النص المفهرس

صفحات 341-360

الجزء الأول
٣٢٥
الوضوء وأحكامه
وما ذكروا من أنَّ الثابت بعبارةِ النصِّ غَسلُ يدٍ ورِجْلٍ، والأخرى بدلالته، ومِن البحثِ
في ﴿ إِلَى﴾، وفي القراءتين في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قال في "البحر": ((لا طائل تحته.
قالوا: هو سهوٌ من "هشام"؛ لأنَّ "محمَّدً" إنما قال ذلك في المحرِمِ إذا لم يجد النَّعلين، حيث يَقطَعُ
خفِيهِ أسفلَ من الكعبين، وأشارَ "محمَّدٌ" بيدِهِ إلى موضع القطع، فنقلَهُ "هشامٌ" إلى الطهارةِ، وتمامُهُ في
"البحر"(١)
(١) وغيره.
[٧٧٩) (قولُهُ: وما ذكروا) أي: في الجواب عمَّا أُورِدَ أَنَّهُ ينبغي غَسلُ يدٍ ورِجْلٍ؛ لأنَّ مقابلةً
الجمع بالجمع تقتضي انقسامَ الآحادِ على الآحاد.
[٧٨٠] (قولُهُ: بعبارة النَّصِّ) أي: بصريحِهِ المسُوقِ له، "ط" (٢).
[٧٨١] (قولُهُ: بدلالتِهِ) أي: أنَّه مفهومٌ منه بطريقِ المساواة.
[٧٨٢) (قولُهُ: ومِن البحثِ في إلى) أي: في كونها تُدخِلُ الغايةَ أوْ لا تُدخِلُها، أو الأمرُ
محتملٌ والمرجِّحُ القرائنُ وغيرُ ذلك مما أطالَ به في "البحر"(٣)، "ط "(٤).
[٧٨٣) (قولُهُ: وفي القراءتينِ) أي: قراءتي الجرِّ والنصبِ في ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة-٦]
من حملِ الجرِّ على حالة التخفيف والنصبِ على غيرِها، أو أنَّ الجرّ للجوارِ؛ لأنَّ المسح غيرُ (٥) مُغَيًّا
بالكعبين، إلى آخرِ ما أطالَ به في "الدُّرر"(٦) وغيرها.
[٧٨٤] (قولُهُ: قال في "البحر "(٧): لاطائلَ تحتهُ)(٨) أي: لا فائدةَ فيه، والجملةُ خبرُ ((ما)) في
(١) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٥) ((غير)) ساقطة من "آ".
(٦) "الدرر": كتاب الطهارة ٩/١.
(٧) "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٨) في "د" زيادة: ((نَعَم، قد يقال: تحتَه طائل عند من يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأنّا نقولُ: أتْبْعَ الرِّجْلين بالمسح، وهو
الغَسلُ بما يشبهُ المسح؛ لأنَّ الإسراف بغسلِهما أكثرُ من غيرهما ا.هـ)).

قسم العبادات
٣٢٦
حاشية ابن عابدين
بعد انعقادِ الإجماع على ذلك )).
قوله: ((وما ذكروا))، أفادَهُ "ط"(١).
[٧٨٥] (قولُهُ: بعد انعقادِ الإجماعِ على ذلك) أي: على افتراضٍ غَسلِ كلِّ واحدةٍ من اليدين
والرِّجلينِ، وعلى دخول المرفقينِ والكعبينِ، وغَسلِ الرِّجلين لا مسحِهما، أفاده "ح"(٢).
أقولُ: مَن استدلَّ بالآية كـ "القدوريِّ"(٣) وغيره من أصحاب المتون يحتاجُ إلى ذلك
لَتِمَّ دليلُهُ، على أنَّ في ثبوت الإجماع على دخولِ المرفقينِ كلامً؛ لأنَّه في "البحر" (٤) أخَذَهُ
من قولِ الإِمام "الشافعيّ": (( لا نعلمُ مخالفاً في إيجابِ دخولِ المرفقينِ في الوضوءِ))، وردَّهُ
في "النَّهر "(٥): ((بأنَّ قول المجتهد: لا أعلمُ مخالفاً ليس حكايةً للإجماع الذي يكونُ غيرُهُ
محجوجاً به، فقد قال الإِمامُ "اللامشيُّ" في "أصوله"(٦): لا خلافَ أنَّ جميع المجتهدين لو
اجتمعوا على حكمٍ واحدٍ، ووُجِدَ الرِّضى منَ الكلِّ نصاً كان [١/ق٧٣/أ] ذلك إجماعاً، فأمَّا
إذا نصَّ البعضُ وسكتَ الباقون لا عن خوفٍ بعد اشتهار القولِ فعامَّةُ أهل السنَّةِ أنَّ ذلك
يكونُ إجماعاً، وقال "الشافعيُّ": لا أقولُ إِنَّه إجماعٌ، ولكنْ أقولُ: لا أعلمُ فيه خلافاً، وقال
"أبو هاشم)"(٧) من المعتزلة: لا يكونُ إجماعاً، ويكونُ حجَّةً أيضاً))(٨) اهـ.
وقدَّمنا(٩) أيضاً عن "شرح المنية": ((أَنَّ غَسل المرفقين والكعبين ليس بفرضٍ قطعي،
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٣/١.
(٢) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
(٣) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الطهارة ٥/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٣/١.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ.
(٦) هي "مقدِّمة" في أصول الفقه: لمحمود بن زيد، بدر الدين اللاّمِشِي(ت٥٢٢هـ). ("الجواهر المضيَّة" ٣١٢/٣، "تاج
التراجم" صـ ٢٥٠-).
(٧) أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبّائي المعتزلي (ت٣٢١هـ). ("طبقات المعتزلة" ص ٩٤-، "وفيات الأعيان" ١٨٣/٣).
(٨) عبارة "النهر": ((ويكون حجَّةً، وقيل: لا يكونُ حتَّةً أيضاً)).
(٩) المقولة [٧٢٤] قوله: ((بالربع))، والمراد بشرح "المنية" هنا "الحلبة".

الجزء الأول
٣٢٧
الوضوء وأحكامه
(ومسحُ ربعِ الرأس مرَّةً)
بل هو فرضٌ عمليٌّ كربع الرأسِ ))، ولذا قال في "النهر"(١) أيضاً: (( لا يُحتاجُ إلى دعوى الإجماعِ؛
لأنَّ الفروض العمليَّةَ لا يُحتاجُ في إثباتها إلى القاطع )).
[٧٨٦) (قولُهُ: ومسحُ ربعِ الرأسٍ) المسحُ لغةً: إمرارُ اليدِ على الشيء، وعرفً: إصابةُ الماءِ العضوَ.
واعلمْ أنَّ في مقدارِ فرض المسحِ رواياتٍ، أشهرُها ما في المتن.
الثانيةُ: مقدارُ الناصيةِ، واختارها "القدوريُّ"(٢)، وفي "الهداية"(٣): ((وهي الربعُ))،
والتحقيقُ: أَنّها أقلُّ منهُ.
الثالثة: مقدارُ ثلاثةِ أصابعَ، رواها "هشامٌ" عن "الإِمامِ"، وقيل: هي ظاهرُ الرِّوايةِ، وفي
"البدائع"(٤): ((أَنَّها روايةُ الأصولِ))(٥)، وصحَّحَها في "التحفة"(٦) وغيرِها، وفي "الظهيرِيَّة(٧).
(( وعليها الفتوى ))، وفي "المعراج": (( أَنَّها ظاهرُ المذهبِ، واختيارُ عامَّةِ المحقّقين))، لكنْ نسَبّها في
"الخلاصة"(٨) إلى "محمَّدٍ"، فُيُحمَلُ ما في "المعراج": ((من أنَّها ظاهرُ المذهبِ)) على أَنَّها ظاهرُ الرِّوايةِ
(قولُهُ: وُرفاً: إصابةُ الماءِ العضوَ) أي: سواءٌ كانت باليدِ أوْ لا، فلو أصابَهُ مطرٌ أجزأه وإنْ لم يمسحه بيده.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ بتصرف.
(٢) انظر "اللباب في شرح الكتاب": كتاب الطهارة ٦/١.
(٣) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٤/١ بتصرف.
(٥) قوله: ((أنها روايةُ الأصول)) ساقطٌ من "٢".
(٦) "تحفة الفقهاء": كتاب الطهارة ١٠/١ لأبي بكر - وقيل أبو منصور - محمد بن أحمد بن أبي أحمد، علاء الدين
السمر قندي (ت ٤٥٠ هـ). ("كشف الظنون" ٣٧١/١، "الجواهر المضية" ١٨/٣، "الفوائد البهيَّة" صـ ١٥٨-). وانظر
المقولة [٨٠٣] قوله: ((كما في "البدائع")).
(٧) لم نعثر على هذا النقل في "الفتاوى الظهيرية"، وهي لأبي بكر محمد بن أحمد، ظهير الدين البخاري(ت ٦١٩هـ).
("كشف الظنون" ١٢٢٦/٢، "الجواهر المضية" ٥٥/٣، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٣١/٢).
(٨) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٩/ب.

قسم العبادات
٣٢٨
حاشية ابن عابدين
فوقَ الأذنين ولو بإصابةِ مطرٍ أو بللٍ باقٍ بعد غسلٍ على المشهور، لا بعد مسحٍ ...
عن "محمدٍ" توفيقاً، وتمامُهُ في "النهر"(١) و"البحر"(٢).
والحاصلُ: أنَّ المعتمَدَ روايةُ الربعِ، وعليها مشى المتأخِرُون كـ "ابن الهمام"(٣)، وتلميذِه "ابنِ أمير
حاج "(٤)، وصاحبِ "النهر"(٥)، و"البحرِ"(٦)، و"المقدسيِّ"، و "المصنّفِ"، و "الشرنبلاليّ)(٧) وغيرِهم.
[٧٨٧] (قولُهُ: فوقَ الأذنينِ) فلو مسَحَ على طرفٍ ذؤابةٍ شُدَّتْ على رأسِهِ لم يُجْزِ، "مقدسي".
[٧٨٨) (قولُهُ: أو بللٍ باقٍ إلخ) هذا إذا لم يأخذْهُ من عضوٍ آخرَ، "مقدسي". فلو أخذَهُ من
عضوٍ آخرَ لم يُجْزِ مطلقاً، "بحر (٨). أي: سواء كان ذلك العضوُ مغسولاً أو ممسوحاً، "درر"(٩).
[٧٨٩) (قولُهُ: على المشهورِ) مقابلُهُ قولُ "الحاكمِ" بالمنعِ، ..
(قولُهُ: مقابلُهُ قولُ "الحاكم" بالمنع) وفَّقَ "الرَّحمتيُّ" بين روايتي الصحَّةِ وعدمِها - على ما نقلَهُ "السِّنديُّ" -
بـ (( حملِ المشهور على ما إذا بقيَ بللٌ في كفّه بعد إسالةِ الماء على ذراعِهِ اليسرى من غيرِ أنْ يَدلِگه، .
(١) انظر "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ.
(٢) انظر "البحر": كتاب الطهارة ١٥/١.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات ١٥/١.
(٤) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الوضوء ١/ق ٢٧/ب.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٧) "مراقي الفلاح": كتاب الطهارة - فصل في الوضوء صـ ٩٩ -.
(٨) "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٩) "الدرر": كتاب الطهارة ١٠/١. وفي "د" زيادة: ((وفي "التتار خانيّة" عن "المحيط": ولو كان في كفّهِ بللٌ فمسَحَ به
رأسَهُ أجزأه، قال الحاكم الشهيد: هذا إذا لم يُستعمَلْ في عضوٍ من أعضائه، بأنْ يدخلَ يدَهُ في إناءٍ حتّى ابتلت، أمَّا
إذا استعمله في عضوٍ من أعضائه - بأنْ غسَلَ بعضَ أعضائه، وبقيَ على كفّهِ بللٌ - لم يُجْزِ، وأكثرُهم على أنَّ ما
قاله الحاكم الشهيد خطأٌ، والصحيحُ أنَّ محمَّداً أراد بذلك ما إذا غسَلَ عضواً من أعضائه وبقيَ البللُ في كفّه انتهى
قوله، فقولُهُ: والصحيحُ أنَّ محمَّداً أراد إلخ، يعني أنَّه أراد أنْ يُدخِلَ يدَهُ في إناءٍ حتّى تبتلَّ كما زعَمَ الحاكمُ
انتهى. كذا في "حاشية خير الدين" على "البحر")).

الجزء الأول
٣٢٩
الوضوء وأحكامه
إلاَّ أنْ يتقاطَرَ).
وخطَّهُ عامَّةُ المشايخِ، وانتصَرَ له المحقّقُ "ابنُ الكمال"، وقال: ((الصحيحُ ما قالهُ "الحاكمُ"(١)، فقد
نصَّ "الكرخيُّ" في "جامعِهِ الكبيرِ" (٢) على الرِّوايةِ عن "أبي حنيفة" و"أبي يوسف": أنَّه إذا مسَحَ
رأسَهُ بفضلٍ غُسلٍ ذراعيهِ لم يُجْزِ إلَّبماءٍ جديدٍ؛ لأَنَّه قد تطهَّرَ به مرَّةً )) اهـ. وأقرَّهُ في "النهر "(٣).
[٧٩٠] (قولُهُ: إلاَّ أنْ يتقاطرَ) كذا ذكَرَهُ في "الغررِ "(٤)؛ لأنَّه كأخذِ ماءٍ جديدٍ.
وحملٍ مقابلِهِ على ما إذا دَلَكَ العضوَ المغسول بعد إسالةٍ الماء عليه لتحقُّقِ الاستعمال فيما بقي في الكفِّ،
ولا يُحمَلُ على اختلافِ الرِّواية إلاَّ عند عدم إمكانه، وهو هنا ظاهرٌ لا تكلُّفَ فيه)) اهـ، فتأمَّله.
ونقَلَ "السِّنديُّ" أيضاً عن "التتارخانيّة": ((ولو كان في كفّهِ بللٌ، فمسَحَ به رأسَهُ أجزأه ))، وقال
"الحاكمُ الشَّهيد": (( هذا إذا لم يُستعمل في عضو من أعضائه، بأنْ يُدخِلَ يده في إناءٍ فابتلَّتْ، أمّا إذا
استعمِلَ في عضو من أعضائه - بأنْ غسَلَ بعض أعضائه وبقيَ في كفّهِ بللٌ - لم يُجْزِ ))، ونصَّ
"الكرخيُّ" إلى آخرِ عبارة "المحشِّي".
(قولُ "الشارح": لا بعدَ مسحٍ إلخ) لعلَّ الفرقَ بين البللِ الباقي بعد المسح - حيث لا يصحُّ المسحُ به
على الرأس - والباقي بعد الغَسل - حيث يصحُّ - أنَّ الأوَّلَ يتلاشى ويفرغُ قبل المسح الثاني غالباً، فلم
يبقَ إلاَّ مجرَّدُ رطوبةٍ ونداوةٍ، فلم يصحَّ المسحُ لاشتراطِ إصابة الماء للعضو، وما بقي على العضوِ بعد
غَسِهِ ليس كذلك، بل هو مساوٍ لِما في يده من البللِ الحاصلِ بغمسها في الماء، تأمَّل.
(قولُهُ: وانتصَرَ له المحقّقُ "ابن الهمام" إلخ) ما نقلَهُ عن "الكرخيّ" لا يدلُّ على تصحيحِ ما قاله
"الحاكمُ"؛ لأَنَّه فيما لو أخَذَ الماءَ من عضوٍ آخر لا فيما بقيَ في كفّه بعد إسالته على ذراعه، ويدلُّ لهذا
تعليلُهُ بقوله: (( لأَنَّه قد تطهَّرَ به مرَّةً؛ لأنَّ الذي تطهَّرَ به ما كان على ذراعِهِ لا ما بقي على كفّه )).
(١) أبو الفضل محمد بن محمد بن أحمد، المعروف بالحاكم الشهيد المَرْوَزي البَلْخي(ت٣٣٤هـ). ("تاج التراجم" صـ ٢٣١-،
"الفوائد البهية" صـ١٨٥-).
(٢) "الجامع الكبير": لأبي الحسن عبيد الله بن الحسين الكرخي(ت ٣٤٠هـ). ("كشف الظنون" ٥٧٠/١، "تاج التراجم" صـ١٣٩-).
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ.
(٤) "الدرر والغرر": كتاب الطهارة ١٠/١. و"الغرر" هو "غرر الأحكام" للقاضي محمد بن فَرَامُوز الشهير بمنلا خُسْرُو
(ت٨٨٥هـ) شرحه وسمّاه "درر الحِكام شرح غرر الأحكام". ("كشف الظنون" ١١٩٩/٢، "الفوائد البهية" صـ١٨٤-).

قسم العبادات
٣٣٠
حاشية ابن عابدين
ولو مَدَّ إصبعاً أو إصبعين
٦٧/١
[٧٩١) (قولُهُ: ولو مدَّ إلخ) [١/ق٧٣ /ب] أي: مدَّ المسحَ حتى استوعَبَ قدرَ الربع، وفي
"البدائع"(١): ((لو وضَعَ ثلاثةَ أصابعَ، ولم يمدَّها جازَ على روايةِ الثلاثِ أصابعَ لا الربعِ، ولو
مسحَ بها منصوبةً غيرَ موضوعةٍ ولا ممدودةٍ فلا؛ لأَنَّه لم يأتِ بالقدْرِ المفروضِ، أي: وهذا
بالإجماع كما في "النهر"(٢)، فلو مدَّها حتى بلَغَ القدرَ المفروضَ لم يجزْ عند علمائنا الثلاثة خلافاً
لـ "زفر"، وكذا الخلافُ في الإصبعِ والإصبعين إذا مدَّها وبلغ القدرَ المفروض)) اهـ ملخصاً.
بقيَ ما إذا وضَعَ ثلاثةَ أصابعَ ومدَّها، وبلغَ الربعَ، قال في "الفتح"(٣): ((ولم أرَ فيه
إلَّ الجوازَ))، وتعقّبَهُ في "النهر "(٤) بقوله: ((قد وقفتُ على ما هو المنقولُ))، يعني قولَ
"البدائع"(٥): ((فلو مدَّها إلخ)).
أقولُ: وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الضمير في قول "البدائع": ((فلو مدَّها إلخ)) عائدٌ على المنصوبةِ،
أي: بأنْ مسَحَ بأطرافِها لا الموضوعةِ، على أنَّه قال في "البحر "(٦): ((لو مسَحَ بأطراف أصابعهِ والماءُ
متقاطرٌ جاز، وإلاَّ فلا؛ لأَنَّه إذا كان متقاطراً فالماءُ ينزلُ من أصابعه إلى أطرافِها، فإذا مدَّهُ صار كأَنَّه
أَخَذَ ماءً جديداً، كذا في "المحيط"، وذكَرَ في "الخلاصة"(٧): أَنَّه يجوزُ مطلقاً، هو الصحيحُ)) اهـ.
قال الشيخ "إسماعيل"(٨): ((ونحوُهُ في "الواقعات"(٩) و"الفيضِ"(١٠))).
(١) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٥/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/ب. وقوله: ((أي: وهذا بالإجماع كما في "النهر")) إدراجٌ من ابن عابدين رحمه الله.
(٣) "الفتح": كتاب الطهارات ١٦/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/ب.
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة ٥/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٦/١.
(٧) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٩/ب. وفيها: ((هو الأصحُّ))
بدلَ((هو الصحيح)).
(٨) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٤٧/أ.
(٩) هي - والله أعلم - "الواقعات": لأبي محمد عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، بُرهان الأئمة حسام الدين
المعروف بالصدر الشهيد(ت٥٣٦هـ) ويقال لها: الأجناس، جمع فيها بين نوازل أبي الليث وواقعات الناطفي.
("كشف الظنون" ١٩٩٨/٢، "الجواهر المضية" ٦٤٩/٢، "الفوائد البهية" صـ١٤٩-).
(١٠) "فيض المولى الكريم على عبده إبراهيم": للكركي. وتقدم الكلام عليه من المؤلف صـ٨٦ -.

الجزء الأول
٣٣١
الوضوء وأحكامه
لم يجزْ إلاَّ أنْ يكون مع الكفِّ، أو بالإبهام والسبَّابة مع ما بينهما، أو بمياهٍ، ولو
أدخَلَ رأسَهُ الإِناءَ أو خفَّهُ أو جبيرتَهُ وهو مُحدِثٌ.
[٧٩٢) (قولُهُ: لم يُجْزِ) قيل: لأنَّ البَّة صارت مستعملةً، وهو مُشكِلٌ بأنَّ الماء لا يصيرُ
مستعملاً قبل الانفصالِ، وبأنَّه يستلزِمُ عدمَ الجواز بمدِّ الثلاث على رواية الربع، وقيل: لأنّا
مأمورون بالمسح باليدٍ، والإصبعان منها لا تسمَّى يداً بخلاف الثلاث؛ لأنَّها أكثرُها، وفيه أنَّه
يقتضي تعيينَ الإصابة باليدِ، وهو منتفٍ بمسألة المطر، وقد يقالُ في العلّة: إنَّ البلَّة تتلاشى وتفرغُ
قبل بلوغٍ قدرِ الفرض بخلاف ما لو مدَّ الثلاثَ، وتمامُهُ في "فتح القدير)" (١).
(٧٩٣) (قولُهُ: إلاَّ أنْ يكونَ مع الكفِّ إلخ) لأنّهما مع الكفِّ أو مع ما بينَ الإبهامِ والسَّابَةِ
يصيران مقدارَ ثلاثٍ أصابعَ أو أكثرَ، فإذا مدَّهما وبلَغَ قدرَ الربع جازَ، أمّا بدونِ مٍّ فيجوزُ
على روايةِ الثلاثِ كما صرَّحَ به في "التاتر خانية" (٢).
[٧٩٤) (قولُهُ: أو بمياهٍ) قال في "البحر"(٣): ((ولو مسَحَ بإصبعٍ واحدةٍ ثلاثَ مراتٍ، وأعادَها
إلى الماء في كلِّ مرةٍ [١/ق٧٤/أ] جاز في رواية "محمدٍ"، أمَّا عندهُما فلا يجوز)) اهـ. أي: على
رواية الربعِ لا يجوزُ، فما في "الدر المنتقى"(٤): ((من أَنَّه يجوزُ اتفاقاً)) فيه نظرٌ، كذا قيل.
وأقولُ: فيه نظرٌ؛ لأنَّ عبارته: (( لو كان بمياهٍ في مواضعِ مقدارِ الفرض جازَ اتفاقاً ))، فقولُهُ:
(( مقدارِ الفرضِ )) شاملٌ لرواية الثلاثِ أصابعَ، ولرواية الربعِ، وفي "البدائعِ"(*): ((لو مسَحَ ياصبحٍ
واحدةٍ ببطنها وظهرِها وجانبَيها لم يُذكَرْ في ظاهرِ الروايةِ، واختلَفَ المشايخ، فقال بعضهم:
لا يجوزُ، وقال بعضهم: يجوزُ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ ذلك في معنى المسحِ بثلاثِ أصابعَ)) اهـ.
قال في "البحر"(٦): ((ولا يخفى أنَّه لا يجوزُ على المذهب من اعتبارِ الربعِ، وما في "شرحٍ
(١) انظر "الفتح": كتاب الطهارات ١٦/١ - ١٧.
(٢) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأوَّل في الوضوء ٩٠/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ١٦/١.
(٤) "الدر المنتقى": كتاب الطهارة ١١/١ (هامش "مجمع الأنهر").
(٥) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٥/١.
(٦) "البحر": كتاب الطهارة ١٦/١.

قسم العبادات
٣٣٢
حاشية ابن عابدين
أجزأه، ولم يصِرِ الماءُ مستعملاً وإنْ نوى اتّفاقاً على الصحيح كما في "البحر"(١)
عن "البدائع"(٢).
(وغَسلُ جميعِ اللّحيةِ فرضٌ)
المجمعِ" لـ "ابن ملكٍ"(٣): من أَنَّه لا يجوزُ اتفاقاً في الأصحِّ ففيهِ نظرٌ )) اهـ.
[٧٩٥) (قولُهُ: أجزأهُ) أي: إنْ أصابَ الماءُ قدرَ الفرضِ، "ط " (٤).
[٧٩٦] (قولُهُ: ولم يَصِر الماءُ مستعملاً) لأنَّ الماء لا يُعطَى له الاستعمالُ إلاَّ بعد الانفصال،
والذي لاقى الرأسَ - أي: وأخويهِ، أي: الخفَّ والجبيرةَ ـ لصِقَ به فطهَّرهُ، وغيرُه لم يلاقِهِ فلا
يُستعمَلُ، وفيه نظرٌ، كذا في "الفتح"(٥).
[٧٩٧ ) (قولُهُ: اتّفاقاً) أي: بينَ الصَّاحبين.
[٧٩٨) (قولُهُ: على الصَّحيحِ) قِيدٌ للّفاق، ومقابلُهُ ما قيل: إنَّه لو نوى لا يجزئُ(٦) عند "محمَّدٍ".
[٧٩٩] (قولُهُ: جميعِ اللّحيةِ) بكسر اللام وفتحِها، "نهر"(٧). وظاهرُ كلامهم أنَّ المراد
(قولَهُ: وفيه نظرٌ، كذا في "الفتح") لعلَّ وجهَهُ أنَّ الملاقيَ للخفِّ ليس خصوصَ ما لصَقَ به وخرَجَ به، بل
وغيرَهُ من كثيرٍ من أجزاءِ الماءِ، والمنفصلِ مع الخفِّ البعضُ، والباقي بعضٌ، إلاَّ أنَّ هذا البعضَ قليلٌ لا يُوجِبُ
ثبوتَ وصفِ الاستعمال للجميع، فلذا قال "الشارح": ((ولم يَصِيرِ الماءُ مستعملاً)).
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٦/١ وهذا قول أبي يوسف.
(٢) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في الطهارة الحقيقية ٧٠/١ بتصرف.
(٣) شرح عبد اللطيف بن عبد العزيز بن أمين الدين بن فِرِشْتا، عزّ الدين المعروف بابن ملك الرُّومي الكَرْماني
(٥ ٨٠١هـ، وقيل: ٨٨٥) شرح على "مجمع البحرين وملتقى النِيِرين" لأحمد بن علي بن تَغْلب، مُظَفّر الدين
المعروف بابن السَّاعاتي البغدادي(ت٦٩٤هـ). ("كشف الظنون" ١٥٩٩/٢ - ١٦٠١، "الجواهر المضيَّة" ٢٠٨/١،
"الشقائق النعمانية" صـ ٣٠-، "شذرات الذهب" ٥١٢/٩، "الفوائد البهيّة" صـ٢٦، ١٠٧-).
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٦٤/١ باختصار يسير.
(٥) "الفتح": كتاب الطهارات - باب: الماء الذي يجوز به الوضوءُ وما لا يجوز ٧٩/١.
(٦) في "آ" : ((يجوز))، وهو تحريف.
(٧) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/ب.

الجزء الأول
٣٣٣
الوضوء وأحكامه
يعني: عملياً (أيضاً) على المذهب الصحيحِ المفتى به المرجوع إليه، وما عدا هذه الروايةَ
مرجوعٌ عنه كما في "البدائع"،
بها الشعرُ النابتُ على الخدَّين من عِذارٍ وعارضٍ والذقنِ، وفي "شرح الإرشاد"(١): ((اللِّحيةُ:
الشعرُ النابتُ بمجتمعِ الخدينِ، والعارضُ: ما بينهما وبين العِذارِ، وهو القدرُ المحاذي للأذن،
يَتَّصلُ من الأعلى بالصُّدغِ، ومن الأسفلِ بالعارضِ ))، "بحر"(٢).
[٨٠٠] (قولُهُ: يعني عمليّاً) ذكَرَ بعضُهم أنَّ التفسيرَ بـ ((أَيْ)) للبيان والتوضيحِ، والتفسيرَ
بـ ((يعني)) لدفع السُّؤَالِ وإزالةِ الوهم، كذا في "حاشية البحر" لـ "الخيرِ الرمليِّ"، وهنا كذلك؛
لأَنَّه دفعُ ما يُتوهّمُ من إطلاق الفرضِ أَنَّه القطعيُّ مع أنَّ الآيةَ لا تدلُّ دلالةً قطعيَّةً على انتقال
حكمٍ ما تحتَ اللّحيةِ من البشرةِ إليها.
[٨٠١] (قولُهُ: أيضاً) أي: كما أنَّ مسح ربعِ الرأس كذلك، "ط" (٣).
[٨٠٢] (قولُهُ: وما عدا هذه الروايةَ) أي: من روايةٍ مسحِ الكلِّ، أو الربعِ، أو الثلثٍ، أو ما
يلاقي البشرةَ، أو غَسلِ الربعِ، أو الثلثٍ، أو عدمِ الغَسلِ، والمسحِ، فالمجموعُ ثمانيةٌ.
[ مطلبٌ: تعريفٌ بكتابِ "البدائع" وصاحبِهِ "الكاسانيِّ"]
(٨٠٣] (قولُهُ: كما في "البدائعِ")(٤) هذا الكتابُ [١/ق٧٤/ب] جليلُ الشأن، لم أرَ له
نظيراً في كتبنا، وهو للإمامِ "أبي بكر بنِ مسعود بن أحمدَ الكاسانيّ"، شرَحَ به "تحفةَ الفقهاء"
الشيخه "علاء الدين" السمر قنديِّ، فلمَّا عرَضَهُ عليه زوَّجَه ابنته "فاطمةً" بعدَما خطَبَها الملوكُ من
أبيها فامتنعَ، وكانت الفتوى تخرجُ من دارهم وعليها خطُّها وخطُّ أبيها وزوجها.
(١) في فقه الحنفية عدة كتب باسم "الإرشاد"، وليس لها شروح على ما بين أيدينا من المصادر.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ١٦/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٦٤/١.
(٤) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٤/١.

قسم العبادات
٣٣٤
حاشية ابن عابدين
ثم لا خلافَ أنَّ المسترسِلَ لا يجبُ غَسُهُ ولا مسحُهُ.
[٨٠٤] (قولُهُ: ثُمَّ لا خلافَ) أي: بين أهلِ المذهبِ على جميع الرواياتِ، "ط)(١).
[٨٠٥] (قولُهُ: أنَّ المسترسِلَ) أي: الخارجَ عن دائرة الوجهِ، وفسَّرَهُ "ابنُ حجرٍ" في "شرح
المنهاج(٢): ((بما لو مُدَّ من جهةٍ نزولهِ لخرَجَ عن دائرةِ الوجهِ))، وعلى هذا فالنابتُ على أسفلِ الذقَنِ
لا يجبُ غَسلُ شيءٍ منهُ؛ لأَنَّ بمجرَّدٍ ظهورهِ يخرجُ عن حدِّ الوجهِ؛ لأنَّ ذلك جهةُ نزولهِ وإنْ كان لو
مُدَّ إلى فوقٍ لا يخرجُ عن حدِّ الجبهةِ، وكذا النابتُ على أطراف الحَنَكِ من اللّحيةِ، وأَمَّا النابتُ على
الخدَّينِ فيجبُ غَسلُ ما دخَلَ منه في دائرة الوجهِ دون الزَّائدِ عليها، ولذا قال في "البدائع"(٣):
(قولُ "الشارح": ثمَّ لا خلافَ أنَّ المسترسِل لا يجبُ غَسله إلخ) ينافي دعوى عدمِ الخلاف في المسترسل
ما ذكرَهُ "المحشِّي" بقوله: ((أي: من روايةٍ مسحِ الكلِّ))، فإنَّ المراد به ما يشملُ المسترسلَ بدليل مقابلته
بقوله: (( أو ما يلاقي البشرةَ))، إلاّ أنْ يراد نفيُ الخلاف بناءً على غيرِ المرجوع عنه، ويُعِدُ هذا قولُهُ: (( أي:
بين أهل المذهب على جميع الرِّوايات))، وينافي دعوى عدمِ الخلاف في الثاني - أعني قولَهُ: ((وأنَّ الخفيفة
إلخ)) - ما نقَلَهُ "السنديُّ" عن "الإمداد" من قوله: ((ويجبُ إيصال الماء إلى بشَرةِ اللّحية الخفيفة في المختار
البقاءِ المواجهة بها وعدمٍ عُسر غَسلها، وقيل: يسقطُ لانعدام المواجهة الكاملة بالنبات )) اهـ.
وما نقَلَهُ "الشارعُ" عن "البرهان" يدلُّ على الخلاف في اللّحية الخفيفة، وحينئذٍ فلا داعيَ لحمل
عبارة "البدائع" على خلافٍ ظاهرها كما فعَلَ "المحشِّي" تبعاً لـ "الحلبة"، فإنَّه جعَلَ سقوطَ الغَسل مترتّباً
على مجرَّدِ النبات، والتعليلُ المذكورُ فيها لا دلالةَ فيه على الحمل المذكور، فإنَّ المراد به أَنَّه لا يُواجَهُ به
أصلاً إنْ كانت اللّحية كثيفةً لا تُرى، أوْ لا يُواجَهُ به المواجهةَ الكاملةَ إنْ كانت خفيفةً، تأمَّل.
(قولُهُ: وكذا النابتُ على أطرافِ الحَنَكِ إلخ) أي: ظاهرِ الحَنَكِ مما يلي صفحتي الوجهِ، فإنَّ النَّابت
المذكور يخرجُ عن دائرة الوجهِ بمجرَّدٍ ظهوره.
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٤/١.
(٢) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة - باب الوضوء ٢٠٥/١.
(٣) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٣/١-٤ بتصرف.

الجزء الأول
٣٣٥
الوضوء وأحكامه
بل يُسَنُّ، وأنَّ الخفيفة التي تُرَى بشرتُها يجبُ غَسلُ ما تحتَها، كذا في "النهر"(١)،
وفي "البرهان" : (( يجبُ غَسلُ بشرةٍ.
(( الصحيحُ أَنَّه يجبُ غَسلُ الشعرِ الذي يلاقي الخدَّين وظاهرَ الذقنِ، لا ما استرسَلَ من اللّحيةِ
٦٨/١ عندنا، وعند "الشافعي": يجبُ؛ لأنَّ ما استرسَلَ تابعٌ لِما أَتَّصلَ، وللتّبَعِ حكمُ الأصلِ، ولنا: أَنَّه إنما
يواجَهُ إلى المتّصلِ عادةً لا إلى المسترسِلِ، فلم يكن وجهاً، فلا يجبُ غسلُه)) اهـ، فتأمَّلْ.
ثُمَّ رأيتُ "المصنّف" في "شرحه" على "زاد الفقير"(٢) قال ما نصُّهُ: ((وفي "المجتبى": قال
"البقَّالِيُّ)(٣): وما نزَلَ من شعر اللِّحيةِ من الذقنِ ليس من الوجهِ عندنا خلافاً لـ "الشافعي" اهـ. ولا
روايةَ فِي غَسلِ الدُّؤْابتينِ إذا جاوَزَتا القَدَمين في الجنابةِ، وكذا السَّلعةُ(٤) إذا تدلَّت عن الوجهِ،
والصحيح أنَّه يجب غسلُها في الجنابة، وغسلُ السَّلعةِ في الوضوءِ أيضاً)) اهـ.
[٨٠٦] (قولُهُ: بل يُسَنُّ أي: المسحُ لكونه الأقربَ لمرجع الضمير، وعبارةُ "المنية"(٥) صريحةٌ في ذلك،
كذا في "ح"(٦).
[٨٠٧] (قولُهُ: التي تُرى بشرتُها) قَّدَ بذلك لأَنَّه الذي لا خلافَ فيه، وأمَّا ما في "البدائع"(٧):
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق٤ /ب.
(٢) المسمَّى "إعانة الحقير في شرح زاد الفقير": وهو شرح المصنف التمرتاشي على "زاد الفقير" لمحمد بن عبد الواحد المعروف
بالكمال بن الهمام السِّيواسي (ت ٨٦١هـ). ("كشف الظنون" ٩٤٥/٢-٩٤٦، "الفوائد البهية"صـ ١٨٠-)، ونَسَبَه في "إيضاح
المكنون"٩٧/١ إلى أبي عبد الله محمد بن عبد الله، شمس الدين المعروف بابن الأبار القُضَاعي البَلْسِي الأندلسي المالكي (ت٦٥٨هـ)،
ولم يُذكر الكتابُ في ترجمته، انظر "سير أعلام النبلاء" ٣٣٦/٢٣، و"هدية العارفين" ١٢٧/٢).
(٣) أبو الفضل محمد بن أبي القاسم، زين المشايخ الخوارزمي البَقّالي(ت ٥٦٢هـ، وقيل: ٥٧٢، وقيل: ٥٨٦). ("الجواهر
المضيّة" ٣٩٢/٤، "الفوائد البهيَّة" صـ١٦١-).
(٤) السَّلعة: هي الخُرَاجِ كهيئة الغُدَّة. اهـ "المصباح" ((سلع)).
(٥) انظر "شرح المنية الكبير": كتاب الطهارة - فصل في سنن الوضوء صـ ٢٣ -. و"المنية" هي "منية المصلّي وغنية المبتدي" لمحمد بن
محمد بن علي، سديد الدين الكاشْغَري(ت٧٠٥هـ). (كشف الظنون" ١٨٨٦/٢، "هدية العارفين" ١٤٠/٢ وفيه: محمد بن
محمد بن الرشيد بن علي، سديد الدين، "الأعلام" ٣٢/٧).
(٦) "ح": كتاب الطهارة ق ٧/ب.
(٧) "البدائع": كتاب الطهارة - فصل في بيان أنواع الطهارة ٣/١ بتصرف.

قسم العبادات
٣٣٦
حاشية ابن عابدين
لم يستّرْها الشعرُ كحاجبٍ وشاربٍ وعَنْفَقَةٍ في المختار)).
(ولا يُعادُ الوضوءُ) بل ولا بلُّ المحلِّ (بحلقٍ رأسه ولحيته، كما لا يُعاد).
........
((من أَّه إذا نبَتَ الشعرُ يسقطُ غَسل ما تحته عند عامَّةِ العلماء، كثيفاً كان أو خفيفاً؛ لأنَّ ما تحته
خَرَجَ من أنْ يكون وجهاً؛ لأَنَّه لا يُواجَهُ به )) اهـ فمحمولٌ على ما إذا لم تُرَ بشرتُها كما يشيرُ إليه
التعليلُ، فالخفيفةُ قسمان، والفرقُ بينها [١/ق٧٥ /أ] بالمعنى الثاني وبين الكثيفة العُرفُ كما هو وجهٌ
عند الشافعية، والأصحُّ عندهم أنَّ الخفيفة ما تُرى بشرتُها في مجلس التخاطب، أفاده في "الحلبة"(١).
[٨٠٨] (قولُهُ: لم يسترْها الشعرُ أمَّ المستورةُ فساقطٌ غَسلُها للحرج، "ط)"(٢). ويستثنى منه ما
إذا كان الشَّارِبُ طويلاً يسترُ حمرةَ الشفتينِ؛ لِما في "السراجِيَّة"(٣): (( من أنَّ تخليلَ الشَّارب الساترِ
حمرةَ الشَّفتينِ واجبٌ )) اهـ؛ لأَنَّه يمنعُ ظاهراً وصول الماء إلى جميع الشَّفةِ أو بعضِها، ولا سيَّما إِنْ
كان كثيفاً، وتخليلُهُ محقّقٌ لوصول الماء إلى جميعها، وتمامُّهُ في "الحلبة"(٤).
[٨٠٩] (قولُهُ: ولا يُعادُ الوضوءُ إلخ) لأنَّ المسح على شعر الرأس ليس بدلاً عن المسح عن
البشرةِ؛ لأَنَّه يجوزُ مع القدرة على مسح البشرة، ولو كان بدلاً لم يجزْ. اهـ البحر"(٥).
بقي ما إذا كانت اللحيةُ كثيفةً، فإنَّ ظاهر ما قدَّمناه(٦) عن "الدرر" عند قوله: ((للحرجِ))
أنَّ غَسلَها بدلٌ عمَّا تحتها.
ومقتضاه إعادةُ غَسله بحلقِ الشعر، فليراجع. لكنَّ قول "البحر" هنا: ((لأَنّه يجوزُ مع القدرةِ
إلخ)) يفيدُ أَنَّه ليس يبدل؛ لأَنَّه يصحُّ غَسلُ بشرتها، تأمَّل.
[٨١٠] (قولُهُ: ولا بلُّ المحلِّ) عبَّرَ بالبلِّ ليشمل المسحَ والغسلَ.
(١) "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الوضوء ١/ق ٢٦/أ.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٤/١.
(٣) لم نعثر على هذا النقل في "الفتاوى السراجية" للأُوْشي.
(٤) انظر "الحلبة": كتاب الطهارة - فرائض الوضوء ١ / ق ٢٧/أ.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٦/١.
(٦) المقولة [٧٧٠] قوله: ((للحرج)).

الجزء الأول
٣٣٧
الوضوء وأحكامه
الغَسلُ للمحلِّ ولا الوضوءُ (بحلْقِ شاربه وحاجبه وقَلْمٍ ظفره) وكشطِ جلده (وكذا
لو كان على أعضاء وضوئه قرحةٌ) كالدُّمَّةِ (وعليها جلدةٌ رقيقةٌ، فتوضَّأ وأمَرَّ الماء
عليها، ثم نزعها لا يلزمُهُ إعادةُ غَسل على ما تحتَها) وإنْ تأَلَّمَ بالنزع على الأشبهِ ..
[٨١١] (قولُهُ: الغَسلُ للمحلِّ إلخ) الأولى تقديمُ الوضوء؛ لأَنّه المذكورُ في كلام "المصنّف"،
فيعودُ الضميرُ عليه، بل الأَولى عدمُ ذكرِ شيءٍ لظهور المراد، أفاده "ط"(١).
[٨١٢] (قولُهُ: ظِفِرِه) مثلَّثُ الظاءِ، "ط"(٢).
[٨١٣] (قولُهُ: قرحةٌ) أي: جراحةٌ، "ط" (٣).
[٨١٤] (قولُهُ: كالدُّمَّةِ) مأخوذٌ من دَمَلَ بالفتح بمعنى أصلَحَ، يقال: دَمَلتُ بين القومِ، بمعنى
أصلحتُ كما في "الصحاح"(٤)، وصلاحُها بُبُرِئِها، فتسميةُ القرحة دُمَّلاً تفاؤلاً يبرئِها كالقافلة
والمفازة، "ط"(٥).
[٨١٥] (قولُهُ: وإنْ تَأَمَ بِالَّرْع) في بعض النسخ بدون واوٍ، والأصوبُ: وإنْ لم يتأَلَّمْ كما أفاده
"ط"(٦)؛ لأَنَّه ذكَرَ في "الناتر خانية)(٧) وغيرها: ((أَنّه إنْ نزعَ الجلدةَ بعدما برئ بحيث لم يتألّم فعليه الغَسلُ،
وإِنْ قِبَلَه بحيث يتأَلَّمُ فلا، والأشبهُ أَنَّه لا يلزمُه الغَسلُ فيهما جميعاً، وهو المأخوذ به)) اهـ ملخَّصاً.
فحالةُ الثأُم لا خلافَ فيها، فإذا قال: وإنْ لم يتألّم يُعلَمُ عدمُ لزوم الغَسل مع التألُم بالأَولى؛
لأَنَّ القاعدة: أنَّ نقيضَ ما بعد إنْ ولو الوصلِيّتين أولى بالحكم.
ويمكنُ الجواب بأنّه أتى بالواو بدون لم لملاحظةِ التعليل [١/ق٧٥/ب] بعدم البدلَيَّةِ؛ لأنَّ
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٤) "الصحاح": مادة ((دمل)).
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٧) "التاتر خانية": كتاب الطهارة - الفصل الأوَّل في الوضوء ٩٥/١.

قسم العبادات
٣٣٨
حاشية ابن عابدين
لعدم البدلَّة بخلاف نزعِ الخفِّ، فصار كما لو مسَحَ خفَّهُ ثم حتَّهُ أو قشَرَهُ.
(فروعٌ) في أعضائه شُقاقٌ غسَلَهُ إنْ قدَرَ، وإلاَّ مسَحَهُ».
انتفاء البدلَّةِ عند عدم التألُّم أولى منه عند الثألّم، تأمَّل. وعلى كلِّ فنسخةُ ((إِنْ تَأَلَّمَ)) بدون واوٍ
غیرُ صحیحةٍ، فافهم.
[٨١٦] (قولُهُ: لعدمِ البدلَيَّةِ) علَّةٌ لعدم الإعادة في المسائلِ كلِّها، "ط)"(١). وذلك لأنَّ البدلية
تكون عند تعذُّرِ الأصل.
[٨١٧] (قولُهُ: بخلاف نزعِ الخفِّّ) أي: فإنَّه بنزعِهِ يغسلُ ما تحتَه؛ لأَنَّه بدلٌ عن الغَسل
ظاهراً، فلمَّا نزعَهُ سَرَى الحدثُ إلى القدم، "ط"(٢).
[٨١٨] (قولُهُ: فصار) أي: ما ذُكِرَ من الحلْق والقلْم والكشْط.
[٨١٩] (قولُهُ: ثمَّ حَتَّهُ أو قشَرَهُ) هما بمعنىَّ واحدٍ كما في "القاموس(٣)، أي: حتَّ محلّ المسح منه.
[٨٢٠] (قولُهُ: شُقاقٌ) هو بالضمِّ، وفي "التهذيب" (٤): ((قال "الليثُ)"(٥): هو تشقُّقُ
الجلدِ من برْدٍ أو غيره في اليدين والوجهِ، وقال "الأصمعيُّ"(٦): الشُّقَاقُ في اليدِ والرِّجْلِ من
بدن الإنسان والحيوان، وأمَّا الشُّقَوقُ فهي صدوعٌ في الجبال والأرض ))، وفي "التكملة"(٧)
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٣) "القاموس": مادة ((حتت)).
(٤) "تهذيب اللغة": مادة ((شقق)) ٢٤٧/٨ بتصرف يسير. وهو لأبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر المعروف
بالأزهري الهَرَوي الشافعي (ت٣٧٠هـ). ("كشف الظنون" ٥١٥/١، "وفيات الأعيان" ٣٣٤/٤، "بغية الوعاة"
١٩/١، "شذرات الذهب" ٣٧٩/٤).
(٥) هو الليث بن المظفر كما في مقدمة "التهذيب"، وقال محقّقُهُ عبد السلام هارون: ((هكذا سَمَّاه الأزهريُّ، وفي
"البغية": أَنَّه يقال له: الليث بن نصر، والليث بن رافع، ولم تُؤرَّخ وفاته)).
(٦) أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيْب الباهلي الأصمعي (ت ٢١٦ هـ). ("نزهة الألبا" صـ٦٩ -، "وفيات الأعيان" ١٧٠/٣).
(٧) "التكملة والذيل والصلة": لأبي الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن، رضيّ الدين القُرَشي العَدَوي العُمَرِي الصَّغَاني - ويقال:
الصّاغاني - الأصل اللَّوْهَوْري البغدادي الحنفي(ت ٦٥٠هـ) وهي على كتاب "تاج اللغة وصحاح العربية" لأبي نصر إسماعيل
ابن حَمّاد الجوهري الفارابي الشافعي(ت٣٩٣هـ). (كشف الظنون" ١٠٧١/٢ - ١٠٧٢، "نزهة الألبا" صـ٤١٨-، "بغية
الوعاة" ٥١٩/١)، ولم نعثر على المسألة في "التكملة" على حدٍّ بحثنا.

الجزء الأول
٣٣٩
الوضوء وأحكامه
وإلاَّ تَرَكَهُ، ولو بيدِهِ ولا يقدرُ على الماء تيمَّمَ، ولو قُطِعَ من المرفق غسَلَ محلَّ القطعِ، ولو
خُلِقَ له يدانِ ورِجْلان فلو يبطِشُ بهما غسَلَهما،.
عن "يعقوب"(١): ((يقال: بيدِ فلان شقوقٌ، ولا يقالُ: شُقاقٌ؛ لأنَّ الشُّقاق في الدَّابِّ، وهي
صدوعٌ في حوافرها وأرساغها ))، "مغرب"(٢).
[٨٢١] (قولُهُ: وإلاَّ ترَكَهُ) أي: وإنْ لم يمسحْهُ - بأنْ لم يقدر على المسح - ترَكَهُ.
[٨٢٢] (قولُهُ: ولا يقدِرُ على الماء) أي: على استعماله لمانعٍ في اليدِ الأخرى، ولا يقدرُ
على وضع وجهه ورأسه في الماء.
[٨٢٣] (قولُهُ: يتيمَّمُ) زاد في "الخزائن"(٣): ((وصلائهُ جائزةٌ عنده خلافاً لهما، ولو كان في
رِجْله فجعَلَ فيه الدواءَ يكفيه إمرارُ الماءِ فوقه، ولا يكفيه المسحُ، ولو أمرَّهُ فسقَطَ إنْ عن بُرءِ یعیدُه،
وإلاَّ فلا كما في "الصُّغْرى"))(٤). اهـ "ابن عبد الرزّاق".
[٨٢٤] (قولُهُ: ولو قُطِعَ إلخ) قال في "البحر"(٥): ((ولو قُطِعَت يدُه أو رِجْله، فلم يبقَ من
المرفق والكعب شيءٌ سقَطَ الغَسلُ، ولو بقي وجَبَ)). اهـ "ط"(٦).
[٨٢٥] (قولُهُ: ولو خُلِقَ لهُ) أي: من جانبٍ واحدٍ.
[٨٢٦] (قولُهُ: فلو يَبطِشُ) بالضمِّ والكسر كما في "القاموس(٧)، والبطشُ قاصرٌ على اليدين،
(قولُهُ: وصلاُهُ جائزةٌ عنده خلافاً لهما) بناءً على أنَّ القادر بقدرةِ الغير يُعَدُّ قادراً عنده لا عندهما.
(١) إصلاح المنطق": باب ما يذكر ويؤنث صـ٣٦٨- ليعقوب بن إسحاق المعروف بابن السكيت(ت ٢٤٣هـ، وقيل: ٢٤٤،
وقيل: ٢٤٦). ("وفيات الأعيان" ٣٩٥/٦، "بغية الوعاة" ٣٤٩/٢).
(٢) "المغرب": مادة ((شقق)).
(٣) "الخزائن": كتاب الطهارة ق ٢٥/ب.
(٤) هي "الفتاوى الصغرى" للإمام حسام الدين الصدر الشهيد، وقد تقدَّم التعريف بها صـ٢٤٧ -. .
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٦) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٧) "القاموس": مادة ((بطش)).

قسم العبادات
٣٤٠
حاشية ابن عابدين
ولو بإحداهما فهي الأصليَّةُ فيغسلُها، وكذا الزائدةُ إِنْ نبتت من محلِّ الفرض كإصبعٍ وكفٍ
زائدين، وإلاَّ فما حاذَى منهما محلَّ الفرض غسَلَهُ، وما لا فلا، لكنْ يُنْدَبُ، "محتبى".
(وسُنْنُه).
فلو قال: ويمشي بهما نظراً إلى الرِّجلين لكان حسناً، "ط" (١).
[٨٢٧] (قولُهُ: ولو بإحداهما إلخ) أي: ولو يبطِشُ بإحداهما فهي الأصليَّةُ، والأخرى
زائدةٌ لا يجبُ غسلُها.
٦٩/١
وظاهرُه ولو كانت تامَّةً، وفي "النهر"(٢): ((ولم أرَ حكمَ ما لو كانتا تامَّتين متّصلتين أو
[١/ق٧٦/أ] منفصلتين، والظاهرُ وجوبُ غَسلِهما في الأوَّلِ، وغسلُ واحدةٍ في الثاني)) اهـ. فلم
يعتبر البطش.
والظاهرُ أَنَّه يعتبرُ البطشُ أوَّلاً، فإنْ بطَشَ بهما وجَبَ غَسلهما، وإلاّ فإنْ كانتا تامَّتِين
مَتَّصلتين وجَبَ غَسلهما، وإنْ كانتا منفصلتين لا يجبُ إلاَّ غَسلُ الأصلية التي يبطشُ بها، وهو
حسنٌ جمعاً بين العبارتين، "ط"(٣).
[٨٢٨] (قولُهُ: كإصبعٍ) تنظيرٌ لا تمثيلٌ؛ لأنَّ الكلام في اليدِ.
مطلبٌ في السنَّةِ وتعريفها
[٨٢٩] (قولُهُ: وسننهُ إلخ) اعلمْ أنَّ المشروعاتِ أربعةُ أقسامٍ: فرضٌ، وواجبٌ، وسنّةٌ، ونقلٌ، فما
كان فعلُهُ أَولى من تركه مع منع الترك إِنْ ثَبَتَ بدليلٍ قطعيٍّ ففرضٌ، أو بظنىٍّ فواجبٌ، وبلا منعِ الترك
إنْ كان مما واطَبَ عليه الرسول و﴿ أو الخلفاءُ الراشدون من بعدهِ فسنة، وإلاّ فمندوبٌ ونفلٌ.
والسنة نوعان:
سنَّةُ الهدى: وتركُها يوجبُ إساءةً وكراهيةً كالجماعةِ، والأذان، والإقامةِ ونحوها.
وسنّةُ الزَّوائدِ: وتركُها لا يوجِبُ ذلك كسِيَرِ النبي عليه الصلاة والسلام في لباسه، وقيامه، وقعوده.
والنفلُ - ومنه المندوبُ - يثابُ فاعلُه ولا يُسيءُ تاركُه، قيل: وهو دون سننِ الزوائد، ويرِدُ عليه:
(١) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٤/أ.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٦٥/١.

الجزء الأول
٣٤١
الوضوء وأحكامه
أنَّ النفل من العبادات، وسننُ الزوائدِ من العادات، وهل يقولُ أحدٌ: إنَّ نافلة الحجِّ دون
التيامُنِ في التنعُّل والترجُّل؟ كذا حقَّقَهُ العلاَّمة "ابنُ الكمال" في "تغيير التنقيح" و"شرحه"(١).
أقولُ: فلا فرقَ بين النفل وسنن الزوائد من حيث الحكمُ؛ لأنّه لا يكرهُ تركُ كلّ منهما، وإنما
الفرقُ كونُ الأوَّلِ من العبادات والثاني من العادات، لكنْ أُورِدَ عليه أنَّ الفرق بين العبادة والعادة هو
التَّةُ المتضمَِّة للإخلاص كما في "الكافي"(٢) وغيره، وجميعُ أفعالِهِ وَّ مشتملةٌ عليها كما يُيِّنَ في محلّه.
وأقولُ: قد مثَّلوا لسنَّة الزوائدِ أيضاً بتطويله عليه الصلاة والسلام القراءة والركوع والسجودَ،
ولا شكَّ في كون ذلك عبادةً، وحينئذٍ فمعنى كونِ سنَّة الزوائدِ عادةً أنَّالنبي ◌َ﴿ واطَبَ عليها
حتى صارت عادةً له، ولم يتركْها إلاَّ [١/ق٧٦/ب] أحياناً؛ لأنَّ السنّة هي الطريقةُ المسلوكة في
الدِّين، فهي في نفسها عبادةٌ، وسميت عادةً لِما ذكرنا، ولَمَّا لم تكن من مكمِّلات الدِّين وشعائره
سُمِّيت سنَّةَ الزوائدِ بخلاف سنَّة الهدى - وهي السننُ المؤكَّدة القريبة من الواجب التي يُضلَّلُ
تاركُها؛ لأنَّ تركها استخفافٌ بالدين - وبخلاف النفل، فإنَّه كما قالوا: ما شُرِعَ لنا زيادةً على
الفرض والواجب والسنَّة بنوعيها، ولذا جعلوه قسماً رابعاً، وجعلوا منه المندوبَ والمستحبَّ، وهو
ما ورَدَ به دليلُ ندبٍ يخصُّهُ كما في "التحرير"(٣)، فالنفلُ: ما ورَدَ به دليلُ ندبٍ عموماً أو
خصوصاً، ولم يواظبْ عليه النبيَُّ ﴿، ولذا كان دون سنَّة الزوائدِ كما صرَّحَ به في "التنقيح"(٤)،
(١) "تغيير التنقيح" و"شرحه": لأحمد بن سليمان، شمس الدين المعروف بابن كمال باشا الرومي(ت ٩٤٠ هـ).
("كشف الظنون" ٤٩٩/١، "الشقائق النعمانية" صـ٢٢٦ -، "الطبقات السنية" ٣٥٥/١).
(٢) "كافي النسفي": كتاب الصلاة - شروط الصلاة ١/ق ٢٤/أ. و"الكافي" هو "شرح الوافي" أصلٍ "كنز الدقائق" لأبي
البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين النسفي(ت ٧١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٩٩٧/٢، "الجواهر المضية"
٢٩٤/١، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٩٨/٢).
.(٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثالث - مبحث الرخصة والعزيمة صـ٢٥٩ -.
(٤) انظر "التلويح" بحث السنّة نوعان ١٢٥/٢، و"التنقيح": هو "تنقيح الأصول" لعبيد الله بن مسعود، صدر الشريعة الأصغر
المحبوبي البخاري (ت٧٤٧هـ). ("كشف الظنون" ٤٩٦/١، "الفوائد البهية" صـ ١٠٩-).

قسم العبادات
٣٤٢
حاشية ابن عابدين
أفادَ أَنَّه لا واجبَ للوضوء ولا للغُسل، وإِلاَّ لقدَّمَهُ، وجَمَعَها لأنَّ كلَّ سنّةٍ مستقلّةٌ
بدليلٍ وحكمٍ،.
وقد يطلقُ النفلُ على ما يشملُ السننَ الرواتب، ومنه قولهم: بابُ الوترِ والنوافل، ومنه تسميةً
الحجِّ نافلةً؛ لأنَّ النفل الزيادةُ، وهو زائدٌ على الفرض مع أنَّه من شعائرِ الدِّين العامَّةِ، ولا شكَّ أَنَّه
أفضلُ من تثليث غسل اليدين في الوضوء ومن رفعهما للتحريمة مع أنّهما من السننِ المؤكدةِ، فتعَيَّنَ
ما قلنا، وبه اندفَعَ ما أورَدَهُ "ابنُ الكمال"، فاغتنمْ تحقيقَ هذا المحلِّ، فإنَّك لا تجدُه في غير هذا
الكتاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
[٨٣٠] (قولُهُ: أفادَ إلخ) حيث ذكَرَ السننَ عقب الأركان هنا وفي الغُسل، ولم يذكرْ لهما واجباً،
ولولم يكن كلامُه مفيداً ذلك لقدَّمَ ذِكرَ الواجب على السنن لأَنَّه أقوى، فمقتضى الصناعةِ تقديمهُ.
وأرادَ بالواجب ما كان دون الفرض في العمل، وهو أضعفُ نوعي الواجبِ، لا ما يشملُ
النوعَ الآخِرَ، وهو ما كان في قوَّة الفرض في العمل؛ لأنَّ غَسل المرفقين والكعبين، ومسحَ ربع الرأس
من هذا النوع الثاني، وكذا غَسلُ الفم والأنفِ في الغُسل؛ لأنَّ ذلك ليس من الفرض القطعيِّ الذي
يُكفَرُ جاحدُه، تأمَّل.
ثُمَّ رأيتُ التصريحَ بذلك في "شرح الدُّرر" للشيخ "إسماعيل"(١)، واحترَزَ بقوله: ((للوضوء
وللغُسلِ )) عن نفس الوضوء والغُسل، فإنَّ الوضوء يكون فرضاً وواجباً وسنّةً ونفلاً كما قدَّمَهُ
"الشارحُ"(٢)، وكذا الغُسل [١/ق٧٧/أ] على ما يأتي في محلِّه(٣).
[٨٣١) (قولُهُ: وجَمَعَها) أي: السننَ، حيث أتى بها بصيغة الجمع، ولم يأتِ بها مفردةً كما قال
في "الكنز"(٤): ((وسنَّتْهُ)).
[٨٣٢] (قولُهُ: مستقلّةٌ بدليلٍ وحكمٍ) قال "ابنُ الكمال": ((أَمَّ الأوَّلُ فظاهرٌ عند مَن تأمَّلَ في
(١) "الإحكام": كتاب الطهارة ١/ق ٣٣/ب وما بعدها.
(٢) صـ٢٩٥- ٢٩٦ - "در".
(٣) أي: في بحث الغسل.
(٤) انظر "شرح العيني على الكنز": كتاب الطهارة ٨/١.

الجزء الأول
٣٤٣
الوضوء وأحكامه
وحكمُها: ما يُؤجَرُ على فعله، ويُلامُ على تركه».
"الهداية"(١) وسائر الكتب المطوّلة، وأمَّا الثاني فلأنَّ ما يترتّبُ على فعلِ السنَّة وتركِها من الثواب
والعقاب يترتَّبُ على كلِّ فعلٍ منها وتركِه منفرِدةً كانت أو مجتمعةً مع أخواتها، وليس الأمرُ في الفرض
كذلك، فإنَّ فرض الوضوء مجموعُ غَسلِ الأعضاء الثلاثة ومسحِ الرأس، لا أنَّ كلاً منها فرضٌ مستقلٌّ
يترتَّبُ على فعله وتركه حكمُ الفرض، ولذلك أثَّرَ فيه صيغةَ المفرد، ومَن لم يتَّهْ لهذه الدقيقةِ الأنيقة
سلَكَ في الموضعين مسلكَ الإِفراد)) اهـ.
وعلى هذا فكان الأنسبُ لـ "المصنّف" أنْ يقول فيما مرَّ(٢): وركنُ الوضوءِ، بالإفراد لاتحادِ
الدليل - وهو الآيةُ - واتحادِ الحكم بدليل فساد البعض بتركِ البعض كما (٣) قاله في "البحر"(٤)، فافهم.
(٨٣٣] (قولُهُ: ما يُؤْجَرُ إلخ) ((ما)) مصدريَّةٌ لا موصولةٌ أو موصوفةٌ واقعةٌ على السنَّة؛ لأنَّ
الحكم الثابتَ لها الأجرُ واللَّومُ على الفعل والترك، وليس الحكم هو الفعلَ الذي يُؤُجَرُ عليه، إلاَّ أنْ
يقالَ: إِنَّها موصولةٌ أو موصوفةٌ واقعةٌ على الأجر، والعائدُ محذوفٌ، أي: الأجرُ الذي يُؤْجَرُه،
وعلی کلّ فالمناسبُ تأنيث الضمير في ((فعلِهِ)) و ((تر کِهِ))، فافهم ..
٧٠/١
[٨٣٤] (قولُهُ: ويلامُ) أي: يُعَتَبُ بالتاء، لا يُعاقَبُ كما أفاده في "البحر"(٥) و"النهر"(٦)،
(قولُهُ: إلاَّ أنْ يقال: إنَّها موصولةٌ إلخ) أي: مع تقديرِ لفظٍ: ما قبلَ: ((يُلامُ)) واقعةً على ((لومٍ))
مع تقدیرِ عائدٍ أيضاً.
(١) "الهداية": كتاب الطهارات ١٢/١ -١٣.
(٢) صـ٣٠٩ - "در".
(٣) ((كما)) ليست في "م".
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٨/١.
. (٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٧/١.
(٦) "النهر": كتاب الطهارة ق ٥/أ.

قسم العبادات
٣٤٤
حاشية ابن عابدين
لكنْ في "التلويح"(١): ((تركُ السنَّةِ المؤكَّدةِ قريبٌ من الحرام، يستحقُّ حرمانَ الشفاعة لقوله
عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ تَرَكَ سنِّي لم ينلْ شفاعتي(٢)))) اهـ.
وفي "التحرير"(٣): ((أَنَّ تاركها يستوجبُ التضليلَ واللّوم)) اهـ.
والمرادُ التركُ بلا عذرٍ على سبيل الإصرار كما في "شرح التحرير" لـ "ابن أمير
!! (٤)
حاج "(٤).
(قولُهُ: لكنْ في "التلويح": تركُ السّنّةِ المؤكَّدةِ إلخ) قد يقال: لا مخالفةَ بين القول بترتُّبِ العتابِ
واللَّوم على الترك والقولِ بترتُّبِ التضليلِ والإِئْم عليه، فإنَّ الإثم هنا المترتّبَ على ترك السنَّةِ جزاؤه اللَّومُ
وحرمانُ الشَّفاعة ونحوُهما لا العقابُ بالنار، فلا يكونُ ما في "البحر" و "النهر" مخالفاً لِما نقَلَهُ "المحشِّي"؛
إذ لا تلازُمَ بين الإِثم اليسير والعقاب، على أنَّه يمكنُ أنْ يقال: إنَّ قصد "الشارح" بيانُ ما يترتَّبُ على
مجرَّدِ الترك وهو اللَّومُ، والإِثْمُ إنما جاءَ من الإصرار لا من مجرَّدِ الترك، وهذا على تسليمِ التلازم بين الإِثْم
والعقاب، على أنَّه بتركِ السنَّةِ يترتّبُ اللَّومُ، ثُمَّ قد يحصلُ إثمٌ وعقابٌ وقد لا يحصل، فاللازمُ الغُيُر المنفكِّ
ترتُّبُ اللَّوم، وغيرُه منفكٌّ، فلذا جُعِلَ الأوَّلُ حكمَها لا الثاني؛ إذ هو لا يترتَّبُ إلَّ في ترك المؤكَّدة على
سبيلِ الإصرار، لا غيرِها ولا فيها لا على سبيل الإصرار، تأمَّل.
(١) "التلويح": القسم الثاني من الحكم ١٢٦/٢.
(٢) لم نجده بهذا اللفظ، ولكن أخرج الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٥٨/٤، وابن الجوزي في "الموضوعات" ١٤٧/١ -
١٤٨ بنحوه، عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً، وفيه: ((أنَّ ملكاً ينادي في كلِّ يومٍ: مَن تَرَكَ سنّةً محمَّد ﴿﴿ لم يَرِدٍ
الحوض، ولم تدركه شفاعةُ محمَّدٍ ﴿))، قال الخطيب: هذا حديثٌ منكرٌ. وحكَمَ بوضعه السيوطي في "اللآلئ
المصنوعة" ٩٢/١، وتابعه ابن عراق في "تنزيه الشريعة" ١٧٠/١ وغيرهم.
- (٣) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الأوَّل - الفصل الثالث - مبحث الرخصة والعزيمة صـ٢٥٩ -.
(٤) "التقرير والتحبير": ١٤٩/٢.