النص المفهرس

صفحات 281-300

الجزء الأول
٢٦٥
الطهارة - تعريفها
تكفيه النَّّةُ بلسانه ))، وأمَّ الطهارةُ ففي "الظهيريَّة" وغيرها: (( مَنْ قُطِعتْ يداه
ورِجْلاه
[٥٤٩] (قولُهُ: تكفيهِ النّةُ بلسانِهِ) إطلاقُ النَّةِ على اللفظ مجازٌ. اهـ "ح"(١).
أي: لأنَّ النَّةَ عملُ القلبِ لا اللسانِ، وإنما الذِّكرُ باللسانِ كلامٌ، ومن ثَمَّ حُكِيَ الإجماعُ
على كونِها بالقلب، فقد سقطت النِيَّةُ هنا للعذر، فسقَطَ القولُ بعدمِ(٢) سقوطِها.
بقيَ أنَّ التلفُّظَ بها للعاجزِ إنْ كان غيرَ شرطٍ فلا إشكالَ، ولذا اختارَ في "الهداية"(٣).
٥٤/١ (( أنَّ التلفُّظَ بها مستحبٌّ لمنْ لم تجتمعْ عزيمتُهُ))، وإنْ كان شرطاً - كما هو المتبادِرُ من
كلام "القنية" - ورَدَ عليه ما في "الحلبة(٤) شرحِ المنية" لـ "ابن أمير حاج": (( أَنَّه نصبُ بدل
بالرأي، وهو ممنوعٌ إلاَّ أنْ يظهرَ دليلُهُ))، وأقرَّهُ في "المنح"(٥).
أقولُ: وما قاله "الحمويُ) (٦): ((من أنَّه حيثُ كان لا يقدِرُ على نَّةِ القلب صارَ الذِّكر باللسان
أصلاً لا بدلاً )) اهـ دعوى بلا دليلٍ، وأيضاً هو مشتركُ الإلزامِ، فإنَّ نصبَ الشروطِ
(قولُهُ: وإنْ كان شرطاً - كما هو المتبادرُ من كلام "القنية" - ورَدَ عليه ما في "الحلبة" إلخ) ذكَرَ
"المحشِّي" في باب صفةِ الصلاة بعد ذكره ما بحَثَهُ في "الحلبة": ((لا يبعُدُ القولُ بسقوط الأداء عمَّن
وصَلَ إلى هذه الدَّرجة، فإنَّ مَن لا يمكنُهُ معرفةُ أيِّ صلاةٍ يصلّي بمنزلة المجنون، وسيذكرُ "المصنّف" في
باب صلاة المريض: أنَّه لو اشتبَهَ على المريض أعدادُ الرَّكعات أو السَّحَدات لنعاسٍ يلحقُهُ لا يلزمُهُ
الأداء)) اهـ. لكنَّ الظاهر اعتمادُ ما في "الهداية".
(١) "ح": كتاب الطهارة ق ٦/أ باختصار.
(٢) في الأصل: ((بعد)) عوضاً عن ((بعدم))، وهو تحريف.
(٣) انظر "الهداية": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة التي تتقدَّمُها ٤٥/١.
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الخامس: الوقت ٢/ق ٤١/ب بتصرف.
(٥) "المنح": كتاب الصلاة - باب شروط الصلاة ١/ق ٣٢/ب.
(٦) "غمز عيون البصائر": القواعد الكلية ١٦٢/١ بتصرف.

قسم العبادات
٢٦٦
حاشية ابن عابدين
وبوجهه جراحةٌ يصلّ بلا وضوءٍ ولا تيمُّمٍ، ولا يعيدُ في الأصحِّ))، وأمَّا فاقدُ
الطَّهورين ففي "الفيض" وغيره: (( أَنَّه يتشبَّهُ عندهما، وإليه صحَّ رجوعُ "الإمام"،
وعليه الفتوى )).
الأصلَيَّةِ لا بدُّ لها (١) من دليلٍ أيضاً، وهذا كلُّه حيث كان الفرعُ المذكورُ من تخريجاتِ بعضِ المشايخِ
كما هو الظاهرُ، أمَّا لو كان منقولاً عن المجتهد فلا يلزمُ المقلّدَ طلبُ دليلِه.
[٥٥٠] (قولُهُ: وبوجهِهِ جِراحٌ) قَّدَ به لأَنَّه لو كان سليماً مسَحَهُ على الجدارِ بقصْدٍ
التيمُّم، "ط"(٢). وسكَتَ عن الرأس لأنَّ أكثرَ الأعضاءِ جريحٌ، والوظيفةُ حينئذٍ التيمُّمُ، ولكنَّه
سقَطَ لفقدِ آلْتِهِ، وهما اليدان. اهـ "ح"(٣).
[٥٥١] (قولُهُ: يصلّي بلا وُضوءٍ) أي: فسقَطَ قولهم: إنَّ الطهارة لا تسقُطُ أصلاً، "ط " (٤).
لكنْ ذكَرَ "الحمويُّ" في "رسالةٍ": ((أَنَّه قد يقالُ: المرادُ بعدمِ السقوط بعذرٍ إنما هو بعدَ
إمكانه في الجملة، وما هنا راجعٌ إلى زوالِ الأهليّةِ لعدم المحلِّيَّة، على أنَّ التخُلُّف في مادَّةٍ
واحدةٍ [١/ق٥٩/أ] قَلَّما تقعُ لا يقدحُ في الكليّةِ كما لا يخفى على أصحابِ الرويَّة )).
[٥٥٢] (قولُهُ: وأمَّا فاقدُ الطَّهورين) هذا ردٌّ من "الشارح" للدَّعوى الوسطى، "ط "(٥).
[٥٥٣] (قولُهُ: يتشبَّهُ) أي: بالمصلّين وجوباً، فيركعُ ويسجدُ إنْ وجَدَ مكاناً يابساً، وإلاَّ
يومىُ قائماً، ثمَّ يعيدُ كما سيأتي(٦) في التيمُّم، ونقل "ط)"(٧): (( أنّه لا يقرأ فيها))، ثمَّ قال:
(( وفيه أنَّ هذا لا يصلُحُ ردًّا؛ لأنَّ هذه صورةُ صلاةٍ، وليستْ بصلاةٍ حقيقيّةٍ لِما أَنَّه يطالَبُ
(١) قوله: ((لا بُدَّ لها)) هكذا بخطه، ولعلَّ الأولى ((لا بُدَّ له)) كما لا يخفى ا.هـ مُصحِّحه.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٥٣/١.
(٣) "ح": كتاب الطهارة ق ٦/أ باختصار.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٥٣/١.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٥٣/١.
(٦) المقولة [٢٢٣٩] قوله: ((ولا يعيد على الأصح)).
(٧) "ط": كتاب الطهارة ٥٣/١ نقلاً عن أبي السُّعود معزياً إلى "نور الإيضاح".

الجزء الأول
٢٦٧
الطهارة - تعريفها
قلت: وبه ظهَرَ أنَّ تعمُّدَ الصلاة بلا طُهرِ غيرُ مكفِّرٍ كصلاته لغيرِ القبلة، أو مع
ثوبٍ نجسٍ، وهو ظاهرُ المذهب.
بعد ذلكَ بفعلها، ولذا قال "ح"(١): الأولى المعارضةُ بالمعذورِ اهــ أيْ: إذا توضَّأ على السَّيَلان
وصلَّى في الوقت فإنَّه يصدُقُ عليهِ أنَّه صلَّى بغيرِ طهارةٍ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ هذه الطهارةَ من
المعذور معتبرةٌ شرعاً )) اهـ.
[٥٥٤] (قولُهُ: وبهِ) أي: بما في "الظهيريَّة"(٢)؛ لأَنَّه الذي يُنِتِجُ مَا ذَكَرَهُ، "ط"(٣).
[٥٥٥] (قولُهُ: غيرُ مكفّرٍ) أشارَ به إلى الردٍّ على بعض المشايخ (٤)، حيث قال: ((المختارُ
أَنَّه يُكَفَرُ بالصلاةِ بغير طهارةٍ لا بالصلاةِ بالثوب النجسِ وإلى غيرِ القبلةِ لجوازِ الأخيرتينِ حالةً
العذرِ بخلاف الأُولى، فإنَّه لا يؤتى بها بحالٍ، فُكفَرُ ))، قال "الصدر الشهيد"(٥): ((وبه
نأخذُ ))، ذكرَهُ في "الخلاصة"(٦) و"الذخيرة". وبحَثَ فيه في "الحلبة"(٧) بوجهينِ: ((أحدهما:
ما أشارَ إليه "الشارح". ثانيهما: أنَّ الجوازَ بعذرٍ لا يؤثِّرُ في عدم الإكفار بلا عذرٍ؛ لأنَّ
الموجِبَ للإكفارِ في هذه المسائلِ هو الاستهانة، فحيث ثبتت الاستهانةُ في الكلِّ تساوَى
الكلُّ فِي الإِكفار، وحيث انتفَتْ منها تساوَتْ في عدمه، وذلك لأنَّه ليسَ حكمُ الفرضِ لزومَ
(١) "ح": كتاب الطهارة ق ٦/أ.
(٢) "الفتاوى الظهيرية": كتاب الطهارة - الباب الرابع - الفصل الأول في التيمم ق٩/أ نقلاً عن الشيخ الإمام أبي بكر
محمد بن الفضل معزياً إلى "الجامع الصغير" للكرخي. و"الظهيرية" لأبي بكر محمد بن أحمد بن عمر، ظهير الدين
البخاري (ت٦١٩هـ). ("كشف الظنون" ١٢٢٦/٢، "الفوائد البهيّة" صـ١٥٦-).
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٥٣/١.
(٤) هو الشيخ علي السغدي، كما صرح به في "الخلاصة".
(٥) أبو محمد عمر بن عبد العزيز بن عمر مازه، برهانُ الأئمة حسامُ الدين المعروف بالصدر الشهيد البخاري (ت٥٣٦هـ).
("الجواهر المضية" ٦٤٩/٢، "الفوائد البهية" صـ١٤٩-).
(٦) "خلاصة الفتاوى": كتاب الصلاة - الفصل الخامس في استقبال القبلة ق ٢٣/أ بتصرف. وهي لطاهر بن أحمد بن عبد
الرشيد، افتخار الدين البخاري(ت٥٤٢هـ). ("كشف الظنون" ٧١٨/١، "الطبقات السنية" ١٠٥/٤).
(٧) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ١١/أ.

قسم العبادات
٢٦٨
حاشية ابن عابدين
كما في "الخانَيَّة"، وفي سير "الوهبانيَّة"(١): [ طويل ]
مع العمدِ
وفي كُفْرٍ مَنْ صلَّى بغير طهارةٍ
الكفرِ بتركه، وإلاَّ كانَ كلُّ تاركٍ لغرضٍ كافراً، وإنما حكمُهُ لزومُ الكفرِ بححدِهِ بلا شبهةٍ
دارئةٍ)). اهـ ملخَّصاً. أي: والاستخفافُ في حكمِ الجحود(٢).
[٥٥٦] (قولُهُ: كما في "الخانَّة")(٣) حيث قال بعد ذكرِهِ الخلافَ في مسألة الصلاةِ بلا
طهارةٍ: (( وإِنَّ الإِكفارَ روايةُ "النوادرِ"، وفي "ظاهر الرواية": لا يكون كفراً، وإنما اختلفوا
إذا صلَّى لا على وجهِ الاستخفاف بالدِّين، فإنْ كان على وجهِ الاستخفافِ ينبغي أنْ يكون
كفراً عند الكلِّ )) اهـ
أقولُ: وهذا مؤيِّدٌ لِما بحثَهُ في "الحلبة"(٤)، لكنْ بعد اعتبارِ كونهِ مستخِفاً ومستهيناً
بالدِّين كما علمتَ من كلام "الخانَيَّة"، وهو بمعنى الاستهزاء والسخرية به، أمَّا لو كان بمعنى
عدّ ذلك الفعلِ خفيفاً وهيِّناً من غيرِ استهزاءٍ ولا سخريةٍ، بل [١/ق٥٩/ب] لمجرَّدِ الكسل أو
الجهل فينبغي أنْ لا يكونَ كفراً عند الكلِّ، تأمَّلْ.
[٥٥٧] (قولُهُ: مع العَمدِ) أي: حالَ كونِه مصاحِباً للعمد، "ط"(٥).
(قولُهُ: أقول: وهذا مؤيّدٌ لِما بحَثَهُ في "الحلبة" إلخ) حيث جعَلَ الكفرَ فيما إذا كان على وجهِ الاستخفاف.
(١) "الوهبانية": فصل من كتاب السير صـ٤١ -. (هامش "المنظومة المحبية").
(٢) في "د" زيادة: ((قوله: كصلاته لغير القبلة إلخ، في "البزازية": لو صلَّى إلى غير القبلة متعمِّداً فوافَقَ الكعبة كفر، وبه
أخذ أبو الليث، وكذا لو صلَّى بالثوب النحس متعمّداً، وكذا لو صلى بدون طهارةٍ يكفر، وقال ركن الإسلام: في
الصلاة بالثوب النجس لا يكفر، وقد اختلفت رواية "النوادر" أنَّه يكفر، وبعضهم برواية "المبسوط" أنّه لا يكفر،
وقالوا: الصلاةُ بدون طهارةٍ ليست بصلاةٍ؛ لعدم شرطها وهو الطهارة فلا يكفر، وأجيب بأنَّ صلاته بدون طهارةٍ
متعمِّداً استخفافٌ فيكفر. انتهى)).
(٣) "الخانية": كتاب السِّير - باب ما يكون كفراً من المسلم وما لا يكون ٥٧٢/٣ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) "الحلبة": شروط الصلاة - الرابع: استقبال القبلة ٢/ق ١١/أ.
(٥) "ط": كتاب الطهارة ٥٤/١.
-

الجزء الأول
٢٦٩
الطهارة - تعريفها
..... خُلْفٌ فِي الرِّوايات يُسطَرُ
ثم هو مركَّبٌ إضافيٌّ، مبتدأٌ، أو خبرٌ، أو مفعولٌ لفعلٍ محذوفٍ، فإنْ أُرِيدَ التعدادُ
بُنِيَ على السكون وكُسِرَ تخلُّصاً من الساكنين،
[٥٥٨] (قولُهُ: خُلْفٌ) أي: اختلافٌ بين أهل المذهب، والمعتمدُ عدمُ التكفير كما هو ظاهرُ
المذهب، بل قالوا: لو وُجِدَ سبعونَ روايةً متَّفقةً على تكفيرِ المؤمنِ، وروايةٌ - ولو ضعيفةً - بعدمهِ
يأخذُ المفتي والقاضي بها دون غيرها، والخلافُ مخصوصٌ بغيرِ فرع "الظهيرية"(١)، أمَّا هو فصلاتُهُ
واجبةٌ عليهِ بغير طهارةٍ لأمرِ الشارع له بذلك، "ط" (٢).
[٥٥٩] (قولُهُ: يُسْطَرُ) أي: يُكتَب.
[٥٦٠] (قولُ: ثُمَّ هو) أي: كتابُ الطهارةِ، و (ُثُمَّ)) للترتيب الذّكريِّ، وقد تأتي للاستئناف،
"ط "(٣).
[٥٦١] (قولُهُ: مبتدأُ أو خبرٌ) أي: كتابُ الطهارة هذا، أو هذا كتابُ الطهارة، واختُلِفَ في
الأَولى منهما، فقيل: الأوَّلُ؛ لأنَّ المبتدأ هو الركنُ الأعظمُ الشديدُ الحاجةِ إليه، فإبقاؤُه أَولى؛ ولأنَّ
التجوُّزَ في آخرِ الجملةِ أسهلُ، وقيل: الثاني؛ لأنَّ الخبرَ محطُّ الفائدة.
[٥٦٢] (قولُهُ: لفعلٍ محذوفٍ) نحو: خُذْ، أو اقرأ.
[٥٦٣] (قولُهُ: فإنْ أُرِيدَ التَّعدادُ) أي: تَعدادُهُ مع الكتب الآتيةِ بلا قصدِ إِسنادٍ كالأعدادِ
المسرودة.
[٥٦٤] (قولُهُ: بُنِيَ على السُّكون) لشَبهِهِ الحرفَ في الإهمال، "ط"(٤). زاد "القهستاني"(٥).
(١) المذكور في صـ٢٦٥- "در".
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٥٤/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٥٤/١.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٥٤/١.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ١٤/١ بتصرف.

قسم العبادات
٢٧٠
حاشية ابن عابدين
وإضافتُهُ لامِيَّةٌ لا ميميَّةٌ،.
(( ويجوزُ الفتحُ على النقل، والضمُّ على الحذف)) اهـ.
لكنْ فيه أنَّ نقْلَ حركةِ الهمزة شرطُهُ كونُها للقَطع، وقد يجابُ بما ذكَرَهُ "الزمخشري"(١)
في: ﴿الَّمَ (١) اللهُ﴾ [آل عمران، ١-٢]: ((من أنَّ [ميمْ] في حكم الوقف، والهمزةُ في
حكم الثابت، وإنما حُذفَتْ تخفيفاً، وأُلقيَتْ حركتُها على ما قبلها للدلالة عليها ))، تأمَّلْ.
والظاهرُ: أَنَّه أرادَ بالضَّمِّ حركةَ الإِعرابِ، وبالحذفِ حذفَ المبتدأ أو الخبر، ويؤيِّدُهُ أَنَّه
لم يذكرْ حكمَ الإِعراب، فذِكْرُ "الشارحِ" له في "شرحه" على "الملتقى"(٢) مع ذكرٍ حكمٍ
الإعرابِ قبلَهُ غيرُ مَرَضِيٍ، تأمَّلْ.
٥٥/١
[٥٦٥] (قولُهُ: وإضافتُهُ لاميَّةٌ) أي: على معنى لامِ الاختصاص، أي: كتابٌ للطهارة،
أي: مختصٌّ بها.
[٥٦٦] (قولُهُ: لا ميميَّةٌ) كذا في كثيرٍ من النسخ تبعاً لـ "النهر"(٣)، والصوابُ ما في بعض
النسخ: (( لا مِنَّةٌ)) بتخفيفِ النون وتشديد الياء نسبةً إلى مِن التي هي من حروف الجرِّ.
ووجهُ ما ذكَرَهُ: أنَّ التي بمعنى مِن البيانَّةِ شرطُها كونُ المضافِ إليه أصلاً للمضاف
وصالحاً للإخبارِ به عنه، وأنْ يكون بينه وبين المضافِ عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، وزاد في
"التسهيل"(٤) رابعاً، وهو: ((صحَّةُ تقديرٍ [١/ق٦٠/أ] مِن البيانيَّةِ ))، وكلُّ ذلك مفقودٌ هنا،
قال في "النهر"(٥): ((وليست على معنى في )) اهـ.
(١) "الكشاف": ٤١٠/١.
(٢) المسمَّى بـ "الدر المنتقى": كتاب الطهارة ٨/١ (هامش "مجمع الأنهر")، وهو شرحُ "ملتقى الأبحر" لإبراهيم بن محمد
بن إبراهيم الحلبي القُسْطَنطيني (ت ٩٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٨١٥/٢، "الشقائق النعمانية" صـ٢٩٥-،
"الكواكب السائرة" ٧٧/٢، "الطبقات السنية" ٢٢٢/١).
(٣) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/ب.
(٤) "التسهيل": باب الإضافة صـ١٥٥ -.
(٥) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/ب.
--

الجزء الأول
٢٧١
الطهارة - تعريفها
وهل يتوقّفُ حدُّهُ لقباً على معرفة مفردَيهِ؟.
أي: لأنَّ ضابِطَها كونُ الثاني ظَرفاً للأوَّلِ نحو: ﴿مَكْرُالَّيْنِ﴾ [ سبأ - ٣٣]، وخالفَهُ
"المصنّفُ" في "المنح"(١)، واختارَ كونَها بمعناها، وقال: ((وهو الأوجهُ وإنْ كان قليلاً )) اهـ.
لكنَّ الظرفيَّةَ حينئذٍ مجازيَّةٌ، وهي كثيرةٌ.
أقولُ: ويؤيِّدُهُ أَنَّه قد يُصرَّحُ بفي فيقال: فصلٌ في كذا، بابٌ في كذا، وهو مِنْ ظرفيَّةِ الدالِ
في المدلول بناءً على أنَّ المرادُ بالكتاب والفصلِ ونحوِهما من التراجم الألفاظُ العَيَّنَةُ الدالّةُ على
المعاني المخصوصةِ كما هو مختارُ "سيِّد المحقّقين"(٢)، وأنَّ المراد من الطهارة - أي: من مسائلها -
المعاني، ويجوزُ العكس، فيكونُ مِن ظرفَّةِ المدلولِ في الدالِ، تأمَّلْ.
[٥٦٧] (قولُهُ: وهل يتوقَّفُ حدّهُ لقباً) أي: من جهةٍ كونه لقباً، فهو منصوبٌ على التمييز،
وقدَّمنا(٣) أنَّ المرادَ بالحدِّ في مثل هذا الرَّسمُ وأرادَ باللقبِ العلَمَ؛ إذ ليسَ فيهِ ما يُشعِرُ برِفعَةٍ
المسمَّى أو بضَعَتِهِ، وأتى بالاستفهام لوقوعِ الخلاف فيه، أمَّا توقُّهُه على ذلك من حيثُ كونُهُ مركباً
(قولُهُ: وأرادَ باللَّقَب العَلَمَ؛ إذ ليس فيه ما يُشعِرُ برفعةِ المسمَّى أو بضَعَتِهِ) قد يقال: إنَّ هذا المركَّبَ
لِما اشتمَلَ عليه من معنى جمعِ النظافةِ بحسب أصل معناه فيه إشعارٌ برفعةِ مسمَّه، كما لو سَمَّيتَ
شخصاً بجمعِ الطهارة، أو سَمَّيته بجمعِ النجاسة المشعِرِ بضعِتِهِ، فيظهرُ أنَّه لا مانعَ من جعِلِهِ لقباً حقيقةً
كما قالَهُ "الشارح".
وقولُهُ: (( وكان ينبغي له أنْ يَذكُرَ قبل ذلك حدَّهُ اللقَبِيَّ)) فيه أنَّه مقتضى الرَّاجحِ لا يُمكن حدُّه
قبل مفرديه، فكيف يتأَتَّى له أن يَذكُرَ حدَّهُ اللقَبِيَّ أَوَّلاً؟!
(١) "المنح": كتاب الطهارة ١/ ق ٦/أ.
(٢) المرادُ به - والله أعلم - أبو الحسن علي بن محمد بن علي المعروف بالسيد الشريف الجرجاني (ت ٨١٦هـ).
("الضوء اللامع" ٣٢٨/٥، "الفوائد البهية" صـ١٢٥-).
(٣) المقولة [٢٤٦] قوله: ((أن يتصوَّرَهُ بحدِّهِ أو رسمِهِ)).

قسم العبادات
٢٧٢
حاشية ابن عابدين
الراجحُ نعمْ،
إضافياً فلا شُبهةَ فيه، وكان ينبغي له أنْ يذكُرَ قبل ذلك حَدَّه اللَّقبي، بأنْ يقولَ: هو علَمٌ على
جملةٍ من مسائلِ الطهارة.
وأمَّا قولُهُ: (( جُعِلَ شرعاً عنواناً لمسائلَ مستقلّةٍ )) فهو بيانٌ لمعنى المضافِ، لا للاسم اللقبيِّ
الذي هو مجموعُ المضافِ والمضافِ إليه.
[٥٦٨] (قولُهُ: الرَّاجحُ نعمْ) قال "الأِّي" في "شرحه" على "صحيح مسلم"(١) في كتاب الإيمان:
(( والمركَّبُ الإضافي قيل: حدُّهُ لقباً يتوقّفُ على معرفةٍ جزءيه؛ لأنَّ العِلْم بالمركَّب بعد العلم
بجزءيه، وقيل: لا يتوقَّفُ؛ لأنَّ التسمية سلَبَتْ كُلاّ منْ جزءيه عن معناه الإفراديِّ، وصَّرتِ
الجميعَ اسماً لشيءٍ آخرَ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بأنَّه أَتَمُّ فائدةً )) اهـ. واستحسنَهُ في "النهر"(٢).
أقولُ: أمَّا كونُهُ أَنَّمَّ فائدةً فلا كلامَ فيه، وأمَّا توقُّفُ فهمٍ معناهُ العَلَميِّ على فهمٍ معنى جزءيه
ففي حيِّزِ المنع، فإنَّ فهمَ المعنى العَلَميِّ من "امرئ القيس" مثلاً يتوقّفُ على فهمٍ ما وُضِعَ ذلك
وقولُهُ: ((وأمَّا قولُهُ: جُعِلَ شرعاً عنواناً إلخ)) يظهرُ أَنَّه بيانٌ للمعنى اللقبيِّ لا لخصوصِ معنى
المضافِ، لكنْ لا باعتبار خصوصِ إضافته إلى الطهارة، بل أعمَّ منها ومن غيرها؛ إذ لا يُعلَمُ المضافُ من
حيث إنَّه مضافٌ حَتَّى يُعلَمَ ما أُضيف إليه، فلا يمكن بيانُ معنى المضافِ وحدَه من حيث إنَّه مضافٌ،
فلذا اضطرَّ لبيان المعنى اللقبيِّ.
(قولُهُ: وأمَّا توقُّفُ فهمٍ معناه العَلَميِّ على فهم معنى جزأيه ففي حِّزِ المنع إلخ) هذا غيرُ ظاهرٍ، فإنَّ
(١) المسمَّى "إكمالَ إكمال المعلم": ٤٨/١، لأبي عبد الله محمد بن خِلْفة الوَشْتاني الأَّبِّي المالكي(ت٨٢٧هـ).
("كشف الظنون" ٥٥٧/١ وفيه: محمد بن خليفة، "البدر الطالع" ١٦٩/٢).
و "إكمال المُعْلم" للقاضي عياض بن موسى بن عياض الْيَحْصُبي السَّبْتَي المالكي(ت٥٤٤هـ) شرَحَ فيه صحیحَ مسلم،
وكمَّلَ به "الُعْلم بفوائد كتاب مسلم" لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري(ت ٥٣٦هـ). ("وفيات
الأعيان" ٤٨٣/٣، ٢٨٥/٤).
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/أ.

الجزء الأول
٢٧٣
الطهارة - تعريفها
فالكتابُ مصدرٌ بمعنى الجمع.
اللفظُ بإزائِهِ، وهو الشاعرُ المشهور وإِنْ جُهِلَ معنى كلٍّ مِن مفردَيهِ، فالحقُّ القولُ الثاني، ولذا اقتصَرَ
في "التحرير"(١) و"التلويح(٢) وغيرِهما في تعريف أصول الفقهِ على بيانِ معنى المفردَينِ من حيثُ
[١/ق ٦٠/ب] كونُهُ مركَّباً إضافياً فقط.
[٥٦٩] (قولُهُ: فالكتابُ) تفريعٌ على ((الراجحُ)).
(٥٧٠] (قولُهُ: مصدرٌ بمعنى الجمعِ) عدَلَ عن قول "البحر"(٣) و"العناية"(٤): ((هو جَمْعُ الحروف))
لِما أُورِدَ عليه أنَّ الكتاب والكتابة لغةً: الجمعُ المطلَقُ؛ لأنَّ العرب تقول: كتبتُ الخيلَ إذا
جمعتها اهـ.
وزادَ في "الدُّرر"(٥) احتمالَ كونِهِ فِعَالاً بُنيَ للمفعول(٦) كاللّباس بمعنى الملبوس، قال:
التوقُّفَ لا لخصوصِ المعنى العَلَميِّ - أعني المسمَّى - بل للمعنى اللقبيِّ الذي فيه إشعارٌ برفعةِ المسمَّى أو ضَعَتِهِ،
ولا شكَّ أنَّ معرفة كونِهِ مُشعِرً لا تكونُ إلَّ بعد معرفةِ مفردَيه، فمِن أجلِ ذلك جاء التوقُّفُ، فلهذا رجَّحوه،
نعم على ما مشى عليه من إرادةِ العَلَم من اللقب يَتِمُّ ما قالَهُ، لكنْ ليس الخلافُ إلاَّ في اللقب، ولم يذكروه في
العَلَم حتّى يَتِمَّ ما ذكرَهُ من ترجيحِ القول الثاني، تأمَّل.
(قولُهُ: عدَلَ عن قول "البحر" و"العناية": هو جمعُ الحروف لِما أُورِدَ عليه إلخ) يمكنُ أنْ يقال:
عُرْفُ اللُّغةِ خصَّهُ بجمع الحروف، ومرادُهما بيانُ معناه في عُرفها وإنْ كان أصلُ معناه مطلقَ الجمع.
(١) "التحرير": المقدِّمة ص٤ -.
(٢) "التلويح": المقدِّمة ٨/١-٩.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨/١.
(٤) "العناية": كتاب الطهارات ٩/١ (هامش "فتح القدير"). و"العناية" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن محمود، أكمل
الدين البابرتي (ت ٧٨٦هـ) شرح "هداية المرغيناني". ("كشف الظنون" ٢٠٣٥/٢، "الفوائد البهية" صـ١٩٥-).
وتقدمت ترجمة البابرتي عند المؤلف في المقولة [١٣٥] قوله: ((والأكمل)).
(٥) "الدرر": كتاب الطهارة ٦/١، وهو "درر الحِكَام في شرح غرر الأحكام"، كلاهما للقاضي محمد بن فَرَامُوز الشهير منلا
خُسْرُو(ت ٨٨٥هـ). ("كشف الظنون" ١١٩٩/٢، "الشقائق النعمانية" صـ٧٠-، "الفوائد البهية" صـ ١٨٤-).
(٦) عبارة "الدرر": ((أو فعال بمعنى مفعول)) ولعلّه الصواب.

قسم العبادات
٢٧٤
حاشية ابن عابدين
لغةً، جُعِلَ شرعاً عنواناً لمسائلَ
(( وعلى التقديرَين يكونُ بمعنى المجموع)).
[٥٧١] (قولُهُ: لغةً) منصوبٌ على نزعِ الخافضِ، أو على التمييز، أو على الحاليّة، ومثلُهُ: شَرْعاً
واصطلاحاً، وبيانُ ذلك مع ما يَرِدُ عليه في رسالتنا "الفوائد العجيبة في إعراب الكلمات الغريبة".
[٥٧٢] (قولُهُ: جُعِلَ) أي: الكتابُ لا بقيدٍ كونه مضافاً للطهارة، بل أعمَّ منها ومن
الصلاة ونحوِها؛ لأنَّه في صددٍ بيان المضاف بمفرده كما أشرنا إليه.
[٥٧٣] (قولُهُ: شرعاً) الأَولى: اصطلاحاً؛ لأنَّ التعبير به لا يَخُصُّ أهلَ الشرع وإنْ كان هو
الغالبَ عندهم، لكنْ قَّدَ به نظراً للمقام، أفاده "ط"(١).
[٥٧٤] (قولُهُ: عنواناً) أي: عبارةٌ تُذكَرُ صدرَ الكلام.
مطلبٌ في اعتباراتِ المركَّبِ التامِّ
[٥٧٥] (قولُهُ: لمسائلَ) أي: لألفاظِ مخصوصةٍ دَلَّةٍ على مسائلَ مجموعةٍ، وتمامُهُ في "النهر"(٢). وذكَرَ
في "التلويح"(٢): ((أنَّ المركَّبَ التامَّ المحتمِلَ للصدق والكذبِ يسمَّى من حيث اشتمالُهُ على الحكم قضيةً،
ومن حيث احتمالُهُ الصدقَ والكذبَ خبراً، ومن حيث يُطلَبُ بالدليل مطلوباً، ومن حيث يحصُلُ
من الدليل نتيجةً، ومن حيث يقعُ في العِلم ويُسألُ عنه مسألةً، فالذاتُ واحدةٌ، واختلافُ
(قولُهُ: وبيانُ ذلك مع ما يَرِدُ عليه في "رسالتنا" إلخ) وجَّهَ "المحشِّي" في الرسالة الحاليّةَ بما لفظُهُ: ((قلت:
الظاهرُ أنْ يكون حالاً على تقديرِ مضافٍ من المحدود ومضافين من المنصوب، والأصلُ تفسيرُها: موضوعُ
أهل اللغة، ثُمَّ حُذِفَ المضافان على حدٍّ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه- ٩٦]، ولَمَّا أُنِيب
الثالثُ عمَّا هو الحالُ بالحقيقة الْتُزِمَ تنكيرُهُ لنيابته عن لازمِ التنكير)).
(١) "ط": كتاب الطهارة ٥٤/١.
(٢) انظر "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/ب.
(٣) "التلويح": بحث أصول الفقه ٢٠/١ باختصار.

الجزء الأول
٢٧٥
الطهارة - تعريفها
مستقلَّةٍ.
العبارات باختلافِ الاعتبارات )) اهـ.
[٥٧٦] (قولُهُ: مستقلَّةٍ) بمعنى عدمٍ توقُّفِ تصوُّرِها على شيءٍ قبلها أو بعدها، لا بمعنى
الأصالةِ المطلقة؛ لأنَّ هذا الكتابَ تابعٌ لكتاب الصلاة المقصودِ أصالةً.
وعمَّ التعريفُ ما كان تحتَه نوعٌ واحدٌ ككتابِ اللُقَطَةِ والآبقِ والمفقُودِ، أو أكثرُ كالطهارةِ
ونحوِها مما تحتَهُ أنواعٌ من الأحكامِ، كلُّ نوعٍ يسمَّى باباً، وكلُّ بابٍ مشتملٌ على صنفٍ من المسائلِ
أو أكثرَ، كلٌّ صنفٍ يسمَّى فصلاً. وزاد بعضهم: ((مُطلقاً)) بعد قوله: ((مستقلَّةٍ)) احترازاً عن
الباب، قال: (( لأَنَّ طائفةٌ من المسائلِ الفقهيّةِ اعتُبرتْ مستقلَّةً مع قطع النظر عن تَبَعَّتها للغير أو
تَعَّةِ الغيرِ لها، فإنَّ مسحَ الحَفَيْنِ تابعٌ للوضوءِ، والوضوءُ مُستِعٌ له، وقد اعتُبِرا مستقلّينِ، فالفرقُ
بين الكتابِ والباب: أنَّ الكتابَ قد يكون [١/ق ٦١/أ] تابعاً، وقد لا يكون بخلاف الباب، أي:
٥٦/١ فإنَّه لا بدَّ وأنْ يكونَ تابعاً أو مستبعاً )) اهـ.
(قولُهُ: بمعنى عدمٍ توقُّفِ تصوُّرِها على شيءٍ قبلها أو بعدها) هكذا فسَّرَ الاستقلالَ في "البحر"،
ويَرِدُ عليه دخولُ كثيرٍ من الأبواب في التعريفِ كالوضوء والتيمُّم والمسح على الخفَّين ونحوِها من كلِّ
بابٍ يمكنُ تصوُّر مسائله بدون توقُّفٍ على شيءٍ قبله أو بعده، وقال "نوح أفندي": ((المرادُ بالاستقلال
هنا الاستقلالُ الاعتباريُّ، فإنَّ كتاب الطَّهارة وإنْ كان تابعاً لكتابِ الصلاة لكنَّه اعتُبِرَ مستقلاً لكونه
مفتاحاً، وكتابُ الصلاة وإنْ كان مُستتبعاً للطَّهارة إلاَّ أنَّه اعتُبِرَ مستقلاً لكونه المقصودَ الأصليَّ)) اهـ.
فعلى هذا يَخرُجُ بقيدِ الاستقلال البابُ والفصلُ لعدم استقلالهما لدخولهما تحت الكتاب، والكتابُ قد
يكونُ تابعاً، وقد لا يكونُ بخلاف الباب، فلا بدَّ من كونه تابعاً، وقد يجابُ عن صاحب "البحر" باعتبارِ
الحيثَّةِ على وجهِ ما ذكرَهُ "المحشِّي"، تأمَّل.
(قولُهُ: وزادَ بعضُهم: مطلقاً إلخ) أي: سواءً كان تابعاً أو مُستبعاً أوْ لا ولا بخلاف الباب، فإِنَّه لا بدَّ
وأنْ يكون تابعاً أو مُستِعاً في الواقع، فقد اشتَرَكا في اعتبارِ الاستقلال لمسائلِ كلٍّ منهما، إلاَّ أنَّ الكتابَ
اسمٌ للمسائل المعتبرِ استقلالُها سواءٌ كانت مستقلّةً في الواقع أوْ لا، وللبابَ اسمٌ للمسائل المعتبَرِ استقلالُها مع
اشتراطِ كونها في الواقع تابعةً أو متبوعةً، هذا هو المقصودُ بهذه العبارةِ وإنْ كان فيها قلاقةٌ، تأمَّل.

قسم العبادات
٢٧٦
حاشية ابن عابدين
بمعنى المكتوب.
والطهارةُ مصدرُ طَهَرَ.
وقد يقالُ: إنَّ الملحوظَ في الكتاب جنسُ المسائلِ لا باعتبارِ نوعِها أو فصلِها عمَّا قبلَها،
والحيثيَّةُ مراعاةٌ في التعريف، ولهذا قال بعضُ العلماء: إنَّ المسائلَ إِنِ اعتُبرتْ بجنسِها تُصدّرُ بالكتاب؛
لأنَّ الكتاب في اللغة: الجمعُ، والجنسُ يشملُ الأنواعَ غالباً، فيكونُ معنى الجمعِ مناسباً لمعنى
الجنس، وإن اعتِرَتْ بنوعِها تُصدَّرُ بالباب؛ لأنَّ البابَ في اللغة النَّوعُ، فيكون ذِكرُه مناسباً لنوع
المسائل، وإن اعتبرَتْ بفصلِها وفَرقِها عمَّا قبلَها تُصدّرُ بالفصل؛ لأنَّ الفصل في اللغة الفرقُ والقطعُ،
فيكونُ ذِكرُه مناسباً للمسائلِ المنقطعةِ عمَّ قبلَها، قال: ((وأكثرُ المصنّفين من الفقهاءِ والمحدِّثينَ
مَشَوْا على هذه الطريقة )) اهـ.
[٥٧٧] (قولُهُ: بمعنى المكتوبِ) راجعٌ لقوله: ((فالكتابُ مَصدَرٌ ))، فهو مصدرٌ مرادٌ به
اسمُ المفعولِ كما في "النهر"(١)، "ط " (٢). فالمناسبُ ذِكرُه قبل قوله: ((جُعِلَ شرعاً )).
[٥٧٨] (قولُهُ: والطَّهارةُ) أي: بفتح الطَّاءِ مصدرٌ، وأمَّا بكسرِها فهي الآلةُ، وبضمِّها:
فَضْلُ ما يُتطهِّرُ به، كذا في "البحر"(٣) و"النهر "(٤). وفي "القهستاني"(٥): (( أَنَّها بالضمّ اسمٌ
لِما يُتطهَّرُ به منَ الماءِ))، تأمَّلْ.
(قولُهُ: وقد يقالُ: إنَّ الملحوظ في الكتابِ جنسُ المسائل إلخ) فيه أنَّ لَحْظَ المسائل باعتبارِ جنسها أو نوعها
أو فصلها لا دلالةَ عليه، والحيثَيَّةُ تُعتبرُ إذا ظهَرَتْ أو وُجِدَ في الكلام ما يُشعِرُ بها، وليس شيءٌ من ذلك موجوداً
هنا، تأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/أ.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٥٤/١.
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨/١.
(٤) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/ب.
(٥) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ١٤/١ بتصرف.

الجزء الأول
٢٧٧
الطهارة - تعريفها
بالفتح ويضمُّ، بمعنى النظافة لغةً، ولذا أفرَدَها، وشرعاً: النظافةُ عن حدثٍ أو خبثٍ،
[٥٧٩] (قولُهُ: بالفتحِ) أي: فتحِ الهاء.
[٥٨٠] (قولُهُ: ويُضَمُّ) أي: وكذا يُكسَرُ، والفتحُ أفصحُ، "قهستاني"(١).
[٥٨١] (قولُهُ: بمعنى النظافةِ) أي: عن الأدناسِ حِسَّةً كالأنجاسِ، أو معنويَّةً كالعيوبِ
والذنوب، فقيل: الثاني مجازٌ، وقيل: حقيقةٌ، وقد استُعمِلَت فيهما؛ إذِ الحدثُ دَنَسٌ حكميٌّ،
والنجاسةُ الحقيقيَّةُ دنسٌ حقيقيٌّ، وزَوالُهما طهارةٌ، "نهر"(٢).
[٥٨٢] (قولُهُ: ولذا أفرَدَها) أي: لكونها مَصْدراً، وهو اسمُ جنسٍ يشمَلُ جميعَ أنواعِها
وأفرادِها، فلا حاجةً إلى الجمع، ولذا قيل: المصدرُ لا يُثِّى ولا يُحمَع.
[٥٨٣] (قولُهُ: النظافةُ عن حدَثٍ أو خَبَثٍ) شمِلَ طهارةَ ما لا تعلّقَ له بالصلاةِ كالآنيةٍ
والأطعمة، وأرادَ بالخبث: ما يعُمُّ المعنويَّ كما مرَّ، فيشمَلُ أيضاً الوضوءَ على الوضوء بنِيَّةٍ
القُربة؛ لأَنَّه مطهّرٌ للذُّنوب، وعدَلَ عن قول "البحر"(٣): ((زوالُ حدثٍ أو خبثٍ)) ليشملَ
الطهارة الأصليَّة؛ لأنَّ الزَّوالَ يُشعِرُ بسبقِ الوجود، وعن قول "النهر": ((إزالةُ))(٤) ليشملَ النظافةَ
بلا قصدٍ كنزولِ المحدِثِ [١/ق ٦١/ب] في الماءِ للسِّاحة.
(قولُهُ: وقد استُعمِلَتْ) أي: شرعاً كما هو عبارة "النهر".
(قولُهُ: فيشملُ أيضاً الوضوءَ على الوضوءِ) نَعم يشملُ ذلك، إلاَّ أنَّه يشملُ أيضاً الطهارةَ الحاصلةَ
بالحجِّ المبرور أو بالتوبة، فإنّها طهارةٌ عن حَيثٍ معنويٍّ إلاَّبملاحظةِ اعتبارِ الآلة، تأمَّل.
(قولُهُ: ليشملَ الطهارةَ الأصليّةَ) أي: الموجودةَ في الأشياءِ أصالةً قبل تنخُّسِها.
(قولُهُ: وعن قول "النهر": إزالةُ ليشملَ النظافةَ بلا قصدٍ) صاحبُ "النهر" عرَّفَها بما ذكرَهُ "الشارح":
(١) "جامع الرموز": كتاب الطهارة ١٤/١.
(٢) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/ب، وفيه: ((وقد استعملت فيهما شرعاً)).
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٨/١.
(٤) نقول: ولكن عبارة "النهر" التي بين أيدينا في تعريف الطهارة ق٢/ب: ((واصطلاحاً: نظافة المحل عن النجاسة
حقيقيةٌ كانت أو حكميةً))، فتبين أنه استعمل في التعريف كلمة ((نظافة)) كما استعملها الشارح، لا
كلمة ((إزالة))، فلا عدول إذن، وقد أشار الرافعي إلى ذلك في "التقريرات".

قسم العبادات
٢٧٨
حاشية ابن عابدين
ومَنْ جَمَعَ نظَرَ لأنواعها، وهي كثيرةٌ،.
واعلمْ أنَّ ((أو)) هنا للتقسيم والتنويع لا للترديد، فالقسمان المتخالفان حقيقةً
متشار كان في مطلق الماهَيَّةِ، وليس المرادُ أنَّ الحدَّ إمَّا هذا وإمَّا هذا على سبيلِ الشكّ أو
التشكيكِ ليُنافيَ الحدَّ المقصودَ به بيانُ الماهَّة من حيث هي هي، على أنَّ ما هنا رسمٌ لا حدٌّ
كما قدَّمنا(١) بيانَهُ، قالَ في "السُّلَّم"(٢).
ولا يَجوزُ في الحدودِ ذِكرُ أو وجائِرٌ فِي الرَّسمِ فَادْرِ مَا رَوَوْا
[٥٨٤] (قولُهُ: ومَنْ جَمَعَ) أي: كصاحبِ "الهداية"، حيثُ قال: ((كتاب الطهارات)).
[٥٨٥] (قولُهُ: نظَرَ لأنواعِها؛ أي: فإِنَّها متنوّعةٌ إلى وضوءٍ وغُسلٍ وتيمُّمٍ، وغَسلٍ بَدَنٍ
أو ثوبٍ ونحوِهِ. وأُورِدَ عليهِ: أنَّ اللام تُبطِلُ الجمعيَّةَ؛ لأَنَّها مجازٌ عن الجنس.
(( من أنَّها نظافةُ المحلِّ عن النجاسةِ حقيقيَّةً كانت أو حكميَّةً )) ولم يخالفه، واعترَضَ على "البحر" في
تعريفِهِ بالزَّوالِ لأمرين ظاهرين لم يذكرْهما، وبيَّنَهما "أبو السُّعود" فقال: ((أحدُهما: دخولُ أو في
التعريف، وثانيهما: أنَّ هذا العِلْمَ باحثٌ عن أفعال المكلَّفين ))، فالأَولِى التعبيرُ بالإزالة على ما ذكرَهُ
"ط"، فكأنَّ "المحشِّيَ" سلَّمَ لـ "أبي السُّعود" هذا البيانَ، وأَنَّه مرادُ صاحب "النهر"، فنسَبَ له أَنَّه عبَّرَ
بالإِزالةِ، تأمَّل. قال "السِّنديُّ" نقلاً عن "المقدسيِّ" عازياً لـ "التوشيح": ((استُعمِلَت الطهارة شرعاً في
ثلاثٍ: في الحالة التي يَتْبُتُ عندها تعلُّقُ المعنى الشرعيِّ الذي هو الإذنُ فيما كان ممنوعاً لولاها كاستباحةٍ
الصلاة، وفي الفعل الذي جُعِلَ علامةً على ذلك التعلَّقِ كالوضوء، وفي نفس الحكم الشرعيِّ نحوَ طهارةٍ
الماء دون نجاسته )) اهـ. قال: ((وما ذكرَهُ "الشارعُ" هو المعنى الثاني)) اهـ. وعليه لا يَرِدُ على صاحب
"البحر" الطهارةُ الأصليَّةِ، تأمَّل.
(قولُهُ: وأُورِدَ عليه أنَّ اللام تُبطِلُ الجمعيَّةَ؛ لأَنّها مجازٌ عن الجنس) أي: فإرادةُ الأنواع يُحتاجُ إليها
أُنْ لو بَقِي الجمعُ علی بابه. اهـ "نهر".
(١) في المقولة رقم: [٢٤٦] قوله: ((أنْ يتصورَّهُ بحدِّهِ أو رسمِهِ)).
(٢) "السلَّم المنورق" أو "المرونق": لعبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عامر الأخضري المغربي المالكي (ت٩٨٣هـ)، وهو
نظمٌ لإيساغوجي. ("كشف الظنون" ٢٠٦/١، ٩٩٨/٢، "هديَّة العارفين" ٥٤٦/١).

الجزء الأول
٢٧٩
الطهارة - حُكْمُهَا وحكَمُها
وحِكَمُها شهيرةٌ، وحُكْمها
ودُفِعَ بأنَّ هذا عند عدم الاستغراق والعهد، وانتفاؤُهما ها هنا ممتنعٌ، ولو سُلِّم فاستواءُ هذا الجمعِ
والمفردِ ممتنعٌ لِما في لفظ الجمعِ من الإشعارِ بالتعدُّدِ وإِنْ بطَلَ معنى الجمعِيَّةِ، وتمامُهُ في "النهر"(١).
والحاصلُ: أنَّ معنى إبطالِها الجمعيَّةَ أنَّ مدخولَها صارَ يصدُقُ على القليلِ والكثير، لا بمعنى
أَنَّه لم يبقَ صالحاً للكثير.
فإِنْ قيل: المصدرُ لا يتَنِّى ولا يُجمَعُ !
قيل: جمعُها باعتبار الحاصلِ بالمصدر، وذلك شائعٌ كما يُجمَعُ العلمُ والبيع، قاله في "المستصفى"،
وقدَّمنا(٢) الفرقَ بين المعنى المصدريِّ والحاصلِ بالمصدر.
[٥٨٦] (قولُهُ: وحِكَمُها) بكسر الحاء جمعُ حكمةٍ، أي: ما شُرِعَتْ لأجلِهِ.
[٥٨٧] (قولُهُ: شهيرةٌ) منها: تكفيرُ الذنوبِ، ومنعُ الشيطانِ عنه، "ط" (٣). وتحسينُ الأعضاءِ
في الدنيا بالتنظيف، وفي الآخرة بالتَّحجيلِ، "إمداد"(٤).
[٥٨٨] (قولُهُ: وحُكْمُها) أي: أثرُها المترتّبُ عليها.
(قولُهُ: قيل: جمعُها باعتبارِ الحاصل بالمصدر) جوابٌ آخرُ عن إيرادِ أنَّ المصدر لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، وليس
هذا إيراداً آخرَ، وعلى هذا لا يصحُّ له ذكرُ قوله: ((فإن قيل: المصدرُ إلخ)) هنا، فإنَّه هو الذي أجابَ عنه
بقوله: ((ومَن جَمَعَ إلخ)).
(١) انظر "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/ب.
(٢) المقولة [٢٥٦] قوله: ((ثبوتاً أو سلباً)).
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٥٥/١.
(٤) "إمداد الفتاح": كتاب الطهارة - فصلٌ في الوضوء ق ٢٣/أ، شرح "نور الإيضاح ونجاة الأرواح"، كلاهما لأبي
الإخلاص حسن بن عمَّار الشُّرُ نبلالي المصري(ت١٠٦٩ هـ). ("كشف الظنون" ١٩٨٢/٢، "خلاصة الأثر"
٣٨/٢، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ٥٨-).

قسم العبادات
٢٨٠
حاشية ابن عابدين
استباحةُ ما لا يحلُّ بدونها (وسببُها) أي: سببُ وجوبها (ما لا يحلُّ) فعلُهُ فرضاً كان أو
غيرَهُ كالصلاة ومسِّ المصحفِ (إلاّ بها) أي: بالطهارةِ، صاحبُ "البحر" قالَ بعد سرْدٍ ...
[٥٨٩] (قولُهُ: استباحةُ) السينُ والتاء زائدتان أو للصَّيرورة، قال في "البحر"(١): ((ولم يذكروا
مِنْ حِكَمِها الثوابَ؛ لأَنَّه ليسَ بلازمٍ فيها لتوقُّفِهِ على النَّة، وهي ليست شرطاً فيها ))، "ط)) (٢).
[٥٩٠] (قولُهُ: أي: سببُ وجوبِها) قدَّرَ المضافَ لظهور أنَّ الصلاة مثلاً ليست سبباً
لوجودِ الطهارة. اهـ "ح"(٣).
[٥٩١] (قولُهُ: ما لا يحِلُّ) أي: إرادةُ ما لا يحِلُّ، وقولُهُ: ((فرضاً كانَ)) تعميمٌ لقوله: ((فِعلُه))،
وقولُهُ: ((كالصلاة)) فيهِ القسمان: الفرضُ وغيرُهُ، وقولُه: ((ومسِّ المصحَفِ)) قاصرٌ على غيرِ
الفرضِ، "ط " (٤).
[٥٩٢] (قولُهُ: صاحبُ "البحر "(٥) قال إلخ) ذِكرُهُ عَقِبَ كلام "المصنّف" يفيدُ أنَّ
كلامَ [١/ق ٦٢/أ] "المصنّفِ" على تقديرِ مضافٍ هو الإرادةُ كما قدَّمناه(٦)؛ إذْ لا يمكنُ تقديرُ
الوجوب، وقد يُقال: لا تقديرَ أصلاً، وإنَّ مرادَه أنَّ ذات ما لا يحلُّ إلاَّ بها سببُ الوجوب،
فقد ذكَرَ "الإتقانيُّ"(٧) في "غاية البيان" وغيره: ((أنَّ السببَ عندنا الصلاةُ بدليل الإضافة
إليها، وهو دليلُ السبيَّة )) اهـ.
(قولُهُ: إذ لا يمكنُ تقديرُ الوجوبِ) لعدم الوجوبِ في كلِّ الأفراد.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٥٥/١.
(٣) "ح": كتاب الطهارة ق ٦/أ.
(٤) "ط": كتاب الطهارة ٥٥/١ بتصرف.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ١٠/١.
(٦) في المقولة السابقة.
(٧) أمير كاتب بن أمير عمر بن أمير غازي، قوام الدين المكنى بأبي حنيفة العميدي الإتقاني الفارابي(ت٧٥٨هـ).
("الدرر الكامنة" ٤١٤/١، "الطبقات السنية" ٢٢١/٢، "الفوائد البهية" صـ ٥٠-).

الجزء الأول
٢٨١
الطهارة - حُكْمُهَا وحكَمُها
الأقوالِ ونقلِ كلام "الكمال"(١): ((الظاهرُ أنَّ السبب هو الإرادةُ في الفرض
والنفل، لكنْ بتركِ إرادة النفل يسقُطُ الوجوبُ ))، ..
ونقَلَهُ في "شرح التحرير"(٢) عن شمس الأئمَّةِ "السَّرْخسيِّ"(٣) و"فخرِ الإسلام"(٤) وغيرهما،
لكنَّ كلامَ "المصنّفِ" أشملُ لشموله الصلاةَ وغيرها، تأمَّلْ.
(٥٩٣] (قولُهُ: الأقوالِ) أي: الأربعةِ الآتية.
[٥٩٤] (قولُهُ: هو الإرادةُ) أقولُ: هو ما عليه جمهورُ الأصوليِّين، وأُورِدَ عليه: أنَّ مقتضاهُ
أَنَّه إذا أراد الصلاةَ ولم يتوضأ أثِمَ ولو لم يُصَلِّ، ولم يقلْ به أحدٌ.
وأجاب عنه في "البحر"(٥) بجوابين: (( أحدهما: ما يأتي عن "الزيلعي". والثاني: أنَّ السببَ
هو الإرادةُ المستلحِقةُ للشُّروع )) اهـ.
٥٧/١
أقولُ: يَرِدُ عليه أنَّ سببَ الشيء متقدّمٌ عليه، فليزمُ أنْ لا تجبَ الطهارةُ قبلَ الشروع؛ لأنَّ
الإرادةَ المستلحِقةً له مقارنةٌ له مع أنّه لا بدَّ من تقدُّمها عليه لكونها شرطَ الصحَّةِ، تأمَّلْ.
(قولُهُ: أقول: يَرِدُ عليه أنَّ سبب الشيء متقدّمٌ عليه إلخ) هذا مسلَّمٌ، واللُّزومُ بعده غيرُ مسلّمٍ،
وتعليلُهُ عقيمٌ؛ لأنَّ مقارنةَ الإرادة للشُّروع لا تنفي تقدُّمَها عليه أيضاً، فإنَّها سابقةٌ ومممتدَّةٌ لحينِ
الشُّروع، ولم يدَّعِ أحدٌّ أنَّ السبب هو الإرادة المقارنة خاصَّةً حَتَّى يَرِدَ عليه أنَّه يلزمُ أنْ لا تجب الطهارةُ
قبل الشُّروع، وهي باستلحاقها له تبيِّنُ أنَّها سببٌ للطهارة من حينٍ وجودها، لا أنَّ ما قارَنَ الشُّروع
منها هو السببُ.
(١) انظر "الفتح": كتاب الطهارات ١٠/١.
(٢) "التقرير والتحرير": المقالة الثانية - الباب الخامس في القياس - المرصد الثالث في مسالك العلّة ٢١٢/٣.
(٣) "أصول السرخسي": فصلٌ في بيان أسباب الشرائع ١٠٦/١.
(٤) "كشف الأسرار": باب بيان أسباب الشرائع ٦٤٥/٢.
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٩/١ - ١٠.

قسم العبادات
٢٨٢
حاشية ابن عابدين
ذكَرَهُ "الزيلعيُّ" في الظِّهار، وقال العلاَّمة "قاسمٌ" في "نكته": ((الصحيحُ أنَّ سبب
[٥٩٥] (قولُهُ: ذكَرَهُ "الزيلعيُّ)(١) أي: هذا الاستدراكَ، حيثُ قال: ((إِنَّه إنْ أراد الصلاةَ
وجَبَتْ عليه الطهارةُ، فإذا رجَعَ وتَرَكَ التنفُّلَ سقطَت الطهارة؛ لأنَّ وجوبَها لأجلها))، "ط" (٢).
[٥٩٦] (قولُهُ: في الظِّهار) أي: في شرحٍ قوله: ((وعَوْدُهُ: عَزْمُهُ على وطئِها)) اهـ "ح"(٣).
[٥٩٧] (قولُهُ: وقال العلاَّمةُ إلخ) هذا أظهَرُ؛ لأنَّ ما ذكرَهُ في "البحر "(٤) يقتضي أنْ لا
يأثْمَ على تركِ الوضوء إذا خرجَ الوقتُ، ولم يُرِدِ الصلاةَ الوقتّيَّةَ فيهِ، بل على تفويتِ الصلاةِ
فقط، وأَنَّه إذا أراد صلاةَ الظهر مثلاً قبلَ دخولِ وقتها أنْ يجبَ عليه الوضوءُ قبل الوقتِ،
وكِلاهما باطلٌ. اهـ "ح"(٥).
أقولُ: فيه أنَّ صلاة الظهر قبل وقتِها تنعقدُ نافِلةً، فتجبُ الطهارة بإرادتها، تأمَّلْ.
[٥٩٨] (قولُهُ: الصحيحُ إلخ) مشى عليه "المحقّقُ" في "فتح القدير "(٦)، واستوجَهَهُ في "التحرير "(٧)،
(قولُهُ: أقول: فيه أنَّ صلاة الظهر قبل وقتها تنعقدُ إلخ) مرادُ "الحلبيِّ" أَنَّه عزَمَ قبل دخول الوقت على
الصلاةِ الآتية، لا أَنَّه أرادَ صلاتها حين العزمٍ قبل دخوله حتَّى يَرِدَ عليه ما قاله، فكأنَّه فَهِمَ أنَّ الظرف راجعٌ
لصلاةِ الظهر لا لقوله: ((أراد)).
(١) "تبيين الحقائق": كتاب الطلاق - باب الظهار ٤/٣ بتصرف. والزيلعي هو أبو محمَّدٍ - وقيل: أبو عمر - عثمان بن
علي، فخر الدين الزيلعي (ت٧٤٣هـ). ("الجواهر المضيَّة" ٥١٩/٢). وتقدم تعريف الزيلعي عند المؤلف رحمه الله
المقولة [١٣٤].
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٥٥/١.
(٣) في النسخ كلّها: ((وعوْدُهُ عزمُهُ على ترك وطئها))، وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما في "ح" ق ٦/أ،
وهو الموافق لمتن "الكنز"؛ لأن العود عن الظهار عزمٌ على الوطء لا على ترك الوطء.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ١٠/١ حيث قال: ((ويسقط وجوبُها بترك إرادة الصلاة)).
(٥) "ح": كتاب الطهارة ق ٦/أ.
(٦) "الفتح": كتاب الطهارات ١٠/١.
(٧) "التحرير": المقالة الثانية - الباب الخامس - المرصد الثالث: مسالكُ العلّة صـ ٤٧٥ -.

الجزء الأول
٢٨٣
الطهارة - سببها
وجوبِ الطهارة وجوبُ الصلاة، أو إرادةُ ما لا يحلُّ إلاَّ بها)). (وقيل) سببُها (الحدثُ)
في الحكميَّةِ، وهو وصفٌ شرعيٌّ يَحُلُّ في الأعضاء، يزيلُ الطهارة، وما قيل: إنَّه مانعيَّةٌ ..
وصحَّحَهُ أيضاً العلاَّمةُ "الكاكي"(١)، لكنَّه لا يَشملُ غيرَ الصلاةِ الواجبةِ، فلذا زادَ عليهِ هنا
قوله: (( أو إِرادةُ إلخ))، وما مرَّ عن "الزيلعي" ملاحظٌ هنا أيضاً.
[٥٩٩] (قولُهُ: وجوبُ الصلاةِ) أيْ: لا وجودُها؛ لأنَّ وجودَها مشروطٌ بها، فكان
متأخّراً عنها، والمتأخّرُ لا يكون سبباً للمتقدِّم. اهـ "عناية"(٢).
وظاهرُهُ: أَنَّه بدخولِ [١/ق ٦٢/ب] الوقتِ تَجبُ الطهارة، لكنّه وجوبٌ موسَّعٌ
كوجوبِ الصلاة، فإذا ضاق الوقتُ صارَ الوجوبُ فيهما مضيَّقاً، "بحر "(٣).
(٦٠٠] (قولُهُ: وقيلَ: سببُها الحدثُ)(٤) أي: لدَوَرانِها معه وجوداً وعدماً، ودُفِعَ بمنع كونِ
الدَّورانِ دليلاً، ولئنْ سُلِّمَ فالدَّورانُ هنا مفقودٌ؛ لأَنَّه قد يوجَدُ الحدثُ ولا يوجدُ وجوبُ الطهارة
كما قبلَ دخولِ الوقت وفي حقِّ غيرِ البالغ، وتمامُهُ في "البحر"(٥)، لكنْ سيأتي(٦) ما يؤيِّدُه.
(٦٠١) (قولُهُ: وما قيل) القائلُ صاحبُ "البحر "(٧) في باب الحدث في الصلاة تبعاً لصاحبِ
"الفتح"(٨) كما نقلَهُ عنه صاحبُ "النَّهر "(٩) هناك، ثمَّ قال(١٠): ((وهو تعريفٌ بالحُكم)) كما
(١) محمَّد بن محمّد بن أحمد، قوام الدين المعروف بالكاكي السِّنجاري الحُجَنْدي(ت ٧٤٩هـ). ("الفوائد البهيَّة"
صـ ١٨٦-، الأعلام ٣٦/٧).
(٢) "العناية": كتاب الطهارات ٩/١ (هامش "فتح القدير").
(٣) "البحر": كتاب الطهارة ٩/١.
(٤) في "د" زيادة: ((قوله: وقيل: الحدث والخبث، قائلُهُ الإمام السرخسي في "الأصل")).
(٥) "البحر": كتاب الطهارة ٩/١.
(٦) في المقولات التالية.
(٧) "البحر": ٣٨٩/١.
(٨) "الفتح": كتاب الطهارات - فصلٌ في الغسل ٥٩/١.
(٩) "النهر": كتاب الطهارة - باب الحدث في الصلاة ق ٥٧/ب.
(١٠) أي: صاحبُ "النهر".

قسم العبادات
٢٨٤
حاشية ابن عابدين
شرعيَّةٌ قائمةٌ بالأعضاء إلى غايةِ استعمال المزيل فتعريفٌ بالحكم، (والخبثُ) في
الحقيقيَّةِ، وهو عينٌ مستقذرَةٌ شرعاً، وقيل: سببُها القيامُ إلى الصلاة،.
ذكَرَهُ "الشارح"، قال بعض الفُضَلاء: في كونِ هذا التعريفِ تعريفاً بالحُكم نظَرٌ؛ إذ حُكمُ
الشيءٍ ما كان أثراً له خارجاً عنه مترتِباً عليه، والمانعيَّةُ المذكورةُ ليست كذلك، وإنما حكمُ
الحدثِ عدمُ صحَّةِ الصلاةِ معه، وحرمَةُ مسِّ المصحف ونحوُ ذلك كما هو ظاهرٌ، فالتعريف
بالحكم كأنْ يُقال مثلاً: الحدثُ هو ما لا تصِحُّ الصلاة معه ونحوُ ذلك، فتأمَّلْ اهـ. كذا في
"حاشية" الشيخ "خليلِ الفَّال" (١).
[٦٠٢)] (قولُهُ: شرعيَّةٌ) أي: اعتبَرَها الشرعُ مانعاً، "ط)) (٢).
[٦٠٣) (قولُهُ: إلى غايةِ استعمالٍ) الإضافةُ للبيان، والسينُ والتاء زائدتان، "ط"(٣).
[٦٠٤) (قولُهُ: فتعريفٌ بالحكمِ) علمتَ ما فيه على أنَّه مستعملٌ عند الفقهاء؛ لأنَّ الأحكامَ
محلٌّ مواقعٍ أنظارِهم.
[٦٠٥] (قولُهُ: وقيلَ: سبُها القيامُ إلى الصلاة) ذكَرَ في "البحر (٤): ((أَنَّه صحَّحَهُ في الخلاصة"))(٥)،
قال: (( وصرَّحَ في "غاية البيان" بفساده لصحَّةِ الاكتفاء بوضوءٍ واحدٍ لصلواتٍ ما دام متطهِّراً،
(قولُهُ: قال بعض الفضلاء: في كونِ هذا التعريف تعريفاً بالحكمِ نظرٌ إلخ) فيه أنَّ المانعَيَّةَ مصدرُ
المبنيِّ للفاعل، أي: منعُ المانع، وهو الوصفُ الشرعيُّ وأثرٌ مترتّبٌ على هذا الوصفِ وخارجٌ عنه، وقد
سَبَقَ له أنَّ الحامِدَّةِ مصدرُ المبنيِّ للفاعل والمحموديَّةَ مصدرُ المبنيِّ للمفعول، وكما أنَّ ما ذكرَهُ من
أحكامِ الحدث كذلك منعُ هذا الوصفِ من الصلاة، ولا شكَّ في ترتُّبِ ذلك عليه.
(١) "حاشية دلائل الأسرار": لخليل بن محمَّد بن إبراهيم المعروف بالفتّال الدّمشقي(ت١١٨٦هـ) على "الدر المختار"
للحصكفيِّ. ("سلك الدرر" ٩٩/٢، "الأعلام" ٣٢٢/٢، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٣٤٠/١).
(٢) "ط": كتاب الطهارة ٥٦/١.
(٣) "ط": كتاب الطهارة ٥٦/١.
(٤) "البحر": كتاب الطهارة ٩/١.
(٥) "خلاصة الفتاوى": كتاب الطهارة - الفصل الثالث في الوضوء ومسائل النوم والقهقهة ق ٨/أ.