النص المفهرس
صفحات 221-240
الجزء الأول
٢٠٥
المقدمة
خلافَ الحقِّ مع حُجَجٍ ضعيفةٌ
رأيتُ العائبين له سفاهاً
له في الأرضِ آثارٌ شريفةٌ
وكيف يحلُّ أنْ يُؤذَى فقيةٌ
صحيحَ النَّقلِ فِي حِكَمٍ لطيفةٌ
وقد قالَ ابنُ إدريسٍ مقالاً
ء
[٤٢٨] (قولُهُ: رأيتُ) أي: علمتُ، أو أبصرتُ، وعلى الأوَّلِ فـ ((العائبين)) مفعولُهُ
الأوَّلُ، وهو جمعُ عائبٍ، أُعِلَّتْ عينه بالهمزة كقائلٍ وبائعٍ، فافهم.
و((سفاهاً)) مفعولُهُ الثاني، قال في "القاموس"(١): ((سَفِهَ كَفَرِحَ وكَرُمَ علينا: جَهِل،
كَتَسَافَهَ فهو سفيةٌ. جمعُهُ سفهاءُ وسِفَاةٌ))، و((خلافَ الحقِّ)) صفةٌ، أي: مخالفين، أو ذوي
خلافٍ، و((الحجج)) جمع حُجَّةٍ بالضمِّ، وهي البرهان، سمَّاها بذلك بناءً على زعم
العائبين، وإلاَّ فهي شُبَهٌ وأوهامٌ فاسدةٌ.
[٤٢٩] (قولُهُ: "ابنُ إدريسٍ") بالتنوين للضرورة، والمرادُ به الإمامُ الرئيسُ ذو العلم النفيس
"محمدُ بن إدريس الشافعي" القرشي رضي الله تعالى عنه، ونفعنا به في الدارين آمين،
و((مقالاً)) مصدرُ قالَ، منصوبٌ على المفعولِيَّةِ المطلقة، و((صحيحَ النقل)) نعتٌ له، وهو
صفةٌ مشبَّهةٌ مضافةٌ إلى فاعلها، أي: صحَّ نقلُهُ عنه، قال "ابن حجرٍ"(٢): ((وقال "الشافعيُّ"
رضي الله تعالى عنه: مَنْ أراد أنْ يتبخّرَ في الفقهِ فهو عيالٌ على "أبي حنيفة"، إنَّه ممن وُفِّقَ له
الفقهُ. هذه روايةُ "حرملة"(٣) عنه، ورواية "الربيع" عنه: الناسُ عيالٌ في الفقهِ على "أبي
حنيفة"، ما رأيتُ - أي: ما علمتُ - أحداً أفقهَ [١/ق٤٥ /ب] منه، وجاء عنه أيضاً: مَنْ لم
ينظرْ في كتبه لم يتبخّرْ في العلم، ولا يتفقَّهُ ))(٤) اهـ.
[٤٣٠] (قولُهُ: في حِكَمٍ) أي: في ضمنِ حكمٍ لطيفةٍ لم يصرِّحْ بها، منها: ترغيبُ الناس
(١) "القاموس": مادَّة((سفه)).
(٢) "الخيرات الحسان": الفصل الثالث عشر صـ٣٥-٣٦ -.
(٣) هو الحافظ أبو عبد الله - وأبو حفص - حَرْمَلة بن يحيى التُّجيبيّ مولاهم المصريّ الشافعيّ(ت٢٤٣هـ). ("تهذيب
التهذيب" ٢٣٠/٢، "شذرات الذهب" ١٩٨/٣).
(٤) كذا في النسخ جميعها، والذي في "الخيرات الحسان": ((ولم يتفقه)).
قسم العبادات
٢٠٦
حاشية ابن عابدين
على فقهِ الإِمامِ "أبي حنيفةً"
بأنَّ الناسَ في فقهٍ عِيالٌ
على مَنْ رَدَّ قولَ "أبي حنيفة"
فلعنةُ ربِّنا أعدادَ رَمْلٍ
وقد ثبَتَ أنَّ "ثابتاً" والدَ الإِمامِ أدرَكَ الإمامَ "عليَّ بن أبي طالبٍ"، فدعا له
ولذريَّتِهِ بالبركة، ..
في مذهبه، والردُّ على العائبين له، وبيانُ اعتقاده في هذا "الإِمام"، والإقرارُ بالفضل للمتقدِّم.
(٤٣١] (قولُهُ: بأنَّ الناسَ) الباء زائدةٌ، أو للتعدية لتضَمُّنِ ((قال)) معنى صرَّحَ ونحوِهِ مما
يتعدَّى بالباء، و((في فقهٍ)) متعلّقٌ بـ ((عيالٌ))، من عالَهُ: إذا تكفَّل له بالنفقة ونحوِها.
[٤٣٢] (قولُهُ: على مَن ردَّ قولَ "أبي حنيفة") أي: على مَن ردَّ ما قاله من الأحكام
الشرعيَّة محتقِراً لها، فإنَّ ذلك موجبٌ للطرد والإبعاد، لا بمجرَّدِ الطعن في الاستدلال؛ لأنَّ
الأئمّة لم تَزَلْ يردُّ بعضهم قولَ بعضٍ، ولا بمجرَّدِ الطعن في "الإِمام" نفسه؛ لأنَّ غايته
الحرمةُ، فلا يوجبُ اللعنَ، لكنْ ليس فيه لعنُ شخصٍ معَيَّنٍ، فهو كلعنِ الكاذبين ونحوِهم من
العصاة، فافهم.
وفي هذا البيت من عيوب الشعر الإِيطاءُ(١)، على أنّه لم يذكره في "تنوير الصحيفة" كما
قاله "ابن عبد الرزّاق".
(٤٣٣] (قولُهُ: وقد ثبَتَ إلخ) ففي "تاريخ ابن خلِّكان"(٢) عن "الخطيب" (٣): ((أنَّ حفيد
"أبي حنيفة" قال: أنا "إسماعيلُ بنُ حَمَّادٍ" بنِ النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من
أبناء فارس من الأحرار، واللهِ ما وقع علينا رِقِّ قطُّ، وُلِدَ جدِّي "أبو حنيفة" سنةَ ثمانين،
وذهَبَ "ثابتّ" إلى "علي بن أبي طالبٍ" رضي الله تعالى عنه وهو صغيرٌ، فدعا له بالبركة
(١) الإِيطاء: أنْ يتكرَّرَ لفظُ القافية ومعناها واحدٌ. "معجم البلاغة العربيّة": صـ٧٢٨ - برقم (٩٢٠).
(٢) المسمى" وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان": ٤٠٥/٥، لأبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر، شمس الدين
المعروف بابن خَلْكَان الإِرْبِيّ الشافعيّ(ت٦٨١هـ). ("كشف الظنون" ٢٠١٧/٢، "فوات الوفيات" ١١٠/١).
(٣) "تاريخ بغداد": ٣٢٦/١٣.
الجزء الأول
٢٠٧
المقدمة
وصحَّ أنَّ "أبا حنيفة" سمِعَ الحديث من سبعةٍ من الصحابة كما بُسِطَ في أواخِرٍ
11
منية المفتى" ،
فيه وفي ذرِّيته، ونحن نرجو أنْ يكون الله تعالى قد استجاب لـ "عليّ" فينا، و"النعمانُ بن
٤٣/١ المرزبان" أبو ثابتٍ هو الذي أهدى لـ "عليٍّ" الفالوذجَ في يوم مهرجان(١)، فقال "علي":
مهرجونا كلَّ يومٍ هكذا )) اهـ.
وبه ظهَرَ أنَّ ما في بعض الكتب من قوله: ((وذهب "ثابتٌ" بجدِّي إلى "علىٍ" إلخ))
غيرُ ظاهر؛ لأنَّ "علياً" مات سنةَ أربعين من الهجرة كما في "ألفيَّة العراقيِّ"(٢)، فالظاهرُ أنَّ
لفظةَ ((يحدِّي)) من زيادة النِّسَّاخِ، أو الباءُ زائدةٌ، وأصلُهُ جدِّي.
مطلبٌ فيما اختُلِفَ فيه من رواية "الإمام" عن بعض الصَّحابة
[٤٣٤] (قولُهُ: وصحَّ إلخ) قال بعضُ متأخّري المحدِّثين ممن صنَّفَ في مناقبِ "الإِمام"
كتاباً(٣) حافلاً ما حاصلُهُ: ((أنَّ أصحابه الأكابرَ كـ "أبي يوسف" و"محمَّدِ بن الحسن"
و "ابنِ المبارك و"عبد الرزَّاق" وغيرِهم لم ينقلوا عنه شيئاً [١/ق ١/٤٦] من ذلك، ولو كان
لنقلوه، فإنَّه مما يَتنافس فيه المحدِّثون، ويَعْظُمُ افتخارُهم، وبأنَّ كلَّ سندٍ فيه أنَّه سمِعَ من
صحابىٍّ لا يخلو من كذَّبٍ، فأمَّا رؤيته لـ "أنسٍ" وإدراكُهُ لجماعةٍ من الصحابة بالسنِّ
فصحيحان لا شكَّ فيهما، وما وقع لـ "العيني"(٤) أَنَّه أثْبَتَ سماعَه لجماعةٍ من الصحابة ردَّهُ
(١) مهرجان: معرَّبُ مهر كان، والمرادُ منه: أوَّلُ حلولِ الشمس في برج الميزان، وهذا اليومُ هو أحدُ أعيادِ الفرس،
وسيأتي ذكرُهُ في كتاب الصوم.
(٢) "ألفيَّة العراقيّ": تواريخُ الرُّواة والوفيات صـ١٥٢ -.
(٣) هذا الكتابُ هو "عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان" للمحدث المؤرِّخ محمد بن يوسف
الصَّالحيّ الدِّمشقيّ الشَّافعيّ (ت٩٤٢هـ). ("كشف الظنون" ١١٥٥/٢، "هديَّة العارفين" ٢٣٦/٢ وفيه:
الحنفي)، والنقلُ المذكورُ في الباب الثالث: فيمن أدركه أبو حنيفة من الصحابة صـ٦٢-٦٣ - بتصرف.
(٤) أبو محمد وأبو الثناء محمود بن أحمد، بدر الدين الحلبي العينيّ ثم القاهري(ت٨٥٥هـ). ("الضوء اللامع"
١٣١/١٠، "الفوائد البهية" صـ ٢٠٧-).
قسم العبادات
٢٠٨
حاشية ابن عابدين
وأُدرَكَ بالسنِّ(١) نحوَ عشرين صحابيّاً كما بُسِطَ في أوائلِ "الضِّياء"، وقد ذكَرَ .....
عليه صاحبُهُ الشيخ الحافظ "قاسمُ " الحنفيُّ، والظاهرُ أنَّ سبب عدمٍ سماعه ممن أدركه من
الصحابة أنَّه أوَّلَ أمرِهِ اشتغل بالاكتساب حتَّى أرشدَهُ "الشَّعبيُّ))(٢) لِمَا رأى من باهرِ نجابته
إلى الاشتغال بالعلم، ولا يسعُ مَنْ له أدنى إلمامٍ بعلم الحديث خلافُ ما ذكرتُه )) اهـ.
لكنْ يؤيِّدُ ما قاله "العينيُّ" قاعدةُ المحدِّثين: أنَّ راويَ الاتّصال مقدّمٌ على راوي الإرسال
أو الانقطاع؛ لأنَّ معه زيادةً علمٍ، فاحفظ ذلك، فإِنَّه مهِمٌّ(٣)، كذا في "عقد اللآلئ
والمرجان"(٤) للشيخ "إسماعيل العجلونيِّ الجرَّاحيّ".
وعلى كلٍّ فهو من التابعين، وثَمن جزَمَ بذلك الحافظُ "الذهبيُّ" (٥) والحافظُ "العسقلانيُّ"
وغيرُهما، قال "العسقلانيُ)(٦): ((إنَّه أدرَكَ جماعةً من الصحابة كانوا بالكوفة بعد مولده بها سنةً
ثمانين، ولم يثبتْ ذلك لأحدٍ من أئمّة الأمصار المعاصرين له كـ "الأوزاعيِّ" بالشَّام، و"الحمَّادين"
بالبصرة، و"الثوريِّ" بالكوفة، و"مالكٍ" بالمدينة الشريفة، و"الليث بن سعدٍ" بمصرَ )).
[٤٣٥] (قولُهُ: وأدرَكَ بالسنِّ) أي: وُجِدَ في زمنهم وإنْ لم يَرَهم كلّهم.
[٤٣٦] (قولُهُ: كما بسَطَ في أوائلِ "الصِّياء")(٧) فقال: ((هم: "ابنُ نفيل"، و"واثلة"،
و"عبد الله بن عامر"، و"ابنُ أبي أوفى"، و"ابن جزء"، و"عتبة"، و"المقداد"، و"ابن بسرٍ"،
(١) في "و": ((وأدرك لسبقه بالسن)).
(٢) أبو عمر عامر بن شَرَاحيل بن عبد ذي كبار الشَّعْبِيّ الحِمْيَريّ التابعيّ(ت١٠٣ هـ) وقيل في وفاته غير هذا.
("تاريخ بغداد" ٢٢٧/١٢، "سير أعلام النبلاء" ٢٩٤/٤).
(٣) ما تقدَّم من الكلام السابق هو بنصه في "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٨ -.
(٤) اسم الكتاب كما في المصادر: "عقد اللآلي بشرح منفرجة الغزالي": لأبي الفداء إسماعيل بن محمد الجَرَّاحيّ
العَجْلُونيّ الشافعيّ (ت١١٦٢ هـ). ("إيضاح المكنون" ١١٠/٢، "سلك الدرر" ٢٥٩/١).
(٥) في رسالته "مناقب الإمام أبي حنيفة": صـ٧ -.
(٦) في "فتاويه"، كما في "الخيرات الحسان" صـ ٢٥-، و"عقود الجمان" صـ ٥٠ ..
(٧) هو - والله أعلم - "الضياء المعنويّ في شرح مقدمة الغزنويّ"، وقد مرت ترجمته في المقولة رقم: [٣٦٣].
٠٠.
الجزء الأول
٢٠٩
المقدمة
العلاَّمة شمسُ الدين "محمدٌ أبو النصر بنُ عرب شاه" الأنصاريُّ الحنفيُّ في منظومِتِهِ
الألفيَّةِ المسمَّاة بـ "جواهرِ العقائد ودُرَرِ القلائد" ثمانيةً من الصحابة ممن رَوَى عنهم
الإمامُ الأعظمُ "أبو حنيفة" رضي الله عنهم أجمعين، حيث قال: [ رجز ]
معتقداً مذهبْ عظيمِ الشَّانِ "أبي حنيفة" ....
و "ابن ثعلبةً"، و"سهل بن سعد"، و"أنسٌ"، و"عبد الرحمن بن يزيد"، و"محمود بن لبيد"،
و"محمود بن الربيع"، و"أبو أمامة"، و"أبو الطفيل"، فهؤلاء ثمانيةَ عشرَ(١) صحابياً، وربما
أدرَكَ غيرهم ممن لم أظفرْ به)). اهـ ملخَّصاً(٢).
وزاد في "تنوير الصحيفة": (("عمرو بن حريثٍ"، و"عمرو بن سلمةً"، و"ابن عباسٍ"،
و"سهل بن منيف"))(٣)، ثم قال: ((وغيرُ هؤلاء من أماثلِ الصحابة رضي الله تعالى
عنهم)). اهـ "ابن عبد الرزاق".
[٤٣٧] (قولُهُ: مَذهبْ) بسكون الباء لضرورة النَّظم، وهو مضافٌ، و((عظيمٍ)) مضافٌ
!! _ !(٤)
إليه. اهـ "ح"(٤).
(١) قوله: ((ثمانية عشر)) هكذا بخطّه، والذي ذكرَهُ ستَّةَ عشر فقط، فليحرَّر. اهـ. مصحِّحه.
(٢) في "د" زيادة: ((وقد ذكَّرَ الإِمامُ أبو الحسن المرغينانيُّ صاحب "الهداية" في أوَّلِ كتابه المسمَّى بـ "التجنيس
والمزيد" بسنده إلى أبي حنيفة قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ ◌َُه يقول: قال رسول اللهَ ﴿: ((طلبُ العلم فريضةٌ على
كلِّ مسلمٍ))، ثمَّ ذكَرَ بسندٍ آخر إلى الإمام أنه قال: لَمَّا دخلتُ المسجد الحرام رأيت حلقةٌ عظيمةً، فقلت لأبي:
حلقةُ مَنْ هذه؟ قال: حلقةُ عبد الله بن جزء الزبيديِّ صاحب رسول الله ﴿، يقول: ((مَن تفقّهَ في دين الله كفاه
الله همَّهُ، ورزقَهُ من حيث لا يحتسب))، ثمَّ قال أبو الحسن: وقد صَحَّ أنّه كان من التابعين، حيث روى عن عدَّةٍ
من الصحابة الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين، منهم أنسُ بن مالك، وعبد الله بن جزء كما روينا، ومنهم
زيد بن عبد الله، وعبد الله بن أبي أوفى، وواثلة بن الأسقع، وعائشة بنت عجرد، وعندي تلك الأحاديثُ مرويَّةٌ
بأسانيدَ متّصلةٍ اهــ)).
(٣) قوله: ((وسهل بن منيف)) هكذا بخطّه، والمعروفُ سهلُ بن حُنَيف كزُبَيرٍ، وليحرَّر. اهـ مصحِّحه.
(٤) "ح": المقدّمة ق ٤/ب بتصرف يسير.
قسم العبادات
٢١٠
حاشية ابن عابدين
التابعيِّ سابقِ الأئمَّةٌ
جمعاً منَ اصْحابِ النبيِّ أدراكا
طريقةً واضحةَ المنهاجِ
وقد روى عن أنسٍ.
الفتى النُّعمان
بالعلمِ والدِّين سراجِ الأمَّةً
أَثْرَهمْ قد اقتفى وسلَكَا
سالمةً من الضَّلال الدَّاجي
[٤٣٨] (قولُهُ: الفتى) من الفتوَّةِ، وهي: السَّخاءُ والقوَّة، "ط"(١).
[٤٣٩] (قولُهُ: سابقِ الأئمَّة) أي: الأئمَّةِ الثلاثةِ، ((بالعلم)) أي: بالاجتهاد [١/ق٤٦ /ب]
فيه، أو كلِّ الأئمَّة المجتهدين بتدوينه، فإنَّه أوَّلُ مَن دوَّنه كما مرَّ(٢).
[٤٤٠] (قولُهُ: جَمعاً) مفعولُ ((أدرَكَ)) المذكورِ بعده، فافهم.
[٤١ ٤] (قولُهُ: منَ اصحابٍ) بدَرْجِ الهمزة لنقل حركتها إلى النون قبلها، وأَلِفُ
((أدر كا)) للإشباع كألفِ ((سَلَكا)).
[٤٤٢] (قولُهُ: إِثْرَهُمُ) بكسرٍ فسكونٍ مع إشباع الميم، أي: بعدَهُمْ، فهو ظرفٌ متعلِّقٌ بما
بعده، أو بفتحتين وسكون الميم، أي: خَبَرَهم، فهو مفعولُ ((اقتفى))، و ((طريقةٌ)) مفعولٌ
((سلَكَ))، والمرادُ بها الحالةُ التي كان عليها من الاعتقاد والعلم والعمل، والمنهاجُ في
الأصل: الطريقُ الواضح، وأرادَ به هنا مطلقَ الطريق، فأضاف ((واضحةَ)) إليه.
[٤٣ ٤] (قولُهُ: الدَّاجي) شديدِ الظلمة، "قاموس"(٣).
[٤٤٤] (قولُهُ: وقد رَوَى عن "أنسٍ") هو "ابنُ مالكٍ" الصحابيُّ الجليل، خادمُ رسول الله(٤) ◌َ﴾
(١) "ط": المقدِّمة ٤٦/١.
(٢) المقولة [٣٣٦] قوله: ((وطحنه)).
(٣) قال في "القاموس": ((دَجَى الليلُ دَجْواً ودُجُوَّاً: أظلَمَ، والدُّحْيَةُ: الظلمة)). اهـ مادَّة(دجو، دجي))، ولم يذكر في
هاتين المادَّتين شدَّةَ الظلمة، ولكنْ ذكر في مادَّة ((دجج)): ((أنَّ الدُّجُج شدَّةُ الظلمة)).
(٤) مِن (("قاموس")) إلى ((رسول الله)) ساقطٌ من "أ".
الجزء الأول
٢١١
المقدمة
وجابر.
مات بالبصرة سنةَ اثنتين، وقيل: ثلاثٍ وتسعين، ورجَّحَهُ "النوويُّ"(١) وغيرُهُ، وقد جاوز
المائةَ، قال "ابن حجرٍ"(٢): ((قد صحَّ - كما قال "الذهبيُّ))(٣) - أَنَّهُ رآه وهو صغيرٌ، وفي
روايةٍ قال: رأيتُهُ مراراً وكان يخضِبُ بالحمرة، وجاء من طرقِ أَنَّه رَوَى عنه أحاديثَ
ثلاثةً(٤)، لكنْ قال أئمَّة المحدِّثين: مدارُها على مَن أَّهمه الأئمَّةُ بوضعِ الأحاديث )) اهـ.
قال بعضُ الفضلاء: وقد أطالَ العلاَّمةُ "طاش كبري" (٥) في سردِ النُّقول الصحيحة في
إثباتِ سماعه منه، والمُتْبِتُ مقدَّمٌ على النافي.
[٤٤٥] (قولُهُ: و"جابرِ") أي: "ابنِ عبد الله"، واعتُرِضَ بأَنَّه مات سنةَ (٧٩) قبل ولادة
"الإمام" بسنةٍ، ومِنْ ثَمَّ قالوا في الحديث المرويِّ عن "أبي حنيفة" عن "جابر" رضي الله تعالى
عنه أَنَّه ◌َ ﴿ِ:« أَمَرَ مَنْ لم يُرْزَق ولداً بكثرةِ الاستغفار والصدقة، ففعَلَ فوُلِدَ له تسعةُ ذكورٍ»:
إنَّه حديثٌ موضوعٌ(٦)، "ابن حجرٍ"(٧).
(١) "تهذيب الأسماء واللغات" ١٢٧/١.
(٢) "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٥ -.
(٣) "مناقب الإمام أبي حنيفة": صـ٨ ..
(٤) الأحاديثُ الثلاثة التي رواها الإِمام عن أنسٍ ◌َُه هي: ((طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ)، و(الدالُّ على الخيرِ
كفاعلِهِ)) و((إنَّ الله يحبُّ إغاثة اللهفان)، وقد خرَّجَ هذه الأحاديثَ الْخُوَارِزْ مِيُّ في "جامع مسانيد الإمام" ٨٣/١ -٨٦،
ومدارُ هذه الأحاديث على أحمدَ بن محمد بن الصَّلْت بن المغلّس الحِمّانيّ، وهو كذَّابٌ دجَّالْ بسَطَ الكلام عليه ابنُ حَجَرٍ
في "لسان الميزان" ٢٦٩/١-٢٧٢، وينبغي أنْ نذكر هنا أنَّ هذه الأحاديثَ ثابتٌ من غيرِ هذه الطريق.
(٥) لم نعثر على ذلك فيما بين أيدينا من كتب العلامة طاش كبري زاده.
(٦) أخرجه الديلميُّ كما في ذيل "اللآلئ المصنوعة" صد١١٥-، والخُوَارِزْمِيُّ في "جامع مسانيد الإمام" ٢٤/١ یاسنادٍ
أكثرُهُ مجاهيلُ عن أبي حنيفة عن جابرٍ مرفوعاً. قال الصَّالحيّ في "عقود الجمان" ص ٥٩ -: ((وجزَمَ الذهبيُّ في
"الميزان" وابنُ حَجَرٍ في "اللسان" بوضع هذا الحديث)). اهـ، ولم نجده فيهما، وأورَدَهُ السيوطيُّ في ذيل "اللآلئ
المصنوعة" صـ١١٥- وحَكّمَ بوضعه.
(٧) "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٥-
قسم العبادات
٢١٢
حاشية ابن عابدين
..
أعني أبا الطَّفَيلِ ذا ابنَ واثلةْ
وابنِ أبي أوفى كذا عن عامرٍ
لكنْ نقَلَ "ط"(١) عن "شرح الخوارزميِّ"(٢) على "مسند الإمام": ((أنَّ "الإِمام" قال في سائر
الأحاديث: سمعت، وفي روايته عن "جابرِ" ما قال: سمعت، وإنَّما قال: عن "جابر" كما
هو عادةُ التابعين في إرسالِ الأحاديث، ويمكنُ أنْ يقال: إنَّه يتمشّى على القول بولادة
"الإِمام" سنةَ (٧٠))) اهـ.
أقولُ: والحديثُ المذكورُ إنْ كان موجوداً في مسند "الإِمام" فغايةُ ما فيه أَنَّه مرسَلٌ، وأمَّا
الحكمُ عليه بالوضع فلا وجه له؛ لأنَّ "الإِمام" حجةٌ تَّبْتٌ، لا يَضَعُ ولا يروي عن وضَّاعٍ.
[٤٤٦] (قولُهُ: و"ابنِ أبي أوفى") هو "عبد الله"، آخِرُ مَنْ مات من الصحابة بالكوفة سنةً
(٨٦)، وقيل: سنةَ (٨٧)، وقيل: سنةَ (٨٨)، "سيوطي" في "شرح التقريب"(٣).
قال "ابن حجرٍ"(٤): [١/ق٤٧/أ] ((روى عنه "الإِمامُ" هذا الحديثَ المتواترَ: (( مَنْ بنى
لله مسجداً ولو كمَفْحَصٍ قَطَاقٍ بَنَى اللَّهُ له بيتاً في الجنة))(٥) )).
[٤٤٧] (قولُهُ: أعني "أبا الطفيل") أي: أقصِدُ بـ "عامٍ" المذكورِ "أبا الطفيل بنَ وائِلة" -
٤٤/١
(١) "ط": المقدّمة ٤٧/١.
(٢) المسمى "جامع مسانيد الإمام أبي حنيفة": ٢٤/١، وهو شرح أبي المؤيد محمد بن محمود الخطيب الخُوَارِزْمِيّ (ت٦٥٥هـ)،
على "مسند الإمام أبي حنيفة" رحمه الله. ("كشف الظنون" ١٦٨٠/٢، ووفاته فيه: ٦٦٥، "الجواهر المضية" ٣٦٥/٣).
(٣) المسمى "تدريب الراوي": النوع الأربعون ٢٣٠/٢، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين
السيوطيّ(ت٩١١هـ). شَرَحَ التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير" للإمام النوويّ. ("كشف الظنون"
٤٦٥/١، "الضوء اللامع" ٦٥/٤).
(٤) "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٧ -.
(٥) أخرجه الخُوَارِزْ مِيُّ في "جامع المسانيد" ٢٤/١ من طريق الإمام أبي حنيفة عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعاً، لكنَّه لا يثبتُ
من هذه الطريق. وأخرجه أحمد ٢٤١/١، والبخاري (٤٥٠) كتاب الصلاة - باب مَن بنى مسجداً، ومسلم (٥٣٣) كتاب
المساجد - باب فضلٍ بناء المساجد والحثّ عليها عن عثمان بن عفان، وفي الباب عن ابن عباس وجابر وظّد.
الجزء الأول
٢١٣
المقدمة
وابنٍ أُنَيْسِ الفتى وواثلةْ
بكسر الثاء المثلثة - الليثي، وهو آخرُ الصحابة موتاً على الإطلاق، توفي بمكّة، وقيل: بالكوفة
سنةً مائةٍ كما جزَمَ به "العراقيُّ"(١) وغيرُهُ تبعاً لـ"مسلمٍ"(٢)، وصحَّحَ "الذهبيُّ)(٣): (( أَنَّه سنةً
عشر ومائةٍ ))، وقيل: سبعٍ وعشرین.
[٤٤٨] (قولُهُ: و"ابنِ أُنَيْس") هو "عبد الله الجهني"، أخرَجَ بعضهم بسنده إلى "الإِمام" أَنَّه
قال: ولدتُ سنةَ ثمانين، وقَدِمِ "عبدُ الله بن أُنَيْسِ" صاحبُ رسول الله ﴿ّ الكوفةَ سنة أربعِ
وتسعين ورأيتُهُ، وسمعْتُ منه عن رسول اللـه مَ﴿ه: ((حُبُّكَ الشيءَ يُعمِي وَيُصِمُّ)) (٤)،
واعتُرِضَ بأنَّ في سنده مجهولين، وبأنَّ "ابن أنيسٍ" مات سنةَ (٥٤).
وأجيبَ: بأنَّ هذا الاسمَ لخمسةٍ من الصحابة، فلعلَّ المراد غيرُ "الجهنيِّ".
ورُدَّ بأنَّ غيرَهُ لم يدخل الكوفة.
[مطلب: ترجمة "واثلة بن الأسقع" ]
[٤٤٩] (قولُهُ: و"واثلةُ") هو بالثاء المثلَّثة أيضاً كما في "القاموس" (٥)، "ابنُ الأسقعِ"
بالقاف، مات بالشام سنةً خمسٍ أو ثلاثٍ أو ستٍ وثمانين، "سيوطي"(٦). ورَوَى "الإِمامُ"
عنه حديثين: ((لا تُظْهرِ الشَّماتةَ لأخيك فيعافيَه اللهُ ويبتليك)، (( دعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا
يَرِيبُك))، والأوَّلُ رواه "الترمذيُّ"(٧) من وجهٍ آخرَ وحسَّنَهُ، والثاني جاءَ من روايةٍ جمعٍ
(١) "التبصرة والتذكرة": معرفة الصحابة ٣٤/٣.
(٢) في "صحيحه" (٢٣٤٠) كتاب الفضائل - باب كان النبي ﴿ أبيضَ مليحَ الوجه.
(٣) "سير أعلام النبلاء": ٤٧٠/٣.
(٤) أخرجه أحمدُ ١٩٤/٥ و٤٥٠/٦، وأبوداود (٥١٣٠) كتاب الأدب - باب الهوى، عن أبي الدرداء، وحسَّنَهُ السخاويُّ
في "المقاصد الحسنة" صـ ١٨١ - رقم (٣٨١)، والسيوطيُّ في "الجامع الصغير" ٥٠٠/١ رقم (٣٦٧٤)، وأخرجَهُ الخوارزميُّ
في "جامع مسانيد الإِمام" ٢٣/١ عن عبد الله بن أنيس مرفوعاً، وقد تكفّلَ ابنُ عابدين بردِّ هذه الرواية.
(٥) "القاموس": مادة ((وثل)).
(٦) "تدريب الراوي": النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة ٢٣١/٢.
(٧) أخرجه الترمذيُّ (٦ ٢٥٠) كتاب صفة القيامة - باب لا تُظهِرِ الشماتةَ لأخيك، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريب، وحسَّنَهُ أيضاً
النوويُّ في "الأذكار" ٣١٠/١، والمنذريُّ في "الترغيب والترهيب" ٣١٠/٣، والسخاويُّ في "المقاصد الحسنة" (١٢٩٣).
قسم العبادات
٢١٤
حاشية ابن عابدين
عن ابنٍ جَزْءٍ قد رَوَى الإِمامُ
من الصحابة(١)، وصحَّحَهُ الأئمَّةُ، "ابن حجرٍ"(٢).
[ مطلب: ترجمة "عبد الله بن الحارث بن جزء" ]
[٤٥٠] (قولُهُ: عن "ابن جَزْءٍ") هو "عبد الله بن الحارث بنِ جَزْءٍ" بفتح الجيم وسكون
الزاي وبالهمزة، الزُبيديُّ بضم الزاي مصغّراً، واعتُرِضَ بأنَّه مات سنةَ (٨٦) مصرَ بسَفْط
"أبي ترابٍ"، قريةٍ من الغربيّة قربَ سمنود والمحلَّةُ(٣)، وكان مقيماً بها.
وأمَّا ما جاء عن "أبي حنيفة": مِنْ أَنَّه حجَّ مع أبيه سنةَ (٩٦)، وأَنَّه رأى "عبد الله"
هذا يدرِّسُ بالمسجد الحرام، وسمع منه حديثاً فردَّهُ جماعةٌ منهم الشيخُ "قاسم" الحنفي:
(( بأنَّ سندَ ذلك فيه قَلْبٌ وتحريفٌ، وفيه كذَّابٌ باتفاقٍ، وبِأنَّ "ابنَ جَزْءٌ" مات بمصرَ
ولـ " أبي حنيفة" ستُّ سنين، وبأنَّ "ابن جَزْءٍ" لم يدخل الكوفةَ في تلك المدَّةِ ))، "ابن
"(٤)
حجرٍ "(٤).
(١) أخرجه أبو يعلى (٧٤٩٢)، والطبرانيُّ في "الكبير" ٧٨/٢٢ ١٩٣)، و٨٠/٢٢ (١٩٧)، وأورده الهيثمي في
"المجمع"٢٩٤/١٠ كتاب الزهد - باب التورع عن الشبهات، وقال: رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه عبيدُ بن
القاسم، وهو متروكٌ، وأورده من طريقٍ آخر، وفيه إسماعيلُ بن عبد الله الكندي، وهو ضعيفٌ، ويشهدُ له
حديث الحسن بن علي الآتي تخريجه صـ٥٨٥ -.
أمَّا رواية هذا الحديث والذي قبله من طريق أبي حنيفة عن وائلة فباطلةٌ؛ لأنَّ واثلة تُوفِي بدمشق سنة ثلاثٍ
وثمانين، وقيل: سنة خمسٍ وثمانين كما في الإصابة ٥٩٠/٣، فكيف يحصل لأبي حنيفة السماعُ منه وله من العمر
ثلاث أو خمسُ سنين وهو في الكوفة وواثلة في دمشق ؟!
(٢) "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٧ -.
(٣) سَمِّنُّود: بلدٌّ من نواحي مصر جهةَ دمياط، مدينةٌ أزليةٌ على ضفّة النيل، بينها وبين المحلَّةِ ميلان، كانت إحدى
العجائب. "معجم البلدان" ٢٨٨/٣.
والمحلّة: مدينةٌ مشهورةٌ بالديار المصرية، وهي عدَّةُ مواضع، أكبرُها وأشهرُها بين القاهرة ودمياط، وهي محلَّةُ
دَقَلا. "معجم البلدان" ٧٦/٥.
(٤) "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٦ -، وانظر "سير أعلام النبلاء" ٣٨٧/٣.
الجزء الأول
٢١٥
المقدمة
وبنتِ عَجْرَدٍ هي التِّمامُ
عنهم وعن كلِّ الصِّحاب العُظَمَا(١)
رضي الله الكريمُ دائماً
وتوفي ببغدادَ - قيل في السِّحن لِيَلِيَ القضاءَ.
[٤٥١] (قولُهُ: و"بنتُ عَجْرَدٍ") اسمها "عائشة"، واعتُرِضَ بأنَّ حاصل كلام "الذهبيِّ" (٢)
وشيخ [١/ق٤٧ /ب] الإسلام "ابنِ حجر العسقلانيّ"(٣): ((أنَّ هذه لا صحبةً لها، وأنَّها لا
تكاد تُعْرَفُ ))، وبذلك رُدَّ ما رُوي: أنَّ "أبا حنيفة" رَوَى عنها هذا الحديثَ الصحيح:
(( أكثرُ جندِ الله في الأرض الجرادُ، لا آكُلُه، ولا أحرِّمُهُ)) (٤)، "ابن حجرٍ الهيثمي"(٥). وزاد
على مَنْ ذُكِرِ هنا ثَمّنْ روى عنهم "الإِمامُ" فقال: (( ومنهم "سهلُ بن سعدٍ"، ووفاته سنةً
(٨٨)، وقيل: بعدَها، ومنهُمُ "السائب بن يزيد بن سعيد"، ووفاته سنةً إحدى أو اثنتين أو
أربعٍ وتسعين، ومنهم "عبد الله بن بُسرٍ"، ووفاته سنةَ (٩٦)، ومنهم "محمودُ بن الربيع"،
ووفاته سنةَ (٩٩) )).
[٤٥٢] (قولُهُ: رضي الله) الأصوب: ((فرضِيَ)) بالفاء كما في نسخةٍ ليتِمَّ الوزن، ويسلمَ
من ادِّعاء دخول الخَزْل فيه.
[٤٥٣] (قولُهُ: لِيَلِيَ القضاءَ) أي: قضاءَ القضاةِ لتكون قضاةُ الإسلام من تحت أمره، والطالبُ
له هو "المنصور"، فامتنَعَ فحبسَهُ، وكان يُخْرَجَ كلَّ يومٍ، فيُضرَبُ عشرةَ أسواطٍ، وينادى
(١) هذا البيت ليس في"و".
(٢) "ميزان الاعتدال" ٣٦٤/٢.
(٣) "لسان الميزان": ٢٢٧/٣.
(٤) أخرجه الخوارزميُّ في "جامع مسانيد الإِمام" ٢٥/١ عن عائشة بنت عجردٍ، وأخرجه أبو داود(٣٨١٣) كتاب الأطعمة -
باب أكل الجراد، وابن ماجه (٣٢١٩) كتاب الصيد - باب صيد الحيتان والجراد، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٥٧/٩
كتاب الصيد والذبائح - باب ما جاء في أكل الجراد، والطبراني في "الكبير" ٢٥١/٦ (٦١٢٩) عن سلمان طلبه مرفوعاً.
(٥) "الخيرات الحسان": الفصل السادس صـ٢٧ -.
قسم العبادات
٢١٦
حاشية ابن عابدين
وله سبعون سنةً
عليه في الأسواق، ثم ضُرِبَ ضرباً موجِعاً حتى سال الدمُ على عقبه، ونودِيَ عليه وهو
كذلك، ثمَّ ضَّيِّقَ عليه تضييقاً شديداً حتى في مأكله ومشربه، فبكى وأكَّد الدعاءَ، فتوفي بعد
خمسة أيامٍ، ورَوَى جماعةٌ: أَنَّ دُفِعَ إليه قَدَحٌ فيه سُمٌّ، فامتنع وقال: لا أعينُ على قتل نفسي،
فصُبَّ في فِيْهِ قهراً، قيل: إنَّ ذلك بحضرة "المنصور"، وصحَّ أَنَّه لَمَّا أحسَّ بالموت سجَدَ،
فمات وهو ساجدٌ، قيل: والسببُ في ذلك أنَّ بعض أعدائه دسَّ إلى "المنصور" أنَّه هو الذي
أثارَ عليه "إبراهيمَ بنَ عبدِ الله" بنِ الحسن بن الحسين بن علي رضي الله عنهم الخارجَ عليه
بالبصرة، فطَلَبَ منه القضاءَ مع علمه بأنَّ لا يقبلُهُ ليتوصَّلَ إلى قتله. اهـ ملخَّصاً من "الخيرات
الحسان" لـ "ابن حجرٍ"(١).
وذكَرَ "التميميُّ"(٢): (( أنَّ "الخطيب"(٣) رَوَى بسنده: أنَّ "ابن هُبَيْرةَ"(٤) كان عاملَ
"مروانَ" على العراق، فكلّمَ "أبا حنيفة" أنْ يَلِيَ قضاءَ الكوفة فأبى، فضربه مائةً سوٍ
وعشرةً أسواطٍ، ثم خَلَّى سبيلَهُ، وكان "أحمدُ بن حنبل" إذا ذُكِرَ [ له](٥) ذلك بكى،
وترحَّمَ عليه، خصوصاً بعد أنْ ضُرِبَ هو أيضاً )) اهـ.
فالظاهرُ تعدُّدُ القصَّة، وبنو "مروان" قبل "المنصور"، فإنّه من بني "العباس"، فقصَّةُ "ابن
هبيرةً" كانت أوَّلاً، والله أعلم.
[٤٥٤] (قولُهُ: ولهُ) أي: من العُمر.
(١) "الخيرات الحسان": الفصل الحادي والثلاثون صـ ٧٦ -.
(٢) "الطبقات السنيّة": ١٠٣/١-١٠٤ باختصار.
(٣) "تاريخ بغداد": ٣٢٦/١٣-٣٢٧ بتصرف.
(٤) في النسخ: ((أبا هبيرة))، وما أثبتناه من "تاريخ بغداد" و"الطبقات السنية" هو الصواب، وابن هُبَيْرة هو أبو خالد
يزيد بن عمر بن هبيرة الفَزاري (قتل سـ٣٢ ١سنة هـ). ("وفيات الأعيان" ٣١٣/٦، "شذرات الذهب" ١٤٨/٢).
(٥) ما بين المنكسرين من "طبقات التميمي".
الجزء الأول
٢١٧
المقدمة
بتاريخِ خمسين ومائةٍ، قيل: ويومَ توفي وُلِدَ الإِمام "الشافعيُّ" وَّهِ، فَعُدَّ مِن مناقبه، وقد
قيل: الحكمةُ في مخالفة تلامذته له أنَّه رأى صبيًّ يلعبُ في الطين، فحذَّرَهُ من السقوط،
فأجابه: بأن احذَرْ أنت السقوطَ، فإنَّ في سقوطِ العالِمِ سقوطَ العالَمِ.
[٤٥٥] (قولُهُ: بتاريخٍ) متعلّقٌ بقوله: ((تُوفي))، فما قبلَهُ بيانُ المكان، وهذا بيانُ الزمان.
مطلبٌ في مولد الأئمَّةِ الأربعة ووفاتهم ومدَّةِ حیاتهم
(فائدة)
قد علمتَ أنَّ "أبا حنيفة" وُلد سنة (٨٠)، [١/ق٤٨ /أ] ومات سنة (١٥٠)، وعاش
سبعين سنةً. وقد وُلد الإِمام "مالكٌ" سنة (٩٠)، ومات سنة (١٧٩)، وعاش (٨٩) سنةً.
و "الشافعيُّ" وُلد سنة (١٥٠)، ومات سنة (٢٠٤)، وعاش (٥٤) سنةً. و"أحمدُ" وُلد سنة
(١٦٤)، ومات سنة (٢٤١)، وعاش (٧٧) سنةً، وقد نظَمَ جميعَ ذلك بعضُهُمْ مشيراً إليه
بحروف الجُمَّل، لكلِّ إمامٍ منهم ثلاثُ كلماتٍ على هذا الترتيب، فقال:
و "مالك" في قطعِ حَوْفٍ ضَبَطَا
تاریخُ "نعمانَ" يَكُنْ سَيْفٌ سَطَا
و"أحمد" بسَبْق أمرِ جَعْدٍ
و"الشافعيّ" صِيْنَ بِبِرِّ نَدِّ
ميلادَهم فموتهم كالعُمْر
فاحسِبْ على ترتيبِ نظم الشعر
[٤٥٦] (قولُهُ: فأجابَهُ إلخ) للهِ دَرُّ هذا الصبيِّ ما أحكمَه! حيث عَلِم أنَّ سقوطه وإنْ
٤٥/١ تضرَّرَ به جسدُهُ وحدَهُ لكنَّه لا يضرُّ في الدِّين، فكأنَّه ليس بسقوطٍ بخلاف سقوط العالِمِ في
طريق الحقِّ، فإنَّه إذا كان قبل بذل المجهود في نيل المقصود يلزمُ منه سقوطُ غيرِهِ مَمن اتَّبَعَه
أيضاً، فيعودُ ضررُهم عليه، وذلك ضررٌ في الدِّين، على حدٍّ قوله تعالى:
﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ﴾ الآيَةَ [الحج -٤٦]، أي: العمى الضارُّ ليس عمى الأبصار، وإنَّما
هو عَمَى القلوبِ.
قسم العبادات
٢١٨
حاشية ابن عابدين
فحينئذٍ قال لأصحابه:
[مطلب]
[ مشاورةُ "أبي حنيفةً" لأصحابه في الفقه ]
[٤٥٧] (قولُهُ: فحينئذٍ إلخ) رَوَى الإِمامُ "أبو جعفرِ الشيراماذي"(١) عن "شقيقِ البلخي" (٢)
أنّه كان يقول: (( كان الإمام "أبو حنيفة" من أورعِ الناس، وأعبدِ الناس، وأكرم الناس،
وأكثرهم احتياطاً في الدِّين، وأبعدِهم عن القول بالرأي في دين الله عز وجل، وكان لا يضعُ
مسألةً في العلم حتى يجمعَ أصحابَه عليها، ويَعقِدَ عليها مجلساً، فإذا اتفق أصحابه كلُّهم على
موافقتها للشريعة قال لـ " أبي يوسف" أو غيرِه: ضعْها في الباب الفلانيِّ)) اهـ. كذا في
"الميزان" للإمام "الشعرانيّ"(٣) قدِّس سرُّه.
ونقل "ط"(٤) عن "مسند الخوارزميٍّ" (٥): ((أنَّ "الإمام" اجتمَعَ معه ألفٌ من أصحابه،
أجلُّهم وأفضلُهُم أربعون قد بلغوا حدَّ الاجتهاد، فقرَّبهم وأدناهم، وقال لهم: إنّي أَلْجَمتُ هذا
الفقه، وأسرجتُهُ لكم فأعينوني، فإنَّ الناس قد جعلوني جسراً على النار، فإنَّ المنتهى لغيري
والعِبْءَ (٦) على ظهري، فكان إذا وقعتْ واقعةٌ شاوَرَهم وناظَرَهم وحاوَرَهم وسألَهم،
(١) لم نعثر على ترجمته فيما بين أيدينا من المصادر، والذي في "الميزان" للشعراني: ((أبو جعفر الشيزاماري))، وقال
صـ٥ ٦ -: ((وقد روى الإمام أبو جعفر الشيزاماري، نسبة إلى قريةٍ من قرى بلخ بسنده المتصل إلى أبي حنيفة څ
أَنَّه كان يقول .... )) اهـ.
(٢) أبو علي شَقِيق بن إبراهيم بن علي الأَزْدِي البَلْخِي الْخُرَاسَانيّ(ت١٩٤ هـ، وقيل: ١٥٣) صوفيّ زاهد. ("حلية
الأولياء" ٥٨/٨، "وفيات الأعيان" ٤٧٥/٢).
(٣) "الميزان الكبرى": ٧١/١.
(٤) "ط": المقدّمة ٤٨/١ بتصرُّف، نقلاً عن سيف الأئمَّة السَّابِلي.
(٥) المسمّى "جامع مسانيد الإمام أبي حنيفة": المقدمة ٣٢/١-٣٣، وتقدمت ترجمته صـ٢١٢ -.
(٦) الذي في النسخ: ((اللعب))، ولعلَّهُ تحريفٌ، وما أثبتناه من "ط" ٤٨/١.
الجزء الأول
٢١٩
المقدمة
إِنْ توجَّهَ لكم دليلٌ فقولوا به، فكان كلٌّ يأخذُ بروايةٍ عنه ويرجِّحُها، وهذا من غايةٍ
احتياطه ووَرَعِه،
فيسمعُ ما عندهم من الأخبار والآثار، ويقول ما عنده، ويناظرُهم شهراً أو أكثرَ حتى يستقرَّ
آخرُ الأقوال، فُيُثبِتُهُ "أبو يوسف" حتى أَثْبت الأصولَ على هذا المنهاجِ شورى، لا أنَّه تفرَّدَ
بذلك كغيره من الأئمّة )) اهـ.
[٤٥٨] (قولُهُ: إِنْ توجَّهَ لكم دليلٌ) [١/ق٤٨ /ب] أي: ظهَرَ لكم في مسألةٍ وجهُ الدليل
على غيرِ ما أقول، "ط"(١).
[٤٥٩] (قولُهُ: فقولوا به) وكان كذلك، فحصَلَ المخالفةُ من الصاحبين في نحو ثلثٍ
المذهب، ولكنَّ الأكثرَ في الاعتماد على قول "الإِمام"، "ط" (٢).
[٤٦٠] (قولُهُ: فكان كلٌّ يأخذُ بروايةٍ عنه) أي: فليس لأحدٍ منهم قولٌ خارجٌ عن أقواله،
ولذا قال في "الولوالحيَّة"(٣) من كتاب الجنايات: ((قال "أبو يوسف": ما قَلْتُ قولاً خالفتُ فيه
"أبا حنيفة" إلا قولاً قد كان قاله، وروي عن "زفرَ" أَنَّه قال: ما خالفت "أبا حنيفة" في شيءٍ
إلاَّ قد قاله ثمَّ رجَعَ عنه، فهذا إشارةٌ إلى أنَّهم ما سلكوا طريقَ الخلاف، بل قالوا ما قالوا
(قولُهُ: فليس لأحدٍ منهم قولٌ خارجٌ عن أقوالِهِ) ما مشى عليه إحدى طريقتين كما سيأتي نقلُهُ
عن "أدب المفتي" في كتابِ القضاء.
الثانيةُ: أنَّ مثل "أبي يوسف" و"محمَّدٍ" مشتغلون بالاجتهاد، ومن تأمَّلَ أحوالَهم وفتاواهم
واختياراتِهم عَلِمَ أنَّهم لم يكونوا مقلّدين لأئمَّتِهم في كلِّ ما يقولونه، وخلافُهم لهم أظهرُ من أنْ يُنكَرَ
وإنْ كان منهم المستقلُّ والمستكثرُ.
(١) "ط": المقدَّمة ٤٨/١.
(٢) "ط": المقدّمة ٤٨/١.
(٣) لم نعثر على هذا النقل في "الفتاوى الولوالحيَّة"، وهي لأبي المكارم إسحاق بن أبي بكر، ظهير الدين الوَلْوَالِجي
(ت ٧١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٢٣٠/٢، "الجواهر المضيّة"- الهامش ٣٧٥/١، مقدمة "الولوالجية").
قسم العبادات
٢٢٠
حاشية ابن عابدين
عن اجتهادٍ ورأيٍ اتباعاً لِما قاله أستاذهم "أبو حنيفة" )) اهـ.
وفي آخرِ "الحاوي القدسيّ"(١): ((وإذا أخَذَ بقولٍ واحدٍ منهم يعلمُ قطعاً أنَّه يكون به
آخذاً بقول "أبي حنيفة"، فإنَّه رُوِي عن جميع أصحابه من الكبار كـ "أبي يوسف" و"محمدٍ"
و"زفرَ" و"الحسن" أنَّهم قالوا: ما قلنا في مسألةٍ قولاً إلاَّ وهو روايتنا عن "أبي حنيفة"،
وأقسموا عليه أيماناً غلاظاً، فلم يتحقَّقْ إذاً في الفقهِ جوابٌ ولا مذهبٌ إلاَّ له كيفما كان،
وما نُسِبَ إلى غيره إلاَّ بطريقِ المجاز للموافقة)) اهـ.
فإنْ قلت: إذا رجَعَ المجتهدُ عن قولٍ لم يبقَ قولاً له، بل صرَّحَ في قضاء "البحر"(٢):
(( بأنَّ ما خرج عن ظاهرِ الرواية فهو مرجوعٌ عنه، وأنَّ المرجوع عنه ليس قولاً له ))(٣) اهـ.
وفيه (٤) عن "التوشيح" (٥): (( أنَّ ما رجَعَ عنه المجتهدُ لا يجوزُ الأخذ به ))، فإذا كان
كذلك فما قاله أصحابه مخالفين له فيه ليس مذهبَهُ، فحينئذٍ صارت أقوالُهم مذاهبَ لهم مع
أَنَّا التزمنا تقليدَ مذهبه دون مذهب غيرِهِ، ولذا نقول: إنَّ مذهبنا حنفيٌّ لا يوسفيٌّ ونحوُهُ.
قلتُ: قد يجابُ بأنَّ "الإِمام" لَمَّا أمَرَ أصحابه بأنْ يأخذوا من أقواله بما يتَّجِهُ لهم منها
عليه الدليلُ صار ما قالوه قولاً له لابتنائه على قواعده التي أسَّسَها(٦) لهم، فلم يكن مرجوعاً
عنه من كلِّ وجهٍ، فيكونُ من مذهبه أيضاً.
(١) "الحاوي القدسي": فصل إذا اختلفت الروايات ق ١٩١/ أ. وهو لأحمد بن محمد بن محمود بن سعيد بن نوح،
جمال الدين القابسي الغَزْنَوي (ت٥٩٣هـ). ("كشف الظنون" ٦٢٧/١، "الجواهر المضية" ٣١٥/١، "هديّة
العارفين" ٨٩/١).
(٢) "البحر": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٢٩٤/٦ باختصار.
(٣) من ((بل صرَّحَ)) إلى ((قولاً له)) ساقطٌ من "آ".
(٤) أي: في "البحر": كتاب الطهارة ١٤٥/١.
(٥) "التوشيح": لأبي حفصٍ عمر بن إسحاق بن أحمد، سراج الدين الهندي الغَزْنوي(ت ٧٧٣ هـ)، وهو شرحُهُ الكبير على
"هداية المرغيناني". ("كشف الظنون" ٢٠٣٤/٢ -٢٠٣٥، "الدرر الكامنة" ١٥٤/٣، "الفوائد البهيَّة" صـ ١٤٨-).
(٦) في "٢" : ((ألفها)).
الجزء الأول
٢٢١
المقدمة
وعِلْمٌ.
مطلبٌ: صحَّ عن "الإمام" أنَّه قال: إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي
ونظيرُ هذا ما نقله العلاَّمة "بيري" في أوَّلِ "شرحه" على "الأشباه"(١) عن "شرح الهداية"
لـ "ابن الشحنة"(٢)، ونصُّهُ: ((إذا صحَّ الحديثُ وكان على خلاف المذهب عُمِلَ بالحديث،
ويكون ذلك مذهبَهُ، ولا يُخرُجُ مقلّده عن كونه [١/ق٤٩/أ] حنفياً بالعمل به، فقد صحّ
عنه أنَّه قال: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي، وقد حكى ذلك "ابنُ عبد البَرِّ"(٣) عن "أبي
حنيفة" وغيرِهِ من الأئمّة)) اهـ. ونقلَهُ أيضاً الإمامُ "الشعرانيُّ"(٤) عن "الأئمَّة الأربعة".
ولا يخفى أنَّ ذلك لمن كان أهلاً للنظر في النصوص ومعرفةٍ مُحكَمِها من منسوخها، فإذا
نظَرَ أهلُ المذهب في الدليل، وعملوا به صحَّ نسبته إلى المذهب لكونه صادراً بإذنٍ صاحب
المذهب؛ إذ لا شكَّ أنَّه لو عَلِمَ ضعفَ دليله رجَعَ عنه، وأَّبعَ الدليلَ الأقوى، ولذا ردَّ المحقّق
"ابنُ الهمام" على بعض المشايخ - حيث أفتوا بقول "الإِمامين" - : ((بأنَّه لا يُعدَلُ عن قول
"الإمام" إلاَّ لضعفٍ دليله(٥) )).
[٤٦١] (قولُهُ: وعِلْمٌ) خبرٌ آخرُ عن قوله: ((وهذا))، أي: وهذا القولُ عِلْمٌ منه، أي: دليلُ
(١) هي حاشيته المسماة "عمدة ذوي البصائر لحل مهمات الأشباه والنظائر": وتقدَّمت ترجمته صـ١٤٦ -.
(٢) أبو الفضل محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن محمَّد بن محمود، محب الدين المعروف بابن الشِّحنة الصغير الحلبي
(ت ٨٩٠هـ)، واسم شرحه "نهاية النهاية". ("كشف الظنون" ٢٠٣٦/٢، "الضوء اللامع" ٢٩٥/٩، "البدر
الطالع" ٢٦٣/٢).
(٣) "الإِنقاء في فضائل الثلاثة الأئمّة الفقهاء": الجزء الثالث - باب جامع في فضائل أبي حنيفة وأخباره صـ١٤٢ - وما بعدها.
(٤) "الميزان الكبرى": ٦٩/١.
(٥) من ذلك ردُّهُ على بعضِ المشايخ الذين أفتوا بقول الصاحبين في وقت صلاة العشاء، وعبارتُهُ في "الفتح" ١٩٦/١:
((ومن المشايخ من اختار الفتوى على رواية أسد بن عَمْرَو، عن أبي حنيفة رحمه الله كقولهما، ولا تساعدُهُ
روايةٌ ولا درايةٌ، أمَّا الأوَّلُ فلأَنَّه خلافُ الرواية الظاهرة عنه، وأمَّا الثاني ... )). اهـ ورَدَّ أيضاً على من أفتى بقولهما
في آخر وقت تكبير التشريق، وعبارتُهُ ٤٩/٢: ((وقولُ من جعل الفتوى على قولهما خلافُ مقتضى الترجيح)) ا.هـ
وانظر "البحر الرائق": كتاب القضاء - فصل في التقليد ٢٩٣/٦.
قسم العبادات
٢٢٢
حاشية ابن عابدين
بأنَّ الاختلاف من آثار الرحمة، فمهما كان الاختلاف(١) أكثرَ.
علمِهِ بأنَّ الاختلاف إلخ، "ط"(٢). وفي بعض النسخ: ((وعلمِهِ)) بالضمير، وهو المناسبُ.
[٤٦٢] (قولُهُ: بأنَّ الاختلافَ) أي: بين المجتهدين في الفروع، لا مطلقُ الاختلاف.
مطلبٌ في حديث: اختلافُ أمَّتي رحمةٌ
[٤٦٣] (قولُهُ: من آثارِ الرَّحمة) فإنَّ اختلاف أئمَّة الهدى توسِعةٌ للناس كما في أوَّلِ
"التاتر خانية"(٣)، وهذا يشيرُ إلى الحديث المشهور على ألسنة الناس، وهو: ((اختلافُ أمَّتَي رحمةٌ))،
قال في "المقاصد الحسنة"(٤): ((رواه "البيهقيُّ" بسندٍ منقطعٍ عن "ابن عباسٍ" رضي الله تعالى
عنهما بلفظِ: قال رسول الله وَ﴾: «مهما أوتيْتُم من كتاب الله فالعملَ به، لا عذرَ لأحدٍ في
تركه، فإنْ لم يكن في كتاب الله فسنّةٌ مني ماضيةٌ، فإنْ لم تكن سنّةً مني فما قال أصحابي، إنَّ
أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيُّما أخذتم به اهتديتم، واختلافُ أصحابي لكم رحمةٌ))(٥) ))،
٤٦/١
(١) ((الاختلاف)) ليست في "و".
(٢) "ط": المقدَّمة ٤٨/١.
(٣) "الفتاوى التاتر خانيّة": المقدمة ٨٢/١، وهو كتاب جمع فيه مؤلفه عالم بن العلاء الأنصاريِّ الأندريتي الدهلويِّ
الهندي(ت٧٨٦هـ)، مسائل "المحيط البرهاني" و"الذخيرة" و"الفتاوى الخانية" و"الظهيرية" و"الخلاصة" وغيرها،
وأشار بجمعه الخان الأعظم تاتارخان، لذلك اشتهر به، وقيل: إنه سماه"زاد المسافر". ("كشف الظنون"
٢٦٨/١، "هدية العارفين" ٤٣٥/١، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ١٢٢/١، ١٠/٢).
(٤) "المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة": صـ٦٩-، لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن، شمس الدين
السَّخاوي (ت٩٠٢هـ). ("كشف الظنون" ١٧٧٩/٢، "الضوء اللامع" ٢/٨، "الكواكب السائرة" ٥٣/١).
(٥) أخرجه البيهقي في "المدخل" برقم (١٥٢) من حديث سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضخَّاك عن ابن
عباس قال: قال رسول اللـه ﴿: ((مهما أوتيتم من كتاب إلخ)). وقال السَّخاوي في "المقاصد الحسنة"
صـ٦٩ -٧٠ -: ومن هذا الوجه أخرجه الطبرانيُّ، والديلميُّ في مسنده بلفظ ((سواء))، وجويبرٌ ضعيفٌ جداً،
والضحَّاك عن ابن عباس منقطعٌ، وعزاه الزركشيُّ إلى كتاب "الحجة" لنصر المقدسي مرفوعاً من غير بيانٍ لسنده
ولا صحابِّهِ، وقال ابن حجرٍ: هذا الحديثُ مشهورٌ على الألسنة، وقد أورَدَهُ ابن الحاجب في مباحث القياس
بلفظ: ((اختلافُ أُمَّتي رحمةٌ للناس))، وكثر السؤال عنه، وزعَمَ كثيرٌ من الأئمَّة أنّه لا أصل له.
وفي "فيض القدير" ٢١٢/١: قال الإمام السبكي: ليس بمعروف عند المحدِّثين، ولم أقف له على سندٍ صحيحٍ ولا
ضعيفٍ ولا موضوعٍ. اهـ=
الجزء الأول
٢٢٣
المقدمة
وأورَدَهُ "ابنُ الحاجب" في "المختصر"(١) بلفظ: (( اختلافُ أُمَّتي رحمةٌ للناس))، وقال "منلا
علي القاري"(٢): ((إنَّ "السيوطي" قال(٣): أخرجه "نصرُ المقدسيُّ" في "الحجَّة"(٤)،
و"البيهقيُّ" في "الرسالة الأشعريَّة"(٥) بغيرِ سندٍ، ورواه "الحليميُّ"(٦) و"القاضي حسين"(٧)،
= نقول: بل له أصلٌ وسندٌ، فقد أخرجه العراقيُّ في "المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من
الأخبار" ٢٣/١ وقال: ذكره البيهقيُّ في "رسالته الأشعريَّة" تعليقاً، وأسنده في "المدخل" من حديث ابن عباسٍ
بلفظ: ((اختلافُ أصحابي لكم رحمةٌ)) وإسناده ضعيف.
وكذا عزاه العراقيُّ لآدم بن أبي إياس في كتاب "العلم والحكم" دون بيان بلفظ: ((اختلافُ أصحابي رحمةٌ
لأمتي))، قال: ((وهو مرسلٌ ضعيف، وبهذا اللفظِ ذكره البيهقيُّ في "رسالته الأشعرية" بغير إسنادٍ. ا.هـ "الشَّذرة
في الأحاديث المشتهرة" لابن طولون ٤٢/١.
وأخرج ابن سعد في "الطبقات" ١٨٩/٥، والبيهقي في "المدخل" كما في "المقاصد" صـ٧٠- عن القاسم بن محمَّد
بن أبي بكر الصديق قال: ((كان اختلافُ أصحاب رسول الله ﴿ رحمةً للناس))، وإسنادُهُ صحيحٌ.
وأخرج البيهقيُّ في "المدخل" عن عمر بن عبد العزيز قال: ((ما سرَّني لو أنَّ أصحاب محمد﴿ لم يختلفوا؛ لأنهم
لو لم يختلفوا لم تكن رخصةٌ)).
(١) لم نجده في "مختصر المنتهى" ولا في أصله "منتهى السُّول" بعد التقصِّي والبحث الدقيق. وابن الحاجب هو أبو
عمرو عثمان بن عمر، جمال الدين المعروف بابن الحاجب الكُرْدي المصري المالكي(ت٦٤٦هـ). ("وفيات
الأعيان" ٢٥٨/٣، "شذرات الذهب" ٤٠٦/٧).
(٢) "الأسرار المرفوعة": صـ ٨٤ - رقم (١٧).
(٣) "الجامع الصغير": ٣٩/١ رقم (٢٨٨).
(٤) "الحجَّة على تارك المحجَّة": لأبي الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي النابلسي الدمشقي الشافعي (ت ٤٩٠هـ).
("كشف الظنون" ٦٣١/١، "شذرات الذهب" ٣٩٦/٥، "هديَّة العارفين" ٤٩٠/٢).
(٥) "الرسالة الأشعريَّة": صـ١٠٦-، وهي لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى المعروف بالبيهقي الخُسْرَوْجِردي
الخُرَاساني الشافعي (ت٤٥٨هـ)، مطبوعةٌ ضمن كتاب "تبيين كذب المفتري فيما نُسِبَ إلى الإمام أبي الحسن
الأشعريّ" لابن عساكر الدمشقي(ت ٥٧١هـ)، "سير أعلام النبلاء" ١٦٣/١٨، "شذرات الذهب" ٢٤٨/٥).
(٦) في كتاب الشهادات من تعليقه. كذا في "فيض القدير": ٢١٢/١. والحَلِيمي هو أبو عبد الله الحسين بن الحسن
بن محمَّد بن حَلِيم البخاري الجُرْجاني الشافعي (ت٤٠٣هـ). ("سير أعلام النبلاء" ٢٣١/١٧، "شذرات الذهب" ١٩/٥).
(٧) هو القاضي أبو علي حسين بن محمد بن أحمد المَرْوَرُّوْذِيّ الشافعي(ت٤٦٢هـ). ("تهذيب الأسماء واللغات" =
قسم العبادات
٢٢٤
حاشية ابن عابدين
كانت الرحمةُ أوفرَ؛ لِما قالوا:
و"إمام الحرمين"(١) وغيرُهُم، ولعلَّه خُرِّجَ في بعض كتب الحفّاظ التي لم تصلْ إلينا)).
ونقَلَ "السيوطيُّ))(٢) عن "عمرَ بن عبد العزيز" أنَّه كان يقول: (( ما سرَّني لو أنَّ أصحاب
محمدٍ ﴿ لم يختلفوا؛ لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكنْ رخصةٌ )).
وأخرَجَ "الخطيب"(٣): ((أنَّ "هارون الرشيد" [١/ق٤٩/ب] قال لـ "مالك بن أنس": يا
"أبا عبد الله"، نكتبُ هذه الكتبَ - يعني: مؤلَّفَاتِ الإِمام "مالكٍ" - ونفرِّقُها في آفاقِ الإِسلام
لْتُحمَلَ عليها الأمَّةُ، قال: يا أمير المؤمنين، إنَّ اختلاف العلماء رحمةٌ من الله تعالى على هذه
الأمَّة، كلٌّ يَتَبعُ ما صحَّ عنده، وكلُّهم على هدىً، وكلٌّ يريدُ اللهَ تعالى))، وتمامُهُ في
"كشف الخفاء ومُزيل الإلباس"(٤) لشيخ مشايخنا الشيخ "إسماعيل الجراحي".
[٤٦٤] (قولُهُ: كانت الرَّحمةُ أوفرَ) أي: الإنعامُ أزيدَ، "ط)" (٥).
[٤٦٥] (قولُهُ: لِمَا قالوا) باللام، أي: لِمَا رواه العلماءُ في شأن ذلك، وهو الحديثُ السابق
وغيرُهُ، ويحتملُ أَنَّها كافٌ معلّقةٌ حرَّفُها النُّسَّاخِ، أي: كما قال العلماء ذلك، ويحتمل أنَّ
جملة قوله: (("رسم المفتي")) مقولُ القول، ومحطُّ التعليل على التخييرِ في الإفتاء بالقولين
: ١٦٤/١، "وفيات الأعيان" ١٣٤/٢).
نقول: وهذا مبني على جواز النسبة في الأعلام المركبة إلى صدرها دون عجزها، وفيها وجوه أخرى كما هو
مبسوط في كتب الصرف.
(١) أبو المعالي عبدُ الملك بن عبد الله بن يوسف، ضياء الدين الجَوَيني النّيْسابوري الشافعي(ت ٤٧٨هـ). ("وفيات الأعيان"
١٦٧/٣، "هديَّة العارفين" ٦٢٦/١).
(٢) "جزيل المواهب": صـ١٩ - نقلاً عن "المدخل" للبيهقي.
(٣) في "الرواة عن مالك"، كما ذكره السيوطي في "جزيل المواهب" صـ١٩ -.
(٤) انظر "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عمَّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس": ٦٣/١-٦٤، لأبي الفداء
إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجرَّاحي العجلوني الدمشقي الشافعي(ت١١٦٢هـ). ("إيضاح المكنون" ٣٥٩/٢،
"سلك الدرر" ٢٥٩/١).
(٥) "ط": المقدِّمة ٤٨/١.