النص المفهرس

صفحات 101-120

الجزء الأول
٨٥
المقدمة
فاللئیمُ يفضَحُ، والکریمُ يُصلِحُ، لكنْ يا أخي بعد الوقوف على
...
سبباً [١/ق١٧/ب] في زيادة المحسود الموجبةِ لكَمدِهِ كان زرعُه الحسدَ منتجاً له المحنَ
والبلايا، والإِحَنُ: جمعُ إِحْنةٍ بالكسر فيهما، وهي الحقد كما في "القاموس" (١). اهـ "ح"(٢).
ويحتملُ أَنَّه تعليلٌ لقوله سابقاً: (( أَلا وإنَّ الحسد حسَكٌ، مَن تعلَّقَ به هلَكَ))،
فالمحصودُ الهلاكُ الموجود عند التعلُّقِ، "ط"(٣).
١٧/١
وتشبيهُ الحقد بما يُزْرَعُ استعارةٌ بالكناية، وإثباتُ الزرع تخييلٌ، وذِكْرُ الحصد ترشيحٌ.
[١٢٣] (قولُهُ: فاللهيمُ يَعْضَحُ) من اللوم بالضمّ: ضدُّ الكرم، يقال: لَؤُمَ ككَرُمَ لُؤْمًاً، فهو لهيمٌ، جمعُهُ:
لِامٌ ولُؤَماءِ، ويقال: فضَحَه كمنعَه: كشَفَ مساويَه، والإصلاح ضدُّ الإفساد، "قاموس (٤).
وهذا مرتبطٌ بقوله: ((إذ لا يسودُ سيدٌ إلخ))، فاللئيمُ هو الحسود، والكريمُ هو الودودُ،
وفيه لفٌّ ونشرٌ مشوَّشٌ، أو بقوله: ((ومأمولي من الناظر فيه إلخ))، ولو قال: والکریمُ يَصفحُ
أو يسمحُ لكان أوضحَ.
[١٢٤] (قولُهُ: لكنْ يا أخي إلخ) لَمَّا كان الإذنُ بالإصلاح مطلقاً استدرَكَ عليه بقوله:
((بعدَ الوقوف))، وهو ظرفٌ لـ ((يُصلِحُ)) كما أفاده "ح"(٥)، أي: يُصلِحُ بعد وقوفه
واطّلاعه على هذه الكتبِ لا بمجرَّدِ الخطور بالبال، ويصحُّ تعلَّقُه بقوله: ((وأَنْ يتلافَى
تِلافه))، ويحتملُ تعلّقْه بقوله: ((فصرفتُ عِنان العناية نحوَ الاختصار))، أي: إنما اختصرتُهُ
بعد الوقوف على حقيقة الحال، أي: حال المسائل ومعرفةِ ضعيفها من قويِّها، ويدُلُّ له
قوله: ((مع تحقيقاتٍ سنَحَ إلخ))، ويدلُّ للأوَّلِ قولُهُ: ((ويأبى الله إلخ))، أفاده "ط"(٦).
(١) "القاموس": مادَّة ((أحن)).
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٣) "ط": المقدَّمة ١٧/١ بتصرف.
(٤) "القاموس": مادَّة ((صلح)) بتصرف.
(٥) "ح": المقدِّمة ق ٢/ب.
(٦) "ط": المقدَّمة ١٧/١.

قسم العبادات
٨٦
حاشية ابن عابدين
حقيقة الحال، والاطّلاع على ما حرَّرَهُ المتأخّرون كصاحب "البحر" و"النهر" و"الفيض"،
[١٢٥] (قولُهُ: على حقيقةِ الحالِ) حقيقةُ الشيء: ما به الشيءُ هو هو كالحيوان الناطق
للإنسان بخلاف مثلِ الضاحك والكاتب مما يمكن تصوُّرُ الإنسان بدونه، "تعريفات السيد" (١).
[١٢٦] (قولُهُ: كصاحب "البحر") هو العلامةُ الشيخ "زينُ بن نجيمٍ"، وتقدَّمَتْ ترجمته(٢).
[مطلبٌ]
[ ترجمة "عمرَ بن نجيمٍ" صاحب "النهر" ]
[١٢٧) (قولُهُ: و"النّهرِ") أي: وكصاحب "النهر"، وهو العلاَّمة الشيخ "عمرُ" سراج الدِّين
الشهيرُ بـ "ابن نجيمٍ)"، الفقيهُ المحقّق، الرشيقُ العبارةِ الكاملُ الاطلاع، كان متبحِّراً في العلوم
الشرعيَّة، غوَّاصاً على المسائل الغريبة، محقّقاً إلى الغاية، وجيهاً عند الحكّام، معظّماً عند الخاصِّ
والعامِّ، توفي سنة خمسٍ بعد الأَلْف، ودُفن عند شيخه وأخيه الشيخ "زين"، "محبي"(٣) ملخّصاً.
وله كتابُ "إجابةِ السائل في اختصار أنفعِ الوسائل" وغير ذلك. [١/ق١٨/ أ]
[مطلبٌ]
[ ترجمة "الكركيِّ" صاحب "الفيض" ]
[١٢٨] (قولُهُ: و"الفيضِ") أي: وكصاحب "الفيض"، وهو "الكركي". قال "التميمي" في
"طبقات الحنفية"(٤): (( "إبراهيمُ بنُ عبد الرحمن بنِ محمد بن إسماعيل"، الكركيُّ الأصلِ،
القاهريُّ المولدِ والوفاة(٥)، لازَمَ "التقيَّ الحصني" و"التقيَّ الشمنيّ"(٦)، وحضَرَ دروسَ
(١) "التعريفات": ص ٨٠ -.
(٢) المقولة [٧٣] قوله: ((عن ابن نجيم)).
(٣) "خلاصة الأثر": ٢٠٦/٣.
(٤) المسمَّة "الطبقات السنيّة في تراجم الحنفية": ٢٠٤/١، للمولى تقيِّ الدين بن عبد القادر التَّمِيْميّ الدَّاريّ الغزيّ
المصريّ(ت١٠١٠ هـ). ("كشف الظنون" ١٠٩٨/٢، "ريحانة الألبا" ٢٨/٢، "خلاصة الأثر" ٤٧٩/١، مقدمة
"الطبقات السنية").
(٥) في "الطبقات": ((القاهريُّ المولِدِ والدارِ)).
(٦) في "الطبقات": ((الشمسي))، وهو تحريفٌ، وانظر ترجمته في "الضوء اللامع" ١٧٤/٢، و"الأعلام" ٢٣٠/١.

الجزء الأول
٨٧
المقدمة
و"المصنّف" و"جدِّنا" المرحوم، و"عَزْمي زاده"
"الكافِيَجي"، وأخذ عن "ابن الهمام"، وترجَمَه "السخاوي" في "الضوء" (١) بترجمةٍ
حافلةٍ، وذكَرَ: أَنَّه جَمَعَ في الفقه فتاوى في محلَّدين، وأَنَّ له حاشيةً على "توضيح ابن
هشامٍ")). اهـ ملخَّصاً.
وتوفي سنة (٩٢٣). وأراد بالفتاوى "الفيضَ" المذكورَ المسمَّى "فيضَ المولى الكريم على عبده
إبراهيم"، وقد قال في خطبته: ((وضعتُ في كتابي هذا ما هو الراجحُ والمعتمدُ لْيُقْطَعَ بصحَّةٍ
ما يوجدُ فيه، ومنه يستمدَّ )).
[١٢٩] (قولُهُ: و"المصنّفِ") تقدَّمَتْ ترجمتُهُ(٢).
[١٣٠] (قولُهُ: و"جدِّنا" المرحومِ) هو الشيخ "محمدٌ" شارحُ "الوقاية". اهـ "ابن عبد الرزاق".
ولم أقفْ له على ترجمةٍ(٣).
[مطلبٌ]
[ ترجمة "عزمي زاده" ]
[١٣١] (قولُهُ: و"عزمي زاده") هو العلاَّمة "مصطفى بنُ محمد" الشهير بـ "عزمي زاده"،
أشهرُ متأخّري العلماءِ بالرُّوم، وأغزرُهم مادَّةً في المنطوق والمفهوم، ذو التآليفِ الشهيرة،
منها: "حاشيةٌ على الدُّرر والغُرر"، و"حاشيةٌ على شرح المنار" لـ "ابن مَلَك"، توفي في
حدودِ سنةٍ أربعين بعد الألف، "محبي"(٤) ملخّصاً.
(١) انظر "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع": ٥٩/١، لأبي الخير وأبي عبد الله محمّد بن عبد الرحمن،
شمس الدين السَّخَاويّ القَاهريّ الشافعيّ(ت٩٠٢هـ). ("كشف الظنون" ١٠٨٩/٢، "الضوء اللامع"
٢/٨، "النور السَّافر" صـ١٦-).
(٢) المقولة [٦٧] قوله: ((محمد بن عبد الله)).
(٣) ولم نهتد نحن أيضاً إلى ترجمته.
(٤) "خلاصة الأثر": ٣٩٠/٤.

قسم العبادات
٨٨
حاشية ابن عابدين
و"أخي زاده"، و"سعدي أفندي".
[مطلبٌ]
[ ترجمة "أخي زاده" ]
[١٣٢] (قولُهُ: و"أخي زاده") قال "المحبي" في "تاريخه"(١): ((هو "عبدُ الحليم بنُ محمد"
الشهير المعروف بـ "أخي زاده"، أحدُ أفراد الدولة العثمانية وسَراةٍ(٢) علمائها، كان نسيجَ
وحدِهِ في ثقوب الذّهن وصحَّةِ الإدراك والتضلُّع من العلوم، وله تأليفُ كثيرةٌ، منها: "شرحٌ
على الهداية"، و"تعليقاتٌ على شرح المفتاح"، و"جامعُ الفصولين"، و"الدُّرر والغرر"،
و"الأشباه والنظائر"، وتوفي سنة ثلاثَ عشرةَ بعد الألف )). اهـ ملخَّصاً.
وذكَرَ "ابنُ عبد الرزاق": ((أنَّ الذي في "الخزائن"(٣): "أخي جلبي" بدلَ "أخي زاده"،
وهو صاحبُ "حاشية صدر الشريعة" المسمّاة بـ "ذخيرة العقبى"(٤)، واسمه: "يوسفُ بن
جنيد"، وهو تلميذُ "منلا خسرو")) اهـ.
[مطلبٌ]
[ ترجمة "سعدي أفندي" الشهير بسعدي جلبي ]
[١٣٣] (قولُهُ: و"سعدي أفندي") اسمه: "سعدُ الله بنُ عيسى بنِ أمير خان"، الشهير
بـ "سعدي جلبي"، مفتي الدِّيار الرُّومية، له "حاشيةٌ على تفسير البيضاوي"، و"حاشيةٌ على
العناية" شرحِ "الهداية" ورسائلُ وتحريراتٌ معتبرةٌ، ذكَرَه حافظُ الشام "البدرُ الغَرِّيُّ"(٥)
(١) "خلاصة الأثر": ٣١٩/٢.
(٢) اسمُ جمع لـ ((سَرِيٍّ))، وقياسُ الجمع ((سُرَاةٌ)) بضمِّ السين، والسَّرِيُّ: الرفيعُ والشريف وذو المروءة. اهـ. "اللسان"
مادة((سرا)) بتصرف.
(٣) "خزائن الأسرار": المقدّمة ق ٣/ب.
(٤) وذكر الزركلي في "الأعلام" ٢٨٤/٣ أَنَّ لأخي زاده أيضاً "حاشيةً وقاية الرواية" لصدر الشريعة.
(٥) في "أ": ((السيِّد الغزيّ)).

الجزء الأول
٨٩
المقدمة
و "الزيلعيِّ"، و"الأكملِ".
العامريُّ في رحلته(١)، وبالَغَ في الثناء عليه، و"التميميُّ" في "الطبقات"(٢)، ونقل عن "الشقائق
النعمانية"(٣): (( أَنَّه توفي سنة (٩٤٥))).
[مطلبٌ]
[ ترجمة الإمام " الزيلعيِّ " ]
[١٣٤] (قولُهُ: و"الزيلعيِّ") هو الإمام فخرُ الدين أبو محمَّد، [١/ق١٨/ب] "عثمان بن
علي"، صاحبُ "تبين الحقائق شرح كنز الدقائق"، قدِمَ القاهرةَ سنةَ (٧٠٥)، وأفتى ودرَّسَ
وصنَّفَ، وانتفَعَ الناسُ به كثيراً، ونشر الفقه، ومات بها سنةَ (٧٤٣).
[مطلبٌ]
[ ترجمة "الأكملِ البابرتيِّ" ]
[١٣٥] (قولُهُ: و"الأكملِ") هو الإمام المحقّق الشيخ أكملُ الدين، "محمَّدُ بنُ محمودٍ
ابنِ أحمدَ" البابرتيُّ، ولد في بضعَ عشرةَ وسبعمائةٍ، وأخَذَ عن "أبي حيَّان"
و"الأصفهانيّ"، وسمع الحديثَ من "الدلاصيِّ" و"ابنِ عبد الهادي"، وكان علاّمةً
ذا فنون، وافرَ العقل قويَّ النفس عظيمَ الهيبة، أخَذَ عنه العلامة "السيِّدُ الشريف"
(١) المسماة: "رحلة إلى الديار الرومية" لأبي البركات محمد بن محمد بن محمد، بدر الدين الغَزيّ العامريّ الدمشقيّ
الشافعيّ(ت٩٨٤هـ). ("كشف الظنون" ٨٣٦/١، "الكواكب السائرة" ٣/٣، "شذرات الذهب ٥٩٣/١٠)، وفي
"إيضاح المكنون" ٤٩٧/٢: "المطالع البدرية في الرحلة الرومية": لمحمد بدر الدين الغزيّ، وفي "الأعلام" ٥٩/٧:
"المطالع البدرية في المنازل الرومية".
(٢) "الطبقات السنيَّة": ٢٧/٤.
(٣) "الشقائق النعمانَّة في علماء الدولة العثمانيّة": صـ٢٦٥-، لأبي الخير أحمدَ بن مصطفى بن خليل، عصام الدين
المشهور بـ طاشْ كُبْرِي زادَهْ(ت٩٦٨هـ). ("الشقائق النعمانَّة" صـ٣٢٦-، "العقد المنظوم" صـ٣٣٦ - (ذيل
"الشقائق")، "الأعلام" ٢٥٧/١).

قسم العبادات
٩٠
حاشية ابن عابدين
و "الكمال"
والعلاّمةُ "الفنريُّ" (١)، وعُرِضَ عليه القضاءُ فامتنع. له: "التفسير"، و"شرحُ المشارق"،
و"شرحُ مختصر ابن الحاجب"، و"شرحُ عقيدة الطوسيِّ"، و"العناية شرحُ الهداية"، و"شرحُ
السراجَيَّة"، و"شرح ألفيَّة ابن معطٍ"، و"شرح المنار"، و"شرح تلخيصِ المعاني"، و"التقريرُ
١٨/١ شرحُ أصولِ البزدويِّ"، توفي سنةَ (٧٨٦)، وحضَرَ جنازتَهُ السلطانُ فمَنْ دونه، ودُفن في
الشيخونيّة في مصر.
[مطلبٌ]
[ في ترجمة "الكمال بن الهمام" ]
[١٣٦] (قولُهُ: و"الكمالِ") هو الإمام المحقّقُ حيث أُطلق، "محمد بن عبد الواحد بن عبد
الحميد" السِّيواسيُّ ثم السكندري، كمالُ الدين بنُ الهمام، ولد تقريباً سنةَ (٧٩٠)، وتفَقَّهَ
بـ "السراج" قارئٍ "الهداية" وبالقاضي "محبِّ الدين بنِ الشحنة"، لم يوجد مثلُهُ(٢) في
التحقيق، وكان يقول: أنا لا أقلِّدُ في المعقولات أحداً، وقال "البرهان الأبناسيُّ))(٣) - وكان
من أقرانه - : ((لو طُلِبتْ حججُ الدِّين ما كان في بلدنا مَنْ يقوم بها غيرُهُ )).
(قولُهُ: والعلاَّمةُ الفَتَرِيُّ) نسخةُ الخطّ: (("الغزِّيُّ")).
(١) في "أ": ((الغزي))، وهو تحريفٌ، قال ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" في رسم ((الفناري)) ١٦٨/٧: ((واشتهر
بهذه النسبة أبو عبد الله محمد بن حمزة بن الفَنّاريّ)) بنون مخفّفةٍ، ونسَبَهُ كذلك ابنُ حجرٍ في "التبصير"
١١٥٥/٣، لكنَّه ترجَمَهُ في "إنباء الغمر" ٢٤٣/٨ - ٢٤٥، ونسَبَهُ ((الفَنَري)) بحذفِ الألف، ونقَلَهُ عنه السيوطيُّ في
"بغية الوعاة" ٩٧/١-٩٨، وابنُ العماد في "شذرات الذهب" ٢٠٩/٧، وانظر ترجمتَهُ في "الفوائد البهيّة"
صـ ١٦٦-١٦٧-، وهذه النسبةُ إلى عمل الفَنْيار، وهو وعاءٌ يعمل من قَرْن وحَشَبٍ للشمعة لَيَحفَظَ نورَها من الهواءِ.
(٢) في "ب": ((في مثله))، وهو خطأ.
(٣) هو أبو إسحاق إبراهيم بن حَجَّاج بن مُحْرِز بن مالك المعروف بالبرهان الأَبْنَاسيّ القَاهريّ الشافعي(ت٨٣٦هـ).
("الضوء اللامع" ١٣٧/١).

الجزء الأول
٩١
المقدمة
و "ابن الكمال"،
وكان له نصيبٌ وافرٌ مما لأصحابِ الأحوال من الكشف والكرامات، وكان تجرَّدَ أوَّلاً
بالكلَّة، فقال له أهلُ الطريق: ارجعْ، فإنَّ للناس حاجةً بعلمك، وكان يأتيه الواردُ كما يأتي
السادةَ الصوفيّة، لكنَّه يُقلِعُ عنه بسرعةٍ لمخالطته للناس. وشرَحَ "الهدايةَ" شرحاً لا نظير له
سمَّاه "فتحَ القدير"، وصَلَ فيه إلى أثناء كتاب "الوكالة"، وله كتاب "التحرير" في الأصول
الذي لم يؤلَّفْ مثلُهُ، وشرَحَه تلميذُه "ابن أمير حاج"، وله "المسايرةُ" في العقائد، و"زادُ
الفقير" في العبادات، توفي بالقاهرة سنةَ (٨٦١)، وحضر جنازته السلطانُ فمَنْ دونه كما في
"طبقات التميميِّ"(١) ملخَّصاً.
[مطلبٌ]
[ ترجمة "ابن كمال باشا" ]
[١٣٧] (قولُهُ: و"ابنِ الكمال") هو "أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ كمال باشا"، الإمام العالم العلاّمة
الرّحلة الفهَّامةُ، كان بارعاً في العلوم، وقلَّما أنْ يوجَدَ فنٌّ إلاَّ وله فيه مصنَّفٌ أو مصنَّفَاتٌ، دخل
إلى القاهرة صحبةَ السلطان "سليم" لَمَّا [١/ق١٩ /أ] أخَذَها من يدِ الجراكسة، وشهِدَ له أهلُها
بالفضل والإتقان. وله: "تفسيرُ القرآن العزيز"، و"حواشٍ" على "الكشاف"، و"حواشٍ" على
أوائل "البيضاوي"، و"شرحُ الهداية" لم يُكمَل، و"الإصلاحُ"، و"الإيضاح" في الفقه، و"تغييرُ
التنقيح" في الأصول و"شرحُهُ"، و"تغيير السِّراجية" في الفرائض و"شرحُهُ"(٢)، و"تغيير
المفتاح" و"شرحُه"، و"حواشي التلويح"، و"شرحُ المفتاح"، ورسائلُ كثيرٌ في فنونٍ عديدةٍ
لعلَّها تزيدُ على ثلثِمائةِ رسالةٍ، وتصانيفُ في الفارسيَّة، و"تاريخُ آل عثمان" بالتركَّة وغيرُ
ذلك، وكان في كثرة التآليفِ والسرعة بها وسَعَةِ الاطلاع في الدِّيار الرُّومية كـ "الجلال
(١) في القسم غيرِ المطبوع.
(٢) قوله: ((وشرحه)) لم يذكره التميميُّ في "الطبقات"، وذكرَهُ صاحب "كشف الظنون" ٤٩٩/١، وانظر "الكواكب
السائرة" ١٠٨/٢، و"الفوائد البهية" صـ ٢٢ -.

قسم العبادات
٩٢
حاشية ابن عابدين
مع تحقيقاتٍ سنَحَ بها البال،.
السيوطيِّ" في الديار المصرِيَّة، وعندي أَنَّه أدقُّ نظراً من "السيوطيّ" وأحسنُ فهماً، على
أنّهما كانا جمالَ ذلك العصر، ولم يزل مُفتياً في دار السلطنة إلى أنْ توفي سنةً (٩٤٠). اهـ
"تميمي"(١) ملخّصاً.
[١٣٨] (قولُهُ: مع تحقيقاتٍ) حالٌ من ((ما حرَّرَهُ))، أي: مصاحِباً ما حرَّرَهُ هؤلاء الأئمَّةُ
لتحقيقاتٍ. اهـ "ح"(٢).
والمرادُ بها حَلُّ المعاني العويصة، ودفعُ الإشكالات المورَدة على بعض المسائل أو على
بعض العلماء، وتعيينُ المراد من العبارات المحتملة ونحو ذلك، وإلاَّ فَذَاتُ الفروع الفقهَيَّة لا
بدَّ فيها من النقل عن أهلها.
[١٣٩) (قولُهُ: سَنَحَ بها البالُ) في "القاموس"(٢): ((سنَحَ لي رأيٌّ كمَنَعَ سُنُوحاً وسَنْحاً
وسُنْحاً: عرَضَ، وبكذا: عرَّض ولم يصرِّحْ )) اهـ.
فعلى الأوَّلِ هو من باب القلب، مثل: أدخلتُ القلنسوةَ في رأسي، والأصل: سنَحَتْ،
أي: عرضَتْ بالبالِ، أي: في خاطري وقلبي، وعلى الثاني لا قلبَ، والمعنى عليه: أنَّ قلبي
وخاطري عرَّضَ بها ولم يصرِّحْ، وهذا ما حَرَتْ عليه عادتُهُ رحمه الله تعالى من التعريض بالرُّموز
الخفيَّةِ كما يشيرُ إليه قريباً(٤).
(قولُهُ: فعلى الأوَّلِ هو مِن بابِ القلبِ إلخ) فيه أنَّ سنَحَ هنا بالمعنى الثاني لتعديتها بالباء، وحملُها
على المعنى الأوَّلِ حتّى يُحتاجَ لدعوى القلب خلافُ الظَّهرِ، تأمَّل.
(١) "الطبقات السنيّة": ٣٥٥/١.
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٣) "القاموس": مادَّة ((سنح)).
(٤) المقولة [٢٠٧] قوله: ((ألطف الإشارة)).

الجزء الأول
٩٣
المقدمة
وتلقّيتها عن فحول الرِّجال، ويأبى الله العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه، والمنصفُ مَن اغتفَرَ ..
[١٤٠) (قولُهُ: وتلقّيْتُها) أي: أخذتُها عن أشياخي ((فحولِ الرِّجال))، أي: الرجال
الفحولِ الفائقين على غيرهم، في "القاموس"(١): ((الفَحلُ: الذَّكَرُ من كلِّ حيوانٍ، وفحولُ
الشعراء الغالبون بالهجاء على مَنْ هاجاهم )) اهـ.
قال "ح"(٢): ((وأُورد أنَّ بين الجملتين تنافياً، فإنَّ البالَ إذا ابتكَرَ هذه التحقيقاتِ جميعَها
فكيف يكون متلقّياً لها جميعِها عن فحولِ الرجال؟!
وقد يجابُ: بأنّه على تقديرٍ مضافٍ، أي: سنَحَ ببعضها البالُ، وتلقّيتُ بعضَها عن فحول
الرِّجال)) اهـ. أي: فهو على حدٍّ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِضٌ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر -٢٧].
[١٤١] (قولُهُ: ويأبى اللَّهُ العصمةَ إلخ) أبى الشيءَ يأباه ويأبيه [١/ق١٩/ب] إباءً وإياءةً
بكسرهما: كَرِهَهُ، "قاموس"(٣). وهذا اعتذارٌ منه رحمه الله تعالى، أي: إنَّ هذا الكتابَ
وإنْ كان مشتملاً على ما حرَّرَهُ المتأخرون وعلى التحقيقات المذكورة لكنّه غيرُ معصومٍ،
أي: غيرُ ممنوعٍ من وقوعِ الخطأ والسهوِ فيه، فإنَّ الله تعالى لم يرضَ، أولم يقدِّر
العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه العزيز الذي قال فيه: ﴿لَّيَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾
[ فصلت - ٤٢]، فغيرهُ من الكتب قد يقعُ فيه الخطأ والزَّلُ؛ لأنّها من تأليفِ البشر، والخطأُ
والزللُ من شعارهم.
(قولُهُ: وأُورِدَ أنَّ بين الجملتين تنافياً إلخ) فيه أنَّه لا يلزمُ من نفسِ السُّنوح بمعنييه المذكورين الابتكارُ، وهو
أمرٌ خارجٌ عن مدلولِ اللَّفظ، فإنَّ سُنُوحَ الشيء في الخاطر والتعريضَ به قد يكونُ معه وبدونه، والجوابُ
المذكورُ ربَّما يُحتاج إليه بالنظر فِعه هو واقعٌ خارجاً، ولعلَّ الإيراد مبنيٌّ على ما يتبادرُ من ظاهرِ اللَّفظ.
(١) "القاموس": مادَّة ((فحل)).
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/ب.
(٣) "القاموس": مادَّة ((أبي)).

قسم العبادات
٩٤
حاشية ابن عابدين
قليلَ خطأ المرءِ.
(تنبيةٌ)
قال الإِمام العلاَّمة "عبد العزيز البخاريُ))(١) في "شرحه" على "أصول الإمام البزدويِّ" ما
نصُّهُ(٢): ((روى "البويطيُ)(٣) عن "الشافعيّ" رضي الله عنهما أنّه قال له: إني صَنَّفْتُ هذه الكتبَ،
فلم آلُ فيها الصوابَ، ولابدَّ أنْ يوجد فيها ما يخالفُ كتابَ الله تعالى وسنَّةً رسوله وَلَّه قال الله
تعالى: ﴿وَلَوْكَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِالَِّلَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفَّا كَثِيرً﴾ [النساء -٨٢]، فما وجدتُمْ فيها مما
يخالفُ كتابَ الله تعالى وسنّةً رسولهَ﴿ي فإِنّي راجعٌ عنه إلى كتاب الله تعالى وسنّةِ رسوله حَ لّ.
وقال "المزنيُّ" (٤): قرأتُ كتابَ "الرسالة" على "الشافعيِّ" ثمانين مرَّةً، فما من مرَّةٍ إِلاَّ وكان
يقفُ على خطأ، فقال "الشافعيُّ": هيه، أبى اللَّهُ أنْ يكون كتاباً صحيحاً غيرُ كتابه )) اهـ.
[٤٢ ١] (قولُهُ: قليلَ خطأ المرءِ) أي: خطأً المرءِ القليلَ، فهو من إضافة الصفة للموصوف، وعبَّرَ
١٩/١
(قولُهُ: "عبدِ العزيزِ النجَّريّ") نسخةُ الخطّ: (("البخاريّ")).
(قولُهُ: فلم آلُ فيها الصَّوَابَ) يُطلَقُ بمعنى التقصيرِ أو التركِ أو الاستطاعةِ، ومصدرُهُ كدَلْوٍ وعُلُوٍّ،
وبمعنى المنعِ كدَلْوٍ.
(١) في "ب" و"م": ((النجاري)) بالنون والجيم، وهو تحريف، وأشار إلى ذلك الرافعيُّ في "تقريراته"، وانظر "الجواهر
المضية" ٤٢٨/٢، و"تاج التراجم" صـ ١٢٧ -.
(٢) "كشف الأسرار": المقدمة ١٩/١، وهو شَرحُ عبد العزيز بن أحمد، علاء الدين البُخاريّ(ت٧٣٠هـ) على "كنز
الوصول إلى معرفة الأصول" المعروف بـ"أصول البزدويّ" لأبي الحسن المعروف بأبي العسر علي بن محمد ابن
الحسين بن عبد الكريم، فخر الإسلام البَزْدَوِيّ (ت٤٨٢هـ). ("كشف الظنون" ١١٢/١، "إيضاح المكنون"
٣٨٨/٢، "الفوائد البهيَّة" ص ١٢٤،٩٤-١٢٥-).
(٣) أبو يعقوب يوسف بن يحيى القُرَشيّ المصريّ الْبُوَيْطيّ، صاحب الإمام الشافعيّ(ت٢٣١هـ). ("وفيات الأعيان"
٦١/٧، "طبقات السبكي" ٢٧٥/١).
(٤) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المُزَني، صاحبُ الإمام الشافعي (ت ٢٦٤هـ). ("وفيات الأعيان"
٢١٧/١، "طبقات السبكي" ٢٣٨/١).

الجزء الأول
٩٥
المقدمة
في كثيرِ صوابِهِ، ومع هذا فمَن أتقَنَ كتابي هذا فهو الفقيهُ الماهر، ومَن ظفِرَ بما فيه ..
بالخطأ إشارةً إلى أنَّ ذلك واقعٌ لا عن اختيارٍ، فالإِثمُ مرفوعٌ، والثوابُ ثابتٌ، "ط)(١).
[١٤٣) (قولُهُ: في كثيرٍ صوابِهِ) متعلّقٌ بمحذوف حالٍ من الخطأ، أي: الخطأ القليلَ كائناً في
أثناء الصواب الكثير، أو بـ ((اغتَفَرَ))، و((في)) بمعنى مع، أو للتعليل، أفاده "ط" (٢).
ولا يخفى ما في الجمع بين ((قليلٍ)) و((كثيرٍ))، و((خطأ)) و((صوابٍ)) من الطِّباق.
[١٤٤) (قولُهُ: ومع هذا) أي: مع ما حواه من التَّحريرات والتّحقيقات. اهـ "ح"(٣).
قلت: والأَولى جعلُهُ مرتبطاً بقوله: ((ويأبى الله))، أي: مع كونه غيرَ محفوظٍ من الخَلَلِ
فمَنْ أتقنه، كما تقول: فلانٌ بخيل، ومع ذلك فهو أحسنُ حالاً من فلان، "ط "(٤).
[١٤٥) (قولُهُ: فهو الفقيهُ) الجملةُ خبرُ ((مَنْ))، قُرِنت بالفاء لعموم المبتدأ، فأَشبَهَ الشرطَ.
والمرادُ بالفقيهِ: مَن يحفظُ الفروع الفقهيَّةَ، ويصيرُ له إدراكٌ في الأحكام [١/ق٢٠/أ] المتعلّقة
بنفسه وغيره، وسيأتي الكلامُ على معنى الفقهِ لغةً واصطلاحاً، "ط" (٥).
[١٤٦] (قولُهُ: الماهرُ) أي: الحاذقُ، "قاموس" (٦).
[١٤٧] (قولُهُ: ومَن ظفِرَ) في "القاموس"(٧): ((الظَّفَر بالتحريك: الفوزُ بالمطلوب، ظَفِرِه،
وظَفِر به وعليه)).
[١٤٨] (قولُهُ: بما فيه) أي: من الَّحريراتِ والتَّحقيقات والفروعِ الجَمَّة والمسائلِ المهمَّة.
(١) "ط": المقدِّمة ١٩/١.
(٢) "ط": المقدِّمة ١٩/١.
(٣) "ح": المقدِّمة ق ٢/ب.
(٤) "ط": المقدّمة ١٩/١.
(٥) "ط": المقدّمة ١٩/١.
(٦) "القاموس": مادَّة ((مهر)).
(٧) "القاموس": مادَّة ((ظفر)).

قسم العبادات
٩٦
حاشية ابن عابدين
فسيقولُ بملء فيهِ: كمْ تَرَكَ الأَوَّلُ للآخِرِ (١)، ومن حصَّلَهُ فقد حصَلَ له.
[١٤٩) (قولُهُ: فسيقولُ) أتى بسين التنفيس لأنَّ ذلك يكون عند السؤال أو المناظرةٍ مع
الإِخوان غالباً، أو أنَّها زائدةٌ، أفاده "ط"(٢). أو لأَنَّه إنما يكون بعدَ اطّلاعه على غيره من
الكتب التي حرَّرَها غيره، وطوَّلَها بنقل الأقوالِ الكثيرة والتعليلات الشهيرة وخلافيَّات
المذاهب والاستدلالاتِ مع خلوِّها من تكثير الفروع، والتعويلِ على المعتمد منها، كغالبٍ
شروح "الهداية" وغيرها، فإذا اطّلع على ذلك علِمَ أنَّ هذا "الشرحَ" هو الدُّرَّة الفريدة،
الجامعُ لتلك الأوصافِ الحميدة، ولذا أكبَّ عليه أهلُ هذا الزمان في جميع البلدان.
[١٥٠] (قولُهُ: يمِلءٍ فيه) المِلءُ(٣) بالكسر: اسمُ ما يأخذه الإناءُ إذا امتلأ، وبهاءٍ: هيئةٌ
الامتلاء، ومصدرُهُ: مَلءٌ، "قاموس"(٤).
وفيه استعارةٌ(٥) تصريحيَّةٌ، حيث شبَّهَ الكلامَ الصريحَ الذي يستحسنُهُ قائلُه ويرتضيه، ولا
يتحاشى عن الجهرِ به بما يملأ الإِناءَ بجامع بلوغٍ كلٍّ إلى النهاية، أو مَكْيَّةٌ حيث شبَّهَ الفمَ بِالإِناء،
والملءُ تخيلٌ، أو هو كنايةٌ عن الإتيان بهذا القولِ جهراً بلا توقُّفٍ ولا خوفٍ من تكذيبِ طاعنٍ.
وبين قوله: ((فيهِ)) و ((فيهِ)) جناسٌ تامّ.
[١٥١] (قولُهُ: كمْ ترَكَ الأوَّلُ للآخِرِ) مقولُ القول، و((كم)) خبرِيَّةٌ للتكثير، مفعولٌ
((ترك))، والمراد بالأوَّلِ والآخرِ جنسُ مَنْ تقدَّمَ في الزمن ومَنْ تأخّرَ، وهذا في معنى ما قاله
"ابن مالكٍ" في خطبة "التسهيل" (٦): ((وإذا كانت العلومُ مِنَحاً إلهيةً ومواهبَ اختصاصيةً
فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخرَ لبعض المتأخّرِين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين )) اهـ.
(١) عجز بيت لأبي تمام وصدره: يقول من تقرع أسماعَه، ديوانه بشرح التبريزي ١٦١/٢.
(٢) "ط": المقدَّمة ٢٠/١.
(٣) في "أ": ((على فيه الملامة)) مكان قوله: ((بملء فِيْه: المِلْءُ))، وهو تحريفٌ.
(٤) "القاموس": مادَّة ((ملأ)) بتصرف.
(٥) من ((ما يأخذه)) إلى ((استعارة)) ساقطٌ من"".
(٦) "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد": صـ٢ -.

الجزء الأول
٩٧
المقدمة
الحظُّ الوافر؛ لأَنَّه هو البحرُ لكنْ بلا ساحلٍ،.
[مطلبٌ]
[ فضلُ كتب المتأخِّرين على كتب المتقدِّمين ]
وأنتَ ترى كتبَ المتأخِرِين تفوقُ على كتب المتقدِّمين في الضبط والاختصار وجزالة
الألفاظ وجمع المسائل؛ لأنَّ المتقدِّمين كان مَصرِفُ أذهانهم إلى استنباط المسائل وتقويم
الدَّلائل، فالعالِمُ المتأخِّرُ يصرِفُ ذهنه إلى تنقيح ما قالوه، وتبينِ ما أحْمَلوه، وتقييدٍ ما أطلقوه،
[١/ق٢٠/ب] وجمعٍ ما فرَّقوه، واختصارِ عباراتهم، وبيان ما استقرَّ عليه الأمرُ من
اختلافاتهم، فهو كماشِطةٍ عروسٍ - ربَّها أهلُها حتى صلحَتْ للزواج - تزيِّنها، وتعرِضُها
على الأزواج، وعلى كلٍّ فالفضلُ للأوائل كما قال القائل: [كامل]
كالبحرِ يَسْقِيهِ السحابُ ومالَهُ فضلٌ عليهِ لأَنَّه مِنْ مائِهِ(١)
نعمْ، فضلُ المتأخّرِين على أمثالنا من المتعلّمين، رحِمَ الله الجميع، وشكَرَ سعيهم أجمعين(٢)، آمين.
[١٥٢] (قولُهُ: الحظُّ) أي: النصيبُ، و((الوافرُ)) الكثير.
[١٥٣] (قولُهُ: لأَنَّه) تعليلٌ للحُمَلِ الثلاثة قبله، والضميرُ يرجعُ إلى الكتاب، "ط"(٣).
[١٥٤) (قولُهُ: هو البحرُ تشبيه بليغٌ، أو استعارةٌ.
[١٥٥) (قولُهُ: لكنْ بلا ساحلٍ) السَّاحلُ: ريفُ البحر وشاطئه، مقلوبٌ؛ لأنَّ الماء سحَلَهُ،
وكان القياسُ مسحولاً، "قاموس"(٤). وإذا كان لا ساحلَ له فهو في غاية الاتساع؛ لأنَّ
(١) قائلُهُ هبةُ الله بن الحسين المعروف بالبديع الأَسْطَرْلابيِّ، ويُرْوَى: ((كالبحر يمطره))، وقبل هذا البيت قوله:
أُهْدِي لهُ مَا حُرْتُ من نَعْمائه
· أُهْدِي لمجلسه الكريم وإِنّما
والبيتان في "وفيات الأعيان" ٥١/٦، و"ريحانة الألبا" ٩٦/١، و"حاشية البغداديِّ على شرح بانت سعاد" ٢١/١،
و"خلاصة الأثر" ٨٨/٣، و"نفحة الريحانة" ١١٥/٤.
(٢) ((أجمعين)) ليست في "ب" و"م".
(٣) "ط": المقدَّمة ٢٠/١.
(٤) "القاموس": مادَّة ((سحل)).

قسم العبادات
٩٨
حاشية ابن عابدين
ووابلُ القطر غيرَ أنَّه متواصلٌ،
نهاية البحر ساحلُهُ، فهو من تأكيد المدح بما يشبهُ الذَمَّ، حيث أثْبَتَ صفةً مدحٍ، واستثنى
منها صفةً مدحٍ أخرى نحو: (( أنا أفصحُ العرب بَيْدَ أَنِّي من قريش))(١). وهو أكَدُ في المدح
لِما فيه من المدح على المدح، والإشعارِ بأَنَّه لم يجدْ صفةَ ذمِّ يستثنيها، فاضطُرَّ إلى استثناء
صفةٍ مدحٍ.
وله نوعٌ ثانٍ، وهو: أن يُستثنى من صفةِ ذمّ منفيَّةٍ عن الشيء صفةُ مدحٍ، قوله: [طويل]
بِهِنَّ قُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائبِ (٢)
ولا عيبَ فيهم غيرَ أَنَّ سيوفَهم
أي: في حدِّهنَّ كسرٌ من مضاربة الجيوش، وهذا الثاني أبلغُ كما بُيِّنَ في محلِّه، فافهم.
وفيه أيضاً من أنواع البديع نوعٌ من أنواع المبالغة، وهو الإغراق(٣)، حيث وصَفَ البحرَ
بما هو ممكنٌ عقلاً ممتنعٌ عادةً.
[١٥٦) (قولُهُ: ووابلُ القَطْرِ) الوابلُ: الكثير، وهو من إضافة الصِّفة للموصوف، أي: القطرُ
الوابلُ، "ط " (٤).
[١٥٧] (قولُهُ: غيرَ أَنَّه متواصِلٌ) أي: تواصلاً نافعاً غيرَ مُفسِدٍ بقرينة المقام، وإلاَّ كان ذمَّاً،
وهذا أيضاً من تأكيد المدح بما يُشبِهُ الذَّ.
(١) قال السيوطيُّ في "مناهل الصفا" صـ٥٢ -: ((أورَدَهُ أصحابُ الغريب، ولا يُعرَفُ له إسنادٌ))، وكذا في "الرياض
الأنيقة" له أيضاً صـ٩٦-، وذكرَهُ السخاويُّ في "المقاصد الحسنة" صـ ١٦٧ - رقم (١٨٥) بلفظ: ((أنا أفصحُ من نطَقَ
بالضاد))، وقال: ((معناه صحيحٌ، ولكن لا أصلَ له كما قاله ابنُ كثيرٍ))، يعني في تفسيره ٣٠/١.
(٢) قالَهُ النابغة مادحاً آل جَفْنةَ ملوك الشام من غسان. وهو في ديوانه صـ ٦٠-، وفي "الكتاب" ٣٢٦/٢، و"الأغاني"
١٧/١١، و"مغني اللبيب" صـ٥٥-، و "اللسان": مادَّة ((فلل))، وفيه: ((والفَلُّ: الثَّلْمُ في السيف)).
(٣) الإغراقُ في اللغة: فوقَ المبالغة ودون الغُلُوِّ، وفي الاصطلاح: الإفراطُ في وصفِ الشيء بالممكنِ البعيدِ وقوعُهُ عادةً.
اهـ. "معجم البلاغة العربيّة" ص ٤٧٣ -.
(٤) "ط": المقدّمة ٢٠/١.

الجزء الأول
٩٩
المقدمة
بحسنِ عباراتٍ، ورمزِ إشاراتٍ، وتنقيحِ معاني، وتحريرِ مباني،
[١٥٨] (قولُهُ: بحسنٍ عباراتٍ) الباءُ للتعليل مثل: ﴿فَيْظُلْمِ﴾ [النساء - ١٦٠]، أو
للمصاحبة مثل: ﴿أَهِْطْ بِسَلَمٍ﴾ [هود-٤٨]، أو للملابسة، وهي متعلّقةٌ بالبحر؛ لأنّه في
معنى المشتقِّ، أي: الواسعِ، مثلُ "حاتِمٍ" في قومه، ومثلُ قولِ الشاعر: [كامل]
٢٠/١
أسَدٌ عليَّ وفي الحروبِ نَعَامَةٌ(١)
التأوُّله بكريمٍ وجريءٍ، أو بمحذوف حالٍ من الضمير في ((لأَنَّه))، أو من ((كتابي)).
[١٥٩] (قولُهُ: ورمزِ إشاراتٍ) هما بمعنىٍ واحدٍ، وهو الإيماءُ بالعين أو اليدِ [١/ق ٢١/ أ] أو
نحوِهما كما في "القاموس"(٢)، فكأنّه أراد ألطفَ أنواعِ الإِيماء وأخفاها كما سيصرِّحُ به
بَعْدُ (٣) بقوله: (( معتمداً في دفعِ الإيراد ألطفَ الإشارة )).
[١٦٠) (قولُهُ: وتنقيحِ معاني) أي: تهذيبها وتنقيتها، ويحتملُ أَنَّه من إضافة الصِّفة إلى
الموصوف، ومثلُه قولُهُ: ((وتحريرٍ مباني))، وفي "القاموس"(٤): ((تحريرُ الكتاب وغيرِه:
تقويمُه)) اهـ.
ومَباني الكلماتِ: ما تُبنَى عليه من الحروف، والمراد بها الألفاظُ والعبارات، من إطلاق الجزءِ على الكلِّ.
وفي قوله: (( المعاني والمباني)) مراعاةُ النظير، وهو: الجمعُ بين أمرٍ وما يناسبُهُ، لا بالتضادٌ
نحو: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن - ٥].
(قولُهُ: الباءُ للتعليلِ إلخ) الأنسبُ تعلُّقُهُ بـ ((متواصلٌ)).
(١) قائلُهُ عِمْرَان بن حِطّان، وعجزُهُ:
رَبْدَاءُ تنفرُ من صغيرِ الصَّافِرِ
وهو في "الكامل" للمبرِّد صـ٩٢٩-، و"العقد الفريد" ٤٤/٥، و"الأغاني" ٥٧/١٨، و"شعر الخوارج" صـ٢٥ -.
(٢) "القاموس": مادّة((رمز)).
(٣) المقولة [٢٠٧] قوله: ((ألطف الإشارة)).
(٤) "القاموس": مادّة((حرر)).

قسم العبادات
١٠٠
حاشية ابن عابدين
وليس الخُبْرُ كالعيان، وستَقَرُّ به
.
ثُمَّ الموجودُ في النسخ رسمُها بالياء مع أنَّ القياس حذفُها والوقفُ على النون ساكنةً مثل:
﴿فَاقْضِ مَآأَنْتَ قَاضٌِ﴾ [ طه- ٧٢ ].
[١٦١] (قولُهُ: وليس الخُبْرُ كالعِيان) بكسر العين: المعاينة والمشاهدة، وهذا علَّةٌ لمحذوفٍ، أي:
إِنَّ ما قلتُهُ خبرٌ يَحتمِلُ الصدقَ والكذب، وبعد اطّلاعك على التأليفِ المذكور تُعاين ما ذكرتُهُ لك
وتتحقَّقُه بالمشاهدة؛ لأنَّ الْخُبْرَ ليس كالعِيان، أفاده "ط"(١).
وفي هذا الكلام اقتباسٌ مما رواه "أحمد" و"الطبرانيُّ" وغيرهما من قوله ◌َ ◌ّ: ((ليس الخُبْرُ
كالمعاينة))(٢)، وهو من جوامعٍ كَلِمِهِ﴿ل كما في "المواهب اللَّدُنِية"(٣)، وتضمينٌ لقول
الشاعر: [بسيط]
يا ابنَ الكرام أَلا تدنُو فتبصِرَ ما قد حدَّثُوكَ فما راءٍ كمَنْ سمِعَا(٤)
[١٦٢] (قولُهُ: وستَقَرُّ القُرُّ بالضم: البرد، وعينُهُ تَقِرُّ بالكسر والفتح قَرَّةً، وتُضَمُّ، وقُرُوراً:
بَرَدَتْ، وانقطَعَ بكاؤها، أو رأتْ ما كانت متشوِّفَةً إليه، "قاموس" (٥).
وكأنَّ وصف العين بالبرودة لِما قالوا من أنَّ دمعةَ السُّرور باردةٌ، ودمعةَ الحزن حارَّةٌ.
(١) "ط": المقدَّمة ٢٠/١.
(٢) أخرجه أحمدُ ٢٧١،٢١٥/١، والطبرانيُّ في "الأوسط" برقم (٢٥)، وابنُ حبان في "صحيحه" برقم (٦٢١٣) كتاب
التاريخ - باب بدء الخلق، والحاكم ٣٢١/٢ كتاب التفسير - باب تفسير سورة الأعراف، وصحَّحَهُ، ووافقه
الذهبيُّ، كلُّهم عن ابن عباسٍ مرفوعاً.
(٣) "المواهب اللدنَّة بالمنح المحمديَّة": المقصد الثالث - الفصل الأوَّل: فصاحتُهُم ◌َ﴿ ٢٤٦/٢، وهي لأبي العباس أحمد
ابن محمَّد، شهاب الدين القَسْطَلاَّنيّ المصريّ الشافعيّ(ت٩٢٣هـ). ("كشف الظنون" ١٨٩٦/٢، "الكواكب
السائرة" ١٢٦/١).
(٤) لم نعثر على قائله، وهو في شرح "قطر الندى" صـ٧٧ -، و"شرح ابن عقيل" ٣٣/٤، و"شرح الأشموني"
بـ "حاشية الصبّان" ٣٠٢/٣.
(٥) "القاموس": مادَّة ((قرر)).

الجزء الأول
١٠١
المقدمة
بعد التأمُّلِ العينان، فخُذْ ما نظرتَ من حُسْنِ رَوْضه الأسمى، ودَعْ ما سمعت
عن الحسنِ وسلمى. [ بسيط ]
خُذْ ما نظرتَ ودَعْ شيئاً سمعتَ به
[١٦٣) (قولُهُ: بعد التأمُّلِ) أي: التفكّرِ فيه والتدُّرِ في معانيه، "ط)"(١).
[١٦٤] (قولُهُ: فخُذْ) الفاءُ فصيحةٌ، أي: إذا كان كما وصفتُه لك، أو إذا تأمَّلْتَه وقرَّتْ به
عیناك فخذْ إلخ.
ثُمَّ اعلمْ أنّه من هنا إلى قوله: (( كيف لا وقد يسَّرَ الله ابتداءً تبييضِه إلخ )) ساقطٌ من
كثيرٍ من النسخ، وكأنَّه من إلحاقاتِ "الشارح"، فما نُقِلَ من نسخته قبل الإلحاق خلا عن
هذه الزِّيادةِ، والله تعالى أعلم.
[١٦٥) (قولُهُ: مِنْ حُسْنِ رَوْضِهِ) الحسنُ: الجمال، [١/ق٢١/ب] جمعه: محاسنُ على غير
قياسٍ، "قاموس"(٢). فهو اسمٌ جامدٌ لا صفةٌ، فالإضافة فيه لامِيَّةٌ، فافهم.
والأسمَى: أفعلُ تفضيلٍ من السمُوِّ، أي: الأعلى من غيره، قال "ط"(٣): ((وفي الكلام
استعارةٌ، شبَّهَ عبارتَهُ الحسنةَ بالرَّوض بجامع النَّفاسةِ و تعلُّقِ النفوس بكلٍّ، والقرينةُ إضافةُ
الرَّوض إلى الضمير )).
[١٦٦] (قولُهُ: عن الحُسنِ) الظاهرُ أَنَّه بضمِّ الحاء، فالمعنى: دعِ الْحُسن الصُّوريَّ المحسوسَ،
وانظرْ إلى حُسنِ رَوضِ هذا الشرحِ الأعلى قدراً. اهـ "ح"(٤).
[١٦٧] (قولُهُ: و"سلمى") امرأةٌ من معشوقاتِ العرب المشهوراتِ كـ "ليلى" و "لُبنى"
و "سُعدى" و"بثينةَ" و"ميَّةَ" و"عزَّة".
(١) "ط": المقدّمة ٢٠/١.
(٢) "القاموس": مادَّة((حسن)) بتصرف.
(٣) "ط": المقدَّمة ٢٠/١.
(٤) "ح": المقدَّمة ق ٢/ب.

قسم العبادات
١٠٢
حاشية ابن عابدين
في طلعةِ الشمس ما يُغنيكَ عن زُحَلٍ
هذا، وقد أضحَتْ.
وليس المرادُ بها المعنى العَلَميَّ، وإنما المرادُ الوصفيُّ لاشتهارها بالحسن كاشتهار "حاتم"
بالكرم، فيقال: فلانٌ حاتِمٌ بمعنى كريمٍ، فالمرادُ: دعِ الجمالَ والجميل.
[١٢٨] (قولُهُ: في طلعةٍ) خبرٌ مقدّمٌ، و((ما يُغنيكَ)): مبتدأ مؤخِّرٌ، والمعنى: أنَّ طلعة الشمس
- أي: طلوعَها - يكفيك عن نور الكوكب المسمَّى بزُحَل، نزَّلَ كتابَهُ منزلةً الشمس بجامع
الاهتداء بكلٍّ، ونزَّل غيرَه منزلةَ زحل، ولا شكَّ أنَّ نور الشمس والاهتداءَ به لا يكون لغيرها
من الكواكب.
[مطلبٌ]
[ كواكب المجموعة الشمسيَّة ]
وزحلُ أحدُ الكواكب السيّارةِ التي هي السبعُ، جَمَعَها الشاعرُ على ترتيب السَّموات، كلُّ
كوكبٍ في سماءِ بقوله: [ كامل]
فتزاهرَتْ لعُطارِدَ الأَقْمَارُ(١)
زُحَلٌ شَرَى مَرِّيَخَه مِنْ شمسِهِ
"ط" (٢).
[١٦٩] (قولُهُ: هذا) أي: خذْ هذا الذي ذكرتُهُ، وأراد به الانتقالَ عن وصف الكتاب إلى
التنبيهِ على عدم الاغترار بما يشنّعُ به حسَّادُ الزمان المغبرون في وجوهِ الحِسان: [ كامل]
حسَداً ولؤماً إِنَّهُ لِدَمِيمُ(٣)
كضرائرِ الحسناءِ قُلْنَ لوجهِها
(١) لم نعثر على قائله.
(٢) "ط": المقدَّمة ٢١/١.
(٣) قائلُهُ أبو الأسود الدؤلي في ديوانه صـ٤٠٣- بلفظ: حَسَداً وبَغْياً، ويُنسَبُ لعبيد الله بن محمد العبسيّ، وذكرَهُ ابن هشامٍ
في "المغني" ص ٢٨٢-، على أنَّ اللام في قوله: ((لوجهها)) بمعنى عن، وقال ابن منظورٍ في "اللسان" مادَّة ((دمم)): ((ورواه
ثعلب: لَذَمِيمُ بالذال، من الذِّ الذي هو خلافُ المدح، فردَّ ذلك عليه)) اهـ. وفي شرح أبيات "المغني" ٢٩٥/٤: ((الدميمُ
بالدال المهملة من الدَّمامة بالفتح، وهي قبحُ المنظر وصغرُ الجسم، وكأنَّه مأخوذٌ من الدِّمة بالكسر، وهي القملةُ أو النملة -

الجزء الأول
١٠٣
المقدمة
أعراضُ المصنّفين أغراضَ سِهامٍ ألسِنَة الحسَّاد، ونفائسُ تصانيفِهم معرَّضةً بأيديهم،
تَنتهبُ فوائدَها ثم ترميها بالکَساد ...
[١٧٠) (قولُهُ: أعراضُ) جمع عِرضٍ بكسر العين: محلُّ المدح والذمِّ، "ط)" (١).
[١٧١] (قولُهُ: أغراضَ) أي: كالأغراض، خبرُ أضحى، فهو تشبيةٌ بليغٌ. والأغراض: جمعُ
غَرَضٍ، وهو الهدف الذي يُرمى بالسِّهام، فكما أنَّ الغَرَض يُرمى بالسِّهام كذلك أعراضُ
المصنّفين تُرمَى بالقول الكاذبِ، وشاعَ استعمالُ الرمي في نسبة القبائح كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور - ٦]، ﴿الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [ النور - ٢٣].
وبينَ الأعراض والأغراض الجناسُ المضارعِ، "ط"(٢). وفي تشبيهِ الكلام القبيح بالسِّهام
استعارة تصريحيّةٌ، والقرينةُ إضافتها إلى الألسنةِ، والجامعُ حصولُ الضرر بكلٍّ، ويحتمل أنْ يكون
من إضافة المشبَّهِ به إلى [١/ق٢٢/أ] المشبَّهِ، أي: الألسنةِ التي هي كالسهام، لكنَّ تشبيهَ الكلام
بالسهام أظهرُ من تشبيه الألسنةِ بها، تأمَّلْ.
٢١/١
[١٧٢] (قولُهُ: ونفائسُ تصانيفِهم إلخ) النفائسُ: جمع نفيسةٍ، يقال: شيءٌ نفيسٌ، أي:
يُتْنَافس فيه ويُرْغَبُ، وهو من إضافة الصِّفة إلى الموصوف، مرفوعٌ بالعطف على اسم
أضحى، أو على الابتدائيّةِ والواوُ للاستئناف أو للحال، و((معرَّضةٌ)) بتشديد الراء منصوبٌ
على أنَّه خبرُ أضحى، أو مرفوعٌ على أنَّه خبر المبتدأ، و((بأيديهم)) متعلّقٌ به، أي: منصوبةً
بأيديهم، من قولهم: جعلتُ الشيء عُرضةً له، أي: نصبتُه، أو بفتح الراء مخفَّةً، مِنْ أعرَضَ
بمعنى: أظهَرَ، أي: مُظهَرةً في أيديهم، والضميرُ للحسَّاد، وجملة ((تَنَتهِبُ)) - أي: الحسَّادُ،
بالبناء للمعلوم - حاليَّةٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ، أو هي الخبرُ و((معرّضةٌ)) حالٌ، ورميُها بالكساد
كنايةٌ عن هجرِها أو ذِّها.
= الصغيرة، ويجوز أنْ يكون هنا بالذال المعجمة، من الذمِّ خلاف المدح)) اهـ.
(١) "ط": المقدَّمة ٢١/١.
(٢) "ط": المقدِّمة ٢١/١.

قسم العبادات
١٠٤
حاشية ابن عابدين
[ طويل ]
ولم تتيقَّنْ زلَّةً منه تُعرَفُ
أخا العلم لا تعجَلْ بعيبِ مصنّفٍ
وكمْ حرَّفَ الأقوالَ قومٌ وصحَّفوا
فكمْ أفسَدَ الرَّاوي كلاماً بعقِلِهِ
والمعنى: أنَّ الحسَّاد لا يستغنون عنها، بل ينتهبون فوائدها وينتفعون بها، ثم يذمُّونها
ويقولون: إنَّها سلعةٌ كاسدةٌ.
[١٧٣] (قولُهُ: أخا العلمِ) منادىً على حذفِ أداة النداء، والأخُ من النَّسَب، والصديقُ،
والصاحبُ كما في "القاموس"(١)، والمراد الأخير.
[١٧٤) (قولُهُ: بعيبٍ) مصدرٌ مضافٌ إلى مفعوله، وإنْ جُعل العيبُ اسماً لِما يوجِبُ الذمّ
فهو على تقديرِ مضافٍ، أي: بذِكْرٍ عيبٍ، "ط"(٢).
[١٧٥] (قولُهُ: مصنّفٍ) بكسر النون أو بفتحها.
[١٧٦) (قولُهُ: ولم تتيقِّنْ) جملةٌ حالِيَّةٌ، "ط" (٣).
[١٧٧] (قولُهُ: منه) متعلّقٌ بمحذوف صفةٍ لـ ((زَلَّةً))، وجملةُ ((تُعرَفُ)) صفةٌ ثانيةٌ أو
حالٌ، أو ((منه)) متعلّقٌ بـ (تُعرَفُ))، والجملةُ صفةٌ لـ ((زَلَّةً)).
[١٧٨] (قولُهُ: فكمْ) خبريَّةٌ للتكثير في محلٌّ رفعٍ مبتدأ، والجملةُ بعدها خبرٌ كما هو
القاعدةُ فيما إذا ولِيَها فعلٌ متعدٍّ أخَذَ مفعولَهُ، فافهم.
[١٧٩] (قولُهُ: بعقلِهِ) الباءُ للآلة، أي: إنَّ عقله هو الآلةُ في الإفساد، "ط "(٤).
[١٨٠] (قولُهُ: وكمْ حرَّفَ) التحريف: التغيير، والتصحيفُ: الخطأ في الصحيفة، "قاموس" (٥).
(١) "القاموس": مادَّة ((أخو)).
(٢) "ط": المقدّمة ٢١/١.
(٣) "ط": المقدّمة ٢١/١.
(٤) "ط": المقدَّمة ٢١/١.
(٥) "القاموس": مادَّة ((حرف))، و((صحف)).