النص المفهرس

صفحات 161-180

الجزء الأول
١٤٥
المقدمة
والرَّمْل وعلوم الطبائعيِّين والسِّحر ..
أحدها: أنَّه مُضِرٌّ بأكثرِ الخلق، فإنَّه إذا أُلْقِيَ إليهم أنَّ هذه الآثارَ تحدُثُ عقيبَ سير
الكواكب وقع في نفوسهم أنَّها المؤثّرة.
وثانيها: أنَّ أحكام النجوم تخمينٌ مَحْضٌ، ولقد كان معجزةً لإدريسَ عليه السلامُ فيما
يُحكى، وقد اندرَسَ.
وثالثها: أَنَّه لا فائدةَ فيه، فإنَّ ما قُدِّرَ كائنٌ، والاحترازُ منه غيرُ ممكنٍ )) اهـ ملخِّصاً.
٣٠/١
[٣٠٢] (قولُهُ: والرَّملِ) هو علمٌ بضروبِ أشكالٍ من الخطوط والنقط بقواعدَ معلومةٍ،
تخرجُ حروفاً تُجمَعُ، ويُستخرَجُ جملةٌ دالَّةٌ على عواقبِ الأمور، وقد علمتَ [١/ق٣١/ب]
أَنَّه حرامٌ قطعاً، وأصله لإدريسَ عليه السلام، "ط" (١). أي: فهو شريعةٌ منسوخةٌ.
وفي "فتاوى ابن حجرٍ"(٢): ((أنَّ تعلُّمَه وتعليمه حرامٌ شديدُ التحريم لِما فيه من إيهامٍ
العوامٌّ أنَّ فاعله يشارِكُ اللَّهَ تعالى في غيبه )).
[٣٠٣] (قولُهُ: وعلومِ الطبائعِّين) العلمُ الطبيعيُّ: علم يُبْحَثُ فيه عن أحوال الجسم
المحسوس من حيث هو معرَّضٌ للتغيُّرِ في الأحوال والثباتِ فيها. اهـ "ح"(٣).
وفي "فتاوى ابن حجرٍ"(٤): (( ما كان منه على طريق الفلاسفة حرامٌ؛ لأَنَّه يؤدِّي إلى مفاسدَ
كاعتقادِ قِدَم العالم ونحوه، وحرمتُهُ مشابهةٌ لحرمة التنجيم من حيث إفضاءُ كلٍّ إلى المفسدة )).
مطلبٌ في السِّحر والكهانة
[٣٠٤] (قولُهُ: والسِّحرِ) هو علمٌ يستفادُ منه حصولُ مَلكَةٍ نفسانَّةٍ يقتدرُ بها على أفعال
(١) "ط": المقدِّمة ٣١/١.
(٢) "الفتاوى الحديثيَّة": صـ١٠١-، لأبي العباس أحمد بن محمد بن علي، شهاب الدين المعروف بابن حَجَرِ الهَيْتَميّ
المكيّ الشافعيّ (ت٩٧٤هـ)، ("النور السافر" صـ ٢٨٧-، "هدية العارفين" ١٤٦/١).
(٣) "ح": المقدّمة ق ٣/ب.
(٤) "الفتاوى الحديثيّة": ص ٤٠ -.

قسم العبادات
١٤٦
حاشية ابن عابدين
..
غريبةٍ لأسبابٍ خفيَّةٍ. اهـ "ح"(١).
وفي "حاشية الإيضاح"(٢) ل "بيري زاده": ((قال "الشُّمُني" (٣): تعلُّمه وتعليمُه حرامٌ)).
أقولُ: مقتضى الإطلاقِ ولو تُعُلِّمَ لدفع الضرر عن المسلمين، وفي "شرح الزَّعفراني"(٤).
((السحرُ حقٌّ عندنا وجودُه وتصوُّره وأثرُه ))، وفي "ذخيرة الناظر "(٥): ((تعلَّمُه فرضٌ لردِّ ساحرٍ
أهلِ الحرب، وحرامٌ ليفرِّقَ به بين المرأة وزوجها، وجائزٌ ليوفّق بينهما )). اهـ "ابن عبد الرزاق".
قال "ط"(٦) بعد نقله عن بعضهم عن "المحيط "(٧): ((وفيه: أنَّه ورَدَ في الحديث النهيُ عن
(١) "ح": المقدّمة ق ٣/ب.
(٢) كذا في النسخ، ولعلَّ الصوابَ (("حاشية الأشباه" لبيري زاده))، المسماة "عمدة ذوي البصائر لحلِّ مهمات الأشباه
والنظائر"، وهي لإبراهيم بن حسين المعروف بابن بِيْري (١٠٩٩ هـ)؛ إذ ليس لبيري زاده حاشية على "الإيضاح"
على ما بين أيدينا من المصادر. ("إيضاح المكنون" ١٢١/٢، "خلاصة الأثر" ١٩/١، "هدية العارفين" ٣٤/١،
"فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٤٩٣/١).
(٣) أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد، تقي الدين الشَّمُني (ت ٨٧٢هـ). ("الضوء اللامع" ١٧٤/٢، "البدر الطالع" ١١٩/١).
(٤) لعلَّ المقصود شرحُ عبد المؤمن بن أبي بكر بن محمد الزَّعْفَرانيّ على "مصابيحِ السنّة" للبغويّ(ت٥١٦هـ). ("كشف
الظنون" ١٧٠١/٢، "هديّة العارفين" ٦٣١/١).
(٥) لم نهتد إلى معرفته.
(٦) "ط": المقدِّمة ٣٢/١، وفيه: ((عن بعض الفضلاء)) دون عزوٍ إلى "المحيط".
(٧) في الفقه الحنفيّ محيطان مشهوران:
"المحيط البرهاني": لبرهان الدين محمود بن تاج الدين أحمد بن الصدر الكبير برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن
مازه (ت ٦١٦ هـ). ("الفوائد البهية" صـ٢٠٥ - وما بعدها، و"هدية العارفين" ٤٠٤/٤).
و"المحيط الرضوي": لمحمد بن محمد بن محمد الملقب رضي الدين السرخسي(ت ٥٤٤هـ). ("الفوائد البهية"
صـ ١٨٨ - وما بعدها).
وذكر اللكنوي في "الفوائد البهية" كلاماً طويلاً وهاماً حول المحيطين، ينبغي الرجوع إليه. (انظر "الفوائد البهية"
صـ ١٨٨ - وما بعدها).
والذي يعنينا هو الوقوف على مراد الحنفية من "المحيط" عند إطلاقه؛ من غير تقييدٍ بالبرهانيّ أو السرخسيّ، هل =

الجزء الأول
١٤٧
المقدمة
= المقصود "المحيط البرهانيّ" أو "محيط السرخسيّ"؟ ذكر اللكنوي أنَّ هذا محل اختلاف، فبعضهم يرى أنَّ "المحيط"
إذا أطلق يراد به "محيط السرخسيّ"، ويرى البعض الآخر أنَّ "المحيط" إذا أطلق في الكتب المتداولة فالمراد به
"المحيط البرهانيّ". (انظر "الفوائد البهية" ص ١٩١-).
ولما كان ابن عابدين رحمه الله ينقل أكثر نصوص "المحيط" في حاشيته عبر وسائط قمنا بتحديد المقصود من
"المحيط" عند الإطلاق في كثير من هذه الوسائط، وذلك عن طريق تصريح مصنف الكتاب الذي ينقل عن
"المحيط"؛ بأنّه يقصد "المحيط البرهانيّ" أو "السرخسيّ"، أو عن طريق مراجعة هذه النصوص في "المحيط
البرهانيّ" - وبين أيدينا نسخة مخطوطة منه - فإن وجدت فهي، وإلاَّ فالمراد "محيط السرخسيّ".
وإليك أسماء الكتب والأعلام التي تَبَّيَّن لنا أنّها تنقل عن "المحيط البرهاني": ١- الإحكام، ٢ - الإمداد،
٣- التاتر خانية، ٤- شرح الزاهدي، ٥- شرح المنية، ٦- شرح الوهبانية، ٧ - المنية، ٨- الهندية، ٩- النهاية،
١٠ - البركوي ١١- القهستاني، ١٢ - المقدسي، ١٣- نوح أفندي.
وهذه أسماء الكتب والأعلام التي نقل ابن عابدين بواسطتها نصوص "المحيط"، ولم نعثر على هذه النصوص
في "المحيط البرهاني": البحر الرائق - الحاوي القدسي - الحلبة - الدرر - شرح درر البحار - شرح الغزنوية - شرح
اللباب - شرح المجمع - الغاية - الفتاوى الخيرية - الفتاوى الصوفية - الفتح - القنية - مجمع الروايات - المضمرات -
المعراج - النهر - الباقاني - السروجي.
ويتضح مما قررنا أنَّ فيما رجحه اللكنوي نظراً، فقد رجح اللكنوي أنَّ المراد بـ"المحيط" عند الإطلاق "المحيط
البرهاني" حيث نقل عبارة ابن أمير حاج التالية في شرح "المنية": ((الظاهر أنَّ مراده - أي: مراد صاحب "المنية" -
بـ"المحيط": "المحيط البرهاني" كما هو المراد من إطلاقه لغير واحد كصاحب "الخلاصة" و"النهاية")). وقال: لقد
أصاب - أي: ابن أمير حاج - في أنَّ "المحيط" إذا أطلق يراد به "المحيط البرهاني" في هذه الكتب المتداولة.
("الفوائد البهية" صـ ٢٤٦-).
فيتضح بهذا اعتراضنا على اللكنوي؛ فإنَّ عبارة ابن أمير حاج السابقة لا تفيد أنَّ المراد "المحيط البرهاني" في
جميع الكتب المتداولة كما هو واضح.
والحاصل: أنَّ بعضهم يُطلق "المحيط" ومراده "المحيط البرهاني" والبعض الآخر مراده "محيط الرضوي".
٠
ومما يجدر ذكره أنَّ ابن نجيم في "البحر الرائق" يذكر "المحيط" بإطلاق في المجلدات الستة الأولى، ويذكر" المحيط البرهاني"
ابتداءً من المجلد السابع، ولكن يترجح لدينا أنَّ نقله عن "المحيط البرهاني" ليس مباشراً وإنّمَا هو بواسطة، لأمرين:
الأول: أنَّ اللكنوي في "الفوائد البهية" ص ١٩٠- ينقل عن ابن نجيم أنَّه لم يقف على "المحيط البرهاني".
الثاني: أنَّ ابن نجيم نقل في "البحر" ١٢٨/٧ مسألةً معزيةً إلى "المحيط" فيها تفصيل، ثُمَّ قال: ((ثم كشفت
"المحيط" للإمام رضي الدين السرخسي الموجود في ديارنا فوجدته وافق الجماعة من غير تفصيل[أي: في المسألة
السابقة]، فهو - أي: القول بالتفصيل - وإن احتمل أن يكون في "المحيط البرهاني" لكن القول به لا يصح عن =

قسم العبادات
١٤٨
حاشية ابن عابدين
التّوَلَةِ(١) بوزن عِنَةٍ، وهي: ما يفعلُ ليحبِّبَ المرأةَ إلى زوجها)) اهـ
أقولُ: بل نصَّ على حرمتها في "الخانية"(٢)، وعلَّله "ابن وهبان"(٣): ((بأَنَّه ضربٌ من
السحر))، قال "ابن الشحنة"(٤): ((ومقتضاه: أنَّه ليس مجرَّدَ كتابةٍ آياتٍ، بل فيه شيءٌ
زائد)) اهـ. وسيأتي(٥) تمامُهُ قبيل إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
وذكَرَ في "فتح القدير"(٦): (( أَنَّه لا تُقبَلُ توبةُ الساحر والرِّديق في ظاهر المذهب، فيجبُ قتل
الساحر، ولا يُستتابُ بسعيه بالفساد لا بمجرَّدٍ عمله إذا لم يكن في اعتقاده ما يُوجِبُ كفرَه)) اهـ.
وذكَرَ في "تبيين المحارم"(٧) عن الإِمام "أبي منصور"(٨): ((أنَّ القول بأنَّ السحر كفرٌ على
= المذهب)). اهـ. هذا ما ظهر لنا بعد التحقيق، والله أعلم.
(١) أخرجه أحمدُ ٣٨١/١، وأبو داود (٣٨٨٣) كتاب الطبِّ - باب في تعليق التمائم، وابن ماجه (٣٥٣٠) كتاب
الطب - باب تعليق التمائم، وابنُ حبان في "صحيحه" (٦٠٩٠) كتاب الرُّقى والتمائم - باب ذكر التغليظ على مَن
قال بالرقى والتمائم متّكلاً عليها، والحاكم (٤١٨/٤) كتاب الرقى والتمائم، وصحَّحَهُ، ووافَقَهُ الذهبي، كلُّهم عن
عبد الله بن مسعود څ.
(٢) "الخانية": كتاب الحظر والإباحة - فصل في التسبيح ٤٢٥/٣ معزيًّا إلى "الجامع الصغير" (هامش "الفتاوى
الهنديَّة")، و"الفتاوى الخانية" لأبي المحاسن الحسن بن منصور، فخر الدين المعروف بقاضي خان (خاقان)
الأُوْزْ جَنْدي الفَرْغاني (ت ٥٩٢هـ). ("كشف الظنون" ١٢٢٧/٢، "الفوائد البهية" صـ ٦٤-٦٥-).
(٣) أبو محمد عبد الوهّاب بن أحمد، أمين الدين المعروف بابن وَهْبَان الحارثيّ الدمشقيّ(ت٧٦٨هـ). ("الدرر الكامنة"
٤٢٣/٢، "الفوائد البهية" صـ ١١٣-).
(٤) لم نعثر على النقل في "شرحه" على "الوهبانيَّة".
(٥) في المقولة [٣٢٩٩٣]، قوله: ((التميمة المكروهة))، وفي المقولة [٣٣٥٨٢] قوله: ((ومن ذكرها)).
(٦) "فتح القدير": فروعٌ ألحقت بباب أحكام المرتدِّين ٣٣٢/٥-٣٣٣ باختصار، وتقدم الكلام عليه من المؤلف ص ٤٤ -
قوله: ((والكمال)).
(٧) "تبيين المحارم": الباب السادس في السِّحر ق ٢٢/أ.
(٨) الإمام أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتُرِيديّ إمام الهدى (ت٣٣٣هـ). ("الجواهر المضية" ٣٦٠/٣،
"الفوائد البهية" صـ١٩٥-).

الجزء الأول
١٤٩
المقدمة
الإطلاق خطأُ، ويجب البحثُ عن حقيقته، فإنْ كان في ذلك ردُّ ما لزِمَ في شرطِ الإِيمان فهو
كفرٌ، وإلاَّ فلا )) اهـ
أقولُ: وقد ذكر الإمام "القرافي"(١) المالكيُّ الفرقَ بين ما هو سِحْرٌ يُكَفَرُ به وبين غيره، وأطالَ
في ذلك بما يلزمُ مراجعته من أواخرٍ(٢) " شرح اللَّقاني [١/ق٣٢/ أ] الكبير" على "الجوهرة"(٣).
مطلبٌ: السحرُ أنواع
ومن كتاب "الإعلام في قواطع الإسلام" للعلامة "ابن حجرٍ"(٤): ((وحاصلُهُ: أنَّ السحر
اسمُ جنسٍ لثلاثة أنواعٍ:
الأوَّلُ: السيمياء، وهي ما يركِّبُ من خواصَّ أرضيَّةٍ كدُهنٍ خاصٍّ أو كلماتٍ خاصَّةٍ
تُوجِبُ إدراكَ الحواسِّ الخمسِ أو بعضها بما لَهُ وجودٌ حقيقيٌّ، أو بما هو تَخُّلٌ صِرْفٌ من
مأكولٍ أو مشمومٍ أو غيرهما.
الثاني: الهيمياءُ، وهي ما يوجبُ ذلك مضافاً لآثارٍ سماويَّةٍ لا أرضيَّةٍ.
الثالث: بعضُ خواصِّ الحقائق كما يؤخذُ سَبْعُ أحجارٍ يُرمى بها نوعٌ من الكلاب، إذا
(١) في كتابه المسمَّى "أنوار البروق في أنواء الفروق": الفرقُ الثاني والأربعون والمائتان بين قاعدةٍ ما هو سحرٌ يُكفَّرُ به
وبين قاعدةٍ ما ليس كذلك ١٣٦/٤، والقرائيُّ هو أبو العباس أحمدُ بن إدريس بن عبد الرحمن، شهاب الدين
الصَّنْهَاجِيّ (ت ٦٨٢هـ). ("هديَّة العارفين" ٩٩/١، "الأعلام" ٩٤/١).
(٢) مِن ((ما هو سحرٌ)) إلى ((أواخر)) ساقط من"أ".
(٣) "عمدة المريد لجوهرة التوحيد": لأبي الإمداد إبراهيم بن إبراهيم، برهان الدين اللّقَانيّ المصريّ المالكيّ
(ت ١٠٤١هـ)، وهو أكبرُ شرحٍ لمنظومته وأوسعُه. ("كشف الظنون" ٦٢٠/١، ١١٧٢/٢، "خلاصة الأثر" ٦/١،
"هديَّة العارفين" ٣٠/١).
(٤) "الإعلام بقواطع الإسلام": صـ١٣- عند قوله: ومن المكفّرات السِّحرُ، وهو لأبي العباس أحمد بن محمد، شهاب
الدين المعروف بابن حَجَر الهَيتميّ الشافعيّ(ت٩٧٤هـ). ("كشف الظنون" ١٢٨/١، "هديّة العارفين" ١٤٦/١،
واسم الكتاب في "النور السَّافر" ص ٢٩١ -: "الإحكام بقواطع الإسلام").

قسم العبادات
١٥٠
حاشية ابن عابدين
والكهانة،
رمي بحجرٍ عضَّه، فإذا عضَّها الكلب، وطُرحت في ماءٍ فمَن شربَهُ ظهرت عليه آثارٌ خاصَّةٌ.
فهذه أنواعُ السحر الثلاثةُ، قد تقعُ بما هو كفرٌ من لفظٍ أو اعتقادٍ أو فعلٍ، وقد تقعُ بغيره
كوضع الأحجار، وللسَّحَرة فصولٌ كثيرة في كتبهم، فليس كلُّ ما يسمَّى سحراً كفراً؛ إذ ليس
التكفيرُ به لِما يترتبُ عليه من الضرر، بل لِما يقعُ به مما هو كفرٌ كاعتقادِ انفراد الكواكب
بالربوبيَّة، أو إهانةٍ قرآنٍ، أو كلامٍ مكفّرٍ ونحوِ ذلك )). اهـ ملخّصاً. وهذا موافقٌ لكلام إمام
الهدى "أبي منصور الماتريدي".
ثُمَّ إِنَّه لا يلزمُ من عدم كفره مطلقاً عدمُ قتله؛ لأنَّ قتله بسببٍ سعيه بالفساد كما مرَّ(١)،
فإذا ثبت إضرارُهُ بسحره - ولو بغير مكفٍّ - يقتلُ دفعاً لشرِّهِ كالخَّق وقُطَّع الطريق(٢).
[٣٠٥] (قولُهُ: والكهانةِ) وهي تعاطي الخبرِ عن الكائنات في المستقبل، وادِّعاءُ معرفة
الأسرار، قال في "نهاية الحديث"(٣): ((وقد كان في العرب كَهَنَةٌ كـ "شقِّ" و"سطيحِ"(٤)،
فمنهم مَن كان يزعُمُ أنَّ له تابعاً يُلقي إليه الأخبارَ(٥)، ومنهم أنَّه يعرفُ الأمورَ بمقدِّماتٍ
يستدلُّ بها على موافقها منْ كلامٍ مَن يسأله أو حالِه أو فعلِه، وهذا يخصُّونه باسم العرَّاف
كالمدَّعي معرفةَ المسروق ونحوه، وحديثُ: ((مَنْ أتى كاهناً)) (٦) يشملُ العَرَّافَ والمنجِّم،
(١) في هذه المقولة.
(٢) في "د" زيادة: ((السِّحرُ في نفسه حقٍّ، أمرٌ كائنٌ، إلاّ أنّه لا يصلُحُ إلاّ للشرِّ والضرر بالخلق، والوسيلةُ إلى الشرِّ شرٌّ
فيصيرُ مذموماً)).
(٣) "النهاية في غريب الحديث والأثر": مادّة((كهن)) باختصار.
(٤) كاهنان جاهليان معمِّران: الأول هو شِقُّ بن صَعْب بن يَشْكُر بن رُهْم القَسْري البَحَليّ الأَنْمَاريّ الأزديّ(توفي نحو
٥٥ق.هـ). والثاني هو ربيع بن ربيعة بن مسعود، من بني مازن من الأزد، ويعرف بسَطيح الغَسَّاني (توفي
٥٢ق.هـ). ("سيرة ابن هشام ٣١/١، "جمهرة أنساب العرب" ٣٧٤، ٣٧٥، ٣٨٨، "الأعلام" ١٤/٣، ١٧٠).
(٥) في "م": ((الأخبارَ عن الكائنات)).
(٦) أخرجه أحمدُ ٤٢٩/٢، وأبو داود (٣٩٠٤) كتاب الطب - باب في الكاهن، والحاكم ٨/١ كتاب الإيمان، والبيهقي في "السنن =

الجزء الأول
١٥١
المقدمة
ودخَلَ في الفلسفة المنطقُ، ومن هذا القسمِ علمُ الحرف ..
والعرَبُ تسمِّي كلَّ مَن يتعاطى عِلماً دقيقاً كاهناً، ومنهم من يسمِّي المنجِّمَ والطبيبَ كاهناً)).
اهـ "ابن عبد الرزّاق".
[٣٠٦] (قولُهُ: ودخَلَ في الفلسفة المنطقُ) لأَنّه الجزءُ الثاني منها كما قدَّمناه(١)، والمرادُ به
المذكورُ في كتبهم للاستدلال على مذاهبهم الباطلة، أمَّا منطقُ الإسلامِّين الذي مقدِّماتُه
قواعدُ إسلاميّةٌ فلا [١/ق٣٢/ب] وجه للقول بُحُرمته، بل سمَّاه "الغزاليُّ" معيارَ العلوم(٢)،
وقد أَلَّفَ فيه علماء الإسلام، ومنهم المحقّق "ابن الهمام"، فإنَّه أتى منه ببيانِ معظمٍ مطالبه
في مقدِّمة كتابه "التحرير" الأصوليِّ(٣).
[مطلبٌ]
[ هل يجوز تعلُّمُ الكيمياء؟ ]
[٣٠٧] (قولُهُ: علمُ الحرفِ) يحتملُ أنَّ المراد به الكافُ الذي هو إشارةٌ إلى الكيمياء، ولا
شكَّ في حرمتها لِما فيها من ضياعِ المال والاشتغالِ بما لا يفيد، ويحتمل أنَّ المراد به جمعُ
حروفٍ يخرجُ منها دلالةٌ على حركاتٍ، ويحتمل أنَّ المراد عِلْمُ أسرار الحروف بأوفاقِ
الاستخدام وغير ذلك. اهـ "ط" (٤).
ويحتملُ أنَّ المراد(٥) الطِّسمات، وهي - كما في "شرح اللَّقاني" - : ((نقشُ أسماءٍ خاصَّةٍ
= الكبرى" ١٩٨/٧ كتاب النكاح - باب إتيان النساء في أدبارهنَّ عن أبي هريرة تَّ مرفوعاً: ((مَن أتى كاهناً أو عرَّافاً فصدَّقَهُ
بما يقولُ فقد كفَرَ بما أُنزِلَ على محمد))، صحَّحَهُ الحاکم ووافقه الذهبي. وأخرج مسلم(٢٢٣٠) کتاب السلام - باب تحریم
الكهانة وإتيان الكهَّان، عن بعض أزواج النبي أث قال: ((مَن أتى عرَّفاً فسألَهُ عن شيءٍ لم تُقْبَلْ له صلاةٌ أربعين ليلة)).
(١) المقولة [٢٩٩] قوله: ((الفلسفة)).
(٢) وللغزاليِّ كتابٌ في المنطق سَمَّاه "معيار العلم". ("كشف الظنون" ١٧٤٤/٢).
(٣) انظر "التحرير": المقدّمة صـ٧-١٥ -.
(٤) "ط": المقدَّمة ٣٢/١.
(٥) مِن ((علم أسرار الحروف)) إلى ((المراد)) ساقطٌ من "؟".

قسم العبادات
١٥٢
حاشية ابن عابدين
وعلمُ الموسيقي، ومكروهاً،.
٣١/١ لها تعلُّقٌ بالأفلاك والكواكب على زعمٍ أهل هذا العلم في أجسامٍ من المعادن أو غيرها
تحدُثُ لها خاصةٌ رُبطتْ بها في مجاري العادات )) اهـ.
هذا، وقد ذكر العلاَّمة "ابن حجرٍ" في باب الأنجاس من "التحفة" (١): (( أَنَّه اختُلِفَ في
انقلاب الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب، هل هو ثابت؟ فقيل: نعم لانقلابِ العصا
ثعباناً حقيقةً، وإلا لبطل الإعجاز، وقيل: لا؛ لأنَّ قلبَ الحقائق مُحَالٌ، والحقُّ الأوَّلُ))، إلى
أنْ قال: (( تنبيه: كثيراً ما يُسأل عن علم الكيمياء وتعلُّمِه، هل يحلُّ أَوْ لا؟ ولم نَرَ لأحدٍ كلاماً
في ذلك، والذي يظهرُ أنَّه ينبني على هذا الخلافِ، فعلى الأوَّلِ مَنْ عَلِم العلمَ الموصلَ لذلك
القلب علماً يقينياً جاز له علمه وتعليمه؛ إذ لا محذورَ فيه بوجهٍ، وإنْ قلنا بالثاني، أولم يعلم
الإنسان ذلك العلمَ اليقيني، وكان ذلك وسيلةً إلى الغِشِّ فالوجهُ الحرمةُ )). اهـ ملخصاً.
وحاصلُهُ: أَنَّه إذا قلنا بإثباتِ قلب الحقائق - وهو الحقُّ- جاز العملُ به وتعلُّمه؛ لأنّه ليس
بِغشٍّ؛ لأنَّ النحاس ينقلبُ ذهباً أو فضَّةً حقيقةً، وإنْ قلنا: إنَّه غيرُ ثابتٍ لا يجوز؛ لأَنَّه غشٌّ
كما لا يجوزُ لمن لا يعلمُهُ حقيقةً لِما فيه من إتلافِ المال أو غشِّ المسلمين.
والظاهرُ: أنَّ مذهبنا ثبوتُ انقلاب الحقائق بدليلٍ ما ذكروه في انقلاب عين النجاسة
كانقلاب الخمر خلاً، والدَّمِ مِسكاً ونحوِ ذلك(٢)، والله أعلم.
[٣٠٨] (قولُهُ: وعلمُ المويسيقي) بكسر القاف، وهو علمٌ رياضيٌّ يُعرَفُ منه أحوالُ النَّغَم
والإِيقاعات، وكيفيَّةُ تأليف اللحون وإيجاد الآلات.
وموضوعُه: الصوتُ من جهةٍ تأثيره في [١/ق٣٣/أ] النفوس باعتبار نظامه في طبقته وزمانه.
(١) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة - باب النجاسة وإزالتها ٣٠٦/١ لأبي العباس أحمد بن محمد شهاب الدين المعروف
بابن حَجَرِ الهَيتميّ المصريّ ثُمَّ المكيّ الشافعيّ(ت٩٧٤هـ) على "منهاج الطالبين" للإمام النووي. ("كشف
الظنون" ١٨٧٣/٢-١٨٧٦، "النور السافر" صـ ٢٨٧ -.
(٢) وسيأتي الكلامُ عليه أيضاً في المقولة [٢٩٣٣] قوله: ((لانقلاب العين)).

الجزء الأول
١٥٣
المقدمة
وهو أشعارُ المولَّدين.
...
وثمرتُه: بَسْطُ الأرواح وتعديلُها وتقويتها وقبضُها أيضاً.
[٣٠٩] (قولُهُ: وهو أشعارُ المولَّدين) أي: الشعراء الذين حدثوا بعد شعراء العرب، قال في
"القاموس"(١): ((المولِّدةُ: المحدَثة من كلِّ شيءٍ، ومن الشعراء لحدوثهم)).
[مطلب]
[ طبقات الشعراء ]
وفي آخر "الرَّيحانة" لـ "الشهاب الخفاجيِّ"(٢): (( يُلغاءُ العرب في الشعر والخطَّب على
ستِّ طبقاتٍ:
الجاهليَّةُ الأولى: من عادٍ وقحطان.
والمخضرمون: وهم مَنْ أدرَكَ الجاهليّة والإسلام.
والإسلاميُّون، والمولَّدون، والمحدّثون، والمتأخّرون ومن أُلحِقَ بهم من العصرِيِّين.
[مطلبٌ)
[ تعلُّمُ الشعر المحتجِّ به لغةً فرضُ كفاية ]
والثلاثةُ الأُوَلُ هم ما هم في البلاغة والجزالة، ومعرفةُ شعرهمّ روايةً ودرايةً عند فقهاء
الإِسلام فرضُ كفاية؛ لأَنَّه به تثبتُ قواعدُ العربية التي بها يُعلَمُ الكتابُ والسنَّة المتوقّفُ على
معرفتهما الأحكامُ التي يتميَّزُ بها الحلالُ من الحرام، وكلامُهُم وإنْ جاز فيه الخطأ في المعاني
فلا يجوزُ فيه الخطأ في الألفاظ وتركيب المباني )) اهـ.
(قولُهُ: والثلاثةُ الأُوَلُ هم ما هم) بدلُ اشتمال مما قبله.
(١) "القاموس": مادَّة ((ولد)) بتصرف.
(٢) "ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا": ٤٤٩/٢-٤٥٠، لأحمدَ بن محمد بن عمر، شهاب الدين الخَفَاجيّ المصريّ
الحنفيّ(ت ١٠٦٩ هـ). ("إيضاح المكنون" ٦٠٥/١، "خلاصة الأثر" ٣٣١/١).

قسم العبادات
١٥٤
حاشية ابن عابدين
من الغَزَل والبطالة، ومباحاً كأشعارهم
[٣١٠) (قولُهُ: من الغزَلِ) المرادُ به ما فيه وصفُ النساء والغِلمان، وهو في الأصل - كما في
"القاموس" (١) - : ((اسمٌ لمحادثة النساء)).
وعطَفَ عليه قوله: ((والبطالةِ)) عطفَ عامٍ على خاصٍّ؛ لأنَّه نوعٌ منها، فشَمِلَ وصفَ
حال المحبِّ مع المحبوب أو مع عُذَّاله من الوصل والهجر واللّوعة والغرام ونحوِ ذلك، قال
في "المصباح"(٢): ((البطالةُ نقيضُ العمالة، من بطَلَ الأجيرُ من العمل فهو بطالٌ بَيِّنُ البطالة،
بالفتح، وحكي بالكسر، وهو أفصح، وربما قيل بالضمّ )).
وذكر "ابن عبد الرزاق": (( أَنَّ وجَدَ بهامش "الصباح" بخطّ مصنّفه ما حاصلُهُ: الفَعالة بالفتح
قد يكون وصفاً للطبيعة كالرَّزانة والجَهالة، وبالكسر للصِّاعة كالتّجارة، وبالضمِّ لِما يرمى
كالقُلامة، وقد يُضمَّنُ اللفظُ المعانيَ الثلاثة، فيجوزُ فيه الحركات الثلاثة، فالبطالة بالفتح لأَنَّه
وصفٌ ثابت، وبالكسر لأَنَّه أشبَهَ الصناعةَ للمداومة عليها، وبالضم لأَنَّه مما يُرِفَضُ )) اهـ.
مطلبٌ في الكلام على إنشاد الشعر
أقولُ: وعلى هذا يمكن أنْ يكون إشارةً إلى أنَّ المكروه منه ما داوم عليه، وجعَلَهُ صناعةً
له حتى غلب عليه، وأشغلَهُ عن ذكر الله تعالى وعن العلوم الشرعيَّة، وبه فُسِّرَ الحديثُ المتّفق
عليه، وهو قوله ◌َ﴾: ((لأنْ يمتلئَ جوفُ أحدِكم قَيْحاً خيرٌ من أنْ يمتلئَ شِعْراً))(٣)، فاليسيرُ
(١) "القاموس": مادَّة ((غزل)).
(٢) "المصباح": مادَّة ((بطل)) بتصرف.
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٨/٢، والبخاري (٦١٥٥) كتاب الأدب - باب ما يكرهُ أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، ومسلم
(٢٢٥٧) كتاب الشعر، وأبو داود(٥٠٠٩) كتاب الأدب - باب ما جاء في الشعر، والترمذي(٢٨٥٥) كتاب
الأدب - باب ما جاء: ((لأَنْ يمتلئَ جوفُ أحدكم قيحاً .... ))، قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وابن
ماجه (٣٧٥٩) كتاب الأدب - باب ما كُرِهَ من الشعر، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٢٤٤/١٠ كتاب الشهادات
- باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" ٢٩٦/٤ كتاب الكراهية=

الجزء الأول
١٥٥
المقدمة
من ذلك لابأس به إذا قُصِدَ به إظهارُ النكات و [١/ق٣٣/ب] اللطافات والتشابيهِ الفائقة
والمعاني الرائقة وإنْ كان في وصف الخدود والقدود، فإنَّ علماء البديع قد استشهدوا من ذلك
بأشعار المولّدين وغيرهم لهذا القصد، وقد ذكَرَ المحقِّق "ابن الهمام" في شهادات "فتح
القدير"(١): ((أنَّ المحرَّمَ منه ما كان في اللفظ ما لا يحلُّ كصفة الذكور، والمرأةِ المعَّنة الحَيَّةِ،
ووصْفِ الخمر المهِّج إليها والحاناتِ، والهجاء لمسلمٍ أو ذمىٍّ إذا أراد المتكلّم هجاءَه، لا إذا أراد
إنشادَ الشعر للاستشهاد به، أو ليعلَمَ فصاحته وبلاغته، ويدلُّ على أنَّ وصف المرأة كذلك غيرُ
مانعٍ إنشادُ "أبي هريرة" رضي الله تعالى عنه لذلك وهو مُحْرِمٌ، وكذا "ابن عبّاسٍ" رضي الله
تعالى عنهما (٢)، ومما يُقطَعُ به في هذا قولُ "كعبٍ"(٣) رَّه بحضرة النبي ◌ُّ: [بسيط]
:
= - باب رواية الشعر هل هي مكروهةٌ أم لا؟ كلُّهم من حديث أبي هريرة عنه مرفوعاً، وفي الباب عن سعدٍ بن أبي
وقّاص وعمر وأبي الدرداء، وعوف بن مالك وابن عمر وأبي سعيد الخدري ﴾.
(١) "الفتح": باب من تُقبَلُ شهادته ومن لا تقبل ٤٨٢/٦.
(٢) أمَّا خبرُ أبي هريرة فقد ذكرَهُ ابن الهمام في "فتح القدير": كتاب الحج - باب الإحرام ٣٤٥/٢، قال: قال أبو
هريرة قال: كنا ننشدُ الأشعارَ في حالة الإحرام، فقيل له: ماذا؟ فقال: مثل قول القائل:
ساقاً بُخنداةً وكعباً أدرما
قامَتْ تُريك رهبةً أنْ تهضما
وذكرَهُ في كتاب الشهادات - باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل ٤٨٢/٦، ولم نجده في المصادر الحديثيّة.
وأمَّا خبرُ ابن عباس فقد أخرَجَ الحاكم ٢٧٦/٢ في التفسير، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٦٧/٥ كتاب الحج -
باب لا رفَثَ ولا فسوقَ ولا جدالَ في الحجِّ عن أبي العالية قال: كنتُ أمشي مع ابن عباسٍ رضي الله عنهما وهو
إِنْ تصدق القولَ نَنِكْ لميسا
وهُنَّ يمشينَ بنا هَمِيسا
مُحرِمٌ وهو يرتجز بالإبل وهو يقول:
قال: قلت: أترفثُ وأنت محرمٌ؟ قال: إنما الرَّفتُ ما رُوجِعُ به النساءُ، صحَّحَهُ الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) ديوان كعب صـ٦ -٧-، و"الشعر والشعراء" صـ١٥٤-، والبيتُ الأوَّلُ في "اللسان" مادة ((غنن)) و((غضض))،
و"مغني اللبيب" صـ٥٧٢ -، والثاني في "شرح أبيات المغني" ٢١٠/٥.
((البَيْنُ)): الفراق، ((تجلو)): تكشفُ، ((عوارض)): الضواحك، ((ذي)): نعتٌ لمحذوفٍ، أي: ثغرِ ذي ظَلْمٍ،
والظّلْمُ: ماءُ الأسنان وبريقها، ج: ظُلُوم، ((مُنْهَلٌ)): من أنهَلَهُ إذا سقاه النَّهَل، وهو الشرابُ الأَوَّل، ((معلولُ)): من
علَّهُ يعُلُّه إذا سقاه ثانياً اهــ شرح قصيدة كعب لابن هشام صـ٦٨-٨٤ -.

قسم العبادات
١٥٦
حاشية ابن عابدين
إِلاَّ أَغنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مكحولُ
وما سعادُ غَدَاةَ البَيْنِ إِذْ رَحلوا
كأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعُلُولُ
تَحلو عَوارِضَ ذِيْ ظَلْمٍ إذا ابتسمَتْ
وكثيرٌ في شعر "حسَّانَ" رضي الله تعالى عنه من هذا، كقوله(١) - وقد سمعه النبي ◌َّ -: [كامل]
تسقِي الضَّحيعَ بباردٍ بِسَّامٍ
قبلَتْ(٢) فؤادَكَ في المنامِ خَرِيدٌ
٣٢/١
فأمَّا الزهريَّاتُ المحرَّدة عن ذلك، المتضمِّنةُ وصفَ الرياحينِ والأزهار والمياهِ فلا وجهَ
لمنعه، نَعَمْ إذا قيل على الملاهي امتنع وإنْ كان مواعظَ وحكماً)). اهـ ملخصاً.
وفي "الذَّخيرة"(٣) عن "النوازل" (٤): ((قراءةُ شعرِ الأدب إذا كان فيه ذِكرُ الفسق والخمر
والغُلام يكره، والاعتمادُ في الغلام على ما ذكرنا في المرأة، أي: من أنّها إنْ كانت معيَّنةً حيَّةً
يكره، وإنْ كانت ميتةً فلا )) اهـ(٥). وسيأتي(٦) تمامُ الكلام على ذلك أيضاً قبيل باب الوتر
والنوافل إن شاء الله تعالى.
(١) "ديوان حسان بن ثابت" ٢٩/١، "مغني اللبيب" صـ١٤٨-، "ألف باء" ٢٨٣/٢. ((تَبَلَتْ فؤادَكَ)): أَضْنَتْهُ وأسقَمَتْهُ،
والخريدةُ من النساء: البكرُ التي لم تُمْسَسْ قطُّ، البارد: المرادُ به هنا الثغرُ، انظر "اللسان" مادة(تبل))، و((خرد)).
(٢) في "ب" : ((بتلت))، والصحيحُ ما أثبتناه.
(٣) "ذخيرة الفتاوى" المشهورة بـ "الذخيرة البرهانيَّة": لأبي المعالي محمود بن أحمد بن عبد العزيز، برهان الدين
البخاريّ(ت٦١٦هـ)، اختصَرَها من كتابه "المحيط". ("كشف الظنون" ٨٢٣/١، "الفوائد البهيَّة" صـ٢٠٥-،
ورجح أنَّ اسمه محمد بن أحمد، كما في "الجواهر المضية" ٤٢/٣).
(٤) لعلَّهُ لأبي الليث نصر بن محمد السَّمَرْ قَنديّ(ت٣٧٣ هـ) على الراجح، ("كشف الظنون" ١٩٨١/٢، "الجواهر
المضية" ٥٤٤/٣، "الفوائد البهية" صـ٢٢٠-).
ولأبي العباس أحمد بن محمد بن عمر النّاطِفِيّ(ت٤٤٦هـ) كتاب بهذا الاسم، ذكره في "الطبقات السنية"
٧١/٢، وذكر في "الجواهر المضية" ٢٩٢/١ أنّه أحد أصحاب "الواقعات والنوازل" وانظر كلام ابن عابدين
صـ ٢٢٧ - في المقولة [٤٦٧] قوله: ((في الروايات الظاهرة)).
(٥) في "د" زيادة: ((الأشعارُ المباحةُ - وهي التي فيها المواعظُ والحكمة - لا بأس بإنشادها)).
(٦) المقولة [٥٥٧٢] قوله: ((أو شعر إلخ)).

الجزء الأول
١٥٧
المقدمة
التي لا يُستخَفُّ فيها، كذا في فوائد شتَّى من "الأشباه والنظائر"، ثم نقَلَ مسألةً
الرباعيَّات، ومحطُّها: أنَّ الفقهَ هو ثمرةُ الحديث، وليس ثوابُ الفقيهِ أقلَّ من ثواب
المحدِّث، وفيها: (( كلُّ إنسانٍ غيرِ الأنبياء لا يَعلَمُ ما أراد الله تعالى.
[٣١١] (قولُهُ: التي لا يُستَخفُّ فيها) أي: ليس فيها استخفافٌ بأحدٍ من المسلمين كذكرٍ
عوراته والأخذِ في عِرضه، وفي بعض نسخ "الأشباه": ((لاسُخفَ فيها))، أي: لا رِقَّةَ
وخفّةً، "ابن عبد الرزاق".
[٣١٢] (قولُهُ: ثم نقَلَ) أي: في الفوائد آخرِ الفنِّ الثالثِ من "الأشباه"(١) عن "المناقب"(٢)
لـ "البزازيّ"، وذكَرَ "الحلبيُّ" عبارته بتمامها(٣)، واقتصَرَ "الشارح" على محطِّها، أي: المقصودِ منها.
[٣١٣] (قولُهُ: وفيها) أي: في "الأشباه"(٤) نقلاً عن "شرح البهجة" لـ "العراقيّ"(٥).
[٣١٤) (قولُهُ: غيرِ الأنبياء) كان ينبغي أنْ يقول: والمبشَّرين بالجنّة كالعشرة رضي الله
تعالى عنهم، قاله سيِّدي "عبدُ الغنيِّ النابلسيُّ" في "شرح هديَّة ابن العماد"(٦).
(١) "الأشباه والنظائر": فوائد شتّى صـ٤٥١-، لزين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نُحَيْم المصريّ(٩٧٠هـ). (كشف
الظنون" ٩٨/١، "الكواكب السائرة" ١٥٤/٣ وفيها: (ت٩٩٩هـ)، "التعليقات السنية على الفوائد البهية" صـ ١٣٤ -
وفيها: زين العابدين بن إبراهيم) وتقدَّمَ الكلام على ابن نجيم في المقولة [٣٧] قوله: ((عن ابن نجيم)).
(٢) "مناقب أبي حنيفة": صـ٧٧-، لمحمد بن محمد بن شهاب، حافظ الدين المعروف بالبَزَّزيّ الكَرْدَرِيّ الحنفيّ
(ت٨٢٧هـ). ("كشف الظنون" ١٨٣٧/٢ - ١٨٣٨، "الضوء اللامع" ٣٧/١٠).
(٣) انظر "ح": المقدّمة ق ٣/ب.
(٤) "الأشباه والنظائر": فوائد متفرّقة صـ ٤٦١ -.
(٥) المسمى بـ"النهجة المرضية": لأبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين، وليّ الدين المعروف بابن
العراقيّ(ت٨٢٦هـ) شرح البهجة الوردية، وتعرف بـ "بهجة الحاوي"، لأبي حفص عمر بن المُظَفِّر، زين الدين
المعروف بابن الوَرْدِيّ المَعَريّ الكِنْدِيّ الشافعي(ت ٧٤٩هـ). والبهجة من منظومات "الحاوي الصغير" في فروع الشافعية،
وهو لعبد الغفار بن عبد الكريم، نجم الدين القَرْوِينيّ الشافعي(ت ٦٦٥هـ). ("كشف الظنون" ٦٢٥/١-٦٢٧، "إيضاح
المكنون" ٢٠٠/١، "الضوء اللامع" ٣٣٦/١، "الدرر الكامنة" ١٩٥/٣، الأعلام ٣١/٤، ٦٧/٥).
(٦) المسمى "نهاية المراد": المقدمة صـ١٧-، وهو في شرح"هدية" عبد الرحمن بن محمد العِمَاديّ الدمشقيّ (ت١٠٥١ هـ).
("إيضاح المكنون" ٧٢٤/٢، "خلاصة الأثر" ٣٨٠/٢).

قسم العبادات
١٥٨
حاشية ابن عابدين
له وبه؛ لأنَّ إرادته تعالى غيبٌ إلَّ الفقهاءَ، فإنَّهم علموا إرادتَهُ تعالى بهم بحديثٍ
الصادق المصدوق: ((مَنْ يُرِدِ الله به خيراً يفقِّهْهُ في الدِّين))(١)))، وفيها: (( كلُّ
شيءٍ يُسألُ عنه العبدُ يوم القيامة إلاَّ العلم؛ لأَنَّه طلَبَ من نبيِّهِ أنْ يطلبَ الزيادة منه
﴿وَقُل رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه-١١٤]، فكيف يُسأل عنه ))،.
[٣١٥] (قولُهُ: له) أي: من الثواب [١/ق ٣٤/أ] الجزيل، حيث أراد به تعالى الخيرَ.
[٣١٦] (قولُهُ: وبه) أي: ولا يعلمُ ما أراد الله تعالى به من الصفات الحميدة.
[٣١٧] (قولُهُ: إلاَّ الفقهاءَ) المرادُ بهم العالمون بأحكام الله تعالى اعتقاداً وعملاً؛ لأنَّ تسمية
علمِ الفروع فقهاً تسميةٌ حادثةٌ، قاله(٢) سيِّدي "عبدُ الغنيِّ" (٣).
ويؤيِّدُهُ ما مرَّ(٤) من قول "الحسن البصري": إنما الفقيهُ المعرضُ عن الدنيا، الراغبُ في الآخرة إلخ.
[٣١٨] (قولُهُ: وفيها: كلُّ شيءٍ إلخ) نقَلَهُ في "الأشباه"(٥) عن "الفصوص" (٦)، والظاهرُ أَنّه
"فصوصُ الحكم" لـ "الشيخ الأكبر"، قُدس سرُّه الأنور.
[٣١٩)] (قولُهُ: إلاَّ العلمَ) أورَدَ عليه "الحمَويُّ))(٧): (( أَنَّه ورَدَ في الحديث ما يفيدُ السؤالَ عن
العلم، ولفظه: (( لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسألَ عن أربعٍ: عن عمرِهِ فيما أفناه، وعن شبابه
(١) أخرجه مالك ٩٠٠/٢-٩٠١ كتاب القدر - باب جامع ما جاء في أهل القدر، وأحمد ٩٢/٤-٩٣، والبخاري
(٧١) كتاب العلم - باب من يرد الله به خيراً يفقه في الدين، ومسلم (١٠٣٧) كتاب الزكاة - باب النهي عن المسألة،
وابن ماجه (٢٢١) في المقدمة - باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، عن معاوية بن أبي سفيان ◌َلُه مرفوعاً.
(٢) في "ب" و"م": ((قال))، وهو خطأ.
(٣) "نهاية المراد": المقدمة صـ١٧ -.
(٤) المقولة [٢٥٤] قوله: ((الزاهد في الآخرة)).
(٥) "الأشباه والنظائر": فوائد متفرّقة صـ٤٦٢ -.
(٦) كذا في "الأشباه"، وفي متن "غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر": ((الفصول))، فليتأمَّل. و "فصوص الحكم"
هي للشيخ الأكبر أبي بكر محمد علي، مُحْيِي الدين المعروف بابن عَرَبيّ الطائيّ الحاتميّ الأندلسيّ(ت٦٣٨هـ).
("كشف الظنون ١٢٦١/٢، "شذرات الذهب" ٣٣٢/٧).
(٧) "غمز عيون البصائر": ما افترَقَ فيه الوكيلُ والوصيُّ ١٥٢/٤.

الجزء الأول
١٥٩
المقدمة
وفيها: (( إذا سُئلنا.
فيما أبلاه، وعن ماله من أيِّ شيءٍ اكتسبَهُ، وعن علمه ماذا صنَعَ به))(١))).
وأجيبَ بأنَّ المراد: إلاَّ طلبَ الزيادة من العلم، وبه يصحُّ التعليلُ. واعتُرض بأنَّه يسألُ عن
طلبه، هل قصَدَ به الرِّياءَ أو الجاهَ؟ ويدلُّ عليه ما في الحديث السابق: ((ولكنْ تعلَّمتَ العلمَ
ليقالَ: عالِمٌ، وقد قيل إلخ))(٢).
أقولُ: الأوجهُ أنْ يقال: المرادُ به العلمُ النافع الموصِلُ(٣) إلى الله تعالى، وهو المقرونُ بحسن
النَّةِ مع العمل به، والتخلُّصِ من آفات النفس، فلا يسألُ عنه، لأَنَّه خيرٌ محضٌ بخلاف غيره،
فإِنَّه يسألُ صاحبَهُ عنه ليعذّبَّهُ به كما دلَّ عليه تمامُ الحديث السابق، ولذا ورَدَ في الحديث: ((إنَّ
الله تعالى يبعثُ العبادَ يوم القيامة، ثم يبعثُ العلماء)، ثم يقول: يا معشرَ العلماء، إنِّي لم أضعْ
علمي فيكم إلاَّ لعلمي بكم، ولم أضعْ علمي فيكم لأُعذّبكم، اذهبوا فقد غفرتُ لكم))(٤)، هذا
ما ظهَرَ لي، والله تعالى أعلم.
[٣٢٠) (قولُهُ: وفيها) أي: في "الأشباه"(٥) عن آخر "المصفّى" للإمام "النسفي"(٦).
(١) أخرجه الترمذيُّ (٢٤١٧) كتاب صفة القيامة - باب في القيامة، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، والدارمي
(٥٤٣) في المقدمة - باب من كره الشهرة والمعرفة، وأبو يعلى (٧٤٣٤)، وأبو نعيم في "الحلية" ٢٣٢/١٠،
والبيهقي في "الشعب" ٢٨٦/٢ (١٧٨٦) عن أبي برزة الأسلميَِّّهِ، وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وأبي
الدرداء وابن عباس وابن مسعود ومعاذ بن جبل رضي.
(٢) أخرجه أحمدُ ٣٢٢/٢، ومسلمٌ (١٩٠٥) (١٥٢) كتاب الإمارة - باب من قاتَلَ للرِّياءِ والسمعة استحَقَّ النار،
والنسائي ٢٣/٦-٢٤ كتاب الجهاد - باب مَن قاتَلَ ليقال: فلانٌ جريءٌ، من حديث أبي هريرة مرفوعاً، وأخرجه
الترمذيُّ بنحوه رقم (٢٣٨٢) كتاب الزهد - باب ما جاء في الرياء والسمعة، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
(٣) في "٢" : ((الموصَل به)).
(٤) أخرجه الرويَانيُّ في "مسنده"(مخطوطة الظاهريَّة ق١١١/أ) قال: حدَّثنا ابن المعتمر، حدثنا روحُ بن عبادة، حدثنا أسامة
بن زيد عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعريِّ مرفوعاً، وإسنادُهُ حسنٌ، وقد رُوِيّ من طرقٍ عن أبي موسى
الأشعريِّ به، وفي الباب عن أبي أمامة - وواثلة - على الشكِّ - وثعلبة بن الحكم وأبي هريرة وابن عمر وجابر ض﴾.
(٥) "الأشباه والنظائر": فوائد متفرّقة صـ٤٥٢ -.
(٦) "المصفِّى" مختصر "المستصفى": كلاهما لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين النَّسَفيّ(ت٧١٠هـ)، وهو
شرح "المنظومة الخلافية" لأبي حفص عمر بن محمد، نجم الدين النِّسَفيّ (ت٥٣٧هـ). ("كشف الظنون" =

قسم العبادات
١٦٠
حاشية ابن عابدين
عن مذهبنا ومذهبٍ مخالفنا قلنا وجوباً: مذهبنا صوابٌ يحتملُ الخطأ، ومذهبُ
مخالفِنا خطأٌ يحتملُ الصواب، وإذا سُئلنا
[٣٢١] (قولُهُ: عن مذهبنا) أي: عن صفته، فالمعنى: إذا سئلنا أيُّ المذاهبِ صوابٌ؟ "ط"(١).
[٣٢٢] (قولُهُ: مخالفِنا) أي: مَنْ خالَفَنا في الفروع من الأئمّة المجتهدين.
[٣٢٣] (قولُهُ: قلنا إلخ) لأَنَّك لو قطعتَ القول لَما صحَّ قولنا: إنَّ المجتهد يُخطئُ
ويصيبُ، "أشباه"(٢). أي: فلا نجزمُ بأنَّ مذهبنا صوابٌ ألبتةَ، ولا بأنَّ مذهبَ مخالِفنا خطأ
ألبتةَ بناءً على المختارِ من أنَّ حكم الله في كلِّ مسألةٍ واحدٌ معيَّنٌ وجَبَ طلبه، فمَنْ أصابه فهو
المصيب، ومَن لا فهو المخطئ، ونُقِلَ عن الأئمّة الأربعة، ثم المختارُ أنَّ المخطئ [١/ق ٣٤/ب]
مأجورٌ كما في "التحرير"(٣) و"شرحه" (٤).
؟
مطلبٌ: يجوزُ تقليد المفضول مع وجود الأفضل
ثُمَّ اعلمْ أنَّه ذكَرَ في "التحرير"(٥) و"شرحه" أيضاً (٦): (( أَنَّه يجوزُ تقليدُ المفضولِ مع وجود
الأفضلِ، وبه قال الحنفيَّة والمالكيَّة وأكثرُ الحنابلة والشافعيَّة، وفي روايةٍ عن "أحمد" وطائفةٍ
كثيرةٍ من الفقهاء: لا يجوزُ))، ثم ذكَرَ (٧): (( أَنَّه لو التزَمَ مذهباً معيَّناً كـ "أبي حنيفةً"
و"الشافعيِّ" فقيل: يلزمُهُ، وقيل: لا، وهو الأصحُّ )) اهـ.
= ١٨٦٧/٢، "تاج التراجم" صـ ١١١-١٦٢-).
(١) "ط": المقدَّمة ٣٣/١.
(٢) "الأشباه والنظائر": فوائد متفرِّقة صـ٤٥٢ -.
(٣) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد وما يتبعُهُ من التقليد والإفتاء - مسألة: لا حكمَ في المسألة الاجتهاديَّة قبل
الاجتهادِ سوی إیجابه ص٥٣١ ..
(٤) "التقرير والتحبير": ٣٠٦/٣.
(٥) "التحرير": المقالة الثالثة في الاجتهاد صـ٥٥١ ..
(٦) "التقرير والتحبير": ٣٤٩/٣.
(٧) انظر "التحرير": صـ ٥٥١ -، و"التقرير والتحبير": ٣٥٠/٣.

الجزء الأول
١٦١
المقدمة
عن مُعتَقَدِنا.
[مطلبٌ]
[ العاميُّ لا مذهبَ له ]
وقد شاعَ أنَّ العامِّي لا مذهبَ له.
إذا علمتَ ذلك ظهر لك أنَّ ما ذُكِرَ عن "النسفي": (( من وجوبِ اعتقاد أنَّ مذهبه
صوابٌ يحتملُ الخطأ )) مبنيٌّ على أنَّه لا يجوزُ تقليد المفضول، وأَنَّه يلزمُهُ التزامُ مذهبه، وأنَّ
ذلك لا يتأَنَّى في العامي، وقد رأيتُ في آخرِ "فتاوى ابن حجر الفقهيَّةِ"(١) التصريحَ ببعض
ذلك، فإنَّ سُئِلَ عن عبارة "النسفي" المذكورةِ، ثم حرَّرَ: ((أنَّ قول أئمّة الشافعيَّة كذلك))،
ثم قال: (( إنَّ ذلك مبنيٌّ على الضعيف من أَنَّه يجبُ تقليد الأعلمِ دون غيره، والأصحُّ أنّه
يتخيَّرُ تقليدَ أيٍّ شاء ولو مفضولاً وإنْ اعتقده كذلك))، وحينئذٍ فلا يمكنُ أنْ يقطعَ أو
يظنَّ أَنَّه على الصواب، بل على المقلّد أنْ يعتقد أنَّ ما ذهَبَ إليه إمامُهُ يحتمل أنَّه الحق، قال
"ابن حجرٍ"(٢): ((ثم رأيت المحقّق "ابن الهمام" صرَّحَ بما يؤيِّده، حيث قال في "شرح
الهداية"(٣): إنَّ أخْذَ العاميِّ بما يقعُ في قلبه أنَّه أصوبُ أَولى، وعلى هذا إذا استفتى مجتهدَينٍ،
فاختلفا عليه الأَولى أنْ يأخذَ بما يَميلُ إليه قلبه منهما، وعندي: أنَّه لو أخَذَ بقول الذي
لا يميلُ إليه جازَ؛ لأنَّ ميلَهُ وعدمَه سواءٌ، والواجبُ عليه تقليدُ مجتهدٍ، وقد فعَلَ )) اهـ.
[٣٢٤] (قولُهُ: عن معتقَدِنا) أي: عما نعتقدُهُ من غير المسائل الفرعيَّة مما يجبُ اعتقاده على
٣٣/١ كلِّ مكلَّفٍ بلا تقليدٍ لأحدٍ، وهو ما عليه أهلُ السّنّة والجماعة(٤)، وهم الأشاعرةُ والماتريديَّة،
(١) "الفتاوى الكبرى الفقهيَّة": ٣١٥/٤، لأبي العباس أحمدَ بن محمد بن علي المعروف بابن خَجَر الهَيتميّ المكيّ
الشافعيّ(ت٩٧٤هـ). ("النور السافر" صـ٢٨٧-، "هديَّة العارفين" ١٤٦/١).
(٢) العزو السابق.
(٣) "الفتح": كتاب أدب القاضي ٣٦٠/٦ بتصرف.
(٤) مِن ((مما يجب)) إلى ((الجماعة)) ساقط من "أ".

قسم العبادات
١٦٢
حاشية ابن عابدين
ومُعتَقَدٍ خصومنا قلنا وجوباً: الحقُّ ما نحن عليه، والباطلُ ما عليه خصومُنا ))،
وفيها: ((العلومُ ثلاثةٌ: عِلْمٌ نضِجَ وما احترَقَ، وهو عِلْمُ النّحو والأصول، وعِلْمٌ لا
نضِجَ ولا احترَقَ، وهو علمُ البيان والتفسير، وعلّم نضِجَ واحترَقَ،.
وهم متوافقون إلاّ في مسائلَ يسيرةٍ أرجَعَها بعضُهم إلى الخلاف اللفظيِّ كما بُيِّن في محلّه(١).
[٣٢٥] (قولُهُ: ومعتقَدٍ خصومنا) أي: من أهلِ البدع المكفّرة وغيرها كالقائلين بقِدَم العالم أو
نفىِ الصانع، أو عدمٍ بعثة الرسل، والقائلين بخلقِ القرآن، وعدمٍ إرادته تعالى الشرَّ ونحوِ ذلك.
[٣٢٦)] (قولُهُ: علمٌ نضِجَ وما احترَقَ) المرادُ بنُضْجِ العلم تقرُّرُ قواعدِهِ، وتفريعُ فروعها،
وتوضيح مسائله، والمراد باحتراقه بلوغُه النهايةَ في ذلك، ولا شك أنَّ النحو والأصول لم
يبلغا النهايةَ [١/ق٣٥/أ] في ذلك، أفاده "ح"(٢).
والظاهرُ: أنَّ المراد بالأصول أصولُ الفقه؛ لأنَّ أصول العقائد في غايةِ التحرير والتنقيح، تأمَّلْ.
[٣٢٧] (قولُهُ: وهو علمُ البيانِ) المرادُ به ما يعمُّ العلومَ الثلاثة: المعانيَ، والبيانَ، والبديع،
ولذا قال "الزمخشريُّ": ((إنَّ منزلة علم البيان من العلوم مثلُ منزلة السماء من الأرض))،
ولم يقفوا على ما في القرآن جميعِهِ من بلاغتِه وفصاحته ونُكَتِهِ وبديعاته، بل على النِّزْرِ اليسير،
قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْحِنُّ عَ أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ،
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء - ٨٨]، وإنما ذلك لِما فيه من البلاغة، "ط" (٣).
[٣٢٨] (قولُهُ: والتفسيرِ) أي: تفسير القرآن، فقد ذكَرَ "السيوطيُّ" في "الإتقان" (٤): ((أنَّ
(١) أي: في علمِ التوحيد.
(٢) "ح": المقدّمة ق ٤/أ.
(٣) "ط": المقدِّمة ٣٣/١.
(٤) "الإتقان في علوم القرآن": المسألة الثانية: كيفيَّة الإنزال والوحي ١٣٩/١، لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن
محمد، جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ). ("كشف الظنون" ٨/١، "النور السَّافر" صـ٥٤ - وما بعدها)، وذكرَ
الخبرَ الزركشيُّ في "البرهان" ٢٢٩/١، ولم نجده في المصادر الحديثّة، لكنْ من الواضح أنَّه خبرٌ باطلٌ؛ لأنَّ فيه
تشبيهَ كلِّ حرفٍ من القرآن بحبلٍ قاف، وأخبارُ جبلٍ قاف كلُّها باطلةٌ، وهو الجبلُ الذي قيل فيه: إنَّه محيطٌ =

الجزء الأول
١٦٣
المقدمة
وهو علمُ الحديث والفقهِ )).
وقد قالوا: الفقهُ.
القرآن في الَّلوح المحفوظ، كلُّ حرفٍ منه بمنزلة جبلٍ قاف، وكلُّ آيةٍ تحتَها من التفاسيرِ ما
لا يعلمُهُ إلا الله تعالى))، "ط"(١).
[مطلبٌ]
[ المرادُ بقولهم: علمُ الحديث والفقهِ نضِجَ واحترَقَ ]
[٣٢٩) (قولُهُ: علمُ الحديثِ) لأَنَّه قد تَمَّ المرادُ منه، وذلك لأنَّ المحدِّثين - جزاهم الله تعالى
خيراً - وضعوا كتباً في أسماء الرجال ونسبِهم والفرقِ بين أسمائهم، وبَّنوا سَمِّعَ الحفظ
منهم، وفاسدَ الرواية من صحيحها، ومنهم مَنْ حفِظَ المائةَ ألفٍ والثلثمائةٍ، وحصروا مَنْ
روى عن النبي ﴿ّ من الصحابة، وبَّنوا الأحكامَ والمرادَ منها، فانكشفت حقيقته، "ط" (٢).
[٣٣٠) (قولُهُ: والفقهِ) لأنَّ حوادث الخلائقِ على اختلاف مواقعها وتشتُّنَاتِها مرقومةٌ بعينها
أو ما يدلُّ عليها، بل قد تكلّمَ الفقهاء على أمورٍ لا تقعُ أصلاً، أو تقعُ نادراً، وأمَّا ما لم
يكن منصوصاً فنادرٌ، وقد يكون منصوصاً غيرَ أنَّ الناظر يُقصِّرُ عن البحث عن محلّهُ، أو عن
فهمٍ ما يفيدُه مما هو منصوصٌ بمفهومٍ أو منطوقٍ، "ط"(٣).
أو يقال: المرادُ بالفقهِ ما يشملُ مذهبَنا وغيرَه، فإنَّه بهذا المعنى لا يَقبلُ الزيادةَ أصلاً، فإنّه
لا يجوزُ إحداثُ قولٍ خارجٍ عن المذاهب الأربعة.
[٣٣١] (قولُهُ: وقد قالوا: الفقهُ) أي: الفقهُ الذي استنبَطَّهُ "أبو حنيفة"، أو أعمُّ.
= بالأرضِ، وإنَّ السماء الدنيا متدلّةٌ عليه، انظر "تفسير ابن كثير" ٢٢١/٤ سورة ق، فإذا بطَلَ خبرُ جبلٍ قاف بِطَلَ
ما بُني عليه وشُّبِّهَ به، والله أعلم.
(١) "ط": المقدّمة ٣٣/١.
(٢) "ط": المقدّمة ٣٤/١ باختصار يسير.
(٣) "ط": المقدّمة ٣٤/١.

قسم العبادات
١٦٤
حاشية ابن عابدين
زرَعَهُ "عبدُ الله بن مسعود" ◌َّهِ، وسقاهُ "علقمة"، وحصَدَهُ "إبراهيم" النخعي، ....
[٣٣٢] (قولُهُ: زرَعَهُ إلخ) أوَّلُ مَن تَكلَّمَ باستنباط فروعه "عبدُ الله بن مسعود" الصحابيُّ الجليل،
أحدُ السابقين والبدريِّين، والعلماءِ الكبار من الصحابة، أسلَمَ قبل عمرَ رضي الله تعالى عنهما.
[مطلبٌ]
[ انتهى علمُ الصحابة وفقهُهم إلى "عليٍّ و"ابن مسعودٍ" رضي الله عنهما ]
قال [١/ق٣٥/ب] "النوويُ" في "التقريب"(١): ((وعن "مسروقٍ"(٢) أنَّه قال: انتهى علمُ
الصحابة إلى ستةٍ: "عمر" و"علىِّ" و"ُبِيٍّ" و"زيدٍ" و"أَبي الدَّرداء" و"ابن مسعودٍ"، ثم
انتهى علمُ السّةِ إلى "علىٍّ" و"عبد الله بن مسعودٍ" )).
[مطلبٌ]
[ ترجمة "علقمةَ النخعيِّ" ]
[٣٣٣) (قولُهُ: وسقاه) أي: أَيَّدَهُ ووضَّحَهُ "علقمةُ" بنُ قيسِ بنِ عبد الله بن مالك النخعيُّ،
الفقيهُ الكبير، عَمُّ "الأسودِ بن يزيدَ"، وخالُ "إبراهيمَ النخعيِّ"، ولد في حياة النبيِ وَ لَّه وأخذَ
القرآنَ والعلم عن "ابن مسعودٍ" و"علىٍّ" و"عمر" و"أبي الدَّرداء" و"عائشةَ ﴿ُه أجمعين.
[مطلبٌ]
[ ترجمة "إبراهيم النخعيِّ" ]
[٣٣٤) (قولُهُ: وحصَدَهُ) أي: جَمَعَ ما تفرَّقَ من فوائده ونوادره، وهيَّأه للانتفاع به "إبراهيمُ" بنُ
يزيدَ بنِ قيس بنِ الأسود، "أبو عمران"، النخعيُّ الكوفي، الإمام المشهور، الصالح الزاهد، رَوَى عن
"الأعمش" وخلائقَ، توفي سنةَ ستٍّ أو خمسٍ وتسعين.
(١) "التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير": باب معرفة الصحابة ٢١٨/٢، وهو لأبي زكريًّا يحيى بن شرف
الدين بن مُرِّي، مُحْنِي الدين النوويّ(ت ٦٧٦هـ). ("كشف الظنون" ٤٦٥/١، "شذرات الذهب" ٦١٨/٧).
(٢) أبو عائشة مَسْروق بن الأجدع بن مالك الهَمْدَانيّ الوَدَاعيّ الكوفيّ التابعيّ(ت٦٣هـ). ("تهذيب التهذيب"
١٠٩/١٠، "الأعلام" ٢١٥/٧).