النص المفهرس
صفحات 21-40
الجزء الأول
٥
المقدمة
الإيرادات الواهيةِ من أرباب الحواشي، والانتصارَ لهذا "الشارح" المحقّقِ بالحقِّ ورفعَ الغواشي،
مع عزوِ كلِّ فرعٍ إلى أصله، وكلِّ شيءٍ إلى مَحَلِّهِ حتى الحججِ والدلائلِ وتعليلات المسائل.
وما كان من مُبتكَراتِ فكرِي الفاتر، ومواقعٍ نظري القاصرِ أُشِيرُ إليه، وأُنَبِّهُ عليه، وبذلْتُ
الجُهْدَ في بيان ما هو الأقوى، وما عليه الفتوى، وبيانِ الرَّاجح من المرجوح مما أُطلِقَ في
الفتاوى أو الشروح، مُعتمِداً في ذلك على ما حرَّرَهُ الأئمَّةُ الأعلامُ من المتأخّرين العِظَامِ،
كالإِمامِ "ابنِ الهمَام"، وتلميذيه العلامةِ "قاسمٍ" و"ابنِ أمير حاجٌ"، و"المصَنِّفِ" و"الرَّمْلِيِّ"
و "ابنَي نُحَيْمٍ"، و "ابنِ الشِّلْبِي" والشيخِ "إسماعيلَ الحائكِ"، و"الحانوتيِّ السراجِ" وغيرِهم
ثَمّنْ لازَمَ عِلمَ الفتوى من أهل التقوى، فدُونَكَ حواشيَ هي الفريدةُ في بابها، الفائقةُ على
أترابها، الُسفِرةُ عن نِقابِها لطُلاَّبِها وخُطَّابِها، قد أرشدَتْ مَن اختارَ من الطَّلاب، في فهم
معاني هذا الكتاب، فلهذا سمَّيتها:
"ردَّ الْمُحْتَارِ على الدُّرِّ الْمُخْتَارِ"
وإنّي أَقولُ: ماشاء الله كان، وليس الخُبْرُ كالعِيَان، فسيحمَدُهَا مُعَانِيها بعد الخوض في مَعَانيها.
شعر: [طويل]
رقاقَ الحواشي مثلَ دمعِ الْتَيَّمِ
جمعْتُ بتوفيق الإِلهِ مَسَائِلاً
جحودُ حَسُودٍ وَهْوَ عن نورِها عَمِي
وما ضَرَّ شمساً أشرقَتْ في عُلُوِّها
وإنّي أسأله تعالى متوسِّلاً إليه بنبيِّه المكرَّمِ ﴿، وبأهل طاعته من كلِّ ذي مقامٍ عليّ
مُعَظِّمٍ، وبقدوتنا "الإمامِ الأعظمِ" أنْ يُسَهِّلَ عليَّ ذلك من إنعامه، ويُعيني على إكماله
على غوامضِها وأسرارِها، وكشَفَ عنها حُجُبَ الخفاء حتَّى أضاءت لديه بأنوارها علَّق عليها تقريراً هو
غايةُ غاياتها ومفتاحُ مُغلَقاتها، أَنفَقَ فيه شطْرَ العمر بين مراجعةٍ وتنقيبٍ، وإيضاحٍ وتقريبٍ، ونظرٍ
قسم العبادات
٦
حاشية ابن عابدين
وإتمامه، وأن يعفوَ عن زَلَلي، ويتقبَّلَ منّي عملي، ويجعلَ ذلك خالصاً لوجهه الكريم، موجباً
للفوز لديه في حِنَّات النَّعيم، وينفعَ به العبادَ في عامَّة البلاد، وأن يَسلُكَ بي سبيلَ الرَّشاد،
ويُلهِمَنِي الصَّوابَ والسَّداد، ويسترَ عثَراتي، ويَسمح عن هفَواتي، فإِنِّي مُنطَفِّلٌ على ذلك،
لستُ من قُرسان تلك المسالك، ولكنّي(١) أستمدُّ من طَوْلِه، وأستعِدُّ بقوَّتِه [١/ق٢/ أ]
وحوله، وما توفيقي إلاَّ بالله، عليه توكِّلتُ وإليه أُنيبُ.
[مطلب]
[ إجازةُ الشَّيْخِ "سعيد الحلبيِّ" لـ "ابن عابدينَ" بكتاب "الدُّرِّ"، والسَّنَدُ بينه وبين "الشارح" ]
هذا، وإِنِّي قد قرأتُ هذا الكتابَ العَذبَ المستَطابَ على ناسكِ زمانه وفقيهِ أوانه، مفيدٍ
الطالبين ومربِّي المريدين، سيِّدي الشيخِ "سعيد الحلبيِّ" المَوْلِد، الدِّمشقيِّ المَحْتِد(٢)، ثم قرأته
عليه ثانياً مع حاشيته للشيخ "إبراهيم الحلبي" إلى كتاب الإجارة عند قراءتي عليه "البحر
الرائقَ" قراءةَ إتقانٍ بتأمُّلٍ وإمعانٍ، واقتبستُ من مِشكاة فوائِدِهِ، وتَحلَّيتُ من عُقود فرائده،
وانتفعتُ بأنفاسه الطَّاهرة وأخلاقِه الفاخرة، وأجازَني(٣) بروايته عنه وبسائر مرويَّاته، أمتَعَ
اللَّهُ تعالى المسلمين بطُولٍ حياته، بحقِّ روايته له عن شيخنا العلامة المرحوم السيد "محمد
وتحريرٍ، وبحثٍ وتقريرِ، ولَمَّا رأيتُ منه هذه العنايةَ استأذنتُهُ - رحمه الله تعالى - في تجريدِهِ من هوامش
نسخته "ردِّ المحتار" فأذِنَ لي، وقابلتُهُ معه بعدَ تجريده، فكان بعدَ ذلك عنده في موضعٍ حاجةِ النفس
لم يَزَلْ يتعهَّدُه بالنظر والتنقيح حتَّى كان آخرُ عهدِهِ به اليومَ الآخرَ من شهر شعبان سنة ١٣٢٣ قبل
وفاته ببضعةِ أيَّام، وقد فرَغْ يومئذٍ من إعادة النظر فيه، وسَمَّاه "التحريرَ المختار"، وهو إلهامٌ منه تعالى.
(١) في "أ": ((ولكن)).
(٢) المحتد: الأصل، اهـ. "قاموس": مادة((حتد)).
(٣) في "الأصل" و"أ" و"ب": ((وأجاز لي بروايته))، وما أثبتناه من "م" هو الموافق للاستعمال اللغوي.
الجزء الأول
٧
المقدمة
شاكر العقاد" السالميِّ العمريِّ، عن فقيهِ زمانه "مُنْلا علي التركماني" أمين الفتوى بدمشقَ الشَّامِ،
عن الشَّيخِ الصَّالح العلاَّمةِ "عبدِ الرَّحمن المحلّد"، عن مؤلّفه عمدةِ المتأخرين الشيخِ "علاء الدِّين".
[مطلب]
[ سندُ "ابن عابدين" إلى "أبي حنيفة" فرسولِ الله ◌ِ]
وأرويه أيضاً عن شيخنا "السيد شاكر" بقراءتي عليه لبعضه، وهو يروي الفقه النعمانيّ
عن مُحَشِّي هذا الكتابِ العلامةِ الشيخِ "مصطفى الرحمتيِّ" الأنصاريِّ و"مُنْلا علي
التركماني"، عن فقيهِ الشَّام ومُحَدِّثِها الشيخِ "صالح الجينينيّ"، عن والده العلاّمة الشيخ
"إبراهيم" جامعِ "الفتاوى الخيريَّة"، عن شيخ الفُتيا العلاَّمة " خيرِ الدِّينِ الرَّمليّ"، عن شمس
الدين "محمد الحانوتيِّ"، عن العلامة "أحمدَ بنِ يونس" الشهيرِ بـ "ابن الشِّلْبِي" بكسرٍ فسكونٍ
وتقديمِ اللام على الباء الموحَّدة.
ويرويه شيخُنا "السيدُ شاكرٌ" عن مُحشِّي هذا الكتابِ العلامةِ النّحرير الشيخِ "إبراهيمَ الحلبيِّ
الَداريّ"، وعن فقيهِ العصر الشيخِ "إبراهيمَ الغَزِّيِّ السَّايحانيِّ" أمينِ الفتوى بدمشقَ الشَّام، كلاهما
عن العلاّمة الشَّيخِ "سليمانَ المنصوريِّ"، عن الشَّيخ "عبدِ الحَيِّ الشرنبلالي"، عن فقيهِ النَّفْس الشيخ
"حسن الشرنبلالي" ذي التأليفِ الشهيرة، عن الشيخ "محمد المحِّيّ"، عن "ابن الشِّلْبِي".
وأروي بالإجازة عن الأخوين المعمَّرين الشّيخِ "عبد القادرِ" والشيخِ "إبراهيم" حفيدَيّ
سيِّدي "عبدِ الغنيِّ النَّابُلُسيِّ" شارحِ "المحِّيةِ" وغيرِها، عن جدِّمما المذكور، عن والده
الشيخِ "إسماعيل" شارحِ "الدُرَرِ والغُرَرِ"، عن الشيخ "أحمدَ الشَّوْبَري"، عن مشايخ
٣
ولم يَشَأْ - رحمه الله - أن يُخرِجَ تقريرَهُ للناس في حياته مع شدَّةِ الحاجةِ إليه وتوارُدِ الطلّب عليه
تواضعاً منه في جانبِ الله، وحرصاً على فائدةٍ يُجِدُها فيزيدُ بها تلك الفرائد، وهذا غايةُ البِرِّ بالناس
فيما اؤْتُمِنَ عليه من العلم، وقد رأيتُ من واجبِ حقّه عليَّ أن أُظهِرَ هذه الثَّمرةَ بعد أنْ حان قِطافُها،
قسم العبادات
٨
حاشية ابن عابدين
الإسلام الشيخ "عمرَ بنِ نُحَيْمِ" صاحبِ "النَّهر" و"الشَّمس الحانوتيِّ" صاحبِ [١/ق٢/ب]
"الفتاوى" المشهورةِ، والنّورِ "علىٍّ المقدسيِّ" شارحِ "نظم الكنز"، عن "ابن الشِّلْبِي".
وأروي بالإجازة أيضاً عن المحقّق "هبةِ الله البَعْليِّ" شارحِ "الأشباه والنظائر"، عن الشيخ
"صالح الجينينيّ"، عن الشيخ "محمدِ بنِ عليٍّ المكتبيِّ)(١)، عن الشيخ "عبدِ الغفَّار" مفتي
القدس، عن الشيخ "محمدِ بنِ عبد الله الغَزِّيِّ" صاحبِ "التنوير" و"المِنَح"، عن العلاّمة الشيخ
"زَيْنِ بنِ تَجِيمٍ" صاحب "البحر"، عن العلاّمة "ابن الشِّلْبي" صاحب "الفتاوى" المشهورةِ
وشارحِ "الكنز"، عن السَّرِيِّ "عبدِ البَرِّ بنِ الشِّحنةِ" شارحِ "الوهبانيَّة"،
[مطلب]
[ المحقّقُ حيث أُطلِقَ هو "الكمالُ بن الهمام" ]
عن المحقّقِ حيث أُطلِقَ الشيخِ "كمالِ الدينِ بن الهمامِ " صاحبِ "فتح القدير"، عن السِّراج
"عمر" الشهيرِ بـ "قارئ الهداية" صاحبِ "الفتاوى" المشهورة، عن "علاءِ الدِّينِ السِّيراميّ"،
عن السيد "جلال الدِّين" شارح "الهداية"، عن "عبد العزيز البخاريِ" صاحبِ "الكشف
وعذُب ارتشافُها، وأنا أرجو أنْ أكون قد أدَّيتُ الأمانةَ إلى أهلِها من العلماء، وقمتُ ببعضِ ما يجبُ
على أضعفِ الأبناء لأبرِّ الآباء، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكَّلتُ وإليه أنيب.
وكان من يُمْنِ طالعِهِ لُطالعه أنْ سطَعَ نوره واستتمَّ ظهورُهُ في عهدٍ مَن أينَعَتْ رياض العلم في عصره،
وافتخرتْ به أبناءُ مصره، السَّاهرِ على ترقّي العلم وذويه والفضلِ وبنيه، المحفوظِ بالسبع المثاني، أفندينا
الأفخمِ "عُبَّاس باشا حلمي الثاني"، أَيَّدَ الله شوكتَهُ، وأعلى كلمتَهُ، وحَفِظَ أنْجَلَهُ الكرامَ ووليَّ عهده
الهُمام، ووفّق رجالَ حكومتِهِ لإِنفاذ كلمتِهِ ما أشرَقَ بدرُ العرفان، وتتابع المَلَوان، آمين.
قال المؤلّفُ رحمه الله تعالى:
(١) في "الأصل" و"ب" و"م": ((الكتبي))، وما أثبتناه من "أ" هو المذكور في ترجمته، وانظر "خلاصة الأثر" ٧٣/٤.
الجزء الأول
٩
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
والتحقيق"، عن الأستاذ "حافظِ الدينِ النسفيِّ" صاحبِ "الكنز"، عن شمس الأئمّة
"الكَرْدَرِيِّ"، عن برهان الدِّين "عليِّ المرغينانيِّ" صاحبِ "الهداية"، عن فخر الإسلامِ
"البَزْدَويّ"، عن شمس الأئمَّةِ "السَّرَخْسيِّ"، عن شمس الأئمةِ "الحَلْوانِيِّ"، عن القاضي "أبي
عليِّ النسفيِّ"، عن أبي بكرٍ "محمدِ بنِ الفَضْلِ البخاريِّ"، عن "أبي عبدِ اللهِ السَّبَدْيُونِيِّ"(١)،
عن "أبي حفصٍ" عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ أبي حفصٍ الصغير، عن والده "أبي حفصِ الكبيرِ"،
عن الإمام "محمَّد بنِ الحسنِ الشيبانيّ"، عن إمام الأئمَّةِ وسراجِ الأُمَّةِ أبي حنيفةَ "النعمانِ بنِ
ثابتٍ" الكُوفِيِّ، عن "حَمَّادِ بنِ سليمانَ"، عن "إبراهيمَ النَّخَعيِّ"، عن "علقمةً"، عن "عبد اللهِ
بنِ مسعودٍ" رضي الله تعالى عنه، عن النبيِّلُ ﴾، عن أمينِ الوحي جبريل عليه السلام، عن
الَحَكَم العَدْلِ جلَّ جلالُهُ وتقدَّسَتْ أسماؤُهُ.
[١] (قولُهُ: بسم الله الرحمن الرحيم) ابتدأ بها عملاً بالأحاديث الواردةِ في ذلك(٢)، والإشكالُ
(١) في النسخ كلها: ((السَّيْذَبوني))، وهو تحريف، والصواب ما أثبتناه، بضم السين المهملة وفتحها وفتح الباء الموحدة
وسكون الذال المعجمة وضم الميم وفي آخرها نون، نسبة إلى قرية من قرى بخارى. وانظر "اللباب في تهذيب
الأنساب" ٩٩/٢، و"الجواهر المضية" ٣٤٤/٢.
(٢) المشهور على الألسنة في ذلك هو حديث: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع))،
أخرجه الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" ٨٧/٢، والرهاوي في "الأربعين" كما في "شرح مسلم" للنووي
٤٣/١، والسبكي في "طبقاته" ١٢/١ عن أبي هريرة مرفوعاً. وأصل الحديث الوارد عن النبي / إنما هو
بلفظ ((الحمد))، وروايته بلفظ البسملة لا تثبت، وقد جعلها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٢٢٠/٨ من
الواهيات، وألّف الحافظ أحمد بن الصدّيق الغماري رسالة سمّاها "الاستعاذة والحسبلة ممن صحح حديث البسملة"
بَّن فيها أن الثابت إنَّما هو لفظ ((الحمد)) وأتى على ذلك بأدلة قوية فليرجع إليها.
وزعم بعضهم أن الحديث قد حسَّنه ابن الصلاح والنووي والسبكي، وهو وَهْمٌ، فإنهم لم يحسِّنوا حديث البسملة،
وإنَّما حسَّنوا حديث الحمدلة كما حرَّرَ ذلك الحافظ الغماري في رسالته المذكورة صـ١٥-١٦ -.
ويغني عن الاستدلال بهذا الحديث في سنية الابتداء بالبسملة في كل أمر ذي بال ما يلي:
١ - الاقتداء بالكتاب العزيز . =
قسم العبادات
١٠
حاشية ابن عابدين
في تعارُضِ رواياتِ الابتداء بالبسملة والحمدلة مشهورٌ، وكذا التوفيقُ بينها بَحَمْلِ الابتداء
على العربيِّ أو الإضافيِّ، وكذا ما أُورِدَ من الأذان ونحوِهِ مما لم يُبدَأُ بهما فيه.
والجوابُ عنه: بأنَّ المراد في الروايات كلِّها الابتداءُ بإحداهما أو بما يقومُ مَقامه، أو بحمْلِ
المقيَّد على المطلق، وهو روايةُ: ((بذِكْرِ الله)(١) عند مَنْ جَوَّزَ ذلك.
(قولُهُ: والجوابُ عنه بأنَّ المراد في الرِّواياتِ كُلِّها إلخ) في "الصبَّان": (( أنَّ الحديث مخصوصٌ بغيرِ ذلك
لِأَدْلَّةٍ أخرى))، وفي "ط": ((أَنَّها مشتملةٌ على الذّكر أو هي نفسُ الذّكر، فلا تحتاجُ إلى ذكرٍ آخر)).
(قولُهُ: أو بحملِ المقيَّدِ على المطلق، وهو روايةٌ بذكرِ الله عند مَن جوَّزَ ذلك) من الشافعيَّة، فإنَّهم
جوَّزُوا ذلك إذا تعارَضَ المقَّدان، فإنَّ المقيَّدين يُحمَلان عليه إذا اتَّحَدَ الموضعُ كالابتداءِ هنا، وإذا
= ٢°- أنه شرع من قبلنا، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
٣°- افتتاح النبي ◌ُ ◌ّ كتبه ورسائله بها، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ٢٢٠/٨: ((وقد جمعت كتب
النبي ◌ُّ إلى الملوك وغيرهم فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد بل بالبسملة)) اهـ.
٤° - أن البداءة بها ثابتة في السنّة في كثير من الأحوال لا يتسع المقام لذكرها.
وذكر الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي في "التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح" ١/١:((أنه لا منافاة بين
حديث التحميد والتسمية؛ لأن المقصود إنَّما هو الافتتاح بذكر الله وثنائه لا أنَّ لفظ الحمد والتسمية متعين؛ لأن
القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله وقد حصل بالبسملة، لا سيما وأن أول شيء نزل من القرآن ﴿اقْرَأْ بِاسْمِرَيِّكَ﴾،
ويعضده أن كتبه و﴿ إلى الملوك مفتتحة بها دون الحمدلة)) اهـ. وانظر رسالة "تفصيل المقال على حديث كل أمر
ذي بال" للدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي.
(١) أخرجها أحمد ٣٥٩/٢، والدارقطني ٢٢٩/١ كتاب الصلاة من حديث أبي هريرة، والنسائي في "الكبرى"
(١٠٣٣١) عن الزهري مرسلاً في عمل اليوم والليلة - باب ما يستحب من الكلام عند الحاجة، وعبد الرزاق في
"المصنف" (١٠٤٥٥) كتاب النكاح - باب القول عند النكاح، ومعمر في "الجامع" آخر "المصنف" لعبد الرزاق
١٦٣/١١ من حديث رجل من الأنصار، قال المحدث الكناني في "الأقاويل المفصلة" صـ٧ -: ((وهي تلي في الحسن
رواية بحمد الله)). وانظر "تفصيل المقال على حديث كل أمر ذي بال" للدكتور عبد الغفور عبد الحق البلوشي ص٣٩ -.
الجزء الأول
١١
المقدمة
[مطلب]
[ في باء البسملة ]
ثمَّ الباءُ لفظٌ خاصٌّ حقيقةٌ [٣/١/أ] في الإلصاق، مجازٌ في غيره من المعاني، لا مشتركٌ
تعدَّدَ فإنْ كان المطلَقُ أَولى بأحدِهما حُمِلَ على الذي هو أولى به كقوله في كفارة اليمين:
﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ﴾ [المائدة -٨٩]، وفي الظّهار: ﴿قَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [ النساء- ٩٢]،
وفي صوم التمتّعِ: ﴿فَصِيَامُ ثََّثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة - ١٩٦]، فحُمِلَ اليمينُ على الظّهار
في التتابع لاشتراكهما في النهي، وإنْ لم يكن المطلقُ أَولى بأحدِهما بقيَ على إطلاقِهِ والمقيَّدان على
تقييدِهما كقوله في قضاء رمضان: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ ﴾ [البقرة - ١٨٤] مع التقييدِ في كفَّارةِ الظِّهار
وصومِ التمتّع، وإذا أَتَّحَدَ المطلقُ والمقَّدُ فِنَّه يُحمَلُ على المقَّد، ونحن لا نقولُ بحملِ المطلق على المقيّد ولا بالعكس إلاّ
إذا كان في حكمٍ واحدٍ، فنحملُهُ عليه كما في "الزيلعيّ" من الأيمان، بخلاف ما إذا كان في السَّبِ أو في حكمين اهـ.
وقال في "شرح التحرير": ((ذكَرَ "النوويُّ" أنَّ المراد بحمدِ الله ذكرُ الله، وفي ذلك نظرٌ، فإنَّه إنْ عَنَّى
بذكر الله ذكرَهُ بالجميل على قصدِ التبجيل الذي هو معنى الحمدِ خاصَّةً فالأمرُ بقلبٍ ما قال، فهو من
بابِ حمل المطلق على المقيَّد لا من بابِ التجوُّزِ بالمقيَّدِ عن المطلق، وحينئذٍ يبقى الكلامُ في تمشيةِ مثلِ هذا
الحملِ على القواعد، وهو مُتمشّ على قواعدِ الشافعيَّةِ لا على قواعد الحنفيّة، وإنما يُجرُون في مثلِهِ
المطلقَ على إطلاقه والمقَّدَ على تقييده، فيخرجُ عن العُهدة بأيِّ فردٍ كان، والحكمةُ في التنصيص على
المقيَّد إفادةُ تعليمِ العباد ما هو أولى أنْ يُؤْدَّى به المرادُ من المطلق، وإنْ عَنَى بذكر الله في قوله المذكورِ
ذِكْرَهُ على أيِّ وجهٍ كان من وجوهِ التعظيم تسبيحاً أو تحميداً أو تسميةً فلا نُسلّمُ أنَّ المراد بحمدِ الله
ذكرُهُ على هذا الوجهِ من الإطلاق؛ للعلم بأنَّ المعنى الحقيقيَّ للحمدِ ليس ذلك، ولا داعيَ إلى التحوُّز)).
(قولُهُ: حقيقةٌ في الإلصاقِ مجازٌ في غيرِهِ) هذا أحدُ قولين اختارَهُ لِما ذَكَرَهُ من ترجُّحِ المجاز على الاشتراك،
وقد اقتصَرَ عليه "سيبويه"، وعليه فاستعمالُها في نحوِ الاستعانة إنْ كان لتضمُِّهِ الإلصاق فحقيقةٌ، ومن حيث
خصوصُهُ مجازٌ، والقائلُ بالاشتراكِ يقول: التبادُرُ من علامةِ الحقيقة، والحملُ عليها متعَيِّنٌ فراراً من التحكم،
قسم العبادات
١٢
حاشية ابن عابدين
بينها لترجُّحِ المحاز على الاشتراك، موضوعٌ بالوضع العامِّ للموضوع له الخاصِّ عند
"العَصُدُ"(١) وغيرِهِ، أي: لكلِّ واحدٍ من المشخُّصات الجزئيَّة الملحوظة بأمرٍ كليٍّ، وهو
مطلقُ الإلصاق بحيث لا يُفهَمُ منه إلاَّ واحدٌ بخصوصه.
والإلصاقُ: تعليقُ شيءٍ بشيءٍ وإيصالُهُ به، فيصْدُق بالاستعانة والسبيَّة(٢) لإلصاقك
ومحلُّ كونِ الحمل على الحقيقةِ والمجازِ أولى من الحملِ على الاشتراك ما إذا تعَنْت حقيقةُ أحدِ المعاني وجُهِلَ حالُ غيره.
(قولُهُ: موضوعٌ بالوضعِ العامِّ إلخ) حاصلُهُ: أنَّ اللفظ الموضوعَ إنْ تعَيَّنَ عند الوضع فشخصيٍّ، وإنْ
لم يتعيَّنْ فنوعيٌّ، والشخصيُّ إنْ كان الموضوعُ له خاصَّاً ملحوظاً بخصوصِهِ سُمِّيَ وضعاً خاصًّاً لموضوعٍ
له خاصٍّ - وهذا القسمُ أثبتَهُ المتأخّرون، وجعلوا منه وضعَ الحروف ونحوِها - وإنْ كان عامّاً ملحوظاً
بعمومِهِ سُمِّيَ وضعاً عامًّاً لموضوعٍ له عامٍّ كوضعٍ أسماءِ الأجناس لمفهوماتها الكلّيّة، وأمَّا كونُ المعنى
العامِّ ملحوظاً بأمرٍ خاصٍ فمحالٌ كما بُيِّنَ في محلّه.
إذا عرفتَ هذا فوضعُ الحروفِ وتحوِها على مذهب "السَّعد" والجمهور: (( من أنَّها كُلِياتٌ وضعاً
جزئيّاتٌ استعمالاً)) من الوضعِ الشخصيِّ العامِّ لموضوعٍ له عامٍ، وعلى مذهب "العَصُد" و"السيِّد":
(( من أنَّها جزئيّاتٌ وضعاً و استعمالاً)) من الوضعِ الشخصيِّ العامِّ لموضوعٍ له خاصٍ آمَّا كونُ
الموضوعِ له عامَّاً على الأوَّلِ فلكونِهِ عليه كليًّاً، وأمَّا كونُهُ خاصًّاً على الثاني فلكونه كلَّ جزئيٍّ من
جزئيَّاتِ الكلّيِّ. واستُفِيدَ أنَّ عموم الوضعِ باعتبار العموم عند الوضع، وخصوصًه باعتبارِ الخصوص
عنده، وأنَّ شخصيَّهُ باعتبارِ تعيين اللفظ الموضوعِ ونوعيَّتَهُ بعدمِهِ.
(قولُهُ: فَيَصدُقُ بالاستعانةِ إلخ) هي الدَّاخِلةُ على آلةِ الفعلِ، والسبيَّةُ على سببه.
(١) انظر "الرسالة العضدية": صـ٣٤-، (هامش "رسالة الوضع" لأحمد بن زَيْنِي دَحْلان) والعَضُد هو أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد
ابن عبد الغفار عضد الدين الإيجيّ الشِّيرازيّ الشافعي(ت ٧٥٦هـ). ("طبقات السبكي" ١٠٨/٦، "الدرر الكامنة" ٣٢٢/٢).
(٢) وكما يصدق الإلصاق بالاستعانة والسببية يصدق كذلك بالظرفية والمصاحبة. انظر "التحرير" صـ٢٠٢-، و"شرحه
التقرير والتحبير" ٦٢/٢.
الجزء الأول
١٣
المقدمة
...
الكتابةَ بالقلم وبسببِهِ كما في "التحرير"(١).
ولَمَّا كان مدلولُ الحرف معنىً حاصلاً في غيره لا يُتَعَقَّل ذهناً ولا خارجاً إلاَّ بتعلُّقه
اشتُرِطَ له المتعلَّق المعنويُّ وهو الإلصاق، والنحويُّ وهو هنا ما جُعِلَت التسميةُ مَبدأً له، فيفيدُ
تلُّسَ الفاعل بالفعل حالَ الإلصاق، والمرادُ الإلصاقُ على سبيل التبرُّك والاستعانة.
والأَولى تقديرُ المتعلَّقِ مؤخّراً ليفيد قصدَ الاهتمامِ باسمه تعالى ردًّاً على المشرك المبتدئ
باسم آلهته اهتماماً بها، لا للاختصاص؛ لأنَّ المشرِك لا ينفي التبرُّك باسمه تعالى، وليفيدَ
اختصاصَ ذلك باسمه تعالى ردًَّ على المشرك أيضاً وإظهاراً للتوحيد، فيكون قصرَ إفرادٍ.
(قولُهُ: وبسببِهِ كما في "التحرير") عبارتُهُ من بحثِ الحروف: ((الباءُ مشكّكٌ للإلصاق، أي: تعليقِ
الشيءٍ بالشيء وإيصالِهِ به الصادقِ في أصنافِ الاستعانةِ - أي: المعونةِ بشيءٍ على شيءٍ، وهي الدَّاخلةُ
على آلةِ الفعل ككتبتُ بالقلم؛ لإلصاقِكَ الكتابةَ بالقلم - والسبيَّةِ هي الداخلةُ على اسمٍ لو أُسنِدَ الفعلُ
المعدَّى بها إليه صلَحَ أنْ يكون فاعلاً مجازاً)) اهـ مع زيادةٍ من "شرحِهِ".
(قولُهُ: حاصلاً في غيره) ((في)) إمَّا للسبيَّة - أي: له معنىًّ في نفسِهِ، لكنّه لا يَستقِلُّ بإفادِتِهِ - أو
للظرفَّةِ مجازاً باعتبارِ فهمِ السَّمع، فكأنَّ معناه كامنٌ في غيره.
(قولُهُ: لا للاختصاصِ) يعني: على جهةِ القلب كما يفيدُهُ التعليلُ بعده.
(قولُهُ: فيكونُ قصرَ إفرادٍ) ويحتملُ أنْ يكونَ قصرَ قلبٍ حقيقةً ردّاً على الدَّهرِيَّة، وأنْ يكونَ قصرَ
قلبٍ تنزيلاً، وذلك أنَّ المشركين لَمَّا كَثُرَ ابتداؤهم باسمٍ آلهتهم نُزِّلوا منزلةَ النافي للصانع، وأنْ يكون قصرَ
(١) ما نقله ابن عابدين رحمه الله عن "التحرير" ليس كله فيه، بل هو من كلام شارحه ابن أمير حاج، بتصرف.
انظر "التقرير والتحبير": المقالة الأولى - الفصل الخامس - حروف الجر ٦٢/٢.
و"التحرير" للمحقق محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، كمال الدين الشهير بالكمال بن الهُمَام السِّيْوَاسيّ ثم
السَّكَنْدَريّ(ت٨٦١هـ). ("كشف الظنون" ٣٥٨/١، "الضوء اللامع" ١٢٧/٨، "الفوائد البهية" صـ ١٨٠-).
وستأتي ترجمة الكمال من المؤلف في المقولة رقم [١٣٦].
قسم العبادات
١٤
حاشية ابن عابدين
وإنما قُدِّم في قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسِْرَيِّكَ﴾ [ العلق - ١]؛ لأنَّ العناية بالقراءة أولى بالاعتبار
ليحصلَ ما هو المقصودُ من طلب أصلِ القراءة؛ إذ لو أُخِّرَ لأفادَ أنَّ المطلوب كونُ القراءة
مفتتحةً باسم الله تعالى لا باسمٍ غيره.
[مطلب]
[ جملةُ البسملة إنشائيّةٌ أم خبريَّةٌ ؟ ]
ثمَّ هذه الجملةُ خبريَّةٌ لفظاً، وهل هي كذلك معنىً أو إنشائيَّةٌ معنىً ؟ظاهرُ كلامِ "السيِّد)"(١)
الثاني، والمقصودُ إظهارُ إنشاءِ التبُّك باسمه تعالى وحدَهُ ردّاً على المخالف، إمّا على طريقِ النَّقْل
الشرعيِّ كَبِعْتُ واشتريتُ، أو على إرادة اللازمِ كـ ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران -٣٦] فإنَّ
المقصودَ بها إظهارُ التحسُِّ لا الإخبارُ بمضمونها.
وهل تخرُجُ بذلك الجملةُ الخبرِيَّةِ عن الإخبار أَوْ لا ؟
ذهَبَ "الزَّمخشريُّ)(٢) إلى الأوَّلِ و"عبدُ القاهر "(٣) إلى الثاني، وسيأتي(٤) في الحمدلة لذلك مزيدُ بيان.
تعيينِ ردّاً على المتردِّدين فيمن يبدأ باسمِهِ.
(قولُهُ: لأنَّ العنايةَ بالقراءةِ أَولى إلخ) قيل: فيه أنَّ هذا العارضَ وإنْ كان يقتضي أنْ تكونَ البداءةُ
بالقراءة أهمَّ إلاَّ أنَّ العارضَ الأوَّلَ - وهو ابتداءُ المشركين باسمٍ آلهتهم - يقتضي أنْ يكون اسمُ الله أهمَّ،
فأيُّ مرجِّحٍ يُرجِّحُ هذا على ذلك؟ ويمكنُ أنْ يقال: لَمَّ تعارَضَ العارضان قُدِّمَ العاملُ على المعمولِ بحكم
(١) في حاشيته على "الكشّاف" للزَّمَخْشَريّ: ٢٧/١ (هامش "الكشاف")، والسيد هو العلامة علي بن محمد بن علي
المعروف بالسَّيِّد الشريف الجُرْجَانيّ (ت٨١٦ هـ). ("الضوء اللامع" ٣٢٨/٥، "الفوائد البهية" صـ ١٢٥-).
(٢) أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد، جار الله الزَّمَخْشَريّ الخَوَارِزْ ميّ(ت ٥٣٨هـ). ("سير أعلام النبلاء" ١٥١/٢٠).
(٣) أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجَرْجَانيّ الشَّافعيّ(ت ٤٧١هـ)، ("نزهة الألبا صـ٢١٣-، "طبقات
السبكي ١٤٩/٥).
(٤) في المقولة رقم: [٢].
الجزء الأول
١٥
المقدمة
وأُورِدَ أنَّها لو كانت إنشائيَّةً لَما تحقَّقَ مدلولُها خارجاً بدونها، والتالي باطلٌ، فالمقدَّمُ
مثلُهُ؛ إذِ السَّفَرُ والأكلُ ونحوُهما ما ليس بقولِ لا يحصلُ بالبسملة.
وُجِيب: بأَنَّها إذا كانت لإنشاء إظهار التبرُّك والاستعانةِ(١) باسمه تعالى وحدَهُ - على ما
قلنا - فلا شكَّ أنَّه إنَّما تحقَّقَ بها، كما أنَّ إظهارَ التحرُّن والتحسُّرُ إِنَّما تحقَّقَ بذلك اللَّفظ،
فإنَّ الإِنشاء قسمان:
منه ما لا يتحقَّقُ مدلولُهُ [٣/١/ب] الوضعيُّ بدون لفظه.
ومنه ما لا يتحقَّقُ مدلولُهُ الالتزاميُّ بدونه، وما نحنُ فيه من قبيل الثاني.
ثُمَّ إِنَّ المراد بالاسم هنا ما قابَلَ الكنيةَ واللَّقَبَ، فيشمَلُ الصِّفاتِ حقيقةً أو إضافيّةً أو
سلبيَّةً، فيدلُّ على أنَّ التبرُّك والاستعانة بجميع أسمائه تعالى.
الأصالة، أو يقال: إنَّه لَمَّا كان أوَّلَ نازِلٍ على النبيِّ أُمِرَ بالقراءة ليتدرَّبَ لتلقّي الوحىِ من غيرِ قصدٍ إلى
أمرٍ بتبليغٍ ولا إنذارٍ حتَّى يُقصدَ فيه الردُّ على مَن خالَفَهُ، على أنَّ قوله: ((إذ لو أُخْرَ لأفادَ إلخ)) كافٍ
في ترجيحِ العارض الذي ذكَّرَهُ ودافعٌ لهذا القيلِ، تأمَّل.
(قولُهُ: ثمَّ إنَّ المرادَ بالاسم إلخ) وذلك أنَّ أسماءَهُ تعالى إمّا أنْ تَدُلَّ على الذَّاتِ خاصَّةً، أو عليها
وعلى الصفةِ كلفظَي الجلالةِ والرَّحمن بخلاف اللَّقَب، فإِنَّه: ما وُضِعَ للدّلالة على الذات، وأشعَرَ برِفعةٍ
مُسمَّاه أو ضَعَتِهِ بطريقِ الدِّلالةِ الخفيَّةِ بحسب وضعِهِ الأصليِّ لا العلَميِّ، أو بحسبه أيضاً وإنْ كان القصدُ
المعنى العَلَميَّ على خلافٍ في ذلك، والموضوعُ له في الصفةِ هو الذاتُ باعتبارِ اتّصافها بمعنىٌّ معَيَّنٍ لها
قائٍ بها، فمدلولُها مركَّبٌ من الذاتِ والمعنى.
وقولُهُ: ((فيشملُ الصِّفاتِ إلخ)) الصفاتُ السلبيّةُ: كلُّ صفةٍ مدلولُها عدمُ أمرٍ لا يليقُ به تعالى
(١) ((الواو)) ساقطة من "أ"، وفي "الأصل" "ب" و"م" ((أو))، والصواب ما أثبتناه بواو الجمع عطفاً على ((التبرك)).
ويؤيد ذلك ما ذكره قبل قليل من قوله: ((والمراد الإلصاق على سبيل التبرك والاستعانة))، وما سيأتي بعد أسطر
من قوله: ((فيدل على أنَّ التبرك والاستعانة بجميع ... )).
قسم العبادات
١٦
حاشية ابن عابدين
و ((اللَّهُ)) عَلَمٌ على الذَّاتِ العليَّةِ المستحمِعة للصِّفات الحميدةِ كما قالَهُ "السَّعد"(١)
كالقِدَم المفسَّرِ بعدم الأوَّلِيَّة، والصِّفاتُ الحقيقيّةُ: كلُّ صفةٍ وجودِيَّةٍ قائمةٍ بذاتِهِ العليَّةِ كالقدرة،
والإضافيَّةُ: الصفةُ الثبوتيَّهُ التي لا يدلُّ الوصفُ بها على معنىً زائدٍ عليها كالوجود، قال "الفخرُ" في
"تفسيره": ((الصفاتُ الإضافيّةُ: كلُّ صفةٍ له تعالى ليستْ زائدةً على الذَّاتِ ككونه معلوماً مذكوراً
مُسبَّحاً مُمجَّداً، والأسماءُ الممكنةُ له تعالى بحسبِ هذا النوع غيرُ متناهيةٍ، وككونِهِ تعالى فاعلاً للأفعال
بناءً على أنَّ تكوين الأفعال ليس صفةً زائدةً )) اهـ.
وقال "الطيبيُّ" في "شرح المشكاة": ((اسمُ الله تعالى ما يصحُّ أنْ يُطلَقَ عليه بالنظرِ إلى ذاته أو باعتبارِ
صفةٍ من صفاته السلبيّةِ كالقدُّوس والأوَّلِ، أو الحقيقيَّةِ كالعالِم والقادر، أو الإضافيّةِ كالحميدِ والملِك، أو
باعتبارِ فعلٍ من أفعالِهِ كالخالق والرَّازق)) اهـ. نقّلَهُ عنه في "تبين المحارم" من بابِ الإلحاد في أسمائه تعالی.
(قولُّهُ: واللَّهُ عَلَمْ على الذَّاتِ العليَّةِ إلخ) لفظُ الجلالةِ إنما يُقْصَدُ به الذَّاتُ، وإنْ قُصد غيرُها من
الصفاتِ المرجِّحة كان تبعاً، وإليه ذهَبَ "الشيروانيُّ"، ونقَلَ عن "شيخ الإسلام": (( أنّه اعتُبِرَ فيه جميعُ
صفات الكمالِ واستحقاقِ المحامدِ وغيرِها مما لُوحِظَ به الذَّاتُ؛ لأَنَّها من حيث هي غيرُ معلومةٍ لنا، فلو
لم يُعتَبَر فيه صفةٌ لم يكن معناه معلوماً لنا))، فالمسمَّى على هذا القولِ مجموعُ الموصوف والصفة، ومُنِعَ
سندُهُ بأنَّه يكفي في عِلْمِ المعنى ملاحظتُهُ بوجهٍ من وجوهِهِ الخارجةِ عنه، تأمَّل.
وقال في "شرح الطريقة المحمديَّةِ": ((وفي "حاشية تفسير البيضاويِّ" لـ "شيخي زاده": ذهبَ جمهورُ
أهل اللغة في اسم الله تعالى إلى أنّه عربيٌّ مشتقٍّ، صار عَلَماً بالغلبةِ؛ لأنَّ أسماءَ الله تعالى كلّها صفاتٌ
مشتقّةٌ لَيَعرِفَ المكلّفُ معناها فيتوسَّلَ بها إليه، فإنَّ قدماء الفلاسفة أنكروا أنْ يكون للَّهِ تعالى بحسبِ
ذاتِهِ المخصوصةِ اسمٌ، بناءً على أنَّ المرادَ من وضع ذلك الاسمِ أنْ يُذكَرَ عند أحدٍ لتعريفِ ذلك المسمَّى
به، وقد ثبَتَ أنَّ أحداً مِن خلقِهِ لا يَعرِفُ ذاتَهُ المخصوصةَ التّةً، فكيف يُشار إليه بذكرِ اسمٍ؟! وإذا لم
يصحَّ أنْ يُشارَ إليه بذكرٍ اسمٍ لم يَبْقَ لوضعِ الاسم لذاتِهِ المخصوصةِ فائدةٌ، فثَبَتَ أنَّ هذا النوعَ من
(١) "المطول": المقدمة صـ٦ -. والسَّعْدُ هو مسعود بن عمر، سعد الدين التّفْتَازانيّ(ت٧٩٢هـ، وقيل: ٧٩١). ("الدرر
الكامنة" ٣٥٠/٤، "شذرات الذهب" ٥٤٩/٨).
الجزء الأول
١٧
المقدمة
وغيرُهُ، أو المخصوصةِ، أي: بلا اعتبارِ صفةٍ أصلاً كما قاله "العصام"(١).
[مطلب]
[ تفسيرٌ إشاريٌّ لاختلافِ العلماء في كلمة الله ]
قال "السيِّد الشريف"(٢): ((كما تاهتِ العقولُ في ذاته وصفاته لاحتجابها بنور العظمة
تَحَيَّرَتْ أيضاً في اللفظة الدَّالَّة على الذَّات، كأنَّه انعكسَ إليها من تلك الأنوارِ أشعَّةٌ، فبهرَتْ
٤/١
الاسم مفقودٌ، وأنَّ جميع أسمائه صفاتٌ مشتقّةٌ، وهي ما تدلُّ على ذاتٍ مبهمةٍ باعتبارِ معنىٌّ معَيَّنٍ، وإنما
قلنا: إنَّ ذاتَهُ المخصوصةَ ليس معقولاً لأحدٍ لأَنَّا إذا رجعنا إلى عقولنا لا نجدُ عند عقولنا من معرفةِ الله
تعالى إلاَّ أحدَ أمورٍ أربعةٍ: إمَّا العلمَ بكونِهِ موجوداً، وإمَّ العلمَ بدوامٍ وجوده، وإمَّا العلمَ بصفات الجلال
- وهي الاعتباراتُ السلبيّة - وإمَّ العلمَ بصفات الإكرام، وهي الاعتباراتُ الإضافيَّة، وقد ثبَتَ بالدَّليل أنَّ
ذاتَهُ المخصوصةَ مغايرةٌ لكلِّ واحدٍ من هذه الأربعةِ، فإنَّه ثبَتَ أنَّ حقيقته غيرُ وجودِهِ، وإذا كان كذلك
كانت حقيقتُهُ أيضاً مُغايرةً لدوامٍ وجوده، وثَبَتَ أيضاً أنَّ حقيقته مغايرةٌ للاعتباراتِ السلبيّةِ والإضافيّة.
وإذ قد تحقَّقَ أَنَّه ليس في عقولنا من معرفتِهِ تعالى إلاَّ هذه الأمورُ الأربعةُ، وأَنَّها مغايرةٌ لحقيقتِهِ
المخصوصةِ ثبَتَ أنَّ حقيقته المخصوصةَ غيرُ معقولةٍ للبشر، وأنَّهُ لا سبيلَ إلى إدراكِهِ من حيث هو هو -
وهو المسمَّى بالمعرفة الذاتيّة - وإنما نعرفُهُ بالأمورِ الخارجةِ عنه، وهو المعرفةُ العَرَضِيَّةُ، وهي كما إذا رأينا
بناءً علمنا بطريقِ الإبصار بأنَّه لا بدَّ له مِن بانٍ، فالمعلومُ بالذات هو البناءُ، وأمَّا الباني فهو معلومٌ بالعَرَضِ
في هذه الصورة، وعلمُ الباني بكونه بانياً له لا يَستلزِمُ علمَهُ بخصوصيّته وأَنَّها من أيِّ نوعِ الماهَّات.
(١) هو إبراهيم بن محمد بن عَرَبْشَاه، عصام الدين الأَسْفَرايينيّ الخَرَاسانيّ(ت٩٤٥هـ، وقيل: حدود ٩٥١) وأسفرايين
بفتح الهمزة وقيل: بكسرها. ("شذرات الذهب" ٤١٧/١٠، "هدية العارفين" ٢٦/١، "الأعلام" ٦٦/١)، ولعل
النقل المذكور في كتابه "الأطول شرح تلخيص المفتاح"، وليس بين أيدينا.
(٢) في "حاشيته" على "الكشّاف": ٣٦/١ بتصرف، ("هامش الكشاف").
قسم العبادات
١٨
حاشية ابن عابدين
أعينَ المستبصِرِين فاختلفوا: أسُريانيٌّ هو أم عربيٌّ، اسمٌ أو صفةٌ، مشتقٌّ أو عَلَمٌ أو غيرُ عَلَمٍ؟
والجمهورُ على أنَّه عربيٌ عَلَمٌ مُرتَجَلٌ من غير اعتبارِ أصلٍ [أُخِذَ](١) منه، ومنهم "أبو حنيفةً"
و"محمَّدُ بنُ الَحَسَن" و"الشافعيُّ" و"الخليلُ))(٢)، وروى "هشامٌ)(٣) عن "محمَّدٍ" عن
والمعرفةُ الذاتيّةُ: كما إذا عَرَفنا اللونَ المعَّنَ ببصرنا، وعرفنا الحرارةَ بلمسنا، وعرفنا الصوتَ
بسمعنا، فإنَّه لا حقيقةَ للحرارة والبرودة إلاَّ هذه الكيفيَّةُ الملموسةُ، ولا حقيقةَ للبياض والسَّواد إلاَّ هذه
الكيفيّةُ المرئيَّة، وكذا الحالُ إذا رأينا المحدَثَاتِ، وعلمنا احتياجَها إلى مُحدِثٍ وخالقٍ، فقد عرفنا اللّهَ
معرفةً عرضيّةً، وهي التي في وسعِ البشر في الدنيا.
وأجابَ بعضهم: أَنَّه لاَيَمتِنِعُ في قدرة الله تعالى أنْ يُشرِّفَ بعضَ المقرّبين من عباده، بأنْ يجعلَهُ عارفاً بتلك
الحقيقةِ المخصوصةِ، ومن العلماءِ مَن تورَّعَ في لفظِ الجلالة عن طلبِ مأخذه وذكرٍ معناه، ومنهم مَن قال: لعلَّهُ
مشتقٌّ لا يُعرَفُ المشتقُّ منه، ولم نكلِّف بمعرفته، وقال بعضهم: هو اسمٌ عربيٌّ عَلَمٌ غيرُ مشتقّ كما ذهَبَ إليه
"الخليلُ" و"الزَّجَّاجُ"، وقال بعضهم: إنَّ سريانيٌّ معَرَّبٌ، ثمَّ ذكَرَ اشتقاقَهُ، وأطالَ الكلام في ذلك)) انتهى.
(قولُهُ: أسريانِيٌّ) منسوبٌ إلى سُريانة، وهي جزيرةٌ كان بها نوحٌ قبل الغَرَق، وكان لسانُ آدمَ الذي نزَلَ
به العربيَّ، ثمَّ حُرِّفَ وصار سُريائيًّاً، وهو اللسانُ العربيُّ إلَّ أَنَّه مُحرَّفٌ، والعبرانيُّ لسانُ بني اسرائيل.
(قولُهُ: مشتقٌّ) أي: مِن ألِهَ يأَلَهُ المشتركِ بين العبادة والسُّكون والتحُّرِ والفزع؛ لأنَّ الخلق يعبدونه،
ويفزَعون إليه، ويتحَّرون فيه، ويسكنون إليه، فأصلُ الجلالةِ إلاٌّ، أُدخلت أل للتعريف، ثمَّ حُذفت
الهمزةُ تخفيفاً، ونُقِلَت حركتها إلى اللام، ثمَّ سُكّنت الأُولى وأدغمت في الثانية.
(١) ما بين منكسرين من "شرح التحرير" ٥/١، وهو الصواب، وما ذهب إليه المصحح من أنَّ ((منه)) محرفة عن
((فيه)) اجتهاد منه في تصحيح العبارة.
(٢) أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفَرَاهِيْديّ الأَزْدِيّ الْيَحْمَديّ(ت١٧٠هـ). ("وفيات الأعيان" ٢٤٤/٢، "بغية
الوعاة" ٥٥٧/١).
(٣) هشام بن عبيد الله الرَّازيّ(ت ٢٢١ هـ، وقيل: ٢٠١). ("تذكرة الحفاظ" ٣٨٧/١، "الجواهر المضية" ٥٦٩/٣،
"الأعلام" ٨٧/٨).
الجزء الأول
١٩
المقدمة
"أبي حنيفة" أَنَّه اسمُ اللهِ الأعظمُ، وبه قال "الطَّحاويُّ))(١) وكثيرٌ من العلماء وأكثرُ العارفين، حتّى
إنَّه لا ذِكْرَ عندهم لصاحب مقامٍ فوق الذّكر به كما في "شرح التحرير)"(٢) لـ "ابن أمير حاج" )).
و((الرَّحمن)): لفظٌ عربيٌّ، وقيل: معرَّبٌ عن رخمان بالخاء المعجمة لإنكار العرب حين سمعوه.
ورُدَّ بأنَّ إنكارهم له لتوهُّمِهم أنَّه غيرُهُ تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلِ آَدْ عُواْاللّهَ أَوِاَدْعُواْالرَّحْمَنَّ﴾
[ الإسراء - ١١٠]، وذهَبَ "الأعلمُ"(٣) إلى أَنَّه عَلَمٌ كالجلالة لاختصاصه به تعالى وعدمِ
إطلاقه على غيره تعالى مُعَرَّفاً ومُنَكَّرًاً.
وأمَّا قولُهُ في "مسيلمة": [بسيط]
وأنتَ غيثُ الوَرَى لا زِلْتَ رحمانا(٤)
(قولُهُ: ورُدَّ بأنَّ إنكارَهم له لتوهُّمِهم أنَّه غيرُهُ) ظاهرُهُ أنَّ توهُّمَهم الغيرِيَّةَ في هذه الآيةِ مع أنَّها نزَلَتْ
ردًّاً لتوهُّمِهِم الغيرِيَّةَ حين سمعوا النبيَّ ◌َ ﴿ يقول: (( يا الله، يا رحمن))، فقالوا: ينهانا عن عبادة إلهين
(١) في "شرح مشكل الآثار" ١٦١/١ - ١٦٢ رقم (١٧٥) باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله﴾﴿ في اسم الله
الأعظم أيُّ أسمائه هو؟ والطحاوي هو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطِّحَاويّ الأَزْدِيّ الحَجْريّ المصريّ
(ت٣٢١هـ). ("الجواهر المضية" ٢٧١/١، "تاج التراجم" ص ٢١-، وللشيخ زاهد الكَوْثري "الحاوي في سيرة الإمام
الطحاوي").
(٢) المسمّى "التقرير والتحبير": المقدمة ٥/١ باختصار. وهو لأبي عبد الله وأبي اليُمْن محمد بن محمد بن محمد، شمس
الدين المعروف بابن أمير حاج وبابن الْمُوَقّت الحلبيّ(ت٨٧٩هـ) شرح "التحرير" الكمال بن الهُمَام (ت ٨٦١هـ).
("كشف الظنون" ٣٥٨/١، "الضوء اللامع" ١٢٧/٨، ٢١٠/٩).
(٣) أبو الحَجَّاج يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بالأَعْلَم الشَّنْتَمريّ الأندلسيّ(ت٤٧٦ هـ، وقيل غير ذلك).
("وفيات الأعيان" ٨١/٧، "الأعلام" ٢٣٣/٨).
(٤) عجز بيت، وصدره:
سموتَ بالمحد يا ابن الأكرمين أباً
سموت بالمجد یا ابن الأکثرین ندِی
ویروی:
ولم نهتد لقائله. ذكره السمين الحلبيّ في "الدر المصون" ٣٤/١، والزمخشريّ في "الكشَّاف" ٤٢/١ وعزاه لشاعر
من بني حنيفة ولم يسمِّه.
قسم العبادات
٢٠
حاشية ابن عابدين
فمِن تعنّتِه وغلوِّه في الكفر، واختاره في "المغني"(١)، قال "السُّبكيُّ)(٢): ((والحقُّ أنَّ المنع
شرعيٌّ لا لغويٌّ، وأنَّ المخصوصَ به تعالى المعرَّفُ)).
والجمهورُ على أنّه صفةٌ مشبَّهةٌ، وقيل: صيغةُ مبالغةٍ؛ لأنَّ الزيادة في اللفظ لا تكون إلاَّ
لزيادة المعنى، وإلاَّ كانت عبثاً، وقد زِيْدَ فيه حرفٌ على الرحيم، وهو يفيدُ المبالغة بصيغته،
فدلَّت زيادتُهُ على زيادته عليه في المعنى كَمًَّ - لأنَّ الرَّحمانَّة تعمُّ المؤمن والكافر، والرَّحيميَّةَ
تخصُّ المؤمنَ - أو كَيْفاً؛ لأنَّ الرَّحمنَ المنعمُ بجلائل النعم، والرَّحِيمَ المنعمُ بدقائقها.
وهو يدعو إلهاً آخرَ.
(قولُهُ: وأنَّ المخصوصَ به تعالى المعرَّفُ) مُنِعَ بما في قصَّةِ الحديبيةِ من أَنَّه عليه السَّلام لَمَّا أمَرَ
"عَلَّاً"َّه بكتابةِ بسم الله الرحمن الرحيم قال "سهيلُ بنُ عمرٍو": لا نعرفُ الرَّحْمنَ إلاَّ صاحبَ اليمامة
اهـ. لكنَّ هذا لا يَرِدُ على ما قالَهُ "ابن السُّبكيّ": ((من أنَّ المنع شرعيٍّ لا لغويٌّ)).
(قولُهُ: والجمهورُ على أنّه صفةٌ مشبَّهةٌ) مِن رَحِمَ بعدَ نقِهِ لفَعُلَ بضمِّ العين أو تنزيلِهِ منزلةً اللازم، بأنْ لا يُعتَبَرَ
تعلّقُه بمفعولِ لا لفظاً ولا تقديراً، أو يقال: إنَّها على صورتِها وصيغتها، فاندفَعَ إيرادُ أَنَّها لا تُصاغُ من المتعدِّي.
وقولُهُ: ((وقيل: صيغةُ مبالغةٍ)) أُورِدَ عليه أنَّها محصورةٌ في الخمسةِ المشهورة، وهما ليسا منها، أمّا
رحمنٌ فظاهرٌ، وأمَّا رحيمٌ فلعدمٍ عملِهِ النصبَ، وأجيب: بأنَّهما يفيدانها بالمادَّةِ لا الصيغة كجواد،
والمحصورُ ما يفيدُ بالصِّيغة، على أنَّه قد يُمنَعُ قصرُهم الحصرَ في الخمسة، ويُحتملُ أنَّ رحيم عاملٌ
النَّصبَ في محذوفٍ للعموم، وبهذا يظهرُ قوله: ((وهو يفيدُ المبالغةَ بصيغتِهِ)).
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب": الباب الرابع: ما افترق فيه الحال والتمييز وما اجتمعا فيه صـ ٦٠١-٦٠٢ -.
وهو لأبي محمد عبد الله بن يوسف، جمال الدين المعروف بابن هشام الأنصاريّ(ت ٧٦١هـ). ("كشف الظنون"
١٧٥١/٢، "الدرر الكامنة" ٣٠٨/٢، "بغية الوعاة" ٦٨/٢).
(٢) أبو الحسن علي بن عبد الكافي، تقيّ الدين السُّبْكيّ الأنصاريّ الخَرْرَحِيّ(ت ٧٥٦هـ). ("طبقات السبكي"
١٤٦/٦، "الدرر الكامنة" ٦٣/٣).
الجزء الأول
٢١
المقدمة
حمداً ...
والظاهرُ: أنَّ الوصف بهما للمدح، وفيه إشارةٌ إلى لِمِّة الحكم، أي: إنَّما افتَحَ كتَابَهُ باسمه
تعالى متبرٌّكاً مستعيناً به؛ لأنّه الْمُفِيضُ للنّعَم كلّها، وكلُّ مَن شأنُهُ ذلك لا يُفتَحُ إلاَّ باسمه.
وهل وصفُهُ تعالى بالرَّحمة حقيقةٌ أو مجازٌ عن الإنعام [٤/١/أ] أو عن إرادته؛ لأنَّها من
الأعراض النفسانيَّةِ المستحيلة عليه تعالى، فيُرادُ غايتُها؟ المشهورُ الثاني، والتحقيقُ الأوَّلُ؛
لأنَّ الرحمة التي هي من الأعراض هي القائمةُ بنا، ولا يلزمُ كونُها في حقّه تعالى كذلك حتَّى
تكونَ مجازاً كالعِلم والقدرة والإرادة وغيرِها من الصفات، معانيها القائمةُ بنا من الأعراض،
ولم يقل أحدٌ: إنَّها في حقّه تعالى مجازٌ، وتمامُ تحقيقِه مع فوائدَ أُخَرَ في حواشينا على "شرح
المنار" لـ "الشارح"(١).
[مطلب]
[ تعريفُ الحَمْد لغةً وعرفاً، والفرقُ بينه وبين الشُّكْرِ ]
[٢] (قولُهُ: حمداً) مفعولٌ مطلقٌ لعاملٍ محذوفٍ وجوباً. والحمدُ لغةً: الوصفُ بالجميل على
الجميل الاختياريِّ على جهةٍ التعظيم والتبجيل.
وعُرفاً: فعلٌ ينِئُ عن تعظيم المنعِمِ بسبب إنعامه، فالأوَّلُ أخصُّ مَورِداً - إذِ الوصفُ
(قولَهُ: والتحقيقُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الرَّحمة إلخ) قد يقال: إنَّ القائل بالتحوّز ناظرٌ إلى حقيقةِ الرَّحمة لغةً،
فيكونُ استعمالُها في الإحسان أو إرادتِهِ بجازاً، وإنْ كان حقيقةً شرعيَّةً فإنَّه غيرُ ناظرِ إلى أنَّ ذلك
موضوعٌ له؛ لِما حقَّقَهُ "الحفيد": ((أنَّ اللفظ المشترك في اصطلاحِ التخاطب إذا استُعمِلَ في أحدٍ معانيه
لا باعتبارِ أنَّ اللفظ موضوعٌ له، بل باعتبارِ علاقةٍ بينه وبين معنىٍ آخرَ من معانيه كان مجازاً )) اهـ.
ولِما ذكَرَهُ "الشِّهابُ" بقوله: (( وما قيل: من أنَّ الأقرب هنا أنْ يقال: إنَّه حقيقةٌ شرعيَّةٌ؛ لأَنَّه يُرادُ منه
الإنعامُ من غيرِ أنْ يَخطُرَ بالبال رقَّهُ القلب لا ينافي ما ذكَرَهُ باعتبارِ حقيقتِهِ اللغويَّةِ كما لا يخفى )) اهـ ..
(١) انظر "حاشية نسمات الأسحار" للعلامة ابن عابدين رحمه الله صـ٣-٤ -.
قسم العبادات
٢٢
حاشية ابن عابدين
لا يكون إلاَّ باللّسان - وأعمُّ متعلَّقاً؛ لأَنَّه قد يكون لا بمقابلةِ نعمةٍ، والثاني بعكسه، فبينهما
عمومٌ وجھيٌّ.
والشُّكُرُ لغةً يرادِفُ الحمدَ عرفاً، وعرفاً: صَرْفُ العبدِ جميعَ ما أنعَمَ الله تعالى عليه إلى ما
◌ُلِقَ لأجله.
وخرج بالاختياريِّ المدحُ، فإِنَّه أعمُّ من الحمد لانفراده في: مدحتُ زيداً على رشاقة قَدِّهِ،
واللُّؤلؤةَ على صفائها، فبينهما عمومٌ مطلقٌ.
وذهبَ "الزَّمخشريُّ"(١) إلى ترادُفهما لاشتراطه في الممدوح عليه أنْ يكون اختياريَّاً
كالمحمود عليه، ونقَضَ التعريفَ جمعاً بخروج حمدِ الله تعالى على صفاته.
وأجيبَ: بأنَّ الذات لَمَّا كانت كافيةً في اقتضاء تلك الصفاتِ جُعلتْ بمنزلة الأفعال
الاختياريَّة، وبأَنَّه لَمَّا كانت تلك الصفاتُ مبدأً لأفعالِ اختيارِيَّةٍ كان الحمدُ عليها باعتبار تلك
الأفعال، فالمحمودُ عليه اختياريٌّ باعتبار المآل، أو أنَّ الحمدَ عليها محازٌ عن المدح.
(قولُهُ: والشكرُ لغةً يُرادِفُ الحمدَ إلخ) وحينئذٍ تكونُ النّسبة بين الحمد لغةً وبينه العمومُ الوجهيُّ،
والنّسَبُ ستّ، فالنّسبةُ بين الشُّكرين وبين الشُّكرِ والحمدِ العُرفَّين وبين الحمد لغةً والشُّكرِ عرفاً عمومٌ
وخصوصٌ مطلقٌ، وبين الحمدين وبين الحمدِ والشُّكرِ اللغويَّين العمومُ والخصوصُ من وجهٍ، وبين الحمدِ
عُرفاً والشُّكرِ لغةً الترادفُ.
(قولُهُ: وبأنَّه لَمَّا كانت تلك الصِّفاتُ إلخ) أي: فالمرادُ بكونه اختياريًّاً كونُهُ اختياريًّاً حقيقةً أو حكماً
بأنْ يكونَ مَنْشَأْ لأفعال اختياريَّةٍ كذاتِهِ وقدرتِهِ وإرادتِه، أو ملازما لِمَنشَئِها كسمعِهِ وبصرهِ وكلامه،
تأمَّل.
(١) "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل": ٤٦/١.
الجزء الأول
٢٣
المقدمة
ثُمَّ إِنَّ المحمود عليه وبه قد يتغايران ذاتاً كما هنا، أو اعتباراً كما إذا وُصِفَ الشجاعُ
بشجاعته، فهي محمودٌ به من حيثُ إنَّ الوصفَ كان بها، ومحمودٌ عليه من حيث إنَّها كانت
باعثةً على الحمد.
والحمدُ حيث أُطلِقَ ينصرِفُ إلى العُرفِي لِما قاله "السيّد" في "حواشي المطالع"(١): ((اللَّفظ
عند أهل العرف حقيقةٌ في معناه العرفي مجازٌ في غيره )).
[مطلب]
[ الحمدُ عند محقّقي الصوفيّة ]
وعند محقّقي الصوفيَّةِ حقيقةُ الحمد إظهارُ صفاتِ الكمال، وهو بالفعل أقوى منه بالقول؛
لأنَّ دلالةَ الأفعال عقليَّةٌ لا يُتصوَّرُ فيها التخلُّفُ، ودلالةَ الأقوالِ وضعيَّةٌ يُتصوَّرُ فيها ذلك،
ومن هذا القَبِيلِ حمدُ الله تعالى وثناؤه على ذاته، فإنَّه تعالى بسَطَ بساطَ [١/ق٤/ب] الوجود
على ممكناتٍ لا تُحْصَى، ووضَعَ عليه موائدَ كرمِهِ التي لا تتناهى، فإنَّ كلَّ ذَرَّةٍ من ذرَّات
(قولُهُ: وبه قد يتغايران ذاتاً كما هنا) فإنَّ المتبادرَ أنَّ شَرْحَ الصُّدُور وما بعده هو المحمودُ عليه.
(قولُهُ: ومن هذا القَبِيلِ حمدُ الله تعالى وثناؤه على نفسِهِ إلخ) أي: الذي مِن صفاتِ الأفعال الحادثة،
فيكونُ البسط والوضع المذكوران باعتبار إظهار صفات الكمال حمداً بخلاف حمدِهِ القديم، فإنّه كلامُهُ
القديمُ باعتبارِ دلالته على الكمالات، فهو من أنواعِ الكلام الاعتباريَّة، تأمَّل.
(١) لم نعثر على هذا النقل في القسم المطبوع من حاشية علي بن محمد بن علي السَّيِّد الشَّريف الجُرْجَانيّ(ت ٨١٦هـ)
على "مطالع الأنظار" لأبي الثناء محمود بن عبد الرحمن، شمس الدين الأَصْفِهانيّ أو الأَصْبِهانيّ الشافعيّ
(ت ٧٤٩هـ) شرح "طوالع الأنوار" لأبي سعيد وأبي الخير عبد الله بن عمر، ناصر الدين البَيْضَاويّ الشافعيّ
(ت ٦٨٥هـ). ("كشف الظنون" ١١١٦/٢، "الدرر الكامنة" ٣٢٧/٤، "الضوء اللامع" ٣٢٨/٥ "شذرات
الذهب" ٦٨٥/٧).
قسم العبادات
٢٤
حاشية ابن عابدين
الوجود تدلُّ عليها، ولا يُتصوَّرُ في العبارات مثلُ هذه الدلالات، ومِن ثَمَّ قال عليه الصلاةُ
والسلامُ: (( لا أُحصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك))(١).
ثُمَّ إِنَّ الحمد مصدرٌ يصِحُّ أنْ يُرَاد به معنى المبنيِّ للفاعلِ - أي: الحامديَّةُ - أو المبنيِّ
للمفعول، أي: المحموديَّةُ، أو المعنى المصدريُّ، أو الحاصلُ بالمصدر.
وعلى كلِّ فَأَلْ في قولنا: الحمدُ لله إمَّا للجنس أو للاستغراق أو للعهد الذهنيِّ، أي: الفردِ
الكامل المعهودِ ذهناً، وهو الحمدُ القديم، فهي اثنتا عشرةً صورةً، واختار في "الكشَّاف"(٢)
٥/١ الجنس؛ لأنَّ الصِّيغةَ يجوهرها تدلُّ على اختصاص جنس المحامد به تعالى، ويلزمُ منه
اختصاصُ كلِّ فردٍ؛ إذ لو خرج فردٌ منها لخرَجَ الجنسُ تبعاً له لتحقُّقِه في كلِّ فردٍ، فيكون
اختصاصُ جميعِ الأفراد ثابتاً بطريقٍ برهانيٍّ، وهو أقوى من إثباته ابتداءً، فلا حاجةً في تأدية
المقصود - وهو ثبوتُ الحمد له تعالى وانتفاؤه عن غيره - إلى أنْ يُلاحَظَ الشمولُ والإحاطة.
واختار غيرُهُ الاستغراقَ؛ لأنَّ الحكم على الحقيقة بدون اعتبارِ الأفراد قليلٌ في الشَّرع.
وعلى كلٍّ فالحصرُ ادِّعائيٌّ محمولٌ على المبالغة تنزيلاً لحمْلٍ غيره تعالى منزلةً العدم،
(قولُهُ: ثُمَّ إنَّ الحمدَ مصدرٌ يصحُّ أنْ يُرادَ به معنى المبنيِّ للفاعل إلخ) مدلولُ المصدر الفعلُ، والتأثيرُ
هو المعنى المصدريُّ، ويُطلَقُ حقيقةً على أثْرِهِ - وهو الحاصل بالمصدرِ - وعلى كون الذَّات بحيث صدَرَ عنها
الحدثُ - ويُسمَّى المبنيَّ للفاعل - وعلى كونها بحيث وقَعَ عليها، ويُسمَّى المبنيَّ للمفعول. اهـ من "الشِّهاب".
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" ٢١٤/١ كتاب القرآن - باب ما جاء في الدعاء، ومسلم (٤٨٦) (٢٢٢) كتاب الصلاة -
باب ما يقال في الركوع والسجود، والترمذي(٣٤٩٣) كتاب الدعوى - باب(٧٦)، وقال: هذا حديث حسن،
روي من غير وجه عن عائشة رضي الله عنها، وابن ماجه (٣٨٤١) كتاب الدعاء - باب ما تعوَّد منه رسول الله ◌ِ لَّ
عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً، وفي الباب عن علي تظله.
(٢) "الكشاف": سورة الفاتحة - الآية (٢) ٣/١.