النص المفهرس
صفحات 121-140
الجزء الأول
١٠٥
المقدمة
وكمْ ناسخ أضحَى لمعنىِّ مغيِّراً وجاءَ بشيء لم يُرِدْهُ المصنّفُ
وما كان قصدي مِنْ هذا أنْ يُدرَجَ ذكري بين المحرِّرين من المصنّفين والمؤلِّفين، بل القصدُ
لكنْ في "شرح ألفيَّة العراقيِّ" للقاضي "زكريًّا"(١): ((التحريفُ: الخطأ في الحروف
بالشكل، والتصحيفُ: الخطأ فيها بالنَّقط، واللَّحنُ: الخطأ في الإعراب )) اهـ.
وفي "تعريفاتِ السَّيِّد"(٢): ((تجنيسُ التحريف: هو أنْ يكون الاختلافُ في الهيئة كبَرْدٍ،
وبَرَدٍ، وتجنيسُ التصحيف: أنْ يكون الفارقُ نقطةً كأنقى وأتقى )) اهـ.
[١٨١] (قولُهُ: أضحى لمعنىَّ مغيّراً) اللام في ((لمعنىٍ)) زائدةٌ للتقوية لتقدُّمِ المفعول على عامِلِهِ مع
أنَّ العامل محمولٌ على الفعل، [١/ق٢٢/ب] فضعُفَ عن المعمول، وتغييرُ الناسخ المعنى بسبب
تغييره الألفاظَ، وجملةُ ((وجاء إلخ)) مؤكّدةٌ، وهذا معنى ما يقال: الناسخُ عدوُّ المؤلّفِ.
[١٨٢] (قولُهُ: من هذا) أي: التأليفِ.
[١٨٣) (قولُهُ: أَنْ يُدرَجَ) أي: يُحرَى، وفي "القاموس" (٣): ((درجَتِ الريحُ بالحصى: أي:
جرتْ عليه جَرْياً شديداً )).
[مطلبٌ]
[ في الفرق بين التأليف والتصنيف ]
[١٨٤] (قولُهُ: من المصنّفين والمؤلّفين) التأليفُ(٤): جعلُ الأشياء الكثيرة بحيث يُطلَقُ(٥) عليها
(١) المسمَّى "فتح الباقي": بحث التسميع بقراءة اللحان والمصحف ٢٧٤/٢ بتصرف، لأبي يحيى زكريًّا بن محمد بن أحمد،
شيخ الإسلام الأنصاريّ السُّنْكيّ المصريّ الشافعيّ(ت٩٢٦هـ وقيل: ٩٢٥، وقيل: ٩٢٨)، شرَحَ به "ألفيَّة الحديث"
لأبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين، زين الدين العراقي الشافعي(ت ٨٠٦هـ). ("كشف الظنون" ١٥٦/١، "الضوء
اللامع" ١٧١/٤، "النور السافر" صـ ١٢٠-، "الكواكب السائرة" ١٩٦/١، "البدر الطالع" ٢٥٢/١).
(٢) "التعريفات": صـ٤٥ -.
(٣) "القاموس": مادّة ((درج)).
(٤) في "التعريفات": ((التألُّف والتأليف)).
(٥) في "التعريفات": ((بحيث لا يطلق))، وهو خطأ.
قسم العبادات
١٠٦
حاشية ابن عابدين
رياضُ القريحة، وحفظُ الفروع الصحيحة، مع رجاءِ الغفران، ودعاءِ الإِخوان، وما عليَّ من
إعراضِ الحاسدين عنه حالَ حياتي، فسيتلقّونه بالقبولِ إنْ شاء الله تعالى بعد وفاتي،
اسمُ الواحد، سواءٌ كان لبعضها نسبةٌ إلى بعضِ بالتقدُّمِ والتأخُّرِ أوْ لا، وعليه: فيكون التأليفُ
أعمّ(١) من الترتيب. اهـ "تعريفات السيِّد"(٢). قيل: وأعمُّ من التصنيف؛ لأنَّه مطلَقُ الضمِّ.
والتصنيفُ: جعلُ كلِّ صِنفٍ على حِدةٍ، وقيل: المؤلّفُ مَن يَجمعُ كلامَ غيره، والمصنّفُ:
من يجمعُ مبتكراتِ أفكاره، وهو معنى ما قيل: واضعُ العلم أَولى باسم المصنّف من المؤلّف.
[١٨٥) (قولُهُ: رياضُ) في "القاموس"(٣): ((راضَ المُهر رياضاً ورياضةً: ذلّله)) اهـ.
ومنه قولهم: مسائلُ الرياضة، قال "الشِّنْشَوري" (٤): ((أي: التي تُروِّضُ الفكر، وتذلُّهُ لِما
فيها من التمرين على العمل )).
[١٨٦] (قولُهُ: القريحةِ) في "الصِّحاح" (٥): (( القريحةُ: أوَّلُ ما يُستنبَطُ من البئر، ومنه قولهم: لفلانٍ
قريحةٌ جيدة، يرادُ استنباطُ العلم بجودةِ الطبع (٦)) اهـ. والمرادُ بها هنا آلهُ الاستنباط، وهي الذّهن.
[١٨٧] (قولُهُ: ودعاءٍ) عطفٌ على ((الغفرانِ)).
[١٨٨] (قولُهُ: وما عليَّ) ((ما)) نافيةٌ، و((عليَّ)) خبرُ مبتدٍ محذوفٍ، أي: وما عليَّ بأسٌ،
أو ((ما)) استفهاميَّةٌ مبتدأ، و ((عليَّ)) الخبرُ.
[١٨٩) (قولُهُ: فسيتلقَّونه بالقبولِ) قد حقَّقَ المولى رجاءه، وأعطاه فوق ما تمنّاه، وهو دليلُ
(١) في "التعريفات" : ((أهمَّ)) بالهاء، وهو تحريفٌ.
(٢) "التعريفات": صـ ٤٢ -.
(٣) "القاموس": مادَّة((روض)).
(٤) هو عبدُ الله بن محمد بن عبد الله، جمال الدين العجميّ الشِّنْشَوْريّ المصريّ الشافعيّ(ت٩٩٩هـ). ("الكواكب
السائرة" ١٦١/٣، "هديَّة العارفين" ٤٧٣/١، "الأعلام" ١٢٨/٤).
(٥) "الصحاح في اللغة والعلوم": مادَّة ((قرح))، وهو لأبي نصر إسماعيل بن حمّاد التُرْكيّ الجَوْهَريّ الفارابيّ
(ت٣٩٣هـ). ("كشف الظنون" ١٠٧١/٢، "سير أعلام النبلاء" ٨٠/١٧).
(٦) في "أ": ((بجودةِ العلم))، وهو خطأ.
الجزء الأول
١٠٧
المقدمة
كما قيل: [ سريع ]
ترى الفتى يُنكِرُ فضلَ الفتى
لَجَّ به الحرصُ على نكتةٍ
لؤماً وحُبثاً فإذا ما ذهَبْ
يكتبُها عنه بماء الذهَبْ
صدقه وإخلاصه، رحمه الله تعالى، وجزاه خيراً.
[١٩٠) (قولُهُ: ترى الفتى) رأى: عِلْمَيَّةٌ، و((الفتى)) مفعولٌ أوَّلُ، وهو في الأصل الشابُّ،
والمرادُ به هنا مطلقُ الشخص، وجملةُ ((ينكِرُ)) مفعولٌ ثانٍ، أو بصريَّةٌ، ولا يرِدُ أنَّ الإنكار
مما لا يُدرَك بالبصر؛ لأَنَّه قد تدرَكُ أماراتُهُ، على أنَّه إذا جُعَلَتْ بصريَّةً فحملةُ ((ينكِرُ))
حالٌ، لا مفعولٌ لها حتى يَرِدَ ذلك، فافهم.
[١٩١] (قولُهُ: لؤماً) مهموزُ العين، مفعولٌ لأجله.
[١٩٢] (قولُهُ: ما ذهَبْ) أي: ماتَ، والقاعدةُ: أنَّ ما بعد إذا زائدةٌ.
[١٩٣) (قولُهُ: لَجَّ) بالجيم من اللَّجاج، وهو: الخصومة كما في "القاموس"(١). اهـ "ح" (٢).
وضمَّنه معنى اشتدَّ فعدَّاه بالباء، "ط"(٣).
[١٩٤] (قولُهُ: الحرصِ) طلبُ الشيء باجتهادٍ في إصابته، "تعريفات السِّد"(٤).
[١٩٥) (قولُهُ: على نكتةٍ) متعلّقٌ بـ (الحرصِ))، والنكنةُ هي: مسألةٌ لطيفةٌ أُخرجَتْ [١/ق٢٣/ أ]
بدقّةٍ نظرٍ وإمعانٍ فكرٍ، مِنْ نَكَتَ رُمْحه بأرضٍ، إذا أثّر فيها، وسُمِّيت المسألةُ الدقيقة نكتةً
لتأثّرِ الخواطرِ في استنباطها، "سيِّد"(٥).
[١٩٦] (قولُهُ: يكتبُها) حالٌ من الضمير المجرور، أو صفة لـ ((نكتةٍ))، أي: يريدُ كتابتها.
(١) "القاموس": مادَّة ((لحج)).
(٢) "ح": المقدِّمة ق ٢/ب.
(٣) "ط": المقدَّمة ٢١/١ بتصرف.
(٤) "التعريفات": صـ٧٦ -.
(٥) "التعريفات": صـ٢٢٠ -.
قسم العبادات
١٠٨
حاشية ابن عابدين
فهاكَ مؤلّفاً مهذباً لمهمَّاتِ هذا الفنِّ، مظهراً لدقائقَ استعملتُ الفكرَ فيها إذا ما
الليلُ جَنَّ،.
[١٩٧] (قولُهُ: فهاكَ) اسمُ فعلٍ بمعنى خذْ.
[١٩٨) (قولُهُ: مهذّباً) بالكسرّ بصيغة اسم الفاعل بقرينة قوله: ((مُظهراً))، وهو أولى من
الفتح؛ لأَنَّه أقلُّ تكلُّفاً، والتهذيبُ: التنقيةُ والإصلاح، وقولُهُ: ((لمهمَّاتٍ)) مفعولُهُ، واللام
للتقوية، وهو جمعُ مهمَّةٍ: ما يُهتَمُّ بتحصيله.
[١٩٩] (قولُهُ: استعملْتُ) أي: أعملْتُ، فالسِّينُ والتاء زائدتان، عبَّرَ بهما إشارةً إلى
الاعتناء والاجتهاد، "ط"(١).
٢٢/١
[٢٠٠] (قولُهُ: فيها) أي: في تحريرها، "ط"(٢).
[٢٠١) (قولُهُ: جَنَّ) أي: ستَرَ الأشياءَ بظلمته، والمادَّةُ تدلُّ على الاستتار كالجِنِّ والجنان
والجنين والجَنَّةِ، وإنما خَصَّ الليلَ لكونه محلَّ الأفكار غالباً، وفيه يزكو الفهمُ لقلَّةِ الحركة فيه،
وعادةً العلماءُ يلتذُّون(٣) بالسَّهر في التحرير للمسائل كما قال "التاجُ السبكيُّ" رحمه الله: [كامل]
مِنْ وصلٍ غانيةٍ وطِيْبِ عِناقِ
سَهَري لتنقيحِ العلومِ أَلَدُّلي
في الذّهنِ أبلغُ مِنْ مُدامَةٍ سَاقِيْ
وتمايلي طَرَباً لحلِّ عَويصَةٍ
أَشهى من الدَّوكاهِ والعشّاقِ
وصريرُ أقلامي على صَفَحاتِها
نَقْرِي لِأُلقيْ الرَّملَ عنْ أوراقي(٤)
وأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاةِ لِدُفِّها
(قولُهُ: لأَنّ أقلُّ تكلُّفاً) أي: بتقديرِ متعلّقٍ للحارِّ، أو الفصلِ بينه وبين متعلَّقِهِ إِنْ جُعِلَ متعلّقاً
(١) "ط": المقدمة ٢٢/١.
(٢) "ط": المقدَّمة ٢٢/١.
(٣) في "ب" و"م": ((يتلذذون))، وكلاهما صحيحٌ، انظر "القاموس": مادَّة ((لذذ)).
(٤) لم نجد نسبة هذه الأبيات إلى السبكيِّ، في مصادر ترجمته ولا في شعره، وقد ذكر العلامة المحقق عبد الفتاح أبو غدَّة =
الجزء الأول
١٠٩
المقدمة
متحرِّياً أرجحَ الأقوالِ وأوجزَ العبارة، معتمداً في دفع الإِيراد ألطفَ الإِشارة، فربّما
خالفتُ.
"ط" (١).
[٢٠٢) (قولُهُ: مُتحرِّياً) حالٌ من فاعل ((استعملتُ))، والتحرِّي: طلبُ أَحرى الأمرين
وأَولاهما، "سيِّد" (٢).
[٢٠٣) (قولُهُ: أرجحَ الأقوالِ) الإضافةُ على معنى مِنْ، وهذا باعتبار غالبِ ما وقَعَ له، وإلاَّ
فقد يذكُرُ قولين مصحَّحين، أو يذكُرُ الصحيحَ دون الأصحِّ، "ط"(٣).
[٢٠٤) (قولُهُ: وأوجزَ العبارةِ) أي: أخصرَها، والإضافةُ على معنى مِنْ، "ط"(٤).
[٢٠٥] (قولُهُ: معتمِداً) حالٌ أيضاً مترادفةٌ أو متداخلةٌ، أي: معوّلاً، "ط" (٥).
[٢٠٦) (قولُهُ: الإِيرادِ) أي: الاعتراضِ.
[٢٠٧)] (قولُهُ: ألطفَ الإشارةِ) كأنْ يذكُرَ في الكلام مضافاً أو قَيْداً أو نحوَ ذلك مما يدفَعُ
به الإيرادَ، ولا يظهرُ ذلك إلاَّ لمن اطَلَعَ على كلام المورِدِ، فإذا رأى ما ذكره "الشارح" عَلِمَ
أَنَّه أشارَ به إلى دفع ذلك، وربما صرَّح بما يشيرُ إليه أيضاً.
بـ ((مؤلّفاً))، وتهذيبُ المسائل المهمَّةِ باعتبار تهذيبٍ وتنقية تراكيبها أو نحو ذلك.
= رحمه الله في كتابه "صفحات من صبر العلماء" ص١٣٩ -: أنَّه وجَدَها معزوَّةً للزمخشريِّ في آخر تفسيره "الكشّاف"،
ضمن ترجمةٍ له كتبها إبراهيمُ بن عبد الغفَّار، ثمَّ قال: ولعلَّ التاجَ السبكيَّ تمثَّلَ بها، فهي بشعرِ الزمخشريِّ وأسلوبه
أشبهُ، والله أعلم اهـ. هذا، وتُنسَبُ الأبياتُ أيضاً إلى الإمام الشافعيِّ، وهي في ديوانه صـ٧٩ -.
(١) "ط": المقدِّمة ٢٢/١.
(٢) "التعريفات": صـ ٤٦ -.
(٣) "ط": المقدّمة ٢٢/١.
(٤) "ط": المقدِّمة ٢٢/١.
(٥) "ط": المقدّمة ٢٢/١.
.
قسم العبادات
١١٠
حاشية ابن عابدين
في حكمٍ أو دليلٍ، فحسِبَهُ مَنْ في حكمٍ لا اطّلاعَ له ولا فهمَ عُدُولاً عن السبيل،
وربَّما غيَّرْتُ تبعاً لِما شرَحَ عليه "المصنِّفُ" كلمةً أو حرفاً، وما دَرَى أنَّ ذلك
لنكتةٍ تدِقُ عن نَظَرِه وتخفی.
وقد أنشَدَني شيخي الحبرُ السَّامي، والبحرُ الطَّامي،
[٢٠٨] (قولُهُ: في حكمٍ) بأنْ يذكُرَ إباحةَ ما ذكَرَ غيرُه كراهتَهُ مثلاً.
[٢٠٩) (قولُهُ: أو دليلٍ) بأنْ يكون دليلٌ فيه كلامٌ، فيذكرُ غيرَه سالمً، وهذا كلُّه غيرُ ما
يصرِّحُ به وينّبِّهُ عليه كقوله: ما ذكَرَهُ فلانٌ خطأ، ونحو ذلك.
[٢١٠] (قولُهُ: فحسِبَهُ) أي: ظنَّ ما خالفتُ فيه غيري.
(٢١١] (قولُهُ: مَن لا اطّلاعَ له) أي: على ما اطّلعتُ عليه، ولا فهمَ له بما قصدتُهُ.
[٢١٢] (قولُهُ: عُدُوْلاً) أي: مَيْلاً عن السبيل، أي: الطريقِ الواضح.
[٢١٣) (قولُهُ: تَبَعاً لِما شرَحَ عليه "المصنّف") فإنَّ "المصنّف" لَمَّا شرَحَ متْنَه غيَّرَ منه بعضَ
ألفاظٍ [١/ق ٢٣/ب] منبِّهاً على التغيير، فبقيتْ نسخُ المتن المحرَّدِ مخالفةً لنسخة المتن
المشروح، فتابَعَهُ "الشارحُ" فيما غيَّرَه، وربما غيَّرَ ما لم يغيِّرْه "المصنّف".
[٢١٤] (قولُهُ: وما دَرَى) معطوفٌ على محذوفٍ، أي: فاعترَضَ وما دَرَى، أفاده "ط" (١).
[٢١٥] (قولُهُ: وقد أنشدني) أنشدَ الشعرَ: قَرأَهُ، "قاموس"(٢). والمرادُ: أسمَعَني هذا الشِّعرَ.
[٢١٦] (قولُهُ: الحِيرُ) بالكسر ويُفتح: العالِمُ أو الصالح، "قاموس"(٣).
[٢١٧] (قولُهُ: السَّامي) أي: العالي القدرِ.
[٢١٨] (قولُهُ: الطَّامي) أي: الملآنُ، "قاموس" (٤).
(١) "ط": المقدّمة ٢٢/١.
(٢) "القاموس": مادَّة((نشد)).
(٣) "القاموس": مادَّة ((حبر)).
(٤) "القاموس": مادَّة ((طمي)) بتصرف.
الجزء الأول
١١١
المقدمة
واحدُ زمانِهِ، وحسَنَةُ أوانِهِ، شيخُ الإسلام الشيخ "خيرُ الدين الرمليُّ").
[٢١٩] (قولُهُ: واحدُ زمانِهِ) أي: المنفردُ في زمانه بالصِّفات(١).
٢٢٠٦] (قولُهُ: وحسنةُ أوانِهِ) أي: الذي أحسَنَ الله تعالى به على الخلق في أوانه، أي: زمانه،
أفاده "ط"(٢). أو الذي يُعَدُّ حسنةً لزمانه الكثيرِ الإساءةِ على أبنائه.
[مطلبٌ]
[ ترجمة الإمام "خير الدِّين" الرمليِّ ]
[٢٢١] (قولُهُ: الشيخُ " خيرُ الدِّين") الظاهرُ أَنَّه اسمه العَلَميُّ؛ إذ ترجَمَهُ جماعةٌ ولم يذكروا
غيره، منهم "الأميرُ المحبيُّ)(٣)، قال: (( "خيرُ الدين" بنُ أحمدَ بنِ نور الدين عليٍّ بنِ زين
الدين بن عبد الوهاب الأيوبيُّ نسبةً إلى بعض أجداده، العُليميُّ بالضم نسبةً إلى سيدي "علي
بن عُلَيْمٍ " الوليِّ المشهور، الفاروقِيُّ نسبةً إلى الفاروق(٤) "عمر بن الخطاب" رضي الله تعالى
عنه، "الرمليُّ" الإِمام المفسِّر، المحدِّثُ الفقيهُ، اللغويُّ الصُّوفي النحوي البَيانيُّ العَروضيُّ
المنطقيُّ المعمِّر، شيخُ الحنفيَّة في عصره، وصاحبُ "الفتاوى السائرةِ" وغيرِها من التآليفِ
النافعة في الفقه، منها: "حواشيه" على "المنح"، وعلى "شرح الكنز" لـ "العيني"، وعلى
"الأشباه والنظائر"، وعلى "البحر الرائق"، وعلى "الزيلعيّ"، وعلى "جامع الفصولين"،
و"رسائلُ"، و"ديوانُ شعرِ" مرتَّبٌ على حروف المعجم.
ولد سنةَ (٩٩٣)، وتوفي ببلده الرملةِ(٥) سنةَ (١٠٨١)))، وأطالَ في ذِكر مناقبه وأحواله
وبيان مشايخه وتلامذته، فليُراجَع.
(١) من ((الطامي)) إلى ((بالصفات)) ساقط من "أ".
(٢) "ط": المقدَّمة ٢٢/١.
(٣) "خلاصة الأثر": ١٣٤/٢، ١٣٩ بتصرف.
(٤) من ((نسبة إلى بعض)) إلى ((نسبة إلى الفاروق)) ساقطٌ من "الأصل".
(٥) الرَّملة: اسمٌ لعدَّةِ مدنٍ في فارس والعراق وفلسطين والبحرين، والمقصودُ هنا رملةُ فلسطين، وهي مدينةٌ عظيمةٌ تبعُدُ عن
بيت المقدس ثمانيةَ عشرَ يوماً. انظر "معجم البلدان" ٧٩/٣، و"خلاصة الأثر" ١٣٤/٢.
قسم العبادات
١١٢
حاشية ابن عابدين
أطالَ الله بقاءه: [ خفيف ]
قلْ لِمَنْ لم يَرَ المعاصرَ شيئاً .
ويرى للأوائل النَّقديما
وسيبقى هذا الحديثُ قديما
إِنَّ ذاك القديمَ كان حديثاً
[٢٢٢] (قولُهُ: أطالَ الله بقاءَه) أي: وجودَهُ، والمرادُ الدعاءُ بالبركة في عمره؛ لأنَّ الأجَلَ
محتومٌ، وذكر "ط" (١) عن "الشِّرْعة" و"شرحها"(٢) ما يفيدُ كراهة الدُّعاء بذلك.
أقولُ: يرِدُ عليه أنّه عليه الصلاة والسلام دعا لخادمه "أنسٍ" رضي الله تعالى عنه بدعواتٍ،
منها: ( وَأَطِلْ عُمُرُه)(٣)، ومذهبُ أهل السنة أنَّ الدعاء ينفعُ وإنْ كان كلُّ شيءٍ بقدَرٍ.
واستفيدَ من كلام "الشارح" أنه ألَّف كتابَه هذا في حياة شيخه المذكورِ، وهو كذلك، فإنّه
سيذكُرُ آخرَ الكتاب: (( أَنَّ فرَغَ من تأليفه سنةَ (١٠٧١))). فيكونُ قد فرَغَ من تأليفه قبل
موت شيخه المذ کور بعشرٍ سنين.
[مطلبٌ]
[ من أنواع البديع المذهبُ الكلاميُّ ]
[٢٢٣] (قولُهُ: إنَّ هذا الحديثَ إلخ)(٤) فيه من أنواع البديع المذهبُ الكلاميُّ، وهو إيرادُ
(١) "ط": المقدَّمة ٢٢/١.
(٢) انظر "شرح شرعة الإسلام": فصل سنن الدعاء صـ١٦٧-، و"شرعةُ الإسلام" لمحمد بن أبي بكر، ركن الإسلام
المعروف بإمام زاده البُخاريّ(ت٥٧٣هـ)، والشرح للمولى يعقوبُ بن سيِّد علي الْبُرُوْسَويّ(ت ٩٣١هـ)،
وسَمَّاه"مفاتيح الجنان ومصابيح الجنان". ("كشف الظنون" ١٠٤٤/٢، "الجواهر المضية" ١٠٣/٣، "الشقائق
النعمانية" صـ ١٩١-، "الفوائد البهيَّة" ص ٢٢٦،١٦١ -، "الأعلام" ٥٤/٦، ٢١٠/٨).
(٣) أخرجَهُ البخاريُّ في "الأدب المفرد" برقم (٦٧٠) باب مَنْ دعا بطول العمر، وابن سعد في "الطبقات" ١٩/٧،
والبيهقيُّ في "دلائل النبوَّة" ١٩٦/٦ عن أنسٍ، وأصلُهُ في "الصحيحين": البخاري برقم (٦٣٤٤)، ومسلم (٢٤٨٠)،
ولم يذكرا الدَّعوة بطول العمر، ولا بنِ حجرٍ تعليقٌ لطيفٌ عليه انظره ١٤٤/١١.
(٤) قول "الحاشية": ((إنَّ هذا الحديث)) كذا بخطّ المحشِّي، والموافقُ للشارح أن يقول: ((إن ذاك القديم)) كما هي
الروايةُ في البيت اهـ.
المقدمة
١١٣
الجزء الأول
على أنَّ المقصود والمراد، ما أنشدنيهِ شيخي رأسُ المحقّقين النُّقَّاد،.
حجَّةٍ للمطلوب على طريقةٍ أهل الكلام نحو: ﴿لَوْكَانَ فِيهِمَآءَالِهَةُّ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء-٢٢].
وبيانُهُ: أنَّ تفضيل المرء بأوصافهِ لا بتقدُّمه؛ فإنَّ كلَّ متقدِّمٍ قد كان حادثاً، ولم يَزِدْ
بتقدُّمه [١/ق ٢٤ /أ] عمَّا كان عليه وقتَ حدوثه، وهذا المعاصرُ سَيَمضي عليه زمانٌ يصيرُ
فيه قديماً، فإذا فضَّلتم ذلك المتقدِّمَ بأوصافه لزِمَكم تفضيلُ ذلك المعاصرِ الذي سيبقى قديماً
بأوصافه أيضاً، وهذا معنى قولِ الإِمام "المبرِّد"(١): ((ليس لقِدَمِ العهد يفضَّلُ القائل، ولا
لحداثته يُهضَمُ المصيبُ، ولكنْ يُعطَى كلٌّ ما يستحقُّ)) اهـ
٢٣/١
قال "الدمامينيُّ" في" شرح التسهيل" بعد نقلِه كلامَ "المبرِّد": ((وكثيرٌ من الناس مَن تحرَّى
هذه البلِيَّة الشنعاءَ، فتراهم إذا سمعوا شيئاً من النكتِ الحسنة غيرَ معزوٍّ إلى معيَّنٍ
استحسنوه بناءً على أنَّه للمتقدِّمين، فإذا علموا أنَّه لبعض أبناء عصرهم نكصوا على
الأعقاب واستقبحوه، أو ادَّعوا أنَّ صدور ذلك عن عصريٍّ مستبعَدٌ، وما الحاملُ لهم على
ذلك إلاَّ حسدٌ ذميمٌ، وبغيٌّ مرتَعُه وخيمٌ)). اهـ ملخَّصاً.
[٢٢٤) (قولُهُ: على أنَّ إلخ) بمنزلةِ الاستدراك على ما يُتوهَّمُ من قوله: ((فهاكَ إلخ)) من
أنَّ المراد مدحُ نفسه وتأليفِه، وأنَّ المقصود الشهرةُ بالتأليف، "ط" (٢).
[٢٢٥] (قولُهُ: شيخي) في بعض النسخ زيادة: ((وبركتي ووليُّ نعمتي))، قال "ط"(٣)
:((البركةُ: اتساعُ الخير، و((وليُّ)) فَعِيلٌ بمعنى فاعل، أي: متولِّي نعمتي، والمرادُ بالنعمة نعمةٌ
العلم التي هي من أعظم النعم )) اهـ.
(١) "الكامل": ٤٣/١، والمبرّد هو أبو العَبَّاس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المعروف بالمبرِّد - أو المبرَّد - الثَّمَاليّ الأَرْدِيّ
(ت ٢٨٦هـ، وقيل: ٢٨٥). ("وفيات الأعيان" ٣١٣/٤، "الأعلام" ١٤٤/٧).
(٢) "ط": المقدِّمة ٢٣/١.
(٣) "ط": المقدَّمة ٢٣/١.
قسم العبادات
١١٤
حاشية ابن عابدين
"محمد أفندي المحاسنيُّ"، وقد أجاد: [ طويل ]
لكلِّ بني الدنيا مرادٌ ومَقصِدٌ
وإنَّ مرادي.
[مطلبٌ]
[ ترجمةُ "المحاسنيِّ" ]
[٢٢٦] (قولُهُ: "محمَّد أفندي") قال "المحبي" في "تاريخه"(١): ((هو ابنُ "تَاجِ الدين بنِ أحمد"
المحاسنيُّ الدمشقيُّ، الخطيبُ بجامع دمشق، أشهرُ آلِ بيتِ محاسنَ وأفضلُهم، كان فاضلاً
كاملاً أديباً لبيباً، لطيفَ الشكلِ، وجيهاً، جامعاً لمحاسن الأخلاق، حسنَ الصوت. وَلِيَ
خطابةً جامع السلطان "سليمٍ"(٢) بصالحيّةِ دمشق، ثم صار إماماً بجامع بني أميّة وخطيباً فيه،
وقرأ فيه "صحيح مسلمٍ"، وكتَبَ عليه بعضَ تعاليقَ، ووَلِيَ درسَ الحديث تحت قَّةِ النَّسر من
الجامع المذكور، وكان فصيحَ العبارة، وانتفَعَ به خلقٌ من علماء دمشق، منهم شيخنا العلامة
المحقّق الشيخ "علاءُ الدين" الحصكفيُّ مفتي الشام، وله شِعْرٌ حسَنٌ وتحريراتٌ تدلُّ على علمه.
ولد سنةً (١٠١٢)، وتوفي سنةَ (١٠٧٢)، ورثاه شيخُنا العلاَّمة المحقّق الشيخُ "عبد
الغنيِّ النابلسيُّ" بقصيدةٍ جِيِّدةٍ إلى الغاية، مطلِعُها قوله: [طويل]
فَبَعدَكَ لا يرجو البَقا مَنْ له عَقلُ
لِيَهْنَ رَعاعُ الناسِ وليفرحِ الجهلُ
بها زمناً حتى تداركها المحْلُ )).
أيا جنَّةً قرَّتْ عيونُ أُولي النُّھی
اهـ ملخصاً.
[٢٢٧] (قولُهُ: لكلِّ بني الدُّنيا) أي: لكلِّ واحدٍ من الناس الموجودين فيها، وسُمُّوا أبناءَها
[١/ق٢٤/ب] لأنّهم منها مادَّةً وغذاءً، وبها انتفاعُهم، وفيها تربيتهم، وهي اسمٌ لِما قبل
الآخرة لدنوِّها وقربِها، ويحتملُ أنْ يرادَ بأبنائها الطالبون لها المنهمكون فيها.
(١) "خلاصة الأثر": ٤٠٨/٣.
(٢) هو الذي بناه السلطان سليم (٨٧٢ - ٩٢٦)، ويُعرَفُ الآنَ بمسجد الشيخ الأكبر محيي الدِّين بن العربي. اهـ. "منادمة
الأطلال" صـ٣٨٣ -.
الجزء الأول
١١٥
المقدمة
صحَّةٌ وفراغُ
يكونُ به لي في الجنان بلاغُ
لأَبلُغَ في علم الشريعة مَبْلَغاً
و
ففي مثل هذا فليُنافِسْ أولو النُّهى
[٢٢٨] (قولُهُ: صحَّةٌ) أي: في الجسد، و((فراغٌ)) مما يشغلُ عن الآخرة.
[٢٢٩] (قولُهُ: لِأَبْلُغَ) علّةٌ لقوله: ((وإنَّ مرادي إلخ)).
[٢٣٠) (قولُهُ: مَبلَغاً) مصدرٌ ميميٌّ منصوبٌ على المفعولِيَّةِ المطلقة.
[٢٣١] (قولُهُ: في الجنانِ بلاغٌ) أي: إيصالٌ من الله تعالى إلى المراتبِ العالية فيها. وهو اسمُ
مصدرٍ، قال في "القاموس" (١): ((البلاغُ كسَحَاب: الكفايةُ، والاسمُ منه الإبلاغ والتبليغ،
وهما الإيصال )) اهـ.
[٢٣٢) (قولُهُ: ففي مثلِ هذا) أي: هذا المرادِ المذكور، والفاءُ للسبيَّة مفيدةٌ للتعليل، والجارُّ
والمجرورُ متعلّقٌ بـ ((ينافِسُ)).
[٢٣٣] (قولُهُ: فليُنافِسْ) أي: يرغَبْ، والفاءُ زائدةٌ مؤكِّدةٌ للأولى، مثلُها في قول الشاعر:
[ كامل]
وإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزَعي(٢)
[٢٣٤) (قولُهُ: أولو النُّهَى) أي: أصحابُ العقول، وأمَّا غيرُهم فمنافستهم في الدنيا.
(قولُهُ: والاسمُ منه الإبلاغُ) عبارة "القاموس": ((من الإبلاغ إلخ)) بدون ضميرٍ مجرورٍ يمِن،
وكذلك في نسخةِ الخطّ بلا ضميرٍ.
(١) "القاموس": مادَّة ((بلغ)).
(٢) عجزُ بيتٍ، صدرُهُ:
لا تَجِزَعِي إنْ مُنفِساً أهلكتُهُ
قالَهُ الْنّمِرُ بِن تَوْلَب لامرأته حين لامَتْهُ على إتلافِ المال خشيةَ الفقر، والمُنفِسُ: المالُ الكثير، وقيل: ما يُتنافَسُ فيه
ويرغب. وهو في ديوانه صـ ٧٢ -، و"الكتاب" ١٣٤/١، و"الكامل" صـ ١٢٢٩-، و"المغني" صـ ٢٢٠ -، و"أساس
البلاغة" و"اللسان" مادَّة ((نفس))، وفي "شرح ابن عقيل" على "الألفية" ٥٢١/١: ((إنْ منفسٌ)) بالرفع.
قسم العبادات
١١٦
حاشية ابن عابدين
فما الفوزُ إلاَّ في نعيم مؤبَّدٌ
وحسبي من الدُّنيا الغَرور بلاغ
به.
[٢٣٥) (قولُهُ: وحسبي) مبتدأٌ، أي: كائيّ، "ط"(١).
[٢٣٦) (قولُهُ: الغَرورِ) فَعُولٌ يستوي فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، أي: الغارَّةِ. اهـ "ط"(٢).
[٢٣٧] (قولُهُ: بلاغُ) أي: مقدارُ الكفاية، وهو خبرُ المبتدأ، وبينه وبين ((بلاغُ)) الأوَّلِ
الجناسُ التأمُّ الخطيُّ اللفظيُّ، أفاده "ط)"(٢).
[٢٣٨] (قولُهُ: فما الفوزُ) أي: النحاةُ والظفَرُ بالخير، "قاموس"(٤). والفاءُ للسببِيَّةِ عاطفةٌ
على جملةِ ((ينافس)) مفيدةٌ للتعليل.
[٢٣٩) (قولُهُ: إِلاَّ في نعيمٍ إلخ) ((في)) بمعنى الباء، مثلُها في قول الشاعر: [طويل]
بصيرونَ في طَعنِ الأَباهِرِ والكُلَى (٥)
ويركبُ يومَ الرَّوعِ مِنَّا فوارسٌ
لأنَّ فازَ يتعدَّى بالباء، أو ((في)) للظرفَّة، والمراد بالنعيم محلّه، وهو الجنّةُ، من إطلاق اسم
الحالِّ وإرادة المحلِّ مثل: ﴿فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [آل عمران -١٠٧]، وعلى كلٍّ
فالفوزُ مبتدأ، والجارُّ والمجرورُ في محلِّ الخبر، والتقديرُ: ما الفوزُ حاصلٌ بشيءٍ إلاَّ بنعيمٍ، أو:
ما الفوزُ حاصلٌ في محلٍ إلاّ في محلِّ نعيمٍ، أو الخبرُ محذوفٌ، والجارُّ والمجرورُ متعلّقٌ
بـ ((الفوز))، أي: فما الفوزُ معتبرٌ إلاَّ بنعيمٍ، والباءُ في ((به)) للسبيَّة على الأوَّلِ - أعني:
(١) "ط": المقدّمة ٢٣/١.
(٢) "ط": المقدَّمة ٢٣/١.
(٣) "ط": المقدَّمة ٢٣/١.
(٤) "القاموس": مادَّة((فوز)).
(٥) البيت لزيد الخيل، وهو في "ديوانه" صـ ٦٧ -، وفي "أدب الكاتب" صـ ٥١٠-، و"المخصَّص" ٦٦/١٤، وذيل "الأمالي
والنوادر" صـ ٢٤-، و"شرح الرضي" ٢٧٩/٤، و"مغني اللبيب" صـ٢٢٤ -، و"خزانة الأدب" ٤٩٣/٩. والأباهرُ:
جمعُ أبهر، وهو عِرْقٌ في الظهر، والكُلَى: جمعُ كُليةٍ، والرَّوعُ: الفزعُ، قال ابنُ السِّيْد في "الاقتضاب"
صـ ٤٣٧ -: ((وصَفَهم بالحذق في الطعن، فهم يتعمَّدون المقاتل)) اهـ.
الجزء الأول
١١٧
المقدمة
.... العيشُ رغدٌ والشرابُ يُساعُ
٠٠
(مقدِّمةٌ)
جِعْلَ ((في)) بمعنى الباء - وللظرفَّةِ على الثاني مثل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُبِبَدْرٍ﴾ [آل عمران-١٢٣]،
﴿ََّّنَهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [ القمر - ٣٤].
[٢٤٠] (قولُهُ: العيشُ) أي: المعيشةُ التي تعيشُ بها من المطْعَم والمشْرب وما يكون به
الحياةُ، "قاموس"(١).
[٢٤١] (قولُهُ: رغْدٌ) بسكون الغين المعجمة، أي: واسعٌ طيّبٌ، "ح"(٢) عن "القاموس)"(٣).
[٢٤٢) (قولُهُ: يُساغُ) أي: يسهُلُ دخولُه في الحلق، "ح"(٤) عن "القاموس" (٥).
(٢٤٣) (قولُهُ: مقدِّمةٌ) بالرفع خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: هذه مقدمةٌ، أو بالنصب مفعولٌ لفعلٍ
محذوفٍ، أي: خُذْ [١/ق٢٥/أ] مقدِّمةً، وهي بكسر الدَّال كما صرَّحَ به في "الفائق"(٦)، فهي
اسمُ فاعلٍ من قدَّمَ المتعدِّي، أي: مقدِّمةٌ مَن فهِمَها على غيره لِما اشتملت عليه من تعريف
٢٤/١ الفقهِ لغةً واصطلاحاً، وموضوعِه واستمداده ومحظوره ومُباحه، وفضلِ العلم وتعلُّمِه، وترجمةٍ
"الإمام" وغيرِ ذلك، وأمَّا من اللازم بمعنى تقدَّمَ، أي: متقدِّمٌ بذاتها على غيرها. ويجوزُ فتحُ
الدَّال اسمَ مفعولٍ من المتعدِّي، أي: قدَّمَها أربابُ العقول على غيرها لِما اشتملت عليه.
وهي في الأصل صفةٌ، ثم حُعلت اسماً للطائفة المتقدّمة من الجيش، ثم نُقِلَت إلى أوَّلِ كلِّ
شيءٍ، ثم جُعلت اسماً للألفاظ المخصوصة حقيقةً عُرفَّةً إنْ لُوحِظَ أنَّها فردٌ من أفراد المفهوم
(١) "القاموس": مادَّة ((عيش)).
(٢) "ح": المقدّمة ق ٣/أ.
(٣) "القاموس": مادَّة((رغد)) بتصرف.
(٤) "ح": المقدَّمة ق ٣/أ.
(٥) "القاموس": مادَّة ((سوغ)) بتصرف.
(٦) "الفائق في غريب الحديث": مادَّة ((اصطفل)) ٤٦/١، وهو لأبي القاسم محمود بن عمر بن محمد، جار الله
الزَّمَخْشَرِيّ الْخُوَارزميّ (ت ٥٣٨هـ). ("كشف الظنون" ١٢٠٦/٢، ١٢١٧، "الفوائد البهية" صـ٢٠٩-).
قسم العبادات
١١٨
حاشية ابن عابدين
حقٌّ على مَن حاوَلَ علماً ما.
الكليِّ، أو مجازاً إِنْ لوحِظَ خصوصُها.
وهي قسمان: مقدّمةُ العلم، وهي: ما يتوقّفُ عليه الشُّروعُ في مسائله من المعاني المخصوصة.
ومقدمةُ الكتاب، وهي: طائفةٌ من الكلام قُدِّمت أمامَ المقصود لارتباطٍ له بها وانتفاعٍ بها
فيه، وتمامُ تحقيقِ ذلك في "المطوَّل"(١) وحواشيه(٢).
[٢٤٤] (قولُهُ: حقٌّ) أي: واجبٌ صناعةً ليكون شروعُهُ على بصيرةٍ صَوْناً لسعيه عن العبث.
[مطلبٌ]
[ في أنواع العلوم ]
[٢٤٥] (قولُهُ: على مَنْ حاوَلَ) أي: رامَ عِلماً أيَّ عِلْمٍ كان من العلوم الشرعيَّةِ وغيرِها،
فالشرعيَّةُ: علمُ التفسير، والحديثِ، والفقهِ، والتوحيد.
وغيرُ الشرعية ثلاثةُ أقسامٍ:
أدبيّةٌ: وهي اثنا عشرَ كما في "شيخي زاده"(٣)، وعدَّها بعضهم أربعةَ عشرَ: اللُّغةُ،
والاشتقاقُ، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع، والعَروض، والقوافي، وقَرِيضُ
الشعر، وإنشاءُ النَّثر، والكتابةُ، والقراءات، والمحاضرات، ومنه التاريخ.
ورياضيّةٌ: وهي عشرةٌ: التصوُّفُ، والهندسةُ، والهيئة، والعلم التعليميُّ، والحساب، والجَبْر،
والموسيقى(٤)، والسياسة، والأخلاق، وتدبيرُ المنزل.
(١) انظر "المطوّل": صـ١٢ -.
(٢) انظر "حاشية أبي الحسن علي بن محمد المعروف بالسيد الشريف الجُرْجَانيّ"(ت ٨١٦هـ) صـ ٨ -، و"حاشية حسن
ابن محمد شاه الفَناريّ المعروف بملا حسن جلبي" (ت ٨٨٦هـ) صـ ٨٨ - ("كشف الظنون" ٤٧٣/١-٤٧٤،
"الضوء اللامع" ١٢٧/٣، ٣٢٨/٥، "الفوائد البهية" صـ ١٢٥،٦٤-)، وعلى "المطول" حواشٍ أخرى مخطوطة.
(٣) عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المعروف بشيخي زاده الكليبولي، ويقال له: الداماد (ت ١٠٧٨هـ). ("هديّة
العارفين" ٥٤٩/٥، "الأعلام" ٣٣٢/٣).
(٤) في "ب" و"م": ((الموسيقى)).
الجزء الأول
١١٩
المقدمة
أُنْ یتصوَّرَهُ بحدِّهِ أو رسمِهِ،
وعقليّةٌ: ما عدا ذلك كالمنطق، والجدَلِ، وأصولِ الفقهِ والدِّين، والعلمِ الإلهيِّ والطبيعيِّ،
والطبِّ، والميقات، والفلسفة، والكيمياء، كذا ذكره بعضهم. اهـ "ابن عبد الرزّاق".
[٢٤٦) (قولُهُ: أنْ يتصوَّرَهُ بحدِّهِ أو رسْمِهِ) الحدُّ: ما كان بالذاتَيَّات كالحيوان الناطق
للإنسان، والرسمُ: ما كان بالعَرَضِيَّاتِ كالضاحكِ له.
واعلمْ أنَّهم قد اختلفوا في أسماء العلوم، فقيل: إنَّها اسمُ جنسٍ لدخول أل عليها، وقيل:
عَلَمُ جنسٍ، واختاره "السيِّد"، وقيل: عَلَمُ شخصٍ كالنَّجم للثريَّ، واختاره "ابن الهمام"(١)،
[١/ق٢٥/ب] وهل مسمَّى العلمِ إدراكُ المسائل، أو المسائلُ نفسُها، أو الملكَةُ الاستحضاريَّة؟
قال "السيِّدُ" في "شرح المفتاح"(٢): ((المعنى الحقيقيُّ للعِلْم هو الإدراكُ، ولهذا المعنى متعلَّقٌ هو
المعلومُ، وله تابعٌ في الحصول يكون ذلك التابعُ وسيلةً إليه في البقاء، وهو الملكة، وقد أُطلِقَ
العِلْمُ على كلٍّ منها إمَّا حقيقةً عُرْفيَّةً أو اصطلاحيَّةً، أو مجازاً مشهوراً )) اهـ.
ثُمَّ اعلمْ أنَّ التعريف إمَّا حقيقيٌّ كتعريف الماهِيَّات الحقيقيَّة، وإمَّا اسميٌّ كتعريف
(قولُهُ: وقد أُطلِقَ العِلْمُ على كلٍّ منها) قال "المصحِّح": ((هكذا بخطّهِ، ولعلَّ صوابه: منهما بضميرِ
التثنية؛ إذ إطلاقُهُ على الأوَّلِ حقيقةٌ لغويَّةٌ كما يفيدُهُ صدرُ العبارة، تأمَّل)) اهـ
ولا مانعَ من إرجاعِ الضمير لمعاني العلمِ الثلاثة، والمقصودُ أنَّها عند أهل العُرف إمَّا حقيقةٌ إلخ، وهذا
لا يُنافِي أَنَّ بالمعنى الأوَّلِ حقيقةٌ لغويَّةٌ أيضاً، تأمَّل. مثلاً إذا قيل: إنَّه عند أهل العُرف حقيقةٌ اصطلاحيَّةٌ
في الإدراك يكونُ استعمالُهُ في كلٍّ من المعنيين الآخرين حقيقةً عُرفَيَّةً أو مجازاً.
(١) "التحرير": صـ٤- عند كلامِهِ على مفهوم اسم العلم، وتقدمت ترجمة ابن الهمام من ابن عابدين رحمه الله في
المقولة رقم: [١٣٦] قوله: ((والكمال)).
(٢) المسمى بـ"المصباح" للسيِّد الشريف الجرجانيِّ، وهو شرح القسم الثالث من "مفتاح العلوم" لأبي يعقوب يوسف بن أبي
بكر، سراج الدين السَّكَّاكي (ت ٦٢٦هـ). ("كشف الظنون" ١٧٦٢/٢ - ١٧٦٣، "الجواهر المضية" ٦٢٢/٣).
قسم العبادات
١٢٠
حاشية ابن عابدين .
الماهَّات الاعتباريَّة، وهو تبيينُ أنَّ هذا الاسمَ لأيِّ شيءٍ وُضِعَ، وتمامُهُ في "التوضيح"
لـ "صدر الشريعة"(١).
وذكَّرَ "السيِّدُ" في حواشي "شرح الشمسيّة"(٢): ((أنَّ أرباب العربيَّة والأصولِ يستعملون الحدَّ
بمعنى المعرِّف، وأنَّ اللفظ إذا وُضِعَ في اللغة أو الاصطلاح لمفهومٍ مركّبٍ فما كان داخلاً فيه كان
ذاتّاً له، وما كان خارجاً عنه كان عرضيّاً له، فحدودُ هذه المفهوماتِ ورسومُها تسمَّى حدوداً
ورسوماً بحسب الاسم بخلاف الحقائق، فإنَّ حدودها ورسومها بحسب الحقيقة)).
إذا علمتَ ذلك ظهَرَ لك أنَّ حدَّ الفقهِ كغيره من العلوم حدٌّ اسميٌّ لتبينِ ما تعقّله الواضعُ ووضَعَ
الاسمَ بإزائه، فلذا جعلوه مقدّمةً للشروع، وجوَّزَ بعضهم كونَهُ حدَّاً حقيقيّاً، وعليه فقيل: لا
يكون مقدمةً؛ لأنَّ الحدَّ الحقيقيَّ بسرْدِ العقل كلَّ المسائل، أي: بتصوُّرِ جميع مسائل العلم المحدود،
وذلك هو معرفةُ العلم نفسِهِ، لا مقدّمةُ الشروع فيه، وقيل: يجوزُ أخذُ جنسٍ وفصلٍ له بلا حاجةٍ
إلى سرْدِ الكلِّ، فلا مانعَ من وقوعه مقدِّمةً، وجعَلَ في "التحرير" الخلافَ لفظيّاً، وتمامُ
(قولُهُ: وجعَلَ في "التحرير" الخلافَ لفظيّاً) وذلك بأنْ يُقال: إنَّ القائل الأوَّلَ نظَرَ إلى تصوُّرِهِ
(١) انظر "التوضيح": مبحث التعريف الحقيقيِّ والاسمي ٩/١ باختصار (هامش "التلويح"). و"التوضيحُ" في حل
غوامض "التنقيح": كلاهما لعبيد الله بن مسعود، صدر الشريعة الأصغر المحْبُوبيّ البُخاريّ(ت٧٤٧هـ). ("كشف
الظنون" ٤٩٦/١، "الفوائد البهية" صـ ١٠٩-).
(٢) "حاشية السيِّد" على "شرح الشمسية": كتاب التصوُّرات - فصل المعرّف صـ٥٥-، وهي حاشيةُ السيِّد الشريف
الجُرْجَانِيِّ (ت٨١٦هـ) على "تحرير القواعد المنطقيَّة" لمحمد بن محمد، قطب الدين التَّحْتَانيّ الرَّزيّ(ت ٧٦٦هـ)
شرح متن "الشمسيّة" لأبي حفص عمر بن علي القَزْوينيّ المعروف بالكاتبيّ(ت٧٤٨هـ) على الراجح. وقيل:
٦٧٥، وقيل: ٦٩٣، وقيل: ٧٥٠، انظر تعليق الزركليِّ في "الأعلام" ٥٧/٥، وثَمَّة اختلافٌ آخر في لقبِهِ، ففي
"كشف الظنون" ١٠٦٣/٢: ((نجم الدين))، وهو الموافقُ للمطبوع الذي بين أيدينا، وفي "الدرر الكامنة" ١٨٠/٣،
و"الأعلام" ٥٦/٥: ((سراج الدين))، وفي "معجم المؤلفين" ٥٦٨/٢: ((تاج الدين))، والله أعلم.
•
الجزء الأول
١٢١
المقدمة
ويعرفَ موضوعَهُ وغايته واستمدادَه.
فالفقهُ لغةً: العلمُ بالشيء».
تحقيقه فيه(١)، فافهم.
[مطلبٌ]
[ المبادئُ العشرة للفقهِ الحنفىِّ ]
[٢٤٧] (قولُهُ: وَيَعرِفَ موضوعَهُ إلخ) اعلمْ أنَّ مبادئ كلِّ عِلْمٍ عشرةٌ، نظَمَها "ابنُ
زِكْرِي" في "تحصيل المقاصد"(٢)، فقال:
وتلكَ عشْرةٌ على المرادِ
فأوَّلُ الأبوابِ في المبادي
والاسمُ واستمدادُ حكمِ الشارعْ
الحدُّ والموضوعُ ثَم الواضعْ
ونسبةٌ فائدةٌ جليلة
تصوُّرُ المسائلِ الفضيلةٌ
بَيَّن "الشارحُ" منها أربعةً، وبقي ستّةٌ.
فواضعُهُ: "أبو حنيفة" رحمه الله تعالى.
بنفسه لا بصورته، فإنَّه لا شكَّ أنَّ تصوُّرَهُ بنفسه لا يحصلُ إلَّ بسَرْدٍ مسائله، فيمتنعُ حينئذٍ وقوعُهُ مقدِّمةً،
والقائلَ الثانيَ نظَرَ إلى أنَّ تصوُّرَهُ بصورته يحصلُ بذكرِ الجنس والفصلِ بلا حاجةٍ إلى سَرْدِ المسائل، كالجبان إذا
تصوَّرَ معنى الشجاعة كان عنده صورتُها لا نفسُها، ولا مانعَ حينئذٍ من جَعْلٍ تصوُّرِ العلم بصورته قبل تعلُّمِهِ
مقدّمةً لحصولِهِ بنفسه بعد تعلُّمه، فلو نظَرَ كلٌّ منهما لِما نظَرَ إليه الآخرُ لَما خالفَهُ، وانظر ما حقَّقَهُ "ابن الهمام".
(١) انظر "التحرير": المقدّمة صـ٥ -.
(٢) منظومةٌ في علم الكلام لأحمد بن محمد بن زِكْرِي التلمسانيّ(ت٨٩٩هـ)، وذكَرَ الزركليُّ في "الأعلام" ٢٣١/١
أنَّ اسمها "يحصِّلُ المقاصد مما به تعتبر العقائد"، وأنَّها في نّيِّفٍ وخمسِمائةٍ وألفِ بيتٍ، لكنْ في "إيضاح المكنون"
٤٤٣/٢ أنَّ "محصِّلَ المقاصد مما به تعتبر العقائد" هو شرحُ المنجور على منظومة أحمد بن زكري اهـ. والمنجورُ هو
أبو العباس أحمدُ بن علي المِكْنَاسيِّ النجَّار الفاسيّ(ت٩٩٥هـ). ("الأعلام"١٨٠/١). فليتأمَّل.
قسم العبادات
١٢٢
حاشية ابن عابدين
ثم خُصَّ بعلمِ الشريعة، وفقِهَ بالكسر فقهاً: عِلِمَ، وفقُهَ بالضمِّ فَقَاهةً: صار فقيهاً.
واسمه: الفقه.
وحكمُ الشارع فيه: وجوبُ تحصيل المكلَّفِ ما لا بدَّ له منه.
ومسائلُهُ: كلُّ جملةٍ موضوعُها فِعلُ المكلَّف، ومحمولُها أحدُ الأحكام الخمسة نحو: هذا
الفعلُ واجبٌ.
وفضيلتُهُ: كونُه أفضلَ العلوم سوى الكلامِ والتفسير والحديث وأصول الفقه.
ونسبتُهُ [١/ق٢٦/أ] لصلاحِ الظاهر كنسبةِ العقائد والتصوُّفِ لصلاح الباطن، أفاده "ح" (١).
[٢٤٨] (قولُهُ: ثم خُصَّ بعلمِ الشريعة) نقلَهُ في "البحر"(٢) عن "ضياء الحلوم"(٣).
[مطلبٌ]
[ حدُّ الفقهِ لغةً واصطلاحاً ]
[٢٤٩] (قولُهُ: وفقِهَ إلخ) قال في "البحر"(٤) بعد كلامٍ: (( والحاصلُ: أنَّ الفقهَ اللُّغويّ
مكسورُ القاف في الماضي، والاصطلاحيَّ مضمومُها فيه كما صرَّحَ به "الكرمانيُّ" (٥) )).
(١) "ح": المقدَّمة ق ٣/أ.
(٢) "البحر": المقدِّمة ٣/١، ونقلَهُ أيضاً عن "الصحاح" للجوهري. و"البحر الرائق" لزين الدين بن إبراهيم بن محمد
الشهير بابن نُحَيْم المصريّ (ت٩٧٠هـ) شَرَحَ بهِ "كنز الدقائق" لأبي البركات عبد الله بن أحمد، حافظ الدين
النَّسَفِيّ(ت٧١٠هـ). ("كشف الظنون" ١٥١٥/٢، "الطبقات السنية" ٢٧٥/٣، ١٥٤/٤). وتقدم الكلام على ابن
نجيم من المؤلف في المقولة رقم: [٧٣]، قوله: ((عن ابن نجيم)).
(٣) "ضياء الحلوم": لمحمد بن نَشْوَان بن سعيد الحِمْيَري اليَمَنيّ الصَبريّ(ت ٦١٠هـ) اختصرَهُ من "شمس العلوم ودواء
كلام العرب من الكلوم" لوالده نشوان (ت٥٧٣هـ). ("كشف الظنون" ١٠٦١/٢، "هديَّة العارفين" ١٠٩/٢،
٤٨٩، "الأعلام" ١٢٣/٧، ٢٠/٨).
(٤) "البحر الرائق": المقدَّمة ٣/١.
(٥) أبو الفضل عبد الرحمن بن محمد بن أَمِيْرَوَيْه، ركن الإسلام الكَرْمانيّ(ت٥٤٣هـ، وقيل: ٥٤٤). ("الجواهر المضية"
٣٨٨/٢، "الفوائد البهية" صـ ٩١-).
الجزء الأول
١٢٣
المقدمة
واصطلاحاً عند الأصوليِّين: العلمُ بالأحكام الشرعيَّةِ الفرعيَّةِ المكتسَبُ من أدلّتها التفصيليَّةِ،
ونقل العلاَّمة "الرَّمليُّ" في "حاشيته" عليه(١): (( أَنَّه يقال: فَقِهَ بكسر القاف إذا فَهمَ،
وبفتحِها: إذا سبَقَ غيرَه إلى الفهم، وبضمِّها: إذا صار الفقهُ له سحيَّةً )).
[٢٥٠] (قولُهُ: واصطلاحاً) الاصطلاحُ لغةً: الاتّفاقُ، واصطلاحاً: اتّفاقُ طائفةٍ مخصوصةٍ
على إخراجِ الشيء عن معناه إلى معنىٍ آخرَ، "رملي".
[٢٥١) (قولُهُ: العلمُ بالأحكامِ إلخ) اعلمْ أنَّ المحقّق "ابن الهمام"(٢) أبدَلَ العلمَ بالتصديق،
وهو الإدراكُ القطعيُّ، سواءٌ كان ضرورياً أو نظرياً، صواباً أو خطأً، بناءً على أنَّ الفقهَ كلَّه
قطعيٌّ، فالظنُّ بالأحكام الشرعية - وكذا الأحكامُ المظنونة - ليسا من الفقهِ، وبعضُهم خصَّهُ
بالظّةِ، فيخرجُ عنه ما عُلِمَ ثبوته قطعاً، وبعضُهم جعلَهُ شاملاً للقطعيِّ والظنيِّ، وقد نصَّ غيرُ
واحدٍ من المتأخّرِين على أنَّه الحقُّ، وعليه عملُ السلف والخلف، وتمامُهُ في "شرح التحرير"(٢).
٢٥/١
فالمرادُ بالعلم هنا: الإدراكُ الصادق على اليقين والظنِّ كما هو اصطلاحُ المنطقيِّ، وعلى
الأوَّلِ فالمرادُ به المقابِلُ للظنِّ كما هو اصطلاحُ الأصوليِّ، قال "صدر الشريعة" في
"التوضيح"(٤) : (( وما قيل: إنَّ الفقهَ ظني، فلِمَ أُطلِقَ العلمُ عليه؟ فجوابه أوَّلاً: أنَّه مقطوعٌ به،
فإِنَّ الجملة التي ذكرنا أنَّها فِقْهُ - وهي ما قد ظهَرَ نزولُ الوحي به، وما انعقَدَ الإجماعُ عليه -
قطعيةٌ، وثانياً: أنَّ العلم يُطلَقُ على الظنِيَّات)). وتمامُهُ فيه، فافهم.
والأحكامُ: جمعُ حكمٍ، قيل: هو خطابُ الله تعالى المتعلّقُ بأفعال المكلَّفين، وردّهُ "صدرُ الشريعة(٥).
(١) المسمّاة "مُظْهر الحقائق الخفية من البحر الرائق": لخيرُ الدين بن أحمد الأيوبيّ العُلَيميّ الفاروقيّ الرَّمليّ(ت ١٠٨١ هـ).
("كشف الظنون" ١٧٢٢/٢، "خلاصة الأثر" ١٣٤/٢، "هدية العارفين" ٣٥٨/١، "الأعلام" ٣٢٧/٢).
(٢) "التحرير": صـ٤ -.
(٣)١ نظر "التقرير والتحبير": المقدّمة ١٧/١-١٨.
(٤) "التوضيح": تعريف الحكم ١٨/١ (هامش "التلويح").
(٥) في "التوضيح": تعريف الحكم ١٤/١ (هامش "التلويح").
قسم العبادات
١٢٤
حاشية ابن عابدين
(( بأنَّ الحكم المصطلَحَ عليه عند الفقهاء ما ثبَتَ بالخطاب كالوجوب
والحرمة مجازاً كالخلق على المخلوق، ثم صار حقيقةً عرفَّةً ))، وخرَجَ بها العلمُ بالذواتِ
والصفاتِ والأفعالِ. والمراد بالشرعيَّة - كما في "التوضيح"(١): (( مَا لا يُدرك لولا خطابُ
الشارع، سواءٌ كان الخطابُ بنفس الحكم أو بنظيره المقيسِ هو عليه كالمسائل القياسيَّة ))،
فيخرجُ عنها مثلُ وجوب الإِيمان، والأحكامُ المأخوذةُ من العقل كالعلم بأنَّ العالَمَ حادثٌ،
أو من الحِسِّ كالعلم بأنَّ النار مُحرِقَةٌ، أو من الوضع والاصطلاح كالعلم بأنَّ الفاعلَ مرفوعٌ.
والمرادُ بالفرعيَّة المتعلّقةُ بمسائلِ الفروع، فخرَجَ الأصليَّةُ [١/ق٢٦/ب] ككون الإجماع
أو القياس حجَّةً، وأمَّا الاعتقاديَّةُ ككون الإيمان واجباً فخرَجَ بالشرعيَّة كما تقدَّمَ(٢)، فافهم.
وقولُهُ: ((عن أدَلَّتِها)) أي: ناشئاً عن أدلَّتها، حالٌ من العلم، أي: أدلَّتِها الأربعةِ
المخصوصةِ بها، وهي: الكتابُ، والسنّة، والإجماع، والقياس، فخرَجَ علمُ المقلِّد، فإنَّه وإنْ
كان قولُ المجتهد دليلاً له لكنَّه ليس من تلك الأدلَّةِ المخصوصة، وخرَجَ ما لم يحصلْ بالدليل
كعلم الله تعالى وعلمٍ جبريل عليه السلام.
[مطلبٌ]
[ هل يسمَّى علمُ النبيِّ الاجتهاديُّ فقهاً؟ ]
قال في "البحر"(٣): ((واختُلف في عِلم النبيِّل:﴿ الحاصلِ عن اجتهادٍ، هل يسمَّى فقهاً؟
والظاهرُ أنَّه باعتبار أنَّه دليلٌ شرعيٌّ للحكم لا يسمَّى فقهاً، وباعتبار حصوله عن دلیلِ
شرعيٍّ يسمَّى فقهاً اصطلاحاً )) اهـ.
وأمَّا المعلومُ من الدِّين بالضّرورة مثل الصوم والصلاة فقيل: إنّه ليس من الفقه؛ إذ ليس
(١) "التوضيح": تعريف الحكم ١٦/١ (هامش "التلويح").
(٢) في هذه المقولة.
(٣) "البحر": المقدَّمة ٦/١.