النص المفهرس
صفحات 701-720
کتب وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة/ ١٨٧] إشارةٌ في تحَرِّي النِّكَاح إلى لطيفةٍ، وهي أنّ اللَّهَ جَعَل لنا شَهْوَة النَّكَاحِ لنَتَحَرَّى طلبَ النّسْلِ الذي يكونُ سَباً لِبَقاءِ نَّوْعِ الإِنسان إلى غاية قَدْرِهَا، فَيَجِبُ لِلإِنْسَان أَنْ يَتَخَرَّى بِالنِّكاح ما جَعَلَ اللَّهُ له عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى العَقْلِ والدّيَانَةِ، وَمَنْ تَحَرَّى بالنِّكَاحِ حِفْظَ النّسْلِ وحَصانَة النّفْسِ عَلَى الوجْه المَشْرُوعِ فقد ابْتَغِى ما كَتَبَ اللَّهُ له، وإلى هذا أشار مَنْ قال: عنى بما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمُ الولد(١)، ويُعَبّرُ عن الإِيجاد بالكتابة، وعن الإِزالة والإِفْنَاءِ بالمحْوِ. قال: ﴿لِكُلِّ أَجْلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد / ٣٨]، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ [الرعد / ٣٩] نَّهَ أنّ لكُلِّ وَقْتٍ إيجاداً، وهو يُوجِدُ ما تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ إيجادَهُ، وَيُزِيلُ ما تَفْتَضِي الْحِكْمَة إزالته، وَدَلَّ قولُه: ﴿لِكُلِّ أَجْلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد / ٣٨] على نحو ما دلَّ عليه قولُه: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأنٍ﴾ [الرحمن / ٢٩] وقولُه: [﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد/٣٩]، وقولُه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنْتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ [آل عمران / ٧٨] فالكِتَابُ الأوَّلُ: ما كَتَبُوهُ بِأَيْدِيهِمْ المذكور في قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ [البقرة/ ٧٩]. إلى قوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الكِتَابِ﴾ [يونس/ ٣٧](٣)، والكِتَابُ الثاني: التَّوْرَاةُ، والثالث: لِجِنْسِ كُتُب اللَّهِ، أي: ما هو من شيءٍ من كُتُبِ اللَّهِ سبحانه وتعالى وكلامِهِ](٢)، وقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ والفُرْقَانَ ﴾ [البقرة/ ٥٣] فقد قيلَ: هُما عِبارتانِ عن التَّوْرَاةِ، وَتَسْمِيَّتُها كِتَاباً اعْتِبَاراً بِمَا أَثْبِتَ فيها من الأحْكَامِ ، وَتَسْمِيَتُهَا فُرْقَاناً اعْتِبَاراً بما فيها من الفّرْقِ بَيْنَ الْحَقِّ والباطِلِ . وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران / ١٤٥] أي: حُكماً ﴿ لَوْلاً كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال / ٦٨]، وقولُهُ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ ﴾ [التوبة / ٣٦] كلُّ ذلك حُكْمٌ منه. وأمَّا قولُه: ﴿فَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة/ ٧٩] فتنبيه أَنَّهُمْ يَخْتَلِقُونَهُ وَيَفْتَعِلُونَهُ، وكما نَسَبَ الكِتَابَ المُخْتَلَقَ إلى أَيْدِيهِمْ نَسَبَ المَقَالَ المُخْتَلَقَ إلى أَفْوَاهِهِمْ، فقال: ﴿ ذلك قَوْلُهُمْ بِأَقْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة / ٣٠] والاْتِتَابُ مُتَعَارَفٌ فِي المُخْتَلَقِ نحوُ قولِهِ: ﴿ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَبَهَا﴾ [الفرقان/ ٥]. وَحَيْثُمَا ذَكَرَ اللَّهُ تعالَى أَهْلَ الكتاب فإنما أرادَ بالكِتَابِ التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ، أو إِيَّهُما جميعاً، وقولُه: ﴿وَمَا كَانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ (١) وهو قول ابن عباس. انظر: الدر المنثور ١ / ٤٧٩ . (٢) ما بين [ ] نقله الزركشي في البرهان ٤ / ٩٧. (٣) الآية: ﴿وما كانَ هذا القرآنُ أنْ يُفترى من دُونِ اللَّهِ ولکنْ تصدیقَ الذي بین یدیه وتفصیل الكتاب لا ريب فيه من ربِّ العالمين ﴾. ٧٠١ فإنما أرادٌ بالكِتَابِ هُهُنَّا مَا تَقَدَّمَ من كُتُبِ اللَّهِ دُونَ القُرْآنِ؛ أَ تَرَى أَنَّه جَعَلَ القُرْآنَ مُصَدِّقاً له، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾ [الأنعام / ١١٤] فمنهمْ من قال: هو القُرْآنُ، ومنهم من قال: هو القُرْآنُ وَغَيْرُهُ من الحُجَجِ والعِلْمِ والعَقْلِ (١)، وكذلك قولُه: ﴿فَالّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [العنكبوت / ٤٧]، وقوله: ﴿قَالَ الّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ ﴾ [النمل / ٤٠] فقد قيلَ: أُرِيدَ به عِلْمُ الكِتَابِ، وقيلَ: عِلْمٌ مِنَ العُلُومِ التي آتاها اللَّهُ سُلَيْمانَ فِي كِتَابِهِ المَخْصُوصِ به، وبه سُخّرَ له كلُّ شيءٍ، وقولُه: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بالكِتَابِ كُلُّهِ ﴾ [آل عمران / ١١٩] أي: بالكُتُبِ المُنَزَّةِ، فَوُضِعَ ذلك مَوْضِعَ الجَمْعِ؛ إمَّا لِكونِهِ جِنْساً كقولِكَ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أَيْدِي الناسِ ، أو لِكونِهِ في الأصْلِ مَصْدَراً نحوُ: عَدْلٍ، وذلك كقوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [البقرة / ٤] وقيلَ: يَعْنِي أَنَّهُمْ لَيْسُوا كَمَنْ قِيلَ فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ [النساء/ ١٥٠]. وكِتابَةُ العَبْدِ: ابْتِيَاعُ نَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ بَمَا يُؤَّدِّيهِ مِنْ كَسْبِهِ، قَالَ: ﴿وَالّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ [النور/ ٣٣] وَاشْتِقَاقُهَا يَصِحُ أن يكونَ من الكتابَة التي كتم هي الإِيجابُ، وأن يكُونَ من الكَتْبِ الذي هو النَّظْمُ والإِنْسانُ يَفْعَلُ ذلك. كتم الكِتْمَانُ: سَتْرُ الحَدِيثِ، يقالُ: كَتَمْتُهُ كَثْماً وكِثْماناً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ [البقرة/ ١٤٠]، وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة/ ١٤٦]، ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشّهَادَةَ﴾ [البقرة/ ٢٨٣]، ﴿وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران / ٧١]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النساء / ٣٧] فَكِتْمَانُ الفَضْلِ: هو كُفْرَانُ النِّعْمَةِ، ولذلك قَال بَعْدَهُ: ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [النساء/ ٣٧]، وقوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء / ٤٢] قال ابن عباس: إنَّ المُشْرِكِينَ إِذَا رَأَوْا أَهْلَ القِيامَةِ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّ مَنْ لم يكنْ مُشْرِكاً قالُوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام / ٢٣] فَتَشْهِدُ عليهم جَوَارِحُهُمْ، فحينئذ يَوَدُّونَ أَنْ لم يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثاً(٢). وقال الحَسَنُ: فِي الآخِرَةِ مَوَاقِفُ في بعضِها يَكْتُمُونَ، وفي بعضها لا يَكْتُمُونَ، وعن بعضهم: ﴿لا يَكْتُمُونَ (١) أخرج ابن أبي حاتم من طريق مالك بن أنس عن ربيعة قال: إنَّ اللَّه تبارك وتعالى أنزل الكتاب، وترك فيه موضعاً للسنة، وسنَّ رسول اللَّه وَ له، وترك فيها موضعاً للرأي. انظر: الدر المنثور ٣/ ٣٤٤. (٢) أخرجه ابن جرير ٩٤/٥. ٧٠٢ کثب ـ کثر اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء / ٤٢] هو أَنْ تَنْطِقَ جَوَارِجُهُمْ. کثب قال تعالى: ﴿ وَكَانَتِ الجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً ﴾ [المزمل / ١٤] أي: رَمْلاً مُتْرَاكِماً، وَجَمْعُهُ: أَكْثِبَةٌ، وَكُنُبٌ، وَكُثْبَانٌ، والكُتْبَةُ: القليلُ مِنْ اللَّبَنِ، والقِطْعَةُ مِنَ الثَّمْرِ، سُمِّيَتْ بذلك لاِجْتِمَاعِهَا، وَكَثَبَ: إذا اجْتَمَعَ، والكائِبُ: الجامعُ، وَالتَّكْثِيبُ: الصَّيْدُ إذا أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: أَكْثَكَ الصَّيْدُ فارْمِهِ (١)، وهو من الكَثْبِ، أي: القُرْبِ. كثر قد تَقَدَّمَ أَنْ الكَثْرَةَ والقِلّةَ يُسْتَعْمَلانِ فِي الکَمِّيّةِ المُنْفَصِلَةِ كالأعدادِ(٢). قال تعالى: ﴿وَلَيَزِيدنٌّ كَثِيراً ﴾ [المائدة/ ٦٤]، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون/ ٧٠]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَ يَعْلَمُونَ الحَقِّ ﴾ [الأنبياء / ٢٤]، قال: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ [البقرة/ ٢٤٩]، وقال: ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾ [النساء/ ١]، ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ [البقرة/ ١٠٩] إلى آيات كثيرةٍ، وقوله: ﴿ بِفَاكِهَةٍ كثيرةٍ ﴾ [ص/ ٥١] فإِنه جَعَلَهَا كَثِيرَةً اعْتِباراً بمطاعِم الدُّنْيا، وَلَيْسَتِ الكَثْرَةُ إشارةً إلى العدَدِ فقطْ بَلْ إلى الفَضْلِ، ويقالُ: عددٌ كَثِيرٌ وَكُثَّارٌ وكاثِرُ: زائِدٌ، وَرَجُلٌ كاثِّرُ: إذا كان كَثِيرَ المال، قال الشاعرُ: ٣٨٢ - وَلَسْتَ بالأكْثِرِ منهم حَصِّى وإنما العِزةُ للكائِرِ (٣) وَالمُكَاثَّرَةُ والتّكَاثُرُ: التّبارِي فِي كَثرةِ المال والعِزّ. قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ ﴾ [التكاثر/ ١] وفُلانَ مَكْثُورٌ، أي: مَغْلُوبٌ في الكَثْرَةِ، والمِكْثَارُ مُتَعَارَفٌ فِي كَثْرَةِ الكلامِ، والكَثَرُ: الْجُمَّارُ الكَثيرُ، وقد حُكَيَ بِتَسْكِين الثاءِ، ورُويَ : ((لا قَطْعَ فِي ثَمِرٍ ولا كَثَرٍ)(٤) وقولُه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر / ١] قيل: هو نهرٌ في الجنّةِ يَتَشَعَّبُ عنه الأنهارُ، وقيلَ: بَلْ هو الخيْرُ الْعظيمُ الذي أَعْطَاهُ النبيَّ ◌ََّ، وقد يقالُ للرّجُل السَّخِيِّ: كَوْثَرٌ، ويقالُ: تَكَوْثَرَ الشيءُ: كَثُرَ كَثْرَةً مُتَنَاهِيَةً، قال الشاعرُ: ٣٨٣ - وقد ثَارَ نَفْعُ المَوْتِ حتى تَكَوْثَرًا(٥) (١) انظر: المجمل ٣ / ٧٧٩، وأساس البلاغة (كثب). (٢) راجع مادة (كبر). (٣) البيت تقدَّم في مادة (قلَّ). (٤) الحديث عن رافع بن خديج قال: سمعتُ رسول اللَّه وَ له يقول: ((لا قطع في ثمر ولا كثر)) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٦٣؛ ومالك في الموطأ ٢ / ٨٣٩؛ والنسائي ٨ / ٨٧. وهو حديث منقطع لكن له متابعات. (٥) هذا عجز بيت، وصدره: أَبَوا أن يُبيحوا جارهم لعدوهم وهو لحسان بن نشيبة، والبيت في اللسان (كثر)، وأساس البلاغة (كثر)؛ وشرح الحماسة ١٧٧/١ . ٧٠٣ كدح - كدر - كدى كدح الكَدْحُ: السَّعْيُ وَالعَناءُ. قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ كادِحْ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ [الانشقاق/ ٦] وقد يُسْتَعْمَلِ اسْتِعْمَالَ الكَدْمِ في الأسنانِ، قال الخليل(١): الكَدْحُ دُونَ الكَدْم. كدر الكَدَرُ: ضِدُّ الصَّفَاءِ، يقالُ: عَيْشٌ كَدِرٌ، والكُدْرَةُ فِي الّوْنِ خاصَّةً، والكُدُورَةُ في الماءِ، وفي العَيْشِ، وَالانْكِدَارُ: تَغَيُّرٌ من انْشار الشيءٍ. قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ [التكوير / ٢]، وَانْكَدَرَ القومُ على كذا: إذا قصَدُوا مُتْنَاثِرِينَ علیهِ . کدی الكُدْيَةُ: صَلَابةٌ في الأرض. يقالُ: حفّرَ فأكْدَى: إذا وصلَ إلى كُدْيَةٍ، واسْتُغِيرَ ذلك للطالب المُخْفِقِ، والمُعْطي المُقِلّ. قال تعالى : ﴿ أَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى﴾ [النجم / ٣٤]. کذب قد تقدّم القَوْلُ في الكذبِ مع الصِّدْقِ(٢)، وأنه يقالُ في المَقالِ والفِعال، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [النحل / ١٠٥]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون / ١] وقد تقدّم كذب أنه كَذِبِهُمْ في اعْتِقَادِهِمْ لا في مقَالهِمْ، ومقالُهم كان صِدْقاً، وقولُه: ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴾ [الواقعة / ٢] فقد نُسِبَ الكذِبُ إلى نَفْسِ الفِعْل، كقولهم: فَعْلَةٌ صادقةٌ، وفَعْلَةٌ كاذِبَةٌ، قولُه: ﴿ نَاصِيَّةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق / ١٦]، يقالُ: رَجُلٌ كَذَابٌ وَكَذُوبٌ وَكُذبْذُبِّ وَكَيْذُبَانُ. كلُّ ذلك للمُبالغَةِ، ويقال: لا مَكْذَبة، أي: لا أَكْذِبُكَ، وَكَذَبْتُكَ حديثاً، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [التوبة / ٩٠]، ويتَعَدّى إلى مَفْعُولِيْن نحوُ: صَدِقَ في قولِهِ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ﴾ [الفتح / ٢٧]. يقالُ: كَذَبَهُ كِذْباً كَذِباً وَكِذَاباً، وأَكْذَبْتُهُ: وَجَدْتُه كاذِباً، وَكَذَّبْتُهُ: نَسَبْتُه إلى الكَذِبِ صادِقاً كان أو كاذِباً، وما جاءً في القُرْآنِ فَفِي تَكْذِيبِ الصادق نحوُ: ﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران / ١١]، ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذِّبُونٍ﴾ [المؤمنون / ٢٦]، ﴿ بَلْ كَذِّبُوا بِالْحَقِّ ﴾ [ق/ ٥]، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذّبُوا عَبْدَنَا ﴾ [القمر/ ٩]، ﴿كَذَّبَتْ ثُمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾ [الحاقة / ٤]، ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذِّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ [الحج/ ٤٢]، ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر / ٢٥]، وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ﴾ [الأنعام / ٣٣] قُرىءَ بالتخفيف وَالتّشْديد(٣)، (١) العين ٦٠/٣. (٢) راجع: مادة (صدق). (٣) قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، والباقون بالتشديد. انظر: الإتحاف ص ٢٠٧ . ٧٠٤ کرَّ ومَعْناهُ: لا يجِدُونَك كَاذِباً ولا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُشْبِتُوا كَذِبَكَ، وقولُه: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَأْسَ الرُّسُلُ وَظَنُوا أَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف / ١١٠] أي: عِلِمُوا أنهمُ تُلُقوا مِنْ جِهَةِ الذينَ أُرْسِلوا إليْهم بالكَذِبِ، فَـ «كُذِّبُوا) نحوُ: فُسِّقُوا وزُنُوا وخُطِّئُوا: إذا نُسِبُوا إلى شيءٍ من ذلك، وذلك قولُه: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [فاطر / ٤] وقوله: ﴿ فَكَذّبُوا رُسُلِي﴾ [سبأ/ ٤٥]، وقوله: ﴿إِنْ كُلِّ إِلَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ [ص/١٤]، وقُرىءَ: ﴿كَذِبُوا﴾(١) بالتّخْفِيف. من قولهم: كَذَبْتُكَ حديثاً. أي: ظَنَّ المُرْسَلُ إليهم أَنَّ المُرْسَلَ قد كَذَبُوهُمْ فيما أخْبَرُوهُمْ به أنهمْ إن لم يُؤْمِنُوا بِهِمْ نَزَلَ بِهِمُ العذابُ، وإنما ظَنُّوا ذلك من إمهال اللَّه تعالى إيّاهُمْ وإِمْلائِهِ لهم، وقولُه: ﴿لَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً﴾ [عمّ / ٣٥] الكِذّابُ: التّكْذِيبُ. وَالْمَعنى: لا يُكَذِّبونك فَيُكَذِّبُ بعضُهم بعضاً، وَنَفْيُ التّكْذِيبِ عن الجنةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الكَذِبِ عنها، وقُرِىءَ: ﴿كِذَاباً ﴾(٢) من المُكَاذَبَةِ. أي: لا يَتْكَاذِّبُونَ تَكاذُّبَ الناس في الدنْيا، يقال: حَمَلَ فُلانٌ عَلَى قِرْنِه فَكَذَب(٣)، كما يقالُ في ضِدِّهِ: صَدَقَ. وَكَذَبَ لَبَنُ الناقةِ: إذا ◌ُنَّ أنْ يَدُومَ مُدَّةً فَلَمْ يَدُمْ. وقولُهم: (كَذَبَ عليكَ الحَجُّ)(٤) قيل: مَعْنَاهُ وَجَبَ فعليك به، وَحَقِيقَتُه أنه في حُكْم الفائت لبطءٍ وَقْته، كقولك: قد فاتَ الحَجُّ فَبَادِرْ، أي: كادَ يَفُوتُ. وَكَذَبَ عليك العسَلَ (٥) بالنَّصْبِ، أي: عليك بالعَسلِ، وذلك إِغْراءٌ، وقيلَ: العَسَلُ هُهُنا العَسَلانُ، وهو ضَرْبٌ من العَدْوِ، وَالكَذَّابَةُ: ثَوْبٌ يُنْقَشُ بِلَوْنِ صِبْغٍ كأنه مُوشَى، وذلك لأنه يُكَذَّبُ بحالِه. كر الكَرُّ: العَطْفُ على الشيءِ بِالذّاتِ أو بالفِعْلِ ، ويقالُ للحَبْلِ المَفْتُولِ: كَرِّ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وصارَ اسْماً، وَجَمْعُهُ: كُرُورٌ. قال تعالى: ﴿ثُمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وأبي جعفر وخلف. انظر: الإتحاف ص ٢٦٨ . (٢) وهي قراءة الكسائي. انظر: الإِتحاف ص ٤٣١. (٣) قال الزمخشري: ومن المجاز: حملَ فلانٌ ثم كذَّب: إذا جبن ونكل، ومعناه: كذَّبِ الظن به، أو جعلٍ حملته كاذبة غير صادقة. انظر: أساس البلاغة (كذب). وقال شمِر: يقال للرجل إذا حمل ثم ولَّى ولم يمض: قد كذَّب عن قِرِنه تكذيباً، والتكذيب في القتال ضد الصدق فيه. اللسان (كذب). (٤) قال أبو عبيد: في حديث عمر: (كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد ثلاثة أسفارٍ كذبن عليكم) انظر: غريب الحديث ٣ / ٢٤٨؛ وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٧٢/٥. (٥) الحديث: إنّ عمروبن معديكرب شكا إلى عمر بن الخطاب المعَص، فقال: كذبَ عليك العسلَ. يريد: العسلان، وهو مشي الذئب. أي: عليك بسرعة المشي. والمعص: التواءً في عصب الرُّجل. انظر: النهاية ٤ / ١٥٨؛ والفائق ٢ / ٢٠٠؛ واللسان (كذب). ٧٠٥ کرس کرب [الإسراء / ٦]، ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ | المُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء/ ١٠٢]، ﴿وَقَالَ الّذِينَ اتَبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة/ ١٦٧]، ﴿لَوْ أَنَّ لي كَرَّةٌ﴾ [الزمر / ٥٨] والكِرْكِرَةُ: رَحَی زَوْرِ البَعِيرِ، وَيُعبِّرُ بها عن الجماعةِ الْمُجْتَمِعِةِ، والكَرْكَرَةُ: تَصْرِيفُ الرِّيحِ السَّحابَ، وذلك مُكَرّرٌ مِنْ كَرَّ. کرب الكَرْبُ: الغمُّ الشّدِيدُ. قال تعالى: ﴿فَنَجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنبياء/ ٧٦]. وَالْكُرْبةُ كالغُمّةِ، وأَصْلُ ذلك مِنْ: كَرْبٍ الأَرْضِ، وهو قلبُها بالحَفْرِ، فالغمُّ يُثِيرُ النّفْسَ إِثَارَةَ ذلك، وقيلَ في مَثَلٍ : الكِرَابُ على البَقّر (١)، وليسَ ذلك من قولهم: (الكلاب عَلَى البَقَر) في شيءٍ. وَيصِحُّ أن يكونَ الكَرْبُ مِنْ: كَرَّبَتِ الشمسُ: إذا دَنَتْ لِلْمِغِيبِ. وقولُهُمْ: إناءٌ كَرْبَانُ، أي: قرِيبٌ. نحوُ: قَرْبانَ، أي: قَرِيبٌ مِنَ المِلْءِ، أو من الكَرَبِ، وهو عَقْدٌ غَلِيظُ في رِشا الدَّلْوِ، وقد يُوصَفُ الغَمُّ بأنه عُقْدَةٌ عَلَى القلْب، يقالُ: أكْرَبْتُ الدَّلْوَ. کرس الكُرْسِيُّ فِي تَعَارُفِ العامّةِ: اسْمٌ لِما يُفْعَدُ عليه. قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص / ٣٤] وهو في الأَصْل مَنْسُوبٌ إلى الكِرْسِ، أي: المُتَلِّدِ أي: المُجْتَمِعِ. ومنه: الكُرّاسَةُ لِلْمُتَكَرِّسِ من الأوراقِ، وَكَرَسْتُ البِنَاءَ فَتَكَرَّسَ، قال العَجاجُ: ٣٨٤ - يا صاح هلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا قال: نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وَأَبْلَا(٢) والكِرْسُ: أَصْلُ الشيءٍ، يقالُ: هو قَدِيمُ الكِرْسِ. وَكلُّ مُجْتَمِعٍ من الشيءِ کِرْسٌ، وَالكَرُّوسُ: المُتْرِكِّبُ بعضُ أجزاءٍ رأسِه إلى بعضِه لِكِبْرِهِ، وقولُه عزَّ وجل: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمْوَاتِ والأَرْضَ ﴾ [البقرة/ ٢٥٥] فقد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أَنَّ الكُرْسِيِّ الْعِلمُ(٣)، وقيلَ: ◌ُرْسِيُّه: أصل مُلْكه، وقال بعضُهمْ: هو اسْمُ الفَلَكِ المُحِيطِ بالأفلاكِ، قال: ويَشْهَدُ لذلك ما رُوِيَ ((مَا السَّمْوَاتُ السّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاقٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ)(٤). (١) قال ابن فارس: ويقولون: الكراب على البقر، كأنهم أرادوا كَرْبَ الأرضِ للحرثِ. ويقال: الكلاب على البقر، يراد: صدنا بالبقر الكلاب، ويقال: تأويله: خلّ امرءاً وصناعته. انظر: المجمل ٣ / ٧٨٣؛ وجمهرة الأمثال ١٦٩/٢؛ والأمثال ص ٢٨٤ . (٢) الرجز للعجاج، وهو في ديوانه ص ١٦؛ ومجاز القرآن ١ / ١٩٢؛ وتفسير القرطبي ٦ / ٤٢٧. (٣) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وسِعَ كرسيه السمواتِ والأرضَ﴾ قال: كرسيه: علمه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ولا يؤوده حفظهما) انظر: الدر المنثور ٢ / ١٦؛ والأسماء والصفات ص ٤٩٧. (٤) الحديث تقدَّم في مادة (عرش). وقال ابن حجر: صحَّحه ابن حبان، وله شاهدٌ عن مجاهد، أخرجه سعيد بن منصور في التفسير بسندٍ صحيح. فتح الباري ٤١١/١٣. ٧٠٦ کرم كرم الكَرَمُ إذا وُصِفَ اللَّهُ تعالى به فهو اسمُ الإِحْسَانِهِ وَإِنْعَامِهِ المُتَظاهِرِ، نحوُ قولِهِ: ﴿ إِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل / ٤٠]، وإذا وُصِفَ به الإِنسَانُ فهو اسْمٌ للَأَخْلاقِ وَالأَفْعالِ المحمُودَةِ التي تَظْهَرُ منه، ولا يقالُ: هو كَرِيمٌ حتى يَظْهَرَ ذلك منه. قال بعضُ العُلَماءِ: الكَرَمُ كالحُرِّيّةِ إِلّ أَنَّ الحُرِّيّةَ قد تقالُ في المحاسِنِ الصَّغِيرَةِ والكْبِيرَةِ، والكَرَمُ لا يقالُ إلا في المحاسنِ الكَبِيرَةِ، كَمَنْ يُنْفِقُ مَالاً في تجْهِيزِ جَيْشٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ، وَتَحَمُّلِ حَمَالةٍ تُرَقىء بِهَا دِمَاءُ قَوْمٍ، وَقولُه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات / ١٣] فإنما كان كذلك لأنَّ الكَرَمَ الأفعالُ المحمُودَةُ، وأكْرَمُهَا وَأَشْرَفُها ما يُقْصَدُ به وجْهُ اللَّهِ تعالى، فمنْ قَصَدَ ذلك بمَحَاسِنِ فِعْلِهِ فهو التّقِيُّ، فإِذاً أَكْرَمُ الناسِ أَتَّقَاهُمْ، وَكُلُّ شَيْءٍ شَرُفَ في بابِهِ فإِنهُ يُوصَفُ بالْكَرَمِ. قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾ [لقمان/ ١٠]، ﴿ وَزُرُوعٍ وَمَقَّامٍ كَرِيمٍ ﴾ [الدخان/ ٢٦]، ﴿إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة / ٧٧]، ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ [الإِسراء/ ٢٣]. وَالإِكْرَامُ والتَّكْرِيمُ: أَنْ يُوصَلَ إلى الإِنسَانِ إكرامٌ، أَيْ: نَفْعٌ لا يَلْحَقُهُ فيه غَضاضَةٌ، أوْ أنْ يَجْعَلَ ما يُوصَلُ إليه شيئاً كَرِيماً، أي: شَرِيفاً، قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ كره المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات / ٢٤]. وقولُه: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكرَمُونَ ﴾ [الأنبياء/ ٢٦] أي: جَعَلَهُمْ كِرَاماً، قال: ﴿كِرَاماً كاتِبِينَ﴾ [الانفطار/ ١١]، وقال: ﴿ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس/ ١٥ - ١٦]، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ ﴾ [يَس/ ٢٧]، وقوله: ﴿ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن / ٢٧] مُنْطَوٍ عَلَى المعْنِّيْنِ. كره قيلَ: الكَرْهُ وَالكُرْهُ واحِدٌ، نحوُ: الضَّعْفُ وَالضُّعْفُ، وقيلَ: الكَرْهُ: المَشَقّةُ التي تَنَالُ الإِنْسَانَ من خارجٍ فيما يُحْمَلُ عليه بإِكراهٍ، وَالكُرْهُ: مَا يَنالُهُ من ذاتِهِ وهو يَعافُهُ، وذلك على ضَرْبَيْنِ: أحدُهُما: ما يُعافُ من حيْثُ الطَّبْعُ. والثاني: ما يُعافُ من حِيْثُ العَقْلُ أو الشّرْعُ، ولهذا يَصِحُّ أن يقولَ الإِنْسَانُ في الشيءِ الواحِدِ : إني أُرِيدُهُ وأَكْرَهُهُ، بِمَعْنِى أَنِّي أُرِيدُهُ من حيْثُ الطَّبْعُ، وَأَكرَهُهُ من حِيْثُ العَقلُ أو الشّرْعُ، أَوْ أُرِيدُهُ من حيْثُ العَقلُ أو الشَّرْعُ، وأَكْرَهُهُ من حِيْثُ الطَّبْعُ، وقولُه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة / ٢١٦] أي: تَكْرَهُونَهُ من حيْثُ الطَّبْعُ، ثمَّ بَيِّنَ ذَلِكَ بقولهِ: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة/ ٢١٦] أنه لَا يَجِبُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَبِرَ كَرَاهِيَتَهُ للشيْءِ أو مَحَبَّهُ له حتى يَعْلَمَ حالَهُ. وَكَرِهْتُ يقالُ فيهما جميعاً إِلّ أنَّ اسْتِعْمَالَهُ في الكُرْه أكثرُ. قال ٧٠٧ كره تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة/ ٣٢]، ﴿ولوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة / ٣٣]، ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ [الأنفال / ٥]، وقولُه: ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْئاً فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ [الحجرات / ١٢] تنبيهً أَنّ أَكْلَ لَحْمِ الأخ شيءٌ قد جُبِلَتِ النّفْسُ عَلَى كَرَاهَتِهَا له وَإِنْ تَحَرَّهُ الإِنْسَانُ، وقولُه: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ [النساء / ١٩] وَقُرِىءَ: ﴿كُرْهاً﴾(١)، وَالإِكْرَاهُ يقالُ فِي حَمْلِ الإِنْسَانِ على ما يَكْرَهُهُ، وقولُه: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُوا فَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور / ٣٣] فَنَهْيٌ عن حَمْلِهِنَّ على ما فيه كَرْهُ وَكُرْهُ، وقولُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة / ٢٥٦] فقد قيلَ: كَان ذلك في ابْتِدَاءِ الإِسْلامِ، فإِنه كانَ يُعْرَضُ على الإِنْسَانِ الإِسْلاَمُ فإِن أجاب وَإلَّ تُرِكَ (٢). والثاني: أَنَّ ذلك في أَهْلِ الكتَابِ، فإِنّهُمْ إِنْ أرادُوا الجِزْيَةَ وَالتَّزَمُوا الشّرَائِطَ تُرِكُوا(٣). والثالثُ أنه لا حُكْمَ لِمِن أَكْرِهَ عَلَى دِينٍ بَاطِلٍ فاعْتَرَفَ بِهِ وَدَخَلَ فيه، كما قال تعالى: ﴿إِلَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمانِ ﴾ [النحل / ١٠٦]. الرابعُ: لا اعْتِدَادَ فِي الآخِرَةِ بَمَا يَفْعَلُ الإِنْسَانُ في الدُّنْيًا من الطاعَةِ كَرْهاً؛ فإِنَّ اللّهَ تعالى يَعْتَبِرُ السَّرَائِرَ ولا يَرْضَى إِلَّ الإِخْلاصَ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((الأَعْمَالُ بالنَِّّاتِ))(٤)، وقال: ((أَخْلِصْ يَكْفِكَ القليلُ مِنْ العَمْلِ )) (٥). الخامِسُ: مَعْنَاهُ لا يُحْمَلُ الإِنْسَانُ على أمْرٍ مَكْرُوهٍ فِي الحَقِيقَةِ مما يكلِّفُهُمُ اللَّهُ بَلْ يُحْمَلُونَ على نعِيمِ الأبَدِ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلامُ: ((عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الجَنَّةِ بِالسَّلاسِلِ))(٦). السادِسُ: أَنَّ الدِّينَ الجَزَاءُ. مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِمُكْرَهٍ على الجَزَاءِ بَلْ يَفْعَلُ ما يَشَاءُ بِمَنْ يَشَاءُ كما يَشَاءُ. وقولُه: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ﴾ إلى قولِه: (١) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. انظر: الإتحاف ص ١٨٨ . (٢) ويؤيد هذا ما أخرجه ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس قال: نزلت في رجلٍ من الأنصار من بني سالم بن عوف، يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبيَّ وَّ: ألا أستكرههما؟ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك. انظر: الدر المنثور ٢١/٢؛ وتفسير الطبري ١٤/٣. (٣) وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، وأخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم. (٤) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في بدء الوحي ١ / ٧؛ ومسلم في الإمارة برقم (١٩٠٧)، وغيرهما. (٥) الحديث عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني. قال: ((أخلص دينك يكفك العمل القليل)) أخرجه الحاكم في الرقاق ٤ / ٣٠٦، وقال: صحيح الإسناد، ولم يوافقه الذهبي؛ وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٤٤. وقال العراقي: رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ، وإسناده منقطع. انظر: تخريج أحاديث الإحياء ٦ / ٢٤٠٦. (٦) الحديث تقدَّم في مادة (سلّ). ٧٠٨ کسب ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [آل عمران / ٨٣](١) قيلَ مَعْنَاهُ: أَسْلَمَ مَنْ فِي السموَاتِ طَوْعاً، وَمَنْ في الأرضِ كَرْهاً. أي: الحُجَّةُ أَكْرَمَتْهُمْ وَأُلْجَتْهُمْ، كقولك: الدَّلاَةُ أَكْرَهَتْنِي على القول بهذه المَسْأَلَةِ، وليسَ هذا من الكُرْهِ المَذْمُومِ. الثاني: أَسْلَمَ المُؤْمِنُونَ طَوْعاً، والكافِرُونَ كَرْهاً إذْ لم يَقْدِرُوا أَنْ يَمْتَنِعُوا عليه بما يُرِيدُ بِهِمْ وَيَقْضِیه علیھم. الثالثُ: عن قَتَادَةَ: أَسْلَمَ المُؤْمِنُونَ طَوْعاً والكافِرُونَ كَرْهاً عِنْدَ المَوْتِ حَيْثُ قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانِهُمْ لمَّا رأوا بأسنا ... ) الآية [غافر / ٨٥]. الكَسْبُ: ما يَتَحَرَّهُ الإِنْسَانُ مما فيه اجْتِلابُ نَفْعٍ، وَتَحْصِيلُ حَظٍّ، كَكَسْبِ المَالِ ، وقد يُسْتَعْمَلُ فيما يَظُنُّ الإِنْسَانُ أنه يَجْلِبُ مَنْفَعَةً، ثم الرابعُ: عُنِيَ بالكَرْهِ مَنْ قُوتِلَ وَأُلْجِىءَ إلى أَنْ يُؤْمِنَ. اسْتُجْلِبَ بِهِ مَضَرَّةٌ. والكَسْبُ يقالُ فيما أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ ولغَيْرِهِ، ولهذا قد يَتَعَدَّى إلى مَفْعُولَيْنِ، الخامِسُ: عن أبي العاليةِ(٢) ومُجَاهِدٍ أَنْ كُلَّ أَقَرَّ بِخَلْقِهِ إِيَّاهُمْ وَإِنْ أَشْرَكُوا مَعَهُ، كقولِه: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [الزخرف / ٨٧]. فيقالُ: كَسَبْتُ فُلاناً كذا، والاكْتِسَابُ لا يقالُ إلّ فيما اسْتَفَدْتَهُ لِنَفْسِكَ، فَكُلُّ اكْتِسَابٍ كَسْبٌ، ولیسَ كلُّ كَسْبٍ اكْتِسَاباً، وذلك نحوُ: خَبَزَ وَاخْتَبَزَ، وَشَوَى واشْتَوَى، وَطَبَخَ وَاطَبَخَ، وقولُه تعالى : السادِسُ: عن ابن عباسٍ : أَسْلَمُوا بأحوالِهِمْ المُنْبِشَةِ عنهم وإن كَفَرَ بعضُهم بِمَقَالِهِمْ، وذلك هو ﴿ أَنْفِقُوا مِنْ طَيَِّاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة/ ٢٦٧] الإِسْلامُ في الدَّرِّ الأوَّلِ (٣) حَيْثُ قَالَ: ﴿أَلَسْتُ أَرُويَ أنه قيلَ للَّبِيَِّ (٤): أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ (١) الآية: ﴿ أَفغيرَ دينِ اللَّهِ يبغون ولَهُ أسلمَ مَنْ في السمواتِ والأرضِ طوعاً وكرهاً﴾. (٢) أبو العالية الرياحي، واسمه رُفيع بن مهران، ثقة كثير الإِرسال، من الثانية. مات سنة تسعين. راجع: تقريب (٣) أخرجه ابن جرير ٣٣٦/٣ بسند صحيح. التهذيب ص ٢١٠ . (٤) انظر سنن النسائي ٢٤١/٧، وأخرجه أحمد ١٤١/٤، وفيه المسعودي، وهو ثقة لكنه اختلط. ٧٠٩ ا بِرَبَّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف / ١٧٢] وذلك هو دَلَائِلُهُمُ التي فُطِرُوا عليها مِنَ العَقْلِ الْمُقْتَضِي لِأَنْ يُسْلِمُوا، وإلى هذا أَشَارَ بقوله: ﴿وَظِلالُهُمْ بالغُدُوِّ وَالآَصَالِ ﴾ [الرعد / ١٥]. السابعُ: عن بعض الصُوفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ طَوْعاً هو مَنْ طَالَعَ المُثِيبَ وَالْمُعَاقِبَ لا الثَّوَابَ وَالعِقَابَ فَأَسْلَمَ له، وَمَنْ أَسْلَمَ كَرْهاً هو مَنْ طَالَعَ الثَّوَابَ والعِقَابَ فَأَسْلَمَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، ونحوُ هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمْوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرَهاً ﴾ [الرعد / ١٥]. كسب کسب فقالَ عليه الصلاة والسلامُ، ((عَمَلُ الرجُلِ بِيْدِهِ»، وقالَ: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا يأكلُ الرجُلُ من ◌َكَسْبِهِ وَإِنّ وَلَدَهُ من كَسْبِهِ)(١)، وقال تعالى: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة/ ٢٦٤] وقد وَرَد في القُرْآنِ فِي فِعْلِ الصالحاتِ والسيئاتِ؛ فَمِمًّا اسْتُعْمِلَ في الصالحاتِ قولُه: ﴿ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً ﴾ [الأنعام/ ١٥٨]، وقولُه: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ إلى قولهِ: ﴿مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة/ ٢٠١ - ٢٠٢](٢). وَمِمَّا يُسْتَعْمَلُ فِي السَّيِّئَاتِ: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام / ٧٠]، ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾ [الأنعام/ ٧٠]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَونَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام / ١٢٠]، ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ [البقرة/ ٧٩]، وقال: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً ولْيْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة / ٨٢]، ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا ﴾ [فاطر/ ٤٥]، ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كلُّ نَفْسٍ إِلّ عَلَيْهَا ﴾ [الأنعام / ١٦٤]، وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفِّى كلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران/ ١٦١] فَمُتَنَاوِلُ لَهُمَا. والاكْتِسَابُ قد ورَدَ فيهما. قال في الصالحاتِ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّ اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء / ٣٢]، وقولُه: ﴿لَهَا ما كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة/ ٢٨٦] فقد قيلَ خُصَّ الكَسْبُ هُهُنَا بالصالِحِ، وَالاكْتِسَابُ بالسّيِّىءِ، وَقيلَ: عُنِيَ بالكَسْبِ مَا يَتْحَرَّاهُ مِنْ المَكاسِبِ الأُخْرَوِيَّةِ، وَبالاكْتسابِ ما يَتَحرَّهُ مِنْ المكاسِبِ الدُّنْيَوِيّةِ، وقيل: عُنِيَ بالكَسْبِ ما يَفْعَلُه الإِنْسانُ مِنْ فَعْلٍ خَيْرٍ وَجَلْبِ نَفْعٍ إلى غيرِهِ مِنْ حَيثما يجوزُ، وبالاْتِسَابِ ما يُحَصِّلُه لَنَفْسِهِ مِنْ نَفْعٍ يُجُوزُ تَنَاوُلُه، فَنَبَّ عَلَى أَنَّ ما يَفْعَلُه الإِنْسَانُ لِغَيْرهِ مِنْ نَفْعٍ يُوصِّلُه إليه فلهُ الثّوابُ، وَأَنَّ مَا يُحَصِّلُهُ لِنْفْسِهِ - وَإِنْ كان مُتَنَاوَلاً مِنْ حيْثُما يجوزُ عَلَى الوَجْه - فقَلّما يَنْفَكُ مِنْ أَنْ يكونَ عليه، إشارةً إلى ما قيلَ: (مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى المَصائب)(٣)، وَقولُه تعالى: ﴿إِنمَّا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن/١٥]، ونحو ذلك. (١) الحديث عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﴿ه: ((إنَّ أطيب ما أكلَ الرجلُ كسبُه، وإنَّ ولده مِن كسبه)) أخرجه ابن حبان وصححه، في صحيحه برقم (١٠٩١)؛ وأبو داود برقم ٣٥٣٠؛ وابن ماجه برقم (٢٢٩٢)، وسنده حسن، وأحمد ٣١/٦؛ وقال المنذري: رجاله ثقات. (٢) الآية: ﴿ومنهم مَنْ يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذابَ النار » أولئك لهم نصيبُ ممَّا كسبوا واللَّهُ سريع الحساب﴾. (٣) هذا من كلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. انظر مجمع الأمثال ٢٧٤/٢، والتمثيل والمحاضرة ص ٣٢. ٧١٠ کسف - کسل کسف كُسُوفُ الشمس والقَمَرِ: اسْتَارُهُمَا بِعَارِضٍ مَخْصُوصٍ، وبه شُبِّهَ كُسُوفُ الوَجْهِ والحال، فقيلَ: كَاسِفُ الوَجْهِ وكاسِفُ الحالِ ، والكِسْفَة: قِطْعَةٌ مِنَ السَّحَابِ والقُطْنِ، ونحو ذلك من الأجْسام المُتَخَلْخِلَةِ الحائلةِ، وجمْعُها كِسَفٌ، قال: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ [الروم / ٤٨]، ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [الشعراء/ ١٨٧]، ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كما زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ [الإسراء / ٩٢] و﴿ كشْفاً﴾(١) بالسُّكونِ. فَكِسَفْ جَمْعُ كِسْفَةٍ، نحوُ: سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ. ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [الطور/ ٤٤]. قال أبو زَيْدٍ: كَسَفْتُ الثّوْبَ أَكْسِفُهُ كِسْفاً: إذا قَطْعْتَهُ قِطَعاً(٢)، وقيل: كَسَفْتُ عُرْقُوبَ الإِبلِ، قال بعضهم: هو كَسَحْتُ لا غَيْرُ. کسا ولأجل ذلك صارَ مَذْمُوماً. يقالُ: كَسِلَ فهو كَسِلٌ وكَسْلانُ(٣)، وجَمْعُهُ: كُسالَى وَكَسَالَى، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلَةَ إلّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة / ٥٤] وقيل: فلانٌ لا تُكَسِّلهُ المكاسِلُ(٤)، وَفَحْلٌ كَسِلٌ: يَكْسَلُ عن الضِّرَاب، وامْرَأَةٌ مِكْسَالٌ: فاتِرَةً عَنِ التَّحَرُّكِ. کسا الكِساءُ والكِسْوَةُ: اللّباسُ. قال تعالى: ﴿ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أو تحريرُ رقبة ﴾ [المائدة/ ٨٩]، وقد كَسَوْتُهُ واْتَسَى. قال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ﴾ [النساء/ ٥]، ﴿فَكْسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون/ ١٤]، وَاكْتَسَتِ الأرضُ بِالنَّبَاتِ، وقولُ الشاعرِ: ٣٨٥ - فَباتَ له دُونَ الصَّبا وهي قُرَّةً لحافٌ وَمَصْقُولُ الكِساءِ رَقِيقُ (٥) فقد قيل: هو كنايةٌ عَنِ اللَّنِ إذا عَلَتْهُ كسل الكَسَلُ: الثَاقُلُ عمّا لا ينْبغِي التَاقل عنه، | الدُّوايَةُ(٦)، وقولُ الآخر: (١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب. انظر: الإتحاف ص ٢٨٦ . (٣) انظر: الأفعال للسرقسطي ٢ / ١٤٤. (٢) انظر: تهذيب اللغة ٧٦/١٠. (٤) قال ابن منظور: ويقال: فلانٌ لا تُكسله المكاسِل. يقول: لا تُثقله وجوه الكسل. انظر: اللسان (كسل)؛ وتهذيب اللغة ١٠ / ٦١. (٥) البيت لعمرو بن الأهتم، وهو شاعر مخضرم، من قصيدته المفضلية، ومطلعها: وبانت على أنَّ الخيالَ يشوق ألا طرقت أسماءُ وهي طروق والبيت في المفضليات ص ١٢٧؛ والمجمل ٣ / ٧٨٤؛ واللسان (كسأ)؛ والمعاني الكبير ١/ ٣٩٨. (٦) قال التبريزي: أي: صار للضيف في مدافعة أذى الريح - وهي باردة - لحافٌ. أي: دثار يلتحف به. وقال الأصمعي: أراد بالكساء الدُّواية، وهي الجلدة الرقيقة التي تعلو اللبن إذا برد. انظر: شرح المفضليات للتبريزي ٢/ ٠٦٠٩ ٧١١ كشف - كشط ٣٨٦ - حتى أَرَى فَارِسَ الصّمْوُتِ على أكْساءِ خَيْلٍ كأنها الإِبِلُ (١) قيلَ: مَعْناهُ: عَلَى أَعْقابها، وأصْلُه أن تُعْدَى الإِبِلُ فَتُثِيرَ الغُبارَ، ويَعْلُوَهَا فَيَكْسُوَهَا، فكأنه تَوَلّى إِنْسَاءَ الإِبِلِ، أي: مَلابسَهَا من الغُبارِ. کشف كَشَفْتُ الثّوْبَ عَن الوَجْهِ وغيره، ويقالُ: كَشَفَ غَمّهُ. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّ هُوَ﴾ [الأنعام / ١٧]، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام / ٤١]، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق / ٢٢]، ﴿ أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل / ٦٢]، وقولُه: ﴿ يَوْمَ يُكشّفِ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم / ٤٢] قيل: أصلُهُ مِنْ: قامتِ الحربُ على ساقٍ، أي: ظَهَرتِ الشِّدَّةُ، وقال بعضهم: أصْلُه مِنْ تَذْمِيرِ الناقة، وَهو أنه إذا أخْرَجَ رَجُلٌ الفَصِيلَ من بَطن أُمِّه، فيقالُ: كُشِفَ عن السَّاق. كشط قال عزَّ وجل: ﴿ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير / ١١] وهو مِنْ: كَشْطِ الناقةِ، أي: كظم - كعب تَنْحِيَةِ الجِلْد عنها، ومنه اسْتُغِيرَ: انْكَشَطَ رَوْعُهُ(٢)، أي: زالَ. كظم الكَظَمُ: مَخْرَجُ النَّفَسِ ، يقالُ: أَخَذَ بِكَظَمِه، والكُظُومُ: احْتِبَاسُ النَّفَسِ، ويُعَبَّرُ به عن السُّكُوتِ كقولهم: فُلانٌ لا يَتَنَفّسُ: إذا وُصِفَ بالمُبالغَةِ في السُّكُوتِ، وكُظِمَ فُلانٌ: حُبِسَ نَفَسُهُ. قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم / ٤٨]، وَكَظُمُ الْغَيْظِ: حَبْسَهُ، قال: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ [آل عمران / ١٣٤] ومنه: كَظَمَ الْبَعِيرُ: إذا تَرِكَ الاجْتِرَارَ، وكَظَمَ السِّقاءَ: شَدَّهُ بَعْدَ مَلْئِهِ مانِعاً لنَفَسِهِ، وَالكِظامَةُ: حَلْقَةٌ تُجْمَعُ فِيهَا الخُيُوطُ فِي طَرَفِ حَدِيدَةِ الميزانِ، والسّيْرُ الذي يُوصَلُ بِوَتَرِ القَوْسِ، والكَظَائِمُ: خُرُوقُ بَيْنَ البِرَيْنِ يجْرِي فيها الماءُ؛ كلُّ ذلك تشبيهٌ بِمَجْرَى النَّفَسِ ، وتَرَدُّدِه فیه. کعب كَعْبُ الرِّجْلِ: العَظْمُ الذي عِنْدَ مُلْتَقَى القَدَم والساق. قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة/ ٦]. والكَعْبَةُ: كلُّ بَيْتٍ عَلَى هَيْتِهِ في التّرْبِيع، وبِهَا سُمِّيَتِ الكَعْبَة. قال تعالى: (١) البيت للمثلَّم بن عمرو التنوخي، ويقال: للبريق بن عياض الهذلي. وهو في المجمل ٣/ ٧٨٤؛ والعباب الزاخر (كسأ)، واللسان (كسأ)، والتاج (كسأ)؛ وشرح الحماسة المرزوقي ٤٧٩/١؛ وشرح أشعار الهذليين ٧٥٩/٢. (٢) انظر: المجمل ٣ / ٧٨٦. ٧١٢ کفَّ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ﴾ [المائدة/ ٩٧]. وذُو الكَعَباتِ: بَيْتُ كان في الجاهلية مكة رَبِيعَة، وَفُلانٌ جالسٌ فِي كَعْبَتِهِ، أي: غُرْفَتَه وَبَيْتِه على تلك الهْيئَةِ، وَامْرَأَةٌ كاعِبٌ: تَكَعَّبَ ثَدْيَاهَا، وقد كعَبَتْ كَعَابَةٌ، والجمعُ كَوَاعِبُ، قال: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ / ٣٣]، وقد يقالُ: كَعَبَ الثّدْيُ كَعْباً، وَكَعَّبَ تَكْعِيباً(١)، وثَوْبٌ مُكَعَّبُ: مَطْوِيٌّ شَدِيدُ الإِدْرَاجِ، وَكلُّ ما بَيْنَ العُقْدَتْينِ من القَصَبِ وَالرُّمْحِ يقالُ له: كَعْبٌ، تشبيهاً بالكَعْبِ في الفَصْلِ بَيْنَ العُقْدَتْيْنِ، كَفَصْلِ الكَعْبِ بَيْنَ السَّاقِ وَالقَدَم . كف الكَفُّ: كَفُّ الإِنْسَانِ، وهي ما بها يقْبِضُ ويُبْسُط، وكَفَفْتُه: أصبْتُ كفّهُ، وكَفَفْتُهُ: أصبْتُهُ بالكَفِّ وَدفعْتُه بها. وتُعُورِفَ الكفُّ بالدَّفْعِ على أيّ وجْهٍ كان؛ بالكَفِّ كانَ أو غيْرِها حتى قيلَ: رَجُلٌ مِكْفُوفٌ لِمِنْ قُبِضَ بَصْرُه، وقوله تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلّ كافّةً لِلنَّاسِ ﴾ [سبأ / ٢٨] أي: كافّاً لَهُمْ عن المعاصِي، والهاءُ فيه للمبالغَةِ كقولهم: راوِيةٌ، وعلامةٌ، وَنسَّابٌ، وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوا المِشْرِكِينَ كافّةً كمَا يُقاتِلُونَكُمْ كافّةً : کفت [التوبة / ٣٦] قيل: معناه: كافِّينَ لَهُمْ كمَا يُقاتِلُونَكُمْ كافّين(٢)، وقيل: معناهُ جماعةً كمَا يُقاتلونكمْ جماعةً، وذلك أن الجماعة يقَالُ لهم الكافّة، كما يقالُ لهُمُ الوَزَعَةُ لِقُوَّتِهِمْ باجتماعِهم، وعلى هذا قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا ادْخُلُوا في السُّلْمِ كافّة ﴾ [البقرة/ ٢٠٨]، وقوله: ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَا أُنْفَقَ فِيهَا ﴾ [الكهف / ٤٢] فإشارةٌ إلى حال النادِمِ وما يَتَعاطاهُ في حال ندمهِ. وتكفّفَ الرّجُلُ: إذا مدَّ يدهُ سائِلًا، وَاسْتَكَفَّ: إذا مدَّ كفّهُ سائِلاً أو دافعاً، واستكَفَّ الشمسَ: دفعَها بكَفِّهِ، وهو أنْ يضعَ كفّهُ على حاجِبهِ مُسْتَظِلًا من الشمس لَيَرَى ما يَطْلُبُه، وكِفَّةُ الميزان تشبيهٌ بالكفّ في كفّهَا ما يوزَّنُ بها، وكذا كِفّةُ الحِبَالِةِ، وكَفِّفْتُ الثوب: إذا خِطْتُ نَوَاحيَهُ بعدَ الخياطةِ الأولى . کفت الكفْتُ: الْقَبْضُ والجمعُ. قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً ﴾ [المرسلات/ ٢٥ - ٢٦] أي: تجمعُ الناس أحياءهمْ وأمواتهم، وقيل: معناهُ تضمُّ الأحياءَ التي هي الإِنسانُ والحَيَوَاناتُ والنِّبَاتُ، والأمَوَاتَ (١) انظر: اللسان (كعب). (٢) قال الزجاج في الآية: وهذا مشتقٌ من كُفَّة الشيء، وهي حرفه، وإنما أُخذ من أنَّ الشيء إذا انتهى إلى ذلك كُفَّ عن الزيادة، ولا يجوز أن يثنى ولا يجمع، ولا يقال: قاتلوهم كافات ولا كافين، كما أنك إذا قلت: قاتلوهم عامَّةً لم تئنّ ولم تجمع، وكذلك خاصَّة. هذا مذهب النحويين. انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢ / ٤٤٦. ٧١٣ كفر التي هي الجماداتُ من الأرْضِ والماء وغير ذلك. والكِفاتُ، قيلَ: هو الطَّرانُ السَّرِيعُ، وحقيقْتُه: قبضُ الجناح للطّيران، كما قال: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَاتٍ ويَقْبِضْنَ ﴾ [الملك / ١٩] فالْقَبْضُ هُهُنَا كالكِفاتِ هُنَاك. والكَفْتُ: السَّوْقُ الشَّدِيدُ، واستعمالُ الكفْتِ في سَوْق الإِبِلِ كَاسْتَعْمال القبض فيه، كقولهم: قَبِضَ الرَّاعي الإِبلَ، وراعٍ قَبْضَةٌ، وكَفَتَ اللَّهُ فُلَاناً إلى نفْسِهِ، كقولهمْ: قَبَضهُ، وفي الحديث: (اْفِتُوا صِبْيَانِكمْ بِالليْل))(١). كفر الكُفْرُ فِي اللُّغَةِ: سَتْرُ الشيءٍ، وَوَصْفُ الليل بالكافِرِ لِسَتْرِهِ الأشخاص، وَالزَّرَّاعِ لِسَتْرِهِ البَذْر في الأرض، وليسَ ذلك باسْمٍ لهُمَا كما قال بعضُ أهل اللُّغة لمَّا سمعَ : ٣٨٧ - أَلْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينَهَا فِي كَافِ(٢) والكافُورُ: اسْمُ أكْمَام الثّمرة التي تكفرُها، قال الشاعرُ: ٣٨٨ - كَالْكَرْمِ إِذْ نَادَى مِنَ الْكَافُورِ (٣) وَكُفْرُ النِّعْمَةِ وَكُفْرَانِهَا: ستْرُها بترْكِ أداء شكْرها، قال تعالى: ﴿فَلا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ ﴾ [الأنبياء / ٩٤]. وأعظمُ الكُفْرِ: جُحُودُ الوَحْدانيَّة أو الشريعةِ أو النّبُوَّةِ، وَالْكُفْرَان في جُحُود النَّعْمَةِ أكثرُ استعمالاً، وَالْكُفْرُ فِي الدِّين أكثرُ، والكُفُورُ فيهما جميعاً قال: ﴿فَأَبِى الظَّالِمُونَ إلا كُفُوراً ﴾ [الإسراء/ ٩٩]، ﴿فَأَبِى أَكْثُرُ النّاسِ إِلا كُفُوراً ﴾ [الفرقان / ٥٠] ويقالُ منهما: كَفَرَ فهو كافِرٌ. قال في الكُفران: ﴿لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فإنمَا يَشْكُرُ لِنْفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فِإِنْ رَبِّي غَنِيٌّ كِرِيمٌ﴾ [النمل / ٤٠]، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونٍ﴾ [البقرة/ ١٥٢]، وقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فعلْتَ وَأَنْتَ مِن الكافِرِينَ﴾ [الشعراء/ ١٩] أي: تحرَّيْتَ كُفران نِعْمتي، وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدِنَّكُمْ وَلِئِنْ كَفْرَتَمْ إنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم / ٧] وَلِمًّا كانَ الكُفرانُ يقتضي جُحُودَ النِّعمةِ صارَ يُسْتَعملُ في الجُحُودِ، قال: ﴿ وَلا تكوُّنُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ [البقرة / ٤١] أي: جاحِدٍ لهُ وساتٍ، والكافرُ على (١) عن جابر رفعه قال: ((خمّروا الآنية، وأوكوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، واكفتوا صبيانكم عند المساء؛ فإن للجن انتشاراً وخطفة)) أخرجه البخاري في الأشربة ١٠ / ٨٨، والاستئذان؛ وانظر: شرح السنة ١١/ ٣٩١. (٢) هذا عجز بيت لثعلبة بن صعير المازني، وشطرِه: فتذكَّرت ثَقَلَا رشيداً بعدَ ما وهو من مفضليته التي مطلعها : ذي حاجة متروّحٍ أو باكر هل عند عمرةَ من بتاتٍ مسافر والبيت في المفضليات ص ١٣٠؛ واللسان (كفر)؛ والأفعال ٢ / ١٧٤ . (٣) الرجز للعجاج، وهو في اللسان (كفر)؛ وتهذيب اللغة ١٠ / ٢٠١. ٧١٤ کفر الإِطْلاقِ مُتَعَارَفٌ فيمنْ يجْحدُ الوَحْدَانَيَّة، أو النّبُوَّةَ، أو الشريعة، أو ثلاثتها، وقد يقالُ: كفرَ لمنْ أَخلَّ بالشّرِيعةِ، وتَرَكَ ما لزِمُهُ مِنْ شُكْرِ اللَّهِ عليه. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم / ٤٤] يدُلُّ على ذلك مُقابلتُهُ بقوله: ﴿ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فلَأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُون﴾ [الروم / ٤٤]، وقال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافُرُون﴾ [النحل / ٨٣]، وقوله: ﴿ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِه ﴾ [البقرة/ ٤١] أي: لا تكُونوا أئمَّةً في الكُفرِ فَيُقْتدى بكُمْ، وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذُلَكَ فَأُوْلْئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ﴾ [النور / ٥٥] عُنِيَ بالكَافِرِ السَّائِرُ للحقِّ، فلذلك جعلهُ فاسقاً، ومعلومٌ أنّ الكُفْرَ المطْلقَ هو أعَمُّ منَ الفِسق، ومعناهُ: من جحدَ حقَّ اللَّهِ فقد فسقَ عن أمرِ رَبُّه بظُلمِه. وَلِمَّا جُعِلَ كلُّ فعلٍ محمودٍ منَ الإِيمان جُعلَ كلُّ فَعْلٍ مذمومٍ منَ الكُفرِ، وقال في السِّحْر: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلْمَانُ وَلِكِنَّ الشّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة/ ١٠٢] وقوله: ﴿الذِينَ يأْكُلُونَ الرِّبَا﴾، إلى قوله: ﴿ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ ﴾ ﴿ وَلله عَلى [البقرة/ ٢٧٥ - ٢٧٦](١) وقال: النّاسِ حِجُّ البَيْت) إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فإِنَّ اللَّهَ غَنِيَّ عنِ الْعالِمِينَ ﴾ [آل عمران/ ٩٧](٢) والكَفُورُ: المبالغُ فِي كُفْرَانِ النعمةِ، وقوله: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِكَفُورٌ ﴾ [الزخرف / ١٥]، وقال: ﴿ ذلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبأ/ ١٧] إن قيلَ: كَيْفَ وُصِفَ الإِنسَانُ هَهُنا بالكَفُورِ، ولم يَرْضَ بذلك حتى أُدْخِلَ عليه إنَّ، واللّمُ، وَكلُّ ذلك تأكيدٌ، وقال في مَوْضِعٍ ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ ﴾ [الحجرات/ ٧]، فقوله: ﴿ إِنّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ﴾ [الزخرف / ١٥] تنبيهً على ما يَنْطَوِي عليه الإِنسانُ مِنْ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، وَقَلَّةِ ما يَقُومُ بأداء الشُّكْرِ، وعلى هذا قولُه: ﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس / ١٧] ولذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ / ١٣]، وقوله: ﴿إِنّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّ شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ [الإِنسان/ ٣] تنبيهً أنه عَرَّفَهُ الطّرِيقَيْنِ كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد / ١٠] فمِنْ سَالكِ سَبِيلَ الشُّكْرِ، ومنْ سالكِ سَبِيلَ الكُفْرِ، وقولُه: ﴿وكانَ الشّيْطَانُ لَرَبِّهِ كَفُوراً﴾ [الإسراء / ٢٧] فمنَ الكُفْرِ، ونَبَّهَ بقولهِ: ﴿ كان ﴾ أنه لم يَزِلْ مُنْذُ وُجِدَ مُنْطَوِياً عَلَى الكُفْرِ. وَالْكَفَّارُ أَبْلِغُ من الكَفُورِ (١) الآية: ﴿الذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلا كما يقومُ الذي يتخَّطه الشيطانُ من المسْ، ذلك بأنَّهم قالوا: إنما البيعُ مثل الرِّبا وأحلَّ اللَّهُ البيعَ وحرَّمَ الرِّبا، فمَنْ جاءه موعظةٌ من ربّه فانتهىْ فلَهُ ما سلف، وأمره إلى اللَّهِ، ومن عادَ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدُون * يمحقُ اللَّهُ الرِّبا وِيُربي الصدقاتِ، واللَّهُ لا يحبُّ كلَّ كفَّارٍ أثيمٍ ﴾. (٢) الآية: ﴿وللَّهِ على النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَن استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن العالمين). ٧١٥ کفر لقولهِ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ ﴾ [ق / ٢٤] وقال: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة/ ٢٧٦]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفّارٌ ﴾ [الزمر / ٣]، ﴿ إِلّ فَاجراً كفّاراً ﴾ [نوح / ٢٧] وقد أُجْرِيَ الكَفّارُ مُجْرَى الكَفُورِ في قولِهِ: ﴿ إِنَّ الإِنْسَانَ لَظُلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم / ٣٤]. والكُفَّارُ في جمعِ الكافرِ الْمُضَادِّ للإِيمَانِ أَكْثُرُ اسْتِعْمَالًا كقولهِ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ ﴾ [الفتح / ٢٩]، وقولهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ﴾ [الفتح / ٢٩]. والكَفَرَةُ في جَمْعِ كافِرِ النِّعْمَةِ أَشَدُّ اسْتِعْمالاً، وفي قولِهِ: ﴿ أُوْئِكَ هُمُ الكَفَرةُ الفَجَرَةُ ﴾ [عبس / ٤٢] ألا تَرَى أَنْهُ وَصَفَ الكَفَرَةَ بالفَجَرَةِ؟ وَالْفِجَرَةُ قد يقالُ لِلْفُسَّاقِ مِنَ المُسلِمِينَ. وقولُه: ﴿جَزَاءٌ لِمِنْ كانَ كُفِرَ﴾ [القمر / ١٤] أي: من الأنبيَاءِ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ مِمّنْ بَذَلُوا النُّصْحَ في أَمْرِ اللَّهِ فَلَمْ يُقْبَلْ منهم. وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كَفَرُوا ﴾ [النساء / ١٣٧] قيلَ: عُنِيَ بقولِهِ إِنهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى، ثمّ كَفَرُوا بِمَنْ بَعْدَهُ. والنصارى آمنُوا بعِيسى، ثم كَفَرُوا بِمَنْ بَعْدَهُ. وقيل: آمنُوا بِمُوسى ثم كفَرُوا بِمُوسى إذْ لم يُؤْمِنُوا بِغَيْرِهِ، وقيلَ: هو ما قال: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالّذِي ﴾ إلى قولهِ: ﴿ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ﴾ [آل عمران / ٧٢](١) ولم يُرِدْ أَنّهُمْ آمَنُوا مَرََّيْنِ وَكَفَرُوا مَرَّتْنِ، بَلْ ذلك إشَارَةٌ إلى أحْوالٍ كثيرةٍ. وقيلَ: كما يَصْعَدُ الإِنْسَانُ في الفضَائِلِ فِي ثَلاثِ دَرَجَاتٍ يتسكَّع في الرّذائِلِ في ثلاثِ دَرَجاتٍ. والآيةُ إِشارَةً إلى ذلك، وقد بَيِّتُهُ فِي كِتابِ ((الذّرِعَةِ إلى مكارِمِ الشّرِيعَةِ)(٢). ويقالُ: كَفَرَ فلانٌ: إذا اعْتَقَدَ الكُفْرَ، ويقالُ ذلك إذا أَظْهَرَ الكُفرَ وإن لم يَعْتَقِدْ، ولذلك قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل / ١٠٦] ويقالُّ: كفّرَ فُلَانٌ بالشَّيْطَانِ: إذا كَفَرَ بِسَبَبِهِ، وقد يقالُ ذلك إذا آمَنَ وخَالَفَ الشَّيْطَانَ، كقولهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة/ ٢٥٦] وَأَكْفَرَهُ إِْفَاراً: حَكَمَ بِكُفْرِهِ، وقد يُعبِّرُ عن التَّبِّي بالكُفْرِ نحوُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ... ﴾ الآية [العنكبوت /٢٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونٍ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم / ٢٢]، وقولُه: ﴿كَمَثَلَ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ [الحديد / ٢٠] قيلَ: عَنَى بالكُفَّارِ الزُّرَّاعَ(٣)؛ لأنَّهُمْ يُغَطُونَ الْبَذْرَ فِي الْتُّرَابِ سَتْرَ الْكُفّارِ حَقَّ اللَّهِ (١) ﴿ قالت طائفةٌ من أهلِ الكتاب آمِنُوا بالذي أُنزِلَ على الذين آمنُوا وجهَ النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ﴾. (٢) قال الراغب في كتاب ((الذريعة)): وللإنسان مع كل فضيلة ورذيلةٍ ثلاثة أحوال: إمّا أن يكون في ابتدائها، فيقال: هو عبدها وابنها، ولهذا قال بعضهم: مَنْ لم يخدم العلم لم يرعه. والثاني: أن يتوسطها فيقال: هو أخوها وصاحبها. والثالث: أن ينتهي فيها بقدر وسعه، ويتصرف فيها كما أراد، فيقال: هو ربُّها وسيدها. انظر: كتاب الذريعة إلى (٣) وهذا قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ص ٤٥٤. مكارم الشريعة ص ٤٤. ٧١٦ کفل تعالى بِدَلالةِ قولهِ: ﴿ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بهمُ الكُفارَ﴾ [الفتح / ٢٩] ولأنّ الكافرَ لا اخْتِصَاصَ له بذلك. وقيلَ: بَلْ عَنَى الكُفارَ، وخَصّهُمْ بِكَوْنهمْ مُعجبينَ بالدُّنْيَا وَزَخَارِفِهَا وراكِينَ إليها. وَالْكَفَّارَةُ: مَا يُغَطِّي الإِثْمَ، ومنه: كفارَةُ اليمينِ نحوُ قوله: ﴿ ذَلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة / ٨٩] وكذلك كفّارَةُ غَيْرِهِ من الآثامِ كَكَفَارَةِ القَتْلِ والظَّهَار. قال: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَاكِينَ ﴾ [المائدة / ٨٩] وَالتَّكْفِيرُ: سَتْرُهُ وَتَغْطِيْتُهُ حتى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ مَا لم يُعْمَلْ، ويصحُّ أن يكونَ أَصْلُهُ إزالةَ الكُفْرِ والكُفْرانِ، نحوُ: التّمْرِيضِ فِي كَوْنِهِ إِزَالَةً لِلمَرَضِ ، وَتَقْذِيَةِ العَيْنِ فِي إِزَالَةِ القَذَى عنه، قال: ﴿وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ [المائدة/ ٦٥]، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء/ ٣١] وإلى هذا المَعْنى أشارَ بقولِهِ: ﴿ إِنّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود / ١١٤] وقيلَ: صِغَارُ الحَسَنَاتِ لَ تُكفِّرُ كِبارَ السَّيِّئَاتِ، وقال: ﴿لَّكَفِّرَنّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [آل عمران/١٩٥]، ﴿ لِيْكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأْ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر/ ٣٥] ويقَالُ: كَفَرَتِ الشمسُ النُّجُومَ: سَتَرَتْهَا، ويقالُ الكافرُ للسَّحابِ الذي يُغَطِّي الشمسَ والليل، قال الشاعر: ٣٨٩ - ألْقَتْ ذُكَاءُ يَمِينِهَا فِي كافِرٍ(١) وَتَكَفَّرَ فِي السِّلاحِ. أي: تَغَطَّى فيه، والكافورُ: أكْمْامُ الثَمَرَةِ. أي: التي تُكْفِرُ الثّمَرَةَ، قال الشاعرُ: ٣٩٠ - كالكَرْمِ إِذْ نادَىْ منَ الكافُورِ(٢) والكافُورُ الذي هو من الطَّب. قال تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ﴾ [الإِنسان/ ٥]. کفل الكَفالَةُ: الضَّمانُ، تقولُ: تَكَفِّلْتُ بكذا، وكَفَّلْتُهُ فُلاناً، وقُرِىءَ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾ [آل عمران / ٣٧](٣) أي: كَفَّلَها اللَّه تعالى، ومَنْ خَفَّفَ(٤) جَعَل الفِعْلَ لِزَكَرِيًّا، المعْنَى: تَضَمَّنَها. قال تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ﴾ [النحل / ٩١]، والكِفْلُ والكَفِيلُ: الحَظُّ الذي فيه الكِفَايةُ، كَأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِأَمْرِهِ. نحو قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَكْفِلْنِهَا﴾ [ص / ٢٣] أي: اجْعَلْني كِفْلًا لِهَا، والكِفْلُ: الكَفِيلُ، قال: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ [الحديد / ٢٨] أي: كَفِيلَيْنِ مِنْ نِعْمَتِهِ في الدُّنيا والآخِرَة، وهُمَا المَرْغُوبُ إلى اللَّه تعالى فيهما بقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة/ ٢٠١] (١) تقدم قريباً ص ٧١٤. (٢) الشطر تقدَّم قريباً ص ٧١٤ . (٣) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف. انظر: الإِتحاف ص ١٧٣ . (٤) قرأ بالتخفيف نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب. ٧١٧ وقيل: لم يَعْنِ بقوله: ((كِفْلَيْنِ)) أي: نِعْمَتْنِ اثْنَيْنِ بَلْ أَرَادَ النّعَمَةِ المُتَوَالِيَةُ الْمُتَكَفِّلَةَ بِكَفَايَتِهِ، ويكونُ تَثْنِيَتُهُ عَلَى حَدِّ ما ذَكَرْنَا في قولهم : (َبِّكَ وَسَعْدَيْكَ)(١)، وأما قوله: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةٌ﴾ إلى قولُه: ﴿ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾ [النساء / ٨٥] فإِنَّ الكِفْلَ هَهُنا ليس بمعْنَى الأوَّلِ، بَلْ هُو مُسْتَعَارٌ مِنَ الكِفْلِ (٢)، وَهو الشيءُ الرِّدِيءُ، واشْتِقَاقُهُ منَ الكَفَلِ (٣)، وهو أَنَّ الكِفْلَ لَمَّا كانَ مَرْكَباً يَنْبُو بِرَاكِهِ صارَ مُتَعَارَفاً في كلِّ شِدَّةٍ، كَالسّيسَاءِ: وهو العَظْمُ الّتىُ من ظهرِ الْحمارِ، فيقالُ: لَأَحْمِلنَّكَ عَلَى الكَفَل، وعلى السِّيساءِ(٤)، وَلُأَرْكِبَنَّكَ الْحَسْرَى الرَّذايا (٥)، قال الشاعرُ: ٣٩١ - وَحَمَلْنَاهُمْ عَلَى صَعْبَةٍ زَوْ رَاءَ يَعْلُونِهَا بِغَيْرِ وِطَاءِ (٦) وَمعنى الآيةِ: من ينضمُّ إلى غيرِهِ معيناً له في فِعلةٍ حسنةٍ يكونُ له منها نصيبٌ، ومن ينضمُّ إلى کفؤ غيرهِ مُعيناً له في فِعلةٍ سيئَةٍ ينالُه منها شِدَّةٌ. وَقيل: الكِفْلُ الكِفِيلُ. وَنَبَّ أَنّ مَنْ تَحرَّى شرّاً فلهُ مِنْ فعله كفيلٌ يُسلمه، كما قيل: مَنْ ظَلَمَ فقد أقامَ كَفِيلاً بِظُلْمِهِ، تنبيهاً أنه لا يمكنُهُ التّخَلُّصُ مِنْ عُقوبتِه . كفؤ الكُفْءُ: في المنزِلَةِ وَالقَدْرِ، وَمنهُ: الكِفَاءُ لِشُقَّةٍ تْصَحُ(٧) بالْأَخْرَى، فَيُجَلَّلُ بِهَا مُؤخَّرُ البيتِ. يقالُ: فُلانٌ كُفْءٌ لِفُلانٍ في المُنَاكَحةِ، أوْ في المُحَاربةِ، وَنحو ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾ [الإِخلاص / ٤] وَمنه: المكافأةُ. أي: المُسَاوَاةُ والمُقَابلةُ في الفعْلِ ، وَفُلانٌ كُفْؤُ لَكَ فِي الْمُضَادَّةِ، وَالإِكْفَاءُ: قَلْبُ الشيءٍ كأنه إزالةُ المُساواةِ، ومنه: الإِكْفاءُ في الشِّغْرِ (٨)، ومُكْفَأُ الوَجْهِ، أي: كاسِفُ اللَّوْن وكَفِيتُهُ، ويقالُ لِنتاجِ الإِبِل ليستْ تامَّةً: كَفْأَةٌ(٩)، وجعَلَ فُلانٌ إِلَّهُ كَفْأَتَيْن: إذا لَقَحَ كُلَّ سَنَة قطعَة منها. (١) انظر: مادة (سعد). (٢) الكَفَلِ: العَجُز. (٣) لكن قال في اللسان: الكِفْل لا يشتقُّ منه فعلٌ ولا صفة. (٤) يقال: اركب لكلّ حالٍ سيساءه، والسيساء: ظهر الحمار، ومعناه: اصبر على كل حال. راجع: مجمع الأمثال ١/ ٣٠١. (٥) الرذايا: جمع الرذيّ، وهو الذي أثقله المرض، والرذيّ من الإِبل: المهزول الهالك الذي لا يستطيع براحاً ولا ینبعث. اللسان (رذی). (٦) البيت تقدّم في مادة (عتب). (٧) أي: تُخاط. يقال: نصحتُ الثوبَ: إذا خِطْتَه. والنِّصاح: السلك يخاط به. انظر: اللسان (نصح). (٨) الإِكفاءُ في الشعر: أن تَرفعَ قافيةٌ وتخفضَ أخرى. انظر: المجمل ٣/ ٧٨٨. (٩) قال الصغاني: والكَفْأَةُ والكُفْأَة بالفتحِ والضم: نتاج الإِبل سنةٌ. العباب الزاخر (كفأ). ٧١٨ کفی - كلّ کفی الكِفايَةُ: ما فيه سَدُّ الخَلّةِ وبُلوُ المُرادِ في الأمْر. قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب / ٢٥]، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ ﴾ [الحجر / ٩٥]. وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾ [النساء / ٧٩] قيل: مَعْناهُ: كَفَى اللَّهُ شَهِيداً، والباءُ زائدةٌ. وقيل: مَعْناهُ: اكْتَفٍ باللّهِ شَهِيداً (١)، والكُفْيَةُ مِنَ القُوتِ: ما فيه كفايةٌ، والجمعُ: كُفِّى، ويقالُ: كافِيكَ فُلانٌ منْ رَجُلٍ، كقولِك: حَسْبُكَ مِنْ رَجُلٍ . إلى جمْعِ مُعَرَّفٍ بالألف واللام. نحوُ قولِك: كلُّ القومِ، وتارةً إلى ضميرٍ ذلك. نحوُ: ﴿فَسَجَدَ المَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [الحجر/ ٣٠]. وقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ [التوبة / ٣٣]. أو إلى نَكِرَةٍ مُفْرَدَةٍ نحوُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ﴾ [الإسراء / ١٣]، ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة / ٢٩] إلى غيرها من الآيات، وربما عَرِيَ عن الإِضافةِ، ويُقَدَّرُ ذلك فيه نحوُ: ﴿وَكُلِّ فِي فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [يَس/ ٤٠]، وَكُلِّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل / ٨٧]، ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم / ٩٥]، ﴿وَكُلَّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ ﴾ [الأنبياء/ ٧٢]، ﴿وَكُلُّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء/ ٨٥]، ﴿وَكُلَّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ﴾ [الفرقان / ٣٩] إلى غيرِ ذلك في القرآن مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُه. وَلم يرد في شيءٍ من القرآنِ ولا في شيءٍ من كلامِ الفُصَحاء الكلُّ بالألف واللام، وإنما ذلك شيءٌ يجري في كلام المُتْكلِّمِينَ والفُقْهَاءَ وَمَنْ نَحا نحوهم(٣). والكلالَةُ: اسْمٌ لِمَا عَدا الوَلَدَ وَالوَالِدَ من الوَرِثَةِ، وقال ابنُ عباس: هو اسمٌّ لمَنْ عَدا الوالد (٤)، والثاني: الضَّامُ للدّواتِ، وذلك يُضافُ، تارةً | ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ◌َ سُئِلَ عن الكلالَةِ فقال: ((مَنْ كل لَفْظُ كُلٍّ هُو لِضَمِّ أَجْزاءِ الشيء، وذلك ضربان: أحَدُهما: الضَّامُّ لِذاتِ الشيء وأحْوالِهِ المُخْتَصَّةِ به، ويُفِيدُ مَعْنَى التام . نحوُ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ﴾ [الإِسراء/ ٢٩]. أي: بَسْطَأَ تامّاً، قال الشاعرُ: ٣٩٢ - ليسَ الفَتَّى كلُّ الفَتَّى إلَّ الفَتَّى فِي أَدَبِهْ (٢) أي: التامُّ الفُتُوَّةِ. (١) انظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢ / ٥٧؛ ومغني اللبيب ص ١٤٤. (٢) البيت نسبه السمين في عمدة الحفاظ: كل، إلى لبيد، وليس في ديوانه وهو لليزيدي في الموشّى ص ١٧ . (٣) قال ابن منظور: وكلّ وبعضٌ معرفتان، ولم يجىء عن العرب بالألف واللام، وهو جائز؛ لأنّ فيهما معنى الإِضافة، أضفتَ أو لم تُضف. اللسان (كلل). (٤) انظر: الدر المنثور ٢ / ٧٥٧. ٧١٩ كلب ماتَ وَلَيْسَ له وَلَدٌ ولا والِدٌ))(١) فَجَعَلُهُ اسْماً للمَيِِّ، وكِلا القَوْليْنِ صحيحٌ. فإِنَّ الكلالَة مَصْدَرُ يَجْمَعُ الوارِثَ والمَوْرُوثَ جميعاً، وتَسْمِيتُها بذلك؛ إمّا لأنَّ النّسَبَ كَلَّ عَن اللُّحُوقِ به، أوْ لأَنَّهُ قَدْ لحقَ به بالعَرْضِ مِنْ أَحَدٍ طَرَفيْه، وذلك لأنَّ الانْتِسَابَ ضَرْبان: أحدُهما: بالعُمْقِ كَنِسْبَةِ الأبِ والابنِ . والثاني: بالعَرْضِ كَنِسْبَةِ الأخ والعَمّ، قال قُطْرُبٌ: الكلالَةُ: اسْمٌ لِمَا عَدا الأَبَوِيْنِ والأخَ، وليس بشيءٍ، وقال بعضهم: هو اسمُ لِكلِّ وَارِثٍ؛ كقول الشاعر: ٣٩٣ - والمَرْءُ يَبْخَلُ في الحُقُو قِ وللكلالَةِ ما يُسيمُ(٢) مِنْ أسامَ الإِبِلَ: إذا أخْرَجَهَا للمَرْعَى، ولم يَقْصِدِ الشاعرُ مَا ظَنَّهُ هذا، وإنما خَصَّ الكلَالَة لِيَزْهَدَ الإِنْسانُ في جَمعِ المَالِ ؛ لأنَّ تَرْكَ المالِ لَهُمْ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِهِ للأوْلادِ، وتنبيهاً أنَّ مَنْ خَلَّفْتَ له المَالَ فَجَارٍ مَجْرَى الکلالَةِ، وذلك كقولكَ: ما تَجْمَعُهُ فهو للعَدُوِّ، وتقولُ العَرَبُ: لم يَرِثْ فُلانٌ كذا كلالَةً: لِمَنْ تَخَصَّصَ بشيءٍ قد كان ◌ِأبيهِ، قالَ الشاعرُ: ٣٩٤ - وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المُلْكِ غَيْرَ كلَالَةٍ عَنْ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شمسٍ وهاشِمٍ (٣) وَالإِكِلِيلُ سُمِّيَ بذلك لإِطافَتِهِ بالرأس، يقالُ: كلَّ الرَّجُلُ فِي مِشْيَتِهِ كلالاً، والسَّيْفُ عن ضَرِيبَتِهِ كُلُولاً، وكِلّةً، وَاللَّسَانُ عن الكَلامِ كذلك، وأكلَّ فُلانٌ: كلّتْ رَاحِلَتُهُ، وَالكلْكلُ: الصَّدْرُ. كلب الكَلْبُ: الحَيَوَانُ النَّبَاحُ، وَالْأَنْثَى كَلْبَةٌ، وَالجَمْعُ: أَكُلُبُ وكَلَبٌ، وقد يقالُ لِلْجَمْعِ كَلِيبٌ. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ [الأعراف / ١٧٦] قالَ: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بالوَصِيدِ ﴾ [الكهف / ١٨] وعنه اشْتُقَّ الكَلَبُ (١) أخرج عبد بن حميد وأبو داود في المراسيل ص ٢٧٢ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: جاء رجلٌ إلى النبي واَله فسأله عن الكلالة؟ فقال: أما سمعتَ الآية التي أنزلت في الصيف ﴿يستفتونك قل اللّهُ يُفتيكم في الكلالة ﴾ فمَنْ لم يترك ولداً ولا والداً فورثته كلالة. وأخرجه الحاكم موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال: صحيح الإِسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وفيه الحماني، وقال الذهبي: الحماني ضعيف. انظر: المستدرك ٤ / ٣٣٦؛ والدر المنثور ٢ / ٧٥٤. (٢) البيت ليزيد بن الحكم، وبعده: ما بخلُ مَنْ هو للمنو ويرى القرونَ أمامه نِ وريبها غَرضُ رجيمُ همدوا كما همد الهشيمُ وهو في شرح الحماسة للتبريزي ٣ / ١٠٦. (٣) البيت للفرزدق من قصيدة يمدح بها سليمان عبد الملك. وهو في ديوانه ص ٦١٢؛ والمجمل ٣/ ٧٦٥؛ واللسان (كلل). ٧٢٠