النص المفهرس
صفحات 261-280
الجزء الأول
٢٤٥
المقدمة
في "أصول الآمديِّ"(١) و"ابنِ الحاجب" (٢) و"جمع الجوامع"(٣)، وهو محمولٌ - كما قال "ابنُ
حجرٍ "(٤) و"الرَّمليُّ" (٥) في "شرحَيهما" على "المنهاج"، و"ابنُ قاسمٍ" في "حاشيته"(٦) :
(( على ما إذا بقيَ من آثار الفعلِ السابقِ أثرٌ يؤدِّي إلى تلفيقِ العملِ بشيءٍ لا يقولُ به كلٌّ
من المذهبين، كتقليدِ "الشافعيِّ" في مسح بعضِ الرأس، و"مالكٍ" في طهارة الكلبِ في صلاةٍ
واحدةٍ، وكما لو أفتى ببَيْنُونةِ زوجته بطلاقها مكرَهاً، ثم نكَحَ أختَها مقلّداً للحنفيِّ بطلاق
المكرهِ، ثم أفتاه شافعيٌّ بعدم الحنثِ، فيمتنعُ عليه أن يطأَ الأُولى مقلّداً للشافعي، والثانية
مقلّداً للحنفي ))، أو هو محمولٌ على منع التقليدِ في تلك الحادثةِ بعينها لا مثلها كما صرَّحَ
به الإمام "السُّبكي"(٧)، وتبعَهُ عليه جماعةٌ، وذلك كما لو صلَّى ظُهراً بمسحِ رُبعِ الرأسِ مقّداً
للحنفيِّ فليسَ له إبطالُها باعتقاده لزومَ مسحِ الكلِّ مقلّداً للمالكيِّ، وأمَّا لو صلَّى يوماً على
مذهبٍ، وأرادَ أنْ يصلّيَ يوماً آخرَ على غيرِهِ فلا يُمنَعُ منه.
(١) انظر "إحكام الأحكام في أصول الأحكام": الباب الثاني في التقليد والمفتي والمستفتي - المسألة الثامنة ٧٢/٣.
لأبي الحسن علي بن محمد بن سالم، سيف الدين التغلبي الآمِدي البغدادي الشافعي (ت ٦٣١هـ). ("كشف
الظنون" ١٧/١، "هدية العارفين" ٧٠٧/١).
(٢) انظر "منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل": باب التقليد والمفتي والمستفتي صـ٢٢٢-، لأبي عمرو
عثمان بن عمر، جمال الدين المعروف بابن الحاجب المالكي (ت٦٤٦هـ). ("كشف الظنون" ١٨٥٣/٢، "وفيات
الأعيان" ٢٤٨/٣، "شذرات الذهب" ٤٠٦/٧).
(٣) انظر "شرح المحلي على جمع الجوامع": الكتاب السابع في الاجتهاد ٣٩٩/٢.
(٤) "تحفة المحتاج": المقدمة ٤٧/١.
(٥) "نهاية المحتاج": المقدمة ٤٧/١، لمحمد بن أحمد بن حمزة، شمس الدين الرَّمْلِي المصري الشافعي(ت١٠٠٤ هـ)،
وهي شرح "منهاج الطالبين" للإمام النووي. ("خلاصة الأثر ٣٤٢/٣، "البدر الطالع" ١٠٢/٢، "الأعلام" ٧/٦).
(٦) "حاشية ابن القاسم": ٤٧/١. وهي حاشية أحمد بن قاسم، شهاب الدين الصَّبَّاغ العَبَّادي الشافعي(ت٩٩٤هـ)
على "تحفة المحتاج" لابن حجر الهيتمي بشرح "منهاج الطالبين" للإمام النووي. ("كشف الظنون" ١٨٧٣/٢،
"الكواكب السائرة" ١٢٤/٣).
(٧) "فتاوى السبكي": كتاب الصلاة وما فيه من الفوائد ١٤٧/١ - ١٤٨.
قسم العبادات
٢٤٦
حاشية ابن عابدين
وأنَّ الخلاف خاصٌّ بالقاضي المجتهِدِ،.
على أنَّ في دعوى الاتفاق نظراً، فقد حُكِيَ الخلافُ، فيجوزُ اتّباعُ القائلِ بالجوازِ، كذا
أفادهُ العلاَّمة "الشرنبلاليُّ" في "العقد الفريد"، ثمَّ قال بعد ذكرِ فروعٍ من أهل المذهبِ
صريحةٍ بالجواز وكلامٍ طويلٍ: (( فتحصَّلَ مما ذكرناهُ: أَنَّه ليس على الإنسانِ التزامُ مذهبٍ
معَيَّنٍ، وأَنَّه يجوزُ لهُ العملُ بما يخالفُ ما عمِلَهُ على مذهبهِ مقلِّدً فيه غيرَ إمامِهِ مستجمِعاً
شروطَهُ، ويعملُ بأمرين متضادَّينِ في حادثتينِ لا تعلُّقَ لواحدةٍ منهُما بالأخرى، وليس لهُ
إبطالُ عينٍ ما فعَلَهُ بتقليدِ إمامٍ آخرَ؛ لأنَّ إمضاءَ الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَضُ ))، [١/ق ٥٥/أ]
وقال أيضاً: ((إنَّ لهُ التقليدَ بعد العملِ كما إذا صلَّى ظانًّاً صحَّتَها على مذهبهِ، ثمَّ تَبيَّنَ
بطلانُها في مذهبه وصحَّتُها على مذهب غيرِهِ فله تقليدُهُ، ويجتزي بتلك الصلاةِ على ما قال
في "البزَّزيَّة"(١): إنَّ رُوِيَ عن "أبي يوسفَ" أَنَّه صلَّى الجمعةَ مغتسِلاً من الحمَّامِ، ثُمَّ أُخبِرَ
بفأرةٍ ميتةٍ في بئرِ الحمَّامِ، فقال: نأخذُ بقولِ إخواننا من أهلِ المدينة: إذا بلَغَ الماءُ فَلَّتين لم
يُحمِلْ حَبَثاً )) اهـ
[٥٠٣] (قولُهُ: وأنَّ الخلافَ) أي: بينَ "الإِمام" وصاحبيه فيما إذا قضى بغيرِ رأيه عمداً، هل
ينفُذُ ؟ فعندهُ نعم في أصحِّ الروايتينِ عنهُ، وعندَهما لا كما في "التحرير"(٢)، وقال "شارحه"(٣):
(( نصَّ في "الهداية"(٤) و"المحيط" على أنَّ الفتوى على قولهما بعدم النفاذِ في العمدِ
(قولُهُ: على أنَّ في دعوى الاتّفاقِ نظراً) فيه أنَّ "الشارح" لم يدَّعِ الاتّفاق، بل أشارَ للخلاف بقوله:
((وهو المختار))، فيكونُ حاصلُ كلامِهِ أنَّ حكاية الاتّفاق على بطلانِ الرُّجوع عن التقليد هو المختارَ.
(قولُهُ: قَضَى بغيرِ رأيِهِ عمداً إلخ) ونسياناً نفَذَ عنده روايةً واحدةً.
(١) "البزازية": كتاب النكاح - فصل في الأكفاء ١١٨/٤ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٢) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه صـ٥٤١ -.
(٣) "التقرير والتحبير" ٣٣٢/٣.
(٤) "الهداية": كتاب أدب القاضي - باب: كتاب القاضي إلى القاضي ١٠٧/٣.
الجزء الأول
٢٤٧
المقدمة
وأمَّا المقلِّدُ فلا ينفُذُ قضاؤه بخلاف مذهبه أصلاً كما في "القنية")).
قلت: ولا سيَّما في زماننا، فإنَّ السلطان ينصُّ.
والنسيان، وهو مقدٌَّ على ما في "الفتاوى الصغرى"(١) و"الخانية"(٢): من أنَّ الفتوى على
قوله؛ لأنَّ المجتهدَ مأمورٌ بالعملِ بمقتضى ظنّهِ إجماعاً، وهذا خلافُ مقتضى ظنّه)) اهـ.
وقد استشكَلَ بعضُهم هذه المسألةَ على قولِ الأصوليِّين: إنَّ المجتهِدَ إذا اجتهَدَ في واقعةٍ
٥١/١ بحكمٍ يمتنعُ عليه تقليدُ غيرِه فيها اتفاقاً، والخلافُ في تقليدهِ قبلَ اجتهادِه فيها، والأكثرُ على
المنعِ، فهذه المسألةُ تُبُطِلُ دعوى الاتفاق. وأجابَ في "التحرير"(٣): ((بأنَّ قولَ " الإِمام"
بالنفاذِ لا يُوجِبُ حِلَّ(٤) الإقدامِ على هذا القضاء، نعم وقَعَ في بعض المواضعِ ذكرُ الخلافِ
في الحِلِّ، ويجبُ ترجيحُ روايةٍ عدمهِ )) اهـ. وحينئذٍ فلا إشكالَ، فافهم.
[٥٠٤] (قولُهُ: وأمَّ المقلِّدُ إلخ) نقَلَهُ في "القنية" (٥) عن "المحيط" وغيره، وحزَمَ به "المحقّقُ"
(قولُهُ: وحينئذٍ فلا إشكالَ) أي: للجوابِ المذكور في "التحرير"، أي: فالاختلافُ بين "الإِمام"
وصاحبيه في النفاذِ وعدمِهِ المذكورُ هنا لا ينافي الاتفاقَ المنقولَ عن الأصوليِّين على عدم الحِلِّ
لاختلاف موضعيِ الاتّفاقِ والاختلاف، نعم ما ذُكِرَ في بعض المواضع: من أنَّ الخلاف في الحِلِّ
مُشكِلٌ بما قالوه من الاتّفاق على عدمِهِ، وقد يُدفَعُ بعدم اعتبار الأصوليِين له لضعفِهِ، أو بحملِهِ على ما
قبلَ الاجتهاد وحملٍ قولِهم على ما بعده إذا لم يوجد فيه ما يدلُّ على جريانِهِ فيما بعده أيضاً،
والأَولى تأخيرُ قوله: ((نعمْ وقَعَ في بعض المواضع إلخ)) عن قولِهِ: (( فلا إشكالَ)).
(١) "الفتاوى الصغرى": لأبي محمد عمر بن عبد العزيز، برهان الأئمة حسام الدين المعروف بالصدر الشهيد البخاري (ت٥٣٦هـ).
("كشف الظنون" ١٢٢٤/٢، "الجواهر المضيَّة" ٦٤٩/٢).
(٢) "الخانية": المقدِّمة ٣/١ بتصرف (هامش "الفتاوى الهندية").
(٣) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعه صـ ٥٤٠- وما بعدها، بتصرف.
(٤) في "الأصل" و"ب" و"م": ((حمل))، وهو خطأ، وما أثبتناه من "آ"، ومثلُهُ في "التحرير".
(٥) "القنية": كتاب أدب القاضي - باب القضاء في المجتهدات ق ١٣١/أ.
قسم العبادات
٢٤٨
حاشية ابن عابدين
في منشوره على نهيه عن القضاء بالأقوال الضعيفة، فكيف بخلاف مذهبه؟ فيكون
معزولاً بالنسبة لغيرِ المعتمد من مذهبه، فلا ينفذُ قضاؤه فيه ..
في "فتح القدير"(١) وتلميذُهُ العلاَّمة "قاسمٌ"، وادَّعى في "البحر"(٢): ((أنَّ المقلِّدَ إذا قضى
بمذهب غيره، أو بروايةٍ ضعيفةٍ، أو بقول ضعيفٍ نفَذَ ))، وأقوى ما تمسَّكَ به ما في
"البزازية"(٣) عن "شرح الطحاويِّ"(٤): ((إذا لم يكنِ القاضي مجتهداً وقضى بالفتوى، ثم
تبيَّنَ أَنَّه على خلافٍ مذهبه نفَذَ، وليس لغيرِه نقضُهُ، وله أنْ ينقضَه، كذا عن "محمد"، وقال
"الثاني": ليس له أنْ ينقضَهُ أيضاً)) اهـ
قال في "النهر"(٥): ((وما في "الفتح"(٦) يجبُ أنْ يعوَّلَ عليهِ في المذهب، وما في
"البزَّزية"(٧) محمولٌ على أنَّه روايةٌ عنهما؛ إذ قُصارى الأمر أنَّ هذا منزَّلٌ منزلةَ الناسي
لمذهبه، وقد مرَّ عنهما في المجتهدِ أَنَّه لا ينفُذُ، فالمقلِّدُ أَولى )) اهـ.
[٥٠٥] (قولُهُ: في منشورِهِ) [١/ق ٥٥/ب] المنشورُ: ما كان غيرَ مختومٍ من كتبِ
السلطان، "قاموس"(٨).
[٥٠٦] (قولُهُ: فكيفَ بخلافِ مذهبهِ؟!) أي: فكيف ينفُذُ قضاؤهُ بخلاف مذهبهِ؟! لأَنَّهُ إذا
نهاهُ عن القضاءِ بالأقوالِ الضعيفةِ في مذهبه لا ينفُذُ قضاؤُه فيها، فبخلافٍ مذهبه بالأَولى.
ومبنى ذلك على ما قالوا: إنَّ توليةَ القضاءِ تتخصَّصُ بالزمان والمكان والشخص، فلو ولاَهُ
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي - فصلٌ آخر ٣٩٧/٦.
(٢) "البحر": كتاب القضاء - باب: كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٩/٧ بتصرف.
(٣) "البزازية": كتاب القضاء - فصل في نوع علمه ١٦٧/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٤) هو شرح الإسبيحابي على "مختصر الطحاوي"، وانظر تعليقنا صـ ٤٨٧ -.
(٥) "النهر": كتاب القضاء ق ٤٣٥/أ.
(٦) "الفتح "كتاب أدب القاضي ٣٩٧/٦ بتصرف.
(٧) "البزازية": كتاب القضاء - فصل في نوع علمه ١٦٧/٥ (هامش "الفتاوى الهندية").
(٨) "القاموس": مادة ((نشر)).
الجزء الأول
٢٤٩
المقدمة
ويُنقَضُ كما بُسِطَ في قضاء "الفتح" و"البحر" و"النهر"(١) وغيرها، قال في "البرهان":
((وهذا صريحُ الحقِّ الذي يُعَضُّ عليه بالنواجذ، ..
السلطانُ القضاءَ في زمانِ مخصوصٍ، أو مكانٍ مخصوصٍ، أو على جماعةٍ مخصوصين تعَيَّنَ
ذلك؛ لأنّه نائبٌ عنه، ولو نهاهُ عن سماع بعضِ المسائلِ لم ينفُذْ حكمُهُ فيها، كما إذا نهاهُ
عن سماع حادثةٍ مضى عليها خمسَ عشرةَ سنةً بلا مانعٍ شرعيٍّ والخصمُ منكِرٌ، وقد ذكَرُ
"الحمويُّ" في "حاشية الأشباهِ"(٢): ((أنَّ عادة سلاطينِ زماننا إذا تولَّى أحدُهم عُرِضَ عليه
قانونُ مَنْ قبلهُ، وأُمِرَ باتّباعِهِ )).
[٥٠٧] (قولُهُ: ويُنقَضُ) لا حاجةَ إليه؛ لأَنَّه إذا كان معزولاً بالنّسبة لِما ذُكِرَ لا يصحُّ له قضاءٌ
حتى يُنقَضَ، لأنَّ النقضَ إنما يكونُ للثابت، إلاَّ أنْ يقالَ: إِنَّه قضاءٌ بحسبِ الظاهرِ، "ط" (٢).
[٥٠٨] (قولُهُ: قال في "البرهان") هو "شرحُ مواهبِ الرحمن"، كلاهما للعلاّمة "إبراهيمَ
الطرابلسيٌّ"(٤) صاحبِ "الإسعاف في الأوقاف".
[٥٠٩] (قولُهُ: بالنَّواجذِ) هي أضراسُ الحُلُم كما في "المغرب"(٥). والكلامُ كنايةٌ عن غايةٍ
التمسُّكِ كما أنَّ قولهم: ضحِكَ حتى بدتْ نواجذُه عبارةٌ عن المبالغةِ في الضَّحكِ،
(قولُهُ: لا حاجةَ إليه؛ لأنَّه إذا كان معزولاً بالنّسبة لِما ذُكِرَ لا يصحُّ له قضاءً حتّى يُنقَضَ؛ لأنَّ
النقضَ إلخ) فيه أنَّ قضاءه لم يقع باطلاً، بل وقَعَ غيرَ نافذٍ، وسيأتي في كتاب القضاء دخولُ الفضوليِّ
في القضاء.
(١) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٠/٦، و"البحر": كتاب القضاء - باب كتاب القاضي إلى القاضي وغيره ٩/٧،
و"النهر": كتاب القضاء ق٤٣٤ /ب.
(٢) "غمز عيون البصائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى ٢٣٧/٢.
(٣) "ط": المقدِّمة ٥١/١.
(٤) إبراهيم بن موسى بن أبي بكر، برهان الدين الطرابلسي (ت٩٢٢هـ). ("كشف الظنون" ١٨٩٥/٢، "الكواكب
السائرة" ١١٢/١، "الطبقات السنية" ٢٤٣/١).
(٥) "المغرب": مادة ((نجذ)).
قسم العبادات
٢٥٠
حاشية ابن عابدين
نعمْ أَمْرُ الأميرِ متى صادَفَ فصلاً محتهَداً فيه نفَذَ أمرُه كما في.
وإلاّ فلا تبدو بالضحكِ عادةً كما حقَّقه الإِمامُ "الزمخشريُّ)) (١).
[٥١٠] (قولُهُ: نعمْ أمرُ الأميرِ إلخ) تصديقٌ لِما مرَّ(٢)، واستدراكٌ بأمرٍ آخرَ كالاستثناء مما
قبله، هكذا عُرْفُ المصنّفينَ في مثلِ هذا التركيب.
[مطلبٌ]
[ لا يجوزُ مخالفة الإمام إلاَّ فيما كان معصيةً بيقين ]
[٥١١] (قولُهُ: نفَذَ أمرُهُ) إنْ كان المرادُ بالأمر الطلبَ بلا قضاءٍ فظاهرٌ، وعليه فالمرادُ
بالنفاذِ وجوبُ الامتثالِ، وهذا الذي رأيتُهُ فِي سِيَرِ "التاتر خانية"(٣) في الفصل العاشر فيما
يجبُ فيه طاعةُ الأمير وما لا يجب، ونصُّهُ: (( قال "محمد": وإذا أمَرَ الأميرُ العسكرَ بشيءٍ
كان على العسكرِ أنْ يطيعوهُ في ذلك، إلاَّ أنْ يكون المأمورُ به معصيةً بيقينٍ )) اهـ.
ولكنْ لا محلَّ لذكرِ هذا هنا، وإنْ كان المرادُ به القضاءَ فقد مرَّ(٤) أنَّ القول الضعيف في حكمٍ
زقولُهُ: ولكنْ لا محلَّ لذكرِ هذا هنا إلخ) فيه أنَّه قد يُتُوهَّمُ من عدمٍ نفاذ قضاء المقلّدِ بخلاف مذهبه
عدمُ وجوبِ امتثال أمرِ الأمير إلاَّ إذا وافَقَ مذهبَهُ، فدفَعَ هذا التوهُّمَ بالاستدراك بقوله: ((نعم إلخ)).
وقولُهُ: ((وإنْ كان المرادُ به القضاءَ إلخ)) فيه أنَّ ما مرَّ لا ينافي ما هنا؛ لأَنَّه لم يَحْكِ هنا نفاذَ قضاء
الأمير بالقول الضعيف حتَّى يتأتّى التنافي المستفادُ من كلامه، بل حكى نفاذَ حكمه إذا صادَفَ فصلاً
مُجَتهَداً فيه، ويظهرُ أَنَّه لا يتعيَّنُ عليه الحكمُ بمذهبه بخلاف القاضي، ويُفرَّقُ بين حكمِهِ بالضعيف
وحكمِهِ مذهب الغير، ولا يمكنُ الجزم بعدم نفاذِ حكمه بخلاف مذهبه إلاَّ بعد وجودِ النصِّ به، فلتنظر
عبارةُ "شرح السِّير" المنقولُ عنها حتَّى يتّضحَ الحال.
(١) "الفائق في غريب الحديث": فصلُ اللام مع الثاء في شرح حديث الاستسقاء ٣٠٣/٣.
(٢) المقولة [٥٠٦] قوله: ((فكيف بخلاف مذهبه)).
(٣) "التاتر خانية": ٢٥٢/٥.
(٤) المقولة [٤٩٩] قوله: ((وأن الحكم والفُتيا إلخ)).
الجزء الأول
٢٥١
المقدمة
سير "التتار خانيَّة" و"شرح السير الكبير"، فليحفظ ))، وقد ذكروا أنَّ المجتهد المطلق
قد فُقِدَ،.
المنسوخ، وأنَّ الحكمَ به جهلٌ وخرقٌ للإجماعِ، على أنَّ الأمير ليس له القضاءُ إلاَّ بتفويضٍ من
الإِمام، قال في "الأشباه"(١): ((يجوزُ قضاءُ الأميرِ الذي يُولَّى القضاءَ، وكذلكَ كتابُهُ إلى القاضي،
إلاَّ أنْ يكون القاضي من جهةِ الخليفةِ فقَضْيُ(٢) الأميرِ لا يجوزُ، [١/ق٥٦/أ] كذا في
"الملتقط"(٣)، وقد أفتيتُ بأنَّ توليةَ باشا مصرَ قاضياً ليحكمَ في قضيةٍ بمصرَ مع وجودٍ قاضيها
المولَّى من السلطانِ باطلٌ؛ لأنَّه لم يفوَّضْ إليه ذلك )) اهـ. فتأمَّلْ.
[٥١٢] (قولُهُ: سِيَرٍ) جمعُ سِيرَةٍ، وهي: الطريقةُ في الأمور، وفي الشرع: تختصُّ بِسِيَرِ النبيِّ لَ
في مَغازيهِ، "هداية"(٤).
[٥١٣] (قولُهُ: "السِّيرِ الكبيرِ") للإمام "محمَّدٍ"، وهو روايتُهُ عن "الإِمام" من غيرِ واسطةٍ،
نعم رأيتُ في "شرح الدُّرِّ" من باب العدَّةِ ما نصُّهُ: ((القاضي إذا خالَفَ مشهورَ مذهبه لا ينفُذُ
حكمُهُ فِي الأصحِّ كما لو ارتَشَى، إلَّ إنْ نصَّ السلطانُ على العملِ بغير المشهور فيسوغُ)) اهـ.
وكتب عليه "المحشِّي" ما نصُّهُ: ((قولُهُ: إلاَّ إنْ نصَّ السلطانُ إلخ فيه نظرٌ؛ لاقتضائه أنَّ مخالفةً
القاضي مشهورَ المذهبِ تصحُّ إذا نَصَّ له السلطانُ، مع أنَّا قدَّمنا في هذا البابِ ما مرَّ أوَّلَ الكتاب من أنَّ
الحكم والفُتيا بالقولِ المرجوح جهلٌ وخرقٌ للإجماع )) اهـ.
(١) "الأشباه والنظائر": كتاب القضاء والشهادات والدعاوى صـ٢٨٨ - بتصرف.
(٢) في "الأشباه": ((فقضاء الأمير)).
(٣) "الملتقط"، ويسمَّى "مآل الفتاوى": لأبي القاسم محمد بن يوسف، ناصر الدين الحسني المدني السمر قندي
(ت ٥٥٦هـ). ("كشف الظنون" ١٨١٣،١٥٧٤/٢، "الجواهر المضيَّة" ٤٠٩/٣، "فهرس مخطوطات الظاهرية" .
الفقه الحنفي ٢٠٩/٢).
(٤) "الهداية": كتاب السير ١٣٥/٢.
قسم العبادات
٢٥٢
حاشية ابن عابدين
وأمَّا المقيَّدُ فعلى سبعِ مراتبَ مشهورةٍ،.
"ط"(١). قال في "المغرب"(٢): ((وقالوا: "السِّيرُ الكبير"، فوصفوها بصفةِ المذكَّرِ لقيامها مقامَ
المضافِ الذي هو الكتابُ كقولهم: صلاةُ الظهرِ، وسيرُ الكبيرِ خطأٌ كجامعِ الصغير، وجامعٍ
الكبيرِ )) اهـ.
[٥١٤] (قولُهُ: وأمَّا المقيَّدُ إلخ) فيهِ أمران: الأوَّلُ: أنَّ المجتهدَ المطلَقَ أحدُ السبعةِ.
(قولُهُ: كقولِهِم: صلاةُ الظهر) فإنَّ الأصل: صلاةُ وقتِ الظهر.
(قولُهُ: فيه أمران: الأوَّلُ إلخ) بل رَدَّ هذا التقسيمَ في "رسالة النافع الكبير لمن يُطالِعُ الجامعَ الصغير"،
وبالَغَ في ردِّهِ نقلاً عن "هارون بن بهاء الدِّين" الحنفيِّ، ولا بأس بسَرْدٍ عبارته، وهي هذه:
(( ليت شعري! ما معنى قولهم: إنَّ "أبا يوسف" و"محمَّدً" و"زفر" وإنْ خالفوا "أبا حنيفة" في بعضٍ
الأحكام لكنَّهم يقلّدونه في الأصول؟ ما الذي يريدونه؟ فإنْ أرادوا = منه الأحكامَ الإجماليَّةَ التي يُبحَثُ
عنها في كتبِ الأصول فهي قواعدُ عقليّةٌ وضوابطُ برهانيَّةٌ يَعرِفُها المرءُ من حيث إنَّه ذو عقلٍ وصاحبُ
فكرٍ ونظرٍ، سواءٌ كان مُجتهِداً أو غيرَ مُحتهِدٍ، ولا تعلُّقَ له بالاجتهادِ قطُّ، وشأنُ الأئمّة الثلاثة أرفعُ
وأجلُّ من أنْ لا يَعرِفوها كما هو اللازم من تقليدهم غيرَهم فيها، فحاشاهم ثمَّ حاشاهم عن هذه
النقيصة، وحالُهم في الفقهِ وإن لم يكن أرفعَ من "مالك" و"الشافعيّ" فليسوا بدونهما، وقد اشتهر في
أفواه المخالِف والموافِق وجَرى مَجرى الأمثالِ قولُهم: "أبو حنيفة" "أبو يوسف" بمعنى أنَّ البالغ إلى
الدَّرجة القصوى في الفقاهةِ "أبو يوسف".
وقال "الخطيبُ البغداديُّ": قال "طلحةُ بن محمَّدِ بنِ جعفرٍ": "أبو يوسف" مشهورُ الأمر، ظاهرُ
الفضل، أفقهُ أهلِ عصره، لم يتقدَّمه أحدٌ في زمانه، وكان عليَّ النباهةِ في العلم والحكم والقدر، وهو
أوَّلُ مَن وضَعَ الكتب في أصول الفقه على مذهب "أبي حنيفة" ونشَرَها، وبَثَّ عِلْمَ "أبي حنيفة" في
أقطارِ الأرض، وكذلك "محمَّدُ بن الحسن" قد بالَغَ "الشافعيُّ" في مدحِهِ والثناءِ عليه.
(١) "ط": المقدَّمة ٥١/١.
(٢) "المغرب": مادة ((سير)).
الجزء الأول
٢٥٣
المقدمة
الثاني: أنَّ بعضَ السَّبعةِ ليسوا مجتهدينَ، خصوصاً السَّابعة، فكانَ عليه أنْ يقولَ: والفقهاءُ
على سبعِ مراتبَ، وقد أوضَحَها المحقّق "ابنُ كمال باشا" في بعض رسائلهِ(١)، فقال: ((لا بدَّ
للمفتي أنْ يَعلَمَ حالَ من يُفتي بقوله، ولا يكفيه معرفتهُ باسمهِ ونسبه، بل لا بدَّ من معرفته
في الرِّوايةِ، ودرجتِهِ في الدِّراية، وطبقتِهِ من طبقاتِ الفقهاء ليكونَ على بصيرةٍ في التمييزِ بين
القائلينَ المتخالفين، وقدرةٍ كافيةٍ في الترجيحِ بين القولينِ المتعارضين:
مطلبٌ في طبقاتِ الفقهاء
الأولى: طبقةُ المجتهدين في الشَّرع كالأئمَّةِ الأربعة رضي الله عنهم ومن سَلَكَ مَسلكهم
في تأسيسٍ قواعدِ الأصول، وبهِ يمتازون عن غيرهم.
الثانيةُ: طبقةُ المجتهدين في المذهب كـ "أبي يوسف" و"محمَّدٍ" وسائرٍ أصحابِ "أبي
حنيفة" القادرين على استخراجِ الأحكامِ من الأدلّةِ على مقتضى القواعدِ التي قرَّرَها أستاذُهم
"أبو حنيفة" في الأحكامِ، وإِنْ خالفوهُ في بعضِ أحكام الفروعِ لكنْ يقلِّدونه في قواعدٍ
الأصول، وبه يمتازون عن المعارضينَ في المذهبِ كـ "الشافعيِّ" وغيره المخالفينَ له في
٥٢/١ الأحكامِ غيرَ مقلّدينَ له في الأصولِ.
وقد ذكَرَ القاضي "عبدُ الرحمن بن خلدون بنِ مالكٍ" في "مقدِّمته": أنَّ "الشافعيّ" رحَلَ إلى العراق،
ولقيَ أصحاب الإمام "أبي حنيفة"، وأخَذَ عنهم، ومزَجَ طريقةَ أهل الحجاز بطريقةٍ أهل العراق، وكذلك
"أحمدُ بن حنبل" أخَذَ عن أصحاب "أبي حنيفة" مع وُفُورِ بضاعتِهِ في الحديث انتهى.
ولكلِّ واحدٍ منهم أصولٌ مختصَّةٌ تفرَّدَ بها عن "أبي حنيفة" وخالفوه فيها، بل قال "الغزاليُّ": إنَّهما
خالفا "أبا حنيفة" في ثلثي مذهبه، ونقَلَ "النوويُّ" في "تهذيبِ الأسماء" عن "أبي المعالي الجوينيِّ": أنَّ
كلَّ ما اختارَهُ "المزنيُّ" أرى أنَّه تخريجٌ مُلحَقٌ بالمذهب لا كـ "أبي يوسف" و"محمَّدٍ"، فإنَّهما يخالفان
(١) أحمد بن سليمان، شمس الدين المعروف بابن كمال باشا الرُّوْمي(ت ٩٤٠هـ). ("الشقائق النعمانية" صـ٢٢٦-،
"الفوائد البهية" صـ ٢١-)، وتقدمت ترجمته عند ابن عابدين رحمه الله في المقولة [١٣٧] قوله: ((ابن الكمال)).
قسم العبادات
٢٥٤
حاشية ابن عابدين
الثالثةُ: طبقةُ المجتهدين في المسائلِ التي لانصَّ فيها عن صاحبِ المذهب كـ "الخصَّافِ"،
و "أبي جعفرٍ" الطحاويِّ، و"أبي الحسن" الكرخيِّ، وشمسِ الأئمَّة "الحَلْواني"، وشمس
الأئمّة "السرخسيِّ"، وفخرِ الإسلامِ "البزدويّ"، وفخرِ الدين "قاضي خان" وأمثالهم، فإنّهم
لا يقدرون على شيءٍ من المخالفة لا في الأصولِ ولا في الفروع، لكنّهم يستنبطون [١/ق٥٦/ب]
الأحكامَ في المسائلِ التي لانصَّ فيها على حسبِ الأصول والقواعد.
أصولَ صاحبهما، و"أحمدُ بن حنبل" لم يذكره الإِمامُ "أبو جعفر الطبريُّ" في عِداد الفقهاء، وقال: إنما
هو من حُفَّاظِ الحديث، فكيف يكون من المجتهدين في الشَّرع دون "أبي يوسف" و"محمَّدٍ" و"زفر"؟!
غيرَ أنَّهم لحسنٍ تعظيمهم في الأستاذ وفَرْطِ إجلالهم لمحلّهِ ورعايتهم لحقّهِ تشمَّروا على تنويرٍ شأنه،
وتوغّلوا في انتصاره والاحتجاج بأقواله وروايتها للناس ونقلِها لهم، وتجرَّدوا لتحقيقِ فروعها وأصولها،
وتعيينِ أبوابها وفصولها، ومِن ذلك الوجهِ امتازوا عن المخالفين كالأئمَّةِ الثلاثة و"الأوزاعيِّ" و"سفيانَ"
وأمثالهم، لا لأَنَّهم لم يبلغوا رتبةَ الاجتهادِ المطلقِ في الشَّرع، ولو أنَّهم أُولِعوا بنشرٍ آرائهم بين الخلق
لكان كلُّ ذلك مذهباً منفرداً عن مذهبِ "أبي حنيفة" - وإنْ أرادوا منه الأدلّةَ الأربعةَ فلا سبيل له إلى
ذلك؛ لأنَّ الشَّريعة مستنَدُ كلِّ الأئمّة، وقد نقَلَ "أبو بكرِ القَفَّلُ" و"أبو عليٍّ" والقاضي "حسينٌ" من
الشافعيَّةِ أَنَّهم قالوا: لسنا مقلّدين لـ "الشافعيِّ"، بل وافَقَ رأينا رأيَهُ، وهو الظَّاهرُ من حالِ الإمام "أبي
جعفرِ الطحاويِّ" في أخذِهِ مذهب "أبي حنيفة" واحتجاجِهِ له وانتصاره لأقواله.
ثُمَّ إِنَّ قوله في "الخصَّاف" و"الطحاويّ" و"الكرخيِّ": إنّهم لا يَقدِرون على مخالفة "أبي حنيفة" لا في
الأصولِ ولا في الفروعِ ليس بشيءٍ، فإنَّ ما خالفوه فيه من المسائلِ لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، ولهم اختياراتٌ
في الأصول والفروع، وأقوالٌ مُستنبَطّةٌ بالقياس والمسموع، واحتجاجاتٌ بالمعقول والمنقول على ما لا
يخفى على مَن تَّعَ كتب الفقهِ والخلافَّات.
ثُمَّ إِنَّه عَدَّ "أبا بكر الرازيَّ الجصَّصَ" من المقلّدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وهو ظلمٌ
عظيمٌ في حقّه، وتنزيلٌ له عن رفيعٍ محلّه، ومَن تَّعَ تصانيفَهُ والأقوالَ المنقولةَ عنه عَلِمَ أنَّ الذين عدَّهم من
الجزء الأول
٢٥٥
المقدمة
الرابعةُ: طبقةُ أصحابِ التخريج من المقلِّدين كـ "الرازي" وأضرابه، فإنّهم لا يقدرون
على الاجتهاد أصلاً، لكنَّهم لإحاطتهم بالأصولِ وضبطهم للمآخِذِ يقدرون على تفصيل
قولٍ مجملٍ ذي وجهين، وحكمٍ مبهَمٍ محتمِلٍ لأمرينِ منقولٍ عن صاحب المذهب أو أحدٍ من
أصحابه برأيهم ونظرِهم في الأصول والمقايسةٍ على أمثاله ونظائره من الفروع، وما في
"الهداية" من قوله: كذا في تخريجِ "الكرخيِّ" وتخريج(١) "الرازي" من هذا القبيل.
المجتهدين من "شمسِ الأئمّة" ومَن بعده كلّهم عيالٌ لـ "أبي بكرِ الرازيّ"، ومصداقُ ذلك دلائلُهُ التي
نصَبَها لاختياراتِهِ، وبراهينُهُ التي كشَفَ بها عن وجوهِ استدلالاته، نشأ ببغدادَ التي هي دارُ الخلافة
ومدارُ العلم والرَّشاد، ورحَلَ في الأقطارِ، ودخَلَ الأمصار، وأخَذَ الفقهَ والحديثَ عن المشايخِ الكبار،
وقال شمسُ الأئمّة "الحَلْوانيُّ" فيه: هو رجلٌ كبيرٌ معروفٌ في العلم، وإِنَّا نقلّدُهُ ونأخذُ بقوله، وذكَرَ في
"الكشف الكبير" ما يدلُّ على أنَّه أفقهُ من "أبي منصور الماتريديّ".
ثمّ "الحَلْوانِيُّ" ومَن ذَكَرَ بعده وعدَّهم من المجتهدين، كلُّهم تنتهي سلسلةُ علومهم إلى أبي بكرٍ
الرازيّ"، فقد تفقَّهَ عليه "أبو جعفرِ الأستروشنيُّ"، وهو أستاذُ القاضي "أبي زيدٍ الدبوسيِّ" والقاضي
"حسين بن خضر النسفيِّ" أستاذٍ شمس الأئمّة "الحَلْوانيِّ"، ومعلومٌ أنَّ "السرخسيَّ" من تلامذِتِهِ
و"قاضيخان" من أصحاب أصحابه، فلعلَّهُ نظَرَ إلى قولهم: كذا على تخريج "الرازيّ"، فَظَنَّ أنَّ وظيفتَهُ في
الصناعة هي التخريجُ فحسب، وأنَّ غاية شأنِهِ هذا القدرُ.
ثُمَّ إِنَّه جعَلَ "القدوريَّ" وصاحب "الهداية" من أصحابِ الترجيح، و"قاضيخان" من المجتهدين مع
تقدُّمِ "القدوريِّ" على "شمس الأئمَّة" زمانً، وكونِهِ أعلى منه كعباً وأطولَ باعاً، فكيف من "قاضيخان"؟!
وأمَّا صاحبُ "الهداية" فهو المشارُ إليه في عصره، المعقودُ عليه الخناصرُ في دهره، وقد ذكَرَ في
"الجواهر" وغيره: أنَّه أقرَّ له أهلُ عصرِهِ بالفضلِ والتقدُّمِ كالإمام فخرِ الدِّين "قاضيخان" و"زين الدِّين
العَتَّابِيِّ" وغيرِهما، وقالوا: إنَّه فاقَ على أقرانِهِ حتّى على شيوخه في الفقه، فكيف ينزِلُ شأنُهُ عن
"قاضيخان"؟! بل هو أحقُّ منه بالاجتهادِ، وأثبتُ في أسبابه )) اهـ ملخّصاً.
(١) قوله: ((الكرخي وتخريج)) ساقط من "آ".
قسم العبادات
٢٥٦
حاشية ابن عابدين
وأمَّا نحن فعلينا اتّباعُ ما رجَّحُوه وما صحَّحُوه كما لو أفتوا في حياتهم.
فإنْ قلت: قد يحكون أقوالاً بلا ترجيحٍ، وقد يختلفون في الصحيح.
قلت: يُعمَلُ بمثلِ ما عملوا من اعتبار تغُّرِ العُرف وأحوالِ الناس، وما هو الأرفقُ،
وما ظهَرَ عليه التعاملُ،
الخامسةُ: طبقةُ أصحابِ الترجيح من المقلّدين كـ "أبي الحسين"(١) القُدوريِّ، وصاحبِ
"الهداية" وأمثالهما، وشأنُهم تفضيلُ بعض الروايات على بعضٍ كقولهم: هذا أَولى، وهذا
أصحُّ روايةً، وهذا أرفقُ للناس.
والسادسةُ: طبقةُ المقلّدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقويِّ، والضعيفِ، وظاهرِ
المذهب، والرواية النادرةِ كأصحاب المُتُون المعتبرةِ من المتأخّرِين مثل صاحبِ "الكنزِ"،
وصاحب "المختارِ"، وصاحب "الوقايةِ"، وصاحب "المجمعِ"، وشأنُهم أنْ لا ينقلوا الأقوال
المردودةَ والرواياتِ الضعيفة.
والسابعةُ: طبقةُ المقلّدين الذين لايَقدِرون على ما ذُكِرَ، ولا يفرِّقُونَ بين الغَثِّ
والسَّمينِ)). اهـ بنوعِ اختصارٍ.
[٥١٥] (قولُهُ: وأمَّا نحنُ) يعني: أهلَ الطبقةِ السابعةِ، وهذا مع السؤال والجوابِ مأخوذٌ
من "تصحيحِ الشيخ قاسم".
[٥١٦] (قولُهُ: كما لو أفْتَوا في حياتِهم) أي: كما نتَبعُهم لو كانوا أحياءً وأَفَتَوْنا بذلكَ،
فإنَّه لا يسَعُنا مخالفتُهم.
[٥١٧] (قولُهُ: بلا ترجيحٍ) أي: صريحٍ أو ضمنىٍّ، فالصريحُ ظاهرٌ مما ذكره سابقاً(٢)،
(قولُهُ: يعني أهلَ الطبقةِ السَّابعةِ) يظهرُ أنَّ المراد أهلُ الطبقة السَّادسة أيضاً، فإنّه ليس شأنُهم
الترجيحَ بل التمييز بين القويِّ والأقوى.
(١) في النسخ كلها: ((أبي الحسن))، والصواب ما أثبتناه كما في المصادر. (انظر "الفوائد البهيّة" صـ ٣٠-).
(٢) ص٢٣٤ - قوله:((وفي وقف البحر)) "در".
الجزء الأول
٢٥٧
المقدمة
وما قوِيَ وجهُهُ، ولا يخلو الوجودُ ثَمَن يميِّزُ هذا حقيقةً لا ظنّاً، وعلى مَنْ لم يميِّزْ أنْ
يرجعَ لمن يميِّزُ لبراءة ذمَّتِهِ، ..
والضِّمنيُّ ما نَبَّهناكَ عليه عند قوله(١): ((وفي وقف "البحر"))، فإنّه إذا كان أحدُ القولين
ظاهرَ الرواية والآخرُ غيرَها فقد صرَّحوا إجمالاً بأنَّه لا يُعدَلُ عن ظاهرِ الرواية، فهو ترجيحٌ
ضمنيٌّ لكلِّ ما كان ظاهرَ الرواية، فلا يُعدَلُ عنه بلا ترجيحِ صريحٍ لمقايلِهِ، وكذا لو كان
أحدُ القولينِ في المتون أو الشروح، أو كان قولَ "الإِمام"، أو كان هو الاستحسانَ في غيرِ ما
استُثنيَ، أو كانَ أنفعَ للوقف.
[٥١٨] (قولُهُ: وما قَوِيَ وجهُهُ) أي: دليلُهُ المنقولُ الحاصلُ لا المستحصَلُ؛ [١/ق٥٧/ أ]
لأَنَّه رتبةُ المجتهدِ.
[٥١٩] (قولُهُ: ولا يخلو الوجودُ) أي: الموجودون أو الزمان.
[٥٢٠] (قولُهُ: حقيقةً) الظاهرُ رجوعُه إلى قوله: ((ولا يخلو))، وأراد بالحقيقةِ اليقينَ؛ لأنَّها
من حقَّ الأَمْرُ إذا ثبَتَ، واليقينُ ثابتٌ، ولذا عطَفَ عليها قوله: ((لا ظِنَّاً))، وحزَمَ بذلك
أخذاً مما رواه "البخاريُّ" من قوله ◌َ ◌ّ: « لاتزالُ طائفةٌ مِنْ أمَّتي ظاهرينَ على الحقِّ حتى
يأتيَ أمرُ اللهِ))، وفي روايةٍ: ((حتى تأتيَ الساعةُ))(٢).
[٥٢١] (قولُهُ: وعلى مَنْ لم يميِّزْ) أي: شيئاً مما ذُكِر كأكثرِ القضاة والمفتينَ في زمانِنا،
الآخذينَ المناصبَ بالمالِ والمراتب، وعَّر بـ ((على)) المفيدةِ للوجوب للأمرِ به في قوله تعالى:
﴿فَسَشَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُوْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [ النحل - ٤٣].
(١) في المقولة رقم: [٤٧٣].
(٢) أخرجه البخاري (٧٣١١) كتاب الاعتصام بالسنة - باب لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين، وأخرجه أحمد
٢٤٤/٤، ٢٤٨، ومسلم (١٩٢١) كتاب الإمارة - باب لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين، وأبو داود (٤٢٥٢)
كتاب الفتن - باب ذكر الفتن ودلائلها، والترمذي (٢٢٢٩) كتاب الفتن - باب ما جاء في الأئمّة المضلين، وقال:
هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (١٠) في المقدِّمة - باب اتباع سنة رسول الله ﴾. وأما رواية ((حتى تقوم
الساعة)) فقد أخرجها الحاكم في "المستدرك" ٤٤٩/٤ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي،
والقرطبي في "التفسير" ٢٩٦/٨ سورة التوبة الآية (١٢٢).
قسم العبادات
٢٥٨
حاشية ابن عابدين
فنسألُ الله تعالى التوفيقَ والقبولَ بجاهِ الرسول، كيف لا وقد يسَّرَ الله تعالى ابتداءً
تبييضِهِ في الرَّوضةِ المحروسة والبقعةِ المأنوسة؟! تجاهَ وجهِ صاحبِ الرسالة، وحائزِ
الكمال والبسالة، وضجيعيه الجليلين الضِّرغامين الكاملين، رضي الله عنهما وعن
سائر الصحابة أجمعين، ووالدِينا ومقلِّديهم بإحسان إلى يوم الدين،.
[٥٢٢] (قولُهُ: فنسألُ الله التوفيقَ) أي: إلى اتّباعِ الراجح عند الأئمَّةِ، وما يوصِلُ إلى براءةٍ
الذمَّةِ، فإنَّ هذا المقامَ أصعَبُ ما يكون على مَنِ ابْتْلِيَ بالقضاءِ أو الإفتاء.
والتوفيقُ: خَلْقُ قدرةِ الطاعةِ في العبد مع الداعيةِ إليها.
[٥٢٣] (قولُهُ: والقبولَ) أي: قبولَ سعينا في هذا الكتاب، بأنْ يكونَ خالصاً لوجههِ
الكريم ليحصلَ به النفعُ العميمُ والثوابُ العظيم.
[٥٢٤] (قولُهُ: بجاهِ) متعلِّقٌ بمحذوف حالٍ من فاعلِ ((نسْأَلُ))، أي: نسألُهُ متوسِّلينَ،
فليست الباءُ للقسم؛ لأَنَّه لا يجوزُ إلَّ بالله تعالى أو بصفةٍ من صفاته. والجاهُ: القَدْر والمنزلةُ،
"قاموس"(١).
[٥٢٥] (قولُهُ: كيف لا؟) أي: كيف لا نسألُهُ القبولَ وقد يسَّرَ اللَّهُ تعالى ما يفيدُ الظنّ
بحصوله ؟!
[٥٢٦] (قولُهُ: في الرَّوضةِ ) هي ما بين المنبر والقبر الشريف، وتطلقُ على جميع المسجد النبويِّ
أيضاً كما صرَّحَ به بعضُ العلماء، وعليه يَظهرُ قولُهُ: ((تُحَاهَ وجهِ صاحبِ الرسالة،﴿))؛ لأَنَّه
على المعنى الأوَّلِ لا تمكِنُ مواجهةُ الوجهِ الشريف.
[٥٢٧] (قوله: والبسالةِ) أي: الشجاعةِ كما في "القاموس"(٢).
[٥٢٨] (قولُهُ: الضِّرغامين) تثنيةُ ضِرْغامٍ كحِرْيال، وهو الأسدُ، ويقال له أيضاً: ضَرْغَم
كجَعَفَرِ كما في "القاموس"(٣)، وتثنيةُ الثاني: ضَرْغَمين كجعفرين، فافهم.
(١) "القاموس": مادة ((جوه)).
(٢) "القاموس": مادة ((بسل)).
(٣) "القاموس": مادة ((ضرغم)).
الجزء الأول
٢٥٩
المقدمة
ثم تجاهَ الكعبة الشريفةِ تحت الميزاب، وفي الحطيم والمقام، والله الميسّرُ للتمام.
[٥٢٩] (قولُهُ: ثم تُجاهَ) عطفٌ على ((تُجاهَ)) الأوَّلِ، فالابتداءُ الحقيقيُّ تُجاهَ صاحبِ
الرسالة ﴿، والإضافي تُجاهَ الكعبة، "ط" (١).
[٥٣٠] (قولُهُ: والحطيمٍ) أي: المحطومِ - سُمِّيَ به لأَنَّه حُطِمَ من البيت وأُخرِجَ - أو
الحاطِمِ؛ لأنَّه يَحطِمُ الذنوبَ، "ط"(٢).
[٥٣١] (قولُهُ: والمقامٍ) أي: مقامِ الخليل، وهو حَجَرٌ [١/ق٥٧/ب] كان يقومُ عليه الخليلُ
عليه الصلاة والسلام حالَ بناءِ البيتِ الشريف، وقيل غيرُ ذلك، "ط"(٣).
[٥٣٢] (قولُهُ: الميسِّرُ) أي: المسهّلُ، ويتوقَّفُ إطلاقُهُ عليه تعالى على التوقيف وإنْ صحّ
معناهُ على ما هو المشهورُ.
(٥٣٣] (قولُهُ: للتَّماءِ) مصدرُ تَمَّ يِتِمُّ، واسمٌ لِما يَتِمُّ به الشيءُ كما في "القاموس"(٤)،
٥٣/١ وعلى الثاني فالمرادُ بلوغُ التمامِ.
وكذا يقولُ أسيرُ الذنوب جامعُ هذه الأوراق راجياً من مولاه الكريم،
متوسِّلاً بنبيِّه العظيم، وبكلِّ ذي جاه عنده تَعالى أنْ يَمُنَّ عليه كرماً
وفضلاً بقبول هذا السعى والنفعِ به للعباد في عامَّة البلاد،
وبلوغ المرام بحسن الختام والاختتام،
آمین.
(قولُهُ: ويتوقّفُ إطلاقُهُ عليه تعالى على التوقيفِ إلخ) انظر ما تقدَّمَتْ كتابتُهُ في البسملة عن "الشِّهاب".
(١) "ط": المقدَّمة ٥٢/١.
(٢) "ط": المقدّمة ٥٢/١.
(٣) "ط": المقدّمة ٥٢/١.
(٤) "القاموس": مادة ((تمم)).
قسم العبادات
٢٦٠
حاشية ابن عابدين .
﴿كتابُ الطهارة ﴾
قُدِّمت العباداتُ على غيرها اهتماماً بشأنها، والصلاةُ تاليةٌ للإيمان،.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿كتابُ الطَّهارة﴾
[٥٣٤] (قولُهُ: قُدِّمتِ العباداتُ إلخ) اعلمْ أنَّ مَدار أمورِ الدين على الاعتقادات، والآداب،
والعبادات، والمعاملات، والعقوبات. والأوَّلانِ ليسا مما نحنُ بصددهِ. والعباداتُ خمسةٌ: الصلاةُ
والزكاةُ، والصومُ، والحجُّ، والجهادُ. والمعاملاتُ خمسةٌ: المعاوضاتُ الماليّةُ، والمناكحاتُ،
والمخاصماتُ، والأماناتُ، والّرِكاتُ. والعقوباتُ خمسةٌ: القِصاصُ، وحدُّ السَّرقةِ، والزِّنى،
والقذفِ، والرِّدَّةِ.
[٥٣٥] (قولُهُ: اهتماماً بشأنِها) وجهُهُ: أنَّ العبادَ لم يُخَلَقوا إلاَّ لها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
اِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [ الذاريات - ٥٦].
[٥٣٦] (قولُهُ: والصلاةُ إلخ) شروعٌ في بيانِ وجهِ تقديم الصلاة على غيرها من العبادات،
وتقديمِ الطهارةِ عليها.
[٥٣٧] (قولُهُ: تاليةٌ للإيمان) أي: نصَّاً كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِمُونَ الصَّلَوةَ﴾
[ البقرة - ٣]، وكحديثٍ: ((بُنِيَ الإِسلامُ على خمسٍ)) (١)، "بحر "(٢).
أقولُ: وفعلاً غالباً، فإنَّ أوَّلَ واجبٍ بعد الإِيمانِ في الغالب فِعلُ الصلاةِ لسرعةِ أسبابها
بخلافِ الزكاة والصوم والحجِّ، ووُجوباً؛ لأنَّ أوَّلَ ما وجَبَ الشهادتان، ثمَّ الصلاةُ ثمَّ الزكاة
(١) أخرجه أحمد ٢٦/٢، ٩٣، والبخاري (٨) كتاب الإيمان - باب دعاؤكم إيمانكم، ومسلم (١٦) كتاب الإيمان - باب
بيان أركان الإسلام، والترمذي (٢٦٠٩) كتاب الإيمان - باب ما جاء: بني الإسلام على خمس، وقال: هذا حديث
حسن صحيح، والنسائي ١٠٧/٨ - ١٠٨ كتاب الإيمان - باب على كم بني الإسلام، عن ابن عمر ظه مرفوعاً، وفي
الباب عن جرير بن عبد الله څ.
(٢) "البحر": كتاب الطهارة ٨/١.
الجزء الأول
٢٦١
الطهارة - تعريفها
والطهارةُ مفتاحُها بالنصِّ، وشرطٌ.
كما صرَّحَ به "ابنُ حجرٍ" في "شرح الأربعين"(١)، وفضلاً كما قال "الشُّرنبلالي"(٢): ((إنَّ
الإجماع منعقِدٌ على أفضلَّتها بدليلٍ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ بعد الإيمان؟ فقال: ((الصلاةُ
لوقتِها))(٣))).
[٥٣٨] (قولُهُ: والطهارةُ مِفتاحُها إلخ) أي: وما كانَ مفتاحاً لشيءٍ وشرطاً له فهو مقدَّمٌ
عليه طبعاً، [١/ق٥٨/أ] فيقدَّمُ وضعاً.
[٥٣٩] (قولُهُ: بالنصِّ) وهو ما رواه "السيوطيُّ" في "الجامع الصغير "(٤) من قوله صلّ:
(( مفتاحُ الصلاةِ الطُّهور، وتحريُها التكبير، وتحليلُها التسليم)، وهو حديثٌ حسنٌ. قال
"الرافعيُّ)(٥): ((الطُّهورُ بضمِّ الطَّاء فيما قَّدَهُ بعضهم، ويجوز الفتحُ؛ لأنَّ الفعل إنما يتأتّى بالآلةِ)).
١
(١) المسمَّى "فتح المبين لشرح الأربعين" (النووية): صـ٩١-، وهو لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي، شهاب الدين
المعروف بابن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي(ت٩٧٣هـ وقيل: ٩٧٤). ("كشف الظنون" ٦٠/١،
"هدية العارفين" ١٤٦/١، "النور السافر" صـ٢٨٧-، "الكواكب السائرة" ١١١/٣)، ونُسِبَ الكتابُ إلى حفيده
رضيّ الدين بن عبد الرحمن بن أحمد(ت ١٠٤١هـ). ("إيضاح المكنون" ١٧١/١، "خلاصة الأثر" ١٦٦/٢، "هدية
العارفين" ٣٦٩/١، وفيه: "مختصر الفتح المبين").
(٢) لم نعثر على هذا النقل في كتب الشرنبلالي التي بين أيدينا.
(٣) نصُّ حديثٍ أخرجه أحمد في مسنده ٤١٨/١، والبخاري (٥٢٧) في مواقيت الصلاة - باب فضل الصلاة لوقتها
بلفظ: ((أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها))، ومسلم (٨٥) كتاب الإيمان - باب بيان كون الإيمان بالله
تعالى أفضل الأعمال، والنسائي ٢٩٢/١ كتاب المواقيت - باب فضل الصلاة لوقتها، والطبراني في" الكبير" ١٩/١-٢٥
من رقم (٩٨٠٢) إلى (٩٨٢٣)، والمنذري في "الترغيب والترهيب" ٥٢٣/٣ جميعهم عن عبد الله بن مسعود قته.
(٤) "الجامع الصغير": ٥٣٧/٢، وأخرجه أحمد ١٢٣/١، وأبو داود (٦١) كتاب الطهارة - باب فرض الوضوء، والترمذي(٣)
كتاب الطهارة - باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وابن
ماجه (٢٧٥) كتاب الطهارة - باب مفتاحُ الصلاة الطهور، والدارمي ١٨٥/١ كتاب الطهارة - باب مفتاحُ الصلاة
الطهور، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٣٨٠/٢ كتاب الصلاة - باب وجوب التحلل من الصلاة بالتسليم، كلُّهم عن على ﴾.
(٥) أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القَزْويني الشافعي(ت٦٢٣هـ). ("طبقات السبكي"
٢٨١/٨، "هدية العارفين"٦٠٩/١) ولم نجد النقل المذكور في شرحه الكبير المسمَّى "فتح العزيز شرح الوجيز"
للغزالي، ولعله في كتابه "المحرر"، وهو مخطوط.
قسم العبادات
٢٦٢
حاشية ابن عابدين
بھا مختص،
قال "ابن العربيِّ"(١): ((هذا مجازُ ما يفتَحُها مِنْ غَلْقِها، وذلك أنَّ الحدثَ مانعٌ منها،
فهو كالقُفْلِ يُوضَعُ على المحدِث، حتى إذا توضَّأَ انحلَّ القُفْلُ، وهذه استعارةٌ بديعةٌ لا يقدرُ
عليها إلاَّ النبوّة )). اهـ من "شرحه" لـ "العلقميِّ" (٢).
[٥٤٠] (قولُهُ: بها مُختصٌّ) الأصلُ في لفظِ الخصوصِ وما يتفرَّعُ منه أنْ يُستعمَلَ بإدخالِ الباءِ
على المقصورِ عليه - أعني: ما لَهُ الخاصَّةُ - فيقال: خُصَّ المالُ بزيدٍ، أي: المالُ له دونَ غيره، لكنَّ
الشائعَ في الاستعمال إدخالُها على المقصور - أعني: الخاصَّةَ - كقولك: اختصَّ زيدٌ بالمالِ، وما هنا
من قبيلِ الأوَّلِ؛ إذ لا يخفَى أنَّ الخاصَّةَ هي اشتراطُ الطهارةِ دونَ الصلاة، فالمعنى: أنَّها شرطٌ مختصٌّ
بالصلاة، لا يتجاوَزُها إلى غيرها من العبادات، ولو كان من قبيلِ الثاني لكانَ حقُّه أنْ يقال: تختصُّ
الصلاة به، فافهم.
والمرادُ: أَنَّها شرطُ صحَّةٍ، فلا يَرِدُ أَنَّها تكونُ واجبةً في الطواف؛ لأَنَّه يصِحُّ بدونها، ولا
ترِدُ النيةُ؛ لأَنّها ليست مختصَّةً بالصلاة، بل هي شرطٌ لكلِّ عبادةٍ، ولا استقبالُ القبلةِ، فِإِنَّه قد لا
يُشترط كما في الصلاة على الدابَّةِ وحالةِ العذر من مرضٍ ونحوِهِ، ومثلُهُ سترُ العورة، وأمَّا وجوبُهُ في
﴿كتابُ الطَّهارة﴾
(قولُهُ: فإنَّه قد لا يُشترَطُ إلخ) كلٌّ من سترِ العورة واستقبالِ القبلة خارجٌ بقيد اللُّزوم في كلِّ
الأركان لا بقيدِ الاختصاص، وكونُهما لا يُشتَرَطان في بعض الأحيان للعذر لا ينافي الاختصاصَ بها،
فلا يصحُّ أنْ يُجعلا خارجَين به، فعلى هذا تظهرُ فائدةُ قوله: (( لازمٌ لها في كلِّ الأركان)).
(١) "عارضة الأحوذيِّ شرح صحيح الترمذي": كتاب الطهارة - باب: مفتاحُ الصلاة الطهارة ١٦/١. وابن العربي هو
القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن العربي المالكي(ت٥٤٣هـ). ("وفيات الأعيان" ٢٩٦/٤).
(٢) المسمَّى "الكوكب المنير": لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي، شمس الدين العلقمي الشافعي(ت٩٦٣ هـ
تقريباً)، شرح "الجامع الصغير" للسيوطي. ("كشف الظنون" ٥٦٠/١، "الكواكب السائرة" ٤١/٢، ٦٢/٣).
الجزء الأول
٢٦٣
الطهارة - تعريفها
لازمٌ لها في كلِّ الأركان، وما قيل: قُدِّمتْ لكونها شرطاً.
خارجها فليسَ على سبيل الشَّرطيّة.
[٥٤١] (قولُهُ: لازمٌ لها في كلِّ الأركانِ) أقولُ: لم تظهرْ لي فائدةُ هذا القيدِ في كلامه،
نعمْ ذَكَرَهُ في "البحر"(١) بعد التعليل بعدمِ السقوط أصلاً للاحتراز عن النَّةِ؛ لأَنّها لا يُشترط
استصحابُها لكلِّ ركنٍ، وقد علمتَ الاحترازَ عن النَّّة بمادَّةِ الاختصاص، على أنَّه سيذكرُ(٢)
عن "الفيض": ((أنَّ الطَهارة قد تسقُطُ أصلاً))، فليستْ شرطاً لازماً دائماً، فإنْ أرادَ لزومَها
بدونِ عذرٍ وَرَدَ عليهِ الاستقبالُ والسَّتَر، فإِنَّهما كالطَّهارة في ذلك، تأمَّلْ.
[٥٤٢] (قولُهُ: وما قيلَ) قائلُهُ الإِمامُ "السِّغناقيُّ)"(٣) صاحبُ "النهاية"، وهي أوَّلُ شرحٍ
لـ "الهداية".
ثُمَّ على كلام "الشارح" يبقى التنافي بين قوله أوَّلاً: ((لازمٌ لها في كلِّ الأركان))، وبين ما استقرَّ
عليه رأيُهُ من سقوطها في مسألةِ "الظهيريَّة"، فإنَّ لزومها في كلِّ الأركان يقضي بعدم السُّقوط، هذا ما
ظهَرَ، فحينئذٍ نحتاجُ للجواب الآتي عن "الحمويِّ"، وقال "السِّنديُّ" في الجواب عن فرع "الظهيريَّة":
(( لقائلٍ أنْ يقول: وجوبُها لا يكونُ إلَّ عند وجودِ المحلِّ الذي يلزمُ تطهيرُهُ، ولم يوجد هنا، فكيف
يتأتّى السُّقُوطُ مع عدم الوجوب؟! )) اهـ. وهذا مؤذَّى ما أجابَ به "الحمويُّ".
(قولُهُ: على أنَّه سيذكرُ عن "الفيض": أنَّ الطهارة قد تسقطُ أصلاً إلخ) فيه أنَّ ما يأتي عن
"الفيض" صورةُ صلاةٍ لا صلاةٌ حقيقيّةٌ كما سيذكرُهُ عن "ط"، فلا ينافي ما هنا، تأمَّل.
(١) "البحر": كتاب الطهارة ٨/١ بتصرف.
(٢) صـ ٢٦٦ - "در".
(٣) في "آ": ((الشناقي))، وفي "ب" و"م": ((السفناقي)) بالفاء، وهما تحريف، و((السِّغْناقي)) نسبة إلى سِغناق بكسرٍ
السين المهملة وسكون الغين المعجمة ثمَّ نون بعدها ألفٌ بعدها قافٌ، بلدة في تركستان كما في "الفوائد البهية"
صـ ٦٣-، وقال محقّق "الجواهر المضيَّة" و"الطبقات السنيّة": ((وفي " بلدان الخلافة الشرقية" أنها من جملة المواضع على
سَيْحون)). وربما أبدلت السين صاداً فقيل: ((الصغناقي)) كما في بعض كتب التراجم . =
قسم العبادات
٢٦٤
حاشية ابن عابدين
لا يسقُطُ أصلاً، ولذا فاقدُ الطَّهورين يؤخِّرُ الصلاة، وما أُورِدَ من أنَّ النَّةَ كذلك
مردودٌ كلُّ ذلك، أمَّا النَيَّةُ ففي "القنية" وغيرها: (( مَنْ توالتْ عليه الهمومُ.
[٥٤٣] (قولُهُ: لا يسقُطُ أصلاً) أي: لا يسقُطُ بعذرٍ من الأعذارِ، "نهاية".
[٥٤٤] (قولُهُ: فاقِدُ الطَّهورين) [١/ق٥٨/ب] أي: الماءِ والترابِ، كمن حُبِسَ وَقُيِّدَ
بحيث لا يصِلُ إليهما.
[٥٤٥] (قولُهُ: كذلك) أيْ: شرطٌ لا يسقُطُ أصلاً.
[٥٤٦] (قولُهُ: مردودٌ كلُّ ذلك) أي: كلٌّ مِنْ دعوى عدمٍ سقوطِ الطهارة أصلاً، وأنَّ
فاقدَ الطَّهورين يؤخِّرُ، وأنَّ النيةَ لا تسقُطُ أيضاً، وأتى بردِّ هذه الثلاثةِ غيرَ مرتّبٍ.
[٥٤٧] (قولُهُ: أمَّا النَّّةُ) أي: أمَّا وجهُ الردِّ في دعوى عدمٍ سقُوطِ النَّةِ أصلاً، وهذا الردُّ
والذي بعده لصاحب "النهر" (١).
[٥٤٨] (قولُهُ: ففي "القنية(٢) وغيرها) كـ "المجتبى"، وهو أيضاً للعلاّمة "مختار بنِ
محمود الزاهديِّ" صاحب "القنية"، وكتابُ "القنية"(٣) مشهورٌ بضعفِ الرواية، وقد نقَلَ هذا
الفرعَ عن "شرح الصََّّاغي"(٤).
= والسِّغْناقي هو الحسين بن علي بن حجّاج بن علي، حسام الدين(ت٧١١هـ) على الراجح، وتفرَّدَ اللكنوي في
"الفوائد البهيَّة" بأن اسمه الحسن بن علي، ولعله خطأ، فقد نقل الزركلي في "الأعلام" ٢٤٧/٢ نموذجاً من خط
السغناقي، وفيه أن اسمه الحسين، وذكر صاحب "كشف الظنون" ٢٠٣٢/٢ أنه تلميذ المرغيناني صاحب "الهداية"،
ولعله وهمّ، فإن وفاة المرغيناني في سنة (٥٩٣هـ)، ووفاة السغناقي في سنة (٧١١هـ)، ويؤكد ذلك ما في "الجواهر
المضيّة" ١١٤/٢ في ترجمة السغناقي: ((َفقَّةَ على الإمام حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر، وفوَّض إليه الفتوى وهو
شابٌّ، وعلى الإمام فخر الدين محمد بن محمد بن إلياس المايْمَرْغي، وروى عنهما "الهدايةَ" بسماعهما من شمس
الأئمّة الكردري عن المصنف))، فظهر أنَّ السغناقي ليس تلميذَ صاحب "الهداية"، وأنَّ بينهما واسطتين، فليتأمَّل.
(١) "النهر": كتاب الطهارة ق ٢/أ.
(٢) "القنية": كتاب الصلاة - باب النيّة في الدخول في الصلاة ق ١١/أ.
(٣) انظر "كشف الظنون" ١٦٣١/٢، و"الفوائد البهية" صـ ٢١٢ -.
(٤) "شرح أبي المكارم" عبد الكريم بن محمد بن أحمد، ركن الأئمَّة الصََّّاغي الَمَدِيْنِي (من رجال القرن الخامس) على
مختصرِ القدوري. ("كشف الظنون" ١٦٣٤/٢، "الجواهر المضيّة" ٤٥٦/٢).