النص المفهرس
صفحات 361-380
الجزء الأول
٣٤٥
الوضوء وأحكامه
وكثيراً ما يعرِّفون به؛ لأنّه محطُّ مواقعٍ أنظارهم،.
ويؤيِّدُه ما سيأتي(١) في سنن الوضوء من أَنَّه لو اكتفى بالغَسل مرَّةً إِن اعتادَهُ أَثِمَ، وإلاَّ لا، وفي "البحر"(٢) من
باب صفة الصلاة: ((الذي يظهرُ من كلام أهل المذهب أنَّ الإِثم منوطٌ بترك الواجب أو السّنّة المؤكَّدة
على الصحيح؛ لتصريحِهم بأنَّ مَن تَرَكَ سنن الصلوات الخمس [١/ق٧٧/ب] قيلَ: لا يأتمُ، والصحیحُ
أَنَّه يأثمُ، ذكَرَهُ في "فتح القدير)(٣)، وتصريحِهم بالإِثم لمن ترَكَ الجماعة مع أنّها سنّةٌ مؤكّدةٌ على الصحيح،
وكذا في نظائرِه لمن تَّعَ كلامهم، ولا شكَّ أنَّ الإِثم مقولٌ بالتشكيك، بعضُه أشدُّ من بعضٍ، فالإِثْمُ
لتارك السنّة المؤكَّدة أخفُّ من الإثم لتارك الواجب)) اهـ
قال في "النهر"(٤) هناك: ((ويؤيِّدُه ما في "الكشف الكبير"(٥) معزيًّاً إلى "أصول أبي اليسر"(٦): حكمُ
السنَّة أنْ يُندَبَ إلى تحصيلها، ويلامَ على تركها مع لحوقِ إِثْمٍ يسيٍ))(٧).
[٨٣٥] (قولُهُ: وكثيراً إلخ) مفعولٌ مطلقٌ، و((ما)) زائدةٌ لتأكيد الكثرة، أي: ويعرِّفون
بالحكم تعريفاً كثيراً.
[٨٣٦] (قولُهُ: لأَنَّه إلخ) المحطُّ: موضعُ الحطّ مقابلَ الرفع، ومواقعُ: جمعُ موقعٍ، مصدرٌ ميميٌّ
بمعنى الوقوع، والأنظارُ: جمعُ نظرٍ بمعنى التأمُّلِ والتفكِّرِ، أي: لأنَّ الحكم هو محلُّ وقوع أنظارِهم،
أي: أنَّه المقصودُ للفقهاء.
(١) صـ ٣٩٥ -٣٩٧ - "در".
(٢) "البحر": كتاب الصلاة ٣١٩/١.
(٣) "الفتح": كتاب الصلاة - باب النوافل ٣٨٣/١.
(٤) "النهر": كتاب الصلاة - باب صفة الصلاة ق ٤٣/ب.
(٥) المسمى "كشف الأسرار": حكم السنة ٥٦٣/٢، لعبد العزيز بن أحمد، علاء الدين البخاري(ت ٧٣٠هـ)، وهو
شرح "أصول البزدوي". ("كشف الظنون" ١١٢/١، "الفوائد البهية" صـ ٩٤-).
(٦) محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم، صدر الإسلام البزدوي (ت٤٩٣هـ) له تصانيف كثيرة في الأصول
والفروع، وكُنِيَ بأبِي الْيُسْرِ لِيُسْرِ تصانيفه، على حين لقب أخوه فخرالإسلام بأبي العسر؛ لأنَّ تصانيفَهُ دقيقةٌ
مُتَعَسِّرةُ الفَهْم على أكثر النّاس، كما في "الفوائد البهية" صـ١٢٥ - ١٨٨ -٢٣٥-، وانظر "الجواهر المضية" ٩٨/٤.
(٧) انظر بسطَ هذه المسألة في المقولة [٩٦٦] قوله: ((إن اعتاده أثم)).
قسم العبادات
٣٤٦
حاشية ابن عابدين
وعرَّفَها "الشُّمُنِيِّ" بـ: ((ما ثبَتَ بقوله عليه الصلاة والسلام أو بفعله، وليس بواجبٍ ولا
مستحبِّ))، لكنَّه تعريفٌ لمطلقها، والشرطُ في المؤكَّدة المواظبةُ مع تركٍ ولو حكماً،
لكنَّ شأنَ الشروط أنْ لا تُذكَرَ في التعاريف،.
[٨٣٧] (قولُهُ: وعرَّفَها "الشُّمُنِيُّ") أي: عرَّفَ السنَّةَ اصطلاحاً، أمَّا هي لغةً: فالطريقةُ
مطلقاً ولو قبيحةً، "ط)"(١).
[٨٣٨] (قولُهُ: أو بفعِه) ينبغي زيادةُ: أو تقريرِهِ، إلاَّ أنَّه داخلٌ في الفعل؛ لأَنَّه عدمُ النهي عمَّا
يقعُ بين يديه عليه الصلاة والسلام، يعني: أَنَّ كفٌّ، والكفُّ فعلٌ من أفعال النفس، "ط"(٢).
[٨٣٩] (قولُهُ: وليس بواجبٍ) مرادُه به ما يعُمُّ الفرضَ، "ط"(٣).
[٨٤٠] (قولُهُ: لكنَّه تعريفٌ لمطلَقِها) أي: لمطلَقِ السنَّة الشاملِ لقسميها، وهما: السنَّة المؤكَّدة
المسمّاة سنّةَ الهدى، وغيرُ المؤكَّدةِ المسمَّة سنَّةَ الزوائدِ، وأمَّا المستحبُّ المرادِفُ للنفل والمندوب
فهو قسيمٌ لها لا قسمٌ منها كما قدَّمناه(٤)، فافهم.
وأفاد بالاستدراك أنَّ المراد من السنّة هنا هو القسمُ الأوَّل، وبه صرَّحَ في "النهر "(٥)، تأمَّل.
[٨٤١] (قولُهُ: ولو حكماً) كعدم الإنكار على مَن لم يفعل؛ لأَنَّه يُنزَّلُ منزلةَ الترك حقيقةً،
فدخَلَ الاعتكاف في العشر الأخير من رمضانَ؛ لأَنَّه عليه الصلاة والسلام وإِنْ واظَبَ عليه من غيرِ
(قولُهُ: ينبغي زيادةُ: أو تقريرِهِ إلخ) فيه أنَّ مجرَّدَ التقرير لا يدلُّ على السُّنَّة، بل لا بدَّ من قولٍ أو فعلٍ منه
للدّالة عليها، فإنَّه قد يُقِرُّ على المباح.
(قولَهُ: فدخَلَ الاعتكافُ في العشر الأخير من رمضان) نازَعَ "الرَّحمقيَّ" في صحَّةِ التمثيل بهذا المثال، .
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١.
(٤) المقولة [٨٢٩] قوله: ((وسننه إلخ)).
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ٥/أ.
الجزء الأول
٣٤٧
الوضوء وأحكامه
تركٍ - ومقتضاها وجوبُ الاعتكاف - لكنْ لَمَّا لم ينكر عليه الصلاة والسلام على مَن لم
يعتكِفْ كان ذلكَ مُنزَّلاً منزلةَ الترك حقيقةً، والمرادُ أيضاً المواظبةُ ولو حكماً لتدخلَ التراويحُ،
فإِنَّهِ وَلَّ بَيَّنَ العذرَ في التخُلُّف عنها، وهو خوفُ أنْ تُفْرَضَ علينا، "ط)"(١) عن أبي
السعود"(٢). [١/ق٧٨/أ]
ومُفادُه: أنَّ المواظبة بلا تركٍ تفيدُ الوجوب، قال في "البحر"(٣): ((وظاهرُ "الهداية"(٤) يخالفُهُ، فإنّه
في الاستدلال على سنَّةِ المضمضة والاستنشاق قال: لأَنّه عليه السلام فعَلَهما على المواظبة))، ثمَّ قال في
"البحر"(٥): ((والذي ظهَرَ للعبد الضعيف أنَّ السنَّة ما واطَبَ عليه النبيَُّ ﴿، لكنْ إنْ كانت لا مع
التركِ فهي دليلُ السَّةِ المؤكَّدة، وإنْ كانت مع التركِ أحياناً فهي دليلُ غيرِ المؤكَّدة، وإن اقترنت
بالإنكار على مَن لم يفعلْه فهي دليلُ الوجوبِ، فافهم هذا، فإنَّ به يحصلُ التوفيقُ)) اهـ.
قال: ((وهو غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّه سنَّةُ كفايةٍ، وتارِكُ المشروع كفايةً فرضاً كان أو سِنَّةً لا يُنكَرُ عليه؛ لأنّه
قد سقَطَ بفعل البعض)) اهـ "سندي".
(قولُهُ: قال في "البحر": وظاهرُ "الهداية" يخالفُهُ إلخ) فيه أَنَّه على ما قاله تحصُلُ المباينة بينه وبين ما هو
المشهور، وهو ما ذكرَهُ "الشارح" في تعريف السنّة، والأَولى في دفعٍ ظاهرِ المنافاة المأخوذةِ من "الهداية" أنْ يقال:
إنَّ مراده مع المواظبة، أي: ومع عدمِ الإنكار على مَن لم يفعلهما، فإنّها لا تدلُّ على الوجوب إلاَّ مع الإنكار،
ولم يَرِدْ في المضمضة والاستنشاق إنكارٌ على مَن لم يفعل، والمرادُ به الإنكارُ بالفعل على مَن ترَكَ بالفعل أو
يتركُ في المستقبل، وما في "البحر" اختراعٌ منه.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١.
(٢) "فتح المعين": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ٣٤/١-٣٥ باختصار.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٧/١.
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٧/١.
قسم العبادات
٣٤٨
حاشية ابن عابدين
وأورَدَ عليه في "البحر"(١) المباحَ بناءً على ما هو المنصورُ من أنَّ الأصل في الأشياء التوقُّفُ،
إلاَّ أنَّ الفقهاء كثيراً ما يَلهَحُون بأنَّ الأصل الإباحةُ.
قال في "النهر"(٢): ((وينبغي أنْ يقيَّدَ هذا بما إذا لم يكن ذلك الفعلُ المواظَبُ عليه مما اختصَّ وجوبُه
به عليه الصلاة والسلام، أمَّا إذا كان كصلاة الضُّحى فإنَّ عدم الإنكار على مَن لم يفعل لا يصحُّ
أنْ يُنَزَّلَ منزلةَ الترك، ولا بد أنْ يقيَّدَ التركُ بكونه لغير عذرِ كما في "التحرير"(٣) ليخرجَ المتروكُ
لعذرِ كالقيام المفروض، وكأنَّه إنما ترَكَهُ لأنَّ الترك لعذرٍ لا يُعَدُّ تركاً)) اهـ.
(٨٤٢] (قولُهُ: وأُورِدَ عليه إلخ) أي: على تعريف "الشُّمُنيّ"، وحاصلُهُ النقضُ بعدم المنع؛ لأَنّه
إذا كان الأصلُ في الأشياء التوقُّفَ - بمعنى عدمِ العلم بالحكمِ هل هو الإِباحةُ أو الحظرُ ؟ - لا تُعَلَمُ
إباحةُ المباح إلاَّ بقوله عليه السلام أو فعلِه، فيدخلُ في تعريف السنَّة، إلاَّ أنْ يُزادَ في التعريف: ولا
مباحٍ، قال "ط" (٤): (( وكذا يرِدُ المباحُ على القول بأنَّ الأصل الحظرُ)).
(٨٤٣] (قولُهُ: إلاَّ أنَّ الفقهاء إلخ) جوابٌ عن الإيرادِ، قال في "الصحاح"(٥): ((اللَّهَجُ بالشيء:
الولوعُ به، وقد لهِجَ بالكسرِ يلهَجُ لَهَجاً إذا غُرِيَ به)) اهـ. والمعنى: أَنَّهم ينطقون به كثيراً، "ط)" (٦).
(قولُهُ: وينبغي أنْ يُقَّدَ هذا بما إذا لم يكن إلخ) فيه أنَّ اختصاص الوجوبِ به عليه السَّلامُ مأخوذٌ
من دليلٍ آخرَ خارجيٍّ، لا من نفسِ المواظبة مع عدم الإنكار، حتَّى يقالُ: إنَّها في حقّهِ واجبةٌ مع أنّها
وُجِدَ فيها التركُ الحكميُّ، فنفسُ المواظبة مع التركِ الحكميِّ دليلُ السنّةِ في حقّنا وإنْ كانت في حقّهِ
واجبةً لدليلٍ آخرَ، لكنَّ قصده بقوله: ((وينبغي إلخ)) أنَّ الضُّحى واجبةٌ في حقّهِ مع أنّها داخلةٌ في
تعريف السنّة، فاحتاجَ لذكرِ هذا القيد، وعليه هي غيرُ داخلةٍ في تعريف الواجبِ والسّنّةِ المذكورين.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٧/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٥/أ بتصرف.
(٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الثالث في السنة صـ٣٣ -.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١.
(٥) "الصحاح": مادة ((لهج))، وعبارته: ((إذا أغري به))، وهما بمعنى.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١ باختصار.
الجزء الأول
٣٤٩
الوضوء وأحكامه
فالتعريفُ بناءٌ عليه.
مطلبٌ: المختارُ أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة
أقولُ: وصرَّحَ في "التحرير "(١): ((بأنَّ المختار أنَّ الأصل الإباحةُ عند الجمهور من الحنفيّة
والشافعيَّة)) اهـ.
وتِعَهُ تلميذه العلاَّمة "قاسمٌ"، وجَرَى عليه في "الهداية"(٢) من فصل الحِداد وفي "الخانَيَّةِ"(٣)
من أوائلِ الحظر والإباحة، وقال في "شرح التحرير"(٤): ((وهو قولُ معتزلةِ البصرة وكثيرٍ من
الشافعيَّة وأكثرِ الحنفيّة لا سيّما العراقيِّين، قالوا: وإليه أشار "محمدٌ" فيمَن هُدِّدَ بالقتل على أكل الميتة
٧١/١ أو شرب الخمر، فلم يفعلْ حتى قُتِلَ بقوله: خفتُ أنْ يكون آئماً؛ لأنَّ أكل الميتة وشربَ الخمر لم
يُحرَّما إلاَّ بالنهي عنهما، فجعَلَ الإِباحةَ أصلاً، والحرمةَ [١/ق٧٨/ب] بعارضِ النَّهي)) اهـ
ونقَلَ أيضاً أنَّه قولُ أكثرِ أصحابنا وأصحاب "الشافعيّ" الشيخُ "أكملُ الدين" في "شرح
أصول البزدوي"(٥)، وبه عُلِمَ أنَّ قول "الشارح" في باب استيلاء الكفار(٦): ((إنَّ الإباحة رأيُ
المعتزلة )) فيه نظرٌ، فتدبّر.
[٨٤٤] (قولُهُ: فالتعريفُ بناءٌ عليه) أي: على أنَّ الأصل الإباحةُ.
أقولُ: هذا الجوابُ نافعٌ فيما سكَتَ عنه الشارع، وبقي على الإباحة الأصليَّة، أمَّا ما نَصَّ
(قولُهُ: أمَّا ما نَصَّ على إباحتِهِ أو فعَلَهُ عليه السلام فلا ينفعُ) فيه أنَّ ما نَصَّ الشارعُ على إباحتِهِ أو فعَلَهُ
(١) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثاني في الحاكم صـ٢٣٥ -.
(٢) "الهداية": كتاب الطلاق - باب العدَّة ٣٢/٢.
(٣) "الخانية": ٤٠٠/٣ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "التقرير والتحبير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثاني ٩٩/٢.
(٥) المسمَّى بـ "التقرير": لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين البابرتي (ت ٧٨٦هـ) شرح "أصول فخر
الإسلام" البزدوي (ت٤٨٢ هـ). ("كشف الظنون" ١١٢/١، "الفوائد البهيّة" صـ١٩٥-).
(٦) المقولة [١٩٨٠٢]، قوله: ((لما أنَّ الصحيح إلخ)).
قسم العبادات
٣٥٠
حاشية ابن عابدين
(البدايةُ بالنَّةِ)
على إباحتهٍ، أو فعَلَّهُ عليه السلام فلا ينفعُ، وقد نصَّ في "التحرير "(١): ((على أنَّ المباح يُطلَقُ على متعلَّق
الإباحة الأصليّة كما يُطلَقُ على متعلَّقِ الإِباحة الشرعيّة))، فالأحسنُ في الجواب أنْ يقال: المرادُ بقوله في
التعريف: ((ما ثَبَتَ)) ثبوتُ طلبه لا ثبوتُ شرعيَّته، والمباحُ غيرُ مطلوبِ الفعل، وإنما هو مُخَّرٌ فيه.
[٨٤٥] (قولُهُ: البدايةُ) قيل: الصوابُ البداءةُ بالهمز، وفيه نظرً؛ فقد ذكَرَ في "القاموس"(٢) من
اليائِيِّ: ((بدَيتُ بالشيءٍ، وبدِيتُ: ابتدأتُ)) اهـ، أي: بفتح الدَّال وكسرها(٣).
مطلبٌ: الفرقُ بين النّيَّةِ والقَصْدِ والعَزْم
[٨٤٦] (قولُهُ: بالنَّةِ) بالتشديدِ، وقد تحقَّفُ، "قهستاني"(٤). وهي لغةً: عزمُ القلب على الشيءٍ،
واصطلاحاً - كما في "التلويح"(٥) - : ((قصدُ الطاعةِ والتقرُّبِ إلى الله تعالى في إيجاد(٦) الفعل))، ودخَلَ
فيه المنهيّاتُ، فإنَّ المكلَّف به الفعلُ الذي هو كفُّ النفس. ثم العزمُ والقصدُ والنَّةُ اسمٌ للإرادة الحادثة،
تثبتُ الإِباحةُ فيه بأنَّ الأصل في الأشياء الإباحة، ونصُّ الشارع أو فعلُهُ إنما أفادَ حقيقةَ تقريرِ الثابت بالأصل.
(قولُهُ: في إيجابِ الفعل) عبارةُ "البحر": ((إيجادٍ))، ثمَّ رأيتُ نسخةَ الخطّ كما في "البحر".
(قولُهُ: ودخَلَ فيه المنهيّاتُ) الضميرُ في ((فيه)) راجعٌ لإيجادِ الفعل كما هو في عبارة "البحر"، حيث قال:
((والراجحُ في الأصول أنَّه لا تكليفَ إلاَّ بفعلٍ، فهو في النهى كفُّ النفس))، فحينئذٍ دخَلَ في إيجادِ الفعل وإنْ
كان المتبادرُ من عبارته أَنَّه راجعٌ لتعريف النَّة، وأنَّ قوله: ((المنهيّاتُ)) أي: النَّةُ فيها، والقصدُ بما قَلَهُ دفعُ
الاعتراض بأنَّ الأصوب في التعريف توجُّهُ القلب نحوَ إيجادِ الفعل أو تر کِهِ.
(١) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثالث - مسألة: اختُلِفَ في لفظ المأمور به صـ٢٥٧ -.
(٢) "القاموس": مادة((بدي)).
(٣) في "د" زيادة: ((نعم، قال في "النهاية الحديثيَّة": يقال: بدِيْتُ بالشيء بكسر الدال، أي: بَدَأْتُ به، فلمَّا خفّفَ
الهمزةَ كسَرَ الدَّال، فانقلبت الهمزةُ ياءً وليس هو من بنات الياء. ا.هـ)).
(٤) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ١٩/١.
(٥) "التلويح": مسألة: لا بدَّ للمجاز من قرينةٍ ٩٣/١.
(٦) في "ب": ((إيجاب))، وهو خطأ، وما أثبتناه من "الأصل" و"آ" و"م" صريحُ عبارة "التلويح"، وكذلك نقلها عنه
صاحب "البحر"، وانظر "تقريرات الرافعي".
الجزء الأول
٣٥١
الوضوء وأحكامه
أي: نَّةِ عبادةٍ لا تصحُّ إلاَّ بالطهارة.
لكنَّ العزمَ المتقدّمُ على الفعلِ، والقصدَ المقترنُ به، والنَّةَ المقترنُ به مع دخوله تحت العِلم بالمنويِّ، وتمامُه
في "البحر"(١).
مطلبٌ: الفرقُ بين الطَّاعة والقُربة والعبادة
[٨٤٧] (قولُهُ: أي: نَّةِ عبادةٍ) الأَولى التعبيرُ بالطاعة ليشمل نحوَ مسِّ المصحف، فقد ذكَّرَ شيخ
الإسلام "زكريّا": ((أنَّ الطاعة: فعلُ ما يثابُ عليه، توقَّفَ على نَّةٍ أَوْ لا، عُرِفَ مَن يفعلُهُ لأجله أوْ لا.
والقربةَ: فعلُ ما يثابُ عليه بعد معرفةٍ مَن يتقرَّبُ إليه به وإنْ لم يتوقَّفْ على نَّةٍ. والعبادةَ: ما يثابُ على
فعله ويتوقَّفُ على نيةٍ، فنحوُ الصلوات الخمس والصوم والزَّكاة والحجِّ مِن كلِّ ما يتوقّفُ على النَّةِ قربةٌ
وطاعةٌ وعبادةٌ، وقراءةُ القرآن والوقفُ والعِقُ والصدقةُ ونحوُها مما لا يتوقَّفُ على نَّةٍ قربةٌ وطاعةٌ لا
عبادةٌ، والنظرُ المؤدِّي إلى معرفة الله تعالى طاعةٌ لاقربةٌ ولا عبادةٌ)) اهـ.
وقواعدُ مذهبنا [١/ق٧٩/أ] لا تأباهُ، "حموي"(٢). وإِنما لم يكن النظرُ قربةً لعدم المعرفة
بالمتقرَّب إليه؛ لأنَّ المعرفة تحصلُ بعده، ولا عبادةً لعدم التوقُّفِ على النَّة.
[٨٤٨] (قولُهُ: لا تصحُّ) الأولى: لاتحلُّ كما في "الفتح"(٣) ليشملَ مثلَ مسِّ المصحف والطواف. اهـ
" "(٤) .
ح
(قولُهُ: والنَّةَ المقترنُ به) لا يصحُّ هذا هنا لِما أَنَّه لا يُشترَطُ المقارنةُ كما يأتي له، كذا في "السِّنديّ"
نقلاً عن "الرَّحمتيِّ".
(قولُهُ: وقواعدُ مذهبنا لا تأباه) سيأتي له في التيمُمِ عدُّ القراءةِ عبادةً مقصودةً إلاَّ أنَّها تحلُّ بدون
طهارةٍ، وعدُّ دخولِ المسجد عبادةً إلاَّ أنَّها غيرُ مقصودةٍ، وكذا مسُّ المصحفِ والسَّلامُ وردُّهُ وزيارةُ
القبور، إلاَّ أنَّها لا تتوقّفُ على الطهارة مع كونها مقصودةً، وكذلك لـ "الشارح" في أوَّلِ النكاح عدُّ
النكاح والأيمان من العبادات، والظاهرُ أنَّ ما قالَهُ "شيخ الإسلام" لا يُوافِقُ كلامَ أهل المذهب، تأمَّل.
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ٢٥/١.
(٢) "غمز عيون البصائر": الفنُّ الأوَّل ـ القاعدة الأولى ٧٨/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٨/١.
(٤) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
قسم العبادات
٣٥٢
حاشية ابن عابدين
كوضوءٍ، أو رفعٍ حدثٍ، أو امتثالِ أمرٍ،
وفيه أنّه لو قصَدَ مسَّ المصحف لم يكن آتياً بالسنّة كما أَنَّه لو تيمَّمَ له لم تجرْ له الصلاةُ به، فإِنَّ النَّة
المسنونة في الوضوء هي المشروطةُ في التيمُم، كذا في "حاشية" شيخ مشايخنا "الرحمتيّ"(١).
وبيانُهُ: أنَّ الصلاة تصحُّ عندنا بالوضوء ولو لم يكن منويّاً بخلاف النيمُمِ (٢)، وإنما تسنُّ النَّة
في الوضوء ليكون عبادةً، فإنَّه بدونها لا يسمَّى عبادةً مأموراً بها كما يأتي(٣) وإِنْ صحَّت به
الصلاةُ بخلاف التيمُّم، فإنَّ النَّة شرطٌ لصحَّةِ الصلاة به، فالنيَّةُ في الوضوء شرطٌ لكونه عبادةً، وفي
التيمُّم شرطٌ لصحَّة الصلاة به، ولَمَّا لم تصحَّ الصلاةُ بالتيمُّم المنويِّ به استباحةُ مسِّ المصحفِ عُلِمَ
أنَّ الوضوء المنويَّ به ذلك ليسَ عبادةً، لكنْ قد يقال: لا يلزمُ من عدم صحَّة الصلاة بالتيمُّم
المذكورِ عدمُ كونِ ذلك الوضوءِ عبادةً؛ لأنَّ صحَّة الصلاةِ أقوى، على أنَّ طهارة التيمُّم
ضروريَّةٌ(٤)، فيحتاطُ في شروطها، ولذا شرطوا في التيمُّمِ نَّةَ عبادةٍ مقصودةٍ.
وظاهرُ كلامهم هنا أنَّ كون العبادة مقصودةً غيرُ شرطٍ في النَّةِ المسنونة للوضوء، فيدخلُ مثلُ
مسِّ المصحف، والله تعالى أعلم.
[٨٤٩] (قولُهُ: كوضوءِ إلخ) فيه أنَّ الوضوء ورفع الحدث ليسا عبادةً لعدم توقُّقهما على النَّةِ
عندنا، بل هما قربةٌ وطاعةٌ كما علمتَ، على أنَّهما ليسا مما لا يحلُّ إلاَّ بالطهارة كما أفاده
"ح "(٥)؛ لأنَّ الوضوء عينُ الطهارة ورفع الحدث، وكذا امتثالُ الأمر بالوضوء لازِمانٍ من لوازمٍ
وجودها، فقوله: ((كوضوءٍ)) ليس تمثيلاً للعبادة، بل تنظيرٌ للمنويِّ، ولا يخفى أنَّ الأصوب أنْ
يقول: أو وضوءٍ بالعطف على ((عبادةٍ)).
(١) حاشية أبي البركات مصطفى بن محمد بن رحمة الله، زين الدين الشهير بالرحمتي الأيّوبي الأنصاري الدمشقي
(ت ١٢٠٥ هـ) على "الدر المختار شرح تنوير الأبصار". ("حلية البشر" ١٥٣٦/٣، "الأعلام" ٢٤١/٧).
(٢) ((بخلاف التيمم)) ليست في "ب" و"م".
(٣) المقولة [٨٥٠] قوله: ((وصَّرحوا بأنّه بدونها)).
(٤) من ((ذلك الوضوء)) إلى ((ضرورية)) ساقط من "آ".
(٥) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
الجزء الأول
٣٥٣
الوضوء وأحكامه
وما ذكَرَهُ من الاكتفاء بنيّة الوضوء هو ما جزَمَ به في "الفتح"(١)، وَأَيَّدَهُ في "البحر"(٢) و"النهر "(٣)،
حيثُ ذكَرَ(٤): ((أَنَّ المستفادَ من كلامهم أنَّ نَّة الطهارة لا تكفي في تحصيل السنَّةِ، وكأَنه لأنّها
متنوّعةٌ إلى إزالة الحدث والخبث، فلم ينوِ خصوصَ [١/ق٧٩/ب] الطهارة الصغرى، فعلى هذا لو نوى
الوضوءَ كفى؛ لأَنَّه ورفعَ الحدثِ سواءٌ، بل هو أخصُّ منه؛ لأنَّ رفع الحدث يشملُ الغُسلَ، فكان
الوضوءُ أَولى)) اهـ.
لا يقال: تنوُّعُ رفع الحدث إلى الوضوء والغُسل يقتضي أنْ يكون كالطهارة؛ لأَنَّا تقول: تنوّعُه لا
يضرُّ؛ لأنَّ الغُسل في ضمنه وضوءٌ، فلم يكن ناوياً خلافَ ما أراد بخلاف تنوُّعِ الطهارة، فافهم.
وقد مشَى "القدوريُّ" في "مختصره"(٥) على الاكتفاء بنيَّة الطهارة، ووافَقَهُ في "السِّراج"(٦)، لكنَّ
ظاهر كلام "الزيلعيّ)(٧) أَنَّه خلافُ المذهب، وفي "الأشباه"(٨): ((وعند البعض نيّةُ الطهارة تكفي)).
أقولُ: ويؤيِّدُه ما في تيمُّم "البدائع"(٩) عن "القدوريّ": ((الصحيحُ من المذهب أَنَّه إذا نوى
الطهارةَ أجزأه))، وجزَمَ به في "البحر"(١٠) هناك، لكنْ يُفرَّقُ بأنَّ الطهارة بالتراب لا تتنوّعُ بخلافها بالماء،
٧٢/١ وذكَرَ في "البحر"(١١) هناك أيضاً: ((أَنَّ نَّة التيمُّم لا تكفي لصحَّته على المذهب خلافاً لِما في
"النوادر"، ولا اعتمادَ عليه، بل المعتمدُ اشتراطُ نَّةٍ مخصوصةٍ)) اهـ.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٨/١.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٢٥/١.
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ٦/ب.
(٤) أي: صاحب "الفتح".
(٥) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٦) "السراج الوهاج": كتاب الطهارة ١/ق ١١/ب.
(٧) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٥/١.
(٨) "الأشباه والنظائر": القاعدة الثانية في بيان تعيين المنويِّ وعدم تعيينه صـ٣١ -.
(٩) "البدائع": كتاب الطهارة ٥٢/١ باختصار.
(١٠) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥١/١.
(١١) "البحر": كتاب الطهارة - باب التيمم ١٥٨/١ - ١٥٩.
قسم العبادات
٣٥٤
حاشية ابن عابدين
ولعلَّ الفرق بين النيمُّمِ والوضوءِ أنَّ كلَّ وضوءٍ تصحُّ به الصلاةُ بخلاف التيمُّم، فإنَّ منه ما لا
تصحُّ به الصلاةُ كالتيمُّم لمسِّ مصحفٍ، فلذا لم تصحَّ نّة التيمُم المطلق، تأمَّل.
هذا، وأورَدَ في "البحر"(١) على قوله: ((أو امتثالِ أمرٍ)): ((أَنّه لا يتأَّى قبل دخول الوقت؛
إذ ليس مأموراً به، إلاَّ أنْ يقال: إنَّالوضوء لا يكونُ نفلاً؛ لأَنَّه شرطٌ للصلاة، وشرطُها فرضٌ، ولا يخفى
ما فيه)) اهـ.
وأجاب "ط"(٢): ((بأنَّه مأمورٌ به على طريق الندب قبل الوقت، وهو إحدى الثلاثِ التي
المندوبُ فيها أفضلُ من الفرض(٣)) اهـ.
أقولُ: وعلى القول بأنَّ سبب وجوبه الحدثُ يكونُ مأموراً به قبل الوقت وجوباً موسَّعاً إلى
القيام إلى الصلاة كما سَبَقَ تقريرُه(٤).
بقي هنا شيءٌ، وهو أنَّه إذا أرادَ تجديدَ الوضوء لا ينوي إزالةَ الحدث ولا إباحةَ الصلاةِ، ويمكنُ
دفعُه بأنْ ينويَ التجديدَ، فإنَّه مندوبٌ إليه، فيكونُ عبادةً كما في "شرح الشيخ إسماعيل(٥) عن
"شرح البِرْجَنَديّ" (٦).
أقولُ: فيه أنَّ التجديد ليس عبادةً لا تحلُّ إلاَّ بالطهارة، فالأحسنُ أنْ يقال: إنَّه ينوي الوضوءَ
بناءً على أنَّ نَتُهُ تكفي، أو ينوي امتثالَ الأمر؛ لأنَّ المندوب [١/ق٨٠/أ] مأمورٌ به حقيقةً أو مجازاً
على الخلاف بين الأصولِّين.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٢٥/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٦/١.
(٣) سيأتي ذكرُ هذه المسائل الثلاث مفصّلةً ومنظومةٌ صـ٤١٨- وما بعدها.
(٤) المقولة [٦٠٠] قوله: ((وقيل: سببها الحدث)).
(٥) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٥١/أ.
(٦) شرح عبد العلي بن محمد بن حسين البرْجَندي(ت بعد ٩٣٢هـ) على "النقاية مختصر الوقاية" لعبيد الله بن مسعود، صدر
الشريعة الأصغر المحبوبي (ت٧٤٧هـ). ("كشف الظنون" ١٩٧١/٢، "الفوائد البهيّة" صـ١٠٩-، "هديَّة العارفين" ٥٨٦/١،
"الأعلام" ٣٠/٤).
الجزء الأول
٣٥٥
الوضوء وأحكامه
وصرَّحُوا بأنَّه بدونها ليس بعبادةٍ، ويأثمُ بتركها،.
[٨٥٠] (قولُهُ: وصرَّحُوا بأَنَّه بدونِها) أي: الوضوءَ بدون النَّةِ ليس عبادةً، وذلك كأنْ دخَلَ الماءُ
مدفوعاً أو مختاراً لقصد التبرُّدِ أو لمجرَّدِ إزالة الوسخ كما في "الفتح"(١)، قال في "النهر"(٢): ((لا نزاعَ
لأصحابنا - أي: مع "الشافعيِّ" - في أنَّ الوضوء المأمورَ به لا يصحُّ بدون النَّةِ، إنما نزاعُهم في توقُّفٍ
الصلاة على الوضوء المأمورِ به، وأشار "أبو الحسن" الكرخيُّ إلى هذا، وقال "الدَّبُوسيُّ" في
"أسراره"(٣): وكثيرٌ من مشايخنا يظُون أنَّ المأمور به مِن الوضوء يتأدَّى من غير نيَّةٍ، وهذا غلطٌ، فإنَّ
المأمور عبادةٌ، والوضوءُ بغيرِ نَّةٍ ليس بعبادةٍ، وفي "مبسوط شيخ الإسلام"(٤): لا كلامَ في أنَّ الوضوء
المأمور به لا يحصلُ بدون النَّة، لكنَّ صحَّةَ الصلاة لا تتوقّفُ عليه؛ لأنَّ الوضوء المأمور به غيرُ
مقصودٍ، وإنما المقصودُ الطهارةُ، وهي تحصلُ بالمأمور به وغيره؛ لأنَّ الماء مطهِّرٌ بالطَّع )) اهـ
[٨٥١] (قولُ: ويأثمُ بتركِها) أي: إثماً يسيراً كما قدَّمناه(٥) عن "الكشف"، والمرادُ التركُ بلا
عذرٍ على سبيل الإصرار كما قدَّمناه(٦) أيضاً عن "شرح التحرير"، وذلك لأنّها سنةٌ مؤكّدةٌ
المواظبته ◌َ ﴿ عليها كما حقَّقَهُ في "الفتح"(٧) رادًا على "القدوريِّ"(٨) حيث جعَلَها مستحبَّةً.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٨/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/ب.
(٣) "الأسرار": لأبي زيد عبيد الله أو عبد الله بن عمر بن عيسى الدَّبُوسي البخاري(ت ٤٣٠ هـ). ("كشف الظنون" ٨٤/١،
"الجواهر المضيَّة" ٤٩٩/٢).
(٤) "المبسوط": لأبي بكر محمد بن الحسين بن محمد، شيخ الإسلام المعروف بيكر خواهر زاده البخاري(ت٤٨٣هـ)، و"مبسوطه"
شرح لـ "مبسوط الإمام محمد" ممزوجاً به ويسمى "المبسوط الكبير". ("كشف الظنون" ١٥٨٠/٢ - ١٥٨١، "الفوائد البهيّة"
صـ ١٦٣-). وتقدم كلام المؤلف عليه صـ٢٢٧ - في المقولة [٤٦٧] قوله: ((في الروايات الظاهرة)).
(٥) المقولة [٨٣٤] قوله: ((ويلام)).
(٦) المقولة [٨٣٤] قوله: ((ويلام)).
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات ٢٧/١ - ٢٨.
(٨) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الطهارة ١٠/١.
قسم العبادات
٣٥٦
حاشية ابن عابدين
وبأنّها فرضٌ في الوضوء المأمورِ به، وفي التوصُّؤِ بسؤر حمارٍ.
[٨٥٢] (قولُهُ: وبأنّها فرضٌ إلخ) الصوابُ أنْ يقال: وبأنّها شرطٌ في كون الوضوء عبادةً
لا مفتاحاً للصلاة، فإنَّ تاركَ النَّةِ لا يعاقَبُ عقابَ ترك الفرض، وانتفاءُ اللازم يستلزِمُ انتفاءَ الملزوم،
والشرطُ لا يكونُ فرضاً إلاَّ إذا كان شرطَ الصحَّةِ، وهذا ليس كذلك، بل هو شرطٌ في كون
الوضوء عبادةً فقط. اهـ "ح"(١).
يؤيِّدُه: أنَّ آية الوضوء لا دلالةَ لها على اشتراط النَّةِ كما حقَّقَهُ العلاَّمة "ابنُ الكمال" في
"شرحه"(٢) على "الهداية"، ونقّلَهُ عنه "الحمَويُّ" في "حاشية الأشباه"(٣)، وفي "البحر "(٤).
((وليست النيّةُ بشرطٍ في كون الوضوء مفتاحاً للصلاة، إنما هي شرطٌ في كونه سباً للثواب على
الأصحِّ، وقيل: يثابُ(٥) بغيرِ نَّةٍ )) اهـ.
(٨٥٣) (قولُهُ: بسؤرِ حمارٍ) نقَلَهُ في "البحر"(٦) عن "شرح المجمع" و "الوقاية)(٧) معزيًّاً "للكفاية (٨)
(قولُهُ: يؤِّدُهُ أنَّ آية الوضوء لا دلالةَ لها إلخ) ونقَلَ "السِّنديُّ" عن "الحانوتيّ" نقلاً عن "ابن الكمال":
(١) "ح": كتاب الطهارة ق ٨/ب.
(٢) شرح أحمد بن سليمان، شمس الدين المعروف بابن كمال باشا الرُّوْمي (ت ٩٤٠هـ) على "هداية" المرغيناني.
("كشف الظنون" ٢٠٣٧/٢، "الشقائق النعمانية" صـ ٢٢٦ -، "الطبقات السنية" ٣٥٥/١).
. (٣) "غمز عيون البصائر": القواعد الكليّة ٥٨/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٢٥/١ - ٢٦.
(٥) ((يثاب)) ساقطة من "آ".
(٦) "البحر" : كتاب الطهارة ٢٥/١.
(٧) الذي في "البحر": ((النقاية))، ولم نجد هذه المسألة: ((فرضيَّةَ النَّةِ للتوضُّؤْ بسؤر الحمار)) في "الوقاية" ولا في
"النقاية" ولا في "الكفاية".
وفي "السعاية في كشف ما في شرح الوقاية" للعلامة اللكنوي: سنن الوضوء صـ١٤١ -: ((والنَّةُ شرطٌ في المقاصد من العبادات،
وكذا في التيمُّم، والوضوء بنبيذ التمر وسؤر الحمار كما ذكره في "الأشباه" و"المجتبى"))، وفيها أيضاً من باب الأسار صـ٤٨٦ -:
((وفي "الخلاصة": هل يشترط النيّةُ في التوضِّي بسؤر الحمار؟ اختلَفَ المشايخُ فيه، والأحوطُ أن ينوي)). ا.هـ و"وقاية الرواية في
مسائل الهداية" هي لمحمود بن أحمد بن عبيد الله، تاج الشريعة المحبوبي. ("كشف الظنون" ٢٠٢٠/٢، "الفوائد البيهة" صـ٢٠٧-).
(٨) لم نعثر عليها في مظانها من "كفاية الكرلاني".
الجزء الأول
٣٥٧
الوضوء وأحكامه
ونبيذ تمرٍ كالتيمُّم، وبأنَّ وقتها عند غَسلِ الوجهِ، وفي "الأشباه": ((ينبغي أنْ تكونَ عند
غَسلِ اليدين للرسغين لينالَ ثوابَ السُّنن))
وفي "الفتح"(١): ((واختلفوا في النَّةِ بالتوضُّؤٍ به، والأحوطُ أن ينوي)) اهـ.
والظاهرُ أنَّ المراد أنَّ الأحوطَ القولُ بلزومِ النَّةِ، تأمَّل.
[٨٥٤] (قولُهُ: ونبيذٍ تمٍ) [١/ق٨٠/ب] أي: على القول الضعيف بجواز الوضوء به، فهو كالتيمُّم؛
لأَنّه بدلٌ عن الماء، حتى لا يجوزُ به حالَ وجود الماء، وينتقِضُ به إذا وُجِدَ، ذكَرَهُ "القدوريُّ" في
"شرحه"(٢) عن أصحابنا، "فتح"(٣).
والظاهرُ أنَّ العَلَّة في سؤرِ الحمار كذلك؛ لأَنَّه إنما يُتُوضَّأَ به مع التيمُم عند فَقْدِ الماءِ كما يأتي(٤).
[٨٥٥] (قولُهُ: وبأنَّ وقتها) معطوفٌ على قوله: (( بأَنَّه بدونها)).
[٨٥٦] (قولُهُ: ينبغي أنْ تكون) أي: النَّةُ، والذي رأيْتُه في "الأشباه"(٥): (( يكونُ)) بالياء
التحتيّة، أي: يكونُ وقُها.
((أنَّ التحقيق أنَّ الوضوء المأمورَ به يتأدَّى بدون نَّةٍ))، وبَّنَ ذلك أَتَمَّ بيانٍ فانظره، وقال "الفتَّال": ((هو تحقيقٌ
بالقبول حقيقٌ)) اهـ. ووجهُ التأييدِ أنَّ "ابن كمالٍ" إنما نَفَى اشتراط النَّةِ لا فرضيَّتَها، وكذلك في "البحر" إنما
أُثْبَتَ كونَها شرطاً في كونه سباً للثواب.
(قولُ "الشارح": وفي "الأشباه": ينبغي أنْ تكون إلخ) الذي ظهَرَ أَنَّه لا تنافيَ بين ما صرَّحُوا به وما بحَثَهُ في
"الأشباه" ونقَلَهُ "القُهُستانيُّ"، وذلك أنَّ ما صرَّحُوا به إنما هو في بيانِ وقتها بالنسبة لتحصيلِ الوضوء المأمورِ به المشروطِ
فيه النَُّ، ومعناه أنّه لا يتوقَّفُ كونُهُ عبادةٌ مأموراً بها إلاَّ على الإتيانِ بها عند غَسلِ الوجه، ولا يُشترَطُ الإتيانُ بها قبل
سائر السنن، وما بحَثَّهُ في "الأشباه" ونقلَهُ "القُهُستانيُّ" إنما هو في وقتها بالنسبةِ لتحصيل ثوابِ السنن أيضاً.
(١) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الأسار وغيرها ١٠٢/١.
(٢) هو شرح أبي الحسين أحمد بن محمد القُدوري البغدادي(ت٤٢٨هـ) على مختصر أبي الحسن عبيد الله بن الحسين
الكرخي(ت٣٤٠ هـ). ("كشف الظنون"١٦٣٤/٢، "الجواهر المضية" ٢٤٧/١، ٤٩٣/٢).
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات - فصل في الأسآر وغيرها ١٠٦/١.
(٤) المقولة [١٩٩٤] قوله: ((إن فقد الماء مطلقاً)).
(٥) "الأشباه والنظائر": القاعدة الثانية: وقت النيّة صـ٤٤-، والذي في نسختنا: ((تكون)) بالتاء موافقاً لما في "الدر".
قسم العبادات
٣٥٨
حاشية ابن عابدين
قلت: لكنْ في "القُهُستانيِ)(١): ((ومحلّها قبلَ سائر السنن كما في "التحفة"، فلا تسنُّ عندنا
قبيلَ غسلِ الوجهِ كما تُفْرَضُ عند "الشافعيّ")) اهـ. وفيها: ((سبعُ سؤالاتٍ مشهورةٍ نظَمَها
"العراقيُّ" فقال:
[ مطلب: يستعمل الفقهاء كلمة ((ينبغي)) في مقام البحث فيما لا نقل فيه ]
فعلى الأوَّلِ ((ينبغي)) بمعنى يُطلَبُ، وعلى الثاني هي ما يستعملُها العلماءُ في مقام البحث
فيما لا نقلَ فيه، وهو المتبادِرُ من "الأشباه".
[٨٥٧] (قولُهُ: قلتُ لكنْ إلخ) استدراكٌ على "الأشباهِ" بأنَّ ما بحثَهُ منقولٌ كما
ذكَرَهُ "الحمَويُّ"(٢)، والأظهرُ أَنَّه استدراكٌ على قوله: ((عند غَسلِ الوجهِ))، قال في
"إمداد الفتاح"(٣): ((وأمَّا وقتُها فعند ابتداءِ الوضوء، حتى قبلَ الاستنجاء )) اهـ. أي:
لأنَّ الاستنجاء من سنن الوضوء، بل مِن أقوى سُنِنِه كما صرَّحُوا به، ولهذا قيل: كان
ينبغي ذکرُه هنا.
مطلبٌ: ((سائر)) بمعنى ((باقي)) لا بمعنى ((جميع))
[٨٥٨] (قولُهُ: قبلَ سائرِ السُّنْنِ) ((سائرٌ)) هنا بمعنى باقي، لا بمعنى جميع، وإلاَّ لكانَ محلُّها قبل
نفسها. اهـ "ح"(٤). وأفادَ في "القاموس"(٥): ((أنَّ استعمالَهُ بالمعنى الثاني وهمٌ أو قليلٌ)).
[٨٥٩] (قولُهُ: فلا تُسنُّ إلخ) حاصله أَنَّه ليس محلُّ سَّتها عندنا هو محلَّ فرضيّتها عند "الشافعيِّ"
الذي هو قبيل غَسلِ الوجه.
(قولُهُ: فعلى الأوَّلِ ينبغي بمعنى يُطلَبُ إلخ) المتبادِرُ من صيغةِ (( ينبغي)) هو المعنى الثاني سواءٌ كان الفعلُ
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ١٩/١.
(٢) "غمز عيون البصائر": الفن الأوَّل ـ القاعدة الثانية - الموضع العاشر في شروط النيّة ١٥٥/١.
(٣) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء ق ٢٨/ب.
(٤) "ح": كتاب الطهارة ق ٨/أ.
(٥) "القاموس": مادة ((سار)).
الجزء الأول
٣٥٩
الوضوء وأحكامه
سبعُ سؤالاتٍ لذي الفهمِ أَتَّتْ تُحكَى لكلِّ عالِمٍ في النّةْ
.....
حقيقةٌ حكمٌ محلٌّ.
[٨٦٠] (قولُهُ: لذي الفهم) أي: الإدراكِ، متعلّقٌ بقوله: ((أتتْ))، أو بقوله: ((تُحكَى)) أي:
تُذكَرُ، أو بـ ((سؤالاتٍ))، أو حالِ منهُ، ومثلُهُ قوله: ((فِي النَّة))، لكنْ يزيدُ عليه جوازُ تعليقِهِ
بـ ((عالِمٍ)) على أنَّ ((في)) بمعنى الباء.
[٨٦١] (قولُهُ: حقيقةٌ) قدَّمنا (١) بيانَ حقيقتها لغةً واصطلاحاً.
٧٣/١
[٨٦٢] (قولُهُ: حكمٌ) هو أنَّها سنةٌ في الوضوء والغُسل، وشرطٌ في المقاصِدِ من العبادات كالصلاة
والزَّكاة، وفي التيمُم، وفي الوضوء بنيذ النَّمر وسُؤر الحمار، وفي نحوِ الكفَّارات، وفي صيرورة للنّويِّ بها عبادةٌ.
[٨٦٣] (قولُهُ: محلٌّ هو القلبُ، فلا يكفي التلفُّظُ باللسان دونَه، إلاَّ أنْ لا يقدرَ أنْ يحضرَ قلبَه
لينويَ به، أو يشكَّ في النَّة فيكفيه اللسانُ(٢)، وهل يستحبُّ التلفُّظُ بها أو يسنُّ أو يكرهُ(٣)؟ فيه
أقوالٌ، اختارَ في "الهداية"(٤) الأوَّلَ لمن لا تجتمعُ عزيمتُه، وفي "الفتح"(٥): ((لم يُنقَلْ عن(٦) "النبي" و ◌َ"
وأصحابِه التلفُّظُ بها لا في حديثٍ صحيحٍ ولا في ضعيفٍ))، [١ /ق ٨١/أ] وزاد "ابن أمير حاج"(٧).
(( ولا عن "الأئمَّة الأربعة"))، وتمامُهُ في "الأشباه"(٨) في بحث النَّة.
بعدها بالتاء أو الياء، والتاء لا تُعِّنُ أنَّها بمعنى يُطلَبُ، وأَنَّها ليست مستعملةً في مقامِ البحث، تأمَّل.
(١) المقولة [٨٤٦] قوله: ((بالنية)).
(٢) من ((إلاّ أنْ لا يقدر .. )) إلى هنا نقَلَهُ في "الأشباه" عن "القنية" و"المجتبى".
(٣) تقدَّمَ تفصيلُ هذه المسألة في المقولة [٥٤٩] قوله: ((تكفيه النية بلسانه))، وسيأتي في المقولة [٢٦٧٣] قوله: ((فيكفيه)).
(٤) "الهداية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٤٥/١.
(٥) "الفتح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ٢٣٢/١ بتصرف.
(٦) في "ب": ((على))، وهو تحريف.
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - السادس: النيّة ٢/ق ٤١/أ.
(٨) انظر "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأوَّل - القاعدة الثانية - المبحث التاسع - صـ٤٦- وما بعدها.
قسم العبادات
٣٦٠
حاشية ابن عابدين
.زمنٌ
وشرطُها والقصدُ والكيفيَّةُ)).
(و) البداءةُ (بالتسمية)
[٨٦٤] (قولُهُ: زمنٌ) هو أوَّلُ العبادات ولو حكماً كما لو نوى الصلاةَ في بيته، ثم حضَرَ
المسجدَ وافتتحَ الصلاةَ بتلك النَّةِ بلا فاصلٍ يَمنعُ البناءَ، وكنَّة الزكاة عند عزلِ ما وجَبَ، ونَّةِ الصوم
عند الغروب، والحجِّ عند الإحرام كما بسَطَهُ في "الأشباه"(١).
[٨٦٥] (قولُهُ: وشرطُها)(٢) هو الإِسلامُ والتمييزُ والعلمُ بالمنويِّ، وأنْ لا يأتيَ بمنافٍ بين
النَّةِ والمنويِّ، وبيانُه في "الأشباه"(٣).
[٨٦٦] (قولُهُ: والقصدُ) أي: المقصودُ منها، مصدرٌ بمعنى اسم المفعول، قال في "الأشباه"(٤): ((قالوا:
المقصودُ منها تميزُ العبادات من العادات، وتميزُ بعض العبادات عن بعضٍ(٥) كالإمساك عن المفطرات،
قد يكونُ حِمْيَةً، أو لعدم الحاجة إليه، فما لايكون عادةً، أو لا يلتبسُ بغيره لا تشترطُ كالإِيمان بالله
تعالى، والمعرفةِ، والخوفِ، والرجاء، والنّة، وقراءة القرآن، والأذكار، والأذان)).
[٨٦٧] (قولُهُ: والكيفيَّة) أي: الهيئةُ، وهو منسوبٌ لكيفَ اسمِ الاستفهام؛ لأنَّها من شأنها أنْ
يُسألَ بها عن حال الأشياء، فما يُجابُ به يقالُ فيه كيفيَّةٌ، فهي الهيئةُ التي يجابُ بها السائلُ عن حالٍ
شيءٍ بقوله: كيف هو؟ كقوله: كيفَ زيدٌ؟ فتقول: صحيحٌ، أو سقيمٌ، فيقالُ هنا: ينوي في الوضوء
والغُسل والتيمُّم استباحةَ ما لا يحلُّ إلاَّ بالطهارة أو رفعَ الحدثِ مثلاً، هذا ما ظهَرَ لي، ثمَّ رأيتُ نحوَهُ
في "الإمداد"(٦)، فافهم(٧).
(١) انظر "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأوَّل ـ القاعدة الثانية - المبحث السابع - صـ٤٣- وما بعدها.
(٢) هذه المقولةُ ساقطةٌ من "آ".
(٣) انظر "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأوَّل ـ القاعدة الثانية - المبحث العاشر صـ٥٢ - وما بعدها.
(٤) "الأشباه والنظائر": الفنُّ الأوَّل - القاعدة الثانية - المبحث الثاني صـ ٢٤-٢٥- بتصرف.
(٥) نقَلَهُ في "الأشباه" عن "البناية" و"فتح القدير".
(٦) "الإمداد": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء ق ٢٩/ب
(٧) في "د" زيادة: ((قولُهُ: والبداءةُ بالتسميةِ، وقيل: هي مستحبّةٌ، وصحيحة في "البداية"، وكان سنده مُضَعَّف الحديث،
لكنَّ كثرة طرق الحديث ترقّيه إلى الحسن، فلذا ذهَبَ كثيرٌ إلى سنَّتِها كالمؤلّف وغيره، ورجَّحَهُ "العينيُّ" وصحَّحَهُ)).
الجزء الأول
٣٦١
الوضوء وأحكامه
قولاً، وتحصُلُ بكلِّ ذكر، لكنَّ الوارد عنه عليه الصلاة والسلام: ((باسمِ الله العظيم،
والحمدُ لله على دين الإسلام)) (قبلَ الاستنجاء ...
[٨٦٨] (قولُهُ: قولاً) أشارَ به إلى أَنَّه لا تنافيَ بين سنَّةِ الابتداء بها وبالنّيَّة وبِغَسل اليدين؛ لأنَّ النَّةَ
محلُّها القلبُ، والتسميةَ محلُّها اللسانُ، وغَسلَ اليدين بالفعل، أفاده "ط)) (١). لكنْ في "الشرنبلاليّة"(٢): ((أَنَّ
مراعاةَ استحباب التلفّظ بالنّة يُقَوِّتُ البدءَ بالتسمية حقيقةً، فيكونُ إضافياً)) اهـ.
[٨٦٩] (قولُهُ: وتحصُلُ بكلِّ ذكرٍ) فلو كبَّرَ أو هلَّلَ أو حمِدَ كان مُقيماً للسنَّةُ(٣)، يعني
الأصلها، وكمالُها بما يأتي، أفاده في "النهر "(٤).
[٨٧٠] (قولُهُ: لكنَّ الواردَ إلخ) قال في "الفتح "(٥): ((لفظُها المنقولُ عن السلف - وقيل: عن
النبِّ ◌َ﴿ّ -: بسم الله العظيم، والحمدُ لله على الإسلام، وقيل: الأفضلُ بسم الله الرحمن الرحيم بعد
التعوُّذِ، وفي "المحتبى": يُحمَعُ بينهما)) اهـ.
وفي "شرح الهداية"(٦) لـ "العينيّ": ((المرويُّ عن رسول الله ﴿ [١/ق٨١/ب]: ((بسم الله، والحمدُ
لله))، رواه "الطبرانيُّ(٧) في "الصغير" عن "أبي هريرةً" يإسنادٍ حسنٍ)) اهـ.
[٨٧١] (قولُهُ: قبلَ الاستنجاءِ) لأَنَّه من الوضوء، والبداءةُ في الوضوء شُرِعتْ بالتسمية، "حلبة "(٨).
(قولُهُ: لأَنَّه من الوضوءِ، والبداءةُ بالوضوء إلخ) مُفادُ هذا التعليلِ أَنَّه إذا لم يَقصِد الوضوءَ لا يُسَنُّ الغسلُ
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٧/١.
(٢) "الشرنبلالية": كتاب الطهارة ١٠/١ (هامش " الدرر والغرر").
(٣) نقلاً عن "المحيط" كما في "النهر".
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ٥/ب.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات ١٩/١.
(٦) المسمى بـ "البناية": كتاب الطهارات ١٣٩/١. لأبي محمد وأبي الثناء محمود بن أحمد بدر الدين الحلبيّ العَيْني ثم القاهريّ
(ت ٨٥٥هـ) شرح "هداية المرغيناني". ("كشف الظنون" ٢٠٣٥/٢، "الضوء اللامع" ١٣١/١٠، "الفوائد البهية" ص ٢٠٧-).
(٧) "المعجم الصغير" ١٣١/١ -١٣٢ برقم (١٩٦)، وأورده الهيثمي في "المجمع" ٢٢٠/١ وقال: رواه الطبراني في "الصغير"،
وإسناده حسن، وانظر كلام الشيخ عبد الفتاح أبو غدَّة رحمه الله في تعليقه على "المصنوع" صـ٢٠٩-٢١١ -.
(٨) "الحلبة": كتاب الطهارة - سنن الوضوء ١/ق ٣٦/أ.
قسم العبادات
٣٦٢
حاشية ابن عابدين
وبعدَهُ).
وفيها: (( ثمَّ هذا كلُّهُ ــ أي: ما ذُكِرَ من ألفاظ التسميةِ - عند ابتداء الوضوء، أمَّا عند
الاستنجاء ففي "الصحيحين": أَنَّه ﴿ كان إذا دخَلَ الخلاءَ قال: «اللهمَّ إنّي أعوذُ بك من الخبث
والخبائث)(١)، وزادَ "سعيدُ بن منصورٍ" و"أبو حاتمٍ" و"ابن السَّكْنِ" في أوَّلِه: ((بسم الله)). والُخُبُثُ
بضمتين - ويجوزُ تسكينُ الباءِ على الأصحِّ -: جمعُ خبيثٍ، والخبائثُ: جمعُ خبيثةٍ، قيل: المرادُ بهما
ذُكرانُ الشياطينِ وإِنْتُهم، وقيل غيرُ ذلك )).
[٨٧٢] (قولُهُ: وبعدَه) لأَنَّه حالَ مباشرة الوضوء، "درر"(٢). وفيها: (( أنَّ عند بعض المشايخِ تُسَنُّ
قبلَه، وعند بعضهم بعدَه(٣)، فالأحوطُ أنْ يُجمَعَ بينهما )) اهـ. واختاره في "الهداية "(٤) و"قاضي خان" (٥).
ولا التسمية، ونقَلَ "السِّديُّ" عن "الفتَّال": ((أنَّ تقديم غَسلِ اليدين على الاستنجاءِ مبنيٌّ على أنَّ الاستنجاء من
سنن الوضوء، ومَن لم يعتبره من الوضوء - وإنْ كان من سنته؛ لأَنَّه إزالةُ النجاسةِ الحقيقيَّةِ، والوضوءُ إزالةُ
الحكميَّة - قال بتأخيرٍ غَسل اليدين عنه، والأحوطُ الغَسلُ مرَّتين لتتحقَّقَ البداءةُ على القولين يقيناً))، قال: ((هذا
كلُّهُ إذا استنجى بقصدِ الوضوء، وإِلاَّ فلا تسميةً ولا غَسل يدين في أوَّلِهِ)).
(١) البخاري (١٤٢) كتاب الوضوء - باب ما يقول عند الخلاء، ومسلم (٣٧٥) كتاب الحيض - باب ما يقول إذا أراد دخول
الخلاء، وأخرجه أبو داود (٤ و٥) كتاب الطهارة - باب ما يقول الرجلُ إذا دخل الخلاء، والترمذي(٥) كتاب الطهارة - باب
ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء، وقال: حديثُ أنس أصحُّ شيءٍ في هذا الباب وأحسن، والنسائي ٢٠/١ كتاب الطهارة -
باب القول عند دخول الخلاء، وابن ماجه(٢٩٨) كتاب الطهارة - باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء عن أنس بن
مالك عُ مرفوعاً.
وأما زيادة ((بسم الله)) في أوَّلِهِ فأخرَجَها ابن أبي شيبة في "المصنف" (٥) كتاب الطهارات - باب ما يقولُ
الرجل إذا دخل الخلاء، وفي الباب: عن علي، وزيد بن الأرقم، وجابر، وابن مسعودٍ ﴾.
(٢) "الدرر": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٣) من ((لأنه حال)) إلى ((بعده)) ساقطٌ من "الأصل".
(٤) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١.
(٥) "الخانية": كتاب الطهارة - باب الوضوء والغسل ٣٢/١. (هامش "الفتاوى الهندية"). وقاضي خان هو اختصار
لقاضي خاقان، والخاقان اسم لمن مَلَكَ الترك. وتقدَّمت ترجمة "الخانية" صـ٤٨ ١ -.
الجزء الأول
٣٦٣
الوضوء وأحكامه
إلاَّ حالَ انكشافٍ، وفي محلِّ نجاسةٍ، فيسمِّي بقلبه، ولو نسِيَها فسمَّى في خلاله لا تحصُلُ
السنّةُ بل المندوبُ، وأمَّا الأكلُ فتحصُلُ السنةُ في باقيهِ لا فيما فاتَ، ..
(٨٧٣) (قولُهُ: إِلَّ حالَ انكشافٍ إلخ) الظاهرُ أنَّ المراد أنَّه يسمِّي قبل رفع ثيابه إنْ كان في غير المكان
المعدِّ لقضاء الحاجة، وإلاَّ فقبلَ دخوله، فلو نسِيَ فيهما سمَّى بقلبه، ولا يحرِّكُ لسانه تعظيماً لاسم الله تعالى.
[٨٧٤] (قولُهُ: بل المندوبُ) قال في "السِّراج)"(١): ((إنّ يأتي بها لئلا يخلوَ وضوءهُ عنها، وقالوا:
إنّها عند غَسلِ كلِّ عضوٍ مندوبةٌ))، "نهر"(٢).
[٨٧٥] (قولُهُ: وأمَّا الأكلُ إلخ) أي: إذا نسِيَها في ابتدائه.
واعلمْ أنَّ "الزيلعيَّ (٣) ذكَرَ: ((أَنّ لا تحصلُ السنَّةُ في الوضوءِ))، وقال: ((بخلافِ الأكل؛ لأنَّ
الوضوء عملٌ واحدٌ بخلاف الأكل، فإنَّ كلَّ لقمةٍ فعلٌ مبتدأٌ))، قال في "البحر"(٤): ((ولهذا قال في
"الخانّة"(٥): لو قال: كلَّما أكلتُ اللَّحمَ للَّهِ عليَّ أنْ أتصدَّقَ بدرهمٍ فعليه بكلِّ لقمةٍ درهمٌ(٦)؛ لأنَّ
كلَّ لقمةٍ أكلٌ)) اهـ.
وذكَّرَ في "الفتح"(٧): ((أنَّ هذا التعليلَ يستلزِمُ في الأكل تحصيلَ السنّة في الباقي لا
استدراكَ ما فات))، وقال "شارح المنية"(٨): ((والأولى أنَّه استدراكٌ لِما فاتَ لقوله ◌َّ: ((إذا
أَكَلَ أحدُكم، فنسِيَ أنْ يذكرَ اسمَ الله على طعامه فليقلْ: بسم الله أوَّلَه وآخرَه))، رواه "أبو
داود" و"الترمذيُّ" (٩)، ولا حديثَ في الوضوء)) اهـ.
(١) "السراج الوهَّاج": كتاب الطهارة ١/ق ٩/أ بتصرف.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٥/ب.
(٣) "تبيين الحقائق": كتاب الطهارة ٤/١ بتصرف.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٢٠/١.
(٥) "الخانية": كتاب الأيمان - فصل في الأكل ٦٠/٢ معزياً إلى أبي يوسف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٦) ((بدرهم)) ساقطةٌ من "آ".
(٧) "الفتح": كتاب الطهارات ٢١/١.
(٨) "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - سنن الوضوء صـ٢٢ -.
(٩) أخرجه أبو داود (٣٧٦٧) كتاب الأطعمة - باب التسمية على الطعام، والترمذي (١٨٥٩) كتاب الأطعمة - باب =
قسم العبادات
٣٦٤
حاشية ابن عابدين
وليقلْ: بسمِ الله أوَّلَهُ وآخرَهُ.
أي: فلو لم يكن فيه استدراكٌ لِما فاتَ لم يكن لقوله: ((أوَّلَه)) فائدةٌ، ولا يمكنُ
الاستدراكُ في الوضوء بقوله: بسم اللـه أوَّلَه وآخِرَه؛ لأنَّ الحديث وارِدٌ في الأكل، ولا
حديثَ في الوضوءِ، وقد يقالُ: إذا حصَلَ به الاستدراكُ في الأكل مع أَنَّه أفعالٌ متعدِّدةٌ
٧٤/١ يحصلُ في الوضوء بالأولى؛ لأَنَّه فعلٌ واحدٌ، [١/ق٨٢/أ] فيستفادُ ذلك بدلالة النصِّ لا
بالقياس، ويؤيِّدُه ما نقَلَهُ "العيني" في "شرح الهداية"(١) عن بعض العلماء: ((أَنَّه إذا سمَّى في
أثناءِ الوضوء أجزأَه)).
[٨٧٦] (قولُهُ: وليقل: بسم الله إلخ) أي: إذا أرادَ تحصيلَ السنَّةِ فيما فاتَ، وكان الأَولى أنْ
يقول: ما لم يقلْ.
(تتمَّةٌ)
ما ذكرَهُ "المصنّف": (( من أنَّ الْبُداءةَ بالتسمية سنّةٌ)) هو مختارُ "الطحاويّ)(٢) وكثيرٍ من المتأخّرين،
ورجَّحَ في "الهداية"(٣) ندبَها، قيل: وهو ظاهرُ الرِّواية، "نهر "(٤). وتعجَّبَ صاحبُ "البحر " (٥) من المحقّق
(قولُهُ: أي: فلو لم يكن فيه استدراكٌ لِما فاتَ لم يكن لقوله: أوَّلَهُ فائدةٌ) قد يقال: إنَّ فائدته أنَّ الشيطان
يتقايأُ ما أكلَهُ قبل التسميةِ، لا حصولُ السنَّةِ فيما مضى قبلها، أو حصولُ البركة فيما أكَلَهُ أَوَّلاً أو نحوُ ذلك،
فنفيُ الفائدة بالكليّةِ لا يصحُّ.
= التسمية عند الطعام، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وأخرجه أحمد ٢٠٨/٦، وابن ماجه (٣٢٦٤) كتاب
الأطعمة - باب التسمية عند الطعام، كلُّهم من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً.
(١) "البناية": كتاب الطهارات ١٣٨/١.
(٢) "شرح معاني الآثار": كتاب الطهارة - باب التسمية على الوضوء ٢٩/١.
(٣) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ٥/ب.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٢٠/١.