النص المفهرس

صفحات 681-700

فَكَثّرَكُمْ ﴾ [الأعراف / ٨٦] وَيُكَنَّى بِهَا تارَةً عن
العِزَّةِ اعْتِباراً بقولهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ
الشَّكُورُ﴾ [سبأ/ ١٣]، ﴿ وَقَلِيلٌ مَاهُمْ ﴾ [ص/
٢٤] وذاكَ أَنَّ كلَّ مَا يَعِزُ يَقِلُّ وُجُودُهُ. وقولُه:
﴿ وَمَا أُوتِيْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلّا قَلِيلاً ﴾ [الإسراء/
٨٥] يجوزُ أن يكونَ اسْتِثْناءً من قولهِ: ﴿ وَمَا
أُوتِيتُمْ ﴾ أي: ما أُوتِيتَمْ العلْمَ إلّ قَليلاً مِنكم،
ويجوزُ أنْ يكونَ صِفةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. أي :
عِلْماً قليلاً، وقولُه: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثُمَناً
قَليلاً ﴾ [البقرة / ٤١] يعْنِي بِالقَليلِ هَهُنا أعراضَ
الدُّنْيا كائناً ما كانَ، وجَعْلُها قليلاً فِي جَنْبِ مَا أَعَدَّ
اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ في القيامَةِ، وعلى ذلك قولُهُ: ﴿ قُلْ
مَتَاعُ الدُّنْيَا قَليلٌ ﴾ [النساء / ٧٧]. وقَلِيلٌ يُعبِّرُ بهِ
عَنِ النَّفي، نحوُ: قَلَّمَا يَفْعَلُ فُلانٌ كذا، ولهذا
يصحُّ أنْ يُسْتَثْنِى مِنْه عَلَى حَدِّ مَا يُسْتَثْنِى مِنَ
النَّفْي، فيقالُ: قَلِّما يَفْعَلُ كذا إلّ قاعداً أو قائِماً
وما يَجْرِي مَجْرَاهُ، وعلى ذلك حُمِلَ قولُه:
﴿ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ ﴾ [الحاقة / ٤١] وقيلَ: مَعْنَاهُ
تُؤْمِنُونَ إيماناً قَلِيلاً، والإِيمَانُ القَلِيلُ هو الإِقْرَارُ
والمَعْرِفَةُ العامِّيَّةُ المَشَارُ إليها بقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ
أكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلّ وهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ [يوسف/
١٠٦]. وأقلَلْتُ كذا: وجَدْتُهُ قَلِيلَ المَحْمَلِ ،
أي: خَفِيفاً؛ إمَّا في الحُكْمِ؛ أو بالإِضافَةِ إلى
قُوَّتِه، فالأولُ نحوُ: أَقْلَلْتُ مَا أَعْطَيْتَنِي. والثاني
قلب
قولُه: ﴿ أَقَلّتْ سَحَاباً ثِقَالاً ﴾ [الأعراف / ٥٧]
أي: احْتَمَلْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَلِيلاً باعْتِبارِ قُوَّتها،
وَاسْتَقْلَلْتُهُ: رأيْتُهُ قليلاً. نحوُ: اسْتَخْفَقْتُهُ: رَأَيْتُهُ
خفيفاً، والقُلَّةُ(١): ما أقلَّهُ الإِنْسانُ منْ جَرَّةٍ
وَحُبِّ (٢)، وَقُلَّةُ الجَبلِ: شَعَفُهُ اعْتِبَاراً بِقِلَّتِهِ إلى ما
عَدَاهُ من أجزائِهِ، فأمَّا تَقَلْقَلَ الشيءٌ: إذا
اضْطَرَبَ، وَتَقَلْقَلَ المِسْمَارُ فَمُشْتَقُّ مِنَ الْقَلْقَلِةِ،
وهي حِكَايةٌ صَوْتِ الحَرَكةِ.
قلب
قَلْبُ الشيءِ: تَصْرِيفُهُ وصَرْفُهُ عَنْ وَجْهٍ إلى
وجْهٍ، كَقَلْبِ الثّوْبِ، وقَلْبِ الإِنسانِ، أي: صَرْفِهِ
عِنْ طَرِيقَتِهِ. قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾
[العنكبوت / ٢١]. والانْقِلابُ: الانصِرَافُ،
قال: ﴿ اَنْقَلْبِتَمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى
عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران / ١٤٤]، وقال: ﴿إِنّا إلى
رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف / ١٢٥]، وقال: ﴿ أَيَّ
مُنْقَلبٍ يَنْقِلِبُونَ﴾ [الشعراء/ ٢٢٧]، وقال:
﴿وَإِذَا انْقَلِبُوا إلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴾
[المطففين / ٣١]. وقَلْبُ الإِنْسانِ قيلَ: سُمِّيَ بِهِ
لِكَثْرَةِ تَقَلُِّهِ، وَيُعَبَّرُ بالْقَلْبِ عَنِ المَعَانِي التي
تَخْتَصُ به منَ الرُّوحِ والعِلْمِ والشَّجاعَةِ وغَيْرِ
ذلك، وقولُه: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾
[الأحزاب / ١٠] أي: الأَرْوَاحُ. وقالَ: ﴿إِنَّ في
ذُلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لهُ قَلْبٌ ﴾ [ق / ٣٧] أي:
(١) انظر المجمل ٧٢٦/٣.
(٢) الحُبُّ: الجرَّة الضخمة.
٦٨١

عِلْمٌ وَفَهْمُ، وكذلك: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام / ٢٥]، وقوله: ﴿ وَطُبعَ
عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة / ٨٧]،
وقوله: ﴿وَلِتَطْمِئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال/ ١٠]
أي: تَثْبُتَ به شَجاعَتْكمْ وَيَزُولَ خَوْفُكُمُ، وَعَلَى
عَكْسِه: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾ [الحشر/
٢]، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهنَّ﴾
[الأحزاب / ٥٣] أي: أجْلَبُ لِلْعِقَّةِ، وقولُه:
﴿ هُوَ الّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[الفتح / ٤]، وقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾
[الحشر / ١٤] أي: مُتَفرَقَةٌ، وقولُه: ﴿وَلكِنْ
تَعْمَى القُلُوبُ الّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج / ٤٦]
قيلَ: العَقْلُ، وقيلَ: الرُّوحُ. فأمَّا العَقْلُ فلا يَصِحُ
عليه ذلك، قال: ومَجازُهُ مَجازُ قولهِ: ﴿ تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [البقرة / ٢٥]. والأنهارُ لا
تجْرِي وإنما تجْرِي المِيَاهُ التي فيها. وَتَقْلِبُ
الشيءٍ: تَغْبِيرُهُ من حالٍ إلى حالٍ نحوُ: ﴿ يَوْمَ
تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [الأحزاب / ٦٦]
وتقْلِيبُ الْأُمُورِ: تَدْبِيرُهَا والنَّظَرُ فيها، قال:
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة / ٤٨]. وتَقْلِيبُ
اللَّهِ القُلوبَ والبَصَائِرَ: صَرْفُها من رَأيٍ إلى
رَأْيٍ، قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾
[الأنعام / ١١٠]، وتَقْلِيبُ الْيَدِ: عِبَارَةً عنِ النَّدَمِ
قلد
ذِكْراً لِحَالِ ما يُوجَدُ عليه النادِمُ. قال: ﴿ فَأَصْبَحَ
يُقَلِّبُ كَفّيْهِ ﴾ [الكهف / ٤٢] أي: يُصَفّقُ نَدَامَةً.
قال الشاعرُ:
٣٧١ - كمَغْبُونٍ يَعَضُّ عَلَى يَدَيْهِ
تَبيَّنَ غَبْتَهُ بَعْدَ البياعِ(١)
وَالتَّقَلُّبُ: التَّصَرُّفُ، قال تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ
في السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء/ ٢١٩]، وقال: ﴿ أَوْ
يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾
[النحل / ٤٦]. وَرَجُلٌ قُلَّبٌ حُوَّلٌ: كَثِيرُ التَّقَلُّبِ
وَالحِيلَةِ(٢)، وَالْقُلَاَبُ: دَاءٌ يُصِيبُ الْقَلْبَ، وما به
قَلَبَةٍ (٣): عِلَّةٌ يُقَلَّبُ لأجْلِها، والقَلِيبُ: الْبِثْرُ التي
لم تُطْوَ، وَالقُلْبُ: المَقْلُوبُ مِنَ الأُسْوِرَةِ.
قلد
القَلْدُ: الفَتْلُ. يقالُ قَلَدْتُ الْحَبْلَ فهو قَلِيدٌ
ومَقْلُودٌ، والقِلادةُ: المَفْتُولةُ التي تُجْعَلُ في العُنُقِ
مِنْ خَيْطٍ وَفِضّةٍ وغيْرِهِما، وبِهَا شُبِّهَ كُلُّ مَا
يُتَطَّوَّقُ، وكلُّ مَا يُحِيطُ بشيء. يقالُ: تَقَلّدَ سَيْفَهُ
تشبيهاً بالقِلادَةِ، كقوله: تَوشّحَ به تشبيهاً
بالوِشاحِ ، وَقَلَّدْتُهُ سَيْفاً يقالُ تَارَةً إذا وشّحْتَه به،
وتارَةً إذا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ. وقَلَّئْتُهُ عَمَلًا: أَلْزَمْتُهُ.
وقَلَدْتُهُ مِجَاءَ: أَلْزَمْتُهُ، وقولُه: ﴿لهُ مَقَالِيدُ
السَّمُواتِ وَالأَرْضِ ﴾ [الزمر/ ٦٣] أي: ما
يُحِيطُ بها، وقيلَ: خَزَائِنُها، وقيلَ: مَفاتِحُها
(١) البيت في البصائر ٤ / ٢٨٨ دون نسبة، وهو لقيس بن ذريح صاحب لبنى في شرح الفصيح لابن درستويه ١/
(٢) انظر: اللسان (قلب) و(حول).
١٥٢؛ والأغاني ٨ / ١١٤.
(٣) قال ابن منظور: وما بالعليل قَلَبة. أي: ما به شيء، لا يستعمل إلا في النفي. انظر: اللسان (قلب).
٦٨٢

قلم - قلى
والإِشَارَةُ بِكُلِّها إلى مَعْنِى واحِدٍ، وهو قُدْرَتُهُ تعالى
عليها وحِفظُهُ لها.
قلم
أصْلُ القَلْمِ: القَصُّ من الشيءِ الصُّلْب،
كالظفْرِ وَكَعْبِ الرُّمْحِ والقَصَبِ، ويقالُ
لِلْمُقْلُومِ : فَلَمّ. كما يقالُ لِلْمَنْقُوضِ: نَقَضٌ.
وَخُصَّ ذلك بما يُكتَبُ به، وبالقِدْحِ الذي يُضْرَبُ
به، وجَمْعُهُ: أقلامُ. قال تعالى: ﴿نَ وَالقَلَمِ وَمَا
يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم / ١]. وقال: ﴿ وَلَوْ أَنّ مَا فِي
الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان/ ٢٧]،
وقوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ ﴾ [آل عمران / ٤٤]
أي: أقدَاحَهُمْ، وقولُه تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالقَلَمِ ﴾
[العلق / ٤] تنبيهٌ لِنِعْمَتِهِ عَلَى الإِنْسَانِ بما أفادَهُ
من الكِتَابِةِ وما رُويَ ((أنه عليه الصلاة والسلامُ
كان يأخُذُ الوَحْيَ عن جبريلَ وجبريلُ عن مِيكائيلَ
ومِيكائيلُ عن إِسْرافيلَ وإسرافيلُ عن اللّوْحِ
المَحْفُوظِ واللّوْحُ عن القَلَمِ))(١) فإِشَارَةً إلى مَعْنَى
إِلَهِيٍّ ، وَليسَ هذا مَوْضِعَ تَحْقِيقِهِ. والإِقْلِيمُ:
وَاحِدُ الأقاليمِ السَّبْعَةِ. وذلك أنَّ الدُّنْيَا مَقْسُومَةٌ
عَلَى سَبْعَةٍ أَسْهُمٍ على تَقْدِيرِ أصحابِ الْهَيْئَةِ.
قلى
القِلَى: شِدَّةُ الْبُغْضِ . يقالُ: قَلاهُ يَقْلِيهِ
قمح
وَيَقْلُوهُ. قال تعالى: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾
[الضحى / ٣]، وقال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ
القَالِينَ﴾ [الشعراء / ١٦٨] فَمَنْ جَعَلَهُ مِنَ الواوِ
فهو مِنَ القَلْوِ، أي: الرِّمْيِ، مِن قولهم: قَلَتِ
الناقَةُ بِرَاكِهَا قَلواً، وَقَلَوْتُ بالقُلَّةِ(٢)، فكأنَّ المَقْلُوَّ
هو الذي يَقْذِفُهُ القَلْبُ مِنْ بُغْضِهِ فَلا يَقْبَلُهُ، وَمَنْ
جَعَلَهُ مِنَ الْيَاءِ فَمِنْ: قَلَيْتُ الْبُسْرَ وَالسَّوِيقَ على
المِقْلَةِ.
قمح
قال الخليلُ (٣): القَمْحُ: البُّ إذا جَرَى في
السُّنْبُلِ مِنْ لَدُنِ الإِنْضَاجِ إِلى حِينِ الاِْنَازِ،
وَيُسَمَّى السَّوِيقُ المُتَّخَذُ مِنْه قَمِيحَةً، والقَمْحُ:
رَفْعُ الرأسِ لِسَفِّ الشيءِ، ثم يقالُ لِرَفْعِ الرأسِ
كَيْفَما كان: قَمْحٌ، وَقَمَحَ الْبَعِيرُ: رَفَعَ رَأْسَهُ،
وأَقْمَحْتُ البَعِيرَ: شَدَدْتُ رأسَهُ إلى خَلْفٍ.
وقولُه: ﴿مُقْمَحُونَ ﴾ [يَس / ٨] تشبيه بذلك،
وَمَثَلُ لَهُمْ، وَقَصْدٌ إلَى وصْفِهِمْ بِالتَّبِّي عن
الانْقِيَادِ للحَقِّ، وعن الإِذْعانِ لِقَبُولِ الرُّشْدِ،
والتّأَبِّي عن الإِنْفَاقِ في سَبيلِ اللَّهِ، وَقيلَ: إشارَةً
إلى حالِهِمْ في القِيَامَةِ ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ
وَالسَّلَاَسِلُ﴾ [غافر / ٧١].
(١) أخرجه السجزي في الإبانة وفيه محمد بن عكاشة الكرماني، وهو كذَّاب كان يضع الحديث. تنزيه الشريعة ٣١٨/١ و٣٣١.
(٢) قال السرقسطي: قلوتُ القُلَّة قلواً: ضربتها بالعود لترتفع، وقلَتِ الدواب في السير: تقدَّمت وقلوتُ الشيءَ وقليتُه
قلواً وقلياً: طبخته في المقلى. انظر: الأفعال ٢ / ١٢٩.
(٣) العين ٥٥/٣، وعبارته: القمحُ: البُرُّ، وأقمحَ البُرُّ: جرى الدقيق في السُّنبل.
٦٨٣

قمر - قمص
قمر
القَمَرُ: قَمَرُ السَّماءِ. يقالُ عِنْدَ الأمْتِلاءِ وذلك
بَعْدَ الثالِثَةِ، قيلَ: وَسُمِّيَ بذلك لأنه يَقْمُرُ ضَوْءَ
الكَوَاكِبِ وَيَفُوزُ به. قالَ: ﴿هُوَ الّذِي جَعَلَ
الشَّمْسَ ضِياءاً والقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس / ٥]،
وقال: ﴿وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يَس/ ٣٩]،
﴿ وَانْشَقّ القَمَرُ﴾ [القمر / ١]، ﴿والقَمَرِ إذَا
تَلَهَا﴾ [الشمس / ٢]، وقال: ﴿كَلَّ وَالقَمَرِ ﴾
[المدثر / ٣٢]. والقَمْرَاءُ: ضَوءُهُ، وَتَقَمَّرْتُ
فُلاناً: أَتَّتُهُ فِي القَمْرَاءِ، وَقَمَرَتِ القِرْبَةُ: فَسَدَتْ
بالقَمْرَاءِ، وقيلَ: حِمَارٌ أَقْمَرُ: إذا كان على لوْنٍ
القَمْرَاءِ، وَقَمَرْتُ فُلاَناً كَذَا: خَدَعْتُهُ عنه.
قمص
القَمِيصُ مَعْرُوفٌ، وَجَمْعُهُ قُمُصٌ وَأَقْمِصَةٌ
وَقُمْصَانٌ. قالَ تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ
قُبُلٍ﴾ [يوسف / ٢٦]، ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ
مِنْ دُبُرٍ ﴾ [يوسف / ٢٧] وَتَقَمَّصَهُ: لِسَهُ،
وَقَمَصَ الْبَعِيرُ يَقْمُصُ وَيَقْمِصُ: إذا نَزَا،
والقُمَاصُ: دَاءٌ يَأْخُذُهُ فَلا يَسْتَقِرُّ به مَوْضِعَهُ ومنه
(القَامِصَةُ)(١) في الحَدِيثِ.
قمطر - قمع - قمل
قمطر
قوله تعالى: ﴿عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ [الإِنسان/
١٠] أي: شَدِيداً. يقالُ: قَمْطَرِيرٌ وَقَمَاطِيرٌ.
قمع
قال تعالى: ﴿وَلَهِمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾
[الحج / ٢١] جَمْعُ مِقْمَعٍ ، وهو ما يُضْرَبُ به
وَيُذَلَّلُ، ولذلك يقالُ: قَمَعْتُهُ فَانْقَمَعَ، أي: كَفَفْتُهُ
فَكَفَّ، والقَمْعُ وَالقَمَعُ: ما يُصَبُّ به الشيءُ فَيَمْنَعُ
من أَنْ يَسِيلَ. وفي الحَدِيثِ: ((وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ
القَوْلِ))(٢) أي: الذينَ يَجْعَلُونَ آذانَهُمْ كالأقْمَاعِ
فَيَّبِعُونَ أَحَادِيثَ الناسِ، والقَمَعُ: الذُّبَابُ
الأزْرَقُ لِكَوْنِهِ مَقْمُوعاً، وَتَقَمَّعَ الحِمَارُ: إذا ذَبَّ
القَمَعَةَ عَنْ نَفْسِهِ .
قمل
القُمَّلُ: صِغَارُ الدَّبا. قال تعالى:
﴿والقُمَّلَ والضّفَادِعَ وَالدَّمَ ﴾ [الأعراف/
١٣٣]. والقَمْلُ مَعْرُوفٌ، وَرَجُلٌ قَمِلُ: وَقَعَ فِيه
القَمْلُ، ومنه قيلَ: غُلٌّ قَمِلٌ، وَامْرَأَةٌ قَمِلَةٌ :
صَغِيرَةٌ قَبِيحَةٌ كَأَنّهَا قَمْلَةٌ أَوْ قُمَّلَةٌ .
قنت
القُنُوتُ: لَزُومُ الطَّاعَةِ مَعَ الخُضُوعِ، وَفَسِّرَ
(١) الحديث عن عليّ أنَّه قضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثاً. والقامصة: النافرة الضاربة برجليها.
انظر: النهاية ٤ / ١٠٨.
(٢) الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي ◌ّر أنه قال - وهو على المنبر -: ((ارحموا تُرحموا، واغفروا
يغفر الله لكم، ويلٌ لأقماع القول، ويلٌ للمصرّين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)) أخرجه أحمد في
المسند ٢ / ١٦٥.
٦٨٤

قنت
بكُلِّ واحِدٍ منهما في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ | قنط
قَانِتِينَ ﴾ [البقرة / ٢٣٨]، وقوله تعالى: ﴿كُلِّ لَهُ
قَانْتُونَ ﴾ [الروم / ٢٦] قيلَ: خَاضِعُونَ، وقيلَ:
طَائِعُونَ، وقيلَ: سَاكِثُونَ ولم يُعْنَ به كُلُّ
السُّكُوتِ، وإنما عُنِيَ به ما قال عليه الصلاة
والسلامُ: ((إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصِحُ فِيهَا شيءٌ مِنْ
كُلَامِ الآَدَمِّينَ، إِنَّمَا هِيَ قُرْآنٌ وَتَسْبِيحٌ)) (١)،
وعلى هذا قيلَ: أَيُّ الصلاةِ أَفضَلُ؟ فقالَ: ((طُولُ
القُنُوتِ))(٢) أي: الاشْتِغَالُ بالعِبَادَةِ وَرِفْضُ كُلِّ ما
سَوَاهُ. وقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمًَّ قانتاً ﴾
[النحل / ١٢٠]، ﴿ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ ﴾
[التحريم / ١٢]، ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتْ آنَاءَ الليْلِ
سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر / ٩]، ﴿اقْتُتِي لِرَبِّكِ ﴾
[آل عمران / ٤٣]، ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب / ٣١]، وقال: ﴿وَالقَانِتِينَ
وَالقَانِتَاتِ ﴾ [الأحزاب / ٣٥]، ﴿فالصَّالِحَاتُ
قَانِتَاتٌ ﴾ [النساء / ٣٤].
قنط ـ قنع
القُنُوطُ: اليَّأْسُ مِنَ الخَيْرِ. يقالُ: قَنَطَ يَقْنِطُ
قُنُوطاً، وَقَنِطَ يَقْنَطُ(٣). قال تعالى: ﴿فَلا تَكُنْ
مِنَ القَانِطِينَ﴾ [الحجر / ٥٥]، قال: ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ
مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّ الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر / ٥٦]،
وقال: ﴿ يَا عِبَادِيَّ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ
تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزمر / ٥٣]، ﴿ وَإِذَا
مَسَّهُ الشّرُّ فَيَوْسٌ قَنُوطُ ﴾ [فصلت / ٤٩]، ﴿إِذَا
هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ [الروم / ٣٦].
قنج
القَنَاعَةُ: الاجْتِزَاءُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الأَعْرَاضِ
المُحْتَاجِ إليها. يقالُ: قَنِعَ يَقْنَعُ قَنَاعَةً وَقُنْعاناً:
إِذَا رَضِيَ، وَقَنَعَ يَقْنَعُ قُنُوعاً: إذَا سَأَلَ(٤). قال
تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالمُعْتَرَّ﴾ [الحج/
٣٦]. قال بعضُهم(٥): القانِعُ هُو السَّائِلُ الذي
لا يُلُّ في السُّؤَّالِ ، وَيَرْضَى بما يأتِيهِ عَفْواً، قَالَ
الشاعِرُ:
(١) شطر من حديث معاوية بن الحكم السلمي الطويل، وفيه: ثم قال وَطاهر: ((إنَّ هذه الصلاة لا يحلُّ فيها شيء من كلام
الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ... )) إلخ. أخرجه مسلم برقم (٥٣٧)؛ والنسائي ٣ / ١٤؛ وأبو داود
برقم (٩٣٠)؛ وانظر: شرح السنة ٣/ ٢٣٨.
(٢) الحديث عن جابر قال: قيل للنبي وَل 9: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القنوت)). أخرجه مسلم برقم (٧٥٦)؛
والترمذي (انظر: عارضة الأحوذي ٢ / ١٧٨).
(٣) انظر: الأفعال ٢ / ١١٧.
(٤) وفي ذلك أنشد بعضهم:
والحرُّ عبدٌ إِنْ قَنَعْ
العَبدُ حرّ إنْ قَنِعْ
فاقنَعْ ولا تقَنْ فما
(٥) هو الزجاج في معاني القرآن ٤٢٨/٣.
شيءٌ يشينُ سوى الطمعْ
٦٨٥

قنی
٣٧٢ - لِمَالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي
مَفَاقِرَهِ أَعَفتُّ مِنَ القُنُوْعِ(١)
وَأَقْنَعَ رَأْسَهُ: رَفَعَهُ. قال تعالى: ﴿مُقْنِعِي
رُؤُسِهِمْ ﴾ [إبراهيم / ٤٣] وقال بعضُهم: أصْلُ
هذه الكَلِمَةِ مِنَ القِنَاعِ، وهو ما يُغَطَّى به الرّأْسُ،
فَقَنِعَ، أي: لَبِسَ القِنَاعَ سَاتِراً لِفَقْرِهِ كقولهم:
خَفِيَ، أي: لَبِسَ الخَفَاءَ، وقَنِعَ: إذا رَفَعَ قِنَاعَهُ
كاشِفاً رَأْسَهُ بِالسُّؤَالِ نحوُ خَفِيَ إذا رَفَعَ الخَفَاءَ،
ومن القَنَاعَةِ قولهم: رَجُلٌ مَقْنَعٌ يُقْنَعُ بِهِ، وَجَمْعُهُ :
مَقَانِعُ. قال الشاعر:
٣٧٣ - شُهُودِي على لَيْلَى عُدُولٌ مَقَانِعُ(٢)
وَمِنَ القِنَاعِ قِيلَ: تَقْنَّعَتِ المرأةُ، وَتَقْنَّعَ
الرَّجُلُ: إذا لَبِسَ المِغْفَرَ تشبيهاً بِتَقْنَّعِ المرأةِ،
وقَنَعْتُ رأسَهُ بِالسَّيْفِ والسّوْطِ.
قنى
قوله تعالى: ﴿ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم / ٤٨].
(١) البيت للشماخٍ من قصيدة مطلعها:
أَعائش ما لأهلِك لا أراهم
وهو في ديوانه ص ٢٢١؛ واللسان (قنع)؛ والأفعال ٢ / ٧١.
(٢) هذا عجز بيت للبعيث، وشطره:
وبايعتُ ليلى بالخلاء، ولم يكن
وهو في اللسان (قنع)؛ والمجمل ٣/ ٧٣٥.
(٣) وفي نسخة: قنيات.
(٤) هذا عجز بيت، وشطره:
إذا قلَّ مالي أو نُكبت بنكبة
ونسبه لحاتم الطائي في اللسان (قنو)، وليس في ديوانه؛ والتذكرة السعدية ص ٢١١، ونسبه لعمروبن
العاص مع أبياتٍ معه، وهي ليست له، بل تمثّل بها، والصحيح أنها لبشر الضبعي، كما نسبها إليه الأصبهاني في
[استدراك] الزهرة ٢ / ٦٦٥. وعجزه في مجمع البلاغة ١/ ٣٧٩ دون نسبة من المحقق.
(٥) ومثله: صِنْو وصنوان.
٦٨٦
قنو
أي: أعطىَ ما فيه الغِنَى وما فيه القِنْيَّةُ، أي:
المالُ المُدَّخَرُ، وقيل: ((أَقْنَى)): أرْضَى. وتحْقِيقُ
ذلك أنه جَعَلَ له قِنْيَةً من الرِّضا والطّاعَةِ، وذلك
أعْظَمُ الغِناءَيْنِ، وجَمْعُ القِنْيَةِ: قُنيانٌ(٣)، وقَنِيتُ
كذا واقْتَنَّتُهُ ومَنْهُ:
٣٧٤ - قَنِيتُ حَيائِي عِنَّةً وَتَكَرُّما (٤)
قنـو
القِنْوُ: العِذْقُ، وتَثْنِيَّتُهُ: قِنْوَانِ، وَجمْعُهُ
قِنْوَانٌ (٥). قال تعالى: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيةٌ ﴾ [الأنعام /
٩٩] والقناةُ تُشْبِهُ القِنْوَ في كَوْنِهما غُصْنَيْنِ، وأمّا
القناةُ التي يَجْرِي فيها الماءُ فإنما قيل ذلك تشبيهاً
بالقَنَاةِ في الخَطِّ والامتِدادِ، وقيل: أصلُه مِنْ
قَنَّيْتُ الشيءَ: ادَّخَرْتُه؛ لأنّ القَنَاةَ مُدَّخَرَةً للماءِ،
وقيلَ: هو من قولهم قاناهُ، أي: خالَطَهُ، قال
الشاعر:
يُضيعون الهجانَ مع المُضِيعِ

قھر ۔ قاب ۔ قوت
٣٧٥ - كَبِكْرِ المُقاناةِ الْبَياضِ بِصُفْرَةٍ(١)
وأما القنا الذي هو الاحْدِيدابُ في الأنْفِ
فتشبيهً في الهيْئَةِ بالقَنا. يقالُ: رَجلٌ أَقْنَى، وامرأةٌ
قَنْوَاءُ .
قهر
القَهْرُ: الغَلَبَةُ وَالَّذْلِيلُ مَعاً، ويُسْتَعْمَلُ في كلِّ
واحِدٍ منهما. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ
عِبَادِهِ﴾ [الأنعام / ١٨]، وقال: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ
الْقَهَّارُ﴾ [الرعد / ١٦]، ﴿فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾
[الأعراف / ١٢٧]، ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾
[الضحى / ٩] أي: لا تُذْلِلْ، وأقْهَرَهُ: سَلَّطَ عليه
مَنْ يَقْهَرُهُ، وَالقَهْقَرَى: المَشْيُ إلى خَلْفٍ.
قاب
القابُ: ما بَيْنَ المَقْبِضِ والسِّيَةِ من القَوْس.
قال تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾
[النجم / ٩].
قوت
الْقُوتُ: ما يُمْسِكُ الرَّمَقَ، وجَمْعُهُ: أَقْوَاتٌ.
قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا ﴾ [فصلت/
١٠] وقاتَهُ يَقُوتُهُ قُوتاً: أْعَمَهُ قُوتَهُ، وأَقَاتَهُ يُقِيتُهُ:
جَعَلَ لهُ ما يَقُوتُهُ، وفي الحديث: ((إنّ أَكْبَرَ الْكَبائِرِ
قوس ۔ قیض
أَنْ يُضَيِّعَ الرَّجُلُ مَنْ يَقُوتُ))(٢)، وَيَرْوَى: ((مَنْ
يُقِيتُ)). قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
مُقِيتاً﴾ [النساء / ٨٥] قيلَ: مُقْتَدِراً. وقيل:
حافِظاً. وقيل: شاهِداً، وَحَقِيقَتُه: قائِماً عليه
يَحْفَظُهُ وَيُقِيتُهُ. ويقالُ: ما لَهُ قُوتُ لَيْلَةٍ، وقِيتُ
لَيْلَةٍ، وَقِتَّةُ لَيْلَةٍ، نحوُ الطعْمِ والطّعْمَةِ، قال
الشاعرُ فِي صِفَةِ نارٍ :
٣٧٦ - فَقُلْتُ له ارْفَعْها إليكَ وَأَحْيِها
بِرُوحِكَ وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْراً(٣)
قوس
القَوْسُ: ما يُرْمَى عنه. قال تعالى: ﴿ فَكَانَ
قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم / ٩]، وَتُصُوِّرَ منها
هَيْتُهَا، فقيلَ لِلانْحِناءِ: التَّقَوُّسُ، وقَوَّسَ الشّيْخُ
وَتَقَوَّسَ: إذا انْحَنَى، وقَوّسْتُ الخَطّ فهو مُقَّسٌ،
وَالِمِقْوَسُ: المكَانُ الذي يَجْرِي منه القَوْسُ،
وأصْلُه: الحَبْلُ الذي يُمَدُّ عَلَى هَيْئَةِ قَوْسٍ،
فَيُرْسَلُ الخَيْلُ مِنْ خَلِفِه.
قیض
قال تعالى: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ ﴾ [فصلت/
٢٥]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمْنِ
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ [الزخرف / ٣٦] أي: نُتِحْ،
(١) الشطر لأمرىء القيس، وعجزه:
غذاها غير الماء غير المحلل
وهو من معلقته، والبيت في ديوانه ص ١١٦ .
(٢) الحديث أخرجه مسلم برقم (٩٩٦) بلفظ: ((كفى بالمرء إثماً أن يُضيع من يقوت)). وأخرجه أحمد ٢/ ١٦٠.
(٣) البيت تقدَّم في مادة (روح).
٦٨٧

قیع ۔ قول
لِيَسْتَوْلِي عليه اسْتِيلاءَ القَيْضِ عَلَى البَيْضِ ، وهو | ما في اعْتِقَادِهِمْ قَوْلاً.
القِشْرُ الأعْلَى.
قيع
قوله تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ [النور/
٣٩]. والقِيعُ والقاعُ: المُسْتَوِي مِنَ الأرضِ ،
جَمْعُهُ قِيعانٌ، وَتَصْغِيرُ: قُوَيْعٌ، واسْتُغِيرَ منه: قاع
الفَحْلُ الناقةَ: إذا ضَرَبِهَا .
قول
القَوْلُ والقِيلُ واحِدٌ. قال تعالى: ﴿وَمَنْ
أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ﴾ [النساء / ١٢٢]، والقَوْلُ
يُسْتَعْمَلُ عَلَى أَوْجُهٍ :
أَظْهَرُها أن يكونَ للمُرَكَّبِ مِنَ الحُرُوفِ المُبْرَزِ
بالنِّطْقِ، مُفْرَداً كانَ أو جُمْلَّةً، فَالمُفْرَدُ كقولكَ:
زيْدٌ، وخَرَجَ. والُرَكَّبُ، أزيدٌ مُنْطَلِقٌ، وهَلْ خَرَجَ
عَمْروٌ، ونحو ذلك، وقد يُسمَّى الجُزْءُ الواحدُ
من الأنواعِ الثلاثةِ أعْني: الاسْمَ والفِعْلَ والأداةَ
قَوْلاً، كما قد تُسَمَّى القَصِيدةُ والخُطْبَةُ ونحوُهُما
قَوْلاً .
الثاني: يُقالُ للمُتَصَوَّرِ فِي النّفْسِ قبلَ الإِبْرازِ
باللفظِ: قَوْلٌ، فيقالُ: في نفسي
قَوْلٌ لم أَظْهِرْهُ. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي
أَنْفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ ﴾ [المجادلة/٨]. فَجَعَلَ
الثالث: لِلاعْتِقَادِ نحوُ فُلانٌ يقولُ بِقَوْلِ أبي
حنيفةً.
الرابع: يقالُ للدَّلالَةِ عَلَى الشيءِ نحوُ قولِ
الشاعر:
٣٧٧ - امْتَلَّ الحَوْضُ وقال قَطْنِي(١)
الخامس: يقالُ لِلعنايةِ الصادقةِ بالشيءٍ،
كقولك: فُلانٌ يقولُ بكذا.
السادس: يَسْتَعْمِلُهُ المَنْطِقِيُّونَ دُونَ غَيْرِهِمْ في
مَعْنَى الحَدِّ، فيقولون: قَوْلُ الجَوْهَرِ كذا، وقَوْلُ
العَرَضِ كذا، أي: حَدُّهُما.
السابع: في الإِلْهامِ نحوُ: ﴿ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ
إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ ﴾ [الكهف / ٨٦] فإِنّ ذلك لم يكنْ
بخِطابٍ وَرَدَ عليه فيما رُوِي وذُكِرَ، بَلْ كان ذلك
إِلْهاماً فَسَماهُ قَوْلاً. وقيل في قوله: ﴿قَالَنَا أَتَيْنَا
طَائِعِينَ ﴾ [فصلت / ١١] إنَّ ذلك كان بتَسْخِيرٍ
من اللَّه تعالى لا بخِطابٍ ظاهِرٍ وَرَدَ عليهما، وكذا
قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَماً ﴾
[الأنبياء / ٦٩]، وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَقْوَاهِهِمْ مَا
لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران / ١٦٧] فذكّرَ
أَقْوَاهَهُمْ تنبيهاً على أن ذلك كَذِبٌ مَقُولٌ، لا عَنْ
صِحَّةِ اعْتِقَادٍ كما ذُكِرَ في الكِتَابةِ باليدِ(٢)، فقال
(١) الرجز لم يعرف قائله، وتتمته:
مهلاً رويداً قد ملأتُ بطني
وهو في اللسان (قول)؛ والخصائص ١/ ٢٣؛ والمحكم ٦/ ٣٤٧.
(٢) النقل هذا حرفياً في البصائر ٤ / ٣٠٤.
٦٨٨

قول
تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ
يَقُولُونَ هُذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [البقرة/ ٧٩]،
وقوله: ﴿لَقَدْ حَقِّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴾ [يسَ / ٧] أي: عِلْمُ اللَّهِ تعالى بهم
وَكَلِمَتُه عليهم كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ
رَبِّكَ﴾ [الأعراف / ١٣٧] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
حَقَّتْ عَلَيْهِمْ کَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ [يونس/
٩٦] وقوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ
الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ [مريم / ٣٤] فإنما سَمَّاهُ قَوْلَ
الْحَقِّ تنبيهاً على ما قال: ﴿ إنّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ
اللَّهِ ﴾ [آل عمران/ ٥٩](١) إلى قوله: ﴿ ثمَّ قَالَ
لهُ كُنْ فِيكُونُ ﴾ وَتَسْمِيَتُهُ قوْلاً كَتَسْمِيَتِهِ كلمةً في
قولهِ: ﴿وَكَلِمتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَّرْيَمَ ﴾ [النساء/
١٧١] وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ﴾
[الذاريات / ٨] أي: لفي أمْرٍ منَ البَعْثِ، فسَمّاهُ
قَوْلاً؛ فإنّ المَقُولَ فيه يُسَمَّى قَوْلاً، كما أنّ
المذكورَ يُسَمَّى ذِكْراً وقولُه: ﴿إنّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ
كَرِيمٍ * ومَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَليلاً مَا تُؤْمِنُونَ ﴾
[الحاقة / ٤٠ - ٤١] فقد نَسبَ القَوْلَ إلى
الرَّسُولِ ، وذلك أنّ القَوْلَ الصادِرَ إليك عن
الرَّسُولِ يُبَلِّغُهُ إليكَ عَنْ مُرْسِلٍ له، فَيصِحُّ أنْ
تَنْسُبَهُ تارةً إلى الرَّسُولِ ، وتارَةً إلى المُرْسِلِ ،
وکِلاهُمَا صحيحٌ. فإن قيلَ: فھَلْ يَصِحُ على هذا
أنْ يُنْسَبَ الشِّعْرُ والخُطْبةُ إلى راويهما كما
تَنْسُبُهُمَا إلى صانِعِهِمَا؟ قيلَ: يصحُّ أنْ يقالَ
للشِّعْرِ: هو قولُ الراوِي. ولا يصحُّ أنْ يقالَ هو:
شِعْرُهُ وَخُطْبَتُهُ؛ لأنّ الشِّعْرَ يقَعُ على القَوْلِ إذا
كان على صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وتَلْكَ الصُّورَةُ ليسَ
للرّاوي فيها شيءٌ. والقوْلُ هو قوْلُ الرّاوي كما
هو قَوْلُ المَرْوِيِّ عنه. وقولُه تعالى: ﴿إِذَا
أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا للَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾
[البقرة / ١٥٦] لم يُرِدْ به القَوْلَ المَنْطِقِيَّ فَقِطْ بِلْ
أرادَ ذلك إذا كان معَهُ اعْتِقَادٌ وَعَمَلٌ. ويقالُ
للِّسَانِ: المِقْوَلُ، وَرَجُلٌ تِقْوَالة: مِنْطِيقٌ، وقَوَّالٌ
وَقَوَّالةٌ كذلك. والقَيْلُ: الملِكُ مِنْ مُلُوكٍ حِمْيَر
سَمَّوْهُ بذلك لكونِهِ مُعْتَمَداً عَلَى قولِه ومُقْتَدَی به،
ولكونِهِ مُتَقِيِّلاً لأبيه. ويقالُ: تَقَيَّلَ فُلانً أباهُ،
وعلى هذا النَّحْوِ سَمّوْا المَلِكَ بَعْدَ المَلِكِ تُّبَّعاً،
وَأَصلُهُ من الواِ، لقَوْلِهِمْ فِي جَمْعِه: أقوالٌ نحوُ:
مَيْتٍ وأمواتٍ، وَالأصْلُ قَيِّلٌ نحوُ: مَيْتٍ، أصلُهُ:
مَيِّتُ فَخُفِّفَ. وإذا قيلَ: أَقْيالٌ فذلك نحوُ:
أعيَادٍ، وتَقَّلَ أباهُ نحوُ: تَعَبَّدَ، وَاقْتَالَ قَوْلاً: قال
ما اجْتَرَّ بِهِ إلى نَفسِهِ خَيْراً أَوْ شَرّاً. ويقالُ ذلك في
مَعْنَى احْتَكَمَ قال الشاعرُ:
٣٧٨ - تأْبَى حُكُومَةَ المُقْتَالِ (٢)
والقالُ والقَالةُ: ما يُنْشَرُ مِنَ القَوْلِ. قال
(١) الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسىْ عندَ اللَّهِ كمَثلِ آدمَ خلقهُ من ترابٍ ثم قال له كن فيكون ﴾.
(٢) البيت :
ولمثلِ الذي جمعَت من العُدَّ
ة تأبى حكومة المقتال
٦٨٩

قيل - قوم
أنا قالُ كذا، أي: قائِلُهُ.
قيل
قولُه تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجَنّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ
مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان / ٢٤] مَصْدَرُ:
قِلْتُ قَيْلُولةً: نِمْتُ نِصْف النهار، أَوْ مَوْضِعَ
القَيْلُولةِ، وقد يقالُ: قِلْتُهُ فِي البَيْعِ قِيلاً وأَقْتُهُ،
وَتَقَايَلَا بَعْدَ مَا تَبَايَعَا.
قوم
يقالُ: قَامَ يقُومُ قِيَاماً، فهو قائِمٌ، وَجَمْعُه:
قِيَامٌ، وَأَقَامَهُ غَيْرُهُ. وأقامَ بالمكَانِ إِقامَةً، والقِيامُ
على أضْرُبٍ: قِيامُ بالشّخْصِ؛ إمّا بِتَسْخِير أو
اختيارٍ، وَقيامٌ للشيءٍ هو المُرَاعَةُ للشيءٍ وَالحِفْظُ
له، وقيامُ هَوَ على العَزْمِ على الشيءِ، فمِنَ
القِيامِ بالتّسْخِيرِ قوله تعالى: ﴿ منها قَائِمٌ
وَحَصِيدٌ ﴾ [هود/ ١٠٠]، وقوله: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ
مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلى أُصُولِها ﴾
[الحشر/ ٥]، ومن القِيامِ الذي هو بالاخْتِيارِ
قولُه تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتْ آنَاءَ الَّيْلِ سَاجِداً
الخليلُ: يُوضَعُ القالُ مَوْضِعَ القائلِ (١). فيقالُ: [ وَقَائِماً ﴾ [الزمر / ٩]. وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ
اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران/
١٩١]، وقولُه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
[النساء / ٣٤]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يِيْتُونَ لِرَبِّهِمْ
سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ [الفرقان / ٦٤]. والقِيامُ في
الآيَتَيْنِ جمْعُ قائمٍ. ومن المُراعاةِ للشيءٍ قولُه :
وَكُونُوا قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة/
٨]، ﴿قَائِماً بِالْقِسْطِ ﴾ [آل عمران / ١٨]،
وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا
كَسَبَتْ ﴾ [الرعد / ٣٣] أي: حافِظُ لها. وقولُه
تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ ﴾ [آل عمران / ١١٣]، وقولُه: ﴿ إِلّ مَا
دُمْتَ عَلَيْهِ قَائماً ﴾ [آل عمران / ٧٥] أي: ثابتاً
على طلَبِهِ. ومن القيامِ الذي هو العَزْمُ قولُه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاَةِ﴾
[المائدة/ ٦]، وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾
[المائدة/ ٥٥] أي: يُدِيمُونَ فِعْلَها ويُحافِظُونَ
عليها. والقِيامُ وَالقِوامُ: اسْمُ لِما يقُومُ به الشيءُ.
أي: يَثْبُتُ، كالعِمادِ والسّنادِ: لِما يُعْمَدُ وَيُسْنَدُ
به، كقولهِ: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الّتِي
وهو للأعشى من قصيدة يمدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، ومطلعها:
=
ما بكاءُ الكبير بالأطلال.
وسؤالي فهل تردُّ سؤالي
وهو في ديوانه ص ١٦٨؛ واللسان (قال)؛ والمعاني الكبير ٢ / ٩٢٤.
(١) وعبارة الخليل: والقالةُ تكون في موضع القائلة، كما قال بشار: (أنا قالُها).
أي: قائلها. انظر: العين ٢١٣/٥.
٦٩٠

قوم
جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء /٥]، أي:
جَعَلَهَا. مِمَّا يُمْسِكُكُمْ. وقولُه: (جَعَلَ اللهُ
الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ ﴾ [المائدة/
٩٧] أي: قِوَاماً لهمْ يقُومُ به مَعاشُهُمْ وَمَعَادُهُمْ.
قال الأصمُّ: قائماً لا يُنْسَخُ، وَقُرِىءَ:
﴿قِيَماً﴾(١) بِمَعْنِى قِياماً، وليسَ قَوْلُ مَنْ قال:
جَمْعُ قِيمٍ بشيءٍ. ويقالُ: قَامَ كذا، وثَبَتَ،
ورَكَّدَ بَمَعْنَّى. وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ
إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة/ ١٢٥]، وقامَ فُلانْ مَقامَ
فُلانٍ: إذا نابَ عنه. قال: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ
مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ ﴾
[المائدة/١٠٧]. وقوله: ﴿دِيناً قَيِّماً﴾
[الأنعام/ ١٦١]، أي: ثابتاً مُقَوِّماً لُأُمُورٍ
مَعَاشِهِمْ وَمَعادِهِمْ. وَقُرىءَ: ﴿قِيَماً﴾(٢)
مُخَفَّفً مِنْ قِيامٍ. وَقيلَ: هو وصْفٌ، نحوُ:
قَوْمٌ عِدَّى، ومَكانٌ سِوَى، وَلَحْمُ زِيَم(٣)،
وَمَاءُ رِوىّ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ ذلِكَ الدِّينُ
القيِّمُ ﴾ [يوسف / ٤٠]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لهُ
عِوَجاً قيّماً﴾ [الكهف / ١ -٢]، وقولُه: ﴿وَذْلِكَ
دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة / ٥] فالقَيِّمة هَهُنَا اسْمُ الأمَّةِ
القائمةِ بالقِسْطِ المُشارِ إليهم بقولِه: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ ﴾ [آل عمران / ١١٠]، وقولُه: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ﴾ [النساء/ ١٣٥]، ﴿ يَتْلُو
صُحْفاً مُطَهِّرَةً * فيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴾ [البينة / ٢ - ٣]
فقد أشارَ بقولهِ: ﴿صُحُفاً مُطَهَّرَةً ﴾ إلى القرآنِ،
وبقولهِ: ﴿ كُتُبُ قَيِّمَةٌ ﴾ [البينة / ٣] إلى ما فيه
مِنْ مَعاني كُتبِ اللَّهِ تعالى؛ فإنَّ القرآنَ مَجْمَعُ
ثمرَةٍ كُتُبِ اللَّهِ تعالى المُتَقدِّمَةِ. وقولُه: ﴿اللَّهُ لَ
إِلهَ إِلّ هُوَ الحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة / ٢٥٥] أي:
القائمُ الحافِظُ لكلِّ شيءٍ، وَالمُعْطَى له ما به
قِوامُهُ، وذلك هو المَعْنى المذكورُ في قوله:
﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى ﴾ [طه/
٥٠]، وفي قولهِ: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ
نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد / ٣٣]. وبِناءُ قَيُّومٍ :
فَيْعُولٌّ، وَقَيَّامُ: فَيْعَالٌ. نحوُ: دَيُّونٍ وَدَيَّانٍ،
والقِيامَةُ: عِبَارَةٌ عَنْ قِيَامِ الساعةِ المذكور في
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم / ١٢]،
﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين/
٦]، ﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾ [الكهف / ٣٦]،
والقِيامَةُ أَصْلُهَا ما يكون من الإِنسانِ من القِيامِ
دُفْعَةً واحِدَةً، أدْخِلَ فيها الهاءُ تنبيهاً على وُقُوعِهَا
دُفْعةً، والمقامُ يكونُ مَصْدَراً، وَاسْمَ مَكان
القِيامِ، وزَمانِه. نحوُ: ﴿إِنْ كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُمْ
مَقَّامِي وَتَذْكِيري﴾ [يونس/٧١]، ﴿ذلِكَ لِمَنْ
(١) وهي قراءة ابن عامر. الإتحاف ص ٢٠٣.
(٢) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف. الإتحاف ص ٢٢٠.
(٣) لحمٌّ زِيَم: مُتعضِّل ليس بمجتمع في مكان فيبدُن. اللسان (زيم).
٦٩١

قوم
خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدٍ ﴾ [إبراهيم / ١٤]،
﴿وَلِمِنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن / ٤٦]،
﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة/
١٢٥]، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [آل
عمران / ٩٧]، وقولُه: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾
[الدخان / ٢٦]، ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أُمِينٍ ﴾
[الدخان / ٥١]، ﴿ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾
[مريم / ٧٣]، وقال: ﴿وَمَا مِنَّا إلَّ لَهُ مَقَامٌ
مَعْلُومٌ﴾ [الصافات / ١٦٤]، وقال: ﴿ أَنَا آتِيكَ
بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل / ٣٩]
قال الأخفشُ: في قوله ﴿ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ
مَقَامِكَ﴾ [النمل / ٣٩]: إنَّ المقامَ المَفْعَدُ،
فهذا إنْ أراد أنْ المَقامَ والمَفْعَدَ بالذّاتِ شيءٌ
واحِدٌ، وإنما يخْتَلِفَانِ بِنِسْيَتِه إلى الفاعل
كالصُّعُودِ والحُدُورِ فصحيحٌ، وإنْ أراد أنَّ مَعْنَى
المَقَامِ مَعْنى المَفْعَدِ فذلك بَعيدٌ؛ فإنهُ يُسَمَّى
المكانُ الواحدُ مَرَّةً مَقاماً إذا اعْتُبِرِ بِقِيَامِهِ، ومَفْعَداً
إذا اعْتُبِرَ بِقُعُودِهِ، وقيل: المَقامَةُ: الجماعةُ، قال
الشاعر:
٣٧٩ - وفيهم مَقَامَاتُ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ(١)
وإنما ذلك في الحقيقَةِ اسمُ للمكانِ وإِنَ جُعِلَ
اسْماً لأصحابهِ. نحوُ قول الشاعر:
٣٨٠ - وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ(٢)
فَسَمَّى الْمُسْتَبِّينَ المَجْلِسَ. والاسْتِقَامَةُ يقالُ
في الطريق الذي يكونُ عَلَى خَطٍ مُسْتٍَ، وبه شُبَّهَ
طريقُ المُحِقِّ. نحوُ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ
المُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة / ٦]، ﴿وَأَنَّ هُذَا صِرَاطِي
مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام / ١٥٣]، ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود / ٥٦]. واسْتِقامَةُ
الإِنسان: لِزُومُهُ المَنْهَجَ المُسْتَقِيمَ. نحو قولهِ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبِّنَا اللَّهُ ثمَّ اسْتَقَامُوا ﴾
[فصلت/ ٣٠] وَقال: ﴿فَاسْتَقِمْ كما أُمِرْتَ ﴾
[هود / ١١٢]، ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَّيْهِ﴾ [فصلت / ٦]
وَالإِقامةُ في المكان: الثّبَاتُ. وإقامةُ الشيءِ:
تَوْفِيَّةُ حَقِّهِ، وقال: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ
عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا النَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾
[المائدة / ٦٨] أي: تُوَقُّونَ حُقُوقَهُمَا بالعِلْم
وَالعَمَل، وكذلك قولُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الَّوْرَاةَ
(١) الشطر لزهير بن أبي سلمى، وعجزه:
وأنديةٌ يَنْتَابُها القول والفعلُ
وهو في ديوانه ص ٦٠ من قصيدة مطلعها:
وأقضر من سلمى التعانيق فالثقل
صحا القلب عن سلمی وقد كاد لا يسلو
(٢) هذا عجز بيت لمهلهل بن ربيعة من أبيات يرثي بها أخاه.
وصدره :
نُبِئْتُ أنَّ النارَ بعدك أُوقدت
وهو في ديوانه ص ٢٨٠ .
٦٩٢

بالصلاةِ حَيْثُما أَمَرَ، ولا مدَحَ بها حَيْثُما مدَحَ إلّ
بِلَفْظِ الإِقَامةِ، تنبيهاً أنّ المَقْصُودَ منها تَوْفِيَةُ
شَرَائِطِهَا لا الإِنْيَانُ بِهَيْئَاتِهَا، نحوُ: ﴿أَقِيمُوا
الصَّلاة﴾ [البقرة/٤٣]، في غير موضِعٍ
وَالمُقِيمِينَ الصَّلَةَ ﴾ [النساء/ ١٦٢].
وقولُه: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاَةِ قَامُوا
كُسَالَى ﴾ [النساء / ١٤٢] فإِنَّ هذا منَ القِيامِ لا
من الإِقَامةِ، وأمّا قولُه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ
الصّلاَةِ﴾ [إبراهيم / ٤٠] أي: وَفِّقْنِي لِتَوْفِيَةِ
شرائِطها، وقولُه: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾
[التوبة / ١١] فقد قيلَ: عُنِيَ به إقامَتُها بِالإِقْرَارِ
بُوُجُوبِهَا لا بأدائها، والمُقَامُ يقالُ للمَصْدَرِ،
والمكَانِ، والزّمانِ، والمفْعُولِ، لكن الوارِدُ في
القرآن هو المَصْدَرُ نحوُ قولِهِ: ﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ
مُسْتَقَرْاً وَمُقَاماً ﴾ [الفرقان / ٦٦]، وَالْمُقَامةُ:
الإِقَامةُ، قال: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ
فَضْلِهِ ﴾ [فاطر / ٣٥] نحوُ: ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾
[فصلت/٢٨]، ﴿ وَجَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة/ ٧٢]
وقولهُ: ﴿لَ مَقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ﴾ [الأحزاب/
قوى
وَالْإِنجِيلَ﴾ [المائدة/ ٦٦] ولم يأمُرُ تعالى [ ١٣]، مِنْ قامَ، أي: لا مُسْتَقَرَّ لكمُ، وقد قُرِىءَ:
﴿لَ مُقَامَ لَكُمْ﴾(١) مِنْ: أقامَ. ويُعَبَّرُ بالإِقامةِ
عن الدوام. نحوُ: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ [هود/
٣٩]، وقُرِىءَ: ﴿إِنَّ الَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾(٢)
[الدخان / ٥١]، أي: في مكانٍ تَدُومُ إِقامَتُهُمْ
فيه، وتَقْوِيمُ الشيءِ: تَثْقِيفُهُ، قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين / ٤] وذلك
إشارةٌ إلى ما خُصَّ به الإِنْسَانُ من بَيْنِ الحَيَوانِ
من العقْل والفَهْم، وانْتِصَابِ القامةِ الدَّالَّةِ عَلَى
اسْتِيلَائِه عَلَى كُلِّ ما في هذا الْعالم، وتَقْوِيمُ
السِّلْعَةِ: بيانُ قِيمَتها. والقَوْمُ: جماعةُ الرِّجال في
الأصْلِ دُونَ النِّساءِ، وَلذلك قال: ﴿لَا يَسْخَرْ
قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية [الحجرات /١١]، قال الشاعر:
٣٨١ - أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِساءُ(٣)
وفي عامَّةِ الْقُرْآنِ أُرِيدُوا به والنِّساءَ جميعاً،
وحَقيقتُه الرِّجالِ لما نَبَّهَ عليه قولُه: ﴿الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بما فضَّل اللَّهُ به بعضهم على
بَعضٍ ﴾ الآية [النساء / ٣٤].
القُوَّةُ تُسْتَعْمَلُ تارةً في معنى القُدْرَةِ نحوُ قولِه
قوى
(١) وهي قراءة حفص وحده، والباقون بفتح الميم. الإتحاف ص ٣٥٣.
(٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب.
وما أدري وسوف إخالُ أدري
(٣) عجز بيت لزهير، وصدره:
وهو من قصيدة مطلعها:
عفا من آل فاطمة الجواء
وهو في ديوانه ص ١٢؛ واللسان (قوم).
فَيُمْنْ فالقوادم فالحساء
٦٩٣

قوی
٦٣]، وتارةً للتَهُفِ المَوْجُودِ في الشيءِ، نحوُ أنْ
يقالَ: النَّوَى بِالقُوَّةِ نَخْلٌ (١)، أي: مُتَهَيِّىءٌ
وَمُتْرَشِّحُ أن يكون منه ذلك. ويُسْتَعْمَلُ ذلك في
البدَنِ تارةً، وفي القَلْبِ أُخْرَى، وفي المُعاوِنِ مِنْ
خارجٍ تارةً، وفي القُدْرَةِ الإِلهِيّة تارةً. فَفِي البَدنِ
نحوُ قولِه: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قوَّةً ﴾ [فصلت/
١٥]، ﴿فَأَعِينُوْنِي بِقُوَّةٍ ﴾ [الكهف / ٩٥] فالقُوَّةُ
هُهُنَا قُوَّةُ انْبَدَنِ بِدَلَالةِ أنه رَغِبَ عن القُوَّةِ
الخارجة، فقال: ﴿ مَا مَكّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾
[الكهف / ٩٥]، وفي الْقَلْبِ نحو قولهِ: ﴿ یَا
يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ﴾ [مريم / ١٢] أي:
بِقُوَّةٍ قَلْبٍ. وفي المُعاوِنِ من خارجٍ نحوُ قولِه:
﴿ لَوْ أَنّ لِي بِكُمْ قُوّةٌ﴾ [هود / ٨٠] قيل: معْناهُ:
مَنْ أَتْقَوَّى به من الجُنْدِ، وَمَا أَتَقَّوَّى به من المال،
ونحوُ قولِه: ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وأُولُوا بَأْسِ
شَدِيدٍ ﴾ [النمل / ٣٣]، وَفي القُدْرَةِ الإِلْهِيَّةِ نحوُ
قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٍّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة / ٢١]،
﴿ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب / ٢٥]
وَقولُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ ﴾
[الذاريات / ٥٨] فعامٌّ فيما اخْتَصَّ اللَّهُ تعالى بهِ
من القُدْرَةِ وما جَعَلَه لِلخَلْقِ. وقولهُ: ﴿وَيَزِدْكُمْ
قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود/ ٥٢] فقد ضمِنَ تعَالى
تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [البقرة/ ] أنْ يُعْطِيَ كُلَّ وَاحِد منهم منْ أنْوَاعِ القُوَى قَدْرَ ما
يَسْتَحِقُّهُ، وقولُه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ
مَكِينٍ﴾ [التكوير / ٢٠] يَعْنِي بِه جبريلَ عليه
السلامُ، ووصَفَهُ بالقُوَّةِ عِنْدَ ذِي العَرْشِ ، وَأَفْرَدَ
اللَّفْظَ ونَكَّرَهُ فقال: ﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ تنبيهاً أنه إذا
اعْتُبِرَ بالمَلَإِّ الأعْلَى فَقُوَّتُهُ إلى حَدٍّ مّا، وقولُه فيه:
﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى﴾ [النجم / ٥] فإنه وصَفَ
القُوَّةَ بِلَفْظِ الجَمْعِ، وَعَرَّفَهَا تَعْرِيفَ الجِنْسِ
تنبيهاً أنه إذا اعْتُبِرَ بهذا العالَمِ ، وبالذين يُعَلَّمُهُمْ
وَيُفِيدُهُمْ هو كثيرُ القُوَى عَظِيمُ القُدْرَةِ. وَالقُوَةُ
التي تُسْتَعْمَلُ لِلتّهُوِ أَكْثَرُ مَنْ يَسْتَعْمِلُهَا الفَلَاسِفَةُ،
وَيَقُولُونَها عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنْ يُقَالَ لِمَا
كان مَوْجُوداً وَلِكِنْ ليسَ يُسْتَعْمَلُ، فيقالُ: فُلَانٌ
كَاتِبٌ بِالقُوَّةِ. أي: مَعَهُ المَعْرِفَةُ بِالكِتَابَةِ لكنهُ
ليسَ يَسْتَعْمِلُ، والثاني: يقالُ فُلانٌ كاتِبٌ بالقُوَّةِ،
وليْس يُعْنَى به أَنَّ مَعَهُ العِلْمَ بالكِتَابةِ، ولكِنْ
مَعْنَاهُ: يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الكِتَابَةَ. وَسُمِّيَتِ المَفَازَةُ
قَوَاءٌ، وَأَقْوَى الرَّجُلُ: صَارَ في قَوَاءٍ(٢)، أي: قَفْرٍ،
وتُصُوِّرَ مِنْ حالِ الحَاصِلِ فِي القَفْرِ الفَقْرُ،
فقيلَ: أَقْوَى فُلانٌ، أي: اقْتَقَرَ، كقولهم: أرْمَلَ
وَأْرَبَ. قال اللّهُ تعالى: ﴿وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ﴾
[الواقعة / ٧٣].
تمَّ كتاب القاف
(١) أي: يمكنه أن يصير نخلاً.
(٢) قال الخليل: أرضٌ قَواء: لا أهل فيها. العين ٢٣٧/٥ .
٦٩٤

كتاب الكافي
کب
الكَبُّ: إِسْقَاطُ الشيءِ على وجْهِهِ. قال عزَّ
وجل: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل /
٩٠]. وَالإِكْبَابُ: جَعْلُ وَجْهِهِ مَكْبُوباً على
العَمَلِ. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبَّاً عَلَى
وَجْهِهِ أَهْدَى﴾ [الملك / ٢٢] والكَبْكَبَةُ: تَدَهْوُرُ
الشيءٍ في هُوَّةٍ. قال: ﴿ فَكْكِبُوا فِيهَا هُمْ
وَالْغَاوُونَ ﴾ [الشعراء/ ٩٤]. يقالُ كُبَّ وكُنْكبَ،
نحوُ: كُفَّ وكُفْكَفَ، وصرَّ الرِّيحُ وصَرْصَرَ.
والكَوَاكِبُ: النُّجُومُ البادِيَةُ، ولا يقالُ لَهَا كَوَاكبُ
إلّ إذا بَدَتْ. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
رَأَىَ كَوْكَباً﴾ [الأنعام / ٧٦]، وقال: ﴿كَأَنَّهَا
كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور / ٣٥]، ﴿ إِنَّا زَيَّا السَّماءَ
الدُّنْيَا بِزِينَةِ الكَوَاكِبِ ﴾ [الصافات / ٦]، ﴿وَإِذَا
الكَوَاكِبُ انْتَشَرَتْ﴾ [الانفطار/ ٢] ويقالُ: ذَهَبُوا
تحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ(١): إذَا تَفَرَّقُوا، وَكَوْكَبُ
العَسْكَرِ: ما يَلْمَعُ فيها من الحدیدِ.
(١) انظر: المجمل ٣/ ٧٦٦.
کبت
الكَبْتُ: الرَّدُّ بِعُنْفٍ وَتَذْلِيلٍ. قال تعالى:
كُبِتُوا كمَا كُبِتَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [المجادلة/
٥]، وقال: ﴿لِيَقْطَعْ طَرَفَاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ
يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾ [آل عمران/ ١٢٧].
كبد
الكَبِدُ مَعْرُوفَةٌ، والكَبَدُ وَالْكُبَادُ تَوَجِّعُهَا،
والكَبْدُ إِصَابَتُهَا، ويقالُ: كَبَدْتُ الرجُلَ: إذا
أَصَبْتَ كَبِدَهُ، وَكَبِدُ السَّماءِ: وَسَطُهَا تشبيهاً بَكَبِدٍ
الإِنْسَانِ لِكونهَا فِي وَسَطِ الْبَدَنِ. وقيلَ: تَكَبَّدَتِ
الشمسُ: صارَتْ فِي كَبِدِ السَّماءِ، والكَبَدُ:
المَشَقّةُ. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي
كَبَدٍ ﴾ [البلد / ٤] تنبيهاً أَنَّ الإِنْسَانَ خَلَقَهُ اللَّهُ
تعالى على حالَةٍ لَا يَنْفَكُّ مِنَ المَشَاقِّ ما لم
يَقْتَحِمِ العَقَبَةَ ويَسْتَقِرَّ به دارُالقَرارِ، کماقال:
﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ﴾ [الانشقاق / ١٩].
٦٩٥

كبر
الكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ مِن الأسماءِ المُتَضَائِفَةِ التي
تقالُ عِنْدَ اعْتِبَارِ بعضِهَا ببعضٍ ، فالشيءُ قد يكونُ
صَغِيراً في جَنْبِ شيءٍ، وكَبِيراً في جَنْبٍ غَيْرِهِ،
وَيُسْتَعْمَلاَنِ فِي الْكَمِيَّةِ المُتّصِلَةِ كالأجْسَامِ ،
وذلك كالكَثِيرِ والقَلِيلِ، وفي الكُمَِِّّ المُنْفَصِلَةِ
كالْعَدَدِ، وربما يَتَعَاقَبُ الكَثِيرُ وَالكَبِيرُ عَلَى شيءٍ
وَاحِدٍ بِنَظَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نحوُ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ
كَبِيرٌ﴾ [البقرة/ ٢١٩] و: ﴿كثيرٌ﴾(١) قُرِىءَ
بهما. وأصْلُ ذلك أنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الأَعْيَانِ، ثم
اسْتُغِيرَ للمَعَاني نحوُ قولِهِ: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ
كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف / ٤٩]، وقوله:
﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذُلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ﴾ [سبأ/ ٣]،
وقولُه: ﴿ يَومَ الحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة / ٣] إنما
وصَفَهُ بِالْأَكْبَرِ تنبيهاً أنَّ العُمْرَةَ هي الحَجَّةُ
الصُّغْرَى كما قال ◌ََّ: ((العُمْرَة هي الحَجُّ
الأَصْغَرُ))(٢) فَمِنْ ذلك ما اعْتُبِرَ فيه الزمانُ،
فيقَالُ: فُلانٌ كَبِيرٌ، أي: مُسِنٌّ. نحوُ قولِه: ﴿إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾ [الإِسراء / ٢٣]،
وقال: ﴿وَأَصَابَهُ الكِبْرُ﴾ [البقرة/ ٢٦٦]،
﴿ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ [آل عمران / ٤٠]، ومنه ما
اعْتُبِرَ فيه المَنْزِلَةُ وَالرِّفْعَةُ نحوُ: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ
أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾
كبر
[الأنعام / ١٩]، ونحوُ: ﴿الكَبِيرُ المُتَعَالِ }
[الرعد / ٩]، وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًَ إِلَّ كَبِيراً
لَهُمْ ﴾ [الأنبياء/ ٥٨] فَسَماهُ كَبِيراً بِحَسَبٍ
اعْتِقَادِهِمْ فيه لا لِقَدْرٍ وَرِفْعَةٍ له على الحَقِيقَةِ،
وعلى ذلك قولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾
[الأنبياء / ٦٣]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ
قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيهَا ﴾ [الأنعام / ١٢٣] أي:
رُؤَّسَاءَهَا وقولُه: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ
السِّحْرَ﴾ [طه / ٧١] أي: رَئيسكُمْ. ومن هذا
النَّحْوِ يقالُ: ورثَّهُ كابراً عن كابر، أي: أَباً كَبِيرَ
القَدْرِ عن أبٍ مِثْلِهِ. والكَبِيرَةُ مُتَعَارَفَةٌ فِي كُلِّ ذَنْبٍ
تَعْظُمُ عُقُوبَتُهُ، والجمعُ: الكَبَائِرُ. قال: ﴿الَّذِينَ
يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ والفَوَاحِشَ إلّ اللّمَمَ ﴾
[النجم / ٣٢]، وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا
تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [النساء / ٣١] قيلَ: أُرِيدَ بِهِ الشِّرْكُ
لقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان/
١٣]. وقيلَ: هي الشّرْكُ وسائرُ المعاصِي
المُعِقَةِ، كالزِّنَا وَقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ، ولذلك
قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأَ كَبِيراً ﴾ [الإِسراء/
٣١]، وقال: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة/ ٢١٩].
وتُسْتَعْمَلُ الكَبِيرَةُ فيما يَشُقُّ وَيَصْعُبُ نحوُ:
﴿ وَإِنّها لَكَبِيرَةٌ إلّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة/
(١) وهي قراءة حمزة والكسائي، ووافقهما الأعمش انظر: الإتحاف ص ١٥٧ .
(٢) الحديث تقدَّم في مادة (حج).
٦٩٦

كبر
٤٥]، وقال: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ
إليْهِ﴾ [الشورى / ١٣]، وقال: ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ
عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ [الأنعام / ٣٥]، وقولُه:
﴿ كَبُرَتْ كِلِمَةً ﴾ [الكهف / ٥] ففيهِ تنبيهً على
عِظَمِ ذلك من بَيْنِ الذُّنُوبِ وَعِظَمِ عُقُوبَتِهِ.
ولذلك قال: ﴿كَبُرَ مَقْنَاً عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [ الصف/
٣]، وقولُه: ﴿وَالّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور / ١١]
إشَارَةً إلى مَنْ أَوْقِعَ حَدِيثَ الإِفْكِ. وَتنبيهاً أنَّ كلَّ
مَنْ سَنَّ سُنّةً قَبِيحَةً يَصِيرُ مُقْتَدَى به فذنْبُهُ أَكْبرُ.
وقولُه: ﴿إلا كِبْرُ ما هُمْ بِبالِغِیهِ﴾ [غافر/٥٦]، أي
تكبِّرٌ. وقيلَ: أَمَرٌ كبيرٌ منَ الشَّرِّ، كقوله:
﴿وَالّذِي تَلَّى كِبْرَهُ﴾ [النور/ ١١]، وَالْكِبْرُ
وَالتَّكَبُرُ والاسْتِكِبَارُ تَتَقَارَبُ، فَالكِبْرُ الحالةُ التي
يَتَخَصَّصُ بها الإِنسَانُ من إِعْجابِهِ بِنْفُسِه، وذلك
أن يَرَى الإِنسَانُ نَفْسَهُ أَكْبَرَ من غيرِهِ. وأعْظَمُ
التَّكَبُّرِ التَّكَبُّرُ على اللّهِ بالامْتِناعِ مِنْ قَبُولِ الحَقِّ
وَالإِذْعانِ له بالعِبادَةِ. والاسْتَكْبارُ يقالُ على
٥٫٥٠
وَجْهَیْنِ :
أحَدُهُما: أنْ يَتَحَرَّى الإِنسانُ ويَطْلُبَ أَنْ يَصِيرَ
كَبِيراً، وذلك متى كان على ما يَجِبُ، وفي
المكانِ الذي يَجِبُ، وفي الوقْتِ الذي يَجِبُ
فمحمُودٌ.
٠
والثاني: أنْ يَتَشبَّعَ فَيُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ ما ليسَ
له، وهذا هو المذْمُومُ، وعلى هذا ما وَرَدَ في
القُرْآنِ. وهو ما قال تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾
[البقرة / ٣٤]. وقال تعالى: ﴿أَفَكُلِمَا جَاءَكُمْ
رَسُولُ بَمَا لَ تَهْوَى أَنْفسُكُمُ اسْتَكْبرْتُمْ ﴾
[البقرة/ ٨٧]، وقال: ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبِرُوا
اسْتِكْبَاراً ﴾ [نوح / ٧]، ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ ﴾
[فاطر / ٤٣]، ﴿فَاسْتَكْبِرُوا فِي الأَرْضِ﴾
[فصلت/١٥]، ﴿َتَسْتَكِبُرُونَ فِي الأرْضِ بِغِيْرِ الحَقِّ﴾
[الأحقاف / ٢٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذِّبُوا بِآيَاتِنَا
وَاسْتَكِبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّماءِ﴾
[الأعراف / ٤٠]، ﴿قَالُوا مَاأَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ
وَمَا كُنْتَمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأعراف / ٤٨]، وقوله:
﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلْذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ [غافر/
٤٧] قابَلَ المُسْتَكْبِرِينَ بالضُّعِفَاءِ تنبيهاً أنَّ
اسْتِكْبَارَهُمْ كان بما لهمْ من القُوَّةِ من البَدَنِ
والمَالِ . وقال تعالى: ﴿قالَ المَلُّ الَّذِينَ
اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾
[الأعراف / ٧٥] فقَابَلَ المُسْتَكْبِرِينَ
بِالمُسْتَضْعَفِينَ ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْماً
مُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف / ١٣٣] نبّه بقولهِ:
فاسْتَكْبَرُوا﴾ على تَكَبُّرِهِمْ وَإِعْجَابِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ
وَتَعَظُّمِهِمْ عن الإِصْغَاءِ إليه، ونَبِّهَ بقوْلِهِ: ﴿وكانُوا
قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف / ١٣٣] أنّ الذي
حَمَلَهُمْ على ذلك هو ما تَقدَّمَ مِنْ جُرْمِهِمْ، وأَنَّ
ذلك لم يكنْ شَيْئاً حَدَثَ منهم بَلْ كان ذلك دَأْبَهُمْ
قَبْلُ. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ
قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل / ٢٢]،
٦٩٧

كبر
وقال بعْدَهُ: ﴿ إنّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾
[النحل / ٢٣]. وَالتَّكَبُّرُ يقالُ على وَجْهَيْنِ:
أحدُهُما: أن تكونَ الأفعالُ الحَسَنَةُ كَثِيرَةً في
الحَقيقَةِ وزائِدَةٌ على مَحاسِنٍ غَيْرِهِ، وعلى هذا
وُصِفَ اللَّهُ تعالى بالتَّكُرِ. قال: ﴿العَزِيزُ الجَبَّارُ
المُتَكَبِّرُ ﴾ [الحشر/ ٢٣].
والثاني: أن يكونَ مُتَكلِّفاً لذلك مُتَشَبِّعاً،
وذلك في وَصْفِ عامَّةِ الناسِ نحوُ قولِه: ﴿ فَبْسَ
مَثْوَى المُتْكِّرِينَ﴾ [الزمر / ٧٢]، وقوله:
﴿ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبٍ مُتْكِّرٍ جَبَّارٍ ﴾
[غافر / ٣٥] وَمَنْ وُصِفَ بالتَّكَبُّرِ على الوَجْهِ
الأوّلِ فَمِحْمُودٌ، وَمَنْ وُصِفَ به على الوَجْهِ
الثاني فَمِذْمُومٌ، وَيَدُلُّ على أنه قد يَصِحُ أَنْ
يُوصَفَ الإِنسَانُ بذلك ولا يكونَ مَذْمُوماً قولُه:
﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الذِينَ يَتَكَبِّرُونَ فِي الأرْضِ
بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ [الأعراف / ١٤٦] فَجَعَلَ مُتْكِبْرِينَ
بِغِيرِ الحَقِّ، وَقَال: ﴿عَلَى كُلّ قَلْبِ مُتْكِبْرٍ
جَبّارٍ ﴾ [غافر / ٣٥] بإِضَافَةِ الْقَلْبِ إلى المتَكِبْرِ.
وَمَنْ قَرَأْ: بالتّنْوِينِ (١) جَعَلَ المتكبِّرَ صِفَة لِلْقَلْبِ،
وَالْكِبْرِيَاءُ: التَّفْعُ عنِ الانْقِيَادِ، وذلك لا يَسْتَحِقِهُ
غَيرُ اللَّهِ، فقالَ: ﴿وَلَّهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمْوَاتِ
وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية / ٣٧] وَلِمَا قُلْنَا رُوِي
عنه وَ﴿ يقول عن اللَّه تعالى: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي
وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ منهما
قَصَمْتُهُ)(٢)، وقال تعالى: ﴿قَالُوا أَجِتْنَا لِتَلْفِتَنَا
عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ في
الأَرْضِ ﴾ [يونس / ٨٧]، وأكْبَرْتُ الشيءَ:
رَأَيْتُهُ كَبِيراً. قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾
[يوسف / ٣١]. والتّكْبِيرُ يقالُ لذلك، ولتَعْظيم
اللَّه تعالى بقولهم: اللَّهُ أَكْبَرُ، ولِعِبَادَتِهِ واسْتِشْعَارِ
تَعْظيمه، وعلى ذلك: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا
هَدَاكُمْ ﴾ [البقرة/ ١٨٥]، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾
[الإسراء / ١١١]، وقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمْوَاتِ
وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر / ٥٧] فهي إشارةً إلى ما
خَصَّهُمَا اللَّهُ تعالى به من عجائبِ صُنْعِه،
وحِكْمَتِهِ التي لا يَعْلَمُهَا إِلّ قَليلٌ مِمَّنْ وَصَفَهُمْ
بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمْوَاتِ
وَالأَرْضِ ﴾ [آل عمران / ١٩١] فَأُمَّا عِظَمُ
◌ُّتِهِمَا فَأَكْثُرُهُمْ يَعْلَمُونَهُ. وقولُه: ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ
الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان / ١٦] فتنبيهً أنّ كلَّ ما
يَنَالُ الكافرَ منَ العذابِ قَبْلَ ذلك في الدُّنيا وفي
البَرْزَخِ صَغِيرٌ فِي جَنْبِ عذابِ ذلك اليوم.
وَالْكُبَارُ أَبْلِغُ من الكَبِيرِ، والكُبَارُ أبلغُ منْ ذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ﴾ [نوح/
٢٢].
(١) قرأ: ﴿على كلِّ قلبٍ متكبرٍ جبّار﴾ بالتنوين أبو عمرو وابن عامر بخلفه. انظر: الإتحاف ص ٣٧٨.
(٢) الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله عزَّ وجل: الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزاري، فمن نازعني واحداً
منهما أدخلته النار)) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم (٢٦٢٠)؛ والبيهقي في الأسماء والصفات ص ١٧٣ .
٦٩٨

کتب
الكَتْبُ: ضَمُّ أدِيمٍ إلى أدِيمٍ بالخِيَاطةِ،
يُقالُ: كَتَبْتُ السِّقَاءَ، وَكَتَبْتُ الْبَغْلَةَ: جَمِعْتُ بِينَ
شُفْرَيْهَا (١) بحَلْقَةٍ، وَفِي التَّعَارُفِ ضَمُّ الحُرُوفِ
بعضها إلى بَعْضٍ بالخَطِّ، وقد يُقَالُ ذلكَ
للمَضْمُومِ بَعْضِهَا إلى بَعْض باللّفْظِ، فالأصْلُ في
الكِتَابَةِ: النَّظْمُ بِالْخَطّ لكنْ يُسْتَعَارُ كُلُّ وَاحِدٍ
للآخَرِ، وَلهذا سُمِّيَ كلامُ اللَّهِ - وَإنْ لم يُكْتَبْ -
كِتَاباً كقوله: ﴿الَّم * ذُلِكَ الْكِتَابُ ﴾ [البقرة/
١ - ٢]، وقوله: ﴿قَالَ إِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ
الْكِتَابَ﴾ [مريم / ٣٠]. والكِتاب في الأصْل
مَصْدِرٌ، ثم سُمِّيَ المَكْتُوبُ فيه كِتَاباً، والكِتابُ
في الأصْل اسمٌ للصّحِيفَة مع المكْتُوبِ فيه، وفي
قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً
مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [النساء / ١٥٣] فإِنّه يعني صَحِيفَةٌ
فيها كتابةٌ، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً في
قِرْطاسٍ﴾ الآية [الأنعام / ٧]. ويُعَبِّرُ عن الإِثْباتِ
والتَّقْدِيرِ والإِيجابِ والفَرْضِ والعَزْم بالكِتابَةِ،
وَوَجْهُ ذلك أن الشيءَ يُرادُ، ثم يقالُ، ثم يُكْتَبُ،
فالإِرادَةُ مَبْدَأُ، وَالكِتَابَةُ مُنْتَهِىَّ. ثم يُعَبِّرُ عن المُراد
الذي هو المَبْدَأُ إذا أُرِيدَ تَوْكِيدُهُ بالكِتَابةِ التي هي
المُنْتَهَى، قال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لْأَغْلِيَنّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾
[المجادلة / ٢١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا
إِلّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة / ٥١]، ﴿لَبَرَزَ
الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَبْلُ﴾ [آل عمران / ١٥٤]،
وقال: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض في
كِتَابِ اللّهِ ﴾ [الأنفال / ٧٥] أي: في حُكْمِه،
وقوله: ﴿ وَكَتََّا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنّفْسِ ﴾
[المائدة/ ٤٥] أي: أَوْجَبْنَا وَفَرَضْنَا، وكذلك
قولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾
[البقرة/ ١٨٠]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ﴾ [البقرة/ ١٨٣]، ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا
الْقِتَالَ﴾ [النساء / ٧٧]، ﴿ مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ﴾
[الحديد / ٢٧]، ﴿لَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ
الْجَلَءَ﴾ [الحشر / ٣] أي: لولا أن أَوْجَبَ اللَّهُ
عَلَيهِمُ الإِخْلَاءِ لِدِيَارِهِمْ، ويُعَبِّرُ بالكِتابةِ عن
القضاء المُمْضى، وما يَصِيرُ في حُكْم المُمْضى،
وعلى هذا حُمِلَ قولُه: ﴿بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ
يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف / ٨٠] قيل: ذلك مِثلُ قوله:
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد/ ٣٩]،
وقوله: ﴿أُوْلِئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ
بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة / ٢٢] فإشارةٌ مِنْهُ إلى
أنهم بخلاف مَنْ وصَفْهُمْ بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ [الكهف / ٢٨]؛ لأنّ
معنَى ((أَغْفَلنا) من قولهم: أَغْفَلْتُ الكتابَ: إذا
جَعَلْتَهُ خالياً من الكِتابةِ ومن الإِعْجام، وقولُه:
﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ وَإِنّا لَهُ كاتِبُونَ ﴾ [الأنبياءِ/
٩٤] فإشارةٌ إلى أنّ ذلك مُثْبتُ له ومُجازَّى به.
(١) الشُفْرُ: جانب الفرج.
٦٩٩

وقولُه: ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران/
٥٣] أي: اجْعلنَا فِي زُمْرَتهمْ إشارةً إلى قوله:
﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... ) الآية
[النساء / ٦٩] وقوله: ﴿مَالِ هذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ
صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف / ٤٩] فقيل
إشارةٌ إلى ما أُثْبِتَ فيه أعمالُ العباد. وقوله:
﴿ إِلّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ [الحديد/
٢٢] قيل: إشارةٌ إلى اللّوْح المحفُوظِ، وكذا
قولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إنّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ
يَسِيرٌ﴾ [الحج / ٧٠]، وقوله: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ
يَابِسٍ إلّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام / ٥٩]،
﴿ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ [الإِسراء / ٥٨]،
﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ [الأنفال / ٦٨]
يعني به ما قَدَّرَه منَ الحِكْمَةِ، وذلك إشارةٌ إلى
قوله: ﴿كَتَّبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾
[الأنعام / ٥٤] وقيل: إشارةٌ إلى قوله: ﴿وَمَا كانَ
اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال/ ٣٣]،
وقوله: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
[التوبة / ٥١] يعني: ما قدّرَهُ وَقَضَاهُ، وَذَكَرَ (((لنا)»
ولم يَقُلْ ((علينا)) تنبيهاً أنّ كلَّ مَا يُصِيبُنَا نَعُدُّه نِعْمةً
لنا، ولا نعُدُّهُ نِقْمةً علينا، وقولُه: ﴿ادْخُلُوا
الأَرْضَ المُقَدّسَةَ الّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكمْ ﴾ [المائدة/
٢١] قيل: معنى ذلك وهَبَها اللَّهُ لكم، ثم حرَّمَهَا
عليكم بامْتِنَاعِكُمْ مِن دُخولِهَا وقَبُولهَا، وقيل:
کتب
كَتَبَ لِكُمْ بِشَرْطِ أَنْ تَدْخُلوها، وقيل: أوْجبهَا
عَلْيكمْ، وإنما قال: ((لكمْ)) ولم يَقلْ: ((عليكم))
لأنّ دُخُولَهِمْ إِيَّهَا يعودُ عليهم بِنْعٍ عاجلٍ
وَآجِلٍ، فيكونُ ذلك لهم لا عليهم، وَذلك
كقولك لِمَنْ يَرى تأذِّياً بشيءٍ لا يَعْرِفُ نَفْعِ مَآلِه:
هذا الكلام لك لا عليك، وَقوله: ﴿وَجْعَلَ كَلِمَةً
الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[التوبة / ٤٠] جَعَلَ حُكْمَهُمْ وَتَقْدِيرَهُمْ سَاقِطاً
مُضْمَحِلًا، وَحُكْمَ اللَّهِ عالِياً لا دافعَ له ولا مانعَ،
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ
لَقَدْ لَبْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ﴾
[الروم / ٥٦] أي: في عِلمِهِ وإِيجَابِهِ وَحُكْمِه،
وعَلَى ذلك قولُه: ﴿لِكُلِّ أَجْلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد/
٣٨]، وقوله: ﴿إنّ عِدّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا
عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [التوبة / ٣٦] أي:
في حُكْمِهِ. وَيُعَبّرُ بالكِتَابِ عن الحُجّةِ الثابتةِ من
جهةِ اللَّهِ نحوُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ في اللَّهِ
◌ِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدَّى وَلَ كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾ [الحج/
٨]، ﴿ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِه ﴾ [الزخرف/
٢١]، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات / ١٥٧]،
﴿ أُوْتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة/ ١٤٤](١)، ﴿ كِتَابَ
اللَّهِ ﴾ [النساء / ٢٤]، ﴿أُمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابً ﴾
[فاطر / ٤٠]، ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الطور / ٤١]
فذلك إشارةٌ إلى العلم والتَّحَقُّقِ والاعْتِقاد،
(١) الآية: ﴿وإنَّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون﴾.
٧٠٠