كتاب الطهارة - باب الوضوء صـ١٧ -.
(٤) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة - باب الغسل ٢٨١/١.
قسم العبادات
٥٢٢
حاشية ابن عابدين
(البداءةُ بِغَسْلِ يديه وفرجِهِ) وإنْ لم يكنْ به خبثٌ اتباعاً للحديث.
...
والذي يظهرُ لي: أَنَّه لو كان في ماءٍ جارٍ يحصُلُ سنَّةُ التثليث والترتيب والوضوء بلا مُكثٍ
ولا تحرُّكٍ، ولو في ماءٍ راكدٍ فلا بدَّ من التّحرُّكَ أَوِ الانتقالِ القائمِ مَقامَ الصبِّ، فيحصلُ به ما
ذكرنا، وقد صرَّحَ في "الدرر"(١): ((بأَنَّه لو لم يصَبَّ لم يكن الغسلُ مسنوناً )) اهـ.
(١٣٠٤] (قولُهُ: البداءةُ بِغَسلٍ يديه) ظاهرُ كلام "المصنّف" كـ "الهداية"(٢) وغيرها: ((أنَّ هذا
الغَسلَ غيرُ الغَسل الذي في الوضوء)).
[١٣٠٥] (قولُهُ: وفرجِهِ) أي: ثُمَّ فرجِهِ، بأنْ يُفيضَ الماءَ بيده اليمنى عليه، فيغسلَهُ بالیسری ثمَّ
ينقّيه. والفرجُ: قُبُلُ الرَّجُل والمرأة، وقد يُطلَقُ على الدُّبر أيضاً كما قال "المطرِّزي"(٣). اهـ
"قُهُستاني"(٤). أي: فيشملُ القبل والدُّبر، وهو المرادُ هنا.
[١٣٠٦] (قولُهُ: وإنْ لم يكن به خبثٌ) ردٌّ على "الزيلعيِّ)"(٥) و"ابن الكمال".
[١٣٠٧) (قولُهُ: اتباعاً للحديث) وهو ما روى "الجماعة"(٦) عن "ميمونةً" رضي الله عنها قالت:
(قولُهُ: بأَنَّه لو لم يُصَبَّ لم يكن إلخ) أي: فيما إذا لم يكن جارياً كما يأتي، أي: ولم يتحرَّك أيضاً.
(قولُهُ: أنَّ هذا الغَسل غيرُ الغَسل الذي في الوضوء) وصريحُ حديث "ميمونة" الآتي يدلُّ على عدم
غسل يديه ثانياً في الوضوء، بل يكتفي بغسلهما ابتداءً، تأمَّل. وعلى ما نقَلَهُ "السِّنديُّ" عن "نور الإيضاح"
يغسلُهما ثانياً.
(قولُهُ: ثمَّ ينقّيه) عبارةُ "القُهُستانيّ": ((حَتَّى)) بدلَ ((ثُمَّ)).
(١) "الدرر": كتاب الطهارة - فرض الغسل ١٨/١.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ١٦/١.
(٣) "المغرب": مادة ((فرج)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - الغسل ٢٥/١.
(٥) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٦) أخرجه أحمد ٣٣٥/٦، والبخاري (٢٦٥) كتاب الغسل - باب تفريق الغسل والوضوء، ومسلم (٣١٧) كتاب الحيض - باب
صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤٥) كتاب الطهارة - باب الغسل من الجنابة، والترمذي (١٠٣) كتاب الطهارة - باب ما
جاء في الغسل من الجنابة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ١٣٧/١ - ١٣٨ كتاب الطهارة - باب غسل الرجلين
في غير المكان الذي يغتسل فيه. وابن ماجه (٥٧٣) كتاب الطهارة - باب ما جاء في الغسل من الجنابة.
الجزء الأول
٥٢٣
سنن الغسل وآدابه
(وخبثِ بدِنِه إنْ كان) عليه خبثٌ لئلاً يشيعَ (ثم يتوضَّأ) أطلَقَهُ فانصرَفَ إلى الكامل،
فلا يؤخّرُ قدميه ولو في مَجْمَعِ الماء؟.
(«وضعتُ للنبي ﴿ّ ماءً يغتسلُ به، فأفرَغَ على يديه، فغسَلَهما مرَّتين أو ثلاثاً، ثم أفرَغَ بيمينه على
شماله، فغسَلَ مذاكيره، ثم دَلَكَ يدَه بالأرض، ثم تمضمَضَ واستنشق، ثم غسَلَ وجهَهُ ويديه، ثم
غسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنخَّى عن مقامه، فغسل قدميه))، "فتح"(١).
[١٣٠٨] (قولُهُ: وخبثِ بدنه)(٢) أي: ولو قليلاً كما يظهرُ من التعليل، وأفاد أنَّ السنَّةَ نفسُ
البُداءة بغَسل النجاسة، وأمَّا نفسُ غسلِها فلا بدَّ منه ولو قليلةً فيما يظهرُ لتنجُّس الماء بها، فلا
يرتفعُ [١/ق ١١٩/أ] الحدث عمَّ تحتَها مالم تزُلْ كما بحثه سيِّدي "عبدُ الغنيِّ"(٣)، وقال: ((لم
أجدْ مَن تعرَّضَ له من أئمّتنا)).
أقولُ: ورأيتُهُ في شرح والده الشيخ "إسماعيلَ" على "الدرر والغرر "(٤)، ذكَرَهُ جازِماً به،
لكنّه لم يعزُّهُ إلى أحدٍ، والله تعالى أعلمُ.
[١٣٠٩] (قولُهُ: فانصرَفَ إلى الكامل) أي: بجميعٍ سننه ومندوباته كما في "البحر"(٥)، قال:
((ويمسحُ فيه رأسَه، وهو الصحيح، وفي "البدائع"(٦): أَنَّه ظاهرُ الرواية)).
[١٣١٠] (قولُهُ: ولو في مَجْمَع الماء) أي: ولو كان واقفاً في محلٍ يجتمعُ فيه ماءُ الغُسل، وهذا
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ٥١/١-٥٢.
(٢) في "د" زيادة: ((وخبث بدنه إنْ كان، فإنْ قلتَ: كان يكفي أن يقول: ((وخبث بدنه)) عن قوله: ((وفرجه))؛ لأنَّ
الفرج إنَّما يُغْسَلُ لأجل النجاسة.؟؟ قلت: أجيب عنه بأنَّ تقديمَ غسلِ الفرج لم ينحصر بكونه للنجاسة، بل لها،
أو لأَنَّه لو غسله في أثناء غسله رُبَّما تنتقض طهارتُهُ عند مَنْ يرى ذلك، والخروج من الخلاف مستحبٌّ عندنا،
وبأَنَّه إنَّما ذكره للاهتمام به)).
(٣) "نهاية المراد": مستحبات الوضوء صـ ٩٠ -.
(٤) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ١٠٠/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١.
(٦) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الكلام على الغسل ٣٥/١.
قسم العبادات
٥٢٤
حاشية ابن عابدين
لِما أنَّ المعتمَدَ طهارةُ الماءِ المستعمَلِ، على أنَّه لا يُوصَفُ بالاستعمال إلاَّ بعد انفصالِهِ عن
كلِّ البدن؛ لأَنّه في الغُسل كعضوٍ واحدٍ، فحينئذٍ لا حاجةَ إلى غَسلِهما ثانياً.
القولُ هو ظاهرُ إطلاق المتن كـ "الكنز"(١) وغيره، وهو ظاهرُ ما أخرجَهُ "البخاريُ"(٢) من حديث
"عائشة": (ثم توضَّأَ وضوءه للصلاة)، وبه أخَذَ "الشافعي"، وقيل: يؤخّرُ مطلقاً، وهو ظاهرُ
إطلاق الأكثر وإطلاقٍ حديث "ميمونةً" المتقدِّمِ(٣)، وقيل بالتفصيل: إنْ كان في مجمعِ الماء فيؤخْرُ،
وإلاَّ فلا، وصحَّحَهُ في "المجتبى"، وجزَمَ به في "الهداية"(٤) و"المبسوط " (٥) و"الكافي"(٦)، قال في
"البحر "(٧): ((ووجهُه التوفيقُ بين الحديثين، والظاهرُ أنَّ الاختلاف في الأولويَّة لا في الجواز)).
[١٣١١] (قولُهُ: لِما أنَّ إلخ) جوابٌ عن قول المشايخ القائلين بالتأخير: إنَّه لا فائدةً في تقديم
غسلهما؛ لأَنَّهما يتلوَّثَان بالغسَلات بعدُ، فيحتاجُ إلى غسلهما ثانياً.
وحاصلُ الجواب: أَنَّه لا حاجةَ إلى غسلهما ثانياً؛ لأنَّ المفتى به طهارةُ الماء المستعمَل، ولهذا
قال "الهندي"(٨): ((إنَّ هذا إنما يتأتّى على رواية نجاسته)).
[١٣١٢] (قولُهُ: على أَنَّه إلخ) تَرَقِّ في الجواب، وحاصلُه منعُ كون الماء مستعملاً لِما ذَكَرَهُ
"الشارح"، فما دامت رِجْلاه في الماء لا يُحكَمُ عليه بالاستعمال لعدم تحقَّقِ الانفصال، فإذا خرَجَ
(١) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٢) أخرجه البخاري (٢٤٨) كتاب الغسل - باب الوضوء قبل الغسل، وأحمد ١٠١/٦، ومسلم (٣١٦) كتاب الحيض
باب صفة غسل الجنابة، وأبو داود (٢٤١) كتاب الطهارة - باب الغسل من الجنابة، والترمذي (١٠٤) كتاب
الطهارة - باب ما جاء في الغسل من الجنابة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٢٠٤/١ كتاب الطهارة -
باب الابتداء بالوضوء في غسل الجنابة.
(٣) المقولة [١٣٠٧] قوله: ((اتباعاً للحديث)).
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات - فصل في الغسل ١٦/١.
(٥) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٤٥/١.
(٦) "كافي النسفي": كتاب الطهارة - سنن الغسل ق ٦/ب.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٥٢/١ بتصرف.
(٨) أبو حفص عمر بن إسحاق، سراج الدين الهندي الغَزْنوي (ت٧٧٣هـ). ("الدرر الكامنة" ١٥٤/٣، "الفوائد البهية" ص١٤٨-).