النص المفهرس
صفحات 21-40
٣ - ومنها تأثّره بالمعتزلة في بعض الأحيان مع أنه يخالفهم. ومن ذلك قوله في مادة (زمل)، في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها المزَّمِّل﴾: أيْ: المتزمِّل في ثوبه، وذلك على سبيل الاستعارة، كناية عن المقصِّر والمتهاون بالأمر، وتعريضاً به. ا. هـ. وحاشا للنبي ◌ّليّ أن يُقصِّر في الأمر أو يتهاون، وهو الذي كان يقوم الليل حتى تفطّرت قدماه، وإنما هذه المسائل من مسائل المعتزلة، وغالب ظني أنه أخذها عن أبي مسلم الأصفهاني كبير مفسِّري المعتزلة، وقد ذكر ذلك أيضاً الزمخشري في تفسيره، وهو من أئمة المعتزلة. وانظر تعليقنا على هذه المادة. ٤ - ومنها أوهام تحصل للمؤلف أحياناً فينسب أقوالاً لغير قائليها. فمن ذلك قوله في مادة (روى): قال أبو علي الفسوي: المروءةُ هو من قولهم: حَسُنَ في مرآة العين، كذا قال(١)، وهذا غلط؛ لأنَّ الميم في ((مرآة)) زائدة، ومروءة: فعولة. ا.هـ. وهذا لم يقله أبو علي، وإنما قال: وزعم بعض رواة اللغة أنَّ المروءة مأخوذة من قولهم: هو حسنٌ في مرآة العين، وهذا من فاحش الغلط؛ وذلك أنَّ الميم في مرآة زائدة، ومروءة فعولة. ا. هـ. انظر: المسائل الحلبيات ص ٥٩. ومثالٌ آخر، قال في مادة (فتن)، في قوله تعالى: ﴿بأيّكم المفتون﴾: قال الأخفش: المفتون: الفتنة، كقولك: ليس له معقول، وخذ ميسوره ودع معسوره، فتقديره: بأيكم الفتون. وقال غيره: أيكم المفتون، والباء زائدة، كقوله تعالى: ﴿ كفى بالله شهيداً ) ا. هـ. قلت: الذي نسبه المصنف لغير الأخفش هو عينه قول الأخفش، ذكره في معاني القرآن ٢ / ٥٠٥، والقول الأول الذي نسبه للأخفش هو قول الفرَّاء، فقد قال الفرّاء: المفتون ههنا بمعنى الجنون، وهو في مذهب الفتون، كما قالوا: ليس له معقول رأي . انظر: معاني القرآن للفراء ٣/ ١٧٣ . ٥ - ومنها حصول بعض التصحيفات، وهذا لا يكاد يسلم منه أحد. كقوله في مادة (بحر): بنات بحر: للسحاب. ا. هـ. والصواب إنما هو بنات بخر، بالخاء المعجمة، أو بنات مخرٍ، وانظر تعليقنا على ذلك في مادة (بحر). (١) وهذا جارٍ على ما في بعض النسخ والمطبوعة، وهو خطأ. لكن في نسخة الظاهرية المتقنة دون ذكر (كذا). وفيها: قال: هذا غلط، فيصير من كلام الفارسي، لا من كلام المؤلف، وهو الصواب. ٢١ ٦ - وكذا تصحيفه لبيت من الشعر في مادة (بطل)، فرواه: [ لأولُ بطلٍ أن يلاقي مجمعا] وهو عجز بيت للشنفرى، والصحيح في روايته: [لأول نصلٍ ]. وانظر كلامنا عليه في التعليق. ٧ - ومنها إغفاله لبعض المواد لم يتكلم عليها. وفي ذلك يقول السمين الحلبي: ( ... غير أنَّه قد أغفل في كتابه ألفاظاً كثيرةً لم يتكلم عليها، ولا أشار في تصنيفه إليها، مع شدة الحاجة إلى معرفتها، وشرح معناها ولغتها، مع ذكره لبعض مواد لم ترد في القرآن الكريم، أو وردت في قراءة شاذة جداً كمادة (بظر)، في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ أخرجكم من بظورٍ أمهاتكم﴾ وهذه لا ينبغي أن يُقْرَأ بها البتة. فمما تركه مع الاحتياج الكلي : - مادة غ وط، وهي في قوله تعالى: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط - مادة: زب ن، وهي في قوله تعالى: ﴿سَندُعُ الزبانية ﴾. - ومادة: ق رش، وهي في قوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾. - ومادة: ك ل ح، وهي في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فيها كالحون - ومادة: قدو، وهي في قوله تعالى: ﴿وإنَّا على آثارهم مُقتدون ﴾. - ومادة: نضخ، وهي في قوله تعالى: ﴿فيهما عينان نضَّاختان﴾)(١). وممَّافاته من المواد ولم يذكرها السمين. - مادة فني، وهو في قوله تعالى: ﴿كلُّ من عليها فانٍ﴾، ومادة ملق، في قوله: ﴿من إملاق﴾، ومادة هلع، في قوله: ﴿إِنَّ الإنسان خُلق هلوعاً﴾. - ومادة خردل وهي في قوله تعالى: ﴿مثقال حبة من خردل﴾، ومادة ألت، في قوله: ﴿ما ألتناهم من عملهم﴾، ومادة زلم في قوله: ﴿والأزلام) وغيرها. ٨ - ومن ذلك أن يُقسِّم الشيءَ أقساماً، ثم عندما يُعدِّدُها يزيد فيها واحداً أو ينقص. فمما نقص فيه عند مادة (وحد)، قال: فالواحدُ لفظ مشترك يُستعمل على ستةِ أوجهٍ، ثم ذكر خمسةً، ولم يذكر السادس. ومما زاد فيه، في مادة (هلك)، قال: والهلاك على ثلاثة أوجه، ثم لما عدَّها ذكر أربعاً. (١) راجع: عمدة الحفاظ (ورقة ١). ٢٢ ٩ - ومنها أنه لم يراع ترتيب الحرف الثالث في الكلمة، فقدَّم مثلاً مادة أبا على أبَّ. ١٠ - ومن ذلك اعتراض بعض العلماء على أقوالٍ ذكرها في كتابه. منها في مادة (سبح)، قال: وقول الشاعر: [ سبحان من علقمة الفاخر ] قيل: تقديره: سبحان علقمة، على طريق التهكم، فزاد فيه ((مِنْ)) ردّاً إلى أصله. وتعقّبه البغدادي، فقال: وزعم الراغب أنَّ سبحان في هذا البيت مضافٌ إلى علقمة، ومِنْ زائدة. وهو ضعيف لغةً وصناعةٌ. أمَّ الأول فلأنَّ العرب لا تستعمله مضافاً إلا إلى اللّه، أو إلى ضميره، أو إلى الربّ، ولم يُسمع إضافته إلى غيره. وأمَّا صناعةً فلأنَّ (مِنْ)) لا تُزاد في الواجب عند البصريين. راجع: خزانة الأدب ٧ / ٢٤٥ . ومنها في مادة (ميد)، قال: والمائدة: الطبق الذي عليه الطعام، ويقال لكلِّ واحدٍ منها مائدة. وتعقّبه السمين فقال: والمائدة: الخِوان عليه الطعام، فإنْ لم يكن عليه طعام فليس بمائدة . هذا هو المشهور إلا أن الراغب قال :... وذكر عبارته. انظر: الدر المصون ٥٠٢/٤. - ومن ذلك اختياره لوجوه ضعيفة، كقوله في مادة: ربّ: الرباني لفظ سرياني، وقد ردَّه السمين في عمدة الحفاظ. وغير ذلك من المسائل التي تراها في حواشي الكتاب. وفي كتاب عمدة الحفاظ أيضاً. وكل هذه الملاحظات لا تقدح في الكتاب، إذ أبى اللَّهُ أن يصحّ إلا كتابه، وكما قال ابن عباس ومن بعده الإِمام مالك: ما منَّا إلا ردَّ أو رُدَّ عليه إلا صاحبُ هذا المقام، وأشار إلى رسول اللَّهِ وَل . وهذا يؤكّد ويبين معنى قوله تعالى: ﴿وفوقَ كُلَّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾. محنة في حياة الراغب: ذكر الراغب في مقدمة كتابه ((حلّ متشابهات القرآن)) ما يلي: فاتفقتْ خَلْوةٌ سطوتُ على وحشتها بالقرآن، ولولا أنسه لم يكن لي بها يدان، وذلك بعدما عملت من كتاب ((المعاني الأكبر)) وأمليتُ من ((احتجاج القراءات)). وكانت هذه الخلوة خلوة عين، لا خلوة قلب، واضطرار لا عن اختيار، بل لقهرٍ وغلب، في حالةٍ توزّع الرأي فيها مذاهب، واقتسم الهمُ بها مطالب(١). ا. هـ. (١) حل متشابهات القرآن (ورقة ١). ٢٣ والظاهر أنه سُجِنَ؛ لأنه يقول: (خلوة عين)، أي: لم يعد يرى أحداً، لا خلوة قلب لأنَّ قلبه مليءٌ بالهموم والمشاغل، وقوله: (واضطرار) يؤكد ذلك. ويؤكّد هذا عندي أنه ذكر في كتاب ((مراتب العلوم)) الذي صنَّه غالباً للوزير أبي العباس الضبِّي، ما نصه: لكن طال تعجّبي في ذلك من الشيخ الفاضل حرسه اللّه، لأمور رأيتُها منه طريفة: أحدها: إنكاره عليَّ التفوه بلفظ (القوة)؛ اعتلالاً بأنَّ هذه اللفظة يستعملها ذوو الفلسفة، وأن أقول بدله: (القدرة)، كأنَّه لم يعلم ما بينهما من الفرق في تعارف عوام الناس فضلاً عن حواصهم. ثم ما كان من إبهاماته وتعريضاته، بل تصريحاته، تُنفق منه على أشياءه وأتباعه بالوضع مني، والغضّ مني، وازدياده بعد المقال مقالاً لما رأى مني في مجاوبته جملاً ثقالاً، ولم أكن أرى بأساً وضيراً في احتمال شِيع شيخٍ كريم عليَّ، بما لا يعود بمعابٍ في الحقيقة عليّ(١). وكلامه هذا يوحي بأنه اختلف مع الوزير، وأنَّ أتباع الوزير آذَوْه، ولم یسکت هو له بل ردَّ عليه، فلعلَّ هذا أدى إلى سجنه. والله أعلم. وفاته : كما اختلف في اسم الراغب، وعقيدته، ومذهبه الفقهي، وعصره، كذلك اختلف في تاريخ وفاته : - فالسيوطي ذكر أنها في أوائل المائة الخامسة (٢). - والذهبي - وقد ذكره في الطبقة الثانية والأربعين - قال: يُسأل عنه في هذه إن شاء الله تعالى (٣). وهذه الطبقة تبدأ وفياتها بسنة ٤٤٠هـ وتنتهي في حدود سنة ٤٧٠هـ. - وحاجي خليفة قال: وفاته سنة ٥٠٢هـ (٤)، وتبعه في ذلك بروكلمان. - وصاحب هدية العارفين ذكر أنَّ وفاته سنة ٥٠٠هـ (١) مراتب العلوم (ورقة ٢). (٢) انظر: بغية الوعاة ٢ / ٢٩٧. (٣) انظر: سِيرَ أعلام النبلاء ١٨ / ١٢٠. (٤) انظر: كشف الظنون ١ / ٣٦. ٢٤ - وفي فِهْرِس الخِزانة التيمورية أنَّ وفاته سنة ٥٠٣هـ. - والزِّرِكْلي في ((الأعلام))، ذكر أنه سنة ٥٠٢ هـ، ومثله عمر رضا كحالة. - ومحمد كرد علي أشار في حاشية ترجمة الراغب في كتاب ((تاريخ الحكماء)) للبيهقي إلى أنَّ وفاته سنة ٤٠٢ هـ، ثم ذكر في تقريظه لكتاب المفردات في مجلته المقتبس ٢: ٩٨ أنَّ وفاته كانت سنة ٥٠٣ هـ. وفي مجلة المجمع العلمي العربي ٢٤ / ٢٧٥ أنَّ وفاته سنة ٤٥٢هـ. - وذكر عدنان الجوهرجي أنّه رأى نسخة مخطوطة نادرة من كتاب ((المفردات)) في مكتبة السيد ((محمد لطفي الخطيب)) في دمشق، وأنها نُسخت سنة ٤٠٩ هـ وفي وسط الكتاب تعليق على حاشية الكتاب ذُكر فيه أنَّ هذا الكتاب بخط الراغب الأصفهاني، وأنه وُلد في مستهلّ رجب من شهور سنة ٣٤٣ هـ في قصبة أصبهان وتوفي سنة ٤١٢ هـ اثنتي عشرة وأربعمائة. وهو ما وجده بخط أبي السعادات(١). فلم يُعلم أهو أبو السعادات ابن الشجري، أم أبو السعادات ابن الأثير؟ . بعد كل هذا نقول: إن الأرجح أنَّ وفاته في حوالي سنة ٤٢٥هـ. وهذا يتفق مع ما ذكره السيوطي، ويقارب ما ذكره الذهبي، ويقارب ما وُجد على النسخة الخطية في دمشق . والذي يؤكد لنا هذا، ويُبعد ما وُجد على النسخة الخطية الدمشقية أنه ٤١٢ هـ أنه نَقل عن أبي منصور الجبان من كتابه ((الشامل في اللغة)). وقد ذكر ياقوت والسيوطي أنَّ الجبَّان أقرأ كتابه ((الشامل)) في أصفهان سنة ٤١٦ هـ. وأيضاً فإنَّ الراغب ألَّفَ كتابه في متشابهات القرآن بعد كتاب المفردات. وهو أيضاً ينقل في كتبه عن الشريف الرضي المتوفى ٤٠٦ هـ، ومسكويه المتوفى ٤٢١ هـ، وأبي القاسم ابن أبي العلاء المتوفى في حدود ٤٢٠ هـ، وأبي القاسم بن بابك المتوفى سنة ٤١٠ هـ، وغيرهم، مما يؤكد ما ذكرناه(٢). وقد ظهر لنا من خلال كتبه أنَّ الراغب الأصفهاني أدرك عصر الصاحب بن عباد الوزير المشهور، لكنَّه كان شاباً يافعاً، ولم يجالسه، والصاحب توفي سنة ٣٨٥ هـ، وتولَّى بعده الوزارة (١) انظر: مجلة اللغة العربية بدمشق، الجزء الأول، المجلد الحادي والستون، ربيع الثاني سنة ١٤٠٦ هـ = كانون الثاني ١٩٨٦ م، ص ١٩٤. (٢) وانظر مقدّمة فهارس الكتاب الفنية ص ٨٩٩. ٢٥ أبو العباس الضَّبي (١)، واسمه أحمد بن إبراهيم وكان رجلاً يحبُّ العلم والعلماء، وأدركه الراغب، وحضر مجالسه، وتناظر وتباحث مع العلماء في مجلسه، ومع الوزير أيضاً، كما مرَّ الكلام في صفحة ٢٩ والذي يُؤكِّد ما قلتُه، ما ذكره الراغب نفسه في كتابه محاضرات الأدباء(٢)، حيث قال: وتكلَّم بعضُ أهل زماننا عند الصَّاحب، فسأله عن شيءٍ، فقال: لا، أطال الله بقاءك. فقال: قل: لا، وأطال الله بقاءك. فهذه دلالةٌ يقينية أنَّه أدرك العلماء الذين عاصروا الصاحب بن عبَّاد وجالسوه، وأيضاً فإنَّ عبد الصَّمد بن بابَك الشَّاعر المغلق كما وصفه بذلك الفيروزآبادي(٣)، كان من مجالسي الصاحب بن عبَّد، وأحد الذين مدحوه، ثمَّ رثوه لما توفي (٤)، فقد أدركه الراغب ولكنه لم يجتمع به وإنما أدرك من اجتمع به، وهو أبو سعيد ابن مرداس الأصفهاني، وفي ذلك يقول الراغب(٥): حدَّثني أبو سعيد ابن مرداس أنَّه قعدَ مع جماعة فيهم ابنُ بابَك تحت عريش كرمٍ يشربون، فأصابهم مطر، فقال ابن بابَك: وشى بريًّا إِلَّ فحيًّا طيفٌ ألمَّ ونَبِّهتني شمولٌ وأحيا تموت فيَّ دمعَ الغمامِ عليَّ یا صخرة الرعد رُشّي ومنحنى النور فِيًّا فحبذا الرّوح ورداً هذي سماءُ مُدامٍ لم تمشٍ فيها الحُميًّا فكلّ كرمٍ سماءٌ وكلُّ نجمٍ ثريًّا وأبو منصور الثعالبي وهو من معاصري الراغب الأصفهاني كان قد اجتمع مع ابن بابك، كما ذكر هو فقال(٦): سمعتُ أبا القاسم عبد الصمد بن بابك يقول: كان أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي المخزومي أشعر شعراء أهل العراق بعد ابن نباته السَّعدي. وإنما لم يذكر الثعالبي الراغب في اليتيمة؛ لأنه لم تصله أخباره، ولأنَّ الراغب لم يكن من الشعراء المُبِّزين. (١) انظر ترجمته في معجم الأدباء ١٠٥/٢. (٢) المحاضرات ٦٨/١. (٣) القاموس المحيط: باب. (٤) انظر يتيمة الدهر ٢٧٠/٣ . (٥) المحاضرات ٧٠٦/٢، وعبد الصمد بن بابك توفي سنة ٤١٠هـ . (٦) انظر تحسين القبيح ص ٣٩. ٢٦ وكان الرَّاغب يحضر المجالس الأدبية، كما يحضر المجالس العلمية، وكان يُجالس كبار أدباء عصره، ومنهم أبو القاسم ابن أبي العلاء، واسمه غانم، كان من الذين جالسوا الصاحب ابن عبَّاد ومدحه بقصائد عديدة، ولمًّا تُوفي الصَّاحب رثاه أبو القاسم بعدَّة قصائد(١)، وفيه يقول الثعالبي(٢): شاعرٌ ملء ثوبه، محسنُ ملء فمه، مرغوبٌ في ديباجة كلامه، مُتْنَافَسٌ في سحر شعره. فقد ذكر الراغب(٣) أنَّ أبا القاسم بن أبي العلاء أنشد يوماً شعراً كاتبَ به رئيساً، وكنّا سمعناه منه قبلُ، فعوتب في ذلك، فقال: أنا نظمتهِ، أُقلِّد به من أشاء، فقوله: كنا سمعناه يدل على مجالسته له في مجالس أدبية. وأقول: لعلَّ قوله فعوتِب يُفهَم منه أنَّ المُعاتِب هو الرَّاغب؛ لأنَّه كان قد سمع الشعر سابقاً. فكلُّ ما سبق يؤكد لنا أنه أدرك عصر الصاحب، وأنَّه بقوله في عددٍ من كتبه(٤): عملتُ ذلك للأستاذ الكريم أدام الله تأييده، أو إطلاقه عليه لفظ الشيخ الفاضل، كما قال(٥): طال تعجُّبي من ذلك الشيخ الفاضل حرسه الله لأمور رأيتها منه طريفة، وأيضاً في محل آخر(٦): بلغني ما جرى بحضرة الشيخ أطال الله بقاءه من ذكر مخالطة الناس ومجانبتهم وأنّ الحاضرين عنده اختلفوا ... فالمراد به الوزير أبو العباس الضبّي يقيناً؛ لأنه كان الوزير بعد الصاحب، وتوفي سنة ٣٩٩هـ، وقد ذكر الراغب بعض أشعاره في كتابه المحاضرات(٧)، ومجمع البلاغة (٨). كلُّ هذه الأمور تدلُّ على عدم انطواء الراغب على نفسه، وانعزاله عن المجتمع، بل تؤكد أنَّه كان مشاركاً لأهل العلم والأدب في مجالسهم، مراجعاً لهم في أقوالهم، وأمَّا عدم شهرته فلأنَّه. كان مع الحكماء، وللعامة نظرةً معادية للحكماء، ولكنْ أبى الله إلاّ أن يرفع ذكره، ويخلد أثره عن طريق كتبه ومؤلفاته، رحمه الله وأجزل مثوبته . فهذا ما توصلنا إليه، ونسألُ اللَّهَ التوفيق والسداد، فإن أَصبنا الحق فبتوفيق الله، وإن أخطأنا فمن أنفسنا. وآخر دعوانا أن الحمد للهِ ربّ العالمين. صفوان داوودي (١) انظر يتيمة الدهر ٢٥٦/٣، و٣٢٩/٣. (٢) يتيمة الدهر ٣٧٧/٣. (٣) محاضرات الأدباء ٨٦/١. (٤) انظر تفصيل النشأتين ص ٥٠. (٥) رسالة مراتب العلوم ورقة ٢ . (٦) رسالة أدب مخالفة الناس ورقة ١ . (٧) المحاضرات ٣٠٢/١، ٤٨٧/٢. (٨) مجمع البلاغة ٦٨١/٢. ٢٧ الشريعة وعلوم الحكمّة نبدأ أولاً بتعريف علم الحكمة وأقسامها وأصل موردها، ثم تبيين الباطل منها، فنقول: علم الحكمة: هو علم يُبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية(١). وهي من العلوم العقلية، وقد قال ابن خلدون: وأمَّا العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان من حيث إنه ذو فكرٍ، فهي غير مختصة بملةٍ، بل يوجد النظر فيها لأهل الملل كلهم، ويستوون في مداركها ومباحثها، وهي موجودة في النوع الإِنساني منذ كان عمران الخليقة، وتسمى هذه العلوم علوم الفلسفة والحكمة(٢). - وأهل الحكمة يقسمونها قسمين: ١ - حكمة عملية: وهي العلم بما يؤدي إلى إصلاح المعاش والمعاد والعمل به. ٢ - حكمة نظرية: المقصود منها ما حصل بالنظر. ويقول الشهرزوري : وإذا كانت الحكمة عبارة عن معرفة أعيان الموجودات على ما هي عليها لا غير، فالأسماء تختلف بحسب اختلاف طرق التعليم، فإنْ أدركها بعضهم بزمانٍ يسيرٍ من غير تعلُّمٍ بشري، وكان مأموراً من الملأ الأعلى بإصلاح النوع الإِنساني سُمِّيت نُبِوَّة، وإن كان بالتعلم والدراسة سُمِّيت فلسفة. (١) راجع: كشف الظنون ١ / ٦٧٦. (٢) انظر: مقدمة ابن خلدون ص ٣٩٩. ٢٩ وفي الحقيقة الحكيم المطلق هو اللَّه تعالى، وكلُّ مَنْ أدرك من المعقولات نصيباً سُمِّيَ على سبيل التجوّز والاستعارة حكيماً لدنوّه من الله تعالى وتشبُّهه به (١). - وأمَّا حكمة الإشراق فهي من العلوم الفلسفية بمنزلة التصوف من العلوم الإِسلامية، كما أنَّ الحكمة الطبيعية الإلهية بمنزلة الكلام منها. وبيان ذلك أنَّ السعادة العظمى والمرتبة العليا للنفس الناطقة هي معرفة الصانع بما له من صفات الكمال، والتنزّه عن النقصان. والطريق إلى هذه المعرفة من وجهين: ١ - طريقة أهل النظر والاستدلال، ٢ - وطريقة أهل الرياضة والمجاهدات. والسالكون للطريقة الأولى إن التزموا ملة من ملل الأنبياء فهم المتكلمون، وإلا فهم الحكماء المشاؤون. والسالكون للطريقة الثانية إن وافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فهم الصوفية، وإلا فهم الحكماء الإِشراقيون. وعلوم الفلسفة والحكمة سبعة : المنطق، وهو المقدَّم، وبعده التعاليم فالارتماطيقي أولاً ثم الهندسة ثم الهيئة ثم الموسيقى ثم الطبيعيات ثم الإلهيات. - وأكثر من عُنيَ بها من الأجيال فارس والروم. ولما فتح المسلمون بلاد فارس، وأصابوا من كتبهم، كَتَب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في شأن كتبها، وتنفيلها للمسلمين، فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه، وإن يكن ضلالاً فقد كفانا اللّه، فطرحوه في الماء أو في النار فذهبت علومهم. ولم تدخل في الصدر الأول في علوم المسلمين، وصانهم اللَّه عنها. وأمَّا الروم فكان لهذه لعلوم عندهم شأن عظيم، ويزعمون أن سند تعليمهم يتصل بلقمان الحكيم. ولما ظهر الإِسلام بعث أبو جعفر المنصور إلى ملك الروم أن يبعث إليه بكتب التعاليم مترجمة ، فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات، وقرأها المسلمون واطلعوا (١) انظر: نزهة الأرواح وروضة الأفراح ١ / ٨ - ٩. يريد بذلك التخلّق بأخلاق الله، كما ورد ذلك في الحديث الشريف. ٣٠ على ما فيها، ولما تولّى الخلافة المأمون كتب إلى بعض ملوك النصارى يطلب منه خزانة كتب اليونان، وكانت عندهم مجموعة في بيت لا يظهر عليه أحد، فجمع الملك خواصه من ذوي الرأي واستشارهم في ذلك، فكلهم أشار إليه بعدم تجهيزها إليه إلا واحداً، فإنه قال: جهزها إليهم، فما دخلت هذه العلوم على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها(١). وكان الشيخ ابن تيمية يقول: ما أظن أن اللَّه يغفل عن المأمون، ولا بد أن يقابله على ما اعتمد مع هذه الأمة من إدخاله هذه العلوم الفلسفية بين أهلها. وأول من أدخل الفلسفة الأندلس أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم، كان يُشبَّه بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية. الجمع بين الشريعة والحكمة : ويقال: أول مَنْ خلط المنطق بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي. والذي نراه أنَّ الراغب الأصفهاني بدأ هذه المحاولة قبل الغزالي، حيث قال الشهرزوري في ترجمته: (وهو الذي جمع بين الشريعة والحكمة في تصانيفه)(٢). والغزالي حاول الجمع بين الشريعة والحكمة، وهو أحسن مَنْ جمع بينهما، ويتجلى ذلك في كتابه الكبير ((إحياء علوم الدين))، لكنه مع ذلك لم يخلُ من انتقادات، وكتابه الإِحياء قمةٌ في الإِنتاج العلمي، ومع ذلك فقد حذَّر العلماء من بعض المواضع فيه. وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: ((الإِحياء)) وضعه على مذاهب الصوفية، وترك فيه قانون الفقه، فأنكروا عليه ما فيه من الأحاديث التي لم تصح(٣). وممن حاول الجمع بينهما تاج الدين الشهرستاني، فقد كان يصنف تفسيراً، ويؤوِّل الآيات على قوانين الفلسفة والحكمة، فقال له ظهير الدين البيهقي: هذا عدول عن الصواب، والقرآن لا يفسَّر إلا بتأويل السلف والتابعين، والحكمة بمعزل عن تفسير القرآن، خصوصاً ما كنت تُؤوله، ولا تجمع بين الشريعة والحكمة أحسنَ مما جمعه الغزالي، فامتلأ غضباً(٤). والشهرستاني متوفى سنة ٥٤٨هـ. ولابن رشد كتاب فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال(٥). (١) انظر: الغيث المسجم شرح لامية العجم للصفدي ١ / ٧٩؛ وصون المنطق والكلام للسيوطي ص ٩. (٢) انظر: نزهة الأرواح ٤٤/١. (٣) انظر: كشف الظنون ١ / ٢٤. (٤) انظر: نزهة الأرواح ٢ / ٥٩. (٥) الوافي ١١٤/٢. ٣١ ثم فشت الفلسفة وانتشرت، وكان ابتداء فشوِّها في المتأخرين ما ذكره الحافظ ابن كثير في تأريخه سنة ٦٧٢ هـ قال: بعد أخذ التتار بغداد سنة (٦٥٦ هـ) عمل الخواجا نصير الطوسي الرصد، وعمل دار حكمة فيها فلاسفة، لكل واحدٍ في اليوم ثلاثة دراهم، ودار طبّ فيها للحكيم درهمان، وصرف لأهل دار الحديث لكل محدث نصف درهم في اليوم. ومن ثمَّ فشا الاشتغال بالعلوم الفلسفية وظهر(١). وكانت سوق الفلسفة والحكمة نافقةً في الروم أيضاً بعد الفتح الإسلامي إلى أواسط الدولة العثمانية، وكان في عصرهم فحول ممن جمع بين الحكمة والشريعة كالعلامة شمس الدين الفناري، والفاضل قاضي زاده الرومي وغيرهم(٢). ولأبي علي عيسى بن زرعة البغدادي رسالة في أنَّ علم الحكمة أقوى الدواعي إلى متابعة الشريعة، وفيها يقول: مَنْ قال: إن الحكمة تفسد الشريعة فهو الطاعن في الشريعة(٣). وبعد ذلك نقول: كلُّ مَنْ اشتغل بعلوم الحكمة ممن التزم ملةً من ملل الأنبياء بقي على طريقته وحاول الجمع بينها وبين الشريعة فسدَّد وقارب، ولكنه لم يخل من انتقادات. وأمَّا مَن سلك طريق الحكماء المشائين الذين لم يلتزموا ملةً من الملل، أو طريق الحكماء الإِشراقيين الذين لم يوافقوا في رياضتهم أحكام الشرع فقد زلَّت به القدم وربما وصل إلى الكفر والارتداد، إذ لم يستطع الجمع بين الشريعة والحكمة فردَّ ما جاءت به الشريعة، وانتصر لقول الحكماء. وفي الختام نذكر طائفة من أقوال السلف: قول السلف في ذم العلوم الكلامية والفلسفية: قال الشافعي: ما جهل الناسُ ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس (٤). قال السيوطي: ولم ينزل القرآن ولا أتت السُّنة إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في (١) انظر: البداية والنهاية ١٣ /٢٨٣. (٢) راجع: كشف الظنون ١ / ٦٨٠. (٣) انظر: نزهة الأرواح ٢ / ٩٩ - ١٠٠. (٤) انظر: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام ص ١٥. ٣٢ المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال، لا على مصطلح اليونان، ولكل قوم لغةً واصطلاح، وقد قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رَسولٍ إلا بلسانِ قومِهِ ليبيِّنَ لهم﴾ [إبراهيم / ٤]. وقال عمر بن عبد العزيز لرجلٍ سأله عن شيءٍ من الأهواء: عليك بدين الصبي الذي في الكُتّاب والأعراب، والْهَ عما سواهما. وقال مالك: ما قلَّت الآثار في قومٍ إلا ظهرت فيهم الأهواء، ولا قلَّت العلماء إلا ظهر في الناس الجفاء. وقال القاضي أبو يوسف: مَنْ طلب الدين بالكلام تزندق. وقال الغزالي: أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام(١). وأنشد الخطابي : حججْ تهافتُ كالزجاج تخالُها حقاً، وكلُّ كاسرٌ مكسور أمثلة مِن جمع الراغب بين الشريعة والحكمة: نقول أولاً: إن القاعدة التي اتبعها الراغب في الجمع بينهما أنه جعل الشريعة هي الأساس والميزان، ثم عرض كلام الحكماء عليها، فما وافق قَبِله، وما لا فلا، لذلك نجده يقول في كتابه الذريعة: (واجبٌ على الحكيم العالم النحرير أن يقتدي بالنبيّ ◌َّ فيما قال: إنَّا معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نزِّل الناسَ منازلهم(٢)، ونكلم الناسَ بقدر عقولهم)(٣). فمن ذلك قوله : قيل لبعض الحكماء: هل من موجودٍ يعمُّ الورى؟ فقال: نعم أن تُحسن خُلقكَ، وتنوي لكل أحدٍ خيراً(٤). ثم يُتبعه بما يقابله من الشريعة فيقول: وقال ◌َّه: ((إنَّكم لن تسعوا النَّاسَ بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم))(٥). (١) انظر: نقض المنطق لابن تيمية ص ٢٦. (٢) الحديث أخرجه مسلم تعليقاً في مقدمة صحيحه، مع بعض الاختلاف، وانظر: كشف الخفاء ١٩٤/١. والشطر الثاني ((أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم)) رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً. (٣) انظر: الذريعة ص ١٢١ . (٤) انظر: الذريعة ص ٤٦. (٥) الحديث أخرجه الحاكم والبزّار وابن عديّ والبيهقي عن أبي هريرة. انظر: كشف الخفاء ١ / ٢١٧. ٣٣ ومن ذلك قوله : قال بعض الحكماء: قلَّ صورةٌ حسنة يتبعُها نفس ردية، فنقش الخواتيم مقروء من. الطين، وطلاقة الوجه عنوان ما في النفس، وليس في الأرض شيءٌ إلا ووجهُه أحسنُ ما فيه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه(١). وقال عمر رضي اللَّه عنه: إذا بعثتم رسلاً فاطلبوا حَسَن الوجه وحَسَن الاسم. ومن ذلك قولهم: مَن جهل شيئاً عاداه، والناس أعداءُ ما جهلوا (٢). وقال الله تعالى: ﴿وإذْ لم يهتدوا به فسيقولُونَ: هذا إفكٌ قديمٌ﴾ [الأحقاف / ١١]. ومن ذلك قوله : حقُّ المعلم أن يُجري متعلميه منه مجرى بنيه، فإنه في الحقيقة أشرف من الأبوين، كما قال الإِسكندر - وقد سئل: أمعلمُكَ أكرمُ عليك أم أبوك؟ - قال: بل معلمي؛ لأنه سبب حياتي الباقية، ووالدي سبب حياتي الفانية(٣). وقد نَّه وَّرَ على ذلك بقوله: ((إنما أنا لكم مِثلُ الوالدِ أُعلمكم)) (٤). ومن ذلك قول بعض الحكماء(٥): الخلافة تدل على كذب أربابها؛ لأنَّ ذلك لقلّة الركون إلى كلامهم. وقد قال تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [البقرة/ ٤١]، وقال تعالى: ﴿ولا تجعلُوا اللَّهَ عُرضةً لأيمانِكم أنْ تَبُرُّوا﴾ [البقرة / ٢٢٤]. ومن ذلك قوله : قال بعض الحكماء: مثلُ طالب معرفته مَثلُ مَنْ طَوّف في الآفاق في طلب ما هو معه(٦) والله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ معكم أينما كُنتم ﴾ [الحديد/ ٤]، ﴿وهو الذي في السماءِ إلهٌ وفي الأرضِ إلهٌ ﴾ [الزخرف / ٨٤]. وليس كل ما جاء به الحكماء يوافق الشريعة، ففي باب القناعة ذكر الشيخ قول النبيِ وَ﴿: ((تَعِس عبدُ الدينارِ، تَعِسَ عبدُ الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا (١) الحديث أخرجه الطبراني والدارقطني وتمَّام والبخاري في تاريخه. انظر: كشف الخفاء ١ / ١٣٧. (٢) انظر: الذريعة ص ١١٢ . (٣) انظر: الذريعة ص ١١٩. (٤) الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان. انظر: الفتح الكبير ١/ ٤٣٧. (٥) انظر: الذريعة ص ١٤٥ . (٦) انظر: المفردات مادة (بطن). ٣٤ انتقش))(١)، ثم يقول: قيل لحكيم: لمّ لا تغتم؟ قال: لأني لم أجد ما يغُمُّني(٢). قال الراغب: واعلم أنَّ الزهد ليس من تركِ المكاسب في شيء، كما توهمه قومٌ أفرطوا حتى قربوا من مذهب المانوية والبراهمة والرهابنة، فإنَّ ذلك يؤدي إلى خراب العالم، ومضادة اللَّه فيما قدَّرْ ودبّر، ثم قال: ولأنَّ الزاهد في الدنيا راغبٌ في الآخرة، فهو يبيعها بها، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشترى من المؤمنين أَنفسَهُم وأَموالَهُم بأنَّ لهم الجنَّةَ﴾ [التوبة / ١١١]، ومُحالٌ أن يبيعَ كِيِّسُ عيناً بأثرٍ إلا إذا عرفها عارف، وعرف فضل المبتاع على المبيع. وقيل لبعض الزهاد: ما أزهدَك وأصبرك! فقال: أمَّا زهدي فرغبةٌ فيما هو أعظم مما أنا فيه، وأما صبري فلجزعي من النار. هذا آخر ما أوردناه في هذا الباب، والحمد لله رب العالمين. (١) الحديث أخرجه البخاري وابن ماجه. انظر: كشف الخفاء ١/ ٣٠٧. (٢) انظر: الذريعة ص ١٦٦ . ٣٥ شُخِ الكتاب اعتمدنا في تحقيق الكتاب على عدّة نسخ منها المخطوطة ومنها المطبوعة. فالمخطوطة اعتمدنا منها على أربع نسخٍ : الأولى: وهي النسخة التي جعلناها أصلاً - مخطوطة في مكتبة المحمودية - بالمدينة المنورة تقع في ٣٠٠ ورقة من الحجم الكبير، وفي كل ورقة ١٩ سطراً. وهي من أتمّ نسخ الكتاب، وفيها زيادات ليست في غيرها. تمَّ نسخُها يوم الأحد غرَّة شهر ربيع الأول سنة ١٠٥٤ هـ، على يد غياث الدين علي الشيرازي، وهي نسخةٌ مُقابلة على عدة نسخ. ورقمها ٢١٨ . كتب على آخرها: قد بلغت مقابلته من أوله إلى آخره بقدر الإمكان، يوم السبت السابع من شهر إتمام الكتاب. إلا أن فیھا نقصاً لعدّة مواد، وهي: همّ ـ همد ۔ همر - همز - همس ـ هار. الثانية: مخطوطة في المكتبة المحمودية أيضاً برقم ٢٠٩١، وتقع في ٢٤٢ ورقة من الحجم الصغير، وكلماتُها متراصة، وفي كل صفحة ٢٢ سطراً وكُتبت المادة بالأحمر، وكُتب على صفحتها الأولى: وقف كتبخانة مدرسة المحمودية في المدينة المنورة، وقف محمد أمين أفندي، وعليها عدة أبيات من الشعر. الثالثة: مخطوطة في مكتبة عارف حكمت - في المدينة المنورة - رقم ٤٧ /٢٢٣، تقع في ٣٥١ ورقة، من الحجم الكبير، في كل صفحة منها ٢٦ سطراً. وكتبت المادة بالأحمر، وصفحتها الأولى مُذهَّبة، وخطها جميل. كُتب على صفحتها الأولى: وقف حكمت اللَّه بن عصمة اللَّه الحسيني. الرابعة: مخطوطة في عارف حكمت أيضاً برقم ٢٢٣/٤٦، تقع في ٢٢٥ صفحة من الحجم المتوسط، خطّها جميل واضح . وعليها كُتِبَ: من كتب الفقير مصطفى بهجت رئيس الأطباء السلطاني ١٢٦٦هـ. وقف حكمت اللَّه بن عصمت اللَّه الحسيني ١٢٦٧. ٣٧ ومن المطبوعة : ١ - نسخة طُبعت بتحقيق محمد سيد كيلاني بمصر، مصوّرة في دار المعرفة ببيروت، وهي مليئة بالأخطاء والتصحيفات والتحريفات، وفيها نقص عدد من المواد مثل: بسم، حثَّ، وغير ذلك، وأخطاء في الآيات القرآنية. وفي ابتداء عملي ظهرت الأخطاء فيها بالآحاد، ثم بالعشرات، ثم وصلت إلى عدة مئات. ومن شكَّ في هذا فليقارن الكتاب بكتابنا. ٢ - نسخة أخرى مطبوعة بالمطبعة الميمنية على نفقة أصحابها مصطفى البابي الحلبي، وصححها محمد الزهري الغمراوي على عدة نسخ بالكتبخانة الخديوية. وهي أيضاً مليئة بالأخطاء والتحريفات والتصحيفات خاصة في الأبيات الشعرية، لكنّ أخطاءها دون الأولى . ٣ - نسخة أخرى مطبوعة في تركيا بتحقيق الدكتور محمد أحمد خلف اللَّه، طبعت عام ١٩٧٠ م في مجلد كبير من ٨٥٠ صفحة، وهي مشحونة بالأخطاء أيضاً لكن دون سابقتيها، ولم تُضبط بالشكل، والأبيات الشعرية كثيرة الأخطاء. والنسخ الثلاثة المتقدمة ليس فيها أيُّ تعليق على الكتاب، بل المتن وحده، وليته كان صحيحاً سليماً؛ ولم يعتمد فيها على أصلٍ مخطوطٍ . ٤ - نسخة أخرى مطبوعة في بيروت، في دار الفكر، بتحقيق نديم مرعشلي وفيها أخطاء كثيرة، وجعل لها المحقق فهارس وهي ناقصة كثيراً، فلم يُوفِّ الفهارس حقّها، وهي منقولة حرفياً من النسخة التي بتحقيق محمد سيد كيلاني، ولم يعتمد المحقق على أصل مخطوط، بالإِضافة إلى أنَّ المحقق تصرّف في ترتيب الأبواب، فقدَّم أبواباً على أمكنتها التي جعلها لها المؤلف، مثال معنى الألف جعلها في أول كتاب الهمزة، وإنما محلها الأصلي في آخر كتاب الهمزة، وقدَّم مادة (أوّه) ومادة ((أوى)) و((أي)) و((أيان)) على مادة (أیم)) وكثير غير هذا. ٣٨ وصف نسخة الظاهرية ٥ - عدد الأوراق: ٤٢٤ ق، عدد الأسطر: ١٧، نوع الخط: نسخ معتادة، تاريخ النسخ: ٩٠٣ هـ، اسم الناسخ: لم يذكر. وكتب في آخرها: [تمت مقابلته وإعرابه مع النسخة العتيقة التي يقرب كتابته خمسمائة سنة، على يد أقلِّ العباد وأحقرهم أحمد بن أحمد ... ، ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر جمادى الأولى سنة ثمانٍ وثمانين ومائتين بعد الألف في الهجرة ١٢٨٨ هـ ]. أي: قوبلت على نسخة من القرن الثامن. وأصل نسخة الظاهرية من طهران. ٣٩