النص المفهرس
صفحات 401-420
الجزء الأول
٣٨٥
الوضوء وأحكامه
كما يقومُ العِلكُ مَقامَهُ للمرأة مع القدرة عليه.
(وغَسلُ الفمِ) أي: استيعابُهُ، ولذا عبَّرَ بالغَسل،
يبدأ بالإِبهام من الجانب الأيمنِ فوقُ وتحت، ثمَّ بالسّابة من الأيسرِ كذلك)).
[٩٣٤)] (قولُهُ: كما يقومُ العِلك مقامَهُ) أي: في الثواب إذا وُجدت النَّةُ، وذلك أنَّ المواظبة
عليه تُضعِف أسنانَها، فيستحبُّ لها فعله، "بحر)"(١).
وظاهرُهُ: أَنَّه لا يتقيَّدُ بحال المضمضة، "ط" (٢).
[٩٣٥] (قولُهُ: ولذا عبَّرَ بالغَسلِ) أفاد أنَّ الاستيعاب يُفاد بالغَسل دون المضمضةِ
والاستنشاق، وفيه نظرٌ، فهما كذلك، فالمضمضة اصطلاحاً: استيعابُ الماء جميعَ الفم، وفي
٧٨/١ اللغة: التحريك. والاستنشاقُ اصطلاحاً: إيصالُ الماء إلى المارِن، ولغةً: من النَّشْق، وهو
جذبُ الماء ونحوِه بريح الأنف إلى داخله، "بحر"(٣).
وأجيب: بأنَّ المراد ما قاله "الزيلعيُّ)(٤)، وهو: ((أَنَّ السنّة فيهما المبالغةُ، والغَسلُ أدلُّ على
ذلك))، وأُورِدَ أنَّ المبالغة المذكورة ليست نفسَ الاستيعاب، على أنَّ المبالغة سنّةٌ أخرى، فالتعبير عنها
وعن أصلها بعبارةٍ واحدةٍ يُوهِمُ أَنَّهما سنّةٌ واحدةٌ، وليس كذلك، "نهر"(٥). وأيضاً لا يناسبُ ذلك مَن
صرَّحَ بسنَّةِ المبالغة كـ "المصنّف".
قلتُ: فالأحسنُ أنْ يقال: إنَّ التعبير بغَسل الفم والأنف أدلُّ على الاستيعاب من المضمضة
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٢١/١ بتصرف يسير.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٧٠/١. وفي "د" زيادة: ((قوله: وغسل فمه. أقول: الفمُ فيه لغاتٌ جَمَعَها بعضُهم بقوله:
کذاك في حالتي قصرٍ وتضعيفِ
تثليثُ فافم مع نقصٍ آخرِهِ
والغاءُ تَتْبَعُ ميماً حينَ تقرَبُّهُ
فهذه عشرةٌ من غيرِ تكليفٍ
وأقول: النقصُ: ما ليس في آخرِهِ ألفٌ نحو: فمٍ بالتخفيف، والقصرُ بعكسِهِ نحو: فما، والتضعيفُ تشديدُ الميم، خير الدين)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٢١/١ - ٢٢ بتصرف، ونقل تعريفَ المضمضة اصطلاحاً عن "الخلاصة".
(٤) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٤/١.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/أ بتصرف.
قسم العبادات
٣٨٦
حاشية ابن عابدين
أو للاختصارِ (بمياهٍ) ثلاثةٍ (والأنفِ) ببلوغِ الماءِ المارنَ (مياهٍ) وهما سنتان مؤكّدتان.
والاستنشاق بالنظر إلى المعنى اللغويِّ، تأمَّل.
[٩٣٦] (قولُهُ: أو للاختصار) أُورِدَ عليه أنَّ الاختصار مطلوبٌ مالم يفوِّتْ فائدةً مهمَّةً، فإنَّ
المضمضة إدارةُ الماء في الفم ثم جُّه، والغَسلُ لا يدلُّ على ذلك.
وأجاب في "النهر"(١): ((بأنَّ كون المجِّ شرطاً فيها [١/ق ٨٧/أ] هو روايةٌ عن "الثاني"،
والأصحُّ أَنَّه ليس بشرطٍ لِما في "الفتح"(٢): لو شرب الماءَ عَّاً أجزأه عن المضمضة، وقيل: لا،
ومصاً لا يُجزيه)).
هذا، وأبدى "العينيُ)) (٣) وجهاً ثالثاً هو التنبيهُ على حدَّيهما(٤).
[٩٣٧) (قولُهُ: بمياهٍ) إنما قال: ((بمياهٍ)) ولم يقل: ثلاثاً ليدلَّ على أنَّ المسنون التثليثُ
بمياهٍ جديدةٍ، أفاده في "المنح"(٥)، "ط " (٦).
[٩٣٨] (قولُهُ: المارنَ) هو ما لانَ من الأنف، "قاموس"(٧).
[٩٣٩] (قولُهُ: وهما سنَّان مؤكَّدتان) فلو ترَكَهما أثِمَ على الصحيح، "سراج"(1). قال في
"الحلبة"(٩): ((لعلَّه محمولٌ على ما إذا جَعَل التركَ عادةً له من غيرِ عذرٍ كما قالوا مثلَه في ترك التثليث
كما يأتي)).
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/أ بتصرف يسير نقلاً عن "البحر".
(٢) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٢/١.
(٣) "رمز الحقائق": كتاب الطهارة ٨/١.
(٤) في "د" زيادة: ((قال العيني: وما قيل من أنَّه إنما عدَلَ عن قولهم: «المضمضةُ والاستنشاقُ»، للاختصار، فليس
بشيءٍ، بل يقال: إنَّ الغسل يُشعِرُ بالاستيعاب. انتهى)).
(٥) "المنح": كتاب الطهارة ١/ق ٧/ب.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٧٠/١.
(٧) "القاموس": مادة ((مرن)).
(٨) "السراج الوحَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١٠/ب بتصرف.
(٩) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٣٧/أ.
الجزء الأول
٣٨٧
الوضوء وأحكامه
مشتملتان على سننٍ خمسٍ: الترتيبِ، والتثليثٍ، وتجديدِ الماء، وفعلِهما باليمنى (والمبالغةُ
فيهما) بالغَرغَرةِ ومجاوزةِ المارنِ (لغيرِ الصائم) لاحتمالِ الفساد، ..
[٩٤٠] (قولُهُ: مشتملتان) أي: مشتملٌ كلٌّ منهما على سننٍ خمسٍ، وباعتبارهما تكون السننُ
اثنتي عشرةَ سِنَّةً، فافهم. نعم قد يقال: الترتيبُ سنّةٌ واحدةٌ فيهما، تأمَّل.
[٩٤١] (قولُهُ: والتثليثِ) في "البحر"(١) عن "المعراج": ((أَنَّ ترك التكرارِ مع الإمكان لا يكره))، وأَيَّدَه
في "الحلبة"(٢): ((بأَنَّه ثبَتَ عنه ﴿ أَنّه: (تمضمَضَ واستشَقَ مرَّةً) كما أخرجه "أبو داود"(٣))، ثمَّ قال(٤).
((وينبغي تقييدُه بما إذا لم يَجعل التركَ عادةً له)).
[٩٤٢] (قولُهُ: وتحديدِ الماء) أي: أخذِهِ ماءً جديداً في كلِّ مرَّةٍ فيهما.
(٩٤٣] (قولُهُ: وفعلِهما باليمنى) أي: ويَمتخِطُ ويستنشرُ (٥) باليسرى كما في "المنية"(٦) و"المعراج".
[٩٤٤] (قولُهُ: والمبالغةُ فيهما) هي السنَّةُ الخامسة، وفي "شرح الشيخ إسماعيل(٧) عن
"شرح المنية"(٨): ((والظاهرُ أنّها مستحبَّةٌ)).
[٩٤٥] (قولُهُ: بالغرغرةِ) أي: في المضمضة ومجاوزةِ المارِنِ في الاستنشاق، وقيل: المبالغةُ
في المضمضة تكثيرُ الماءِ حتى يملأ الفمَ، قال في "شرح المنية"(٩): ((والأوَّلُ أشهرُ)).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٢٢/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٣٧/ب.
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٦) كتاب الطهارة - باب صفة وضوء النبيح ﴾، وأخرجه أحمد ٣٥٨/٦، والترمذي(٣٣)
كتاب الطهارة - باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه مختصراً (٣٩٠) كتاب
الطهارة - باب الرجل يستعينُ على وضوئه فيصب عليه، مختصراً.
(٤) أي: صاحب "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٣٨/ب.
(٥) ((يستنثر)) ساقطة من "آ".
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - آداب الوضوء صـ٣٢ -.
(٧) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٦٢/ب.
(٨) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - آداب الوضوء صـ٣٣ -.
(٩) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - آداب الوضوء صـ٣٤ -.
قسم العبادات
٣٨٨
حاشية ابن عابدين
وسرُّ تقديمهما اعتبارُ أوصافِ الماء؛ لأنَّ لونه يُدرَكُ بالبصر، وطعمَهُ بالفمٍ، وريحَهُ
بالأنف، ولو عنده ماءٌ يكفي للغَسل مرَّةً معهما، وثلاثاً بدونهما غسَلَ مرَّةً، ولو أخَذَ ماءً،
فمضمَضَ ببعضه، واستنشَقَ بباقيه.
[٩٤٦] (قولُهُ: وسرُّ تقديمهما) أي: حكمةُ تقديمهما على فرائض الوضوء.
[٩٤٧] (قولُهُ: اعتبارُ أوصافِ الماء) على حذفِ مضافٍ، أي: الوقوفُ على تمام أوصاف الماء، فإِنَّ
أوصافه اللونُ والطعم والريح، فاللون يُرى بالبصر، وبهما يحصلُ تمام الأوصاف التي قد تعرِضُ له، فافهم.
[٩٤٨)] (قولُهُ: ولو عنده ماءٌ إلخ) في "شرح الزاهديِّ)(١) عن "الشفاء"(٢): ((المضمضة والاستنشاق
سَّان مؤكَّدتان، مَن تَرَكَهما يأثم، قال "الزاهديُّ": وبهذا تبيَّنَ أنَّ مَن عنده ماءٌ للوضوء مرَّةً معهما
وثلاثاً بدونهما فإنَّه يتوضَّأ مرَّةً معهما)) اهــ كذا في "الحلبة"(٣)
أي: لأَنَّهما أكدُ من التثليث بدليلِ الإِثْم بتركهما، لكنْ قدَّمنا(٤) حملَ الإِثم على اعتياد
[١/ق٨٧/ب] الترك بلا عذر، على أنَّ التثليث كذلك كما يأتي(٥)، والأحسنُ قول "ح"(٦):
((لأَنَّ النبي ◌ُّ ورَدَ عنه تركُ التثليث، حيث غسلَ مرَّةً مرَّةً وقال: ((هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة
إلاَّ به))(٧)، ولم يرِدْ عنه تركُ المضمضة والاستنشاق)).
(١) شرح أبي الرجاء مختار بن محمود بن محمد، نجم الدين الزاهدي الغَزْميني الخوارزمي (ت ٦٥٨هـ) على مختصر أبي
الحسين القدوري. ("كشف الظنون" ١٦٣١/٢، "الجواهر المضيّة" ٤٦٠/٣).
(٢) لم نعثر على النقل في "الشفاء" للقاضي عياض.
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٣٧/أ.
(٤) المقولة [٩٣٩] قوله: ((وهما سنتان مؤكدتان)).
(٥) المقولة [٩٦٦] قوله: ((إن اعتاده أثم)).
(٦) "ح": كتاب الطهارة ق ٨/ب.
(٧) أخرجه ابن ماجه (٤١٩؛ و(٤٢٠) كتاب الطهارة - باب ما جاء في الوضوء مرَّةً ومرَّتين وثلاثاً، والدارقطني ٧٩/١ -٨٠،
والطبراني في "الأوسط" (٦٢٨٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٨٠/١ كتاب الطهارة - باب فضل التكرار في الوضوء،
وأخرجه ابن حبان في المجروحين ١٦١/٢-١٦٢ من طريق عبد الرحيم بن زَيْد العَمِيّ، عن أبيه، عن مُعَاوِيَةَ بنِ قُرَّة، عن
أبيه، عن ابن عُمَر رضي الله عنهما، وزَيْدُ العَمِيّ ضعيفٌ، وابْنُهُ عبدُ الرحيم متروكٌ بل كذّابٌ، ومُعَاوِيَّةُ بن قُرَّةٌ لم يَلْحَقِ
ابنَ عُمَر رضي الله عنهما، فالحديثُ ضعيفٌ، وسُئِلَ أبو زُرْعةَ عن هذا الحديث فقال: هو عندي واهٍ، وأخرجه الدار قطني =
الجزء الأول
٣٨٩
الوضوء وأحكامه
أجزأه، وعكسُهُ لا، وهل يُدخِلُ إصبعَهُ في فمِهِ وأنفِهِ؟ الأَولى نعم، "قهستاني"(١).
(وتخليلُ اللّحيةِ)
[٩٤٩] (قولُهُ: أجزأَهُ) أي: عن أصلِ المضمضة والاستنشاق، وفاتَهُ سنيَّةُ التجديد.
[٩٥٠] (قولُهُ: وعكسُهُ) أي: بأنْ قدَّمَ الاستنشاق لا يُجزيه لصيرورة الماء مستعملاً، "بحر "(٢).
أي: لأنَّ ما في الأنف لا يمكنُ إمساكه بخلاف ما في الفم، والمرادُ: لا يُجزيه عن المضمضة،
وإلاَّ فالاستنشاقُ صحَّ وإِنْ فاتَّهُ الترتيب، تأمَّل.
[٩٥١] (قولُهُ: الأَولى نعم) ظاهرُه ولو تسوَّكَ لاحتمال أنْ يتخلَّلَ (٣) مِن أجزاءِ السواك شيءٌ،
أو يبقى أثرُ طعامٍ لا يُخرِجه السواكُ، وليحرَّر، "ط "(٤).
[٩٥٢] (قوّلُهُ: وتخليلُ اللّحية) هو تفريقُ شعرها من أسفلَ إلى فوق، "بحر "(٥).
وهو سنة عند "أبي يوسف"، و"أبو حنيفة" و"محمَّدُ" يفضِّلانه، ورجَّحَ في "للمسوط" (٦) قول "أبي
يوسف" كما في "البرهان"، "شربلاليّة(٧). وفي "شرح المنية(٨): ((والأدّةُ تَرجِّحُه، وهو الصحيح))(٩) اهـ.
= ٨٠/١ كتاب الطهارة - باب وضوء رسول الله :﴿، والبيهقي ٨٠/١ كتاب الطهارة - باب فضل التكرار في الوضوء، من
طريق المُسَيِّب بنِ وَاضِح، عن حَفْص بن مَيْسَرة، عن عبد الله بنِ دِيْنار، عن ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، به. وقال الدارقطني
والبيهقي: تفرَّدَ به المُسَيِّبُ بنُ وَاضِحٍ، عن حَفْص بن ميسرة، وهو ضعيف، وقال الزيلعي في "نصب الراية": ٢٨/١ كتاب
الطهارات - أحاديث تخليل الأصابع: حديثُ ابن عمر له طرقٌ أمثلُها ما رواه الدارقطني والبيهقي من حديث المسيب بن
واضح، وقد رُوِيَ هذا الحديث بطرقٍ كُلُّها ضعيفةٌ، وفي الباب عن أُبيِّ بن كَعْب، وزَيْد بن ثابت، وأبي هريرة ﴾.
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١٧/١ بتصرف.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٢٢/١.
(٣) في "الأصل" و"ب" و"م": ((أن يتحلِّلَ)).
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٧١/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٢٢/١.
(٦) "المبسوط": كتاب الصلاة - باب الوضوء والغسل ٨/١. لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمس الأئمة السَّرخسي
(ت٤٨٣هـ، وقيل: في حدود ٤٩٠، وقيل: ٥٠٠). ("كشف الظنون" ١٥٨٠/٢، "الجواهر المضية" ٧٨/٣) وتقدم كلام
المؤلف على "المبسوط" صـ٢٢٧ -.
(٧) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ١١/١ (هامش "الدرر والغرر").
(٨) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الوضوء صـ٢٣- باختصار.
(٩) في "د" زيادة: ((قال في "البحر": وقَّدَهُ في "السراج" بأن يكون بماءٍ متقاطرٍ في تخليلِ الأصابع، ولم يقيِّدْهُ في تخليلِ اللحية)).
قسم العبادات
٣٩٠
حاشية ابن عابدين
لغيرِ المحرِمِ بعد التثليث، ويَجعَلُ ظهرَ كفِّهِ إلى عنقه.
قال في "الحلبة"(١): ((والظاهرُ أنَّ هذا كلَّه في الكُتَّة، أمَّ الخفيفةُ فيجبُ إيصال الماء إلى ما
تحتها)) اهـ. وجزَمَ به "الشرنبلاليُّ" في متنه(٢) ..
[٩٥٣] (قولُهُ: لغير المُحرِم) أمَّا المحرِمُ فمكروهٌ، "نهر "(٣).
[٩٥٤] (قولُهُ: بعد التثليث) أي: تثليثِ غَسل الوجه، "إمداد"(٤).
[٩٥٥] (قولُهُ: ويجعلُ ظهرَ كفّه إلى عنقه) نقَلَهُ العلاّمة "نوح أفندي" عن بعض الفضلاء
بلفظ: ((وينبغي أنْ يجعل إلخ))، وكَتَبَ في الهامش: ((أَنَّه الفاضل "البرجنديُّ))، وقال في
"المنح"(٥): ((وكيفيَّته على وجهِ السّنّةِ: أنْ يُدخِلَ أصابعَ اليد في فروجها التي بين شعراتها من
أسفلَ إلى فوق، بحيث يكون كفُّ اليد لخارجٍ وظهرُها إلى المتوضِّئ)) اهـ.
أقولُ: لكنْ رَوى "أبو داود"(٦) عن "أنس": كان ◌َ ﴿ إذا توضَّأ أخَذَ كفّاً من ماءِ تحت
حنكه، فخلَّلَ به لحيته وقال: (بهذا أمَرَني ربي)، ذكَرَه في "البحر)(٧) وغيره.
والمتبادرُ منه إدخالُ اليد من أسفلَ، بحيث يكون كفُّ اليد لداخلٍ من جهةِ العنق، وظهرُها
(قولُهُ: والظاهرُ أنَّ هذا كلَّهُ في الكنَّة، أمَّ الخفيفةُ فيجبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تحتَها) الظاهرُ الإطلاق، فإنَّ
الخفيفة وإنْ وجَبَ إيصالُهُ إلى ما تحتَها لكنْ يكون بتفريقِ الشعر مبالغةً فيه ودفعَ توهُّمٍ عدم الوصول كما في
تخليلِ الأصابع الغيرِ المنضمَّة.
(قولُهُ: والمتبادِرُ إدخالُ اليدِ من أسفلٍ) رأيتُ في "القُهُستانيّ" ما يفيدُ أنَّ ما ذكرَهُ "الشارح" هو المنقولُ،
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٢ /أ باختصار.
(٢) "نور الإيضاح": كتاب الطهارة - فصل في تمام أحكام الوضوء صـ ٤٧ -.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/أ.
(٤) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء ق ٢٧/ب.
(٥) "المنح": كتاب الطهارة ١/ق ٧/ب.
(٦) أخرجه أبو داود (١٤٥) كتاب الطهارة - باب تخليل اللحية، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥٤/١ كتاب الطهارة -
باب تخليل اللحية، وأبو يعلى (٤٢٦٩)، والحاكم ١٤٩/١ وسكت عنه، وقال النووي في "المجموع" ٣٧٦/١ :
رواه أبو داود ولم يضعفه، وإسنادُهُ حسنٌ أو صحيحٌ، والله أعلم. ا.هـ
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٢٣/١.
الجزء الأول
٣٩١
الوضوء وأحكامه
(و) تخليلُ (الأصابعِ)
٧٩/١ إلى خارج ليمكن إدخالُ الماء المأخوذِ في خلال الشعر، ولا يمكنُ ذلك على الكيفيَّةِ المارَّة، فلا
يبقى لأخذه فائدةٌ، فليتأمَّل.
وما في "المنح" عزاه إلى "الكفاية"، والذي رأيته في "الكفاية"(١) هكذا: ((وكيفيَّته: [١/ق٨٨/أ]
أنْ يُخلِّلَ بعد التثليث من حيث الأسفلُ إلى فوقٍ)) اهـ
ثُمَّ اعلمْ أنَّ هذا التخليلَ باليد اليمنى كما صرَّحَ به في "الحلبة"(٢)، وهو ظاهرٌ، وقال في
"الدُّرر"(٣): ((إنَّه يُدخِلُ أصابعَ يديه في خلال لحيته))، وهو خلافُ ما مرَّ(٤)، فتدَّر.
[٩٥٦] (قولُهُ: وتخليلُ الأصابع) هو سنّةٌ مؤكّدةٌ اتفاقاً، "سراج"(٥). وما في "الشرنبلاليَّة" من
ذكرِ الخلاف إنما ذكرَهُ في تخليل اللحية كما قدَّمناه(٦)، فافهم.
قال في "البحر"(٧): ((وقَّدَه في "السراج"(٨) - أي: التخليلَ - بأن يكون بماء متقاطرٍ في تخليل
الأصابع، ولم يقيِّدْه في تخليلِ اللحية )) اهـ.
أقولُ: قد علمتَ من الحديث المارِّ(٩) التقييدَ في تخليل اللّحية بأخذِ كفٍّ من ماءٍ، وفي
ونصُّهُ: ((وتخليلُ اللّحية، أي: إدخالُ الأصابع خِلالَ ما على الذّقَنِ من أسفلٍ ظهرِ الكفِّ إلى عنقِهِ بعد تتليث
غَسلِ الوجهِ كما في "العماديّ")) اهـ بلفظه.
(١) "الكفاية": كتاب الطهارات ٢٤/١ (ذيل "فتح القدير")، و "الكفاية" هي لجلال الدين بن شمس الدين الخُوَارزمي الكَرْلاني،
من علماء القرن الثامن، شرح بها "هداية المرغيناني". ("فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ١١٦/٢، "الشقائق
النعمانية" صـ ٢٦١-، "الفوائد البهية" ص٥٨-).
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٢/أ.
(٣) "الدرر": كتاب الطهارة ١١/١.
(٤) في هذه المقولة.
(٥) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/أ.
(٦) المقولة [٩٥٢] قوله: ((وتخليل اللحية)).
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٢٢/١.
(٨) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/أ.
(٩) في المقولة السابقة.
قسم العبادات
٣٩٢
حاشية ابن عابدين
الیدین بالتشبيك، والرِّجْلین بخنصر يده اليسرى.
"البحر"(١): ((ويقومُ مقامه - أي: تخليلِ الأصابع - الإدخالُ في الماء ولو لم يكن جارياً))، وفيه(٢)
عن "الظهيرية"(٣): ((أَنَّ التحليل إنما يكون بعد التثليث؛ لأنَّه سنّةُ التثليث)) اهـ.
قلتُ: لكنْ ذَكَرَ في "الحلبة "(٤) عند ذكره استيعابَ الأعضاء بالغَسل في كلِّ مرَّةٍ: ((أَنَّه يؤخذُ
منه استنانُ تتليئه))، ثم روى عن "الدار قطني" و "البيهقيّ" بإسنادٍ صحيحٍ جَيِّدٍ(٥) عن "عثمانَ" وَظُهُ:
((أَنَّه توضَّأ، فخلَّل بين أصابع قدميه ثلاثً، وقال: رأيتُ رسول الله ﴿ّ فِعَلَ كما فعلتُ)(٦).
[٩٥٧] (قولُهُ: اليدينِ) أي: أصابعِ اليدين، "ط )(٧).
[٩٥٨] (قولُهُ: بالتشبيك) نقَلَهُ في "البحر "(٨) بصيغة ((قيل))، وكيفَيَّتَه - كما قاله "الرَّحْمَتَيُّ" -:
((أن يجعلَ ظهراً لبطنِ لئلا يكونَ أشبهَ باللَّعِب)).
[٩٥٩] (قولُهُ: والرِّجْلين إلخ) ذكَرَ هذه الكيفيَّةً في "المعراج" وغيره، وقال: ((بذلك ورَدَ الخبرُ))(٩)،
(قولُهُ: أَنَّه يُؤْخَذُ منه) في هذا الأخذِ بُعدٌ.
(قولُهُ: استنانُ تثليثِهِ) أي: تخليلِ الأصابع.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٢٣/١.
(٢) أي: أفي "البحر": كتاب الطهارة ٢٣/١.
(٣) "الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الأوَّل - الفصل الأوَّل في الوضوء وما فيه من السنن والآداب ق ٣/آ.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٦ /أ.
(٥) عبارة "الحلبة": ((بإسناد جيد)).
(٦) أخرجه الدار قطني ٨٦/١ كتاب الطهارة - باب ما روي في الحثّ على المضمضة والاستنشاق، واللفظُ له، والبيهقي
٦٣/١ كتاب الطهارة - باب التكرار في مسح الرأس، وأصلُ الحديث في "الصحيحين"، ولكن دون ذكر التخليل،
انظر البخاري(١٦٤) ومسلم (٢٢٦).
(٧) "ط": كتاب الطهارة ٧/١.
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ٢٣/١.
(٩) لم نجد هذه الكيفيَّةً واردةً هكذا، لكن يمكن أن نستدلَّ لها بمجموع ثلاثة أحاديث: الأوَّلُ الحديث الذي سیذکرُهُ ابن عابدين،
وهو ((أنَّ النبي ◌َ﴿" خُلِّلَ أصابع رجليه بخنصره))، والثاني حديثُ عائشة: ((كانت يدُ رسول الله : ﴿ه اليمنى لطهورِهِ وطعامِهِ،
وكانت يدُهُ اليسرى لخلائه وما كان من أذى))، أخرجه أحمد ٢٦٥/٦، وأبو داود (٣٣) كتاب الطهارة - باب كراهة مسِّ
الذكر باليمنى في الاستبراء، وقد حسَّنَّهُ الحافظ ابن حجر كما في "تحفة الأبرار" ٣٠ - ٣١، الثالثُ: ((أَنَّه عليه الصلاة والسلام =
الجزء الأول
٣٩٣
الوضوء وأحكامه
بادئاً بخنصر رِجْله اليمنى،
وكذا ذكَرَها "القدوريُّ" مرويَّةً مع تقييد التحليل بكونه من أسفلَ، وتعقّبَ في "الفتح"(١) ورودَ هذه
الكيفيَّةِ بقوله: ((والله أعلمُ به، ومثلُه - فيما يظهرُ - أمرٌ اتفاقِيٌّ لا سنّةٌ مقصودةٌ))، قال تلميذه "ابن أمير
حاج" الحلبيُّ في "الحلبة شرحِ المنية (٢): ((لكنَّ الذي في "سنن ابن ماجه(٣): عن "المستورد بن شدَّادٍ"
قال: ((رأيتُ رسول الله وَّ توضًّا، فخلَّلَ أصابعَ رجليه بختصره))، وأمَّا كونُهُ بخنصر يده اليسرى وكونُهُ
من أسفلَ فالله أعلمُ به، ويُشكِلُ كونه بختصر اليسرى أنّه من الطهارة، والمستحبُّ في فعلها اليمينُ، ولعل
الحكمةَ في كونه بالختصر كونُها أدقَّ الأصابع، فهي بالتخليلِ أنسبُ، وفي كونه من أسفلَ أَنَّه أبلغُ في
إيصال الماء)) اهـ. ثُمَّ نقَلَ (٤) ندبَ هذه الكيفيّةِ [١/ق٨٨/ب] عن الشافعيّة.
قلتُ: ويجاب عن قوله: ((وَيُشكِلُ إلخ)) بأن الرِّجلين محلُّ الوسخ والقذر، ولذا سيذكرُ "الشارح":
((أَنَّ من الآداب غسلَهما باليسار)).
[٩٦٠] (قولُهُ: بادئاً) أي: وخاتماً بختصر رِجله اليسرى؛ لأنَّ خنصر الرِّجل اليمنى هي يمنى أصابعها،
وإيهامُ اليسرى كذلك، أي: والتيامنُ سنَّةٌ أو مستحبٌّ، أفاده في "الحلبة"(٥).
قال في "البحر"(٦): ((وقولهم: من أسفلَ إلى فوق يحتملُ شيئين: أنْ يبدأ من أسفلَ إلى فوق، أي:
= كان يحبُّ التيمُّنَ في تنعُلِهِ وترجُّلِهِ وطهوره وفي شأنه كلّه))، فيتعيّنُ الابتداء في التخليل بخنصر الرجل اليمنى، والله أعلم.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٦/١.
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٥/أ.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٤٦) كتاب الطهارة - باب تخليل الأصابع، وأخرجه أحمد ٢٢٩/٤، وأبو داود (١٤٨) كتاب الطهارة - باب
غسل الرجلين، والترمذي (٤٠) كتاب الطهارة - باب ما جاء في تخليل الأصابع، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفُهُ
إلا من حديث ابن لهيعة. ا.هـ هكذا في بعض نسخ الترمذي، وقد أشار العلاَّمة الشيخ أحمد شاكر إلى أنَّ كلمة ((حسنٌ))
ساقطةٌ من بعض نسخ الترمذي، ولعل هذا هو الصواب، فإن الترمذيَّ قد ضعَّفَ حديث ابن لهيعة في عدَّةِ مواضعَ من كتابه.
وقد تابَعَ ابنَ لَهِيْعَة في رواية هذا الحديث اللَّيْثُ بن سَعْد، وعمرو بن الحارث، أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٧٧/١
كتاب الطهارة - باب كيفيَّة التخليل، فلذلك صحَّحَهُ ابن القطّان كما في "التلخيص الحبير" ٩٤/١.
(٤) أي: صاحب "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٥/أ.
(٥) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٥/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٢٣/١.
...
قسم العبادات
٣٩٤
حاشية ابن عابدين
وهذا بعَدَدِ دخول الماء خلالَها، فلو منضمَّةً فُرِضَ.
(وتثليثُ الغَسل)
من ظهرِ القدم أو من باطنه كما جزَمَ به في "السراج"(١)، والأوَّلُ أقربُ)) اهـ. أي: فُدخِل خنصرَه
من جهةٍ ظهر القدم، فيخلِّلُ من أسفلَ صاعداً إلى فوق لا من جهةٍ باطنه.
[٩٦١] (قولُهُ: وهذا) أي: كونُ التخليل سنّةً.
[٩٦٢] (قولُهُ: فرضٌ) أي: التخليلُ؛ لأَنَّه حينئذٍ لا يمكن إيصالُ الماء إلاّ به، فافهم.
[٩٦٣)] (قولُ: وتثليثُ الغَسلِ)(٢) أي: جعلُه ثلاثً، فمجموعُ الثانية والثالثة سنّةٌ واحدةٌ، قال
في "الفتح"(٣): ((وهو الحقُّ))، لكنْ صحَّحَ في "السِّراج"(٤): ((أَنّهما سنّتان مؤكَّدتان))، قال في
"النهر"(٥): ((وهو المناسبُ لاستدلالهم على السنَّةِ بأَنَّه عليه الصلاة والسلام لَمَّا أنْ توضَّأ مرَّتين
مرَّتين قال: ((هذا وضوءُ مَن يضاعَفُ له الأجرُ مرَّتين)، ولَمَّا أنْ توضَّأ ثلاثاً قال: ((هذا وضوئي
ووضوءُ الأنبياء من قبلي، فمَن زادَ على هذا أو نقَصَ فقد تعدَّى وظلم))(٦)، فجعَلَ للثانية جزاءً
(١) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/أ.
(٢) في "د" زيادة: ((أي: تصيير غَسلِ الوجهِ واليدِ والرِّجلِ ثلاثاً، بأنْ يغسلَ مرَّتين أُخريين غيرَ الفرض، فالثانيةُ والثالثةُ
سنةٌ كما في الزاهدي، وقيل: إنَّ الثانية سنّةٌ والثالثةَ إكمالُ السنَّةِ، وقيل: الثالثةُ سنّةٌ والثانيةُ دونها في الفضيلةِ كما
في "الاختيار"، وعن أبي بكر الإسكانيّ: أنَّ الثلاث فرضٌ كما في "المنية"، ويكرهُ الزيادةُ على الثلاثِ كما في
"الزبدة"، وفي" النظم": لو زادَ على ثلاثٍ ونوى وضوءاً آخرَ جاز، وإلاّ فإنْ غسَلَ للوسوسةِ فهو آثمٌ، وفي
"المحيط": لو توضَّأَ مرَّةً لعزَّةِ الماء أو لبردٍ أو لحاجةٍ لا يأثمُ، وإلاّ فيأثم، وقيل: إن اعتادَ يكرهُ، وإلاّ فلا)).
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٧/١.
(٤) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/أ.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/ب بتصرف يسير.
(٦) قال الزيلعي في "نصب الراية" ٢٩/١: غريبٌ بجميع هذا اللفظ، وقد رواه عن النبي ﴾ من الصحابة عبدُ الله بن
عمر، وأبيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة. ا.هـ
نقول: ورواه أيضاً ابن عباس، وبريدة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه.
أمَّا حديث عبد الله بن عمر فله طرقٌ أمثلُها ما رواه الدارقطني ٧٩/١ كتاب الطهارة - باب وضوء رسول الله ◌َ﴾)
والبيهقي في "السنن الكبرى" ٨٠/١ كتاب الطهارة من حديث المسيب بن واضح عن حفص بن ميسرة عن عبد الله بن
دينار عن عبد الله بن عمر، والمسيبُ بن واضح ضعيفٌ، وقد روي هذا الحديث من أوجهٍ كلُّها ضعيفةٌ.
أمَّا حديث أبيِّ بن كعب فقد أخرجه ابن ماجه (٤٢٠) كتاب الطهارة - باب ما جاء في الوضوء مرَّة ومرَّتين =
الجزء الأول
٣٩٥
الوضوء وأحكامه
المستوعِبِ، ولا عبرةَ لْلغَرَفات، ولو اكتفى بمرَّةٍ ..
مستقلاً، وهذا يُؤْذِن باستقلالها، لا أَنَّها (١) جزءُ سنَّةٍ حتى لا يثابَ عليها وحدها)) اهـ. وقَّدَ
بالغَسل إذ لا يُطلَبُ تثليث المسح كما يأتي(٢).
[٩٦٤] (قولُهُ: المستوعِبِ) فلو غسلَ في المرّة الأولى وبقي موضعٌ يابس، ثم في المرّة الثانية أصابَ
الماءُ بعضَه، ثم في الثالثة أصابَ الجميعَ لا يكون غَسلاً للأعضاء ثلاثاً، "حلبة"(٣) عن "فتاوى الحجَّةُ "(٤).
[٩٦٥] (قولُهُ: ولا عبرةَ للغَرفات) أي: الغيرِ المستوعبة، قال في "البحر"(٥): ((والسنة تكرارُ الغسَلات
المستوعبات لا الغرفات)) اهـ.
بقي إذا لم يستوعبْ إلاَّ في الثالثة - كما قلنا - هل يُحسَبُ الكلُّ غسلةً واحدةً، فيعيد الغَسلَ
مرَّتين، أو يعيدُ غَسل ما لم يُصِبه الماءُ فقط؟ والمتبادرُ من عبارة "البحر" الأوَّلُ، وليحرَّر.
(قولُهُ: والمتبادِرُ من عبارةٍ "البحر" الأوَّلُ، ولُيُحرَّر) الظاهرُ اعتمادُ الثاني؛ إذ المطلوبُ تتليثُ الغَسل، وقد تحقَّقَ
بغَسل ما لم يُصبْه الماء.
= وثلاثا، والدارقطني ٨٠/١ كتاب الطهارة: باب وضوء رسول الله﴾، وفي إسناده راويان ضعيفان، وهما عبد الله
ابن عرادة الشيباني، وزيد العميّ.
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه الطبراني في "الكبير"، وفيه سويد بن عبد العزيز ضعَّفَهُ يحيى وأحمد، ووثّقَهُ
دحيم، وأورده الهيثمي في "المجمع"٢٣٠/١.
وأمَّا حديث بُرَيْدةَ فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٣٦٦١)، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٢٣٠/١ وقال: رواه
الطبراني في "الأوسط"، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيفٌ، وليس في كلِّ هذه الروايات قوله: ((فمن زاد على هذا فقد ... ))، أمَّا
هذه الزيادة: ((فمن زاد على هذا أو نقَصَ فقد تعدَّى وظلَمَ))، فقد أخرَجَها أبو داود (١٣٥) كتاب الطهارة - باب الوضوء
ثلاثاً ثلاثاً، والنسائي ٨٨/١ كتاب الطهارة - باب الاعتداء في الوضوء)، وابن ماجه (٤٢٢) كتاب الطهارة - باب ما جاء في
القصد في الوضوء وكراهية التعدِّي فيه، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٧٩/١ كتاب الطهارة، والطحاوي في "شرح معاني
الآثار" ٣٦/١ كتاب الطهارة - باب فرض الرجلين في وضوء الصلاة، وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه
"الإمام": وهذا الحديث صحيحٌ عند من يُصحِّحُ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّهِ لصحَّةٍ الإسناد إلى عمرو.
(١) في "النهر": ((لأنها))، وهو خطأ.
(٢) المقولة [٩٧٧] قوله: ((مستوعبة)).
(٣) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٤٥/ب.
(٤) لم نعثر على ترجمتها فيما بين أيدينا من المصادر.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
قسم العبادات
٣٩٦
حاشية ابن عابدين
إن اعتادَهُ أُثِمَ،
[٩٦٦] (قولُهُ: إن اعتادَهُ أَثِّمَ) قال في "النهر"(١): ((ولو اقتصر على الأولى ففي إثمه قولان، قيل: يأْتُمُ
لترك السنَّةِ المشهورة، وقيل: لا؛ لأَنَّه قد أتى بما أُمِرَ به، كذا في "السراج"(٢)، واختار في "الخلاصة"(٣): أَنَّه
إِن اعتادَهُ(٤) أثم، وإلا لا، وينبغي أنْ [١/ق٨٩/أ] يكون هذا القولُ محملَ القولين)) اهـ.
أقولُ: ولكنْ في "الخلاصة (٥) لم يصرِّح بالإِنم، وإنما قال: ((إن اعتادَهُ كُره))، وهكذا نقَلَهُ في "البحر)"(٦)،
نعم هو موافقٌ لِما قدَّمناه(٧) عن "شرح التحرير" من حمل اللّوم والتضليل لترك السنّة المؤكَّدة على الترك مع
الإصرار بلا عذر.
وقدّمنا (٨) أيضاً تصريحَ صاحب "البحر": ((بأنَّ الظاهر من كلام أهل المذهب أنَّ الإِثم منوطٌ بترك
الواجب والسنّة المؤكّدة على الصحيح)).
٨٠/١
ولا يخفى أنَّ التثليث حيث كان سنَّةً مؤكّدةًّ، وأصرَّ على تركه يأثم وإنْ كان يعتقدُه سنة،
وأمَّا حملُهم الوعيدَ في الحديث على عدم رؤية الثلاث سنّةً - كما يأتي(٩) - فذلك في الترك ولو
مرَّةً بدليل ما قلنا، وبه اندفَعَ ما في "البحر" (١٠): ((من ترجيح القول بعدم الإِئم لو اقتصَرَ على مرَّةٍ
بأنه لو أثِمَ بنفس الترك لَما احتيج إلى هذا الحمل)) اهـ. وأقرَّه في "النهر"(١١) وغيره، وذلك لأَنَّه مع
عدم الإصرار محتاجٌ إلیه، فتدبّر.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/ب بتصرف يسير.
(٢) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/أ.
(٣) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٨/ب.
(٤) في "آ": ((اعتقده))، وهو تحريف.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٨/ب.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(٧) المقولة [٨٣٤] قوله: ((ويلام)).
(٨) المقولة [٨٣٤] قوله: ((ويلام)).
(٩) المقولة [٩٧٢] قوله: ((وحديث فقد تعدى إلخ)).
(١٠) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(١١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/ب.
الجزء الأول
٣٩٧
الوضوء وأحكامه
وإلاّ لا، ولو زادَ لطمأنينة القلب، أو لقصدِ الوضوء على الوضوء ..
........
[٩٦٧] (قولُهُ: وإلاَّ) أي: وإنْ لم يعَتَدْه - بأنْ فعَلَهُ أحياناً، أو فعَلَه لعِزَّة الماء أو لعذر البرد أو لحاجةٍ
- لا يُكْرِهِ، "خلاصة" (١).
[٩٦٨] (قولُهُ: ولو زاد إلخ) أشار إلى أنَّ الزيادة مثلُ النقصان في المنع عنها بلا عذرٍ.
[٩٦٩] (قولُهُ: لطمأنينةِ القلب) لأَنَّ أُمِرَ بتركِ ما يَريبه إلى ما لا يَرِيبُه، وينبغي أنْ يُقَّدَ هذا بغير
الموسوس، أمَّا هو فيلزمُه قطعُ مادَّة الوسواس عنه، وعدمُ التفاتِه إلى التشكيك؛ لأَنَّه فعلُ الشيطان،
وقد أُمِرنا بمعاداته ومخالفته، "رحمتي".
ويؤيُّه ما سنذكرُه(٢) قبيل فروض الغسل عن "التاتر خانيَّة": ((أَنّ لو شكَّ في بعض وضوئه أعادَهُ، إلّ
إذا كان بعد الفراغ منه، أو كان الشَّكُّ عادةً له فإنّه لا يعيدُه ولو قبل الفراغ قطعاً للوسوسة عنه)) اهـ.
مطلبٌ في الوضوءِ على الوضوء
[٩٧٠] (قولُهُ: أو لقصد الوضوء على الوضوء) أي: بعد الفراغ من الأوَّلِ، "بحر)"(٣). وفي "التاتر خانيّة "(٤)
عن "الناطفيِّ(٥): ((لوزاد على الثلاث فهو بدعةٌ، وهذا إذا لم يفرغ من الوضوء، أمّا إذا فَرَغَ، ثمَّ استأنف
الوضوءَ فلا يكرهُ بالاتّفاق)) اهـ ومثلُهُ في "الخلاصة" (٦).
وعارَضَ في "البحر"(٧) دعوى الأّاق بما في "السِّرَاجِ"(٨): ((مِنْ أَنَّه مكروة في مجلسٍ واحدٍ))، وأجاب
(١) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق٨/ب.
(٢) المقولة [١٢٣٩] قوله: ((وإلا لا)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(٤) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأول في الوضوء ١٠٨/١ باختصار.
(٥) أبو العباس أحمدُ بن محمد بن عمر الناطفي الطبري(ت٤٤٦هـ). ("الجواهر المضيّة" ٢٩٧/١، "الأعلام" ٢١٣/١).
وما ينقله صاحبُ "التاترخانية" عن الناطفي ففي كتابه "الواقعات" أو "الأجناس" كما ذكَرَ ذلك محقّقُ "التاتر خانية"
الشيخ سجاد حسين في مقدِّمة تحقيقه.
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٨/ ب.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(٨) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/ب.
· قسم العبادات
٣٩٨
حاشية ابن عابدين
في "النهر"(١): ((بأنَّ ما مرَّ فيما إذا أعادَه مرَّةً واحدةً، وما في "السراج" فيما إذا كرَّرَهُ مراراً))، ولفظُه
في "السراج": ((لو تكرَّرَ الوضوء في مجلسٍ واحدٍ مراراً لم يستحبَّ، بل يكرهُ لِما فيه من الإسراف،
[١/ق٨٩/ب] فتدبّر)) اهـ.
قلت: لكنْ يَرِدُ ما في "شرح المنية الكبير(٢)، حيث قال: ((وفيه إشكالٌ لإطباقهم على أنَّ الوضوء عبادةٌ
غيرُ مقصودةٍ لذاتها، فإذالم يؤدَّ به عملٌ مما هو المقصودُ من شرعيَّه كالصلاة وسجدة التلاوة ومسِّ المصحف
ينبغي أنْ لا يُشْرَعَ تكرارُه قربةً لكونه غيرَ مقصودٍ لذاته، فيكون إسرافاً محضاً، وقد قالوا في السجدة: لَمَّلم تكن
مقصودةً لم يُشرَع التقرُّبُ بها مستقلَّةً، وكانت مكروهةً، وهذا أَولى)) اهـ
أقولُ: ويؤيِّدُه ما قاله "ابنُ العماد" في "هدَته"(٣): ((قال في "شرح المصابيح"(٤). وإنما يستحبُّ الوضوء
إذا صلَّى بالوضوء الأوَّلِ صلاةً، كذا في "الشِّرِعة " (٥) و"القنية (١)) اهـ.
وكذا ما قاله "المناويُّ(٧) - في "شرح الجامع الصغير" لـ "السيوطيّ" عند حديثٍ: (مَنْ توضَّاً على طُهرٍ
كُتِبَ له عشرُ حسناتٍ»(٨) -: ((من أنَّ المراد بالطهر الوضوءُ الذي صلَّى به فرضاً أو نفلاً كما يَّنَه فعلُ راوي
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/ب بتصرف.
(٢) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الوضوء صـ٢٦ -.
(٣) انظر "نهاية المراد": الوضوء وأنواعه صـ ٧٠-، وفيها: ((واشتراط الصلاة بالوضوء الأوَّل قولُ شارح "المصابيح"))،
وعبارته نقلها في "شرح الشرعة".
(٤) "المصابيح": هو "مصابيح السنة" لأبي محمد حسين بن مسعود، ظهير الدين الفَرَّاء الْبَغَوي الشافعي(ت٥١٦هـ)، وله شروحٌ
كثيرةٌ، منها "شرح القاضي البيضاوي"(ت٦٨٥هـ)، و"شرح قاسم بن قطلوبغا"(ت٨٧٩هـ)، و"شرح ابن كمال باشا"
(ت ٩٤٠هـ). ("كشف الظنون" ١٦٩٨/٢ -١٦٩٩، "وفيات الأعيان" ١٣٦/٢)، ولم يتبين لنا الشرح المراد هنا.
(٥) انظر "شرح الشرعة": فصل في تفصيل سنن الطهارة صـ٨٣-، والعبارة من "شرح الشرعة"لا من "الشرعة".
(٦) الذي في "هديَّة ابن العماد": (("الغنية")) لا(("القنية"))، ولم نعثر على النقل في "القنية"، وفيما يخص "القنية"
و"الغنية"، راجع صـ١٩٥ -.
(٧) "فيض القدير": ١٠٩/٦ برقم (٨٦٠٧) وهو الشرح الكبير لمحمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين، زين الدين
الحدادي ثم المُنَاوي القاهريّ الشافعيّ(ت١٠٣١هـ) على "الجامع الصغير" للإمام السيوطي. ("كشف الظنون"
٥٦٠/١-٥٦١، "خلاصة الأثر" ٤١٢/٢، "الأعلام" ٢٠٤/٦).
(٨) أخرجه أبو داود (٦٢) كتاب الطهارة - باب الرجل يجدِّدُ الوضوء من غيرِ حدثٍ، والترمذي (٥٩) كتاب أبواب =
الجزء الأول
٣٩٩
الوضوء وأحكامه
لا بأسَ به، وحديثُ: ((فقد تعَدَّى)) محمولٌ على الاعتقاد،.
الخبر، وهو "ابن عمر"، فمَن لم يصلِّ به شيئاً لا يسنُّ له تجديدُه)) اهـ.
ومقتضى هذا كراهته وإِنْ تبدَّلَ المجلسُ مالم يؤدِّ به صلاةً أو نحوَها، لكنْ ذَكَرَ سيِّدي "عبدُ الغنيِّ
النابلسيُّ"(١): ((أَنَّ المفهوم من إطلاق الحديث مشروعيّه ولو بلا فصلٍ بصلاةٍ أو مجلسٍ آخرَ، ولا إسرافَ فيما
هو مشروعٌ، أمّا لو كرَّره ثالثاً أو رابعاً فيشترط لمشروعَّه الفصلُ بما ذُكِرَ، وإلاّ كان إسرافاً محضاً)) اهـ، فتأمَّل.
مطلب: كلمةُ لا بأسَ قد تُستعمَلُ في المندوب
[٩٧١] (قولُهُ: لا بأسَ به) لأَنّه نورٌ على نورٍ، وقد أُمِرَ بترك ما تَرِيُه إلى ما لا يَريبه، "معراج". وفي هذا
التعليلِ لغٌّ ونشرٌ مشوَّشرٌ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ ذلك مندوبٌ، فكلمةُ لا بأس وإنْ كان الغالبُ استعمالَها فيما
تركُهُ أَولِى لكنّها قد تُستعمَلُ في المندوب كما صرَّحَ به في "البحر"(٢) من الجنائز والجهاد، فافهم.
[٩٧٢)] (قولُهُ: وحديثُ: ((فقد تعدَّى)) إلخ) جوابٌ عمَّ يرِدُ على قوله: ((لا بأس به))، وقد تقدَّمَ
الحديثُ(٣) في عبارة "النهر"، قال في "البحر"(٤): ((واختلف في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «فمَن زاد
على هذا)) على أقوال، فقيل: على الحدِّ المحدود، وهو مردودٌ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن استطاع
منكم أنْ يطيلَ غُرَّتَه فليفعل)، والحديثُ في "المصابيح"(٥). وإطالةُ الغرَّة تكون بالزِّيادة على الحدِّ المحدود،
وقيل: على أعضاء الوضوء، وقيل: الزيادةُ على العدد والنقصُ عنه، والصحيح أنَّه محمولٌ على [١/ق ٩٠/أ]
= الطهارة - باب ما جاء في الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ، وهو إسنادٌ ضعيفٌ، والطحاوي في "شرح معاني الآثار"٤٢/١
كتاب الطهارة - باب الوضوء هل يجبُ لكلِّ صلاةٍ أم لا، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٦٢/١ كتاب الطهارة -
باب أداء صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ، كلُّهم من حديث ابن عمرظُه مرفوعاً.
(١) "نهاية المراد": الوضوء وأنواعه صـ٧١ - ملخصاً.
(٢) "البحر": كتاب الجنائز - فصل: السلطان أحقُّ بصلاته ٢١٠/٢، وكتاب الجهاد - فصلٌ في كيفيَّةِ القسمة ٩٩/٥.
(٣) المقولة [٩٦٣] قوله: ((وتثليث الغسل)).
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(٥) "مصابيح السنة": ١٨٣/١ رقم (١٩٨)، وأخرجه البخاري (١٣٦) كتاب الوضوء - باب فضل الوضوء والغرّ المحجلين،
ومسلم (٢٤٦) (٣٥) كتاب الطهارة - باب استحباب إطالة الغرَّة والتحجيل في الوضوء عن أبي هريرة ظله مرفوعاً. وقد
تقدّم تخريجه ص٣٠١-٠
قسم العبادات
٤٠٠
حاشية ابن عابدين
الاعتقاد دون نفس الفعل، حتى لو زاد أو نقَصَ، واعتقدَ أنَّ الثلاث سنّةٌ لا يلحقُه الوعيد، كذا في
"البدائع"(١)، واقتصَرَ عليه في "الهداية"(٢)، وفي الحديث لفٌّ ونشرٌ؛ لأنَّ التعدِّيَ يرجعُ إلى الزيادة، والظلمَ
إلى النقصان(٣)) اهـ.
أقولُ: وصريحُ ما في "البدائع"(٤): ((أَنّه لا كراهةَ في الزيادة والنقصان مع اعتقاد سنَّة الثلاث))، ولذا
ذكَرَ في "البدائع"(٥) أيضاً: ((أنَّ ترك الإسراف والتقتيرِ مندوبٌ))، ويوافقُه ما في "التاتر خانيَّةٍ(٦): ((لا يكره إلاَّ
أنْ يرى السنّةَ في الزيادة))، وهو مخالفٌ لِما مرّ(٧) من أنّه لو اكتفى مرَّةٍ واعتاده أثِمَ، ولِما سيأتي بعد ورقةٍ(٨)
من أنَّ الإسراف مكروه تحريماً، ومنه الزِّيادة على الثلاث، ولهذا فرَّعَ في "الفتح"(٩) وغيره على القول بحمل
الوعيد على اعتقاد سنيّة الزيادة أو النقص بقوله: ((لو زاد لقصدِ الوضوء على الوضوء، أولطمأنينة القلب عند
الشكِّ، أو نقَصَ لحاجةٍ لا بأس به))، فإنَّ مُّهاد هذا التفريعِ أنّه لو زاد أو نقَصَ بلا غرضٍ صحيحٍ يكره وإن
اعتقد سنَّةَ الثلاث، وبه صرَّحَ في "الحلبة" (١٠)، فقال: ((وهل لو زاد على الثلاث من غير قصدٍ لِما ذُكِرَ
يكره؟ الظاهر نعم؛ لأنّه إسرافٌ)) اهـ.
لكنْ لو كان قصدُه بالزِيادة الوضوءَ على الوضوء إنما تنتفي الكراهة إذا كان بعد الفراغ من الأوَّل
٨١/١ وصلَّى به، أو تبيَّلَ المجلس على ما مرَّ(١)، وإلاَّ فلا. وعلى كلٍّ فيحتاج إلى التوفيق بين ما في "البدائع)"(١٢)
(١) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء ٢٢/١ باختصار.
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات ١٣/١.
(٣) من ((وفي الحديث)) إلى ((النقصان)) نقَلَهُ صاحب "البحر" عن "غاية البيان".
(٤) أي: المارّ في هذه المقولة.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في آداب الوضوء ٢٣/١.
(٦) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأوَّل في الوضوء ١٠٨/١.
(٧) المقولة [٩٦٦] قوله: ((إن اعتاده أثم)).
(٨) صـ ٤٤٠- "در".
(٩) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٧/١.
(١٠) "الحلبة": كتاب الطهارة - منهيَّات الوضوء ١/ق ٨٣/ب.
(١١) المقولة [٩٧٠] قوله: ((أو لقصد الوضوء على الوضوء)).
(١٢) المار في هذه المقولة.
الجزء الأول
٤٠١
الوضوء وأحكامه
ولعلَّ كراهة تكرارِهِ في مجلسٍ تنزيهيَّةٌ، بل في "القهستاني"
وغيره، ويمكن التوفيق بما قدَّمناه(١) من أَنَّه إذا فعَلَ ذلك مرَّةً لا يكرهُ مالم يعتقدْه سنَّةٌ، وإن اعتاده وأصرَّ عليه
يكرهُ وإِن اعتقَدَ سنَّة الثلاث، إلاّ إذا كان لغرضٍ صحيحٍ، هذا ما ظهَرَ لفهمي القاصر، فتدَّره.
(٩٧٣) (قولُهُ: ولعلَّ إلخ) جوابٌ عمَّا أوردَهُ في "البحر"(٢): ((من أنَّ قولهم: لو نوى الوضوءَ
على الوضوء لا بأسَ به مخالفٌ لِما في "السِّراج"(٣): من أنَّ تكراره في مجلسٍ مكروهٌ، وحملُه على
اختلاف المجلس بعيدٌ)).
وحاصلُ الجواب حملُ الكراهة على التنزيهيَّة، فلا تنافي قولَهم: ((لا بأس به))؛ لأنَّ غالب استعمالها
فیما تركُهُ أَولى.
أقولُ: وفي هذا الجواب نظرٌ لِما قدَّمناه(٤) من تعليلهم بأنَّه نورٌ على نورٍ، فهي مستعملةٌ في المندوب
[١/ق٩٠/ب] لا فيما تركُهُ أَولى(٥)، فالأحسنُ الجوابُ بما قدَّمناه(٦) عن "النهر": ((من أنَّ المكروه تكرارُه في
مجلسٍ مراراً)).
مطلبٌ قد يُطلَقُ الجائزُ على ما لا يمتنع شرعاً فيشملُ المكروه
[٩٧٤)] (قولُ: بل في "القُهُستانِّ)(٧) إلخ) ترقّ في الجواب، وهو مخالفٌ لِما سيأتي(٨) من أنَّ الإسراف
(قولُهُ: تَرَقِّ في الجوابِ) الظاهرُ أنّه تقييدٌ لِما أفادَهُ كلامُهُ من تحقَّقِ الكراهة التنزيهيَّة من أنَّ هذا في غيرِ الماء الجاري.
(١) في هذه المقولة أيضاً.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(٣) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/ب بتصرف.
(٤) المقولة [٩٧١] قوله: ((لا بأس)).
(٥) من ((تعليلهم)) إلى ((أولى)) ساقط من "آ".
(٦) المقولة [٩٧٠] قوله: (لقصد الوضوء على الوضوء)).
(٧) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - سنن الغسل ٢٥/١، وعبارته: ((وذكَرَ في "الجواهر" أنَّ الإسراف في الماء الجاري
جائزٌ لكنّه مكروة)).
(٨) المقولة [١٠٥٦] قوله: ((والإسراف)).
قسم العبادات
٤٠٢
حاشية ابن عابدين
معزّاً لـ "الجواهر": ((الإسرافُ في الماء الجاري جائزٌ؛ لأنّه غيرُ مَضِيعٍ))، فتأمَّل.
(ومسحُ كلِّ رأسِهِ مرَّةً)
مكروهٌ ولو بماء النهر، ولذا قال: ((تأمَّل))، ويأتي (١) تماُ الكلام عليه، وقد يقال: أطلَقَ الجائزَ، وأراد به ما يعمُّ
المكروهَ، ففي "الحلبة"(٢) عن "أصول ابن الحاجب"(٣): ((أَنّه قد يُطلَقُ، ويراد به ما لا يمتنعُ شرعاً، وهو يشمل
المباحَ والمكروه والمندوب والواجب)) اهـ.
لكنَّ الظاهر أنَّ المراد المكروهُ تنزيهاً؛ لأنَّ المكروه تحريماً ممتنعٌ شرعاً منعاً لازماً.
مطلبٌ في تصريف قولهم: مَعْزِيّاً
[٩٧٥] (قولُهُ: معزَِّ) يقال: عزَوتُه وعزَيته لغةً إذا نسبته، "صحاح"(٤). فهو اسمُ مفعولٍ من اليائِيِّ اللام،
أصلُه: معزُويٍّ، فقلبت الواوُ ياءً، ثم أُدغمت، ويجوزُ أخذه من الواويِّ أيضاً، فإِنَّ القياس فيه معزُوٌّ مثل مغزوٍّ،
لكنْ قد تُقْلَبُ الواوان فيه يائين، وهو فصيحٌ كما نصَّ عليه "التفتازانيُّ" في "شرح التصريف" (٥).
(٩٧٦] (قولُهُ: مرَّةً) لو قال بدلَه: بماءٍ واحدٍ- كما في "المنية (٤) - لكان أَولى لِما في "الفتح"(٧): ((روى
(قولُهُ: لو قال بدلَهُ: بماءٍ واحدٍ كما في "المنية " لكان أولى) قد يقالُ: إنَّ قصده بيانُ أنَّ سنَّةَ المسح تحصُلُ بالمسح
مرَّةً على ما هو المشهورُ في المذهب، ولو قال بدلَهُ: بماءٍ واحدٍ لم يُقدْ ذلك، وليس قصدُهُ بيانَ سُنَّةِ التثليث التي هي
روايةُ "الحسن" لِما أَنَّها غيرُ المشهور في المذهب، فعلى ما هو المشهورُ لا يُشترَطُ لتحقُّقِ سنيَّةِ المسح التثليثُ.
(١) المقولة [١٠٥٦] قوله: ((والإسراف)).
(٢) "الحلبة": كتاب الطهارة - محظورات الجنب والحائض والنفساء ١/ق ١٢٠/ب.
(٣) "منتهى السول والأمل": الكلام على المباح صـ٣٩ - بتصرف.
(٤) "الصحاح": مادة ((عزو)) و((عزي)).
(٥) "شرح التصريف": النوع الثالث من المعتل صـ٣٦-، لمسعود بن عمر، سعد الدّين التفتازانيّ الهَرَويّ الْخُرَاسانيّ(ت٧٩٣هـ)،
وهو "شرح العِزّيّ في التصريف" لأبي المعالي - وقيل: أبو الفضائل - إبراهيم بن عبد الوهّاب بن عماد الدين، عِزّ الدّين
الزَّنجانيّ العِزّيّ الشّافعيّ (ت نحو ٦٥٥هـ). ("كشف الظنون" ٤١٢/١، ١١٣٨/٢ -١١٣٩، "طبقات السُّبكيّ" ١١٩/٨،
"الدرر الكامنة" ٣٥٠/٤، "هديَّة العارفين" ١٢/١).
(٦) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٢٣ -.
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات ٣٠/١.
الجزء الأول
٤٠٣
الوضوء وأحكامه
مستوعبةً، فلو ترَكَهُ وداوَمَ عليه أثِمَ.
"الحسنُ" عن "أبي حنيفة" في "المجرَّد"(١): إذا مسَحَ ثلاثاً بماءٍ واحدٍ كان مسنوتاً)) اهـ
وعليه حَملَ في "الهداية(٢) وغيرها ما استدلَّ به "الشافعيُّ" من رواية التثليث جمعاً بين الأحاديث،
ولا يقال: إنَّالماء يصيرُ مستعملاً بالمرة الأولى، فكيف يُسنُّالتكرار؟ لِما في "شرح المنية"(٣): ((من أَنَّهم أَفْقوا
على أنَّ الماء ما دام في العضو لا يكون مستعملاً).
[٩٧٧] (قولُهُ: مستوعبةٌ) هذا سنّةٌ أيضاً كما جزم به في "الفتح"(٤)، ثم نقَلَ عن "القنية"(٥): ((أَنَّه إذا
داوَمَ على ترك الاستيعاب بلا عذرٍ يأثم))، قال(٦): ((وكأنّ لظهور رغبته عن السنَّةَ)).
قال "الزيلعيُ)(٧): ((وتكلَّموا في كيفيَّة المسح، والأظهرُ أنْ يضحَ كفّيه وأصابعَه على مقدَّم رأسه،
ويمدَّهما إلى القفا على وجهٍ يستوعبُ جميع الرأس، ثمَّ يمسحَ أذنيه ياصبعيه)) اهـ.
وما قيل: من أَنَّه يُحافي السِّحتين والإبهامين ليمسحَ بهما الأذنين والكفين ليمسحَ بهما جانبي الرأس
خشيةَ الاستعمال فقال في" الفتح"(٨): ((لا أصلَ له في السنَّة؛ لأنَّ الاستعمال لا يثُبُتُ قبل الانفصال،
والأذنان [١/ق ٩١/أ] من الرأس)).
(قولُهُ: ثُمَّ يَمسَحَ أذنيه بإصبعيه) أي: بلا رفعِهما عن الرَّأس كما يأتي له بحثاً.
(١) "المجرد": لأبي علي الحسن بن زياد اللؤلؤي(ت٢٠٤هـ) تلميذ الإمام أبي حنيفة. ("الجواهر المضيّة" ٥٦/٢،
"طبقات الفقهاء" لطاش كبرى زاده صـ ١٨-، "الفوائد البهية" صـ ٦٠-)، وفي "كشف الظنون" ٧٠٢/١ عند كلامه
على "خزانة الأكمل": ((بدأ بكافي الحاكم، ثم بالجامعين، ثم بالزيادات، ثم بمجرد ابن زياد ... )).
(٢) "الهداية": كتاب الطهارات ١٣/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٢٤ -.
(٤) "الفتح": كتاب الطهارت ٣١/١.
(٥) "القنية": كتاب الطهارة ق ٢/أ.
(٦) أي: صاحب "الفتح".
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٥/١ بتصرف.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات ١٧/١.
قسم العبادات
٤٠٤
حاشية ابن عابدين
(وأذنيه) معاً ولو (بمائه)
(تنبيةٌ)
لو مسَحَ ثلاثً بمياهٍ قيل: يكره، وقيل: إنَّه بدعةٌ، وقيل: لا بأس به، وفي "الخانية"(١): ((لا يكرهُ، ولا
يكون سنّةً ولا أدباً))، قال في "البحر"(٢): ((وهو الأولى؛ إذ لا دليل على الكراهة)) اهـ.
قلت: لكن استوجَّهَ في "شرح المنية "(٣) القولَ بالكراهة، وذكرتُ ما يؤيِّدُه فيما علَّقْتُه على "البحر (٤)،
فراجعهٌ، وسيأتي(٥) في المتن عدُّهُ من المنهيّات.
[٩٧٨) (قولُهُ: وأذنيه) أي: باطنِهما بباطن السبابتين، وظاهرِهما بباطن الإبهامين، "قهستاني" (٦).
[٩٧٩] (قولُهُ: معاً) أي: فلا تيامُنَ فيهما كما سيذكرُهُ(٧).
[٩٨٠] (قولُ: ولو بمائه) قال في "الخلاصة"(٨): ((لو أخَذَ للأذنين ماءً جديداً فهو حسنٌ))، وذكَرَه
(قولُهُ: قال في "الخلاصة": لو أخَذَ للأذنين ماءً جديداً إلخ) الذي يظهرُ في هذه المسألة أنَّ مسح الأذنين
سنّةٌ، وكونَهُ بماء الرأس سنّةٌ أخرى عندنا، فقولُ "الخلاصة": ((لو أخَذَ للأذنين ماءً جديداً فهو حسنٌ)) لا
إشكالَ فيه؛ لأَنّه أقام سنّةَ أصلِ المسح وإنْ فاتَّهُ سنَّةُ كونِهِ بمائه، ولذا لم يقل: أحسنُ، وجعَلَ قوله: ((ولو بمائه))
غايةً لأَنَّه موضعُ الخلاف، لا للإشارة التي ذكَرَها "المحشِّي"، وتقييدُ المنون بقولهم: ((بمائه)) لبيان الأحسن،
(١) "الخانية": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ٣٥/١ بتصرف يسير (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٢٤/١.
(٣) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة صـ٢٤ -.
(٤) "حاشية منحة الخالق على البحر الرائق": كتاب الطهارة ٢٤/١ - ٢٥.
* أقول: حاصلُ ما ذكرته هناك أنَّ أئمَّتنا ثبَتَ عندهم أنَّ السنة المسحُ مرَّة من فعله عليه الصلاة والسلام، فالتثليث
زائد، وقد قال رسول الله :﴿: (فَمَن زَادَ على هذا أو نَقَصَ فقد تَعَدّى وظَلَمَ))، والإشارة ترجعُ إلى ما ثبت من
فعله ټ ا .هـ منه.
(٥) صـ ٤٤٠- وما بعدها "در".
(٦) "جامع الرموز": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١٩/١.
(٧) ص ٤١٤ - ٤١٥ - "در".
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الرابع في المسح ق ٩/ب.