النص المفهرس

صفحات 441-460

الجزء الأول
٤٢٥
الوضوء وأحكامه
من طُرُقٍ، قال محقِّقُ الشافعيَّة "الرمليُّ":
رواياتٌ أخرُ ذكَرَها في "الحلبة"(١) وغيرها، وسيأتي(٢) أَنَّه يصِّي على النبي ◌ُّ بعد غسل كلِّ عضوٍ، فصار
مجموعُ ما يذكر عند كلِّ عضوِ التسميةَ والشهادةَ والدعاء والصلاة على النبي وَّ لكنْ قال صاحب "الهداية"
في "مختارات النوازل(٣): ((ويسمِّي عند غسل كلِّ عضوٍ، أو يدعو بالدعاء المأثور فيه، أو يذكُر كلمة الشهادة،
أو يصلِّي على النبي {ثُ))، فأتى في الجميع بـ (أو))، ولكنْ رأيت في "الحلبة (٤) عن "المختارات":
((ويدعو)) بالواو(٥)، وبـ ((أو)) في البواقي، فليراجع.
مطلبٌ في بيان ارتقاء الحديث الضعيف إلى مرتبة الحسن
[١٠٢٣] (قولُهُ: من طرقٍ) أي: يقوِّي بعضها بعضاً، فارتقى إلى مرتبة الحسن، "ط) (٦).
أقول: لكنَّ هذا إذا كانَ ضعفُه لسوءِ حفظ الراوي الصدوق الأمين، أو لإرسال أو تدليسٍ أو جهالةٍ
حال، أمَّا لو كان لفسقِ الراوي أو كذبه فلا يؤثِّرُ فيه موافقةُ مثله له، ولا يرتقي بذلك إلى الحسن كما صرَّحَ
٨٦/١ به في "التقريب" و"شرحه(٧)، فحينئذٍ يحتاج إلى الكشف عن حال الراوين(٨) لهذا الحديث، لكنَّ ظاهر
عملهم به أَنَّه ليس من القسم الأخير كما يتضحُ.
[١٠٢٤) (قولُهُ: فُعمَلُ به) أي: بهذا الحديث، وعبارة "الرَّمليّ(٩) كما في "الشربلاليّة"(١٠): ((للعمل
(قولُهُ: لكنْ رأيتُ في "الحلبة" عن "المختارات": ويدعو بالواو، وبأو في البواقي، فليراجع) راجعتُ
"النوازل" فرأيتُهُ عبّر بأو في جميع المعاطيف.
(قولُهُ: وعبارةُ "الرَّمليِّ" كما في "الشرنبلاليَّة": للعمل إلخ) عبارةُ "الشرنبلاليّ": ((قال "النوويُّ".
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٢ - ب وما بعدها.
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "مختارات النوازل": كتاب الطهارة - فصل في الوضوء ق ٩/ب، وفيه: ((ويدعو)) بالواو لا بـ((أو)).
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٤/ب.
(٥) ومثلُهُ في النسخة التي بين أيدينا.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٧٤/١.
(٧) انظر "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي": شرط ترقّي الضعيف إلى مرتبة الحسن ١٧٧/١.
(٨) في "٢": ((الراوي)).
(٩) "نهاية المحتاج شرح المنهاج": كتاب الطهارة - باب الوضوء ١٩٧/١ بتصرف.
(١٠) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ١٢/١ (هامش "الدرر والغرر").

قسم العبادات
٤٢٦
حاشية ابن عابدين
((فُعْمَلُ به في فضائلِ الأعمال.
بالحديث الضعيف إلخ)).
[١٠٢٥] (قولُهُ: في فضائل الأعمال) أي: لأجل تحصيل الفضيلة المترتّبة على الأعمال، قال "ابن حجرٍ"
في "شرح الأربعين"(١): ((لأَنّه إنْ كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أُعطيَ حقّه من العمل، وإلاّلم يترتّبْ
على العمل به مفسدةُ تحليلٍ ولا تحريمٍ ولا ضياعٍ حقٍّ للغير، وفي حديثٍ ضعيفٍ: (مَن بلَغَه عَّي ثوابُ
عملٍ فعمِلَه حصل له أجرُهُ وإنْ لم أكن قُلْه)(٢)، أو كما قال)) اهـ "ط"(٢).
قال "السيوطيُّ (٤): ((وَيُعْمَلُ به أيضاً في الأحكام إذا كان فيه احتياطٌ)).
الأدعيةُ المأثورة المذكورة في كتب الفقهِ لا أصلَ لها، والذي ثبَتَ الشَّهادةُ بعد الفراغ من الوضوء))، قال
"الرَّلِيُّ": (( إِنَّه فاتَ "الرافعيّ" و"النوويّ" أَنَّه - أي: دعاءَ الأعضاء - رُوِيَ من طرُقٍ في "تاريخ ابن حَبَّان" وغيرِهِ
وإنْ كانت ضعيفةً للعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال))، ثمَّ قال: ((وَنَفَى "المصنّفُ" أصلَهُ، يعني: باعتبار
الصحَّةِ، أمَّا باعتبارِ ورودِهِ من الطرق المتقدِّمة فلعلَّه لم يَتْبُتْ عنده ذلك، أو لم يستحضرْه)) اهـ.
(١) "فتح المبين لشرح الأربعين": صـ٣٦ -.
(٢) أخرجه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله": ١٠٣/١، وقال: هذا الحديثُ ضعيفٌ؛ لأنَّ أبا معمر عباد بن
عبد الصمد انفرَدَ به، وهو متروكُ الحديث، وأهلُ العلم بجماعتهم يتساهلون في الفضائل فيروونها عن كل، وإنما
يتشدَّدون في أحاديث الأحكام، وأخرجه ابن حبان في "المجروحين" ١٩٩/١ في ترجمة بزيع، وقال: يأتي عن
الثقات بأشياءَ موضوعةٍ كأنه المتعمد لها، ثم أورد الحديث. وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" ٢٥٣/٣ من حديث
ابن عمر وأنس وقال: هذا حديثٌ موضوعٌ، قد وضعه مَن عزَمَ على وضع أحاديث الترغيب، وأخرجه أبو يَعْلَى
(٣٤٤٣) بلفظ: ((مَن بَلَغَهُ عن اللَّهِ فَضِيْلَةٌ فَلَمْ يَصْدُقْ بها لَمْ يَنَلْها))، وفي إسناده بزيع أبو الخليل، وهو ضعيفٌ جداً،
والطبراني في "الأوسط" (٥١٢٩)، وابن عدي في "الكامل" ٤٩٣/٢ * وأورده الهيثمي في "المجمع" ١٤٩/١، وقال: رواه
أبو يعلى والطبراني في "الأوسط"، وفيه بزيع أبو الخليل، وهو ضعيف، وذكره ابن حجر في "المطالب العالية"
برقم (٣٠١٩) و(٣٠٣٧)، وعزاه إلى أبي يعلى، وقال: فيه ضعف جداً، وأورده ابن عراق في "تنزيه الشريعة" ٢٦٥/١،
والسيوطي في "اللآلئ المصنوعة" ٢١٥/١، وللحديث شواهدُ من حديث ابن عمر وأبي هريرة وابن عباس ﴾.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٧٥/١.
(٤) "تدريب الراوي": النوع الثاني والعشرون: المقلوب ٢٩٩/١.

الجزء الأول
٤٢٧
الوضوء وأحكامه
وإِنْ أنكَرَهُ "النووي")).
(فائدةٌ) شرطُ العمل بالحديث الضعيف عدمُ شدَّةِ ضعفه، وأنْ يدخلَ تحت أصلٍ
عامٍّ، وأنْ لا يعتقدَ سنيَّةَ ذلك الحديثِ، وأمَّا الموضوعُ فلا يجوزُ العملُ به.
[١٠٢٦) (قولُهُ: وإِنْ أَنكَرَه "النوويُّ)(١) حَمَلَ "الرمليُ)(٢) - كما في "الشرنبلالية(٣) - إنكارَه له من جهة
الصحَّة، قال: ((أمَّا باعتبار وروده من الطرق المتقدِّمة فلعلَّه لم يثبت عنده ذلك، أو لم يستحضرْه حينئذٍ)).
[١٠٢٧) (قولُهُ: فائدةٌ إلى قوله: وأمَّا الموضوعُ) من كلام "الرمليّ".
[١٠٢٨] (قولُهُ: عدمُ شدَّةِ ضعفه) شديدُ الضعف هو الذي لا يخلو طريقٌ من طرقه عن كذَّبٍ أو
مَتَّهَمٍ بالكذب، قاله "ابن حجرٍ"(٤)، "ط١(٥).
قلت: مقتضى عملهم بهذا الحديثِ أَنَّه ليس شديدَ الضعف، فطرقُه ترقّهِ إلى الحسن.
[١٠٢٩] (قولُهُ: وأنْ لا يعتقدَ سنَّةَ ذلك الحديثِ) أي: سنَّةِ العملِ به، وعبارة "السيوطيّ"
[١/ق٩٦/ب] في "شرح التقريب"(٦): ((الثالثُ: أنْ لا يعتقدَ عند العمل به ثبوتَه، بل يعتقدُ الاحتياط، وقيل:
لا يجوزُ العمل به مطلقاً، وقيل: يجوزُ مطلقاً)) اهـ.
[١٠٣٠) (قولُهُ: وأمَّا الموضوع) أي: المكذوبُ على رسول الله وُلّه وهو محرَّمٌ إجماعاً، بل قال
بعضهم: إنّه كفرٌ، قال عليه الصلاة والسلام: (مَنْ قال عليَّ ما لم أَقُلْ فليتبوأ مقعده من النار)(٧)، "ط)(٨).
(١) في"د" زيادة: ((هو يقولُ: إنَّ الأدعية المذكورة في كتب الفقه لا أصلَ لها، والذي ثبَتَ الشهادةُ بعد الفراغ من الوضوء، وأقرَّهُ
عليه السراج الهنديُّ في "التوشيح"، حكاه صاحبُ "البحر")).
(٢) "نهاية المحتاج": كتاب الطهارة - باب الوضوء ١٩٧/١.
• (١) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ١٢/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٤) "فتح المبين": صـ٣٣ -.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٧٥/١.
(٦) "تدريب الراوي": النوع الثاني والعشرون: المقلوب ٢٩٩/١ باختصار.
(٧) أخرجه البخاري (١١٠) كتاب العلم - باب إثم مَن كذَبَ على النبيِّ ﴿، ومسلم (٣) المقدّمة - باب تغليظ الكذب على
رسول اللهِ ﴾، من حديث أبي هريرة، وابن ماجه (٣٤) في المقدِّمة - باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول اللهِ﴾)
وهذا حديثٌ متواترٌ روي عن عدد من الصحابة.
(٨) "ط": كتاب الطهارة ٧٥/١.
!

قسم العبادات
٤٢٨
حاشية ابن عابدين
بحال، ولا روايْتُهُ إلاّ إذا قُرِنَ ببيانه.
(والصلاةُ والسلامُ على النبي بعدَهُ) أي: بعد الوضوء، لكنْ في "الزيلعيِّ": ((أي: بعدَ كلِّ
عضوٍ)) (وأنْ يقولَ بعده) أي: الوضوءِ (اللهمَّ اجعلني من.
[١٠٣١] (قولُهُ: بحالٍ) أي: ولو في فضائلِ الأعمال، قال "ط((١): ((أي: حيث كان مخالفاً لقواعد الشريعة،
وأمَّالو كان داخلاً في أصلٍ عامٍّ فلا مانعَ منه، لا جعله حديثاً، بل لدخوله تحت الأصل العامّ))(٢) اهتم تأمَّل.
[١٠٣٢) (قولُهُ: إلاّ إذا قُرِنَ) أي: ذلك الحديثُ المرويُّ، بـ ((بيانِهِ)) أي: بيان وضعه، أمَّا الضعيفُ
فتجوزُ روايته بلا بيانٍ ضعفه، لكنْ إذا أردتَ روايته بغير إسنادٍ فلا تقل: قال رسول الله وَ﴿ كذا وما أشبهَهُ
من صيغِ الجزم، بل قلْ: رُوِيَ كذا، وبَغَنَا كذا، أو ورَدَ، أو جاءٍ، أو نُقِلَ عنه وما أشبهَهُ من صيغِ التمريض،
وكذا ما شُكَّ في صحّته وضعفه كما في "التقريب"(٣).
[١٠٣٣] (قولُهُ: أي: بعدَ الوضوء) فسَّرَ الضميرَ بذلك مع تبادرِ ما في "الزيلعيّ(٤) لأنَّ "المصنّف" في
"شرحه"(٥) فسّره بذلك، وهو أدری مراده.
[٠٣٤ ١] (قولُهُ: وَأَنْ يقولَ بعده) زاد في "المنية"(٦) وغيرها: ((أو في خلاله))، لكنْ قال في "الحلبة"(٧).
((إِنَّ الوارد في السنَّة بعده متصلاًبما تقدَّمَ من ذكر الشهادتين كما هو في رواية "الترمذي"(٨)) اهـ.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٧٥/١.
(٢) قال العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة رحمه الله تعالى تعليقاً على عبارة الطحطاوي هذه التي نقلها عنه ابن
عابدين: ((لا يجوز إدخال الموضوع في جانب أصلٍ خاصٍّ ولا عامٍّ إطلاقاً، وقولُ العلاَّمة الطحطاوي هذا لا يلتفت
إليه بالمرَّة)). انظر "قواعد علوم الحديث" للتهانوي صـ٩٥ -.
(٣) انظر "تدريب الراوي": النوع الثاني والعشرون: المقلوب ٢٩٧/١ - ٢٩٨.
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٧/١.
(٥) "منح الغفار شرح تنوير الأبصار": كتاب الطهارة ١/ق ٨/أ.
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٥ -.
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٨/ب بتصرف.
(٨) تقدَّمَ تخريجه صـ٤٢٣- وما بعدها.

الجزء الأول
٤٢٩
الوضوء وأحكامه
التّوَّابِينَ، واجعلْني من المتطهِّرِين، وأنْ يشربَ بعده من فضلِ وَضوئِهِ).
وزاد في "المنية"(١) أيضاً: (وأنْ يقول بعد فراغه: سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أنْ لا إله إلاَّ أنت،
أستغفرُك وأتوب إليك، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُك ورسولُك ناظراً إلى السماء)(٢).
[١٠٣٥) (قولُهُ: التوَّابِين) هم الذين كلَّما أذنبوا تابوا، والمتطهِّرون: الذين لا ذنب لهم، زاد في "المنية"(٣).
(واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني من الذين لاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون))(٤).
مطلبٌ في مَباحثِ الشُّرب قائماً
[٠٣٦ ١] (قولُهُ: وأنْ يشربَ بعده من فَضل وَضوئه) بفتح الواو: مايُوضَّاً به، "درر"(٥). والمراد شربُ كلِّه
أو بعضه كما في "شرح المنية"(٦) و"شرح الشرعة"(٧)، ويقول عَقِبَه كما في "المنية "(٨): (الهمَّ اشفِنِي بشفائك،
وداونِي بدوائك، واعصِمْني من الوَهَل والأمراض والأوجاع)، قال في "الحلبة" (٩): ((والوَهَلُ هنا بالتحريك:
(١) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٥ -.
(٢) أخرجه النسائي في "السنن الكبرى" (٩٩٠٩) في عمل اليوم والليلة - باب ما يقول إذا فرغ من وضوئه، عن أبي
سعيدٍ مرفوعاً، وليس فيه رفع النظر إلى السماء، وقد ضعفه النووي في "الأذكار" صـ٦هـ، وقال النسائي بعد روايته
مرفوعاً: هذا خطأ، والصواب موقوف، ثم رواه موقوفاً على أبي سعيد، وأخرجه موقوفاً أيضاً ابن أبي شيبة ٣/١
في الطهارات - باب في الرجل ما يقول إذا فرغ من وضوئه.
وأمَّا رفع النظر إلى السماء فأخرجه ابن أبي شيبة ٤/١، وأحمد ١٥١/٤ من حديث عقبة بن عامر.
(٣) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٥ -.
(٤) في "د" زيادة: ((قولُهُ: اللهمَّ اجعلني من التوَّابين واجعلني من المتطهِّرين التوابين الراجعين عن كلِّ ذنبٍ، يقالُ: تابَ
العبد إلى ربِّه إذا رجَعَ عن ذنبه، وتابَ اللَّهُ عليه إذا قَبِلَ توبتَهُ أو وفْقَهُ لها، والتائبُ اسمُ فاعلٍ، والتوَّابُ مبالغةٌ، وقيل:
هو الرَّجُلُ لَمَّا أَذَنَبَ بادَرَ إلى التوبة، وقيل: هو السَّيحُ، دليلُهُ قوله تعالى: ﴿يَجِبَالُ أَوِِّ مَعَهُ﴾ أي: سِيحي؛ إذ
التّوَّابُ والأوَّابُ بمعنى واحد، والتوَّابُ من صفاتِ الله تعالى أيضاً؛ لأنَّه يرجعُ بالإنعام على كلِّ ذنبٍ بقبولِ توبته.
واجعلني من المتطهِّرين المتنزِّهين عن الفواحش، وقيل: المتطهِّرون هم الذين لم يُذنبوا انتهى. كذا في "إمداد الفتاح")).
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة ١٢/١.
(٦) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٦ -.
(٧) "شرح الشرعة": فصل في تفصيل سنن الطهارة صـ ٩٣ -.
(٨) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٦ -.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٤/ب بتصرف.

قسم العبادات
٤٣٠
حاشية ابن عابدين
كماء زمزم (مستقبلَ القبلةِ قائماً) أو قاعداً،.
الضعفُ والفزع، ولم أقف على هذا الدعاء مأُتُوراً، وهو حسنّ) اهـ.
بقيَ شيءٌ، وهو: أنَّ الشرب من فضل الوَضوء ظاهرٌ فيما لو [١/ق٩٧/أ] توضَّأْ من إناءِ كإبريقٍ
مثلاً، أمَّا لو توضَّأ من نحو حوضٍ فهل يُسَمَّى ما فيه فضلَ الوَضوء، فيشربُ منه أو لا؟ فليحرَّر.
هذا، وفي "الذخيرة" عن "فتاوى أبي الليث"(١): ((الماءُ الموضوع للشرب لا يُوضَّأ به ما لم يكن
كثيراً، والموضوعُ للوضوء يجوزُ الشرب منه))، ثم نقَلَ عن "بن الفضل)(٢): ((أَنّه كان يقولُ بالعكس))،
فعلى هذا هل له الشرب من فضل الوَضوء لأَنّه مِن توابعِه، أم لا؟ والظاهرُ الأوَّلُ، تأمَّل.
[١٠٣٧) (قولُهُ: كماء زمزمٌ) التشبيهُ في الشرب مستقبلاً قائماً، لا في كونه بعد الوضوء، فلذا قال
"ط"(٣): ((الأَولى تأخيرُه عن قوله: قائماً)).
[١٠٣٨) (قولُهُ: أو قاعداً) أفادَ أَنّه مخيّ في هذين الموضعين، وأَنَّه لا كراهةَ فيهما في الشرب قائماً
بخلاف غيرهما، وأنَّ المندوب هنا هو الشربُ من فضل الوضوء لا بقيدِ كونه قائماً، بخلاف ما اقتضاه كلام
"المصنّف"، لكنْ قال في "المعراج": ((قائماً))، وخَّره "الحَلْواني" بين القيام والقعود، وفي "الفتح"(٤): ((قيل:
وإنْ شاء قاعداً))، وأقرَّهُ في "البحر"(٥)، واقتصَرَ على ما ذكَرَه "المصنّف" في "المواهب" و"الدرر"(٦) و"المنية(٧)
و "النهر "(٨) وغيرها، وفي "السراج"(٩): ((ولا يستحبُّ الشربُ قائماً إلاَّ في هذين الموضعين))، فاستُفِيدَ
(١) "فتاوى أبي الليث" نصر بن محمد السمر قندي(ت٣٧٣هـ على الراجح). ("الفوائد البهية "صـ ٢٢٠-).
(٢) هو الإمام أبو بكر محمد بن الفضل الكَمَاري البخاري الفَضْلِيّ(ت ٣٨١هـ). ("اللباب" ١٠٩/٣، "الجواهر المضيّة"
٣٠٠/٣، "الفوائد البهية" صـ ١٨٤-).
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٧٥/١.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارات ٣٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٦) "الدرر": كتاب الطهارة ٢١/١.
(٧) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٦ -.
(٨) "النهر": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
(٩) "السراج الوحَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١٣/أ بتصرف.

الجزء الأول
٤٣١
الوضوء وأحكامه
وفيما عداهما يكرهُ قائماً تنزيهاً، ..
ضعفُ ما مشى عليه "الشارح" كما نَبَّهَ عليه "ح"(١) وغيره.
[١٠٣٩) (قولُهُ: وفيما عداهما يكرهُ إلخ) أفادَ أنَّ المقصود من قوله: ((قائماً)) عدمُ الكراهة لا دخولُه
تحت المستحبِّ، ولذا زاد قوله: ((أو قاعداً)).
واعلمْ أَنَّه وَرَدَ في "الصحيحين)(٢): أَّهَ ﴿ قال: ((لا يشربَنَّ أَحدٌ منكم قائماً، فمن نسيَ فليستقىْ)»
وفيهما: (أَنَّه شرِبَ من زمزم قائمً)(٣)، وروى "البخاري(٤) عن "علي" رضي الله عنه: أنَّه بعدما توضَّأ قام،
٨٧/١ فشرب فضل وَضوئه وهو قائمٌ، ثم قال: ((إنَّ ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإنَّ النبيَّ صَنَعَ مثل ما
صنعت)، وأخرجَ "ابن ماجه" و"التر مذيُ)(٥) عن "كبشةَ الأنصاريَّة" رضي الله عنها: أنَّ رسول الله وَُّ
(دخلَ عليها وعندها قِرِبةٌ معلّقةٌ، فشربَ منها وهو قائمٌ، فقطعت فمَ القِربة تبتغي بركةَ موضع في رسول
الله ◌ُّ)، وقال "الترمذي": ((حسنٌ صحيحٌ غريبٌ)).
فلذا اختلف العلماء في الجمع، فقيل: إنَّ النهي ناسخٌ للفعل، وقيل بالعكس، وقيل: إنَّ النهي للتنزيه،
(قولُهُ: أفادَ أنَّ المقصود من قوله: قائماً عدمُ الكراهة إلخ) فيه أنَّ صريح كلام "المصنّف" أنَّ الشُّرب
قائماً مستحبٌّ؛ لأَنَّه في صدَدِ عدِّ المستحبّات لا في بيانِ عدم الكراهة.
(قولُهُ: فلذا اختلَفَ العلماءُ في الجمع، فقيل: إنَّ النهيَ إلخ) الأحسنُ في الجمع بموافقةٍ منصوص المذهب أنْ
يقال: إنَّ حديثَ: (لا يشربَنَّ إلخ)) عامٌّ خُصَّ منه الشُّربُ قائماً من ماء زمزمَ وفضلٍ وَضوئه، وخُصَّ أيضاً حالُ
الضَّرورة على ما هو المأخوذُ من حديث "كبشةً"، فيبقى فيما عدا ذلك عامًاً، والقصدُ بذكرِ "الشارح" حديثَ "ابن
عمر" بيانُ أنَّ الكراهة تنزيهيَّةٌ لوجود الصارف عن التحريميّة، لا بيانُ حكم الأكل كما قال "المحشِّي".
(١) "ح": كتاب الطهارة ق ٩/ب.
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٢٦) كتاب الأشربة - باب كراهية الشرب قائماً عن أبي هريرة مرفوعاً، أمَّا البخاري فلم نجد
الحديث في "صحيحه"، وكذلك لم ينسبه إليه أحد من المخرجين، وإنما نسبوه لمسلم، والله أعلم.
(٣) أخرجه البخاري (٥٦١٧) كتاب الأشربة - باب الشرب قائماً، ومسلم (١٦٠٢) كتاب الأشربة - باب الشرب من
زمزم قائماً عن ابن عباس
(٤) أخرجه البخاري (٥٦١٥ و٥٦١٦) كتاب الأشربة - باب الشرب قائماً.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٤٢٣) كتاب الأشربة - باب الشرب قائماً، والترمذي (١٨٩٣) كتاب الأشربة - باب ما جاء
في الرخصة في ذلك.

قسم العبادات
٤٣٢
حاشية ابن عابدين
والفعلَ لبيان الجواز، وقال "النوويُّ)(١). [١/ق٩٧/ب] ((إِنَّه الصواب))، واعترضَهُ في "الحلبة"(٢) بحديث
"علىٍّ" المارِّ، حيث أنكَرَ على القائلين بالكراهة، وبما أخرجَه "الترمذي(٢) وغيره - وحسَّنَه - عن "ابن عمر":
((كنَّا نأكلُ في عهد رسول الله وَّ ونحن نمشي، ونشربُ ونحن قيامٌ)، قال: ((وجَنَحَ "الطحاويُ)(٤) إلى أَنَّه
لا بأس به، وأنَّ النهي لخوف الضرر لا غير كما رُوي عن "الشعبي"(٥) قال: إنما كُره الشرب قائماً لأَنَّه
يؤذي))، قال في "الحلبة"(٦): ((فالكراهةُ على ما صوَّبُه "النووي" شرعيَّةٌ يثابُ على تركها، وعلى هذا
إرشاديَّةٌ لا يثابُ على تركها))، ثمَّ استشكل ما مرَّ(٧) من استثناء الموضعين - أي: الشربِ من ماء زمزمَ،
ومن فضل الوضوء(٨) - وكراهةٍ ما عداهما: ((بأنّه لا يتمشَّى على قولٍ من هذه الأقوال، نعم على ما جَنَحَ
إليه "الطحاويُّ" يستفادُ الجواز مطلقاً إنْ أمن الضرر، أمَّا الندبُ فلا، إلاَّ أنْ يقال: يفيدُ الندبَ في فضل
الوَضوء ما أخرجَهُ "الترمذيُّ(٩) في حديث "عليّ)، وهو: أنَّه قام بعد ما غسَلَ قدميه، فأخذ فضلَ طَهوره،
فشربه وهو قائمٌ، ثُمَّ قال: ((أحببتُ أنْ أريكم كيف كان طُهُور رسول الله ﴿)، وفيه حديثُ: (أَنَّ فيه
(١) "شرح صحيح مسلم": كتاب الأشربة - باب في الشرب قائماً ١٩٥/١٣ ..
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٣/أ.
(٣) أخرجه الترمذي (١٨٨٠) كتاب الأشربة - باب ما جاء في النهي عن الشرب قائماً، وقال: هذا حديث صحيحٌ
غريبٌ، وأخرجه أحمد ١٢/٢، وابن ماجه (٣٣٠١) كتاب الأطعمة - باب الأكل قائماً.
(٤) "شرح معاني الآثار": كتاب الكراهية - باب الشرب قائماً ٢٧٤/٤.
(٥) أبو عمرو عامر بن شَرَاحِيل الهَمْدانيّ ثم الشَّعْبيّ الحِمْيَريّ الكُوْفِيّ(ت١٠٣ هـ، وقيل غير ذلك). ("تاريخ بغداد"
٢٢٧/١٢، "سير أعلام النبلاء" ٢٩٤/٤).
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٣ /أ - ب بتصرف.
(٧) في المقولة السابقة.
(٨) قوله: ((أي: الشرب من ماء زمزم ومن فضل الوضوء)) ليس في"آ".
(٩) أخرجه الترمذي (٤٨) كتاب الطهارة - باب ما جاء في وضوء النبي # كيف كان، والنسائي ٦٩/١ -٧٠ كتاب
الطهارة - باب صفة الوضوء، و٨٧/١ باب الانتفاع بفضل الوضوء، وفي الباب عن عثمان، وعبد الله بن زَيْد،
وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، والرُّبَيْع، وعبد الله بن أُنَيْس، وعائشة ◌ُه.

الجزء الأول
٤٣٣
الوضوء وأحكامه
وعن "ابن عمر": ((كنّا نأكلُ على عهد النبيِّ ◌َ﴿ ونحن نمشي، ونشربُ ونحن قيامٌ))، ....
شفاءً من سبعين داءً أدناها الْبُهْ)(١)، لكنْ قال الحفّظ: إِنَّه واهٍ)). اهـ ملخّصاً.
والْبُهْرِ بالضمّ فسَّرَه في "الخلاصة"(٢) بـ ((تابع الَّس))، وفي "القاموس" (٣): ((أَنَّه انقطاعُ النَّفَس
من الإعياء)).
والحاصلُ: أنَّ انتفاء الكراهة في الشرب قائماً في هذين الموضعين محلُّ كلامٍ فضلاً عن استحباب القيام
فيهما، ولعلَّ الأوجهَ عدمُ الكراهة إنْ لم نقل بالاستحباب؛ لأنَّ ماء زمزم شفاءٌ، وكذا فضل الوضوء، وفي
"شرح هدية ابن العماد" لسيِّدي "عبد الغني النابلسي(٤): ((ومما جرَّته أَنِّي إذا أصابني مرضٌ أقصِدُ
الاستشفاءَ بشرب فضل الوَضوء، فيحصلُ لي الشفاء، وهذا دأبي اعتماداً على قول الصادق ﴿ في هذا
الطبِّ النبوي الصحيح)).
[١٠٤٠] (قولُهُ: وعن "ابن عمر"إلخ) أخرجَهُ "الطحاويُّ" و"أحمد" و"ابن ماجه" و"الترمذي"،
وصحَّحَه(٥)، "حلبة"(٦).
وقصَدَ بذكره بيانَ حكم الأكل، لكنْ أخرَجَ "أحمدُ" و"مسلم" و"الترمذي" عن "أنسِ" عن
النبي ◌ُّ: ((أنّه نهى أنْ يشرب الرجل قائمً) (٧)، قال "قتادة": (قلت لـ "أنس": فالأكل؟)) فقال: ((ذلك
(١) أخرجه الدَّيْلَميّ كما في "ذَيْل اللآلئ" للسيوطي صـ١٤١-، وابن الجَوْزي في "العلل المتناهية" ٣٥٢/١-٣٥٣، وابن
عراق في "تنزيه الشريعة" ٢٦٥/٢، والشوكاني في "الفوائد المجموعة" (٢٦٣) وغيرهم عن أبي أمامة مرفوعاً، وفي
سنده محمد بن إسحاق العُكَاشِيّ، وهو كذاب، وهذا حديثٌ موضوعٌ.
(٢) لم نعثر على هذا النقل في مخطوطة "خلاصة الفتاوى" التي بين أيدينا.
(٣) "القاموس": مادة((بهر)).
(٤) "نهاية المراد": آداب الوضوء صـ ١٥٦ -.
(٥) تقدَّمَ تخريجه ص٤٣٢ -.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٢/ب.
(٧) أخرجه أحمد ١٣١/٣، ومسلم (١١٣) كتاب الأشربة - باب كراهية الشرب قائماً، والترمذي (١٨٨٠) كتاب
الأشربة - باب ما جاء في النهي عن الشرب قائماً.

قسم العبادات
٤٣٤
حاشية ابن عابدين
ورُخِّصَ للمسافر شربُهُ ماشياً، ومن الآداب: تعاهُدُ موقَيْهِ وكعبيه وعُرُقوبيه وأخمصيه، وإطالةٌ
غرَّتِه وتحجیلِهِ، ..
أشرُّ وأخبثُ)). وفي "الجامع الصغير "[١/ق٩٨/ أ] لـ "السيوطي)(١): (نَهَى عن الشرب قائماً والأكلِ قائماً)،
ولعلَّ النهي لأمرٍ طبيٍّ أيضاً كما مرَّ(٢) في الشرب.
وفي الفصل الحادي والثلاثين من "فصول العلامي": ((وكُرِهَ الأكلُ والشرب في الطريق، والأكلُ
نائماً وماشياً، ولا بأس بالشرب قائماً، ولا يشربُ ماشياً، ورُخِصَ ذلك للمسافر)) اهـ
[١٠٤١] (قولُهُ: وَرُخّصَ إلخ) ليس من تتمَّةِ الحديث.
[١٠٤٢] (قولُ: تعاهُدُ مُوقَيْهِ) تثنية مُوقٍ، وهو آخرُ العين من جهة الأنف، أي: لاحتمال وجود
رَمَصٍ، وقدَّمنا (٣): أنّه يجبُ غَسلُ ما تحته إنْ بقي خارجاً بتغميض العين، وإلاَّ فلا.
(١٠٤٣] (قولُهُ: وكعبيه إلخ) هما العظمان النائتان في الرِّجل، والعُرْقُوبُ: العصَبُ الغليظ الذي فوق
العقب، والأخمصُ من باطن القَدَم: مالم يُصِبْ الأرض، "قاموس (٤).
مطلبٌ فِي الْغُرَّة والتحجيل
[١٠٤٤] (قولُهُ: وإطالةُ غُرَّتَه وتحجيلهِ) لِما في "الصحيحين)(٥) عن "أبي هريرة" ق ◌ُّه قال: سمعت
رسول الله وَ لَّه يقول: (إِنَّ أَمَّتَي يُدعَون يوم القيامة غُرَّاً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أنْ
يطيل غُرََّه فليفعل)، وفي روايةٍ: (فَمَن استطاع منكم فلْيُطِلْ غُرَّتَه وتححيَّه)، "حلبة"(٦).
وبه عُلِمَ أنَّ قول "الشارح": ((وتحجيله)) بالجرِّ عطفاً على (غُرَِّه))، وفي "البحر "(٧): ((وإطالةُ الغُرَّة
(١) "الجامع الصغير": ٦٩٠/٢ برقم (٩٣٩٦)، وعزاه إلى الضياء المقدسي في "المختارة" عن أنس، ورمز لصحَّتِهِ.
(٢) في المقولة السابقة.
(٣) المقولة [٧٦١] قوله: ((فيجب غسل المياقي)).
(٤) "القاموس": مادة ((كعب)) و((عرقب)) و((خمص)) بتصرف.
(٥) تقدَّمَ تخريجه صـ٣٠١-، وصـ٣٩٩ -.
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٥/ب.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.

الجزء الأول
٤٣٥
الوضوء وأحكامه
وغَسلُ رِجْليه بيساره، وبلّهما عند ابتداء الوضوء في الشتاء،.
تكون بالزيادة على الحدِّ المحدود))، وفي "الحلبة (١): ((والتحجيلُ يكون في اليدين والرِّجْلين، وهل له حدٌّ؟
لم أقفْ فيه على شيءٍ لأصحابنا، ونقل "النوويُ)(٢) اختلاف الشافعيَّة فيه على ثلاثة أقوال: الأوَّلُ: أَنّه يستحبُّ
الزيادة فوق المرفقين والكعبين بلا توقيتٍ، الثاني: إلى نصف العضُد والسَّاقِ، الثالث: إلى المنكب والركبتين،
قال: والأحاديث تقتضي ذلك كلّه)) اهـ. ونقَلَ "ط (٣) الثانيَ عن "شرح الشِّرعة(٤) مقتصراً عليه.
[١٠٤٥) (قولُهُ: وغَسلُ رِجْليه يساره) لعلَّ المراد به دلْكُهما باليسار لِما قدَّمناه(٥) أَنّه يُندب إفراغُ الماء
بيمينه، ثم رأيت في "شرح الشيخ إسماعيل"(٦) قال: ((يُفرِغ الماءَ بيمينه على رِجْليه، ويغسلُهما يساره)) اهـ.
وأخرَجَ "السيوطيُّ" في "الجامع الصغير"(٧) عن "أبي هريرة" ت ◌ُه: ((إذا توضَّأ أحدكم فلا يغسلْ
أسفلَ رجلیه بيده اليمنى)).
[١٠٤٦] (قولُهُ: وبُّهما إلخ) أي: الرِّجْلِين، لكنْ في "البحر(٨) عند الكلام على غَسل الوجه: ((عن
"خلف بن أيوب"(٩) أَنَّه قال: ينبغي للمتوضّئ في الشتاء أنْ يلَّ أعضاءه بالماء شبهَ [١/ق٩٨/ب] اللَّهْن، ثمَّ
٨٨/١ يُسيلَ الماءَ عليها؛ لأنَّ الماء يتجافى عن الأعضاء في الشتاء)) اهـ
(١) من أوَّل النقل إلى قوله: ((الرجلين)) ذكره في "الحلبة" في آداب الوضوء ١/ق ٧٥/ب، وتتمة النقل ذكره في
منهيات الوضوء ١/ق ٨٤/أ.
(٢) "المنهاج في شرح صحيح مسلم": كتاب الطهارة - باب استحباب إطالة الغرَّة والتحجيل في الوضوء ١٢٨/٣.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٧٦/١.
(٤) "شرح الشرعة": فصل في تفصيل سنن الطهارة صـ٩٢-، والعبارة لصاحب "الشرعة".
(٥) المقولة [١٠٠٤] قوله: ((إلى نيف وستين)).
(٦) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٧٣/أ نقلاً عن "النتف".
(٧) "الجامع الصغير": ٨٤/١ برقم (٥٨٣).
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ١١/١.
(٩) أبو سعيد خَلَفُ بن أيوبَ العامريّ البَلْخيّ(ت ٢١٥هـ وقيل غير ذلك). ("الجواهر المضية" ١٧٠/٢، "الفوائد البهية"
صـ ٧١-). وتقدمت ترجمته من المؤلف المقولة [٣٩٨].

قسم العبادات
٤٣٦
حاشية ابن عابدين
والتمسُّحُ مندیلٍ، وعدمُ نفضٍ يده،.
....
مطلبٌ في التمسُّح بمندیلِ
[١٠٤٧] (قولُهُ: والتمسُّحُ بمنديلٍ) ذكَرَه صاحب "لمنية"(١) في الغُسل، وقال في "الحلبة"(٢): ((ولم أرَ مَنْ
ذكره غيرَه، وإنما وقعَ الخلافُ في الكراهة، ففي "الخالنَّةُ "(٣): ولا بأس به للمتوضِّئ والمغتسل، رُوِي عن
رسول الله ﴾: (أنّه كان يفعلُه)(٤)، ومنهم مَنْ كرِهَ ذلك، ومنهم مَنْ كرهه للمتوضِّئ دون المغتسل،
والصحيحُ ماقلنا، إلاَّ أنَّه ينبغي أنْ لا يبالغَ ولا يستقصيَ، فيقي أثّرَ الوضوء على أعضائه اهـ. وكذا وقَعَ بلفظِ
لا بأس في "خزانة الأكمل(٥) وغيرها، وعزاه في "الخلاصة"(٤) إلى "الأصل(٧)). اهـ ما في "الحلبة"، ثمَّ
ذكَرَ(٨) أدَّةَ الأقوال الثلاثة والقائلين بها من السَّف، وأطالَ وأطابَ كما هو دأبُه رحمه الله تعالى.
وقدَّمنا(٩) عن "الفتح": ((أَنَّ من المندوبات تركَ التمسُّحِ بخرقةٍ يمسحُ بها موضعَ الاستنجاء - أي: التي
يمسح بها ماء الاستنجاء- لاستقذارها))، وليس فيه ما يفيدُ تركَ التمسُّحِ بغيرها، فافهم.
[١٠٤٨) (قولُهُ: وعدمُ نفضِ يده) لحديثِ: ((لا تنفُضوا أيديكم في الوضوء، فإِنَّها مراوحُ الشيطان»،
(١) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ ٥٢ -.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الغسل ١/ق ١٠٨/ب بتصرف.
(٣) "الخانية": كتاب الطهارة - فصل في الماء المستعمل ١٥/١ - ١٦ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) أخرجه الترمذي (٥٣) كتاب الطهارة - باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء، والحاكم ١٥٤/١ كتاب الطهارة،
والدار قطني ١١٠/١ كتاب الطهارة - باب التنشيف من ماء الوضوء، والبيهقي ١٨٥/١ كتاب الطهارة - باب
التمسُّح بالمنديل عن عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: حديثُ عائشة ليس بالقائم، ولا يصح عن النبي لم﴾ّ في
هذا الباب شيء، وفي الباب عن معاذ بن جبل، وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
(٥) "خزانة الأكمل": لأبي عبد الله يوسف بن علي بن محمد الجُرْجانيّ(ت بعد ٥٢٢هـ). ("كشف الظنون" ٧٠٢/١،
وفيه: لأبي يعقوب، "الجواهر المضية" ٦٣٠/٣، "الفوائد البهية" صـ ٢٣١-).
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل التاسع في الحظر والإباحة ق ١٧/أ.
(٧) "الأصل": كتاب الطهارة والصلاة - باب الوضوء والغسل من الجنابة ٧٠/١.
(٨) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الغسل ١/ق ١٠٨/ب - ١١٠/أ.
(٩) المقولة [١٠٠٤] قوله: ((إلى نيف وستين)).

الجزء الأول
٤٣٧
الوضوء وأحكامه
وقراءةُ سورةِ القدر،.
ذكَرَه في "المعراج"، لكنَّه حديثٌ ضعيفٌ كما ذكَرَه "المناويُّ)(١)، بل قد ثبت في "الصحيحين)(٢) عن "ميمونةَ"
رضي الله عنها: (أَنَّها جاءته بخرقةٍ بعد الغَسل، فردَّها وجعَلَ ينفُض الماءَ بيده)، تأمَّل.
[١٠٤٩) (قولُ: وقراءةُ سورة القدر) لأحاديثَ وردت فيها، ذكَرَها الفقيهُ "أبو الليث" في "مقدِّمته(٣)،
لكنْ قال في "الحلبة"(٤): ((سئل عنها شيخُنا الحافظ "ابن حجر العسقلاني"، فأجاب: بأنَّه لم يثبت منها
(قولُهُ: بل قد ثبَتَ في "الصَّحيحين" عن "ميمونة" إلخ) حديثُ "ميمونة" لا يُعارِضُ ما في الشَّرح، فإِنَّه في
نْضِ الماء بيده لا في نفضٍ يده.
(١) "فيض القدير": ٥٢٣/١ برقم (١٠٦٤)، ورمز له السيوطي بالضعف قبلاً، وأخرجه ابن أبي حاتم الرازي في
"العلل" ٣٦/١، وابن حبان في "المجروحين" ٢٠٣/١ من طريق البختري بن عبيد الطائي عن أبيه عن أبي هريرةڅ
مرفوعاً، قال أبو حاتم: هذا حديثٌ منكرٌ، والبختري ضعيفُ الحديث وأبوه مجهول. قال الذهبي في "الميزان"
٢٩٩/١: أنكرُ ما روى عن أبيه عن أبي هريرة ﴾ه مرفوعاً: ((إذا تَوَضَّأْتُم فلا تَنْفُضُوا أيْدِيَكُمْ فَإنّها مَرَاوِحُ
الشَّيْطان))، وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٩٩/١ ولم ينفرد به البختري، فقد رواه ابن طاهر في "صفة
التصوف" من طريق ابن أبي السري، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد الطائي عن أبيه عن أبي هريرة به، وهذا إسنادٌ
مجهولٌ. ولعل ابن أبي السري حدَّثَ به مِن حفظِهِ في المذاكرة، فوَهِمَ في اسم البختري بن عبيد الطائي، والله أعلم.
ثم قال ابن حجر: وقال ابن الصلاح في كلامه على "الوسيط": لم أجد له أنا في جماعة اعتنوا بالبحث عن حاله
أصلاً، وتبعه النووي. فالحديثُ منكرٌ واهٍ، وخصوصاً أنه خالَفَ فعل النبيِ ﴿ الثابت في "الصحيحين" والآتي ذكرُهُ،
والله تعالى أعلم.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٦) كتاب الغسل - باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة، ومسلم (٣١٧) كتاب الحيض - باب صفة
غسل الجنابة، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢٤٥) كتاب الطهارة - باب في الغسل من الجنابة، والترمذي(١٠٣) كتاب الطهارة -
باب ما جاء في الغسل من الجنابة، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والنسائي ٣٧/١ كتاب الطهارة - باب ترك الوضوء من
بعد الغسل، وفي الباب عن أمِّ سلمة، وجابر، وأبي سعيد، وجُبَيْر بن مطعم، وأبي هريرةِ ◌ّه.
(٣) ذكر الفقيه أبو الليث السمرقندي في "مقدمته ق ١١/ب حديثين في ذلك، لكن الوضع ظاهرٌ عليهما لِما فيهما من المبالغة،
قال السخاوي في "المقاصد الحسنة"(٤٢٤): قراءة سورة إنا أنزلناه عقب الوضوء لا أصل له. ومثله في "الأسرار المرفوعة" لمنلا
علي القاري صـ٣٥٥-، و"كشف الخفاء" للعجلوني ٢٧٠/٢، ثم قال السخاوي: وهو أيضاً مفوِّت سنته ا.هـ يعني أنَّ قراءة
سورة القدر في إثر الوضوء مفوِّتةٌ للسنة الثابتة في النطق عقب الوضوء بالشهادتين، والله أعلم.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٤/ب.

قسم العبادات
٤٣٨
حاشية ابن عابدين
وصلاةُ ركعتين في غيرِ وقت كراهةٍ.
(ومكروهُهُ لطمُ الوجهِ).
شيءٌ عن النبي ◌َّ لا مِن قوله ولا من فعله، والعلماءُ يتساهلون في ذكر الحديث الضعيف والعملِ به في
فضائل الأعمال (١)) اهـ.
[١٠٥٠) (قولُهُ: وصلاةُ ركعتين) لِما رواه "مسلم" و"أبو داود"(٢) وغيرهما: ((ما مِن أحدٍ يتوضَّأْ،
فُيُحسِنُ الوضوء، ويصلِّي ركعتين يُقبِل بقلبه ووجهه عليهما إلاَّ وجبتْ له الجنَّةِ)، "حلبة"(٣).
[١٠٥١) (قولُهُ: في غيرِ وقت كراهةٍ) هي كالأوقات الخمسة: الطلوعُ، وما قبله، والاستوائُ، والغروبُ،
وما قبله بعد صلاة العصر، وذلك لأنَّ ترك المكروه أولى من فعل المندوب كما في "شرح المنية (٤)، "ط"(٥).
(تمَّةٌ)
ينبغي أنْ يُزاد في المندوبات: أنْ لا يتطهَّرَ من ماءٍ أو ترابٍ من أرضِ [١/ق٩٩/أ] مغضوبٍ عليها كآبار
ثمودَ، فقد نصَّ الشافعيَّةُ على كراهة التطهير منها، بل نصَّ الحنابلة على المنع منه، وظاهرُهُ: أَنَّه لا يصحُّ عندهم،
ومراعاةُ الخلاف عندنا مطلوبةٌ، وكذا يقال في التطهير بفضل ماء المرأة كما يأتي (٦) قريباً في المنهيَّات، والله أعلم.
مطلبٌ في تعريف المكروهِ، وأَنَّه قد يُطلَقُ على الحرام والمكروهِ تحريماً وتنزيهاً
[١٠٥٢] (قولُ: ومكروهُهُ) هو ضدُّ المحبوب، قد يُطلَقُ على الحرام كقول "القدوريّ" في "مختصره)(٧).
((ومَن صلَّى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذرَ له كُرِهَ له ذلك))، وعلى المكروه تحريماً،
(١) وتقدم ذكر الحصكفي لشروط العمل بالحديث الضعيف صـ ٤٢٧ - "در".
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٤) كتاب الطهارة - باب الذكر المستحب عقب الوضوء، وأبو داود (٩٠٦) كتاب الصلاة - باب
كراهية الوسوسة وحديث النفس في الصلاة عن عقبة بن عامر الجهني مرفوعاً.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٧٤/ب.
(٤) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٣٧ -.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٧٦/١.
(٦) المقولة [١٠٦٢] قوله: ((التوضي إلخ)).
(٧) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة ١١٢/١.

الجزء الأول
٤٣٩
مكروهات الوضوء
أو غيرِهِ (بالماء) تنزيهاً، والتقتيرُ.
وهو ما كان إلى الحرام أقربَ، ويسمِّيه "محمدٌ" حراماً ظنّاً، وعلى المكروه تنزيهاً، وهو ما كان تركُه أَولى من
فعله، ويرادفُ خلافَ الأولى كما قدَّمناه(١).
وفي "البحر"(٢) من مكروهات الصلاة: ((المكروهُ في هذا الباب نوعان:
أحدهما: ماكُرِهَ تحريماً، وهو المَحْمَلُ عند إطلاقهم الكراهةَ كما في زكاة "فتح القدير(٣) وذكَرَ: أَنّه
في رتبة الواجب، لا يثبت إلاَّ بما يثبتُ به الواجب، يعني بالظنيِّ الثبوت.
ثانيهما: المكروهُ تنزيهاً، ومرجعُه إلى ما تركُه أَولى، وكثيراً ما يُطلقونه كما في "شرح المنية"(٤)، فحينئذٍ
إذا ذكروا مكروهاً فلا بدَّ من النظر في دليله، فإنْ كان نهياً ظنّاً يُحكَمُ بكراهة التحريم إلاَّ لصارفٍ للنهي
عن التحريم إلى الندب، فإنْ لم يكن الدليل نهياً - بل كان مفيداً للترك الغيرِ الجازم - فهي تنزيهَّةٌ)) اهـ.
(١٠٥٣) (قولُهُ: أو غيرِهِ) أي: غيرِ الوجهِ من الأعضاء كما في "الحاوي)"(٥)، ولعلَّ "المصنّف" اقتصَرَ
على الوجه لما له من مزيد الشرف.
[١٠٥٤) (قولُ: تنزيهاً) لِما قدَّمنا(٦) عن "الفتح": ((مِن أنَّ تركه أدبٌ))، قال في "الحلبة(٧): (لأَنّه
يوجبُ انتضاحَ الماءِ المستعمَل على ثيابه، وتركُهُ أَولى، وأيضاً هو خلافُ الُّؤدة والوقار، فالنهيُّ عنه نهيُ
أدبٍ)) اهـ.
[١٠٥٥] (قولُهُ: والتقتيرُ) أي: بأن يقرُبَ إلى حدِّ اللَّهْن، ويكونَ التقاطر غيرَ ظاهرٍ، بل ينبغي أنْ يكون
ظاهراً ليكون غَسلاً بقينٍ في كلِّ مرَّةٍ من الثلاث، "شرح المنية (٨).
(١) المقولة [٩٩٥] قوله: ((ويسمى مندوباً وأدباً)).
(٢) "البحر": كتاب الصلاة ٢٠/٢.
(٣) "الفتح": كتاب الزكاة ١١٤/٢.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة ١/ق ٢٢/أ. وهي مراد صاحب "البحر" عند نقلِه عن "شرح المنية".
(٥) "الحاوي القدسي": كتاب الطهارة - فصل في أفعال الوضوء ق ٣١/ب.
(٦) المقولة [١٠٠٤] قوله: ((إلى نيف وستين)).
(٧) "الحلبة": كتاب الطهارة - منهيات الوضوء ١/ق ٨٤/ب بتصرف.
(٨) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - آداب الوضوء صـ٣٥- بتصرف يسير.

قسم العبادات
٤٤٠
حاشية ابن عابدين
(والإسرافُ) ومنه الزيادةُ على الثلاث (فيه) تحريماً لو بماء النهر والمملوكِ له، أمَّا الموقوفُ
على مَنْ یتطهّرُ به - ومنه ماءُ المدارس-
مطلبٌ في الإسراف في الوضوء
[١٠٥٦) (قولُهُ: والإسرافُ) أي: بأنْ يَستعمِلَ منه فوق الحاجة الشرعيَّة لِما أخرَجَ "ابن ماجه"(١) وغيرُه
عن "عبد الله بن عمرو بن العاص": أنَّ رسول الله لَّ مَرَّ بـ"سعدٍ" وهو يتوضَّأ، فقال: ((ما هذا السَّرَف؟))
فقال: أفي الوضوء إسرافٌ؟ فقال: ((نعم وإنْ كنت على نهرٍ جارٍ)، "حلبة"(٢).
[١٠٥٧) (قولُهُ: ومنه) أي: من الإسرافِ ((الزِّيادةُ على الثلاثِ)) [١/ق٩٩/ب]: أي: في الغسلات
مع اعتقاد أنَّ ذلك هو السنّةُ لِما قدَّمنا (٣) من أنَّ الصحيح أنَّ النهي محمولٌ على ذلك، فإذا لم يعتقدْ ذلك،
وقصَدَ الطمأنينةَ عند الشكِّ، أو قصد الوضوءَ على الوضوء بعد الفراغ منه فلا كراهةً كما مرَّ تقريرُه(٣).
[١٠٥٨) (قولُهُ: فيه) أي: في الماء.
[١٠٥٩) (قولُهُ: تحريماً إلخ) نقَلَ ذلك في "الحلبة(٤) عن بعض المتأخّرين من الشافعيّة، وتَبِعَهُ عليه في
"البحر"(٥) وغيره، وهو مخالفٌ لِما قدَّمنا(٦) عن "الفتح" من عدِّ تركَ التقتيرِ والإسرافِ مِن المندوبات، ومثلُه
في "البدائع"(٧) وغيرها، لكنْ قال في "الحلبة(٨): ((ذكَرَ "الحَلْواني": أَنَّه سنّةٌ، وعليه مشى "قاضي خان(٩)"،
وهو وجية)) أهـ.
(١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٥) كتاب الطهارة - باب ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدِّي فيه، وأخرجه أحمد ٢٢١/٢
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال الحافظ ابن حجرٍ في "التلخيص الحبير" ١٤٤/١: وإسناده ضعيف.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٦/ب.
(٣) المقولة [٩٧٢] قوله: ((وحديث: فقد تعدى إلخ)).
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٧ /أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٦) المقولة [١٠٠٤] قوله: ((إلى نيف وستين)).
(٧) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في آداب الوضوء ٢٣/١ بتصرف.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٦/ب، وفيها: ((وهو أوجه منه)).
(٩) في "شرحه على الجامع الصغير": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٧/أ.

الجزء الأول
٤٤١
مكروهات الوضوء
واستوجهَهُ في "البحر"(١) أيضاً، وكذا في "النهر "(٢)، قال: ((والمرادُ بالسنَّة المؤكدةُ لإطلاق النهي عن الإسراف،
٨٩/١ وجعَلَ في "المنتقى" الإسرافَ من المنهيّات، فتكون تحريميَّةً؛ لأنَّ إطلاق الكراهة مصروفٌ إلى التحريم، وبه
يضعُفُ جعلُه مندوباً)).
أقول: قد تقدَّمُ(٣) أنَّ النهي عنه في حديث: (فمَن زاد على هذا، أو نقَصَ فقد تعدَّى وظلم) محمولٌ
على الاعتقاد عندنا كما صرَّحَ به في "الهداية (٤) وغيرها، وقال في "البدائع"(٥): ((إنّ الصحيح، حتَّى لو زاد أو
نقص واعتقَدَ أنَّ الثلاث سنّةٌ لا يلحقُه الوعيد))، وقدَّمنا(٩) أَنَّه صريحٌ في عدم كراهة ذلك- يعني: كراهةَ تحریمٍ
- فلا ينافي الكراهة التنزيهيّة، فما مشى عليه هنا في "الفتح"(٧) و"البدائع"(٨) وغيرهما: ((من جعلٍ تركه مندوباً))
مبنىٌّ على ذلك التصحيح، فيكره تنزيهاً، ولا ينافيه عدُّهُ من المنهيَّات كما عُدَّ منها لطمُ الوجه بالماء؛ فإنَّ المكروه
تنزيهاً منهيٌّ عنه حقيقةً اصطلاحاً، ومجازاً لغةً كما في "التحرير"(٩)، وأيضاً فقد عدَّهُ في "الخزانة السَّمر قنليَّةُ(١٠)
من المنهَّات، لكنْ قَّدَه بعدم اعتقادِ تمامٍ السنَّةَ بالثلاث كما نقلَهُ الشيخ "إسماعيل)"(١١)، وعليه يُحمَلُ قولُ مَن
جعل تركه سنة.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٣٠/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
(٣) المقولة [٩٧٢] قوله: ((وحديث فقد تعدى إلخ)).
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات ١٣/١.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء ٢٢/١ بتصرف.
(٦) المقولة [٩٧٢] قوله: ((وحديث فقد تعدى إلخ)).
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات ٣١/١.
(٨) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في آداب الوضوء ٢٣/١.
(٩) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثالث - مسألة: اختلف في لفظ المأمور به في المندوب صـ٢٥٦-٢٥٧ -.
(١٠) "خزانة الفقه": كتاب الطهارة ق ٣/أ، لأبي الليث نصر بن محمد بن أحمد السمر قندي(ت٣٧٣ هـ) وفي وفاته اختلاف.
("كشف الظنون" ٧٠٣/١، "الفوائد البهيَّة" صـ٢٢٠-).
(١١) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٧٢/ب وق ٧٤/أ.

قسم العبادات
٤٤٢
حاشية ابن عابدين
فحرامٌ (وتثليثُ المسح بماءٍ جديدٍ) أمَّا بماءٍ واحدٍ فمندوبٌ أو مسنونٌ ومن منهيَّاته :....
وليست الكراهةُ مصروفةً إلى التحريم مطلقاً كما ذكرناه آنفاً(١)، على أنَّ الصارف للنهي عن التحريم
ظاهرٌ، فإِنَّ مَن أسرَفَ في الوضوء بماء النهر مثلاً مع عدم اعتقاد سنَّةِ ذلك نظيرُ مَن ملأ إناءًّ من النهر، ثم أفرغه
فيه، وليس في ذلك محذورٌ سوى أنَّه عبثٌ [١/ق١٠٠ /أ] لا فائدةَ فيه، وهو في الوضوء زائدٌ على المأمور به،
فلذا سُمِّي في الحديث إسرافاً، قال في "القاموس (٢): ((الإسرافُ: التبذير، أو ما أُنْفِقٍ في غير طاعةٍ))، ولا يلزمُ
من كونه زائداً على المأمور به وغيرَ طاعةٍ أنْ يكون حرامً، نعم إذا اعتقَدَ سَّتَه يكون قد تعدَّى وظلم لاعتقاده
ما ليس بقُريةٍ قُربةً، فلذا حمل علماؤنا النهيَ على ذلك، فحينئذٍ يكون منهيّاً عنه، ويكون تركه سنَّةً مؤكّدةً.
ويؤيِّدُهُ ما قدَّمه "الشارح"(٣) عن "الجواهر" (٤): ((من أنَّالإسراف في الماء الجاري جائزٌ، لأَنّه غيرُ
مضيعٍ))، وقدَّنا(٥): أنَّ الجائر قد يُطلَقُ على ما لا يمتنعُ شرعاً، فيشمل المكروه تنزيهاً، وبهذا التقريرِ تتوافقُ
عباراتهم.
وأمَّا ما ذكَرَه "الشارح" هنا فقد علمتَ أنَّه ليس من كلام مشايخ المذهب، فلا يعارِضُ ما صرَّحوا به
وصحّحوه، هذا ما ظهر لي في هذا المقام، والسلام.
[١٠٦٠) (قولُهُ: فحرامٌ) لأنَّ الزيادة غيرُ مأذون بها؛ لأَنَّه إنما يُوقَفُ ويُساق لمن يتوضَّأ الوضوءَ الشرعيَّ،
ولم يُقْصَد إباحتُها لغير ذلك، "حلبة"(٦).
وينبغي تقييدُه بما ليس بجارٍ كالذي في صهريجٍ أو حوضٍ أو نحو إبريقٍ، أمَّا الجاري - كماء مدارسٍ
دمشقَ وجوامعها - فهو من المباح كماء النهر كما أفاده "الرحمتي".
[١٠٦١] (قولُ: ومن منهيّاته) يشملُ المكروه تنزيهاً، فإِنَّه منهيٌّ عنه اصطلاحاً حقيقةً كما قدَّمناه(٧) عن
(١) في هذه المقولة.
(٢) "القاموس": مادة ((سرف)).
(٣) صـ٤٠٢ - "در".
(٤) هو - والله أعلم - "جواهر الفتاوى"، وستأتي ترجمته صـ٦٩٩ -.
(٥) المقولة [٩٧٤] قوله: ((بل في "القهستاني" إلخ)).
(٦) "الحلبة": كتاب الطهارة - آداب الوضوء ١/ق ٦٧/أ.
(٧) المقولة [١٠٥٩] قوله: ((تحريماً)).

الجزء الأول
٤٤٣
مكروهات الوضوء
التوضِّي بفضل ماءِ المرأة، أو في موضعٍ نجسٍ؛ لأنَّ لماءِ الوضوء حرمةً، أو في المسجدِ إلاّ
في إناءٍ أو في موضعٍ أُعِدَّ لذلك، وإلقاءُ النُّخامة،.
"التحرير" آنفاً، فافهم.
[١٠٦٢] (قولُهُ: التوضِّي إلخ) قال في "السِّراج"(١): ((ولا يجوزُ الرَّجُلِ أنْ يتوضَّأُ ويغتسلَ بفضل
المرأة)) اهـ.
ومُفاده: أَنَّه يكره تحريماً، وعند الإمام "أحمد": إذا اختلَت امرأةٌ مكلِّفةٌ بماءٍ قليلٍ كخلوة نكاحٍ،
وتطهَّرت به في خلوتها طهارةً كاملةً عن حدثٍ لا يصحُّ لرجُلٍ أو خنثى أنْ يرفع به حدثَّه كما هو مسطورٌ
في متون مذهبه، وهو أمرٌ تعُديُّ لِما رواه "الخمسة"(٢): أَنَّهَّ: ((نهى أنْ يتوضَّأَ الرَّجُل بفضل طَهُور المرأة)
قال في "غرر الأفكار شرح درر البحار"(٣) في فصل المياه بعد ما ذكَرَ المسألة: (ولنا ما روى "مسلمٌ)(٤): أنَّ
"ميمونة" قالت: اغتسلْتُ من حَفْةٍ، فَفَضَلَتْ فيها فضلةٌ، فجاء النبي ◌َّ يغتسل، فقلت: إنّي قد اغتسلت منه،
(١) نقول: عبارة "السراج" التي بين أيدينا: ((ولا بأس أن يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد، وكذا كلُّ واحد منهما، بما
فَضَلَ على الآخر، وكذا الاغتسال من الجنابة، وقال الإمام أحمد: لا يجوز للرجل أنْ يتوضأ ويغتسل بفضلها)) ا.هـ، فظهر
أنَّ ما نقله العلامة ابن عابدين - رحمه الله - عن "السراج" ليس عند الحنفية، ولا هو رأيُ صاحب "السراج"، بل هو نقلٌ
عن الإِمام أحمد، وأمّا عندنا فكلام "السراج" صريح في الجواز دون كراهة كما رأيت، ولعلَّ في نسخة "السراج" عند
العلامة ابن عابدين - رحمه الله - سقطاً، وإلاَّ فكيف يجعلُ كلامَ "السراج" الذي نقله مذهباً لنا، ثمَّ يناقشه بعد ذلك
ويقول: ((ومفاده أنّ يكره تحريماً))، ثم يقول: ((مقتضى النسخ أنّه لا يكره تحريماً عندنا، بل ولا تنزيهاً، وهو مخالفٌ لما
مرَّ عن "السراج"))؟! والله الموفق للصواب، انظر "السراج الوهاج": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ١٣/أ.
(٢) أبو داود (٨٢) كتاب الطهارة - باب النهي عن ذلك (الوضوء بفضل المرأة)، والترمذي (٦٤) كتاب الطهارة - باب ما جاء في
كراهية فضل طهور المرأة، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ، والنسائي ١٧٩/١ كتاب المياه - باب النهي عن فضل وضوء المرأة وابن
ماجه (٣٧٣) كتاب الطهارة - باب النهي عن ذلك عن الحكم بن عمرو الغفاري، وأخرجه أحمد ٢١٣/٤.
(٣) "غرر الأذكار": كتاب الطهارة ق١٢/ب.
(٤) أخرجه مسلم (٣٢٣) كتاب الحيض - باب القدر المستحبِّ من الماء في غسل الجنابة، وأحمد ٣٣٠/٦، وأبو داود (٦٨) كتاب
الطهارة - باب الماء لا يجنب، والنسائي ١٧٣/١ كتاب المياه، وابن ماجه (٣٧١-٣٧٢) كتاب الطهارة - باب الرخصة بفضل
وضوء المرأة، وبنحوه أخرجه الترمذي (٦٥) كتاب الطهارة باب ما جاء في الرخصة في ذلك، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ، كلُّهم من حديث ابن عباس ظه مرفوعاً.

قسم العبادات
٤٤٤
حاشية ابن عابدين
فقال: (الماء ليس عليه جنابةٌ)، وما روى "أحمد" منسوخٌ بهذا)) اهـ.
أقول: مقتضى النسخ أَنَّ [١/ق١٠٠/ب] لا يكرهُ تحريماً عندنا، بل ولا تنزيهاً، وهو مخالفٌ لِما مرَّ(١)
عن "السراج"، وفيه: ((أنَّ دعوى النسخ تتوقّفُ على العلم بتأخُرِ الناسخ))، ولعلَّه مأخوذٌ من قول "ميمونةً":
إنّي قد اغتسلت، فإنّه يُشعِرُ بعلمها بالنهي قبله، فيكون الناسخ متأخّراً، والله أعلم.
وقد صرَّحَ الشافعيّة بالكراهة، فينبغي كراهته وإِنْ قلنا بالنسخ مراعاةً للخلاف، فقد صرَّحوا: بأنّه
يُطَلَبُ مراعاةُ الخلاف، وقد علمتَ أَنَّه لا يجوزُ التطهير به عند "أحمد".
(تنبيةٌ)
ينبغي كراهةُ التطهير أيضاً أخذاً مما ذكرنا وإنْ لم أره لأحدٍ من أئمَّتنا بماءٍ أو ترابٍ من كلِّ أرضٍ
غُضِبَ عليها، إلاَّ بثرَ الناقة بأرض ثمود، فقد صرَّحَ الشافعية بكراهته، ولا يباحُ عند "أحمد"، قال في "شرح
المنتهى الحنبليّ)(٢): ((لحديث "ابن عمر": (إِنَّ الناس نزلوا مع رسول الله وَ ﴿ّ على الحِجْرِ أرضٍ ثمود،
فاستقَوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﴿ أن يُهريقوا ما استقَوا من آبارها، ويعلِفوا الإبل
العجين، وأمَرَهم أن يستقُوا من البئر التي كانت ترِدُها الناقة))))، حديثٌ متّفقٌ عليه(٣)، قال: ((وظاهره منعُ
الطهارة به. وبئرُ الناقة: هي البئر الكبيرة التي يرِدُها الحجَّاج في هذه الأزمنة)) اهـ
(١) في هذه المقولة.
(٢) "منتهى الإرادات": لأبي البقاء محمد بن أحمد بن عبد العزيز، تقي الدين الشهير بابن النّجَّار الفتوحي المصري الحنبلي
(ت٩٧٢هـ) في جمع "المقنع" لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن قُدَامَةَ، مُوَفّق الدين الجَمَّاعيلي المقدسي ثم الدمشقي
الحنبلي (ت٦٢٠هـ)، وشَرَحَ "المنتهى" محمد بن أحمد بن علي البهوتي الخَلْوَتيّ المصري الحنبلي(ت ١٠٨٨هـ)، وأبو
الفلاح عبد الحي بن أحمد المعروف بابن العِمَاد العَكَريّ الحنبلي(ت١٠٨٩ هـ)، وإبراهيم بن أبي بكر بن إسماعيل
الدّنابي العَوْفي المصريّ الحنبليّ(ت١٠٩٤هـ)، والشرح المشهور عند الإطلاق هو "شرح البهوتي" والله تعالى أعلم.
("كشف الظنون" ١٨٠٩/٢، ١٨٥٣، إيضاح المكنون ٥٧٠/٢-٥٧١، "خلاصة الأثر" ٣٤٠/٢،٩/١، ٣٩٠/٣،
"شذرات الذهب" ١٥٥/٧، "الأعلام" ٦/٦).
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٧٨) كتاب أحاديث الأنبياء - باب قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَأَخَاهُمْ﴾، ومسلم(٢٩٨١) كتاب الزهد
والرقائق - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم.