النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٥]، أي: مُعِيناً لِلشَّيْطانِ عَلَى الرَّحْمن. وقال أبُو عُبَيْدَةَ(١): الظَّهِيرُ هُوَ المَظْهُورُ بِهِ. أي: هَيِّناً عَلَى رَبِّهِ كالشّيْءِ الذِي خَلَّقْتَهُ، مِنْ قَوْلِكَ: ظَهَرْتُ بكذا، أي: خَلفْتُهُ ولم أَلْتِفِتْ إِليْهِ. والظِّهَارُ: أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأْتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يقالُ: ظاهَرَ مِنْ امْرَاتِهِ. قال تعالى : ◌ٍ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾ [المجادلة/ ٣]، وقرىءَ: ﴿يظَّاهَرُون﴾(٢) أي: يَتَظاهَرُونَ، فَأَدْغِمَ، و﴿ يَظَّهَّرُون﴾(٣)، وظَهَرَ الشَّيْءُ أَصْلُهُ: أنْ يَحْصُلَ شيْءٌ عَلَى ظَهْرِ الأرْض فلا يَخْفى، وَبَطَنَ إذا حَصَلَ فِي بُطْنَانِ الأرْضِ فَيَخْفِى، ثمّ صَارَ مُسْتَعْملاً في كلِّ بَارِزٍ مُبْصَرٍ بِالْبَصَرِ والبَصِيرَةِ. قال تعالى: ﴿أَوْ أَنْ يُظهرَ فِي الأرْضِ الفَسَادَ﴾ [غافر/ ٢٦]، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف / ٣٣]، ﴿إِلا مِرَاءً ظَاهِراً ﴾ [الكهف / ٢٢]، ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الحيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم / ٧]، أي: يَعْلَمُونَ الْأُمُورَ الدُّنْيَويَّةَ دُونَ الْأُخْرَويّةِ، والعِلمُ الظاهِرُ والْبَاطِنُ تَارَةً يُشَارُ بهمَا إِلى المَعَارِفِ الجَلِيَّةِ والمعَارِفِ الخَفِيَّةِ، وَتَارَةً إلى العُلُومِ الدُّنْيَوِيةِ، والعُلُومِ الأُخْرَويَّةِ، وَقولُه: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ﴾ [الحديد/ ١٣]، وقولُه: ظهر ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الروم / ٤١]، أي: كثر وشاع، وقولُه: ﴿نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان / ٢٠]، يعني بالظاهِرَةِ: مَا نَقِفُ عَليها، وَبِالْبَاطِنِةِ: مَا لَ نَعْرِفُهَا، وإليه أشارَ بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل / ١٨]، وقولُه: ﴿قُرِّى ظَاهِرَةً ﴾ [سبأ/ ١٨]، فقد حُمِلَ ذلك عَلَى ظاهِرهِ، وقيلَ: هوَ مَثَلٌ لِأَحْوالٍ تَخْتَصُ بِمَا بَعْدَ هذا الكتاب إِنْ شَاءَ اللهُ، وقولُه: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾ [الجن / ٢٦]، أي: لَا يُطْلعُ عَلَيْهِ، وقولُه: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ﴾ [التوبة / ٣٣]، يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْبُرُوزِ، وَأَنْ يكونَ مِنَ المُعَاوَنِةِ وَالغَلَبَةِ، أَي: لِيُغَلَّهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وعَلَى هذا قوله: ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ [الكهف/ ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿ یَا قَوْمٍ لَكُمُ المُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ ﴾ [غافر / ٢٩]، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف / ٩٧]، وصَلاةُ الظُّهْر مَعرُوفةٌ، وَالظَّهِيرَةُ: وَقْتُ الظُهْرِ، وَأَظْهَرَ فُلانٌ: حَصلَ في ذلك الوقتِ، عَلَى بِنَاءِ أَصْبَحَ وَأَمْسَى (٤). قال تعالى: ﴿وَلَّهُ الْحَمِدُ فِي السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ [الروم / ١٨]. تمَّ كتابُ الظاء (١) انظر: مجاز القرآن ٧٧/٢. (٢) قرأ ﴿ يَظَّاهرون) بفتح الياء وتشديد الظاء وبألف، ابن عامر وحمزه والكسائي وخلف وأبو جعفر. انظر: إرشاد المبتدي ص ٥٨٦. (٣) وقرأ ﴿يَظْهُرُون﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب. انظر: إرشاد المبتدي ٥٨٦. (٤) راجع صفحة ٨٢ حاشية ١ . ٥٤١ كنات العَين عبد العُبُودِيَّةُ: إِظْهَارُ النِّذَلَّلِ، والعبادَةُ أَبْلَغُ منها؛ لأنها غايةُ النِّذَلُّلِ ، وَلا يَسْتَحِقُهَا إلا مَنْ له غايةُ الإِفْضَالِ، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أَلَّ تَعْبُدُوا إِلّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء/ ٢٣]. والعِبادةُ ضَرْبَانٍ : عبادةٌ بالتّسْخِيرِ، وهو كما ذَكَرْنَاهُ في السُّجودِ. وَعَبَادَةٌ بالاختيار، وهي لِذَوِي النُّطْقِ، وهي المأمورُ بها في نحو قولهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [البقرة/ ٢١]، ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ ﴾ [النساء / ٣٦]. والعَبْدُ يُقالُ على أربعة أضرُبٍ: الأوَّلُ: عَبْدٌ بحُكم الشّرْعِ، وهو الإِنسانُ الذي يَصِحُ بَيْعِهُ وايْتِياعُهُ، نحو: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾ [البقرة / ١٧٨]، وَ﴿ عَبْدَاً مَمْلوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ [النحل / ٧٥]. الثاني: عَبْدٌ بالإِيجادِ، وذلك ليسَ إلّ للهِ، وإيَّهُ قَصَد بقوله: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمْنِ عَبْداً ﴾ [مريم / ٩٣]. والثالثُ: عَبْدٌ بالعِبَادَةِ والخِدْمَة، والناسُ في هذا ضربان: عَبْدُ للهِ مُخْلِصٌ، وهُوَ المَقصُودُ بقولهِ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص / ٤١]، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ﴾ [الإسراء / ٣]، ﴿ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ [الفرقان/ ١]، ﴿عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف / ١]، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الحجر / ٤٢]، ﴿كُونُوا عِبَادً لِي﴾ ﴿آل عمران / ٧٩]، ﴿إِلَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر/٤٠]، ﴿وَعَدَ الرَّحْمُنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم/٦١]، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان/ ٦٣]، ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ [الدخان/ ٢٣]، ﴿فَوَجَدَا عَبْدَاً مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف / ٦٥]. وَعَبْدٌ لِلُّنْيَا وَأَعْرَاضِهَا، وهُوَ المُعْتَكِفُ عَلَى خِدْمَتَهَا وَمُرَاعَاتِهَا، وإِيَّاهُ قَصَدَ النَّبي عليه الصلاةُ والسلام بقوله: ((تَعِسَ عَبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبدُ ٥٤٢ عبد - عبث الدِّينَارِ))(١)، وعَلَى هذا النحو يَصحُّ أَنْ يُقالَ: ليسَ كلُّ إِنْسَانٍ عَبْدَأَ للهِ، فإِنَّ العَبد عَلَى هذا بمعنَى العابِدِ، لَكِنِ العَبْدُ أَبْلَغُ مِنَ العابِد، والناسُ كلُّهمْ عِبَادُ اللهِ بَل الأشياءُ كلُّها كذلك، لكِنْ بَعْضُهَا بالتّسْخِير وبَعْضُهَا بِالاخْتِيَارِ، وَجمعُ العَبْد الذي هو مُسْتَرَقِّ: عِيدٌ، وقيل: عِدَّى(٢)، وَجَمْعُ العَبْدِ الذي هوَ العابِدُ عِبَادٌ، فَالعَبيدُ إِذا أُضِيفَ إلى اللهِ أَعَمُّ مِنَ العِباد. ولهذا قال: ﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ ◌ِلْعَبِيد ﴾ [قَ / ٢٩]، فَنَبَّ أنه لا يَظْلِمُ مَنْ يَخْتَصُ بِعِبَادَتِهِ وَمَنْ انْتَسَبَ إلى غَيرِهِ من الّذِينَ تَسَمَّوْا بِعَبْد الشمس وعَبْد الّلاتِ ونحو ذلك. ويُقالُ: طريقٌ مُعَبَّدٌ، أي: مُذَلِّلُ بالوَطْءِ، وبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ: مُذَلَّلٌ بِالقَطِرَانِ، وَعَبَّدتُ فُلاناً: إذا ذَلَّتَه، وإذا اتَّخَذْتَهُ عَبْداً. قال تعالى: ﴿ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء / ٢٢]. عبث العَبَثُ: أَنْ يَخْلِطَ بِعَمَلِهِ لَعِباً، مِنْ قولهم: عَبَئتُ الأقِطَ(٣)، والعَبِيثُ: طَعامٌ مَخْلُوطُ بشيء، ومنه قيلَ: الْعَوْبَثَانِيُّ(٤) لِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَسَوِيقٍ مُخْتَلِطٍ. قَال تعالى: ﴿أَتْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ﴾ [الشعراء / ١٢٨]، ويُقَالُ لما ليسَ له غَرَضٌ صحيحٌ: عَبَثٌ. قَال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا عبر خَلَقْنَاكُمْ عَبَثً ﴾ [المؤمنون / ١١٥]. عبر أصلُ العَبْرِ: تجاوُزْ مِنْ حَالٍ إلى حَال، فَأَمَّا العُبُور فَيَخْتَصُ بِتَجَاوُزِ المَاءِ، إِمَّا بِسِبَاحَةٍ، أو في سَفِيَةٍ، أو على بَعِيرٍ، أَو قَنْطَرَةٍ، ومنه: عِبْرُ النَّهْرَ: لِجَانِهِ حَيْثُ يَعْبُرُ إليه أو منه، وَاشتٌُّ منه: عَبَرُ العَيْنِ لِلدَّمْعِ، وَالعَبْرَةُ كالدَّمْعَةِ، وقيلَ: عابرُ سَبِيلٍ. قال تعالى: ﴿إِلّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء / ٤٣]، وناقَةٌ عُبْرُ أَسْفَارٍ، وَعَبَرَ القَوْمُ: إذا ماتُوا، كأنّهُمْ عَبَرُوا قَنْطَرَةَ الدُّنْيَا، وأما العِبَارَةُ فهي مُخْتَصَّةٌ بالكلامِ العابِ الهَوَاءِ مِنْ لِسَانِ المُتَكَلِّمِ إلى سَمْعِ السَّامِعِ، وَالاعْتَبَارُ وَالعِبْرَةُ: بالحالَةِ التي يُتَوَصَّلُ بِها مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدِ إِلى ما ليسَ بِمُشَاهَدٍ. قال تعالى: ﴿إِنَّ في ذلك لَعِبْرَةً ﴾ [آل عمران / ١٣]، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر / ٢]، وَالتَّعْبِيرُ: مُخْتَصِّ بِتَعْبِير الرُّؤْيًا، وهو العابرُ مِنْ ظاهِرِها إِلى باطِهَا، نحوُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف / ٤٣]، وهو أَخَصُّ مِنَ التِّأْوِيلِ ؛ فَإِنَّ التّأْوِيلَ يقالُ فيه وفي غَيْرِهِ. وَالشِّعْرَىْ العَبُورُ، سُمِّيَتْ بذلك لِكَوْنِهَا عابرَةً، وَالْعُبْرِيُّ: ما يَنْبُتُ على عَبْرِ النّهرِ، وَشَطُّ مُعْبَرٌ: تُرِكَ عليه العُبْرِيُّ. (١) أخرجه البخاري في كتاب الرقائق ١٧٥/٧ . (٢) في اللسان: ومن الجمع: عِبْدان، وعُبْدان، وعِبِدَّان. (٣) العَبْثُ: تجفيف الأقط في الشمس. انظر: المجمل ٦٤٢/٣. (٤) انظر: المجمل ٦٤٢/٣؛ واللسان (عبث) ١٦٧/٢ . ٥٤٣ عبس - عبقر عبس العُبُوسُ: قُطُوبُ الوَجْهِ مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَّلَّى﴾ [عبس/ ١]، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر / ٢٢]، ومنه قيلَ: يَومٌ عَبُوسٌ. قال تعالى: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ﴾ [الإِنسان / ١٠]، وباعتبار ذلك قيلَ العَبَسُ: لمَا يَبِسَ على هُلْبٍ(١) الذّنَبِ مِنَ الْبَعْرِ وَالْبَوْلٍ، وَغَبِسَ الوَسَخُ عَلَى وَجْهِهِ(٢). عبقر عَبْقَرُ قيلَ: هو مَوْضِعٌ لِلْجِنِّ يُنْسَبُ إليه كُلُّ نادِرٍ مِنْ إِنْسَانٍ، وَحَیْوَانٍ، وَثَوْبٍ، ولهذا قيلَ في عُمَرَ: ((لم أَرَ عَبْقَرِيّاً مِثْلَهُ))(٣)، قال تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيِّ حِسانٍ﴾ [الرحمن / ٧٦]، وهو ضَرْبٌ مِنَ الفُرُش فيما قيلَ، جَعَلَهُ اللهُ مَثَلًا لِفُرُشِ الجَنَّةِ. عبأ ما عَبَأْتُ به، أي: لم أَبَالِ به، وَأصْلُهُ مِنَ عبا ۔ عتب العِبْءِ، أي: الثّقْلِ، كأنه قال: ما أرَى له وَزْناً وَقَدْراً. قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان / ٧٧]، وقيلَ أَصْلُهُ مِنْ: عَبَأْتُ الطَّيبَ، كأنه قيلَ: ما يُبْقِيكُمْ لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ، وقيلَ: عَبَأْتُ الجَيْشَ، وَعَبَّأْتُهُ: هَيَّنْتُهُ، وعُبِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ: ما هي مُدَّخَرَةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ حَمِيَّتِهِم المَذْكُورَةِ فِي قوْلِهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ ﴾ [الفتح / ٢٦]. عتب العَتَّبُ: كلُّ مَكانٍ نابٍ بِنازِلِهِ، ومنه قيلَ لِلِمِرْقَاةِ ولُإِسْكُفّةِ الباب: عَتَبَةٌ، وَكُنِّيَ بها عن المرْأةِ فيما رُوي: ((أنَّ إبراهيم عليه السلامُ قال لامْرَأَةِ إسماعيلَ: قُولِي لِزَوْجِكِ غَيِّرْ عَتْبَةَ بَابِك))(٤) وَاسْتُغِيرَ العَتْبُ والمَعْتَبَةُ لِغَلْظَةٍ يجِدُهَا الإِنْسَانُ فِي نَفْسِه عَلَى غَيْرِهِ، وَأصلهُ مِنَ العَتبِ، وبحَسَبِهِ قِيلَ : خَشُنْتُ بِصَدْرِ فُلانٍ، وَوَجَدْتُ في صَدْرِهِ غِلْظَةً، ومنه قيلَ: حُمِلَ فُلانٌ عَلَى عَتْبَةٍ صَعْبَةٍ(٥)، أي: حَالةٍ شاقّةٍ كقول الشاعر: (١) انظر: المجمل ٦٤٤/٣، والهُلْب: شَعر الذَّنب. (٢) يقال: عَبِسَ الوسخُ على وجهه: إذا يبس. انظر: المجمل ٦٤٤/٣؛ والقاموس: عبس. (٣) الحديث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَله يقول: بينا أنا نائمٌ رأيتُني علىْ قَليبٍ عليها دلوٌ، فنزعتُ منها ما شاءَ الله، ثمَّ أخذها ابن أبي قحافة، فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعِه ضعف، واللهُ يَغْفرُ له، ثم استحالَتْ عزباً، فأخذها ابنُ الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناسِ ينزعُ نزعَ عمر حتى ضرب الناسُ بعطن)) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي ٢٢/٧؛ ومسلم برقم ٢٣٩٢؛ وانظر: شرح السنة ٨٩/١٤. (٤) شطر من خبر طويل ذكره الفاسي في شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ٤/٢ عن ابن عباس؛ وأخرجه البخاري في الأنبياء ٣٩٧/٦ والنسائي في فضائل الصحابة ص ٨٤ وعبد الرزاق في المصنف ١٠٩/٥. (٥) انظر: أساس البلاغة ص ٢٩٢؛ وعمدة الحفاظ: عتب. ٥٤٤ عند ٣٠٨ - وَحَمَلْنَاهُمْ عَلَى صَعْبَةٍ زَوْ راءَ يَعْلُونِهَا بِغَيْرٍ وطَاءِ(١) وقولُهُمْ أَعْتَبْتُ فُلاناً، أي: أبْرَزْتُ له الغِلْظَة التي وُجِدَتْ له في الصّدْرِ، وأَعْتَبْتُ فُلاناً: حَمْتُه عَلَى العَتْبِ. ويُقالُ: أَعْتَبْتُه، أي: أَزَلْتُ عَتْبَهُ عنه، نحو: أَشْكَيْتُه. قال تعالى: ﴿ فَمَا هُمْ مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت/ ٢٤]، وَالاسْتِعْتَابُ: أن يَطْلُبَ مِن الإِنْسَانِ أنْ يَذْكُرَ عَتْبَهُ لِيَعْتِبْ، يُقالُ: اسْتَعْتَبَ فُلانٌ. قال تعالى: ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل / ٨٤]، يُقال: ((لَكَ العُتْبَى))(٢)، وهوَ إِزالةُ ما لأجْلِه يُعْتَبُ، وبينهم أُعْتُوبَةٌ، أي: ما يتَعَاتَبُونَ به، ويُقَالُ: عَتبَ عَتْباً: إذا مشَى عَلَى رِجْلٍ مَشْيَ المُرْتَقِي في دَرَجَةٍ . عند العَتَادُ: ادِّخَارُ الشيءِ قَبلَ الحاجْةِ إليه كالإِعْدادِ، والعَتيدُ: المُعِدُّ والمعَدُّ. قال تعالى: عتق ﴿ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق / ٢٣]، ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق / ١٨]، أي: مُعْتَدُّ أعمَالَ العِبَادِ، وقولُهُ: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [النساء/ ١٨]، قيل: هو أَفْعَلْنَا مِنَ العَتَادِ، وَقِيلَ: أَصْلُه أُعْدَدْنَا، فَأُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى الدَّالَينِ تَاءٌ (٣). وفَرَسٌ عَتِيدٌ وعَتَدٌ: حاضرُ العَدْوِ، والعَتُودُ من أوْلادٍ المَعزِ، جَمْعُه: أعْتِدَةً، وَعِدَّانٌ عَلَى الإِدْغَامِ. عتق العَتِيقُ: المُتَقدِّمُ في الزمانِ، أو المكان، أو الرُّتْبَةِ، ولذلك قيلَ للْقَدِيم: عَتِيقٌ، ولِلْكِرِيم عَتِيقٌ، وَلِمِنْ خَلا عَنِ الرِّقِّ: عَتِيقٌ. قال تعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّقُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج / ٢٩]، قيل: وصَفْهُ بذلك لأنهُ لم يزَلْ مُعْتقاً أنْ تَسُومَهُ الجَبَابِرَةُ صَغَاراً (٤). والعاتِقانِ: ما بَيْنَ المِنْكَبَينِ، وذلك لِكَوْنِهِ مُرْتَفِعاً عَنْ سائرِ الجَسَدِ، والعَاتقُ: الجارِيةُ التي عَتَقَتْ عَنِ الزَّوْجِ؛ لأنّ المُتَزَوِّجةَ مَمْلُوكَةٌ. وَعَتَقَ الفَرَسُ: تقدَّم بِسَبْقُه، وَعَتَقَ مِنِّي (١) البيت لأبي زبيد الطائي من قصيدة مطلعها: خَبِّرتنا الركبان أنْ قد فخرتم وفرحتم بضربةٍ المكّاءِ وهو في ديوانه ص ٥٨٤؛ ونقائض جرير والأخطل ص ١٦٠؛ وشرح أشعار الهذليين ٢١٤/١ . (٢) هذا من دعاء النبي ﴿ لما خرج إلى الطائف، وصدَّه أهلها فقال: ((اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنتَ ربُّ المستضعفين وأنت ربِي، إلى مَنْ تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني، أم إلى عدوّ مّكته أمري؟ إنْ لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غيرِ أنَّ عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقَتْ له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحلّ عليَّ غضبك أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك)). راجع: الروض الأنف ١٧٢/٢؛ وزاد المعاد ٥٢/٢. (٣) انظر: البصائر ١٨/٣. (٤) انظر: البصائر ١٨/٣؛ والدر المنثور ٤١/٦؛ وتذكرة الأريب في تفسير الغريب ٨/٢. ٥٤٥ عتل ـ عنا يمِينَ: تَقَدَّمَتْ، قال الشاعر: ٣٠٩ - عَلَيَّ أَلِيَةٌ عَتَقتْ قَدِيماً فليسَ لَهَا وَإِنْ طُلِبَتْ مَرَامُ(١) عتل العَثْلُ: الأخْذُ بِمَجَامِع الشيءِ وجَرُّهُ بِقَهْرٍ، كَعَتْلِ الْبَعِير. قال تعالى: ﴿فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان / ٤٧]، وَالعُثُلُّ: الأَكُولُ المُنُوعُ الذي يَعْتِلُ الشيءَ عَتْلاً. قال: ﴿عُثُلَّ بَعْدَ ذُلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم / ١٣]. عنا العُثُّ: النّبُوُ عَنِ الطَاعَةِ، يُقالُ: عَتَا يَعْتُو عُتُوَّاً وَعِيّاً. قال تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ [الفرقان/ ٢١]، ﴿ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الذاريات / ٤٤]، ﴿عَتَتْ عَنْ أَمْرٍ رَبِّهَا ﴾ [الطلاق/٨]، ﴿بَلْ جُّوا فِي عُتُوِّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك/ ٢١]، ﴿ مِنَ الْكِبْرِ عِيَّاً﴾ [مريم/ ٨]، أي: حالةٍ لا سَبِيلَ إِلَى إِصْلاحِهَا وَمُدَاواتها. وقيل: إِلى رِيَاضَةٍ، وَهيَ الحالةُ المُشَارُ إليها بقول الشاعر: عثر - عشى ٣١٠ - وَمِنَ العَناءِ رِيَاضَة الْهَرِمِ(٢) وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمْنِ عِيّاً﴾ [مريم / ٦٩]، قيلَ: العِيُّ هُهُنا مَصْدِرٌ، وقيل هو جمْعُ عاتٍ (٣)، وقيل: العاتي: الجاسِي. عثر عَثَرِ الرَّجُلُ يَعْتُرُ عِثَاراً وَعُثُوراً: إِذا سَقَطَ على شيء، وَيُتَجَوَّزُ بِهِ فِيمَنْ يَطْلِعُ عَلَى أمْرٍ مِنْ غَيْرِ طَلِهِ. قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنْهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْماً﴾ [المائدة / ١٠٧]، يُقالُ: عَثَرْتُ على كذا. قال: ﴿وَكَذْلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف / ٢١]، أي: وثَّفَاهُمْ عليهمْ منْ غير أَنْ طَبُوا. عثى العَيْثُ وَالعَثْيُ يَتَقَارَبان، نحوُ: جَذَبَ وجبَذَ، إِلّ أَنَّ العَيْثَ أكثَرُ ما يُقالُ في الفسَادِ الذي يُدْرَكُ حِسّاً، والعِيُّ فيما يُدْرَكُ حُكْماً. يُقالُ: عَثِيَ يَعْثَى عِثْيَاً(٤)، وعَلَى هذا: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة/ ٦٠]، وعَثا يَعْثُو عُثُواً، والأعْثَى: لَوْنٌ إِلى السَّوَادِ، وقيلَ لِلْأَحْمَقِ الثقيل: أَعْثَى. (١) البيت لأوس بن حجر، وهو في ديوانه ص ١١٥؛ والمجمل ٦٤٦/٣. يقال: عَتَقَ وعَتُقَ. انظر: الأفعال ٢٩٧/١. [استدراك} (٢) الشطر في البصائر ١٩/٣ بلا نسبة، ولم يذكر المحقق صدره، وصدره: أتروضَ عرسك بعدما هرمت وهو لمالك بن دينار في أمالي القالي ٥٠/٢؛ ومجمع البلاغة ٦٣/١؛ والأمثال والحكم ص ١٢٤، وشرح المقامات للشريشي ٢٥٦/٢؛ والحيوان ٤١/١ ولم ينسبه المحقق. (٣) وذكر هذين القولين الفِرَّاء في معاني القرآن ٢/ ٢٦٥. (٤) قال ابن سيده: عثَا عُثُوّاً، وعَثِي عثواً: أفسد أشد الإفساد. وقال ابن منظور: عثَّى يَعثى، عن كراعٍ، نادرٌ. اللسان (عثا). ٥٤٦ عجب عجب العَجَبُ وَالتَّعَجِّبُ: حالةٌ تَعْرِضُ للإِنْسانِ عِنْد الجَهْلِ بسَبب الشيءٍ، ولهذا قال بعضُ الحكماءِ: العَجَبُ ما لا يُعرف سببُه، ولهذا قيل: لا يَصِحُّ عَلَى اللّهِ التَّعَجِّب؛ إذ هَوَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ لا تَخْفِى عليه خافِيةٌ. يُقالُ: عَجِبْتُ عَجَباً، ويُقالُ للشيءِ الذي يُتْعَجِّبُ منه: عَجَبٌ، وَلِما لم يُعْهَدْ مِثْلُهُ عَجِيبٌ. قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا ﴾ [يونس / ٢]، تنبيهاً أنهم قد عَهِدُوا مِثْلَ ذلك قبْلَهُ، وقولُه: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ ﴾ [ق/ ٢]، ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم ﴾ [الرعد/ ٥]، ﴿ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف ٩]، أي: ليسَ ذلك في نهايَةِ العَجَبِ بَلْ فِي أُمورنا أعْظَمُ وأَعْجَبُ منه. ﴿قُرْآنَاً عَجَباً﴾ [الجن/ ١]، أي: لم يُعْهَدْ مثلُه، وَلم يُعْرَفْ سَبَبُهُ. وَيُسْتَعَارُ مَرّةً للمُونِقِ فَيَقَالُ: أَعْجَبَنِي كذا أَي: رَاقِي. قَال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة/ ٢٠٤]، ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالِهُمْ﴾ [التوبة/ ٨٥]، ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة / ٢٥]، ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد/ ٢٠]، وقال: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات/١٢]، أي: عَجِبْتَ مِنْ إِنكارِهِمْ لِلْبَعْثِ لِشدّةٍ تحَقُّقِك معرفته، ويَسْخَرُونَ عجز لِجَهْلِهِمْ. وقيلَ: عَجِبْتَ مِنْ إنْكَارِهُمُ الوَحْيَ، وَقَرأَ بعضُهم: ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾(١) بضمّ التّاءِ، وليسَ ذلك إضافةً المتّعَجِّب إلى نفسِه في الحَقِيقَةِ بَلْ مَعْنَاهُ: أنه مِمَا يُقالُ عِنْدَهُ: عَجْبْتُ، أَوَ يَكونُ عَجِبْتُ مُسْتَعَاراً بمعْنَى أَنْكَرْتُ، نحوُ: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [هود / ٧٣]، ﴿إِنَّ هُذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص / ٥]، ويُقالُ لِمِنْ يَرُوقُهُ نفْسُهُ: فُلانٌ مُعْجِبٌ بِنَفْسِهِ، وَالعَجْبُ مِنْ كُلِّ دَابَةٍ: ما ضَمُرَ وَرِكُهُ. عجز عَجُزُ الإِنْسانِ: مُؤَخَّرُهُ، وبِهِ شُبِّهَ مُؤَخَّرُ غيرهِ. قال تعالى: ﴿كأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْفَعِرٍ ﴾ [القمر / ٢٠]، والعَجْزُ أَصْلُهُ التَّأَخَّرُ عنِ الشيء، وَحُصُولُهُ عِنْدَ عَجُزِ الأمْرِ، أي: مُؤَخَّرِهِ، كما ذُكِرَ في الدُّبُرِ، وصارَ في التَّعَارُفِ اسماً للقُصُورِ عَنْ فِعْلِ الشيءٍ، وهو ضِدُّ القُدْرَةِ. قال تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ [المائدة/ ٣١]، وأَعْجَزْتُ غُلاناً وَعَجِّزْتُهُ وعاجَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عاجِزاً. قال: ﴿وَاعْلِمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ [التوبة/٢]، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بُمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ ﴾ [الشورى / ٣١]، ﴿ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ ﴾ [الحج/ ٥١]، وَقُرِىءَ: ﴿مُعجِّزِينَ﴾(٢) فَمُعَاجِزِينَ قيلَ: مَعْنَاهُ ظانِّينَ وَمُقَدِّرِينَ أَنْهُمْ يُعْجِزُونَنا؛ لأنهُمْ (١) وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. انظر: إرشاد المبتدي ص ٥٢١. (٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو بن العلاء. انظر: إرشاد المبتدي ص ٤٥٠. ٥٤٧ عجل عجف حَسِبُوا أَنْ لا بَعْثَ ولا نُشُورَ فِيكُونُ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ، وهذا في المعنى كقولِهِ: ﴿ أَمْ حَسِبَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا ﴾ [العنكبوت / ٤]، وَ ((مُعَجِّزِينَ)): يَنْسُبُونَ إلى العَجْزِ مَنْ تَبَعَ النبِيَّ نَّهَ، وذلك نحوُ: جَهَّلْتُهُ وَفَسَّقْتُهُ، أي: نَسَبْتُهُ إلى ذلك. وقيل مَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ، أي: يُثَبِّطُونَ الناسَ عَنِ النّبِيّ ◌َ(١)، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأعراف / ٤٥]، وَالعَجُوزُ سُمِّيَتْ لِعَجْزِها في كثيرٍ مِنَ الأُمُورِ. قال تعالى: ﴿إِلَّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات / ١٣٥]، وقال: ﴿أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ﴾ [هود/ ٧٢]. عجف قال تعالى: ﴿سَبْعٌ عَجَافٌ﴾ [يوسف/ ٤٣]، جَمْعُ أعْجَفَ، وَعَجِفَاءَ، أي: الدَّقِيقِ منَ الهُزَالِ، مِنْ قوْلِهِمْ: نَصْلٌ أَعْجَفُ: دَقيقٌ، وأعْجَفَ الرَّجُلُ: صَارَتْ مَوَاشِيهِ عِجَافاً، وعَجَفَتْ نَفْسِي عنِ الطّعَامِ، وَعَنْ فُلانٍ أي: نَبَتْ عنهما. عجل العَجْلَةُ: طَلَبُ الشيءٍ وَتَحَرِّيهِ قَبْلَ أوانِهِ، وهو مِنْ مُقْتَضَى الشّهْوَةِ، فلذلك صارَتْ مَذْمُومَةً في عامَّةِ القرآنِ حتى قيلَ: ((العَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ))(٢). قال تعالى: ﴿ سَأْرِيكُمْ آيَاتِي فلا تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الأنبياء/ ٣٧]، ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقُرْآنِ﴾ [طه / ١١٤]، ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عنْ قَوْمِكَ ﴾ [طه / ٨٣]، ﴿ وَعَجِلْتُ إِليْكَ ﴾ [طه / ٨٤]، فَذَكَرَ أنّ عَجَلَتَهُ - وَإنْ كانَتْ مَذْمُومَةً - فالذي دعا إليها أمرٌ محمودٌ، وهو طَلَبُ رِضَا اللهِ تعالى. قال تعالى: ﴿أَتَّى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ [النحل / ١]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونكَ بِالسَّيْئَةِ ﴾ [الرعد / ٦]، ﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [النمل / ٤٦]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعَذابِ ﴾ [الحج / ٤٧]، ﴿وَلَوْ يُعجِّلُ اللّهُ للَّاسِ الشّرَّ اسْتِعِجَالَهُمْ بِالخَيْرِ ﴾ [يونس/ ١١]، ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾ [الأنبياء/ ٣٧]، قال بعضُهُمْ: مِنْ حَمٍَ(٣)، وَلِيسَ بشيءٍ بَلْ تْبِيهُ عَلَى أَنْهُ لَا يَتَعَرَّى مِنْ ذلك، وأنّ ذلك (١) انظر: الكشف عن وجوه القراءات ١٢٣/٢. (٢) عن أنس بن مالك عن النبي وَّل قال: ((التأني من الله، والعجلةُ من الشيطان، وما أحدٌ أكثر معاذير من الله، وما من شيءٍ أحبُّ إلى الله من الحمد)). أخرجه أبو يعلى ٢٠٦/٤ (٤٢٤٠)، ورجاله رجال الصحيح، كما في مجمع الزوائد ٢٢/٨)؛ وأخرجه الترمذي بلفظ: ((الأناةُ من الله، والعجلة من الشيطان)) وقال: حسن غريب. انظر: عارضة الأحوذي ٨/ ١٧٢ . (٣) قال اليزيدي: روي عن ابن عباس أنه قال: العجل: الطين، وأنشدوا هذا البيت: والنخلُ منبتهُ في السهل والعجَل النبعُ في الصخرةِ الصماءِ منبتُه انظر: غريب القرآن وتفسيره ص ٢٥٤ . ٥٤٨ عجم أحدُ الأخلاقِ التي رُكِّبَ عليها، وعلى ذلك قال: ﴿ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً ﴾ [الإسراء/ ١١]، وقولُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجِّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإِسراء / ١٨]، أي: الأعراضَ الدُّنْيويّةَ، وَهَبْنا ما نشَاءُ لمَنْ نُرِيدُ أنْ نُعْطِيَهُ ذلك. ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطْنَا﴾ [ص / ١٦]، فَعَجَّلَ لِكُمْ هذِهِ﴾ [الفتح / ٢٠]، وَالْعُجَالَةُ: مَا يُعجَّلُ أكْلُهُ كاللُّهْنَةِ(١)، وَقَدْ عَجَّلْتُهِمْ وَلَهِّنْتُهُمْ، وَالْعِجْلَةُ: الإِداوَةُ الصَّغِيرَةُ التي يُعَجَّل بها عنْدَ الْحَاجَةِ، وَالْعِجْلَةُ: خَشَبَةٌ مُعْتَرَضَةٌ عَلَى نَعَامَةِ الْبِثْرِ، وما يُحْمَلُ عَلَى الْغِيرَانِ، وذلكَ لِسُرْعَةِ مَرِّهَا. وَالعِجْلُ: وَلِدُ الْبَقْرَةِ لِتَصَوُّرِ عَجلَتِهَا التي تُعْذِمُ (٢) منه إذا صارَ ثَوْراً. قال: ﴿عِجْلاً جَسَداً﴾ [الأعراف / ١٤٨]، وَبَقَرَةٍ مُعجِلٌ: لها عِجِلٌ. عجم العُجْمَةُ: خِلافُ الإِبَانَةِ، والإِعْجَامُ: الإِبْهَامُ، وَاسْتَعْجَمَتِ الدّارُ: إذا بانَ أَهْلُها ولم يَبْقَ فيها عَرِيبٌ، أي: مَنْ يُبِينُ جَواباً، ولذلك قال بَعْضُ العَرَبِ: خَرَجْتُ عَنْ بلادٍ تَنْطِقُ، كِنَايةٌ عنْ عِمَارَتِها وَكَوْنِ السُّكانِ فيها. والعجمُ: خِلافُ العَرَبِ، والعَجَمِيُّ مَنَسُوبٌ إليهمْ، والأعْجُمُ: مَنْ فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ، عَرَبِيّاً كانَ، أو غيْرَ عَرَبِيٍّ ، اعْتِبَاراً بِقَلَّةٍ فَهْمِهِمْ عَن العَجَمِ. ومنه قيلَ لِلْبَهِيمَةِ: عَجْمَاءُ وَالأَعْجَمِيُّ مَنْسُوبٌ إِليه. قال: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْض الأعْجَمِينَ ﴾ [الشعراء/ ١٩٨]، عَلَى حَذْفِ الياآت. قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْآناً أعْجَمِيّاً لِقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيِّ وَعَرَبِيُّ﴾ [فصلت/ ٤٤]، ﴿يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل / ١٠٣]، وسُمِّيتِ الْبَهِيمَةُ عَجِمَاءَ مِنْ حَيْثُ إنها لا تُبِنُ عَنْ نَفْسِهَا بالعِبَارَةِ إِيَانَةَ النَّاطِقِ. وقيلَ: ((صلاةُ النهارِ عَجْمَاءُ))(٣)، أي: لا يُجْهَرُ فيها بالقراءَةِ، ((وجُرْحُ العَجْمَاءِ جُبارٌ) (٤)، وَأَعْجَمْتُ الكلامَ ضِدُّ أعرَبْتُ، وأعجَمْتُ الكِتَابَةَ: أزَلْتُ عُجْمَتَها، نحوُ: أَشْكَيْتُهُ: إذا أزَلْتَ شِكَايَتَهُ. وَحُرُوفُ المُعْجَمِ ؛ رُويَ عنِ الخَلِيلِ (٥) أنها هي الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ لأنها أعجمِيَّةٌ. قال بَعْضُهُمْ: مَعْنِى قولِهِ: أَعْجميَّةٌ أنَّ الحُرُوفَ المُتَجَرِّدَةَ لا تَدُلُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عليه (١) في المجمل: ويقال: عجَّْتُ القوم كما يقال: لهُّنْتُهم. انظر: المجمل ٦٤٩/٣. (٢) أي: تعضُّ. (٣) هذا القيل لأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وليس حديثاً كما يظنه بعض الناس. وقال الدارقطني: لم يُروَ عن النبي ◌َّ، وإنما هو من قول بعض الفقهاء، وحكاه الروياني في بحره، وقال: المراد أن معظم الصلوات النهارية لا جهر فيها وقيل: هو كلام الحسن البصري. راجع: كشف الخفاء ٢٨/٢. (٤) الحديث عن أبي هريرة أنَّ رسول الله وَّهَ قال: ((جرحُ العجماء جُبار، والبئرُ جُبارٌ، والمعدن جبارٌ، وفي الركاز الخمس)) أخرجه مالك في الموطأ باب جامع العقل (انظر: شرح الزرقاني ١٩٨/٤)؛ والبخاري في الزكاة (٥) العين ٢٣٨/١. ٣٦٤/٣؛ ومسلم في الحدود برقم ١٧١٠ . ٥٤٩ عدَّ الحُرُوفُ المَوْصُولةُ(١). وَبَابٌ مُعْجَمٌ: مُبهَمٌ، وَالعَجَمُ: النَّوَى، الواحِدَةُ: عَجَمَةٌ، إِمَّا لاسْتِتَارِهَا في ثِيٍ (٢) ما فيه؛ وإمّا بمَا أُخْفِيَ مِنْ أَجْزَائِ بِضَغْطٍ المضْغِ، أَوْ لأَنّهُ أُدْخِلَ في الفَمِ فِي حَالِ ما العَضُ عليه فأُخْفِيَ، وَالعَجْمُ: العَضُّ عليه، وفُلانٌ صُلْبُ المَعجَمِ، أي: شَدِيدٌ عِنْدَ المُخْتَبَرِ. عد العَدَدُ: آحادٌ مُرَكَّبَةٌ، وقيلَ: تَرْكِيبُ الآحادِ، وَهُمَا وَاحِدٌ. قال تعالى: ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالِحِسَابَ﴾ [يونس / ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدداً ﴾ [الكهف / ١١]، فذِكْرُهُ لِلْعَددِ تَشْبِيةٌ عَلَى كَثْرَتِهَا. والعدُّ ضمُّ الأَعْدَادِ بَعْضِهَا إلى بَعْضٍ. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعدَّهُمْ عَدّاً ﴾ [مريم/ ٩٤]، ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ [المؤمنون / ١١٣]، أي: أصحَابَ العَدَدِ والحِسابِ. وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِئْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِين﴾ [المؤمنون /١١٢]، ﴿وَإِنّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج / ٤٧]، ويتُجَوَّزُ بالعَدِّ عَلَى أَوْجُهٍ؛ يقالُ: شيءٌ مَعدُودٌ ومَحْصُورٌ، للقليلِ مُقابلةً لِمَا لا يُحْصَى كَثْرَةً، نحوُ المُشَارِ إِلَيْهِ بقولِهِ: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة/ ٢١٢]، [ وَتَتناوله بحسَب حاجتِك إليه. قال تعالى: وعلى ذلك: ﴿إِلّ أَيَّاماً مَعْدُودَة ﴾ [البقرة/ ٨٠]، أي: قَليلةً، لأنّهَمْ قَالُوا: نُعَذَّبُ الأَيَامَ التي فيها عبَدْنَا العِجْل، ويُقالُ على الضُّدِّ منْ ذلَك، نحوُ: جيْشٌ عَدِيدٌ: كَثِيرٌ، وإنْهُمْ لَذُو عَدَدٍ، أي: همْ بحيْثُ يجِبُ أن يُعَدُّوا كَثْرَةً، فيقالُ في الْقليلِ: هو شيْءٌ غَيْرُ مِعْدُودٍ، وقولُه: ﴿ في الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ﴾ [الكهف / ١١]، يحَتْمِلُ الأمْرَين، ومنه قولُهمْ: هذا غيْرُ مُعْتَدٍّ به، وله عُدّةٌ، أي: شيءٌ كَثِيرٌ يُعدُّ منْ مَالٍ وَسِلاحٍ وغيرهما، قال: ﴿لَعَدُوا لهُ عُدّةً ﴾ [التوبة/ ٤٦]، وماءٌ عِدُّ(٣)، وَالعِدّةُ: هي الشيءُ المعْدُودُ. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر / ٣١]، أي: عَدَدَهم، وقولُه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة / ١٨٤]، أي: عليه أيّامٌ بِعَددِ ما فاتهُ مِنْ زَمانٍ آخَرَ غيْرِ زمانٍ شهْرِ رمضانَ، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشَّهُورِ﴾ [التوبة / ٣٦]، والعِدَّةُ: عِدَةُ المرْأةِ: وهي الأيّامُ التي بانْقضائِها يحلُّ لها التّزوُجُ. قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَليهنَّ مِنْ عِدّةٍ تَعْتَدُّونها﴾ [الأحزاب / ٤٩]، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَتهِنَّ وَأَحْصُوا العِدّة﴾ [الطلاق/ ١]، والإِعْدادُ منَ العدِّ كالإِسْقاءِ مِنَ السَّقْي، فإِذا قيلَ: أَعْددْتُ هذا لكَ، أي: جعلْتُه بحيْثُ تَعُدُّهُ (١) انظر: المجمل ٦٥٠/٣ (٢) الثَّنْيُ: مفرد الأثناء. (٣) العِدُّ: الماء الذي لا ينقطع، كماء العين والبئر. انظر: المجمل ٦١٢/٣. ٥٥٠ عدس - عدل ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطْعتَمْ ﴾ [الأنفال/ ٦٠]، وقولُه: ﴿ أُوْلِئِكَ أَعتَدْنا لَهُمْ عِذَاباً أَلِيماً ﴾ [النساء/ ١٨]، ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ ﴾ [الفرقان / ١١]، وقولُه: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأَ ﴾ [يوسف / ٣١]، قيلَ: هو منه، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة / ١٨٤]، أي: عَدَد مَا قد فاته، وقوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ [البقرة/ ١٨٥]، أي: عِدّة الشَّهْر، وقوله: ﴿أَيَّاماً مِعْدُوداتٍ ﴾ [البقرة / ١٨٤]، فإِشارةٌ إلى شهر رمضان. وقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ في أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ [البقرة / ٢٠٣]، فهي ثلاثةُ أَيّامٍ بَعْد النَّحرِ، والمعلومَاتُ عشْرُ ذي الحجَّة. وعندَ بعض الفقهاء: المعدُوداتُ يَوْمُ النّحْرِ ويَوْمان بُعْدُ(١)، فعلى هذَا يَوْمُ النَّحْرِ يكونُ منَ المعْدُودات وَالمعلوماتِ، وَالعِدادُ: الوَقتُ الذي يُعَدُّ لِمُعَاوَدةِ الوجَعِ ، وقال عليه الصلاةُ والسلام: (مَا زَالَتْ أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاذُّني))(٢) وعِدَّانُ الشيءِ: عهدُه وزَمَانهُ. عدس العَدَسُ: الحَبُّ المعْرُوفُ. قال تعالى: ﴿ وَعَدَسِهَا وَبَصَلِها﴾ [البقرة/ ٦١]، والعَدَسةُ: بَثْرَةٌ عَلَى هَيْئَتِهِ، وعَدَسْ: زَجْرٌ لِلْبِغْلِ وَنحوهِ، ومنه: عَدَسَ فِي الأرْض(٣)، وهي عَدُوسٌ(٤). عدل العَدالةُ والمُعَادلةُ: لفْظٌ يَقْتضي معْنى المُساواة، ويُسْتعملُ باعتبار المضَايَفةِ، والعَدْلُ والعِدْل يتقاربان، لكن العَدْلُ يُسْتعملُ فيما يُدْرَكُ بالبصِيرة كالأحكام ، وعلى ذلك قولُه: ﴿أَوْ عَدْلُ ذلك صياماً ﴾ [المائدة / ٩٥]، والعِذْلُ والعَدِيلُ فيما يُدْرَكُ بالحاسَّة، كالموْزُونَاتِ وَالمَعْدُودَاتِ والمكِيلاتِ، فالعَدْلُ هو النِّقسيطُ عَلَى سَوَاءٍ، وعَلَى هذا روِيَ: ((بالعَدْلِ قَامَتِ السَّمواتُ وَالأرضُ))(٥) تنبيهاً أنه لو كَانَ رُكْنٌ مِنَ الأرْكَانِ الأربعة في العالَم زائِداً عَلَى الآخَرِ، أَوْ نَاقِصاً عنه (١) وهذا قول علي بن أبي طالب، أخرجه عنه عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور ٥٦١/١. (٢) شطر من حديث اليهودية التي سمَّت النبي ◌ََّ، أخرجه أبو داود بلفظ: ((ما زلتُ أجد من الأكلة التي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري)) في الديات: باب من سقى رجلاً سُمّاً ٤ /١٧٥. وأخرجه الدارمي ٣٢/١، وذكره القاضي عياض في الشفاء ٣١٧/١، وقال السيوطي: الحديث ذكره ابن سعد، وهو في الصحيح من حديث عائشة. انظر: مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا ص ١٣٤ . (٣) يقال: عدَسَ في الأرض: ذهب فيها. انظر: المجمل ٦٥١/٣. (٤) يقال: امرأةٌ عَدوس السُّرى: إذا كانت قويّةٌ عليها. (٥) أخرج أبو داود عن ابن عباس قال: افتتح رسول الله خيبر، واشترط أنَّ له الأرضَ وكلَّ صفراء وبيضاء، قال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم فأعطناها على أنَّ لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، = ٥٥١ عدل عَلَى مِقْتَضى الحكمة لم يكُنِ العالَمُ مُنتَظِماً. وَالعَدْلُ ضِرْبَان: مُطْلقٌ: يقْتضي العَقلُ حُسْنَهِ، وَلا يكُونُ في شيءٍ مِن الأزْمِنِةِ مَنْسُوخاً، ولا يُوصَفُ بالاعْتِدَاءِ بَوَجْهٍ، نحو: الإِحْسَانِ إِلى مَنْ أحْسنَ إِلَيْك، وَكَفِّ الأَذِيّةِ عَمَّنْ كَفَّ أَذاهُ عنْكَ. وَعِدْلٌ يُعْرِفُ كْنُهُ عَدْلا بالشّرْعِ، وَيمكِنُ أن يُكُونَ مِنْسُوخاً في بعْض الأزْمنة، كالقِصَاصِ وَأُرُوشِ الجِناياتِ، وَأصل مالِ الْمُرْتدِّ. ولذلك قال: ﴿ فَمِنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عليْهِ ﴾ [البقرة / ١٩٤]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ [الشورى / ٤٠]، فسمَِّ اعْتداءً وَسَيئة، وهذا النحوُ هو المعْنِيُّ بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل / ٩٠]، فإِنّ العدْلَ هو المُسَاوَاةُ في المكافأةِ إنْ خيْراً فخيْرٌ، وَإِنْ شَرّاً فَشِرُّ، وَالإِحسَانُ أن يُقابلَ الخَيْرُ بأكثرَ منه، والشرُّ بأَقلَّ منه، وَرَجُلٌ عَدْلٌ: عادِلٌ، وَرِجالٌ عَدْلٌ، يُقَالُ في الوَاحِدِ وَالجمع، قال الشاعرُ: ٣١١ - فَهُمْ رِضاً وَهُمْ عَدْلُ(١) وأصلُه مصْدرٌ كقولهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق / ٢]، أي: عدالة. قَال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ﴾ [الشورى/ ١٥]، وقولُه: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ ﴾ [النساء / ١٢٩]، فإِشارةٌ إِلى ما عليهِ جِبِلّةُ النّاسِ من الميْل، فَالإِنْسَانُ لا يَقْدِرُ عَلَى أَن يُسَوِّيَ بَيْهُنّ في المحبَّة، وقولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ [النساء / ٣]، فإِشَارةٌ إلى الْعدل الذِي هو القَسْمُ وَالنّفقة، وقال: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾ [المائدة/ ٨]، وقوله: ﴿أَوْ عِدْلُ ذلكَ صِيَاماً ﴾ [المائدة/ ٩٥]، أي: ما يُعادِلُ مِنَ الصِّيَامِ الطَّعَام، فيُقالُ لِلْغِذَاءِ: عَدْلٌ إِذا أَعْتُبِرَ فيه معْنِى المُسَاوَاةِ. وَقولُهُمْ: ((لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عدْلٌ))(٢) فالعَدْلُ قِيلَ: هو كناية عنِ الفَرِيضةِ، وَحقيقْتُه ما تَقدّم، والصَّرْفُ: النّافِلةُ، وهو الزّيادة عَلَى ذلك فَهُمَا كَالْعِدْلِ وَالإِحْسانِ. وَمَعْنى أنه لا يُقبلُ منهُ أنه لا = فلما كان حين يُصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحزر عليهم النخل - وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص - فقال: في ذه كذا وكذا، قالوا: أكثرتَ علينا يا ابن رواحة، فقال: فأنا، ألي حزرَ النخل وأعطيكم نصف الذي قلت. قالوا: هذا الحق، وبه تقوم السماءُ والأرض، قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت. سنن أبي داود رقم (٣٤١٠) باب في المخابرة. (١) البيت : متىْ يشتجر قومٌ يقلْ سرواتُهم هم بيننا فهم رضاً وهم عدل وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص ٦١؛ والمجمل ٦٥١/٣. (٢) شطر حديث تقدم في مادة (صرف)، وهو أيضاً عند البخاري: ((المدينة حرامٌ ما بين عيرٍ إلى ثور، فمن أحدث حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل)) أخرجه في الجهاد، انظر فتح الباري ٢٠٠/٦؛ وأخرجه مسلم أيضاً في الحج برقم ١٣٧٠ . ٥٥٢ عدن يكُونُ له خَيْرٌ يُقبلُ منه، وقولُه: ﴿ بِرَبِّهمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام / ١]، أي: يجْعلون له عَدِيلاً فَصار كقوله: ﴿هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [النحل / ١٠٠]، وقيل: يعْدِلُونَ بأَفْعَالِه عنه وَيَنْسِبُونها إلى غيْرِهِ، وقيلَ: يَعْدِلُونَ بِعبادتهمْ عنه تعَالى، وقولُه: ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل / ٦٠]، يصحُّ أَنْ يَكُونَ على هذا، كأنه قال: يعْدِلُونَ به، وَيصحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ قولِهِمْ: عَدَلَ عنِ الحَقِّ: إِذا جَارَ عُدُولاً، وَأَيّمٌ مُعْتِدِلَاتٌ: طَيِّبَاتُ لِاعْتِدَالِهَا، وعَادَلَ بْنِ الأَمْرَينِ: إِذا نَظَرَ أَيُّهُمَا أَرجَحُ، وَعَادَلَ الأمْرَ: ارْتَبَكْ فِيهِ، فَلا ◌َمِيلُ بَرَأْيِهِ إِلى أحَدٍ طَرَفَّيْهِ، وقوْلهُم: (وُضِعَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ) فمثَلٌ مَشْهُورٌ(١). عدن قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ [النحل / ٣١]، أي: اسْتَقْرَارٍ وَثَبَاتٍ، وَعَدَنَ بمكانٍ كذا: اسْتَقَرَّ، ومنهُ المعدنُ: لمسْتقرِّ الجواهر، وقال عليه الصلاةُ والسلام: ((المَعْدنُ جُبارٌ)(٢). عدا العَدْوُ: التَّجَاوُزُ ومُنَافَةُ الالْنِئَامِ ، فَتَارَةً يُعْتَبَرُ بالقَلْبِ، فيُقالُ له: العَدَاوَةُ وَالْمُعَادَاةُ، وَتَارَةً عدا بالمَشْي، فيُقالُ له: العَدْوُ، وتارَةً في الإِخْلالِ بالعَدَالَةِ فِي الْمُعَامِلَةِ، فيقالُ له: العُدْوانُ وَالعَدْوُ. قال تعالى: ﴿فَيَسُبُوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام / ١٠٨]، وتارةً بأَجْزَاءِ المَقَرِّ، فيُقالُ له: العُدَواء. يُقالُ: مَكَانٌ ذُو عُدَواءَ (٣)، أي: غَيْرُ مُتَلائِمِ الأَجْزَاءِ. فَمِنَ المُعَادَاةِ يُقالُ: رَجُلٌ عَدُوٌّ، وَقَوْمٌ عَدُوٌّ. قال تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه / ١٢٣]، وقد يُجْمَعُ على عِدىٍّ وَأَعْدَاءٍ. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ ﴾ [فصلت/ ١٩]، والعَدُوُّ ضَرْبَانِ : أَحَدُهُمَا: بِقَصْدٍ مِنَ المُعَادِي نحوُ: ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوِّ لَكُمْ﴾ [النساء / ٩٢]، جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ المُجْرِمِينَ ﴾ [الفرقان/ ٣١]، وَفي أُخْرَى: ﴿عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ ﴾ [الأنعام / ١١٢]. والثاني: لا بِقَصْدِهِ بَلْ تَعْرِضُ له حالةٌ يَتَأَذِى بها كما يَتَأَذِى مِمَّا يَكُونُ مِنَ العِدَىْ، نحوُ قولِهِ: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلّ رَبَّ العالِمِينَ ﴾ [الشعراء/ ٧٧]، وقولُه في الأوْلادِ: ﴿عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن / ١٤]، ومن العَدْوِ يُقالُ: (١) وهو مثَلٌ يُضرب لكل شيءٍ قد يُئس منه. والعدل هو العدل بن جزء، كان ولي شرط تبّع، فكان تبَّع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه، فقيل: وضع على يدي عدل. ثم قيل ذلك لكل شيء يُئس منه. انظر: المجمل ٦٥٢/٣؛ ومجمع الأمثال ٨/٢. (٢) عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((السائبة جُبار، والجبُّ جُبار، والمعدن جُبار، وفي الركاز الخمس)) أخرجه أحمد في المسند ٣٥٤/٣؛ وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط، وأبو يعلى ٤٢٦/٢ (١٢٣١)، والدار قطني ١٧٨/٣. وانظر: مجمع الزوائد ٣٠٦/٦. (٣) العدواء: المكان الذي لا يطمئن مَنْ قعد عليه. انظر: المجمل ٦٥٣/٣. ٥٥٣ ٣١٢ - فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ (١) أي: أَعْدَى أَحَدَهُما إِثْرَ الآخَرِ، وَتَعَادَتِ المَواشِي بَعْضُهَا فِي إِثْرِ بَعْضٍ ، وَرَأَيْتُ عِدَاءَ القَوْمِ الَّذِينَ يَعْدُونَ مِنَ الرَّجَّالَةِ. والاعْتِداءُ: مُجَاوَزَةُ الحَقِّ. قال تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة/ ٢٣١]، وقالَ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ [النساء/ ١٤]، ﴿اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ﴾ [البقرة/ ٦٥]، فذلك بأُخْذِهِمُ الحِيتانَ على جِهَةٍ الاسْتِحْلالِ، قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا فَاولئكَ هُمَ تَعْتدُوهَا ﴾ [البقرة / ٢٢٩]، وقال: العادُونَ ﴾ [المؤمنون / ٧]، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلك﴾ [البقرة/ ١٧٨]، ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ﴾ [الشعراء / ١٦٦]، أي: مُعْتَدُونَ، أو مُعادُونَ، أو مُتَجَاوِزُونَ الطَّوْرَ، مِنْ قولِهِمْ: عَدا طَوْرَهُ، ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة/ ١٩٠]. فهذا هو الاعْتِدَاءُ على سَبِيلِ الابْتِدَاءِ لا على سَبِيلِ المُجَازاة؛ لأنه قال: ﴿ فَمَّنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة / ١٩٤]، أي: قابِلُوهُ بِحَسَبِ اعْتِدَائِهِ وَتَجَاوَزُوا إليه بحَسَبِ تَجَاوُزِهِ. وَمِنَ العُدْوَانِ المحظُورِ ابتداءً قولُه: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عذب على البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ ﴾ [المائدة/٢]، وَمِنَ العُدْوَانِ الذي هو على سبيل المجازاةٍ، وَيَصِحُ أن يُتَعَاطِى مع مَنِ ابْتَدَأَ قولُه: ﴿فَلَ عُدْوَانَ إِلَّ عَلَى الظالِمِينَ ﴾ [البقرة/١٩٣]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذُلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ [النساء/ ٣٠]، وقولُهُ تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرِ بَاغٍْ وَلَ عَادٍ ﴾ [البقرة/١٧٣]، أي: غيرَ باغٍ لِتْنَاوُلِ لذّةٍ، ﴿ولا عادٍ﴾ أي مُتَجَاوِزٍ سَدَّ الجُوعَةِ. وَقيلَ: غَيْرَ بَاغٍ على الإِمامِ ولا عادٍ في المَعْصِيَّةِ طَرِيقَ المُخْبِينَ(٢). وقد عَدَا طَوْرَهُ: تَجَاوَزَهُ، وَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، ومنه: التَّعَدِّي في الفِعْلِ . وَتَعْدِيَةُ الفِعْلِ في النَّحْوِ هو تَجَاوُزُ مَعْنَى الفِعْلِ مِنَ الفاعِلِ إِلَى المَفْعُولِ . وما عدَا كذا يُسْتَعْمَلُ فِي الاسْتِثْنَاءِ، وقولُه: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بالعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ [الأنفال/٤٢]، أي: الجانِبِ المُتَجَاوَزِ لِلْقُرْبِ. عذب ماءٌ عَذْبٌ طَيِّبُ بَارِدٌ. قال تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ﴾ [الفرقان / ٥٣]، وَأَعْذَبَ القَوْمُ: صَارَ لَهُمْ ماءٌ عَذْبٌ، وَالعَذَابُ: هو الإِيجَاعُ الشَّدِيدُ، وقد عَذَّبَهُ تَعْذِيباً: أكْثَرَ حَبْسَهُ فِي (١) شطر بيت، وعجزه: دِراكاً ولم يَنْضِح بماءٍ فَيُغسل وهو لامرىء القيس في ديوانه ص ١٢٠ . (٢) وهذا قول مجاهد. وانظر: الدر المنثور ٤٠٨/١. ٥٥٤ عذر العذاب. قال: ﴿لَعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [النمل / ٢١]، ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال/ ٣٣]، أي: ما كانَ يُعَذِّبُهُمْ عَذابَ الاسْتِثْصَالِ، وقولُه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ [الأنفال/ ٣٤]، لا يُعَذِّبَهُمْ بِالسَّيْفِ، وقال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ [الإِسراء/ ١٥]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء / ١٣٨]، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴾ [الصافات/ ٩]، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة/ ١٠]، ﴿ وَأَنَّ عَذابي هو العَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر / ٥٠]، واخْتُلِفَ فِي أَصْلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هو مِنْ قولِهِمْ: عَذَبَ الرَّجُلُ: إِذَا تَرَكَ المَأْكُلَ وَالنَّوْمَ(١)، فهو عاذِبٌ وَعَذُوبٌ، فالتّعْذِيبُ في الأصْلِ هو حَمْلُ الإِنْسَانِ أَنْ يَعْذِبَ، أَي: يَجُوعَ وَيَسْهَرَ، وقيلَ: أَصْلُهُ مِنَ العَذَبِ (٢)، فَعَذَبْتُهُ أَي: أَزَلْتُ عَذْبَ حَياتِهِ عَلَى بِنَاءِ مَرِّضْتُهُ وقَذَّيْتُهُ، وقيلَ: أَصْلُ التَّعْذِيبِ إِكْتَارُ الضَّرْبِ بِعَذَبَةِ السَّوْطِ، أي: طَرَفِهَا، وقد قال بَعْضُ أَهلِ اللُّغَةِ: التَّعْذِيبُ هُوَ الضَّرْبُ، وقيلَ: هُو مِنْ قولِهِمْ: ماءٌ عَذِبٌ إذا كانَ فيه قَذَّى وَكَدَرٌ، فِيكُونُ عَذَّبْتُهُ كقولك: كَدَّرْتُ عَيْشَهُ، ورَّقْتُ حَيَاتَهُ، وَعَذَبَةُ السَّوْطِ واللِّسَانِ والشجَرِ: أطرَافُها. عذر العُذْرُ: تحَرِّي الإِنْسَانِ مَا يَمْحُو بِهِ ذُنُوبَهُ. وَيَقالُ: عُذْرٌ وَعُذُرٌ، وذلك على ثلاثَةٍ أَضْرُبٍ: إمَّا أنْ يُقُولَ: لم أفعَلْ، أويقُولَ: فَعَلْتُ لِأَجلِ كذا، فَيَذْكُرُ ما يُخْرِجُهُ عن كَوْنِهِ مُذْنِباً، أو يقولَ: فَعَلْتُ ولا أعُودُ، ونحوَ ذلك منْ المقَالِ . وهذا الثالثُ هو التَّوْبَةُ، فكلُّ تَوْبةٍ عُذْرٌ وليسَ كلُّ عُذْرٍ تَوْبَةً، وَاعْتَذَرْتُ إليه: أَتَيْتُ بِعُذْرٍ، وَعَذَرْتُهُ: قَبِلْتُ عُذْرَهُ. قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلْكُمْ إذا رجعتم إليهم قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة / ٩٤]، وَالمُعذِّرُ: مَنْ يَرَى أَنَّ لهُ عِذْراً وَلا عُذْرَ له. قال تعالى: ﴿وَجَاءَ الُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة / ٩٠]، وقُرىءَ (المُعْذِرُونَ)(٣) أي: الذِينَ يَأْتُونَ بِالْعُذْرِ. قَال ابنُ عباسٍ: لَعَنَ اللّهُ المُعذِّرِينَ ورحِمَ المُعْذِرِينَ(٤)، وقولُهُ: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبَّكُمْ ﴾ [الأعراف / ١٦٤]، فَهْوَ مصْدَرُ عذَرْتُ، كأَنه قيل: أطلُبُ منهُ أنْ يعْذِرني، وَأَعذرَ: أتى بما صَارَ به مَعذُوراً، وقيل: أعذَرَ مَنْ أَنْذَرَ(٥): أَتّى بِمَا صارَ به مَعذُوراً، قال بعْضُهُمْ: أصلُ العُذْرِ منَ العَذِرَةِ وهو الشيءُ النجِسُ (٦)، ومنه سمِّيَ القُلْفَةُ (٢) العَذَبُّ: القذى. (١) وهذا قول الأزهري، فإنه قال: القول في العذوب والعاذب أنه الذي لا يأكل ولا يشرب. انظر: اللسان (عذب). (٣) وبها قرأ يعقوب الحضرمي. انظر: إرشاد المبتدي ص ٣٥٥. (٤) انظر: الدر المنثور ٤ /٢٦٠؛ والأضداد لابن الأنباري ص ٣٢١؛ واللسان (عذر). قال ابن الأنباري: كأنَّ المُعذِرَ عنده الذي يأتي بمحض العذر، والمحذَّر: المقصر ؛ وانظر عمدة الحفاظ: عذر. (٥) انظر: الأضداد ص ٣٢١؛ والبصائر ٣٦/٤. (٦) راجع: اللسان مادة (عذر). ٥٥٥ ء عزّ عرب العُذْرَةُ، فقيلَ: عذَرْتُ الصَّبِيَّ: إذا طهّرْتَهُ وأزَلْتَ عُذْرَتَه، وكذا عَذَرْتُ فُلاناً: أَزَلْتُ نجَاسةَ ذْبه بالعَقْوِ عنه، كقوْلكَ: غفَرْتُ له، أي: سَتَّرْتُ ذْبَهُ، وَسُمِّيَ جِلْدَةُ الْبَكَارةِ عُذْرَةً تشبيهاً بعُذْرَتِها التي هي الْقُلْفَةُ، فقيلَ: عَذَرْتها، أي: افْتَضَضْتُهَا، وقيلَ لِلْعَارِضِ في حلْقِ الصَّبِيِّ عُذْرَةٌ، فقيلَ: عُذِرَ الصَّبِيُّ إِذا أَصَابُ ذلك، قال الشاعرُ: ٣١٣ - غَمْزَ الطَِّيبِ نَغَانِغَ المَعْذُورِ(١) وَيَقالُ: اعْتَذَرَتِ المِيَاهُ: انْقَطَعَتْ، وَاعْتَذَرَتِ المنَازِلُ: دُرِسَتْ، على طرِيقِ التّشْبِيهِ بِالمُعْتَذِرِ الذي يَنْدَرِسُ ذَنْبُه لوُضُوحٍ عُذْرِهِ، والعَاذِرَةُ قيلَ : المُسْتَحَاضةُ(٢)، وَالْعَذَوَّرُ: السَِّىءُ الْخُلُقِ اعتباراً بالعَذِرَةِ، أي: النَّجَاسِةِ، وَأَصْلُ العَذِرةِ: فِنَاءُ الدَّارِ، وَسُمِّيَ مَا يُلْقَى فيه باسْمِهَا. عرّ قال تعالى: ﴿أَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالمُعْتَرَّ﴾ [الحج/ ٣٦]، وهو المُعْترِضُ للسُّؤَال، يُقَالُ: عَرَّهُ يَعُرُّهُ، وَاعْتَرَرْتُ بِك حَاجَتِي، وَالعَرُّ وَالعُرُّ: الجَرَبُ الذي يُعُرُّ الْبَدَنَ. أي: يَعْتَرِضُهُ(٣)، ومِنْه قيلَ لِلْمَضَرَّةِ: مَعَرَّةٌ، تشبيهاً بالعُرِّالذي هو الجَربُ. قال تعالى: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمِ ﴾ [الفتح / ٢٥]. وَالعِرَارُ: حِكَايَةُ حَفِيفِ الرِّيح، ومنه: العِرارُ لِصَوْتِ الظّليمِ حِكايةً لِصَوْتهَا، وَقد عارَّ الظّليمُ، وَالعَرْعَرُ: شَجَرُ سُمِّيَ به لحِكَايَةِ صَوْتِ حَفِيفِهَا، وَعَرْعَار: لُعْبَةٌ لهمْ حكايَّةً لِصَوْتِهَا . عرب العَرَبُ: وَلَدُ إِسمَاعِيلَ، وَالأَعْرابُ جمِعُهُ في الأصل، وَصَارَ ذلك اسماً لِسُكّانِ الْبَادِية. ﴿ قَالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا ﴾ [الحجرات / ١٤]، ﴿ الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً ﴾ [التوبة / ٩٧]، ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ [التوبة / ٩٩]، وَقيل في جمْع الأعْراب: أعارِيبُ، قال الشاعر: ٣١٤ - أَعَارِيبٌ ذَوُو فَخْرٍ بِإِنْكِ والْسِنَةٍ لِطَافٍ فِي المَقَالِ (٤) (١) هذا عجز بيت لجرير، وشطره: غَمَزَ ابنُ مرَّةَ یا فرزدقُ کینَها وهو في ديوان ص ٨٨٥؛ والمجمل ٦٥٥/٣؛ والأضداد ص ٣٢٢؛ وتهذيب اللغة ٣١٠/٢. النغانغ: لحمات عند اللهوات . (٢) قال ابن فارس: ويقال: إنّ العاذرة: المرأة المستحاضة، وفيه نظر، كأنهم أقاموا الفاعل مقام المفعول؛ لأنها تُعذر في ترك الوضوء والاغتسال. انظر: المجمل ٦٥٦/٣. (٣) انظر: المجمل ٦١٢/٣. (٤) البيت في شرح الحماسة للتبريزي ٤٤/٤ دون نسبة، وبعده: وحسنُ القول من حسن الفعالِ رضوا بصفاتٍ ما عدموه جهلاً وشطره الأول في عمدة الحفاظ: عرب. ٥٥٦ والأْرَابِيُّ في التّعَارُفِ صَارَ اسماً لِلِمِنْسُوِبِينَ إلى سُكّانِ الْبَادِيةِ، والعَرَبِيُّ : المُفْصِحُ، والإِعْرَابُ: البيَانُ. يقالُ: أَعْرَبَ عنْ نَفْسِهِ. وفي الحديث: ((الثَّيِّبُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا))(١) أي: تُبِيِّنُ. وإعرابُ الكلامِ : إيضاحُ فصاحَتِهِ، وخُصَّ الإِعْرَابُ فِي تَعَارُفِ النَّحْوِيِّينَ بِالحَركَاتِ وَالسَّكَنَاتِ المُتعاقِبَةِ عَلَى أواخِرِ الكَلِمِ ، والعَرَبِيُّ: الفَصِيحُ البَيِّنُ من الكلامِ ، قال تعالى: ﴿ قُرْآنَاً عَرَبِيّاً ﴾ [يوسف / ٢]، وقولُهُ: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيِّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء / ١٩٥]، ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنَاً عَرَبِيّاً ﴾ [فصلت / ٣]، ﴿ حُكماً عَرَبِّاً ﴾ [الرعد / ٣٧]، وَمَا بالدّارِ عَرِيبٌ. أي: أَحَدٌ يُعْرِبُ عنْ نَفْسِهِ، وأَمْرَأَةٌ عَرُوبٌ (٢): مُعْربَةٌ بحالِها عِنْ عِقَّتِهَا وَمَحبَّةِ زوْجِها، وَجَمْعُهَا: عُرُبُ. قال تعالى: ﴿عُرُباً أَتْرَاباً ﴾ [الواقعة / ٣٧]، وعَرَّبْتُ عليه: إذا رَدَدْتَ مِنْ حَيْثُ الإِعْرَابُ. وفي الحديث: ((عَرِّبُوا عَلَى الإِمَامِ))(٣). والمُعْرِبُ: صاحِبُ الفَرَسِ العَرَبِيِّ، كقولِكَ: المُجْرِبُ لِصَاحِبِ الجَرَبِ. وقولُهُ: ﴿حُكْماً عَرَبِيّاً ﴾ عرج وَيُبْطِلُ الباطِلَ، وقيلَ: معْنَاهُ شَرِيفاً كريماً، منْ قولهم: عُرُبٌ أَتْرَابٌ، أو وَصْفُهُ بذلك كَوَصْفِهِ بكرِيمٍ في قولهِ: ﴿ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴾ [النمل/ ٢٩]. وقيل: معْنَاهُ: مُعْرِباً مِن قولهم: عَرِّبُوا عَلَى الإِمامِ . وَمَعْنَاهُ ناسِخاً لِما فيه منَ الأحكامِ، وقيلَ: مَنْسُوبُ إلى النّبيّ العَرَبِيِّ، والعَرَبِيُّ إِذَا نُسِبَ إِليه قيل عرَبِيٍّ، فيكُونُ لَفْظُهُ كلفْظِ المِنْسُوب إليه، وَيَعْرُبُ (٤) قيلَ: هُو أَوَّلُ مَنْ نَقَلَ السُّرْيَانِيَّةَ إلى العَربيّةِ، فَسُمِّيَ باسمِ فِعلِهِ . عرج العُرُوجُ: ذَهَابٌ في صُعُودٍ. قال تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الملائِكَةُ وَالرُّوحُ ﴾ [المعارج / ٤]، ﴿فظَلُوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر / ١٤]، وَالمَعارِجُ: المَصاعِدُ. قال: ﴿ذِي المَعَارِجِ ﴾ [المعارج / ٣]، وَلَيْلةُ المِعْرَاجِ سُمِّيَتْ لِصُعُودِ الدُّعَاءِ فيها إشارَةً إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ ﴾ [فاطر / ١٠]، وَعَرَجَ عُرُوجاً وعَرَجَاناً: مَشَى مَشْيَ العارِجِ . أي: الذاهِبِ فِي صُعُودٍ، كما يقالُ: دَرَجَ: إذا مَشَى مَشْيَ الصاعِدِ فِي دَرَجِهِ، [الرعد / ٣٧]، قيل: مَعْنَاهُ: مُفْصِحاً يُحِقُّ الحَقَّ وَعَرِجَ: صارَ ذلك خِلْقَةً له (٥)، وقيلَ للضَّبُعِ: (١) الحديث عن عدي بن عدي الكندي عن أبيه عن رسول الله قال: ((أشيروا على النساء في أنفسهن))، فقالوا: إن البكر تستحي يا رسول الله. قال رسول اللّه ◌َ﴾: ((الثيبُ تعربُ عن نفسها بلسانها، والبكر رضاها صمتها)) أخرجه أحمد في المسند ١٩٢/٤. (٢) هكذا في الأصل، والصواب: عَرُوْب. (٤) هو يعرب بن قحطان، أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة، ونشأ سيدنا إسماعيل معهم فتكلم بلسانهم. (٥) انظر: الأفعال ٢٨٧/١. (٣) لم أجده . ٥٥٧ عرجن - عرش عَرْجَاءُ؛ لِكَوْنِها في خِلْقَتِهَا ذَاتَ عَرَجٍ ، وتَعارَجَ نحوُ: تَضالَعَ وتظالع، ومنه اسْتُغِيرَ: ٣١٥ - عَرِّجْ قليلاً عَنْ مَدَى غَلْوَائِكًا(١) أي: احْبِسْهُ عَنِ النَّصَعُّدِ. وَالعَرْجُ: قَطِيعٌ ضَخْمٌ مِنَ الإِبِلِ، كَأَنّهُ قد عَرَجَ كَثْرَةً، أي: صَعِدَ. عرجن قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيم ﴾ [يس / ٣٩]، أي: الطّاقةُ منْ أغْصانِه. عرش العَرْشُ فِي الأَصْلِ: شيءٌ مُسَقَّفٌ، وَجَمْعُهُ عُرُوشَ. قال تعالى: ﴿وهيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة / ٢٥٩]، ومنهُ قيلَ: عَرَشْتُ الكَرْمَ وعَرَّشْتُهُ: إذا جَعَلْتَ لهُ كَهِيْئَةٍ سَقْفٍ، وقد يقالُ لذلك العريش. قال تعالى: ﴿ مَعْرُوشَاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام / ١٤١]، ﴿وَمِنَ الشَّجَر وَمَمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل / ٦٨]، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف / ١٣٧]. قال أبو عُبَيْدَةَ(٢) : يَبْنُونَ، وَاعْتَرَشَ العِنَبَ : رَكَّبَ عريشه، والعَرْشُ: شِبْهُ هَوْدَجٍ للمَرْأَةِ شَبِيهاً في الهِيْئَةِ بِعَرِيش الكَرْمِ، وَعَرَّشْتُ البِثْرَ: جَعَلْتُ له عزشاً. وسُمِّيَ مَجْلِسُ السُّلْطانِ عَرْشاً اعْتِبَاراً بِعُلُوِّهِ. قال: ﴿وَرَفَعَ أَبُوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [يوسف/ ١٠٠]، ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِنِي بِعَرْشِهَا ﴾ [النمل / ٣٨]، ﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ﴾ [النمل / ٤١]، ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ [النمل / ٤٢]، وكُنِّيَ بِهِ عَنِ العِزِّ وَالسُّلْطانِ وَالمَمْلَكَةِ، قيل: فُلانٌ ثُلَّ عَرْشُهُ. ورُوِيَ أَنْ عُمَرَ رضي الله عنه رُؤيَ في المَنامِ فقيلَ: ما فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فقالَ: لَوْلاَ أَنْ تَدَارَكَنِي بِرَحْمِتِه لَثُلَّ عَرْشِي(٣). وَعَرْشُ اللهِ: مما لا يَعْلَمُهُ البَشَرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلّ بالاسْمِ ، وَليسَ كما تَذْهَبُ إليه أوهامُ العامَّةِ؛ فإِنه لو كانَ كذلك لكانَ حاملاً له، تعالىْ عَنْ ذلك، لا محمولاً، والله تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمْوَاتِ والأَرْضَ أَنْ تَزُولَاَ ولئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [فاطر / ٤١]، وقال قومٌ: هو الفَلَكُ الأَعلَى والكُرْسِيُّ فَلَكُ الكَوَاكِبِ، واسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ رسولِ اللهِلَّىَ: ((ما السَّمْوَاتُ السّبْعُ وَالأَرِضُونَ السَّبْعُ فِي جَنْبِ الْكُرْسيِّ إلَّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فلاةٍ والكُرْسيُّ عِنْدَ العَرْش (١) هذا عجز بيت للصولي، وصدره: أبا جعفر خف نبوةً بعد صولة وهو في ديوانه ص ١٦١؛ ومحاضرات الأدباء ١٠٩/١؛ والصداقة والصديق ص ٣٥؛ والممتع للقيرواني ص ٢٤٩، ووفيات الأعيان ٥/ ٩٧. (٢) راجع: مجاز القرآن ٢٢٧/١. (٣) أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة ٩٤٥/٣، وابن سعد ٣٧٥/٣، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٥٤/١. ٥٥٨ عرض كذلك))(١) وقولُه تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ ﴾ [هود / ٧]، تنبيهٌ أَنَّ العَرْشَ لم يَزِلْ مُنْذُ أُوجِدَ مُسْتَعْلِياً عَلَى المَاءِ، وقولُه: ﴿ ذُو الْعَرْشِ المَجِيدِ ﴾ [البروج / ١٥]، ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذو الْعَرْشِ﴾ [غافر / ١٥]، وَما يَجْرِي مَجْرَاهُ قيل: هو إشارةٌ إِلى مَمْلَكَتِهِ وَسُلْطانِهِ لا إِلى مَقَرِّ له يَتَعَالَى عن ذلك. عرض العرضُ: خلافُ الطُولِ، وأصلُه أنْ يُقالَ في الأجْسام، ثمَّ يُسْتَعْمَلُ في غَيْرهَا كما قال: ﴿ فَذُودُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴾ [فصلت / ٥١]. والعُرْضُ خُصَّ بالجانبِ، وأَعْرَضَ الشيءُ: بَدَا عُرْضُهُ، ومنه: عَرَضْتُ العُودَ عَلَى الإِنَاءِ، واعْتَرَضَ الشيءُ فِي حَلْقِهِ: وقَفَ فيه بالعَرْض، واعْتَرَضَ الفَرَسُ في مَشِْهِ، وفيه عُرْضِيَّةٌ. أي: اعْتِرَاضٌ فِي مَشِْهِ مِنَ الصُّعُوبَةِ، وعَرَضْتُ الشيءَ على البَيْع، وعلى فُلانٍ، وَلِفُلان نحو: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ﴾ [البقرة/ ٣١]، ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً ﴾ [الكهف / ٤٨]، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب / ٧٢]، ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ [الكهف/ ١٠٠]، ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأحقاف / ٢٠]. وَعَرَضْتُ الجُنْدَ، والعارضُ: البادي عُرْضُهُ، فتارةً يُخَصُّ بِالسَّحَاب نحو: ﴿ هُذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف / ٢٤]، وبما يَعْرِضُ مِنَ السَّقَم، فَيُقَالُ: به عارضٌ مِنْ سُقْمٍ، وتارة بالخدّ نحو: أَخَذ مِنْ عارِضَيْه، وتارةً بالسّنِّ، ومنه قيلَ : العَوَارضُ لِلَّنايا التي تَظْهَرُ عِنْدَ الضّحِكِ، وقيلَ: فُلانٌ شديد العارضة(٢) كِتَايَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الْبَيان، وبعِيرٌ عَرُوضٌ: يَأْكُل الشَّوْكَ بِعَارِضَيْهِ، والعُرْضَةُ: ما يُجْعلُ مُعْرَّضاً للشيء. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة/ ٢٢٤]، وبَعِيرٌ عُرْضَةٌ لِلسّفَرِ. أَي: يُجْعَلُ مُعَرِّضاً له، وأَعْرَضَ: أَظْهَرَ عُرْضَهُ. أَي: ناحِيَتَهُ. فَإِذَا قِيلَ: أَعْرَضَ لِي كذا. أي: بدا عُرْضُهُ فَأَمْكَنَ تَنَاوُلُهُ، وإِذا قيلَ: أَعْرَضَ عَنِّي، فَمَعْنَاهُ: وَلَّى مُّبْدِياً عُرْضَه. قال: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة/ ٢٢]، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء / ٦٣]، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف / ١٩٩]، ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ [طه / ١٢٤]، ﴿ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء / ٣٢]، وربما حُذِفَ عنه اسْتِغْنَاءً عنه نحو: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [النور / ٤٨]، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ (١) الحديث عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: ((آية الكرسي)»، ثم قال: ((يا أبا ذر ما السمواتُ السبعُ مع الكرسي إلا كحلقة ملقاةٍ بأرضٍ فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة)). أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات ص ٥١١؛ وابن أبي شيبة في كتاب العرش ص ٧٧. وهو ضعيف. (٢) انظر: البصائر ٤٤/٤. ومنه سمَّى ابن العربي شرحه للترمذي: عارضة الأحوذي . ٥٥٩ عرض مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران / ٢٣]، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [سبأ/ ١٦]، وقولُه: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمْوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران/ ١٣٣]، فقد قيل: هو العَرض الذي خِلافُ الطّول، وتَصَوُّرُ ذلك على أحدٍ وُجُوهٍ: إِمَّا أنْ يُرِيدَ به أن يكُونَ عَرْضُهَا فِي النّشْأَةِ الآخِرَةِ كَعَرْضِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فِي النّشْأَةِ الأُولَى، وذلك أنه قد قال: ﴿يَوْمَ تُبَدّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم / ٤٨]، ولا يُمْتَنعُ أَنْ تكونَ السَّمْوَاتُ وَالأَرْضُ فِي النّشْأَةِ الآخرةِ أكْبرُ مِمَّا هِيَ الآنَ. وَرُوِيَ أَنَّ يُهُودِيّاً سَأَلَ عُمَرَ رضي الله عنه عَنْ هَذِهِ الآيةِ فَقالَ: فَأَيْنَ النار؟ فقال عمرُ: إذا جاءَ الليلُ فَأَيْنَ النهارُ (١). وقيل: يعني بعَرْضِهَا سَعَتها لا من حيْثُ المِساحةُ ولكنْ مِن حَيْثُ المَسَرَّةُ، كما يُقَالُ فِي ضِدِّهِ : الدُّنْيَا عَلَى فُلانٍ حَلْقَةُ خَاتَمٍ، وكِفَّةُ حَابِلٍ ، وَسَعَةُ هذه الدارِ كَسَعةِ الأرض، وقيلَ: العَرْضُ هُهُنَا مِنْ عَرْض البَيْعِ(٢)، مِنْ قولهم: بيع كذا بِعَرْضٍ : إذا بيع بسِلْعَةٍ، فَمَعْنَى عَرْضُهَا أَي: عرف بَدَلُهَا وَعَوَضُهَا، كقولك: عَرْضُ هذا الثّوْب كذا وكذا. والعَرَضُ: ما لا يَكُونُ له ثَباتٌ، ومنه اسْتَعَارَ المُتَكَلِّمُونَ العَرَضَ لما لا ثَبَاتَ له إلّ بالجوْهَر كَاللَّوْن والطّعْم، وقيل: الدُّنْيَا عَرَضُ حاضرٌ(٣)، تنبيهاً أَنْ لا ثَبَاتَ لهَا. قال تعالى: ﴿تَرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال / ٦٧]، وقال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الَأَدْنى ويقولون: سيغفرُ لِنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾ [الأعراف / ١٦٩]، وقولُهُ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾ [التوبة / ٤٢]، أي: مَطْلَباً سهلاً. والتّعْريضُ: كلامٌ له وجهان مِنْ صِدْقٍ وَكَذِبٍ، أو ظاهرٍ وباطن. قال: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ [البقرة/ ٢٣٥]، قيل: هو أن يقولَ لَهَا: أنتِ جَمِيلةٌ، ومَرْغُوبٌ فیك ونحو ذلك. عرف المُعرِفَةُ والعِرْفَانُ: إدراك الشيءٍ بِتَفكّرٍ وَتَدَبٍُّ الأثرهِ، وهو أخَصُّ من العلم، ويُضَادُّه الإِنْكارُ، ويُقالُ: فُلانٌ يَعْرِفُ اللهَ ولا يُقالُ: يَعْلَمُ اللهَ مُتَعَدِّياً (١) أخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله وَّ فقال: أرأيتَ قوله: ﴿وجنَّةٍ عرضُها السموات والأرضُ﴾ فأين النارُ؟ قال: أرأيتَ الليل إذا لبس كلِّ شيء فأين النهار؟ قال: حيث شاءَ الله. قال: فكذلك حيث شاء الله. المستدرك ٣٦/١. - وأخرجٍ عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن طارق بن شهاب أنَّ ناساً من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن: ﴿جنّةٍ عرضها السمواتُ والأرضُ﴾ فأين النار؟ فقال عمر: إذا جاء الليل فأين النهار، وإذا جاء النهار فأين الليل؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة. راجع: الدر المنثور ٣١٥/٢. (٢) وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني محمد بن بحر. قال بيانُ الحق النيسابوري: وتعسَّفَ ابن بحرٍ في تأويلها فقال: عَرضُها: ثمنها لو جاز بيعها، من المعاوضة في عقود البياعات. انظر: وَضح البرهان بتحقيقنا ٢٥١/١. (٣) انظر البصائر ٤٦/٤، وعمدة الحفاظ: عرض. ٥٦٠