النص المفهرس

صفحات 61-80

الجزء الأول
٤٥
المقدمة
وصحبه الذين حازوا من مِنحِ فتحِ كشفِ فيضِ فضلِك الوافي حقائقاً، ..
[مطلبٌ: تعريفُ الصَّحابيِّ ]
[٣٢) (قولُهُ: وصحبِهِ) جمعُ صاحبٍ، وقيل: اسمُ جمعٍ له، قال في "شرح التحرير"(١).
٩/١ ((والصحابيُّ عند المحدِّثين وبعضِ الأصوليين: مَنْ لَقِي النبيَّ ◌َلّ مسلماً ومات على
الإسلام، أو قبل النبوَّة ومات قبلها على الحنيفيَّةِ كـ "زيدِ بن عمرو بن نفيل"، أو ارتدَّ وعاد
في حياته، وعند جمهور الأصوليِّين: مَنْ طالتْ صحبتُهُ متَبِّعاً (٢) له مدَّةً يثُبُتُ معها إطلاقُ
صاحبِ فلانِ عُرْفاً بلا تحديدٍ فِي الأصحِّ )) اهـ.
وظاهرُهُ: أنَّ مَنِ ارتدَّ ثُمَّ أسلَمَ تعودُ صحبتُهُ وإِنْ لم يلقَهُ بعد الإِسلام، وهذا ظاهرٌ على مذهب
"الشافعيّ" من أنَّ المرتدَّ لا يحَبَطُ عملُهُ ما لم يَمُتْ على الرِّدَّة، أمَّا عندنا فبمجرَّدِ الردَّة يحبّطُ العمل.
والصُّحبةُ مِن أشرف الأعمال، لكنَّهم قالوا: إنَّه بالإسلام تعود أعمالُهُ مجرَّدَةً عن الثّواب،
ولذا لا يجبُ عليه قضاؤها سوى عبادةٍ بقِيَ سببُها كالحجِّ وكصلاةٍ صلاَّها فارتدَّ فأسلَمَ في
وقتها، وعلى هذا فقد يقالُ: تعودُ صحبتُهُ مجرَّدَةً عن الثَّواب، وقد يقال: إنْ أسلَمَ في حياة
النبيِّ ◌َ﴿ لا تعود صحبتُهُ مالم يلقَهُ لبقاء سببها، فتأمَّل.
[٣٣] (قولُهُ: الذين حازُوا) أي: جمعوا.
[٣٤] (قولُهُ: مِنْ مِنَحِ إلخ) فيه صناعةُ التَّوجيه، حيث ذكَرَ أسماءَ الكتب، وهي: "المنحُ"
لـ"المصنّف"، و"الفتحُ" شرحُ "الهداية" للمحقّق "ابن الهمام"، و"الكشفُ" شرحُ "المنار"
لـ "النَّسَفيِّ"، و "الفيضُ" لـ "الكركيِّ"، و "الوافي" متنُ "الكافي"(٣) ل " النَّسفيِّ"، و"الحقائقُ"
شرحُ "منظومة النسفيِّ".
(١) "التقرير والتحبير": المقدّمة ٢٦٠/٢،١١/١ المقالة الثانية - الباب الثالث - مسألة: الأكثرُ على عدالة الصحابة،
واللفظ من متن "التحرير" للكمال بن الهمام.
(٢) في "أ": ((متبعاً))، وفي "اللسان" مادَّة ((تبع)): ((تَبَّعَهُ: قفاه، وتَطَلَّه متَّعاً له)).
(٣) لعله "والوافي شرح متن الكافي" أو نحو ذلك ولیحرر اهـ مصححه.

قسم العبادات
٤٦
حاشية ابن عابدين
وبعد:
فيقولُ.
وفيه حسنُ الإيهام بذِكْرِ ما له معنىًّ قريبٌ ومعنىَّ بعيدٌ، وأراد المعنى البعيدَ، وهو المعاني اللُّغويَّةُ
هنا دون الاصطلاحيَّة لأهل المذهب، أي: حازُوا من عطايا فتحِ بابِ كشفٍ، أي: إظهارِ ((فيضٍ))
أي: كثيرٍ، ((فضلكَ)) أي: إنعامكَ، ((الوافي)) أي: التامٌّ، ((حقائقاً)) أي: أموراً محقّقةً، وبهذه
اللطافة يُغْتَفَرُ ما فيه من تتأبُعِ الإضافات الذي عُدَّ مُخِلاً بالفصاحة إلاَّ إذا لم يتقُلْ على اللسان، فإنَّه
يَزِيدُ الكلامَ ملاحةً ولطافةً، فيكونُ من أنواع البديع، ويسمَّى الاطّرادَ كقوله تعالى:
﴿ذِكْرُ رَّحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [مريم- ٢]، وقولهِ تعالى: ﴿كَدَأْبِءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران-١١].
(تنبيه)
· "حقائقا" بالألف للسَّجع مع أنَّه ممنوعٌ من الصَّرف على اللُّغة المشهورة، فصرَفَهُ هنا على
حدٍّ قولهِ تعالى: ﴿سَلَسِلَاً وَأَغْلَلًا﴾ [الإنسان - ٤]، وقوله تعالى: ﴿قَوَارِراً﴾ [الإنسان - ١٥]
في قراءةٍ مَنْ نوَّنَهما، وذكروا لذلك أوجُهاً منها التناسُبُ، [١/ق٩/ب] ومنهم مَنْ
قرأ: ﴿سَلَسِلَا﴾ بالألف دون تنوينٍ.
[٣٥] (قولُهُ: وبعدُ) يُؤتَى بها للانتقال من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ آخرَ لا يكون بينهما مناسبةٌ،
فهي من الاقتضاب المشُوبِ بالتخلُّص، واختُلِفَ في أوَّل مَنْ تكلَّمَ بها، وداودُ أقربُ، وهي
فصلُ الخطاب الذي أوتِيَهُ، وهي من الظُّرُوف الزمانَّةِ أو المكانَّةِ المنقطعةِ عن الإضافة،
(قولُهُ: فهي من الاقتضابِ المشُوبِ إلخ) الاقتضابُ: الانتقالُ من معنىً إلى آخرَ من غيرِ تعلُّقٍ بينهما،
كأَنَّه استَهَلَّ كلاماً آخر، ووجهُ كونِهِ هنا مَشُوباً - أي: مخلوطاً - أنَّ كلاًّ تمهيدٌ للتأليف بخلافٍ
الاقتضاب المحض، فإنَّه الانتقالُ من كلامٍ إلى آخرَ لا مناسبةَ بينهما بالكليّة.
(قولُهُ: وداودُ أقربُ) وقيل: يقعوبُ، وقيل: "قِسُّ بن ساعدة"، أو "كعبُ بن لؤيٍّ"، أو
"يعرُبُ"، أو "سَحبان".

الجزء الأول
٤٧
المقدمة
مبنيَّةٌ على الضمِّ لنَّةِ معنى المضاف إليه، أو منصوبةٌ غيرُ منوَّةٍ لنَّةِ لفظه، أو منونةٌ إنْ لم يُنْوَ
لفظُهُ ولا معناه، والثالثُ لا يُحتَمَل هنا لعدم مساعدة الخطِّ إلاَّ على لغةٍ مَنْ لا يكتب الألف
المبدَلةَ عن التنوين حالَ النَّصْب. وعلى كلٍّ لا بُدَّ لها من متعلَّقٍ، فإنْ كانت الواوُ هنا نائبةً
عن أمَّا كما هو المشهورُ فمتعلَّقُها إمَّا الشَّرط أو الجزاءُ، والثاني أَولى ليفيدَ تأكيدَ الوقوع؛
لأنَّ التعليق على أمرٍ لا بُدَّ من وقوعه يفيدُ وقوعَ المعلَّق ألبتة، والتقدير: مهما يكنْ مِنْ شيءٍ
فيقولُ بعد البسملة والحمدلة والتَّصلية، وإنْ كانتِ الواوُ للعطف - وهو من عطف القصَّة
على القصَّة - أو للاستئناف فالعاملُ فيها ((يقول))، وزِيدتْ فيه الفاءُ لتوهُّمٍ أمَّا إجراءً
للمتوهَّم مُخْرى المحقَّقِ).
كما في: ((ولا سابقٍ))(١) بالجرِّ، والتقدير: ويقولُ بعدَ البسملة، وعلى الأوَّلِ فهي في
جوابِ الشَّرط لنيابة الواو عن أداته، واعترَضَهُ "حسن جلبي" في "حواشي التلويح)"(٢).
(( بأنَّ النيابةَ تقتضي مناسبةً بين النائب والمُنُوبِ عنه، ولا مناسبةَ بين الواو وأمَّا )) اهـ.
(قولُهُ: كما في: ولا سابقٍ) أصلُهُ "لزهيرِ"، وهو قولُهُ:
ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائياً.
بدا ليَ أَنّي لستُ مُدرِكَ ما مضى
(قولُهُ: ولا مناسبةَ بين الواوِ وأمَّا) نقَلَ في "شرح الطريقة" عن "البِرْ جَنديّ" شارحٍ "الوقاية" وجهَ
المناسبة بينهما بقوله: ((أصلُها: أمَّا بعدُ، فالواوُ قائمةٌ مَقامَ أمَّا))، ويؤيِّدُهُ أَنَّه لم يقع في مثلِ هذا
(١) يريدُ بيت زهير بن أبي سلمى:
بدا لِيَ أَنّي لستُ مُدرِكَ ما مضى
ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائياً
وهو في ديوانه صـ٢٠٨- بلفظ: ((ولا سابقي شيءٌ))، ويُروَى لصيْرمةَ الأنصاري، ولعبد الله بن رواحة، وأنشده سيبويه
في مواضع من "كتابه"، وانظر "اللسان" مادّة(نعش))، و"مغني اللبيب" صـ ١٣١-، و"خزانة الأدب" ١٠٢/٩.
(٢) حواشٍ عظيمةٌ مملوءةٌ بالفوائدِ، - لحسن بن محمد شاه المعروف بملا حسن جلبي الفنّاريّ(ت٨٨٦هـ) - على
"التلويح" للتفتازاني ("كشف الظنون" ٤٩٦/١، "الضوء اللامع" ١٢٧/٣ -١٢٨، "الفوائد البهية" صـ ٦٤-).

قسم العبادات
٤٨
حاشية ابن عابدين
فقيرُ ذي اللُّطف الخفيِّ، محمدٌ علاءُ الدين ..
ولا يصحُّ تقديرُ أمَّا بعد الواو؛ لأنَّ أمّا لا تُحذفُ إلاَّ إذا كان الجزاءُ أمراً أو نهياً ناصباً لِمَا
قبله أو مفسِّراً له كما في "الرضيِّ" (١)، وما هنا ليس كذلك.
[٣٦) (قولُهُ: فقيرُ ذي اللُّطْفِ)(٢) أي: كثيرُ الفقرِ، أي: الاحتياجِ لله تعالى. ذي الُّطف،
أي: الرِّفْقِ والبِرِّ بعباده والإحسانِ إليهم.
[٣٧] (قولُهُ: الخَفِيِّ) أي: الظاهرِ، فإنَّه من أسماء الأضداد، فإنَّ لطفه تعالى لا يخفى على
شخصٍ في كلِّ شخصٍ، أو المرادُ: الخفيِّ عن العبد، بأنْ يدبِّرَ له الأمرَ من غير تعانٍ منه ومشقّةٍ،
ويهِّئَ له أمورَ دنياه وآخريِّهِ من حيث لا يحتسِبُ، واللَّهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، "ط)(٣).
[٣٨) (قولُهُ: "محمَّدٌ") بدلٌ من ((فقيرُ))، أو عطفُ بيانٍ، و"علاءُ الدِّينِ" لقبُهُ، أي: مُعليْهِ
ورافعُهُ بالعمل به وبيانِ أحكامِهِ، ومنَعَ بعضُهُم من التسمِّي بمثل ذلك مما فيه تزكيةُ نفسٍ،
ويأتي (٤) تمامُ الكلامِ على ذلك في كتاب الحظر والإباحة [١/ق١٠/أ] إن شاء الله تعالى.
وهو - رحمه الله تعالى كما في "شرح ابن عبد الرزَّاق" على هذا "الشَّرحِ"(٥) - محمَّدُ بنُ
الموضع: وأمَّا بعدُ، ولعلَّ وجهَهُ أنَّ أمَّا قد تُورَدُ لتدلَّ على أنَّ ما بعدها غيرُ مرتبطٍ بما قبلها، حتّى إنّه
(١) قسم الحروف - فصل: ((أما)) ٤٧٤/٤ من شرح محمد بن الحسن، رضيّ الدين الأَسْتَرَاباذيّ(ت٦٨٦هـ) على
"الكافية" لأبي عمر عثمان بن عمر، جمال الدين المعروف بابن الحاجب الكردي المالكي(ت٦٤٦هـ)، ("كشف
الظنون" ١٣٧٠/٢، "بغية الوعاة" صـ ٢٤٨، ٣٢٣ -، "شذرات الذهب" ٤٠٥/٧، ٦٩١).
(٢) في "و": ((فقيرُ رحمة ذي اللَّطف)).
(٣) "ط": المقدّمة ١١/١.
(٤) في المقولة رقم: [٣٣٤٧٢] قوله: ((قد نسخ إلخ)).
(٥) المسمى "مفاتح الأسرار ولوائح الأفكار شرح الدر المختار": وهو لعبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد المعروف
بابن عبد الرزاق الدمشقيّ (ت١١٣٨هـ)، وله شرح آخر مختصر سماه "سلك النضار شرح الدر المختار".
("إيضاح المكنون" ٥٢٠/٢، "سلك الدرر" ٢٦٦/٢، "فهرس مخطوطات الظاهرية" - الفقه الحنفي ٤١٦/٢).

الجزء الأول
٤٩
المقدمة
١٠/١
عليٍّ بنِ محمَّدٍ بنِ عليٍّ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمَّدٍ بنِ جمالِ الدِّينِ بنِ حسنِ بنِ زين العابدينَ
الحِصْنِيُّ الأثريُّ، المعروفُ بـ "الحَضْكَفيِّ"، صاحبُ التصانيفِ في الفقه وغيرِهِ، منها هذا
"الشَّرَحُ" و"شرحُ الملتقى"، و"شرحُ المنارِ" في الأصول، و"شرحُ القطر" في النحو، و"مختصرُ
الفتاوى الصوفيّة"، والجمعُ بين "فتاوى ابن نجيمٍ)" جمعِ "التمرتاشيّ" وجمعِ ابن صاحبها، وله
"تعليقةٌ" على "صحيح البخاريّ" تبلغُ نحوَ ثلاثين كُرَّاساً، وعلى "تفسير البيضاويِّ" من سورة
البقرة وسورة الإسراء (١)، وحواشٍ على "الدُّرَرِ"، وغيرُ ذلك من الرَّسائل والتحريرات.
وقد أقرَّ له بالفَضْل والنَّحقيق مشائُهُ وأهلُ عصره، حتَّى قال شيخُهُ الشيخُ "خيرُ الدين"
الرمليُّ في إجازته له: ((وقد بدأني بلطائفِ أسئلةٍ وقفْتُ بها على كمال روايته وسَعةٍ ملكته،
فأجبتُهُ غيرَ مُوسِّعٍ عليه، فكرَّر عليَّ ما هو أعلى فزدتُهُ فولدَه فرآَيْتُ جوادَ رِهانه في غاية المَكِنَة
والسَّبْق، فبعَّدْتُ له الغايةَ فأتله مستريحاً لا يخفق، ومستبصراً لا يطرق، فلمَّا تبيَّنَ لي أنَّه الرَّجلُ
الذي حُدِّثْتُ عنه وصلتُ به إلى حالةٍ يأخذ منّي وآخُذُ منه ))، إلى أنْ قال في شأنه: [طويل]
تَجِدْ جبلاً في العلمِ غيرَ مُخَلْخَلٍ
فيا مَنْ لهُ شكِّ فدونَكَ فاسألِ
ويَبْرُزُ للميدانِ غيرَ مُزَلِزَلِ
يُبَاري فحولَ الفقِهِ فيما يرونَهُ
ويأتي بِمَا يختارُهُ مِنْ مُفَصَّلٍ
يقشِّرُ عن لُبِّ العلومِ قُشُورَهُ
مِنَ الفهمِ والإدراكِ غيرَ مُحَوِّلٍ
ويَقْوَى على التِّرْجِيحِ فيهِ بثاقبٍ
سُمِّيَ فصلَ الخطاب، والجملتان اللتان بينهما كمالُ الاتّصال لا يُفصَلُ بينهما بالواوِ العاطفةِ، فلها دلالةٌ
ما على انفصالِ ما بعدها عمَّا قبلها في الجملة، فاستُعِيرَتْ لأمَّا الدالَّةِ على الانفصال.
(١) في "ب" و"م": ((من سورة البقرة إلى سورة الإسراء))، وما أثبتناه من "الأصل" و"أ" هو الموافق لما في "خلاصة
الأثر" للمحبِّي ٦٣/٤.

قسم العبادات
٥٠
حاشية ابن عابدين
الحصكفيُّ ابنُ الشيخ علي، الإمامُ.
.. وإنْ رُمْتَ حلَّ الصَّعْبِ في الحالِ ينجلي
وفِكْرٍ إذا ما حاولَ الصَّخْرَ فَلَّهُ(١)
سَبَرْتُ خباياهُ بأفحمٍ مَقْولِ
وما قُلْتُ هذا القولَ إِلاَّ بُعَيْدَ ما
وقال شيخُهُ العلاَّمةُ "محمَّد أفندي المحاسنيُّ" في إجازته له أيضاً: ((وإنَّه ممن نشأ
والفضائلُ تَعِلُّه وتُنهِلُهُ، والرَّغبةُ في العلم تُقَرِّبُ له ما يحاوله من ذلك وتسهّلُهُ، حتى نال من
قِداح الكمال القدَح المُعَلَّى، وفاز بما وشَّح به صدرَ الََّاهة وحلّى، وكان لي على الغوص
على غُرَرِ الفوائد أعظمَ مُعِيْنٍ، فأفاد واستفاد، وفَهِمَ وأجاد )) اهـ.
و ترجَمَه تلميذُهُ خاتمةُ البلغاءِ "المحبيُّ" في "تاريخه(٢)، فقال ما مُلَخَّصُهُ: ((إنَّه كان عالماً
محدِّناً فقيهاً نحويًّاً، كثيرَ الحفظِ والمرويات، طَلْقَ اللِّسان، فصيحَ [١/ق١٠/ب] العبارة، جَيِّدَ
التقرير والتَّحرير، وتُوُفِّيَ عاشرَ شوَّال سنة (١٠٨٨) عن ثلاثٍ وستين سنةً، ودُفِنَ في مقبرة
باب الصغير ))(٣) اهـ.
[٣٩] (قولُهُ: "الحصكفيُّ") كذا يوجدُ في بعض النُّسَخِ، وهو بفتح الحاءِ وسكونِ الصَّاد
المهملتين وفتحِ الكاف، وفي آخره الفاءُ، وياءُ النّسبة إلى حصن كِيْفَى، وهي من ديار
(قولُهُ: والفضائلُ تَعِلُّه وتُنهِله) العَلُّ والعَلَلُ محرَّكةً: الشَّربةُ الثانية، أو الشُّربُ بعد الشُّرب تباعاً،
والنَّهَلُ محرَّكةً: أوَّلُ الشُّرب، "قاموس".
(قولُهُ: إلى حصنٍ كِيفى) حصنُ كِيفى كضِيزى بين آمِدَ وجزيرةٍ "ابن عمر"، "قاموس".
(١) في "ب" و"م": ((قلَّهُ)) بالقاف، وهو تحريفٌ، وفلَّهُ وفلْلَهُ: ثَلَمَهُ، وفَلَّ القومَ: هزّمَهم، "القاموس": مادّة ((قلل)).
(٢) المسمَّى "خلاصة الأثر في تراجم أعيان القرن الحادي عشر": ٦٣/٤، وهو لمحمَّد أمين بن فضل الله بن محب الله
ابن محمد المعروف بالُحِيّ الحَمَويّ الدمشقيّ الحنفيّ(ت١١١١هـ). ("إيضاح المكنون" ٤٣٢/١، "سلك الدرر"
٨٦/٤، "الأعلام" ٤١/٦).
(٣) مقبرةُ باب الصَّغير: هي مقبرةٌ واسعةٌ مشهورةٌ، تقع جنوبي دمشق القديمة قرب الباب الصغير، دُفِنَ فيها عددٌ من
السلف الصالح والعلماء الأجلاء.

الجزء الأول
٥١
المقدمة
بجامعِ بني أميَّةَ،.
بكرٍ(١). قال في "المشترك(٢): ((وحِصْنُ كِيفى على دجلةً(٣) بين جزيرة "ابن عمر"(٤) ومَيَّافارِقِين(٥)،
وكان القياسُ أن ينسِبوا إليه الحصنيَّ، وقد نسبوا إليه أيضاً كذلك، لكنْ إذا نسبوا إلى
اسمين أُضِيفَ أحدُهما إلى الآخر ركَّبوا من مجموع الاسمين اسماً واحداً، ونسبوا إليه كما
فعلوا هنا، وكذلك نسبوا إلى رأسٍ عينٍ (٦) رَسْعَنِيٌّ، وإلى عبدِ الله وعبدِ شمسٍ وعبدِ
الدَّار عبدليٌّ وعبشميٌّ وعبدريٌّ، وكذلك كلُّ ما كان نظيرَ هذا)). ذكره "المحبيُّ" في
"تاريخه"(٧) في ترجمة "إبراهيمَ بنِ المثلاً".
[مطلب]
[ تعريفٌ بالجامع الأمويِّ ]
[٤٠] (قولُهُ: بجامعٍ بني أميَّةَ) متعلّقٌ بالإِمام، والباء بمعنى في، "ط)(٨). وقد بناهُ "الوليدُ بنُ
عبدِ الملكِ" الأمويُّ، نُقِلَ: أَنَّه أنفَقَ عليه ألفَ ألفِ دينار ومائتي ألفِ دينار، وفيه رأسُ يحيى
(١) ديارُ بكرٍ: هي بلادٌ كبيرةٌ واسعةٌ، تُنسَبُ إلى بكر بن وائل بن معد بن عدنان، تقع غرب دجلة إلى بلاد الجبل
المطلِّ على نَصِيْبِين إلى دجلة، ومنه حصنُ كيفا، وآمِد، وميًّا فارقين. ("معجم البلدان" ٥٦١/٢-٥٦٢).
(٢) "المشترك وضعاً والمفترق صقعاً": صـ١٣٦-، لأبي عبد الله، ياقوت بن عبد الله شهاب الدين الرُّوميّ الحَمَويّ
(ت ٦٢٦هـ). ("كشف الظنون" ١٦٩١/٢، "وفيات الأعيان" ١٢٧/٦).
(٣) دِجْلةُ: النهرُ العظيم المشهور الذي يشقُّ بغداد، مخرجُهُ من عينٍ تُسمَّى عينَ دجلةَ على يومين ونصفٍ من آمِد.
("مراصد الاطلاع" ٥١٥/٢).
(٤) جزيرةُ ابن عمر: بلدةٌ فوق الموصل بينهما ثلاثةُ أَيَّامٍ، يحيط بها دجلة إلاّ من ناحيةٍ واحدةٍ، عُمِل لها خندقٌ أُجْرِي
فيه الماءُ فأحاط بها. ("مراصد الاطلاع" ٣٣٣/١).
(٥) ميَّافارِقِين: أشهرُ مدينةٍ بديار بكر، والذي يُعتمد عليه أنّها من أبنية الرُّوم؛ لأنّها من بلادهم. ("معجم البلدان" ٢٧٢/٥).
(٦) رأسُ عَيْن: يقال لها: رأسُ العين، وبه تُعرَفُ، وهي رأسُ عين الخابور، وهي مدينةٌ كبيرةٌ من مدن الجزيرة بين
حرَّان ودُنَيْسَر. ("مراصد الاطلاع" ٥٩٣/٢).
(٧) "خلاصة الأثر": ١٢/١.
(٨) "ط": المقدّمة ١١/١.

قسم العبادات
٥٢
حاشية ابن عابدين
ثم المفتي.
ابنِ زكرياءَ عليهما السلامُ، وفي حائطه القِبليِّ مقامُ هوٍ عليه السلام، ويقال: إنّه أوَّلُ مَن
بَنَى جدرانَهُ الأربعَ. وذكَرَ "القرطبيُّ" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِثِّينِ﴾ [التين-١]: (( أَنَّه
مسجدُ دمشقَ(١)، وكان بستاناً لنبيِّ اللهِ هودٍ التَيْهِ، وأَنَّه كان فيه شجرُ التِّينِ قبل أنْ يبنيّه
"الوليدُ" )) اهـ.
فهو المَعبدُ القديمُ الذي تشرَّفَ بالأنبياء عليهم السلام، وصلَّى فيه الصحابةُ الكرامُ، وقد
صرَّحَ الفقهاء بأنَّ الأفضلَ بعد المساجد الثلاثة ما كان أقدمَ، بل ذكَرَ في كتاب "أخبار
الدُّول"(٢) بالسَّند إلى "سفيان الثوريّ": ((أنَّ الصلاةَ في مسجد دمشقَ بثلاثين ألفَ
صلاةٍ)). وهو - وللهِ الحمدُ - إلى وقتنا هذا معمورٌ بالعبادة، ومجمعٌ للعلم والإفادة، ولا يزالُ
كذلك إن شاء الله تعالى إلى أنْ يهبطَ على منارته الشَّرقية البيضاءِ عيسى بن مريمَ عليه
السلامُ إلى أنْ يرثَ الله الأرضَ ومَنْ عليها من الأنام.
[٤١] (قولُهُ: ثمَّ المفتي إلخ) أفاد أنَّ الإفتاء لم يجتمِعْ له مع الإمامة، وإنَّما تأخّرَ عنها،
"ط "(٣).
وفي "تاريخ المحبيِّ"(٤): (( أَنَّه تولَّى الإفتاء خمسَ سنين، وكان متحرِّياً في أمور الفتوى
غايةَ النَّحرِّي، ولم يُضبَطْ عليه شيءٌ خالَفَ فيه القولَ المصحَّحَ )).
(١) هنا انتهى كلام أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاريّ القُرْطُبيّ المالكيّ(ت٦٧١هـ) في تفسير سورة التين من كتابه
"الجامع لأحكام القرآن" ١١١/٢ معزيًّاً لابن زيدٍ، وقد استقرينا الفهارس العامَّة بدقّةٍ فلم نجد تتمَّة النقل المذكور،
والله أعلم.
(٢) لم نجد النقل المذكور في كتاب "أخبار الدول وآثار الأول" لأبي العباس القرمانيِّ، ولعلَّ المقصود "أخبارُ الدول
وتذكار الأُوّل" لأبي محمد وأبي طاهر الحسن بن عمر، بدر الدين الدمشقيّ الحلبيّ الشافعيّ (ت٧٧٩هـ)، وهو
مخطوط ليس بين أيدينا، ("كشف الظنون" ٢٦/١، "البدر الطالع" ٢٠٥/١).
(٣) "ط": المقدّمة ١١/١.
(٤) "خلاصة الأثر": ٦٣/٤.

الجزء الأول
٥٣
المقدمة
بدمشق المحميَّةِ.
[مطلب]
[ في تسمية دمشقَ ]
[٤٢] (قولُهُ: بدمشقَ) بفتح الميم وقد تكسَرُ: قاعدةُ الشام، سمِّيت ببانيها "دِمْشَاقَ بنِ
كنعان"، "قاموس"(١).
وقيل: بانيها غلامُ "الإسكندر"، واسمُهُ [١/ق١١ / أ] "دمشق" أو "دِمَشْقَش"(٢)، وهي أنزهُ بلادٍ
اللهِ تعالى (٣)، قال "أبو بكر الخُوَارِزْمِيُّ)(٤): ((جَنَّات الدنيا أربعٌ: غوطةُ دمشقَ(٥)، وصُغْدُ سَمَرْقندَ(٦)،
(١) "القاموس": مادَّة ((دمشق)).
(٢) هذا النصُّ بحرفَّته في "أخبار الدُّوَل" للقرمانيِّ صـ٤٤٩-، نقلاً عن "عيون التواريخ".
(٣) وفي سبب تسميتها ومن بناها أقوال، انظر "معجم البلدان" ٥٢٧/٢.
(٤) لعلَّهُ في كتابه " رسم المعمور من البلاد": وهو مخطوط، والخُوَارزميُّ هو أبو بكر محمَّد بن العباس، جمال الدين
الخوارزمي (ت٣٨٣هـ). ("شذرات الذهب" ٤٣٤/٤، "معجم المؤلّفين" ٣٨٠/٣)، وهذا النقل في "وفيات
الأعيان" ٥٥/٤، و"نزهة الأنام" صـ٣٥٧-، و"ثمار القلوب" ٧٥٨/٢، و"معجم الأدباء" ٢١٩/٤، وقال ياقوت
الحمويّ بعد نقله كلام الخوارزمي: ((وقد رأيتها كلَّها وأفضلُها دمشق)). انظر "معجم البلدان" ٥٢٩/٢).
(٥) غوطةُ دمشق: هي الكورةُ التي فيها دمشق، تمتدُّ فيها أنهارٌ تسقي بساتينَها، وهي أنزهُ بلاد الدنيا وأحسنُها منظراً.
("معجم البلدان" ٢٤٨/٢).
(٦) الصُّغْدُ: بالضمِّ ثُمَّ بالسكون وآخرُهُ دالٌ مهملةٌ، وقد يقال بالسِّين مكان الصاد: مدينةٌ عجيبةٌ قصبتُها (عاصمتها)
سمرقند، والصُّغْد: قرىً متّصلةٌ خلالَ الأشجار والبساتين من سمرقند إلى قريب بخارى لا تَبَّنُ القريةُ حتى تأتيَها،
لالتحاف الأشجار بها، وهي من أطيبِ أرض الله. وجعَلَ الإصطخريُّ مساحةَ الصُّغْد ستّةً وثلاثين فرسحاً في ستَّةٍ
وأربعين فرسخاً. والصُّغْدُ في الأصل اسمٌ للوادي والنهر الذي تشرب منه هذه النواحي، وهما صُغْدان: صُغْد
سمرقند وصُغْد بخارى.
سَمَرْقَنْد: بفتح أوَّلِهِ وثانيه وسكون الرَّاء فقافٍ مفتوحةٍ بعدها نونٌ ساكنةٌ: بلدّ معروفٌ مشهورٌ، قيل: إنّه من أبنية
ذي القرنين بما وراء النهر، وهي قصبةُ الصُّغْد مرتفعةٌ عليه، فيها أخبارٌ كثيرةٌ، تقعُ اليومَ في جنوب جمهوريَّة
أوزبكستان. ("معجم البلدن" ٢٧٩/٣، ٤٦٤ وما بعدها بتصرف).

قسم العبادات
٥٤
حاشية ابن عابدين
الحنفيُّ:
وشِعْبُ بِوَّانَ(١)، وجزيرةُ نهر الأُبَّةِ(٢)، وفضلُ غوطة دمشقَ على الثَّلاثة كفضل الثلاثة على
سائر الدنيا )). وناهيك ما وَرَدَ فيها خصوصاً، وفي الشَّام عموماً من الأحاديث والآثار(٣).
[مطلب]
[ النّسبة لـ "أبي حنيفةً" أو بني حنيفةً ]
[٤٣] (قولُهُ: الحنفيُّ) ذكَرَ "العراقيُّ" في آخر "شرح ألفية احديث"(٤): ((أنَّ النّسبة إلى
مذهب "أبي حنيفة" وإلى القبيلة - وهم بنو حنيفة - بلفظٍ واحدٍ، وأنَّ جماعة من أهل
الحديث - منهم أبو الفضلِ "محمدُ بنُ طاهر" المقدسيُّ(٥) - يفرِّقون بينهما بزيادة ياء في النسبة
(١) شِعْبُ بَوَّان: ثلاثةُ مواضع، أشهرُها شعبُ بَوَّن: بأرض فارس بين أرّجان والنَّوبَنْدَجان، وهو أحدُ متنزهات
الدنيا، وشعبُ بَوَّان: وادٍ بين فارس وكرمان، وبوَّان: قريةٌ على باب أصبهان. ("مراصد الاطلاع" ٢٢٨/١).
(٢) في "الأصل" و"أ" و"م": ((الأيلة)) مثناةٍ تحتيَّةٍ، وهو تحريفٌ، والصواب ما أثبتناه بضمِّ الهمزة والموحدة التحتيّة وفتح
اللام: بلدةٌ على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخلُ إلى مدينة البصرة. ("معجم البلدان"
٩٩/١)، وانظر "اللسان": مادَّة ((أبل)).
(٣) مما ورد في فضل الغوطة خصوصاً ما أخرجه أبو داود (٣٢٩٨) كتاب الملاحم - باب في المعقل من الملاحم عن أبي
الدَّرداء ◌َّ أنَّ رسول الله ◌َ ﴿ قال: ((إنَّ فسطاط المسلمين يومَ الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينةٍ يقال لها: دمشق،
من خير مدائن الشام))، وإسناده صحيحٌ، انظر "جامع الأصول" ٣٥١/٩.
ومما ورد في فضل الشام عموماً ما رواه زيد بن ثابت ه قال: قال رسول الله مح له: ((طوبى للشَّام))، قيل: ولِمَ ذلك
يا رسول الله؟ قال: ((إنَّ ملائكة الرَّحمن باسطةٌ أجنحتها عليه))، أخرجه أحمد ١٨٥/٥، والترمذي برقم (٣٩٥٤)
كتاب المناقب - باب فضل الشام واليمن، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وابنُ حبَّان في صحيحه برقم (٧٣٠٤)
كتاب إخباره / عن مناقب الصحابة - باب الحجاز واليمن والشام وفارس وعمان.
(٤) المسمى "التبصرة والتذكرة": بحث المتفق والمفترق ٢١٦/٣، لأبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، زين
الدين المعروف بالحافظ العراقيّ الشافعيّ(ت ٨٠٦ هـ)، ("الضوء اللامع" ١٧١/٤، وقد وَهِمَ صاحبُ "كشف الظنون"
١٥٦/١، ١٢٣٥/٢، فسَمَّى شرحَ العراقي على "ألفَّتْه" "فتحَ المغيث"، وإنما هو شرحُ الحافظ السخاويِّ عليها، ووقَعَ في
هذا الوهم أيضاً صاحبُ "هديَّة العارفين" ٥٦٢/١، و"الأعلام" ٣٤٤/٣، و"معجم المؤلفين" ١٣٠/٢.
(٥) الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المعروف بابن القَيْسَرانيّ المقدسيّ الشَّيْبانيّ(ت٥٠٧هـ). ("وفيات =

الجزء الأول
٥٥
المقدمة
لَمَّا بَيَّضْتُ الجزءَ الأوَّلَ من خزائنِ الأسرار وبدائع.
للمذهب، ويقولون: حنيفيٌّ، وأنَّه قال "ابن الصلاح"(١): لم أجدْ ذلك عن أحدٍ من النحويين إلاّ
عن "أبي بكر بن الأنباريّ" (٢))).
١١/١
[٤٤] (قولُهُ: لَمَّا بَيَّضتُ) الجملةُ إلى آخرِ الكتاب في محلِّ نصبٍ مَقُول القولِ، أو كلُّ جملةٍ من
الكتاب محلُّهَا نصبٌ بناءً على أنَّ جزء المقول له محلٌّ، أو ليس له محلٌّ، وهما قولان، "ط)"(٣).
[٤٥] (قولُهُ: من "خزائن الأسرار) الخزائنُ جمع خزانةٍ، أَلِفُها زائدةٌ، تُقْلَبُ في الجمع همزةٌ كَفَلاَئِد.
في "الألفية":
والمدُّ زِيْدَ ثالثاً في الواحدِ همزاً يُرَى في مثلِ كالقَلائِدِ
فتكتبُ بهمزةٍ لا بياءٍ، بنقطتين من تحتٍ بخلاف نحو معايشَ، فإنَّ الياء في المفرد أصليّةٌ،
فتكتبُ بها، "ابنُ عبدِ الرزَّاق".
(فائدة)
من لطائفِ المفتي "أبي السُّعود"(٤) أَنَّه سُئِلَ عن الخزانة والقَصعة، أيُقرآن بالفتح أو بالكسر؟
فأجاب بقوله: (( لا تَفْتَحِ الخزانةَ ولا تَكْسِرِ القَصْعَةَ)).
[٤٦] (قولُهُ: وبدائعٍ) جمعُ بديعةٍ، من ابتدَعَ الشيءَ: ابتدأَهُ.
= الأعيان" ٢٨٧/٤، "شذرات الذهب" ٣٠/٦).
(١) في كتابه "معرفةُ أنواع علم الحديث": المعروفُ بمقدِّمة ابن الصلاح: النوع الرابع والخمسون: معرفةُ التّفق والمفترق من
الأسماء والأنساب صـ٣٦٤-، وابن الصلاح هو أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى شيخ الإسلام المعروف
بالحافظ ابن الصلاح الشَّهْرَزُوريّ الشافعيّ(ت٦٤٣هـ). ("وفيات الأعيان" ٢٤٣/٣، "شذرات الذهب" ٣٨٣/٧).
(٢) في كتابه "الكافي في النحو" كما صرح به ابن الصلاح، وابن الأنباري هو أبو بكر محمد بن قاسم المعروف بابن
الأنباري البغداديّ (ت٣٢٨هـ). ("إيضاح المكنون" ٢٥٩/٢، "وفيات الأعيان" ٣٤١/٤، "هدية العارفين" ٣٥/٢).
(٣) "ط": المقدَّمة ١١/١.
(٤) هو المولى محمد بن محمد بن مصطفى المعروف بأبي السعود العِمَاديّ(ت٩٨٢هـ)، ("الكواكب السائرة" ٣٥/٣،
"الفوائد البهية" ص ٨١-).

قسم العبادات
٥٦
حاشية ابن عابدين
الأفكارِ في شرح تنوير الأبصارِ وجامع البحار قدَّرَتُه في عشرِ محلِّداتٍ كبارٍ، ......
[٤٧] (قولُهُ: الأفكارِ) جمعُ فِكْرٍ بالكسر، ويفتحُ: إعمالُ النظر في الشيء كالفِكْرة
والفكرى، "قاموس"(١).
والمرادُ: ما ابتدعَهُ بفكره من الأبحاث وحسنِ التركيب والوضع، أو ما ابتدَعَهُ المجتهدُ، واستنبَطَهُ
من الأدلّة الشرعيَّة، وهذا بيانٌ لمعاني أجزاءِ العلم قبل العَلَمَّة، أمَّا بعدها فالمجموعُ اسمٌ للكتاب.
[٤٨] (قولُهُ: في شرحٍ) إنْ كان من جزءِ العَلَم فلا يُبحَثُ عن الظرفية، وإلاَّ فالأَولى حذفُ
((في))؛ لأنَّ "خزائن الأسرار" هو نفس الشَّرح، وظاهرُ الظرفَّة يقتضي المغايرةَ، أفاده "ط))(٢).
أقولُ: وقد تُزاد في، وحَمَلَ عليه بعضُهم قولَهُ تعالى: ﴿وَقَالَ أَرْكَبُواْفِبهَا﴾ [هود - ٤١]،
[١/ق١١/ب] ويمكن أنْ تتعلَّق بمحذوفٍ حالاً، والظرفيَّة فيها مجازيَّةٌ مثل: ﴿وَلَكُمْفِ
اُلْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة - ١٧٩]، ويمكنُ تعلُّقه بمذكورٍ نظراً إلى المعنى الأصليِّ قبل العلميَّة؛
فإنَّ الأعلام - وإنْ كان المرادُ بها اللفظَ - قد يُلاحَظُ معها المعاني الأصليَّةُ بالتبعيّة، ولهذا
نادى بعضُ الكَفَرَة "أبا بكر" رضي الله تعالى عنه بـ "أبي الفَصِيل)"(٣)، أفاده "حسن جلبي"
في "حاشية التلويح" عند قوله الموسوم بـ "التلويح إلى كشف حقائق التنقيح".
[٤٩] (قولُهُ: قدَّرْتُه في عَشرِ مجلداتٍ كِيَارِ) مجلَّدَاتٌ جمع مجلَّد، واسمُ المفعول من غير
العاقل إذا جُمِعَ يُحمَعُ جمعَ تأنيثٍ كمخفوضاتٍ ومرفوعاتٍ ومنصوباتٍ، والمرادُ أجزاء؛ لأنَّ
العادة أنَّ الجزء يوضعُ في جلدٍ على حدَةٍ، "ط "(٤). أي: إِنَّه لَمَّا بَّضَ الجزءَ الأوَّل منه
(قولُهُ: والظرفيَّةُ فيها مجازيَّةٌ) أي: مع إرادة المعنى اللغويِّ للشَّرح أو على التَّجريد.
(١) "القاموس": مادّة ((فكر)).
(٢) "ط": المقدّمة ١٢/١.
(٣) الفصيل: ولدُ الناقة إذا فُصِلَ عن أمِّه، والبَكْر: ولد الناقة، أو الفَتيُّ منها. اهـ، "القاموس": مادَّة ((فصل)) و((بكر)).
(٤) "ط": المقدّمة ١٢/١ باختصار.

الجزء الأول
٥٧
المقدمة
فصرفتُ عنانَ العناية نحو الاختصار، وسَمَّيْتُه بالدُّرِّ المختار في شرح تنوير الأبصار،
قدَّر أنَّ تمام الكتاب على منوالِ ما يَّض منه يبلغُ عشرَ مجلداتٍ كبار، وذكر "المحبِّيُّ))(١)
وغيره: (( أَنَّه وصَلَ في هذا الكتاب إلى باب الوتر)).
والظاهرُ: أَنَّه لم يكملْهُ في المسوّدة أيضاً، وإنَّما أَلَّف منه هذا الجزءَ الذي بَّضَهُ فقط، والله
تعالى أعلم.
[٥٠] (قولُهُ: فصرفتُ عِنان العنايةِ) العِنان بالكسر: ما وُصِلَ بلجام الفرس. والعناية:
القصد. وفي "نهاية الحديث"(٢): ((يقال: عنّيَتُ فلاناً عَنْياً إذا قصدتَه )).
وتشبيهُ العناية بصورة الفرس في الإيصال إلى المطلوب استعارةٌ بالكناية، وإثباتُ العِنان
استعارةٌ تخيليّةٌ، وذِكرُ الصَّرف ترشيحٌ، وفيه الإِيهامُ بكتاب "العناية". اهـ "ابنُ عبد الرزاق".
[٥١] (قولُهُ: نحوَ الاختصارِ) أي: جهةَ اختصارٍ ما في "خزائن الأسرار".
[٥٢] (قولُهُ: وسمَّته بـ "الدُّر المختار") أي: سَمَّيتُ هذا المختصرَ المأخوذَ من الاختصارِ أو
الشَّرحَ المتقدِّمَ في قوله: ((تبيضِ هذا "الشَّرح")). وسَمَّى يتعدَّى إلى مفعولين، الأوَّلُ
بنفسه، والثاني بحرفِ الجرِّ كما هنا، أو بنفسه كما في: سَمَّيْتُ ابني محمَّداً، قال "ابن
حجرٍ"(٣): (( وما اشتُهِرَ من أنَّ أسماء الكتب عَلَمُ جنسٍ، وأسماءَ العلوم عَلَمُ شخصٍ (٤)
نُوقِشَ فيه بأنَّه: إنْ نُظِرَ لتعدُّدِ الشيء بتعدُّد محِّه فكلاهما عَلَمُ جنسٍ، وإنْ نُظِرَ للأنّحاد
العرفيِّ فعلمُ شخصٍ، وأمَّا التفرقةُ فهي تحكُّمْ وترجيحٌ بلا مرجِّحٍ )) اهـ.
(١) "خلاصة الأثر": ٦٣/٤.
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر": مادَّة ((عنا))، لأبي السعادات المبارك بن محمد، مجد الدين المعروف بابن الأثير
الشَّيْبَانِيّ الْجَزَريّ الشافعيّ(ت٦٠٦هـ). ("كشف الظنون" ١٩٨٩/٢، "شذرات الذهب" ٤٢/٧).
(٣) "تحفة المحتاج": كتاب الطهارة ٣٥/١ بتصرف، لأبي العباس أحمد بن محمد، شهاب الدين المعروف بابن حجر
الهَيْتَميّ المصريّ، ثمَّ المكيّ الشافعيّ(ت٩٧٤هـ)، ("النور السافر" ٢٨٧).
(٤) هنا انتهى كلام ابن حجر في "التحفة"، وما تبقى من كلام الطحطاوي.

قسم العبادات
٥٨
حاشية ابن عابدين
الذي فاقَ كتبَ هذا الفنِّ في الضبط والتصحيح والاختصار، ولعمري لقد ........
والدُُّّ: الجَوْهَر، وهو اسمُ جنسٍ يصدُقُ على القليل والكثير، والمختارُ: الذي يُؤْثَرُ على
غيره، أفاده "ط"(١).
(٥٣) (قولُهُ: الذي فاقَ) نعتٌ لـ "تنوير [١/ق١٢ / أ] الأبصار"، لا لـ "الدُّرِّ المختار". اهـ "ح"(٢).
وهذا بناءً على أنَّ قوله: ((في شرحِ "تنوير الأبصار")) متعلِّقٌ بمحذوف حال من "الدُّر
المختار"، ليس جزءً عَلَمٍ، فلا يرِدُ أنَّ جزء العَلَم لا يوصفُ، على أنَّه قد يُنظَرُ فيه إلى ما قبلَ
العلميَّة كما قدَّمناه(٣)، فافهم.
[٥٤] (قولُهُ: هذا الفنِّ) في "القاموس "(٤): ((الفنُّ: الحالُ، والضَرْب من الشيء كالأفنون،
جمعُهُ: أفنانٌ وفنونٌ )) اهـ.
والمرادُ به هنا عِلْمٌ؛ لأنّه نوعٌ من العلوم.
[٥٥] (قولُهُ: في الضَّبطِ) هو الحفظُ بالحزم، "قاموس"(٥). والمرادُ به هنا حسنُ التحرير
ومتانةُ التعبير، فهو مضبوطٌ كالحِمْل المحزوم.
[٥٦] (قولُهُ: والنَّصحيحِ) أي: ذكرِ الأقوالِ المصحَّحةِ إلَّ ما ندَرَ.
[٥٧] (قولُهُ: والاختصارِ) تقدَّمُ(٦) معناه، فهو - مع حُسْنِ الَّحرير والنَّصحيح - خالٍ عن التّطويل.
[٥٨] (قولُهُ: ولَعَمري) قال في "المُغربِ(٧): ((العَمْرُ بالضمِّ والفتح: البقاء، إلاَّ أنَّ الفتح
(١) "ط": المقدَّمة ١٢/١.
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/أ.
(٣) المقولة [٤٨] قوله: ((في شرح)).
(٤) "القاموس": مادَّة ((فنن)).
(٥) "القاموس": مادَّة ((ضبط)).
(٦) المقولة [٢٣] قوله: ((المختصر)).
(٧) "المغرب في ترتيب المعرب": مادَّة ((عمر))، كلاهما لأبي الفتح وأبي المُظَفِّر ناصر الدين بن عبد السيد بن عليٍّ،
برهان الدين المُطَرِّزيّ الْخُوارزميّ الحنفيّ(ت٠ ٦١هـ). ("كشف الظنون" ١٧٤٧/٢، "وفيات الأعيان" ٣٦٩/٥، =

الجزء الأول
٥٩
المقدمة
غلب في القَسَم، حتَّى لا يجوزُ فيه الضمُّ، يقال: لعَمْرُك ولعَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، وارتفاعُهُ على
الابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ)) اهـ. أي: قَسَمي أو يميني.
والواوُ فيه للاستئناف، واللامُ للابتداء، قال في "القاموس"(١): ((وإذا سقَطَ اللامُ نُصِبَ
انتصابَ المصادر، وجاء في الحديث النهيُ عن قولِ: لَعَمْرُ اللهِ (٢))) اهـ.
(قولُهُ: وجاءَ في الحديث النهيُ عن قولِ: لعَمْرُ الله) يُنظَرُ هذا مع ما ذكروه في كتاب الأيمان من عدِّهم
= "الفوائد البهية" صـ ٢١٨-).
(١) "القاموس": مادَّة ((عمر)) بتصرف.
(٢) لم نجد في الحديث النهي عن قول المرء: ((لعمرُ الله))، بل وجدنا خلافه، فقد ورد الحلفُ بها على لسان النبي ◌ِ *
وأصحابه، أخرج أحمد ١٣/٤ -١٤ عن لقيط بن عامر مرفوعاً في خطبة للنبي { ﴿ وفيها: ((تلبثون ما لبثتم ثُمَّ تُبعَثُ
الصائحة، لعمرُ إلهك ما تدعُ على ظهرها من شيءٍ إلاّ مات))، والبخاري (٦٦٦٢) كتاب الأيمان والنذور - باب
قول الرجل: لعمرُ الله، في حديث الإفك حين قام النبي ﴿ فاستعذَرَ من عبد الله بن أبيّ، فقام أُسيدُ بن حُضَير
فقال لسعد بن عبادة: لعمرُ الله لنقتلنّه. وقد بوَّبَ البخاريُّ له بقوله: بابُ قول الرجل: لعمرُ الله، فيكونُ البخاري
قد استشهَدَ بهذا الحديث على جوازه، والله أعلم.
وورد الحلفُ بها على لسان عددٍ من الصحابة كسيِّدنا عمر، وحديثُهُ في "موطَّأ مالكٍ" رقم (١٩) كتاب الحجِّ - باب ما
جاء في الطيب في الحجِّ، وكسيِّدنا أبي هريرة، وحديثُهُ في "الموطأ" كتاب الجنائز - باب ما يقولُ المصلّي على الجنازة.
وأمَّا ((لعمري)) فقد ورد أيضاً الحلفُ بها عن رسول الله ﴿، أخرج أبو داود (٣٤٢٠) عن خارجةً بن الصَّلت عن
عمر مرفوعاً: ((كُلْ فلعمري لَمَن أكلَ برقية باطلٍ لقد أكلت برقية حقٍ))، وأخرج أحمد ٢٢٥/٥ عن ليلى امرأةٍ
بشير بن الخصاصية مرفوعاً: ((فلعمري لأنْ تَكُلُّمَ بمعروفٍ وتنهى عن منكر خيرٌ من أن تسكتَ)).
أمَّا النهي عن قول: ((لعمري)) فلم نجده مرفوعاً صريحاً، ولكن أخرج ابن جريرٍ في "تفسيره" ٣١/١٤ سورة الحجر
قولُهُ تعالى: ﴿لَعَمِّرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عن إبراهيمَ النخعيِّ قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجلُ:
لعمري، يرونه كقوله: ((وحياتي))، وأخرج ابن أبي شيبةً في "المصنّف" ٢٢/٤ كتاب الأيمان والنذور - بابٌ في
الرجل يقول: لعمري عليه شيء، عن كعبٍ قال: ((إِنَّكم تُشرِكون، قالوا: وكيف يا أبا إسحاق؟ قال: يقول
أحدكم: لا لعمري، وحياتك، ولا وحياتك)).

قسم العبادات
٦٠
حاشية ابن عابدين
قال "الحموي" في "حاشية الأشباه"(١): ((فعلى هذا ما كان ينبغي لـ "المصنّف" أنْ يأتيَ
بهذا القسمِ الجاهليِّ المنهيِّ عنه )) اهـ.
وفي "شرح النقاية" لـ "القُهُستانيِّ" (٢): ((لا يجوزُ أنْ يُحلَفَ بغير الله تعالى ويقالَ: لعمرُ
فلان، وإذا حلَفَ ليس له أنْ يَرَّ، بل يجبُ أنْ يحنث، فإنَّ البرَّ فيه كفرٌ عند بعضهم كما
ـ" (٣).
في "كفاية الشعبيّ"(٣))) اهـ.
أقولُ: لكنْ قال فاضلُ الرُّومِ "حسن جلبي" في "حاشية المطوَّل)(٤): ((قولُهُ: لَعَمْري
١٢/١ يمكنُ أنْ يُحمَلَ على حذف المضاف، أي: لَواهبُ عَمْري، وكذا أمثالُهُ مما أُقْسِمَ فيه بغيرِ
الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ [الشمس - ١]، ﴿وَلَيْلِ﴾ [الشمس -٤]، ﴿وَالْقَمَرِ﴾
[ الشمس- ٢] ونظائرِهِ، أي: ورَبِّ الشمس إلخ. ويمكن أن يكونَ المرادُ بقولهم: لعمري
من صيغِ القسم لعَمْرُ الله، ثمَّ ظهَرَ أَنَّه لا يلزمُ من عدِّهمُ المذكورَ نفيُ الكراهة، بل هو من صيغِ القسم
معها، وقد ذكَرَ "عاصم أفندي" في ترجمةِ "القاموس" وجهَها: ((بأنَّ العَمْر يُعبَّرُ به أيضاً عن مدَّةِ عِمارة
الرُّوح مع البدن، ولأجلِ هذا إضافته لجانبِ الألوهية غيرُ مناسبةٍ )) اهـ بالمعنى.
(قولُهُ: لكنْ قال "فاضلُ الرُّوم" إلخ) ما قالَهُ مخالفٌ لِما ذكروه في الأيمان من كراهةِ الحِلِفِ بغيره
تعالى لا على وجهِ الوثيقة كقولهم: بأبيك، ولعمرُك، وهو مَحمَلُ الحديثِ الدالِّ على النهي، بخلاف ما
كان على وجهِ الوثيقة كالحلف بالطلاق، أي: استيثاق الخصم بصدق الحالف لا سيَّما في زماننا، إلى
آخرِ ما ذكروه، فانظره.
(١) "غمز عيون البصائر": ٤٥/١.
(٢) "جامع الرموز وحواشي البحرين": كتاب الأيمان ٣٨٠/١، وتقدمت ترجمته صـ٤١ -.
(٣) "كفاية الشَّعْبي": في الفقه والعبادات والمواعظ، للقاضي أبي جعفر محمود بن عمر الشَّعْبِيِّ الحنفيّ. ("إيضاح
المكنون" ٣٧٢/٢)، ولم تُذكر سنةُ وفاته.
(٤) "حاشية حسن حلبي على المطوَّل": صـ٣٦ -.

الجزء الأول
٦١
المقدمة
أضحَتْ.
وأمثالِهِ ذِكرَ صورةٍ القسم لتأكيد مضمون الكلام وترويجه فقط؛ لأنّه أقوى من سائر المؤكِّدات،
وأسلمُ من التأكيد بالقسم بالله تعالى لوجوب البِرِّ به، وليس الغرضُ اليمينَ الشرعيَّ وتشبيهَ غيرِ
اللَّهِ تعالى به في التعظيم حتى يَرِدَ عليه أنَّ الحلف بغير اسمه تعالى وصفاته عزَّ وجلَّ مكروهٌ كما
صرَّح به "النوويُّ" في "شرح مسلم)(١)، بل الظاهرُ من كلام مشايخنا أنَّه كفرٌ إِنْ كان باعتقادٍ(٢)
أَنَّه حِلِفٌ يجب البِرُّ به، وحرامٌ إنْ كان بدونه كما صرَّح به بعض الفضلاء، [١/ق١٢/ب] وذكرُ
صورةِ القسم على الوجهِ المذكور لا بأس به، ولهذا شاع بين العلماء، كيف وقد قال عليه الصلاة
والسلام: ((قد أفلحَ وأبيهِ) (٣)، وقال عزَّ من قائلٍ: ﴿لَعَمُكَ إِنَّهُمْ لَّفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟!
[الحجر - ٧٣] فهذا حَرْيٌّ على رَسْم اللغة، وكذا إطلاقُ القَسَمِ على أمثاله)) اهـ.
[٥٩] (قولُهُ: أَضْحَتْ) أي: صارت، وتستعملُ أضحى بمعنى صار كثيراً كما ذكره
"الأشموني
ـ(٤)
(١) "شرح صحيح مسلم": كتاب الأيمان ١٠٧/١١.
(٢) في "م":((باعتقاده)).
(٣) أخرجه مالكٌ (٩٤) كتاب قصر الصلاة في السفر - باب جامع الترغيب في الصلاة، وأحمد بنحوه ١٦٢/١،
والبخاري (٤٦) كتاب الأيمان - باب الزّكاة من الإسلام، و(١٨٩١) كتاب الصوم - باب وجوبِ صوم رمضان،
و(٢٦٧٨) كتاب الشهادات - باب كيف يستحلف، و(٦٩٥٦) كتاب الحيل - باب في الزَّكاة وأنْ لا يُفرَّقَ بين
مجتمعٍ ولا يُجمَعَ بين متفرِّقٍ خشيةَ الصدقة، ومسلم (١١)(٨)(٩) كتاب الأيمان - باب بيان الصلوات التي هي
أحد أركان الإسلام، وأبو داود (٣٩١) و(٣٩٢) كتاب الصلاة - باب فرض الصلاة، و(٣٢٥٢) كتاب الأيمان
والنذور - باب في كراهية الحلف بالآباء، والنسائي ٢٢٦/١ كتاب الصلاة - بابُ كم فَرِضَتْ في اليوم والليلة، و
١٢١/٤ كتاب الصيام - باب وجوب الصيام، والدارمي (١٥٤١) كتاب الصلاة - باب في الوتر، كلُّهم من حديثٍ
طلحة بن عبيد الله عُه في حديث الأعرابيِّ الذي سأل عن أركان الإسلام، جاء في آخره: ((أَفَلَحَ وأبيه إنْ صدَقَ))،
وفي الباب عن أنس بن مالك ظُ.
(٤) في "شرحه" على "ألفيَّة ابن مالك" باب كان وأخواتها ٢٣٠/١. والأُشْمُونيّ هو أبو الحسن عليُّ بن محمد بن
عيسى، نور الدين الأُشْمُونيّ الشافعيّ(ت نحو ٩٠٠هـ). ("الضوء اللامع" ٥/٦، "الكواكب السائرة" ٢٨٤/١).

قسم العبادات
٦٢
حاشية ابن عابدين
روضةُ هذا العلم به مفتَّحةَ الأزهار، مسلسلةَ الأنهار، مِنْ عجائبه ثمراتُ التحقيق تُختار،
[٢٠] (قولُهُ: روضةُ هذا العلمِ) الروضةُ من العشب مستنقعُ الماء لاستراضةِ الماء فيها، وهذا
معناها في أصل الوضع، ولذا قال بعض العلماء: الرَّوضةُ أرضٌ ذات مياهٍ وأشجارٍ وأزهار.
شبَّهَ الفقهَ ببستان على سبيل الاستعارة بالكناية، وإثباتُ الروضة تخييلٌ، وما بعده ترشيحٌ
المكنيّة أو للتخييليّة باقياً على معناه مقصوداً به تقويةُ الاستعارة، ويجوز أنْ يكون مستعاراً
لملائِمِ المشبّهِ كما قُرِّرُ في محلّه(١)، بأنْ تُشبَّهَ المسائلُ بالأزهار والأنهار على سبيل الاستعارة
المكنيّة أيضاً، وإثباتُ التفتيح والتسلسل تخييلٌ.
[٢١] (قولُهُ: مُفْتَّحَةَ الأزهارِ) أصلُهُ: مفتحةً الأزهارُ منها، أو أزهارُها على جعل أل عوضاً
عن المضاف إليه، والأزهارُ مرفوعٌ بالنيابة عن الفاعل، فحُوِّلَ الإسنادُ إلى ضمير الموصوف،
ثُمَّ أضيفَ اسمُ المفعولِ إلى مرفوعه معنىٍّ، فهو حينئذٍ جارٍ مَجرى الصفة المشبَّهة، فافهم.
[٦٢) (قولُهُ: مُسَلسلةَ الأنهارِ) الكلامُ فيه كالذي قبلَهُ، وفي "القاموس"(٢): ((تسلسَلَ الماءُ:
حَرَی فی حُدُور)).
(٦٣) (قولُهُ: من عجائبِهِ) جمعُ عجيبٍ، والاسمُ العجيبة والأُعجُوبةُ، "قاموس"(٣). والمرادُ
بها مسائلُهُ المعجبةُ، و((مِن)) صلةٌ لقوله: ((ُختَارُ)). و((ثمراتُ)) مبتدأٌ، و((التحقيقٍ)) مضافٌ
إليه، ويطلقُ على ذِكرِ الشيء على الوجهِ الحقِّ، وعلى إثبات الشيءٍ بدليله، وجملةُ (تُخْتارُ))
خبرُ المبتدأ. وفي الكلام استعارةٌ مكنيَّةٌ، حيث شبََّ التحقيقَ بشجرةٍ، وإثباتُ الثمرات لها تخييلٌ.
(قولُهُ: فحُوِّلَ الإسنادُ إلى ضميرِ الموصوف إلخ) أي: فيكونُ الكلام من بابِ الحذف والإِيصال، ولا
حاجةَ إليه، بل يكفي لصحَّةِ التوصيف تقديرُ الضميرِ، أو جعلُ أل عوضاً عنه.
(١) المقولة [١٢] قوله: ((من أشعة)).
(٢) "القاموس": مادّة ((سلسل)).
(٣) "القاموس": مادَّة ((عجب)) بتصرف.

الجزء الأول
٦٣
المقدمة
ومِنْ غرائبه ذخائرُ تدقيقٍ تحيِّرُ الأفكار، لشيخ شيخنا شيخ الإسلام
ولا يخفى أنَّ مسائل هذا الكتابِ مذكورةٌ على الوجهِ الحقِّ، وثابتةٌ بدلائلها عند المجتهد، ولا
يلزم من إثباتِ الشيء بدليله أنْ يُكتبَ دليلُهُ معه حتى يَرِدَ أَنَّه لم يذكُر في المتن الأدَّةَ، وكذا لا
يلزمُ من كونِ مسائِلِهِ مذكورةً على الوجهِ الحقِّ أن يكون غيرُهُ من المتون ليس كذلك، فافهم.
ويجوزُ أنْ يراد بالثمرة الفائدةُ والنتيجة، والمعنى: أنَّ ما يستفادُ بالتحقيق ويُستنتَجُ به من
الأحكام الشرعيَّة يُختار من مسائله المعجبةِ.
[٦٤) (قولُهُ: ومن غرائبهِ) جمعُ غريبةٍ، [١/ق١٣ / أ] أي: مسائلهِ الغريبةِ العزيزةِ الوجودِ التي
زادها على المتون المتداوَلة، فهي كالرَّجُل الغريب، أو المرادُ تراكيبُه وإشاراته الفائقةُ على غيرها
حتَّی صارت غريبةً في بابها.
والذخائرُ جمعُ ذخيرةٍ بمعنى مذخورٍ: ما يُذْخَرُ، أي: يختار ويحفظ. والتدقيقُ: إثباتُ المسألة
بدليلٍ دَقَّ طريقُه لناظرِيه كما في "تعريفات السيد"(١)، وقيل: إثباتُ دليلِ المسألة بدليلٍ آخرَ.
وجملةُ (ُحيِّرُ الأفكارَ)) صفةُ ((ذخائرٌ)) الواقعِ مبتدأ مؤخراً مخبراً عنه بالظرف قبله، ولَمَّا
كان التدقيق مأخوذً من الدقّةِ - وهي الغموضُ والخفاء - ذكَرَ معه الذخائرَ التي تُحفَظُ عادةً
وتخبأ، وذكَرَ معه أيضاً تحُّرَ الأفكار، وهو عدمُ اهتدائها، والمرادُ بها أصحابها بخلاف التحقيق،
فإِنَّه لا يلزمُ أنْ يكون فيه دقّةٌ، والحقُّ ظاهرٌ لا يخفى، فلذا ذكَرَ معه الثمراتِ التي تظهرُ عادةً.
(٦٥) (قولُهُ: لشيخِ شيخِنا) متعلِّقٌ بمحذوفِ نعتٍ لـ "تنوير الأبصار" أو حالٍ منه، أي:
الكائنِ أو كائناً. اهـ "ح"(٢).
[٦٦) (قولُهُ: شيخِ الإسلامِ) أي: شيخِ أهل الإسلام، وهذا الوصفُ غلب على مَنْ كان في منصبٍ
الإفتاء أو القضاء.
(١) "التعريفات": صـ٤٧ -.
(٢) "ح": المقدّمة ق ٢/أ وما بعدها.

قسم العبادات
٦٤
حاشية ابن عابدين
"محمَّدٍ بن عبد الله"
[مطلبٌ]
[ترجمة " التمرتاشيٍّ" الماتن]
[٦٧) (قولُهُ: "محمَّدِ بنِ عبد الله") بنِ أحمدَ الخطيبِ بن محمَّد الخطيب بن إبراهيمَ
"(١)
الخطيب. اهـ "منح.
ورأيتُ في رسالةٍ لحفيد "المصنّف"(٢) - وهو الشيخ "محمَّد" بن الشيخ صالح ابن
"المصنّف" - زادَ بعد "إبراهيم" المذكورِ: (("بنِ خليل بن تمرتاشي" )).
قال "المحبيُّ) (٣): ((كان إماماً كبيراً حسنَ السَّمْت، قويَّ الحافظة، كثيرَ الاطلاع،
وبالجملة فلم يبقَ مَنْ يساويه في الرُّتبة.
[مطلبٌ]
[تصانيفُ التمرتاشيِّ]
وقد أَلَّفَ التََّليفَ العجيبة المتقَنَة، منها "التنويرُ"، وهو في الفقهِ، جليلُ المقدار، جمُّ الفائدة،
دقّقَ في المسائل كلَّ التدقيق، ورُزِقَ فيه السعدَ، فاشتهر في الآفاق، وهو من أنفعٍ كتبه، وشرَحَهُ
هو، واعتنى بشرحِهِ جماعةٌ، منهم: العلاَّمة "الحصكفيُّ" مفتي الشام، و"المئلا حسين بن إسكندر"
الروميُّ نزيلُ دمشقَ، والشيخ "عبد الرزَّاق" مدرِّس الناصريَّةِ(٤)، وكَتَبَ عليه شيخُ الإسلام "محمَّد
(١) في "ب" و"م": (("ح"))، والمسألة ليست فيه، وما أثبتناه من "الأصل" و"أ" هو الصواب، انظر "المنح": ١/ق ١/أ،
ومثلُهُ في "ط": المقدّمة ١٣/١.
(٢) له رسالة بعنوان "ضوء الإنسان في تفضيل الإنسان"، وله "فيض المستفيض في مسائل التفويض" في فقه الحنفية.
(وانظر ترجمته في "خلاصة الأثر" ٤٧٥/٣، و"الأعلام" ١٦٣/٦).
(٣) "خلاصة الأثر": ١٩/٤ ملخصاً.
(٤) مدرسةُ الناصريَّة: تقعُ داخل باب الفراديس شمالي الجامع الأمويِّ، غربي المدرسة البدرانيَّة بشمال شرقي القيمريَّة
الصغرى، وقد صارت الآن دُوراً للسُّكنى، أنشأها الملكُ الناصر يوسفُ بن السلطان صلاح الدين بن يوسف. وفي
دمشقَ دارُ الحديث الناصريَّة بمحلّة الفواخير بسفح قاسيون التي أنشأها الملكُ الناصر أيضاً. اهـ. ("منادمة الأطلال =