النص المفهرس

صفحات 921-940

٨٦١
الرُّسوب
كان رسولاً في قبض الثَّمن أو في الدين لأنّ
الرسول مَعْبَر وسفير لنقل كلامه إليه، فلا يملك
شيئًا. وإنّما إليه تبليغ الرسالة لا غير، بخلاف
الوكيل في البيع والشراء وأمثالهما فإنّه لا يجب
عليه إضافة العقد إلى موكله، بل لو أضاف
العقد إلى نفسه وقال: بعتُ منك هذا الشيء
بكذا يجوز ويرجع حقوق العقد إليه، ويكون
خصمًا فيما للمُوَكِّل وفيما عليه من الأمور التي
تتعلَّق بالفعل المأمور به، هكذا في العناية
والكفاية .
الرَّسْخ : Metempsychosis, metamorphosis
- Métempsychose, métamorphose
عند الحكماء هو انتقال النفس الناطقة من
بدن الإنسان إلى الأجسام النباتية، ويجيء في
لفظ النسخ.
الرَّسْم: ,Mark, figure, determination
definition, trace - Marque, figure,
détermination, limitatin, définition, trace,
vestige
بالفتح وسكون السين المهملة في اللغة
العلامة. وعند المنطقيين قسم من المُعَرِّف مقابل
للحَدّ، ومنه تام وناقص. فالرَّسْم التام ما يترَّب
من الجنس القريب والخاصة، كتعريف الإنسان
بالحيوان الضاحك. والرَّسْم الناقص ما يكون
بالخاصة وحدها أو بها وبالجنس البعيد،
كتعريف الإنسان بالضاحك أو بالجسم
الضاحك، أو بعرضيات تختصّ جملتها بحقيقة
واحدة، كقولنا في تعريف الإنسان إنّه ماشٍ على
قدميه عريض الأظفار بادي البَشَرة مستقيم القامة
ضَحَّاك بالطبع، هكذا في الجرجاني وغيره.
وعند الأصوليين أخص من الحَدّ لأنّه قسم
منه وقد سبق.
وعند الصوفيّة هو العادة ويقول في كشف
اللغات: يقال في اصطلاح أهْلِ السُّلوك للرسَّمْ
عادةَ، بمعنى أَنَّ كلَّ عبادةٍ بغيرَ نِيَّةِ فهِي رَسْمٌ
وعَادة. إذن فعلى الإنسان أَنْ يبدأَ أَولاً بتصفية
نِيَّتِهِ من شوائبِ النَّفْسِ ودواعي الشَّيْطان وهذا
يحصلُ بقوة العلم مصراع ترجمته: مَنْ لا عِلْمَ
له فلا نيَّة له(١).
وفي الاصطلاحات الصوفية: الرَّسْم هو
الخلق وصفاته لأنَّ الرسوم هي الآثار، وكل ما
سوى الله آثارُه الناشِئة من أفعاله، وإِيَّاه عنىُ مَنْ
قال: الرَّسم: نعت يجري في الأبد بما جرى
في الأزل انتهى.
الرُّسوب: Sediment, deposit, remainder
- Sédiment, résidus, déposition
بضم الراء والسين المهملة في اللغة
استقرار الأجزاء الغليظة من المائعات في أسفلها
كما في بحر الجواهر والأقسِرائي. وقيل هو كلّ
ما يرسُب في قَعْر الإناء من الثفل كما في شرح
القانونچه. وعند الأطباء كلّ جوهر أغلظ قِوامًا
من مائية البَوْل متميِّز عنها، وإنْ تعلَّق في الوسط
أو طفأ. فالجوهر جنس ويُراد به ما يكون
خارجًا مع البَوْل لا ما يكون جزءًا منه، وإلاّ
لما وجد بدونه. وقولهم أغلظ قِوامًا من مائية
البَوْل احتراز عن الريح المخالطة للمائية والزبد.
وقولهم متميِّز عنها أي في الحِس احتراز عن
الجواهر المفيدة للبَوْل اللون والقوام. وإيراد
لفظ كلّ لتسهيل فهم المبتدئ لِئَلاَّ يتوهّم
التخصيص بفرد دون فرد. وقولهم وإنْ تعلَّق الخ
تنبيه على أنّ بين المعنيين أي اللغوي
والاصطلاحي عمومًا من وجه لصدقهما على
(١) در کشف اللغات میگوید در اصطلاح سالکان رسم عادت را گویند که هر عبادتی که بی نیت بود آن رسم وعادت باشد پس
مرد باید که اول نيت خود را از شائبة نفساني وداعية شيطاني خالص كرداند واين بقوت علم می شود. مصراع. هركرا علم
نیست نيت نيست.

٨٦٢
رسوم العلوم ورقوم العلوم
الرُّسوب الراسب من البول، وصدق اللغوي فقط
على ما يرسُب من الثفل في غير البول، وصدق
الاصطلاحي فقط على المتعلّق والغمام. وعلى
أنّ أقسام الرسوب ثلاثة لأنّه إنْ وجد في أسفل
القارورة يسمّى رسوبًا راسبًا وإن وجد في
وسطها يسمّى رسوبًا متعلِّقًا وإنْ وجد فوقها
يسمّى غمامًا وسحابًا ورسوبًا طافيًا. قيل إنّما
يُطلق الرُّسوب على الغمام والمتعلّق لأنّ من
شأن الرسوب أنْ يرسُب في الأسفل، وإنّما
يطفو ويتعلّق إذ امَنَع منه مانع، فلوجود هذه
الصفة فيه بالقوة قيل له رسوب. وأيضًا ينقسم
الرُّسوب إلى طبيعي ويُسمّى رسوبًا محمودًا
وفاضلاً وإلى غير طبيعي ويُسمّى رسوبًا رَدِيًا .
أمّا الطبيعي فهو الدال على النُّضْج وهو الأملس
الأبيض المتشابِهِ الأجزاء المجتَمِع أي المتَّصِل
الأجزاء. وأفضل أقسام الطبيعي الراسب ثم
المتعلّق ثم الغمام، وغير الطبيعي بخلافه.
وأفضل أقسامه الغمام ثم المتعلّق ثم الراسب،
وهو أقسام، إذْ الرُّسوب الردئ إمّا أنْ يكونَ من
الأعضاء أو من الرطوبات، إذْ ليس في البدن
جسم منه يكون رسوب غيرهما، فإنْ كان من
الأعضاء فإمّا أنْ يكونَ من الأعضاء الأصلية
ويُسمّى خراطيًا أوْ لا يكون، وحينئذ إمَّا أنْ
تكونَ فيه دهنية ويسمّى دسميًا، أوْ لا تكون
ويسمّى لحميًّا، والخراطي إمّا أنْ يكونَ من
ظاهر العضو أو من باطنه، فإنْ كان الأول
يسمّى قشوريًّا، وإنْ كان الثاني فإنْ كان ذلك
المنفصل أجزاء كبارًا عراضًا بيضاء أو حمراء
يسمّى صفائِحيًا، فالأبيض من المثانة والأحمر
من الكِلْية أو الكَبِد، وإِنْ لم يكن أجزاءً كبارًا
عراضًا فإنْ كان أحمر يسمّى كرسنيًا وإنْ لم يكن
أحمر يسمّى نخاليًا، والكائن من الرطوبات منه
الأسود ومنه الأشقر ومنه الكمد. وفي القانونجه
الرُّسوب الردي ينقسم إلى خراطي وهو الشبيه
بالقشور ودشيشي وهو الشبيه(١) بالزرنيخ الأحمر
ويسمّى سويقًا أيضًا، ولحمي ودسمي ومدي
ومخاطي وشعري ورملي ورمادي وعلقي ودموي
وخميري أي الشبيه بقطع الخمير المنقوع،
والتفصيل يُطلب من كتب الطب.
رسوم العلوم ورقوم العلوم: Figures of
sciences (human feelings) - Les figures
des sciences (les sentiments de l'homme)
هي مشاعر الإنسان لأنّها رسوم الأسماء
الإلهية كالعليم والسميع والبصير، ظهرت على
ستور الهياكل البدنية المُرخاة على باب دار
القرار بين الحقّ والخلق. فمن عرف نفسه
وصفاتها كلّها بأنها آثار الحق وصفاته ورسوم
أسمائه وصورها فقد عرف الحقَّ، انتهى من
الإصطلاحات.
الرَّشْف: Sucking, onomancy, fortune
telling - Sucement, onomancie, art
dévinatoire
بالفتح وسكون الشين المعجمة في
اصطلاح أهلِ الجفر هو عبارة عن استخراج
الأسْماءِ من الزّمام. كذا في بعض الرَّسائل.
ويقول في بعض الرسائل: الإطلاع على
المغيَّيات في اصطلاح أَهْلِ الجَفر يقال له
الرشف الذي هو في مقابل الكَشْف(٢).
الرِّشْوة : - Corruption, tip, bribe
Corruption, pourboire, pot-de-vin
بالكسر والضم وسكون الشين المعجمة
كما في المنتخب هي اسم من الرَّشْوة بالفتح
كما في القاموس، فهما لغة ما يتوصّل به إلى
(١) وهو شبيه (- م، ع).
(٢) در اصطلاح اهل جفر عبارت است از استخراج اسماء از زمام كذا في بعض الرسائل. ودر بعضى رسائل گويد اطلاع
مغیبات را در اصطلاح اهل جفر رشف گویند که در مقابل کشف است.

٨٦٣
الرِّشْوة
الحاجة بالمضايقة(١) بأن تصنع له شيئًا ليصنع
لك شيئًا آخر. قال ابن الأثير: وشريعةً ما
يأخذه الآخِذ ظلمًا بجهة يدفعه الدافع إليه من
هذه الجهة وتمامه في صلح الكرماني (٢)،
فالمرتشي الآخِذ والراشي الدافع كذا في جامع
الرموز في كتاب القضاء. وفي البرجندي الرشوة
مال يعطيه بشرط أن يعينه والذي يعطيه بلا شرط
فهو هَدِية كذا في فتاوى قاضيخان. وفي البحر
الرائق في القاموس: الرشوة مثلثةً الجُعْل وأرشاه
أعطاه إياها، وارتشى أخذها، واسترشْى طلبها
انتهى. وفي المصباح(٣) الرشوة بالكسر ما يعطيه
رجل شخصًا حاكِمًا أو غيره ليحكم له أو يحمله
على ما يريد والضم لغة.
وفي الخانية: الرّشوة على وجوه أربعة؛
منها ما هو حرام من الجانبين وذلك في
موضعين، أحدهما إذا تقلَّد القضاء بالرّشوة لا
يصير قاضيًا، وهي حرام على القاضي والآخذ.
والثاني إذا دفع الرّشوة إلى القاضي ليقضي له
حرام على الجانبين، سواء كان القضاء بحقّ أو
بغير حقّ. ومنها إذا دفع الرشوة خوفًا على نفسه
أو ماله، فهذه حرام على الآخذ غير حرام على
الدافع، وكذا إذا طمع ظالم في ماله فرشاه
ببعض المال. ومنها إذا دفع الرّشوة ليسوّى أمره
عند السلطان حَلّ للدافع ولا يحلّ للآخذ، وهذا
إذا أعطى الرّشوة بشرط أن يسوّى أمره عند
السلطان، وإنْ طلب منه أن يسوّي أمره ولم
يذكر له الرّشوة ولم يشترط أصلاً ثم أعطاه بعد
ما سوي أمره اختلفوا فيه. قال بعضهم لا يحلّ
له. وقال بعضهم يحلّ وهو الصحيح، لأنّه من
المجازاة الإحسان بالإحسان فيحل، ولم أر
قسمًا يحلّ الأخذ فيه دون الدفع. وأمّا الحلال
من الجانبين فإنّ هذا للتّودد والمحبة وليس هو
من الرشوة .
وفي القنية (٤) الظَلَمة تمنع الناس من
الإحتطاب في المروج إلّ بدفع شيء إليهم،
فالدفع والأخذ حرام لأنّه رشوة إلاّ عند الحاجة
فيحلّ للدافع دون الآخذ. وحَدّ الرّشوة بذلُ
المال فيما هو [غير](٥) مستَحَقّ على الشخص،
ومال الرّشوة لا يملك، والتوبة من الرشوة برد
المال إلى صاحبه، وإِنْ قضى حاجته. ومن
الرَّشوة المحرَّمة على الآخذ دون الدافع ما يدفع
شخص إلى شاعر خوفًا من الهجاء والذمّ.
وقالوا بذل المال لاستخلاص حقّ له على آخر
رشوة. ومنها إذا كان وليّ امرأة لا يزوجها إلاّ
أنْ يدفع إليه كذا فدفع له فزوَّجه إياها، فللزوج
أنْ يسترِدَّه منه قائمًا أو هالِكًا لأنّه رشوة. وعلى
قياس هذا يرجع بالهدية أيضًا في المسئلة
المتقدّمة إذا علم من حاله أنّه لا يزوجه إلاّ
بالهدية، وإلاّ لا، انتهى من البحر. وفي فتاوى
ابراهيم شاهي وعن ثوبان(٦) رضي الله عنه:
(١) بالمصانعة (م).
(٢) الأرجح انه شرح الكرماني لأن الكرماني شروح وليس صلح. أما شروحه فهي شرح الفوائد الغيائية في المعاني والبيان
لمحمد بن يوسف بن علي بن سعيد شمس الدين الكرماني البغدادي ( ٧١٧هـ ٧٨٦هـ) والفوائد لعضد الدين الإيجي وشرح
الكرماني على المواقف للآمدي. مفتاح السعادة ١/ ٢١٣ - و١٨١/٢.
(٣) ورد سابقًا.
(٤) قنية المنية على مذهب أبي حنيفة: للشيخ الإمام أبي الرجاء نجم الدين مختار بن محمود الزاهدي الحنفي (- ٦٥٨هـ).
كشف الظنون، ٢ / ١٣٥٧.
(٥) [غير] (+ م).
(٦) هو ثوبان بن يجدد، أبو عبد الله، مولى رسول الله ﴾. توفي بحمص عام ٥٤هـ/ ٦٧٤ م. اشتراه النبي ثم أعتقه. وأصله من
السراة بين مكة واليمن. خدم الرسول إلى أن مات، فذهب إلى فلسطين ثم حمص. روى أحاديث كثيرة عن الرسول والثقة.
الأعلام ٢/ ١٠٢، الإستيعاب ٢٠٩/١، حلية الأولياء ١/ ١٨٠، الإصابة ٢١٢/١.

٨٦٤
الرِّشْوة
(لعن الله الراشي والمرتشي))(١). وفي الحموي
حاشية الأشباه والنظائر الرّشوة لا تملك، ولو
أخذ مورثه رشوة أو ظلمًا إنْ علم بذلك بعينه لا
يحلّ له أخذه، وإنْ لم يعلمه بعينه له أخذه
حكمًا. وأما في الديانة فيتصدّق به بنية الخَصْماء
انتهى. وفي دستور القضاة(٢) وإنْ ارتشى
القاضي أو أحد من أصحابه ليعين للراشي عند
القاضي ولم يعلم القاضي بذلك وقضى للراشي
نفذ قضاؤه، ويجب على القابض رَدّ ما قَبَض
ويأثَمُ الراشي. وإنْ علم القاضي بذلك فقضاؤه
مردود، وهو كما ارتشى بنفسه وقضى للراشي
انتهى. وفي نصاب الإحتساب الرّشوة على أربعة
أوجه: إمّا أنْ يرشُوَه لأنّه قد خوّفه فيعطيه ليدفع
الخوفَ عن نفسه، أو يرشُوَه ليسوّي بينه وبين
السلطان، أو يرشُوَه ليتقلّد القضاء من السلطان،
أو يرشُوَه للقاضي ليقضي له، ففي الوجه الأول
لا يحلّ الأخذ لأنّ الكَفّ عن التخويف كَفّ
عن الظلم وأنّه واجب حقًّا للشرع، فلا يحل
أخذه لذلك، ويحلّ للمعطي الإعطاء لأنّه جعل
المال وقاية للنفس وهذا جائز موافق للشرع.
فلذلك نقول في المحتسِب إذا خوّف إنسانًا بظلم
وأعطاه ذلك الإنسان ليدفَع عنه ذلك الخوفَ
فهو جائز للمعطي، ويحرُمُ على المحتِسب. وفي
الوجه الثاني أيضًا لا يحلّ للآخذ لأنّ الإقامة
بأمور المسلمين وإعانة الملهوفين عند القدرة
عليها واجبٌ على الكفاية ديانةً وحقًا للشرع
بدون المال، فهو يأخذ المال عَمَّا وجب عليه
الإقامة بدونه، فلا يحلّ له الأخذ. فإذا أخذ
المال من المظلوم بالشرط فهو حرام. لكن لَمَّا
لم يكن واجبًا عليه عينًا بل يسع له تركه في
الجملة، أي إذا باشره أحد غيره لكفاه. فبناءً
على هذا لو أخذ شيئًا بعد إنجاحه مرامه بلا
شرط أصلاً فهو على الإختلاف المذكور. فقال
بعضهم إنّه حلال نظرًا إلى عدم الوجوب عليه
عينًا وإلى جواز الترك في الجملة. وقال بعضهم
إنّه حرام نظرًا إلى نفس الوجوب وإنْ كان على
الكفاية، ولأنّه إذا أدّاه كان أداءً للواجب، فكان
اعتياضًا عن الواجب، وهو حرام، بخلاف
القاضي وأمثاله فإنّه واجب عليه عينًا. فلهذا
يحرُم عليه مطلقًا أي سواء كان بشرط أو لا
بشرط، وسواء كان قبل الحكم أو بعده، وهذه
الحرمة بالإجماع بلا خلاف أحد. وفي الوجه
الثالث لا يحل الأخذ والإعطاء، وهكذا في
أصحاب محتسِب الملك إذا أخذوا شيئًا من
النائبين على الإحتساب في القَصَبات ليسَوُّوا
أمرهم في نيابتهم ليتقرروا على عُهدة الإحتساب
فهو حرام، كما في الرشوة في باب السعي بين
القضاة وبين السلطان ليوليهم على القضاء. وفي
الوجه الرابع حرم الأخذ سواء كان القضاء بحقّ
أو بظلم. أمّا بظلم فلوجهين: الأول أنّه رشوة
والثاني أنّه سبب للقضاء بالحرام، وأما بحقّ
فلوجهٍ واحد وهو أنّه أخذ المال لإقامة
الواجب. أمّا الإعطاء فإنْ كان لجَوْر لا يجوز،
وإنْ كان لحقّ أي لدفع الظلم عن نفسه أو عن
ماله جاز لِما بيّنا. فعلى هذا المحتسب أو
القاضي إذا أهدي إليه فمِمَّنْ يعلم أنّه يهدي
لاحتياجه إلى القضاء والحِسْبة لا يقبل، ولو قبل
كان رشوة. وأمّا مِمَّنْ يعرف أنّه يهدي للتودّد
والتحبّب لا للقضاء والحِسْبة فلا بأس بالقَبول
منه لأنّ الصحابة كانوا يتوسّعون في قبول الهدايا
منهم، وهذا لأنّ الهدية كانت عادتهم وكانوا لا
يلتمسون منهم شيئًا، وإنّما كانوا يهدون لأجل
التودّد والتحبّب وكانوا يتوخَّشون بردّ هداياهم،
فلا يمكن فيه معنى الرشوة، فلهذا كانوا
(١) شرح السنة للبغوي: ١٠/ ٨٧ رقم ٢٤٩٣، حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ١٦٤، و١٩٠ و١٩٤.
أبو داود (٣٥٨٠)، الترمذي ١٣٣٧، ابن ماجة ٢٣١٣.
(٢) فارسي للقاضي مسعود الرازي. ولم يذكر حاجي خليفة تاريخ وفاته. كشف الظنون، ١/ ٧٥٤.

٨٦٥
الرِّضاء
يقبلونها، قال عليه الصلوة والسلام: ((تهادوا
وتحابّوا))(١) انتهى من الإحتساب.
قال مصحح هذا الكتاب والمطنب فيه في
كل الأبواب أصغر الطُلاَّب محمد وجيه (٢) عفى
الله عنه وعن أبيه وهداه وبنيه أقول وبالله التوفيق
ومنه التحقيق: إنّه علم من هذا كله أَنَّ حَدّ
الرشوة هو ما يُؤخذ عَمَّا وجب على الشخص
سواء كان واجبًا على العين كما في القاضي
وأمثاله، أو على الكفاية كما في شخص يقدِر
على دفع الظلم أو استخلاص حقّ أحدٍ من يد
ظالم أو إعانة ملهوف. وسواء كان واجبًا حقًّا
للشرع كما في القاضي وأمثاله وفي ولي امرأة
لا يزوّجها إلاّ بالهدية، وفي شاعر يخاف منه
الهَجُو لأنّ الكَفّ عن عِرْض المسلم واجب
ديانةً، أوْ كان واجبًا عقدًا فيمن آجر نفسه لإقامة
أمر من الأمور المتعلّقة بالمسلمين فيما لهم أو
عليهم كأعوان القاضي وأهل الديوان وأمثالهم.
الرَّصْد : - Astrological observation
Observation astrologique
بالفتح وسكون الصاد وفتحها أيضًا كما
في المنتخب، في الأصل جمع راصد وهو الذي
يقعد بالمرصاد أي الطريق للحراسة، ثم أطلق
في عرف المنجّمين على جمع يرصدون
الكواكب أي ينتظرون حركتها وبلوغها إلى
مواضع معيّنة، ثم سُمّي الموضع الذي يرصدون
فيه بالرَّصْد تسمية المَحل باسم الحال، كذا ذكر
الفاضل عبد العلي البرجندي في حاشية الچغمني
في باب حركات الأفلاك.
ويقول في سراج الإستخراج: الرَّصد: هو
عند المنجّمين عبارة عن النَّظَرِ في أَحوال
الأَجرام العُلْوِية بآلاتٍ مخصوصة وضَعها
الحكماء لذلك، وبها يمكنُ معرفةَ مواضع
النجوم في الفَلَك ومقدارَ حركتها طولاً وعرضًا،ً
والمسافات التي بينها وبعدها عن الأَرض وكبرَها
وصغرَها وكلَّ ما يشبهُ ذلك. وفائدة الرَّضْد هي:
أَنَّه إذا تبيَّن وجودُ خَلَلِ في مواضع الكواكب فإنَّ
صاحبَ الرَّصْد يصحِّحُه كي لا يقعَ في خطإٍ
أَثْناءَ الاستخراج. ذلك أنَّه إذا أخطأ في حسابه
بدرجةٍ واحدة فستكون العاقبة خطأ في الحساب
مقداره سنة، وإذا أَخطأ في الحساب دقيقةً
واحدة أَدَّى ذلك إلى خطٍ في التقويم يُساوي
سَّةَ أيام(٣) .
الرِّضاء : - Voluntary consent, approval
Consentement volontaire, approbation
بالكسر وبالضاد المعجمة عند المعتزلة هو
الإرادة. وعند الأشاعرة ترك الإعتراض. فالكفر
مُراد(٤) الله تعالى وليس مَرْضِيًا عنده لأنّه
يعترض عليه. وأمّا عند المعتزِلة ليس مُرادًا (٥) له
لأنّه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، كذا في شرح
المواقف في خاتمة بحث القدرة.
(١) السنن الكبرى للبيهقي ١٦٩/٦، مجمع الزوائد للهيثمي ١٤٦/٤، موطأ مالك ٩٠٨، التمهيد لإبن عبد البر ١١٦/٦.
(٢) هو المولوي محمد وجيه، كان حيّا أواخر القرن الثاني عشر الهجري، النصف الثاني من القرن التاسع عشر. من علماء
الهند. وقد عمل على نشر كتاب الكشاف للتهانوي، الذي طبعته جمعية البنغال الآسيوية عام ١٨٦٢ م مع جمع من العلماء.
وقد تميّز بينهم بضبطه المراجع والشروح في المتن.
(٣) ودر سراج الاستخراج میگوید رصد نزد منجمان عبارت است از نظر كردن در احوال اجرام علويه بآلتى مخصوص كه حكما
بجهت آن غرض وضع کرده اند تا بدان آلت دانسته شود مواضع ستارگان در فلك ومقدار حرکت ایشان در طول وعرض
وابعاد آنها از یکدیگر واز زمین وبزرگی وکوچکي اجرام ایشان وآنچه بدان ماند. وفائدة رصد آنست كه اگر در مواضع
کواکب در ایام خالی ظاهر شود آنرا صاحب رصد درست کند تا در استخراج خطا واقع نشود چه اگر یکدرجه تقویم کوکبی
خطا باشد یکسال در سیرات تفاوت شود واگر یك دقيقه خطا افتد شش روز تفاوت شود.
(٤) إرادة (م، ع).
(٥) مقصوداً (م، ع).

٨٦٦
الرِّضاع
إعلمْ أنّه يجب الرِّضاء والتسليم على
القضاء محبوبًا كان أثرُه أو مكروهًا، لأنّ
القضاء صفةُ الرَّب تعالى، ويجب الرِّضاء
والتسليم على صفته سواء كان القضاء قضاءً
الكفر والعصيان أوْ قضاءَ التوحيد والطاعة. فأمّا
الرِّضاء بالمقضي الذي هو أثرُ القضاء فإنّما
يجب الرِّضاء به إذا كان محبوبًا كالتوحيد
والطاعة دون ما هو مكروه كالكفر والعصيان،
ومع هذا لا ينبغي وصفُ القضاء بالسُّوء إلاَّ أنْ
يُراد به المقضي، ومنه قوله عليه السلام: «أعوذ
بك من سوء القضاء))(١)، كذا في بحر المعاني
في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم
مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾(٢). وفي
شرح الطوالع: الرِّضاء من العباد عند الأشاعرة
ترك الإعتراض والرِّضاء من الله تعالى إرادة
الثواب انتهى. وعند أهل السلوك الرّضاء هو
التلذُّذ بالبَلْوى، كذا في مجمع السلوك. وفي
أسرارِ الفاتحة: الرِّضا هو الخروجُ من رضى
النَّس والدُّخول في رضى الحقَّ (٣).
الرِّضاع: Breast-feeding - Allaitement
بكسر الراء وفتحها وبالضاد المعجمة
مصدر رضع يرضع كسَمِع يَسْمَع. ولأهل النجد
رَضَعٍ يَرْضِع رِضعًا كضرب يضرب ضربًا. وهو
لغةً شُرْبُ اللَّبن من الضِّرْعِ أو الثَّدي كما في
المقالس(٤). وشريعة شُرْب الطّفل حقيقةً أو
حكمًا للبنِ خالص أو مختلط غالبًا من آدمية في
وقت مخصوص، وذلك الوقت عند أبي حنيفة
حولان ونصف، وعندهما حولان فقط. ولا
يباح الإرضاع بعد الوقت المخصوص هكذا في
جامع الرموز والدّرر.
رُطوبات البدن : - Body humidity
Humidités du corps
منها أوّلية ومنها ثانوية. فالأولى الأخلاط
كما في شرح القانونجة. وفي بحر الجواهر
فالأولى هي الأخلاط المحمودة، والثانية
قسمان: فُضول وهي الأخلاط المذمومة وغير
فضول وهي أربعة أصناف. الأولى المحصورة
في تجاويف أطراف العروق الشَّعْرية السَّاقية
للأعضاء. والثانية المنبثّة في العروق الصغار
المجاورة للأعضاء الأصلية بمنزلة الطّلّ، وهي
مستعدّة لأنْ تستحيل غِذاءً عند فُقْدان البدن
الغذاء، ولأِنْ تبلّها إذا جفَّفَها سببٌ من حركة
وغيرها. والثالثة القريبة العهد بالإنعقاد
المستحيل إلى جوهر الأعضاء بالمزاج والشَّبه لا
بالقوام التام. والرابعة الرطوبة المداخِلة
للأعضاء الأصلية منذ ابتداء الخِلقة الحافظة
لاتصال أجزائها، وتُقال لهذه الرطوبات رطوبات
أصلية .
رُطوبات العين : - Eye humidity
Humidités de l'œil
منها الرُّطوبة الزُّجاجية وهي رطوبة صافية
غليظة القوام بيضاء تضرِب إلى قليل حُمْرة مثل
الزجاج الذائب، ولذا سمّيت بالزّجاجية. ومنها
الرّطوبة الجليدية وهي رُطوبة وَسَطِية من رُطوبات
العين، سُمِّيت بها لجمودها وصفائِها. ومنها
الرُّطوبة البَيْضِية وهي رُطوبة شبيهة ببياض البيض
لونًا وقِوامًا، ولذا سُمِّيت بها، وتفاصيلها تطلب
من كتب علم التشريح.
(١) لم نعثر على هذا الحديث في الصحاح والأسانيد.
(٢) البقرة/ ١٥٦.
(٣) وفي أسرار الفاتحة رضا خروج است از رضاي نفس وبدر آمدن است در رضاي حق.
(٤) الأرجح هو كتاب المقاليد، حيث وقع تصحيف، والمقاليد لتاج الدين أحمد بن محمود بن عمر الجندي ألَّفه سنة ٧٥١هـ.
وهذا الكتاب من شروح كتاب المصباح في النحو لأبي الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي (- ٦١٠هـ) وأرجحية هذا
الكتاب تأتي لعلاقته باللغة وبالمطرزي الذي ورد إسمه. بروکلمان، ج ہ، ص ٢٤١ - ٢٤٣.

٨٦٧
الرُّطوبة
الرُّطوبة: Humidity - Humidite
ضد اليُبوسة وهما كيفيتان ملموستان
بديهيتان، وما ذكر في تعريفهما إمّا لوازمها أو
تعريفات لفظية. قال الإمام الرازي: الرُّطوبة
سهولة الإلتصاق بالغير وسهولة الإنفصال عنه،
أي كيفية تقتضي تلك السهولة وهي البلّة. لا
يُقال: لو كانت الرّطوبة كذلك لكان العسلُ
أرطب من الماء لأنّه أشد التصاقًا من الماء،
وكذا الحال في الدهن، مع أنّ كونهما أرطب
من الماء باطل. لأنّا نقول العسل وإنْ كان
ألصق من الماء إلاّ أنّه ينفصل بعُسْرٍ وكذا
الدهن. وأيضًا نحن لا نُفسِّر الرّطوبة بنفس
الإلتصاق حتى يكون الأشد التصاقا أرطب، بل
إنّما فسَّرناه بسهولة الإلتصاق. وقال الحُكماء
الرُّطوبة كيفية توجِب سهولة قبول التَّشَكُل بشكلٍ
الحاوي القريب وسهولة تركه، أي للتشكّل بعد
قبوله إيّاه. ورُدَّ بأنّه يرد عليه ما مَرّ إذْ التشكّل
إنْ كان للرطوبة فما يكون أدْوَم شكلاً يكون
أرطب كالعسل، فإنّه أدوم شكلاً بالنسبة إلى
الماء، وأيضًا يلزم على هذا أنْ يكون الهواء
أرطب من الماء لأنّه أرقّ قِوامًا وأقبل
للتشكّلات وتركها. واتفقوا أي جمهورهم على
أنّ خلط الرَّطِب باليابس يفيد الإستمساك كما أنّه
يفيد الرّطب استمساكًا من السَّيَلان، فيجب على
تقدير كون الهواء أرطب أنْ يكون خلطُ الهواء
بالتراب يفيد التراب استمساكًا من التفرّق، ويفيد
التراب الهواء استمساكًا من السّيلان، وكلاهما
باطلان .
وههنا أبحاث. الأوّل: زعم البعض أنّ
رطوبة الماء مخالفة بالماهية الرطوبة الدّهن
المخالفة لرطوبة الزيبق. فالرطوبة جنس تحتها
أنواع. وزعم آخرون أنّ ماهيتها واحدة بالنوع
والإختلاف بسبب اختلاط اليابس بالرطب. قال
الإمام الرازي: كلا القولين مُخْتَلّ. والثاني: هل
توجد كيفية متوسّطة بين الرطوبة واليُبوسة
تنافيهما كالحُمرة بين السَّواد والبياض أوْ لا
توجد؟ والحق أنّه غير معلوم، وأَنَّ إمكان
وجودها مشكوك فيه. والثالث: في المباحث
المشرقية أنّ الرطوبة إنْ فُسِّرت بقابلية الأشكال
كانت عَدَمِية، وإلّ احتاجت إلى قابلية أخرى
فيتسلسل. وإنْ فُسِّرت بعِلّة القابلية فكذلك لأنَّ
الجسم لذاته قابل للأشكال فلا تكون هذه
القابلية مُعَلَّلة بعِلَّة زائدة على ذات الجسم، وإنْ
سلّم كونها وجودية على تفسيرهم فالأشْبه أنّها
ليست محسوسة لأنّ الهواء رطب لا محالة
بذلك المعنى، فلو كانت الرطوبة محسوسة
لكانت رطوبةُ الهواء المعتدِل الساكن محسوسةٌ،
فكان الهواء دائمًا محسوسًا، وكان يجب أنْ لا
يشكّ الجمهور في وجوده ولا يظنّوا أنّ الفضاء
الذي بين السَّماء والأرض خلاءً صِرفًا. وإذا
فسَّرناها بالكيفية المقتضية لسهولة الإلتصاق،
فالأظهرُ أنّها محسوسة، وإنْ كان للبحث فيه
مجال. وقد مال ابن سينا في بحث الأسطُفْسات
من الشفاء(١) إلى أنّها غير محسوسة. وفي كتاب
النفس(٢) منه إلى أنّها محسوسة، ولعله أراد أنّ
الرطوبة بمعنى سهولة قبول الأشكال غير
محسوسة، وبمعنى الإلتصاق محسوسة، هكذا
يستفاد من شرح المواقف وشرح الطوالع.
والرابع: الرّطْب، كما يُقال على ما مَرّ، كذلك
يقال على معانٍ أُخَر. في بحر الجواهر: الرَّطَب
بفتحتين يقال لما يقبل الإتصال والإنفصال
والتشكّل بسهولة بحيث لا يَظْهر فيه مُمانَعة عن
ذلك، كما يُقال إنّ الهواء رطب، ولما هو
بطبعه متماسك، لكنه بأدنى سبب يصير قابلاً
(١) ورد سابقًا .
(٢) لابن سينا الشيخ الرئيس أبو علي، (- ٤٢٨هـ) مقتبس عن مباحث أرسطو في النفس وأهداه الشيخ الرئيس للأمير نوح بن
منصور الساماني، طبع بمطبعة المعارف، ١٣٢٥هـ.

٨٦٨
الرُّطوبة الغَريزية
لذلك بسهولة كقولنا للماء إنّه رطب، ولما يكون
الغالب فيه الأسْطقس الرطب كما يقال للشَّحم
إنّه رطب، ولما يكون ما يتكوَّن عنه الأعضاء
رطبًا كما يقال للبَلْغَم والدَّم إنّهما رطبان، ولما
إذا أوْرَد على البدن وانفعل عن حرارته أثَّر فيه
رطوبةً زائدة على التي له كقولنا: إنَّ كذا من
الأدوية رطب ويُسمَّى رطبًا بالقوة أيضًا، ولما
تخالِطه رطوبات كثيرة كقولنا: إنَّ هواء الفناء
رطب، ولما هو أمْيل عن التوسُّط إلى جهة
الرطوبة، كقولنا: الإناث أرطب من الذكور،
ولما أعطي مزاجًا هو أكثر رطوبة مما ينبغي أنْ
يكون له بحسب نوعه أو صنفه أو شخصه،
كقولنا: فلان رطب المزاج، ولما هو سريع
الإستحالة إلى الرطوبة، كقولنا للغذاء التفه أنّه
رطب، وكذلك فافهم الحال في اليابس انتهى.
وقد سبق ما يتعلَّق بهذا في لفظ البّة أيضًا.
الرُّطوبة الغريزية: Instinctive or animal
humidity - Humidité instinctive ou
animale
بالغين المعجمة هي جسم رطب سَيَّال
نسبتها إلى الحرارة الغريزية كنسبة الدُّهن إلى
السّراج.
الرُّطوبة الفَضْلية : - Exceeding humidity
Humidité excédente
هي الرطوبة التي لا تمتزج بباقي العناصر
امتزاجًا تامًا، فهذه الرطوبة غريبة فضلية بالنسبة
إلى الأجزاء الغذائية أو الدَّوائية غير داخلة في
حقيقتها بل خارجة عنها وإنْ كانت داخلة في
حقيقة ذلك الجسم، وهذه مكتسبة من الماء،
ليست طبيعية ولا مستحكَمة في المِزاج، ولذلك
ينسب الزنجبيل إلى اليبس. قال بعض الأفاضل
إنّه إذا قيل شيء من الثمار والبُقول والحبوب إنّه
فيه رطوبة فضلية فمعناه أنّ بعض ما جذبه من
الرطوبة ليغتذيها لم ينصُجْ بَعْدُ، كذا في بحر
الجواهر .
الرِّعْشة: ,Shiver, shudder - Frisson
tremblement
بالكسر وسكون العين المهملة عند الأطباء
عِلَّة آلية تحدث عن عجز القوة المُحرِّكة عن
تحريك العَضَل على الإتصال أو إثباته على
الإتصال، فتختلط حركات إرادية أو إثبات إرادي
بحركة ثقل العضو إلى أسفل. والفرق بينه وبين
الاختلاج أنَّ الحركة في الاختلاج تظهر سواء
كان العُضْوِ ساكنًا أوْ متحرّكًا، ولا كذلك
الرِّعْشة لتوقُّف ظهور الحركة المَرَضية فيها على
حركة العضو. وأيضًا الإرتعاش كالتشنُّج يقف
في الأعضاء الآلية أي المُرَكَّبة التي تتحرّك
بإرادة، والإختلاج يقف في كلّ عُضْو يتهيّأ منه
الإنبساط والإنقباض كالأعصاب والعُروق
والكَبِد. وقيل الفرق بينهما أنَّ الإختلاج يحدث
دفعة ويزول دفعة، بخلاف الإرتعاش، وأنَّ
العُضْو في الإرتعاش يميل إلى أسفل وفي
الإختلاج يتحرك إلى جهات مختلفة مائِلاً إلى
فوق، هكذا يُستفاد من بحر الجواهر والموجز.
الرُّعونة: ,Idiocy, stupidity - Maladresse
idiotie
بضم الراء والعين المهملة هي الحُمق.
وقيل هي نُقصان الفكر والحُمق بطلانه، وقد
سبق في لفظ الحمق.
الرَّفْع: ,Nominative, subject case
elevation, removal - Nominatif, cas sujet,
élevation, enlèvement
بالفتح وسكون الفاء عند النحاة إسم لنوع
من الإعراب حركةً كان أو حرفًا، وما اشتمل
على الرفع يُسمّى مرفوعًا. وعند المحاسبين
عبارة عن جعل الكسور صِحاحًا والحاصل
يُسمّى مرفوعًا، وذلك بقسمة عدد الكسر على
المخرج. فمرفوع خمسة عشر ربعًا ثلاثة وثلاثة

٨٦٩
الرَّفْع
أرباع. وقال المُنجِّمون: إذا بلغ عدد الدرجات
إلى ستين أو زاد عليه يعتبرُ لكلّ ستين واحد،
ويقال له المرفوع مرةً ويكتب رقمه على يمين
رقم الدرجة. وإنْ بلغ عدد المرفوع مرةً إلى
ستين أو زاد عليه يعتبَر لكل ستين واحد ويقال
له المرفوع مرتين ومثاني ورقمه يكتب على يمين
رقم المرفوع مرةً. وإنْ بلغ عدد المرفوع مرتين
إلى ستين أو زاد عليه يعتبر لكل ستين واحد
ويقال له المرفوع ثلاث مرات ومثلثًا، وعلى
هذا القياس بالغًا ما بلغ، كذا ذكر الفاضل
القوشجي (١) في رسالة الحساب(٢). والرفع عند
المحدِّثين إضافة الحديث إلى النبي ◌َّله قولاً أو
فعلاً أو همة تصريحًا أو حُكمًا، سواء كانت
إضافة الصَّحابي أو التابعي أو مَنْ بعدهما .
فالمرفوع حديث أضيف إليه وَ لّ قولاً أو فعلاً
أو همة وهو المشهور.
وقال صاحب النخبة (٣): قولاً أو فعلاً أو
تقريرًا. فمثال المرفوع من القول تصريحًا أنْ
يقول الصَّحابي سَمِعْتُ رسولَ الله وَّ يقول
كذا، أو حدثني بكذا، أو يقول الصحابي أو
غيره: قال رسولُ الله مَ كذا، أو عن [رسول
الله](٤) ◌َّ أنّه قال كذا ونحو ذلك. ومثال
المرفوع من الفعل تصريحًا أنْ يقول الصحابي
رأيتُ النبي ﴿ فعل كذا، أو يقول هو أو غيره
كان النبي مَ﴾ يفعل كذا ونحو ذلك. ومثال
المرفوع من التقرير تصريحًا أنْ يقول الصحابي
فعلتُ بحضرة النبي ◌ّ# كذا، أو يقول هو أو
غيره فعل فلان بحضرته 18 كذا ولا يذكر
إنْكارَه لذلك. ومثال المرفوع من القول حكمًا
ما يقول الصحابي الذي لم يأخذ عن كتب بني
إسرائيل ما لا مجال للإجتهاد فيه ولا له تعلّق
ببيان لغة أو شرح غريب كالإخبار عن
المغيَّبات. ومثال المرفوع من الفعل حكمًا أنْ
يفعل الصحابي ما لا مجال للإجتهاد فيه فينزل
أنّ ذلك عنده عن النبي ◌َّ تحسينًا للّن.
ومثال المرفوع من التقرير حكمًا أنْ يخبر
الصحابي أنَّهم كانوا يفعلون في زمانه م## كذا .
وأمّا الهِمّة فلا يطّلع عليها حقيقة إلّ بقول أو
فعل، ولذا تركها صاحب النخبة من تعريف
المرفوع. وقال الخطيب: المرفوع ما أخبر فيه
الصحابي عن قول الرسول أو فعله فأخرج ما
يضيفه التابعي ومَنْ بعده إلى النبي ◌َّ. لكن
المشهور هو القول الأول الذي اختاره صاحب
النخبة، إلاّ أنّه ذكر قيد التقرير بدل قيد الهِمّة
لما عرفت. هكذا يستفاد من شرح النخبة
وشرحه. وفي خلاصة الخلاصة: المرفوع
حديث أضيف إلى النبي مصلحة خاصة سواء كان
متصلاً أو منقطعًا. ثم قال: فبين المرفوع
والمتَّصل عموم من وجه لوجود المتصل بدونه
فيما انتهى إسناده إلى غير النبي ومَّ، والمرفوع
بدونه في غير المتّصل. وأمّا على المشهور
فمرادف للمتَّصل انتهى.
فائدة :
يلتحق بقولي حكمًا ما ورد بصيغة الكناية
في موضع الصيغ الصريحة بالنسبة إليه ملي كقول
التابعي عن الصحابي يرفع الحديث أو يرويه أو
(١) هو علي بن محمد القوشجي، علاء الدين. توفي بالآستانة عام ٨٧٩هـ / ١٤٧٤ م. من فقهاء الحنفية، أصله من سمرقند.
فلكي رياضي ماهر. وضع العديد من المصنفات. الأعلام ٩/٥، البدر الطالع ٤٩٥/١، الفوائد البهية ٢١٤، كشف الظنون
٣٤٨، هدية العارفين ٧٣٦/١.
(٢) هي رسالة المحمدية في الحساب: لعلي بن محمد السمر قندي الرومي الحنفي. علاء الدين الشهير بالقوشجي (- ٨٧٩هـ).
هدية العارفين، ١ / ٧٣٦.
(٣) نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: متن متين في علوم الحديث للحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني
(- ٨٥٢هـ) كشف الظنون، ٢ / ١٩٣٦.
(٤) [رسول الله] (+ م، ع).

٨٧٠
الرَّقْو
ينمّيه أويبلغ به. وقد يقتصرون على القول مع
حذف القائل ويريدون به النبي ◌َّ كقول ابن
سيرين(١)، عن أبي هريرة(٢)، قال: ((تقاتلون
قومًا))(٣) الحديث. وقيل إنّه اصطلاح خاص
بأهل البصرة (٤). ومن الصيغ المحتملة للرفع
قول الصحابي من السُّنَّة كذا، فالأكثر على أنّ
ذلك مرفوع. ونقل [ابن](٥) عبد البر الإتفاق فيه
وإذا قالها غير الصحابي فكذلك ما لم يُضِفْها
إلى صاحبها كُنّة العمرين. وعلى هذا الخلاف
قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا، فهذا
من الصيغ المحتملة للرفع أيضًا. ومن ذلك
أيضًا قوله كنا نفعل كذا فله حكم الرفع. ومن
ذلك أنْ يحكم الصحابي على فعلٍ من الأفعال
بأنّه طاعةٌ لله أو لرسوله أو معصية كذا في شرح
النخبة .
الرَّفْو: Darning, mending - Remaillage
بالفتح وسكون الفاء هو تضمين المصراع
فما دونه .
الرِّق: ,Slavery, serfdom - Esclavage
servage
بالكسر والتشديد في اللغة الضّعْف. يقال
رَقَّ فلان أي ضَعُفَ، وثوبٌ رقيق أي ضعيف
النسج، ومنه رِقَّة القلب. وفي الشرع عجزٌ
حُكْمي للشخص بقاءً وإنْ شرع في الأصل جزاءً
للكفر، به يصير الشخص عُرضة للتملّك.
واحترز بالحكمي عن الحِسِّي، فإنَّ العبد قد
يكون أقوى من الحرّ، وذلك الشخص الذي
ثبت له ذلك العجز يسمّى رقيقًا وعبدًا.
والحاصل أنّ الرِّقَّ عجزٌ حُكْمي بمعنى أنّ
الشارع لم يجعلْ الشخص أهلاً لكثيرٍ مما يملكه
الحُرّ مثل الشهادة والقضاء والولاية بجميع
أقسامها، أي الولاية على النفس والمال
والأولاد، والنكاح والإنْكاح(٦) وغيرها، وهو
حقُّ الله تعالى ابتداءً بمعنى أنّه ثبت جزاءً
للكفر، فإنَّ الكفار لما استنكفوا عن عبادة الله
تعالى وألْحَقوا أنفسهم بالبهائم في عدم النظر
والتأمل في إثبات التوحيد وفي آيات الله تعالى
جازاهم الله تعالى بجعْلِهم عبيدَ عبيدِه، متملّكين
مبتذلين بمنزلة البهائم. ولهذا لا يثبت الرِّق
ابتداءً على المُسلم ثم صار حقًّا للعبد بقاءً
بمعنى أنّ الشارع جعل الرقيق ملكًا من غير نظر
إلى معنى الجزاء وجهة العقوبة حتى يبقى رقيقًا
وإنْ أسْلم واتّقى. وضد الرِّقّ العِثْق. وإنْ شئت
الزيادة فارجع إلى التوضيح والتلويح.
الرُّقْبي: Donation for life (as long as
one lives) - Donation viagère
بالضم اسم من المراقبة وهي أنْ تعطي
إنسانًا ملكًا ونقول إنْ مِتُّ فهو لك وإنْ مِتُّ فهو
(١) هو محمد بن سيرين البصري الأنصاري، أبو بكر. ولد في البصرة عام ٣٣هـ / ٦٥٣م. وتوفي فيها عام ١١٠ هـ/ ٧٢٩م.
تابعي كبير. إمام وقته في علوم الدين بالبصرة. فقيه. محدث ورع. واشتهر بتعبير الرؤيا. له عدة كتب. الأعلام ٦/ ١٥٤،
تهذيب التهذيب ٢١٤/٩، وفيات الأعيان ٤٥٣/١، حلية الأولياء ٢٦٣/٢، تاريخ بغداد ٣٣١/٥.
(٢) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الملقب بأبي هريرة. ولد عام ٢١ق. هـ / ٦٠٢م. وتوفي بالمدينة عام ٥٩هـ/ ٦٧٩م.
صحابي جليل، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث وروايته. تولى الإمارة عدة مرات. الأعلام ٣٠٨/٣، صفة الصفوة
٢٨٥/١، الجواهر المضية ٤١٨/٢، حلية الأولياء ٣٧٦/١، ذيل المذيل ١١١.
(٣) جاء بلفظ: تقاتلون بين يدي الساعة قومًا. صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى ... ، ح ٢٢٣٤/٤١٦٦.
(٤) مدينة بالعراق كانت قبة الإسلام ومقر أهله .. بنيت في خلافة عمر بن الخطاب. وفيها أنهار. أرضها مستوية لا جبال فيها.
قيل كان فيها سبعة آلاف مسجد، وحولها قصور وبساتين متصلة. الروض المعطار ١٠٥، ياقوت الحموي، معجم البلدان،
البصرة .
(٥) [ابن] (+ م).
(٦) الإنكاح (- م).

٨٧١
الرِّكاز
لي كما في المبسوط والصحاح وغيرهما، وهو
الصواب. وكونهما من الأقارب لم يقل به أحد
كما في المغرب. وشريعةً هي أنْ تقول لشخصٍ
داري لك رُقْبِى، ففسَّره الطرفان وقالا: إنْ مِثُّ
قبلك فهي لك، كناية عن قولك إنْ متَّ قبلي
فهي لي. وإنَّما لم يصرِّح به احترازًا عن سماجة
ذِكْر مراقبة موته، وهي باطلة عندهما، جائزة
عنده. فالرُّقْبى اسم من المراقبة بالاتفاق كما في
الكرماني وغيره. والخلاف في تفسيره بناءً على
أنّها متضمنة للشرطين، فقالا أنها تعليق بالخَطَر
وهو انتظار موت الموهوب له فتكون باطلة.
وقال إنها تمليك في الحال، والشرط وهو
انتظار الواهب باطل، فتكون صحيحةً، والأول
هو الصحيح كما في المضمرات (١) وغيره، كذا
في جامع الرموز في كتاب الهبة.
الرَّقَبة: ,Neck, slave, serf - Cou, esclave
serf
بفتح الراء والقاف وهي ذاتٌ مرقوقٍ سواء
كان مؤمِنًا أو كافرًا، ذكراً أو أنثى، كبيرًا أو
صغيرًا، كذا في جامع الرموز في فصل الظّهار.
والرقبة في الأصل بمعنى العُنْق، ثم استعمل في
ذات الإنسان تسميةَ الكل باسم أشرف أجزائه
كما في لفظ الرأس والوجه والعُنق وأمثالها فإنّها
تطلق ويراد به ذات الإنسان، والأصل فيها أنّ
الجزء الذي لا يبقى الإنسان بدونه يُطلق على
كل الإنسان، وتراد به ذات الإنسان. ولهذا
الأصل لا تطلق اليد والرجل وأمثالها على
الإنسان، ولا يراد بها، ثم خُصَّ لفظ الرَّقَبة في
المرقوق كما في قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾(٢)
هكذا في حواشي الهداية.
الرَّقّم : Number, figure - Nombre, chiffre
في الأصل الكتابة والنَّقش والختم، ثم
قيل للنقش الذي(٣) يَرْقُم (٤) التاجر على الثياب
علامةً على أنّ ثمنها كذا. والبيع بالرقم أنْ
يقول البائع بعتك هذا الثوب برقمه فيقول
المشتري قبلت من غير أن يعلم مقداره فإنّه
ينعقد البيع فاسدًا. ثم لو علم المشتري قدْرَ
ذلك الرقم في المجلس وقبله ينقلب البيع جائزًا
هُكذا في الكفاية.
الرَّقيقة: ,Fine, thin, subtle - Fin, mince
subtil
هي اللطيفة الروحانية. وقد تطلق على
الواسطة اللطيفة الرابطة بين الشيئين كإمداد
الواصل من الحق إلى العبد، ويقال لها رقيقة
النزول كالوسيلة التي يتقرّب بها العبد إلى الحق
من العلوم والأعمال والأخلاق السَّنِية
والمقامات الرفيعة، ويُقال لها رقيقة العروج
ورقيقة الإرتقاء. وقد تُطلق الرقائق على علوم
الطريقة والسلوك وكل ما يلطف به سِر العبد
وتزول كثافاتُ النفس، كذا في الإصطلاحات
الصوفية لكمال الدين.
الركاز: ,Ore, hidden treasure - Minerai
trésor enfoui
لغة مأخوذ من الركز أي الإثبات بمعنى
المركوز. وشرعًا مال مركوز تحت أرض أعمّ
من كون راكزه خالقًا أو مخلوقًا، أي معدن
خلقي أو كنز مدفون لهكذا في الدر المختار.
(١) جامع المضمرات والمشكلات: وهو من شروح مختصر القدوري (- ٤٢٨ هـ)، ليوسف بن عمر بن يوسف الصوفي
الكادوري المعروف بنبيره شيخ عمر بزار (- ٨٣٢هـ).
كشف الظنون، ١ / ٥٧٤. كشف الظنون، ٢/ ١٦٣٢ - ١٦٣٣.
(٢) النساء/ ٩٢.
(٣) الذي (- م).
(٤) يرقمه (م).

٨٧٢
الرّكة
الرّكة : Accentuation - Accentuation
عند البلغاء هو أَنْ يضْطَرَّ الشَّاعرُ لتسكين
المتحرِّك أَوْ أَنْ يُحرِّكَ السَّاكَنَ أَوْ أنْ يُسَكِّنَ
المتحرِّكَ المشدَّدِ أَوْ يشدِّدَ المُخَفَّف. كذا في
جامع الصنائع(١) .
الرَّكْض : - (Raqdh (prosodic metre
Raqdh (mètre prosodique)
بالفتح وسكون الكاف عند أهل العروض
اسم بحر وهو فاعلن ثمان مرات كما في رسالة
قطب الدين السرخسي. وهو قسم من المتقارب
ويسمّى ركض الخيل أيضًا كما يجيء. ولكون
هذا البحر من مخترعات المتأخِّرين سُمِّي أيضًا
بالمُحْدَث ويسمَّى أيضًا بالمتلاقي، كما في
جامع الصنائع.
الرُّكْن: Element - Element
بالضم وسكون الكاف في اللغة الجزء،
ولذا يقال لعِلّة الماهية ركن وجزء على ما يجيء
في محله. لكن الأطباء خصَّصوه بإحدى
العناصر الأربع. فالأركان عندهم أجسام بسيطة
هي أجزاء أوَّلية للمواليد الثلاثة أي الحيوانات
والنباتات والمعدنيات. قال العلاَّمة الجسم
باعتبار كونه جُزءًا للمركَّب بالفعل يُسمَّى ركنًا .
وباعتبار انقلاب كلّ واحد من الأجسام إلى
الآخر يُسمّى أصلاً، لأنَّ كلاً منهما كالأصل
لغيره. وباعتبار ابتداء التركيب منه يُسمَّى
عنصرًا. وباعتبار انتهاء التحليل إليه يُسمَّى
اسطُفْسًا لأنَّ معنى الأسطقس في اليونانية ما
ينحلّ إليه الشيء كذا في بحر الجواهر
والسديدي شرح المؤجز.
وعند أهل العروض هو المركّب من
الأصول ويُسمَّى بالجزء وقد سبق.
وعند الأصوليين قد يُراد به نفس ماهية
الشيء أي جميع الأجزاء، وقد يُراد به ما يدخل
في الشيء أي بعض الأجزاء، وهو قسمان:
أصلي وزائد. فالركن الزائد هو الجزء الذي إذا
انتفى كان حكم المركَّب باقيًا بحسب اعتبار
الشارع، لا ما يكون خارجًا عن الشيء، بحيث
لا ينتفي الشيء بانتفائه، والأصلي بخلافه.
فالتصديق في الإيمان ركن أصلي والإقرار ركن
زائد. ووجه التسمية بالزائد بأنَّ الجزءَ إذا كان
من الضَّعْف بحيثُ لا ينتفي بانتفائِهِ حُكُمُ
المركّب كان شبيهًا بالأمر الخارج فسُمِّي زائدًا
بهذا الاعتبار. وهذا قد يكون باعتبار الكيفية
كالإقرار في الإيمان حتى لو أجرى كلمة الكفر
على لسانه عند الإكراه وقلبُه مطمَئِنٌ بالإيمان لا
يصير كافرًا، أو باعتبار الكمية كالأقل في
المركَّب منه ومن الأكثر حيث يقال للأكثر حكم
الكلّ. وأما جعل الأعمال داخلة في الإيمان
كما نقل عن الشافعي فليس من هذا القبيل لأنّه
إنما يجعلها داخلة في الإيمان على وجه الكمال
لا في حقيقة الإيمان. وأما عند المعتزلة فهي
داخلة في حقيقة الإيمان حتى إنَّ الفاسق لا
يكون مؤمنًا عندهم، وقد مثّلوا ذلك بأعضاء
الإنسان، وقالوا إنَّ الرأس مثلاً جزء ينتفي
بانتفائِهِ حكمُ المركَّب وهو الحيوة وتعلق
الخطاب ونحو ذلك، واليد ركن ليس كذلك
لبقاء الحيوة وما يتبعها عند فوات اليد مع أنَّ
حقيقة المركَّب المشخَّص ينتفي بانتفاء كلّ واحد
منهما. وبالجملة فالركن الأصلي هو ما ينتفي
بانتفائه الشيء وحكمه جميعًا. والزائد ما ينتفي
بانتفائه الشيء لا حكمه. فعلى هذا يكون لفظ
الزائد مجازًا وهو أوفق لكلام القوم. وقيل
التجوُّز في لفظ الركن فإنَّ بعض الشرائط
(١) نزد بلغاء آنست که در نظم از جهت استقامت وزن متحرك را ساكن كنند وساكن را متحرك ویا متحرکی را که مشدد باشد
ساكن كنند ويا مخفف را مشدد كردانند كذا في جامع الصنائع.

الرَّمَل
٨٧٣
والأمور الخارجة قد يكون له زيادة تعلق واعتبار
في الشيء بحيث يصير بمنزلة الجزء فسُمِّي ركنًا
مجازًا، هكذا يستفاد من التلويح من أول مبحث
القياس ومن باب الحكم.
الرُّكوع : - Kneeling, genuflexion
Agenouillement, génuflexion
في اللغة الإنحناء. وشرعًا انحناء الظهر
ولو قليلاً، فإنْ خرَّ كالجمل فقد أجزى كذا في
جامع الرموز في فصل صفة صلوة. وعند
الصوفية إشارة إلى شهود انعدام الموجودات
الكونية تحت وجود التجلِيات الإلهية كما يجيء
في لفظ الصلوة.
الرَّمَد: Conjunctivitis - Conjonctivite
بالفتح وفتح الميم يطلق عند قدماء الأطباء
على الورم الحارّ الدموي الحادث في الملتحم.
ومتى كان حصولُه من غير هذه المادة فإنّه لا
يسمّى رمدًا بل تكدّرًا. وأمَّا عند المتأخرين
فيُطلق على كل ورم يحدث في الملتحم سواء
كان سببه موادّا حارة أو باردة. ومَنْ له هذه
العلّة يُسمَّى أرمد كذا في بحر الجواهر. وفي
الوافية وقد يطلق على كل مؤلِم للعين.
الرَّمَل : Ramal (prosodic metre) - Ramal
(mètre prosodique)
بقتحتين عند الشعراء هو الشِعْرُ المجزوء
رباعيًا كان بحره أو سُداسيًا، وقائل ذلك يُسمَّى
رامِلاً، سُمِّي به لأنّه قَصَر عن الأول فشبه
بالرَّمَل في الطواف. وقد يُسمَّى هذا الإسم أيضًا
قصيدًا كذا في بعض رسائل القوافي العربية،
ويجيء في لفظ الشعر أيضًا. ويطلق أيضًا على
بحر من البحور المشتركة بين العرب والعجم
وزنه فاعلاتن ست مرات، ولم يُستَعْمل عروضه
تاماً وهو مسدَّس ومربَّع، هكذا في بعضٍ رسائل
عَروض العربي. ويقال له بحر الرَّمَلِ لأَنَّ الرَّمَل
في اللغة هو نسيجُ الحصير. وبما أَنَّ أَرْكانَ هذا
البحر عبارة عن وَتَدٍ بينِ سَيَبين، وسببان بين
وَتَدَيْن، فكأنَّما الأَوْتَادِ والأَسْباب قد نُسجت فيما
بينها كالحصير الذي ينسجُ بواسطة الخيوط.
وأصل هذا البحر فاعلاتن ثمان مرّات ومثاله ما
ترجمته: إنَّ أسلوبَ سِحرِكَ في القلوب مزيدٌ
ليس لغيرك من آخذي القلوب.
وإنَّ عيونَكَ الناعسة أَقوى أَثرًا من فعل
السِّخر. وجاء في كتاب عروض السيفي: إنَّ بحر
الرَّمَل يأتي مثمَّنًا ومسدّسًا وسالِمًا، وقد يأتي غَيرَ
سالِم مسبّعًا ومَخْبونا. وبنى بعضهم وزن بحر
الرَّمَلَّ على ستة عشر ركنًا كما يقول عصمت
البخاري بواسطة صنعة اللّف والنَّشر المترتَب.
وترجمة الأبيات الشعرية: إِنَّ لونَ وجهِك
ولؤلؤة الأُذن والخطّ (السالف) والخَدّ والقامة
والعارض والخال والشفتين يا أَيُّها السَّرْؤُ
(الطويل) الملائكي الوَجه بلون الياسمين،
كالشفق والنَّجم واللّيْل والسَّحَر وشجرة طوبى
(في الجنة) والزَّهر والهلال وشاطئ نبع الكوثر.
ويأتي الرَّمَل محذوفًا ومقصورًا، ومخبونًا
محذوفًا، ومخبونا مقطوعًا، ومخبونا مقطوعًا
مسبَّعًا، ويأتي مسدَّسًا غير سالم مقصورًا.
ومحذوفًا ومخبونًا مقصورًا، ومخبونا محذوفًا،
ومخبونا مقطوعًا مسبَّعًا أيضًا (١).
(١) (این بحر را ازان جهت رمل گویند که رمل در لغت حصیر بافتن است وچون اركان اين بحر را وتدى درميان دو سبب است
ودو سبب درمیان دو وتد پس گویا که اوتاد او را با اسباب بافته اند همچنان كه حصير رابريسمانها مي بافند واصل این بحر
هشت بار فاعلاتن است مثالش.
شکل دل بردن که تو داري نباشد دلبری را
خواب بندیهاي چشمت کم بود جادو گری را)
ودر عروض سيفي ميارد كه بحر رمل مثمن ومسدس وسالم وغير سالم ميآيد وغير سالم مسبع میآيد ومخبون نيز. وبعضى
رمل مخبون را بر شانزده رکن بنا کرده چنانچه عصمت بخاري گويد با صنعت لف ونشر مرتب:

٨٧٤
الرَّمْل
الرَّمْل: Geomancy - Geomancie
بالفتح وسكون الميم هو بالفارسية
(ريكك). وهو علمٌ اكتشفه النبيّ دانيال عليه
السلام بواسطة تعليم جبريل له عددًا من النُّقاط.
كذا في المنتخب(١). ويعرَّف بأنّه علم يُبْحَثُ فيه
عن الأشكال الستة عشر من حيث إنّها كَيْفٌ
يُسْتَعْلَمُ منها المجهول من أحوال العالم،
وموضوعه الأشكال الستة عشر، وغرضُه الوقوف
على أحوال العالم. وصاحب هذا العلم يُسمّى
رَمَّالاً بالفتح وتشديد الميم.
وند: Indifference - Indifference
أصل معناها: لا أبالي. وهو الذي يتظاهر
ببعض الأمور المنكرة في الظاهر، ويرجع ذلك
إلى ذكائه لا إلى الحماقة والجهل، وذلك الذي
يعمل بالفراسة. وقيل هو ذاك الذي يضع نفسه
معرضًا للوم، ولكنه في باطنه سالم.
وفي الاصطلاح هم السالكون ممن
يتجرعون الشراب ويبيعونه كما يقال، أي شراب
العدم مقابل نقد الوجود. وأيضًا الشخص الذي
اجتنب الأوصاف المعروفة بالكثرات والتعيّنات،
ولا يكون مقّدًا بأي قيد إلاّ بالله دون سواه.
وأن يكون نافرًا من المشيخة والتبعية (عند
المريدين)، أي أن يكون بعيدًا عن الرسوم
والعادات التي يتبعها الناس. كذا في كشف
اللغات ولطائف اللغات (٢).
الرَّهْن: Security - Gage
بالفتح وسكون الهاء لغة اسم ما وُضِع
وثيقةً للدَّيْن كما في المفردات، وهو مصدر
رَهَنَّهُ. وقد قالوا رهنه أي جعله رهنًا، وارتهن
منه أي أخذه كما في القاموس. فالراهِنِ المالِك
والمرتِهن آخذ الرهن. لكن في أكثر الكتب أنّه
لغةً الحَبْس مطلقاً. وشرعًا حبسُ مالٍ مُتَقَوَّم
بحقِّ يمكن أخذه منه. فالمال المُتَقوَّم يشتمل
الحيوان والجماد والعروض والعقار والمذروع
والمعدود والمكيل والموزون، وفيه إشارة إلى
أنّ الحبس الدائم غير مشروط. ولذا لو أعاره
من الراهِن أو من غيره بإذْنه لم يبطُلْ. وإلى أنّه
يجوز بطريق التعاطي. والمتبادر أنْ يكون
الحبسُ على وجه الشرع، فلو أكره المالك
بالدفع إليه لم يكن رهنًا كما في الكبرى(٣)،
فليس يجب ذكر قيد الإذن كما ظُنَّ. فبقيد المال
خرج رهن الحُرّ فإنّه لا يصح. وبالمتقوَّم خرج
الخمر فلو رهن المسلم خمرًا من الذقي لم
يصح، فإنّ الخمر ليس مالاً متقوّمًا في حقّ
المسلم، بخلاف ما إذا رهن الخمرَ ذِمّي عند
رنگ رخسار ودُر گوش وخط وخد وقد
شفق و کوکب وشام وسحر وطوبى و گلزار
عارض وخال ولبت اي سرو پري روي سمن بر
بهشت است وهلال وطرف چشمة کوثر
ومحذوف ومقصور ومشكول ومشكول مسبع ومخبون مسبع ومخبون مقصور ومخبون محذوف ومخبون مقطوع ومخبون
مقطوعٍ مسبع نيز ميآيد ومسدس غير سالم مقصور ميآيد ومحذوف ومخبون مقصور ومخبون مخذوف ومخبون مقطوع مسبع
نیز میآید.
(١) بالفتح وسكون المیم بمعنی ریگن ونيز علميست پيدا كردة دانيال بيغمبر عليه السلام كه جبرئيل عليه السلام آن را نقطة جند
بنموده كذا في المنتخب.
(٢) بالکسر وسكون النون منکری که انکار او از زیرکی باشد نه از حماقت وجهل وانکه کار خود بفراست کند وقیل انکه خود را
ظاهر در ملامت نماید ودر باطن اراسته باشد ودر اصطلاح سالکان شراب خوار وشراب فروش را گویند که شراب نیستی
میدهد ونقد هستی سالك می ستاند ونیز کسی که باوصاف معروفه كثرات وتعينات از خود دور ساخته باشد وبرهيج قيد مقيد
نباشد بجز الله ولا سواه واز شيخي ومريدى بيزار باشد يعنى از أحكام ورسوم وعادات خلق بيزار باشد كذا في كشف
اللغات ولطائف اللغات.
(٣) الفتاوي الكبرى: للإمام الصدر الكبير الشهيد حسام الدين عمر بن عبد العزيز الحنفي (- ٥٣٦هـ). ويلقب بتجنيس واقعات
حسام الدين صنفها الإمام نجم الدين يوسف بن أحمد بن أبي بكر الخاصي، كشف الظنون، ٢/ ١٢٢٨ .

٨٧٥
الرُّوح
ذِمِّي فإنّه يصحّ. فالمراد(١) التقوُّم في حقّ الراهِن
والمرتَهِن جميعًا. وقولنا بحق أي بسبب حقٌّ
مالي ولو مجهولاً . واحترز به عن نحو القِصاص
والحَدّ واليمين، والمراد (٢) ما يكون مضمونًا
فخرج الحبس بجهة الوديعة أو العارِية، أو بجهة
المبيع في يَدِ البائع. وقوله يمكن أخذه منه أي
استيفاء هذا الحقّ كلّه أو بعضه من ذلك المال،
فيتناول ما إذا كان قيمةُ المرهون أقلّ من الدَّيْن،
واحترز به عن نحو ما يفسد وعن نحو الأمانة
وعن رهن المدبر وأم الولد والمكاتِب. وإنّما
زيد لفظ الإمكان ليتناول المرهون الذي لم
يسلط على بيعه كذا يُستفاد من جامع الرموز
والبرجندي. وكثيرًا ما يُطلق على الشيء
المرهون تسمية المفعول باسم المصدر كالخَلْق
بمعنى المخلوق.
الرَّواتِب : Religions duties, religious
practices - Devoirs religieux, pratiques
religieuses
جمع راتبة وهي السُّنَن التابعة للفرائض
على المشهور. وقيل إنّها المُوقَّتة بوقت
مخصوص. فالعيد والأضحى والتراويح راتٍبة
على الثاني لا على الأول كذا في شرح المنهاج
في باب صلوة النفل.
الرَّوافِض : -Al-Rawafed (sect) - Al
Rawafed (secte)
فرقة من كبار الفرق الإسلامية وتُسمَّى
بالشيعة أيضًا .
(١) فالمقصود (م، ع).
(٢) والمقصود (م، ع).
(٣) وفي علم القراءة ... لفظ القراءة (- م).
(٤) المدبَّج (م).
الرّواية: ,Narration, relation
communication - Récit, narration,
relation, communication, propos
بالكسر والواو لغةُ النقل. وفي عُرف
الفقهاء ما يُنقل من المسئلة الفرعية من الفقيه
سواء كان من السَّلف أو الخَلَف، وقد يُخَصُّ
بالسلف إذا قوبل بالخَلَف كذا في جامع الرموز.
وفي مجمع السلوك الرواية علم يُطلق على فعل
النبي عليه السلام وقوله، والخبر يُطلق على قوله
عليه السلام لا على فعله، والآثار أفعال
الصحابة. وفي علم القراءة تُستعمل بمعنّى يجيء
بيانه في لفظ القراءة (٣). والمحدِّثون قسّموا
الرّواية إلى أقسام، فقالوا إنْ تَشَارك الراوي ومن
روى عنه في السِّن واللِّقى فهو رواية الأقران،
وإنْ روى كلٌّ منهما عن الآخر فهو المديح(٤)،
وإنْ روى الراوي عمَّن دونه في السَّن أو في
اللّقى أو في المقدار أي القدر كِقلَّة علمه أو
حفظه فهو رواية الأكابر عن الأصاغر ومنه رواية
الآباء عن الأبناء، وإنْ اشترك اثنان عن شيخ
وتقدَّم موت أحدهما على الآخر فهو السابق
واللاحق كذا في شرح النخبة وشرحه. والراوي
عند المحدِّثين ناقِلُ الحديث بالإسناد كما مَرَّ في
المقدمة .
الرُّوح: Spirit, ghost, soul - Esprit, ame
بالضم وسكون الواو اختلف الأقوال في
الروح. فقال كثير من أرباب علم المعاني وعلم
الباطن والمتكلّمين لا نعلم حقيقته ولا يصحُ
وصفه، وهو مما جَهِل العبادُ بعلمه مع التيقّن
بوجوده، بدليل قوله تعالى ﴿ويسئلونك عن
الروح قُلْ الروحُ من أمر ربي وما أوتيتم من

٨٧٦
الرُّوح
العلم إلاَّ قليلاً﴾(١) روي أنَّ اليهود قالوا
لقريش: إسألوا عن محمد (٢) عن ثلاثة أشياء.
فإنْ أخبركم عن شيئين وأمسك عن الثالثة فهو
نبي. إسألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي
القرنين وعن الروح. فسألوا رسولَ الله صلى الله
عليه وآله وسلم عنها، فقال عليه السلام غدًا
أخبركم ولم يقل إنْ شاء الله تعالى. فانقطع
الوحي أربعين يومًا ثم نزل: ﴿ولا تقولَنَّ لِشيءٍ
إنّي فاعلٌ ذلك غدًا إلاّ أنْ يشاء الله﴾(٣) تعالى (٤)
ثم فسَّر لهم قصة أصحاب الكهف وقصة ذي
القرنين وأبهم قصة الروح، فنزل ﴿وما أوتيتم
من العلم إلاّ قليلاً﴾. ومنهم من طعن في هذه
الرواية وقال إنّ الروح ليس أعظم شأنًا من الله
تعالى. فإذا كانت معرفته تعالى ممكنة بلِ
حاصِلة فأي معنى يمنعُ من معرفة الروح. وإنّ
مسئلة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة وأراذل
المتكلّمين، فكيف لا يعلمُ الرسول عيه السلام
حقيقته مع أنّه أعلم العلماء وأفضل الفضلاء.
قال الإمام الرازي بل المختار عندنا أنهم
سألوا عن الروح وأنّه صلوات الله عليه وسلامه
أجاب عنه على أحسن الوجوه. بيانه أنّ
المذكور في الآية أنهم سألوه عن الروح،
والسؤال يقع على وجوه. أحدها أنْ يُقال ما
ماهيته؟ هو متحيِّز أو حالٌ في المتحيِّز أو
موجود غير متحيِّز ولا حالّ فيه. وثانيها أنْ يُقال
أهو قديم أو حادث؟ وثالثها أن يقال أهو هل
يبقى بعد فناء الأجسام أو يفني؟ ورابعها أنْ
يقال ما حقيقة سعادة الأرواح وشقاوتها؟
وبالجملة فالمباحث المتعلّقة بالروح كثيرة وفي
الآية ليست دلالة على أنهم عن أي هذه
المسائل سألوا: إلاّ أنّه تعالى ذكر في الجواب
قل الروح من أمر ربي، وهذا الجواب لا يليق
إلاّ بمسئلتين: إحداهما السؤال عن الماهية أهو
عبارة عن أجسام موجودة في داخل البدن متولّدة
عن امتزاج الطبائع والأخلاط، أو عبارة عن
نفس هذا المزاج والتركيب، أو عن عرض آخر
قائم بهذه الأجسام، أو عن موجود يغاير عن
هذه الأشياء؟ فأجاب الله تعالى عنه بأنّه موجود
مغاير لهذه الأشياء بل هو جوهر بسيط مجرَّد لا
يحدث إلاّ بمحدث قوله كُنْ فیکون، فهو موجود
يحدث من أمر الله وتكوينه وتأثيره في إفادة
الحيوة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته
المخصوصة نفيه مطلقًا، وهو المراد(٥) من قوله
﴿وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً﴾ وثانيتهما
السؤال عن قدمها وحدوثها فإنّ لفظ الأمر قد
جاء بمعنى الفعل كقوله تعالى ﴿وما أمر فرعون
برشيد﴾(٦) فقوله من أمر ربي معناه من فعل ربي
فهذا الجواب يدلّ على أنهم سألوه عن قدمه
وحدوثه فقال: بلى هو حادث، وإنّما حصل
بفعل الله وتكوينه. ثم احتج على حدوثه بقوله
﴿وما أوتيتم من العلم إلّ قليلاً﴾ يعني أنّ
الأرواح في مبدء الفطرة خالية عن العلوم كلّها
ثم تحصل فيها المعارف والعلوم، فهي لا تزال
متغيّرة عن حال إلى حال والتغيُّر من أمارات
الحدوث انتھی.
ثم القائلون بعدم امتناع معرفة الروح
اختلفوا في تفسيره على أقوالٍ كثيرة. قيل إنّ
الأقوال بلغت المائة. فمنهم من ذهب إلى أنّ
(١) الإسراء/ ٨٥.
(٢) أسألوا محمدًا (م).
(٣) الكهف/ ٢٣ - ٢٤.
(٤) تعالى (- م).
(٥) المقصود (م، ع).
(٦) هود/ ٩٧.

٨٧٧
الرُّوح
الروح الإنساني وهو المسمَّى بالنفس الناطقة
مجرّد. ومنهم من ذهب إلى أنّه غير مجرَّد.
ثم القائلون بعدم التجرد اختلفوا على
أقوال. فقال النَّظَّام إنّه أجسام لطيفة سارية في
البدن سريان ماء الورد في الورد، باقية من أول
العمر إلى آخره، لا يتطرَّق إله تحلُّل ولا تبدُّل،
حتى إذا قطع عضو من البدن انقبض ما فيه من
تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء. إنّما المتحلِّل
والمتبدِّل من البدن فضل ينضمُّ إليه وينفصل
عنه، إذْ كل أحد يعلم أنّه باقٍ من أول العمر
إلى آخره. ولا شكَّ أنّ المتبدِّل ليس كذلك.
واختار هذا الإمام الرازي وإمام الحرمين وطائفة
عظيمة من القدماء كما في شرح الطوالع. وقيل
إنّه جزء لا يتجزأ في القلب لدليل عدم الإنقسام
وامتناع وجود المجرَّدات فيكون جوهرًا فردًا
وهو في القلب، لأنه الذي ينسب إليه العلم،
واختاره ابن الراوندي. وقيل جسم هوائي في
القلب. وقيل جزء لا يتجزأ من أجزاء هوائية في
القلب. وقيل هي الدماغ. وقيل هي جزء لا
يتجزأ من أجزاء الدماغ. ويقرب منه ما قيل جزء
لا يتجزأ في الدماغ. وقيل قوة في الدماغ مبدأ
للحسّ والحركة. وقيل في القلب مبدأ للحيوة
في البدن. وقيل الحيوة. وقيل أجزاء نارية وهي
المُسمَّاة بالحرارة الغريزية. وقيل أجزاء مائية هي
الأخلاط الأربعة المعتدلة كَّمًا وكيفًا. وقيل الدم
المعتدل إذْ بكثرته واعتداله تقوى الحيوة، وبفنائه
تنعدم الحيوة. وقيل الهواء إذْ بانقطاعها تنقطع
الحيوة طرفة عين، فالبدن بمنزلة الزِّقّ المنفوخ
فيه. وقيل الهيكل المخصوص المحسوس وهو
المختار عند جمهور المتكلمين من المعتزلة
وجماعة من الأشاعرة. وقيل المزاج وهو مذهب
الأطباء، فما دام البدن على ذلك المزاج الذي
يليق به الإنسان كان مَصونًا عن الفساد، فإذا
خرج عن ذلك الإعتدال بطل المزاج وتفرَّق
البدن كذا في شرح الطوالع. وقيل الروح عند
الأطباء جسم لطيف بخاري يتكوَّن من لطافة
الأخلاط وبخاريتها كتكوّن الأخلاط من كثافتها
وهو الحامل للقوى الثلاث. وبهذا الاعتبار
ينقسم إلى ثلاثة اقسام روح حيواني وروح
نفساني وروح طبيعي، كذا في الاقسرائي. وقيل
الروح هذه القوى الثلاث أي الحيوانية والطبيعية
والنفسانية. وفي بحر الجواهر الروح عند
الأطباء جوهر لطيف يتولَّد من الدم الوارد على
القلب في البطن الأيسر منه لأنّ الأيمن منه
مشغول بجذب الدم من الكبد. وقال ابن العربي
إنّهم اختلفوا في النفس والروح. فقيل هما شيء
واحد. وقيل هما متغايران وقد يعبّر عن النفس
بالروح وبالعكس وهو الحقّ انتهى. وبالنظر إلى
التغاير [ما] (١) وقع في مجمع السلوك من أنّ
النفس جسم لطيف كلطافة الهواء ظلمانية غير
زاكية منتشرة في أجزاء البدن كالزَّبد في اللبن
والدهن في الجوز واللوز يعني سريان النفس في
البدن كسريان الزبد في اللبن والدهن في الجوز
واللوز. والروح نور روحاني آلة للنفس كما أنّ
السر آلة لها أيضًا، فإنّ الحيوة في البدن إنما
تبقى بشرط وجود الروح في النفس. وقريب من
هذا ما قال في التعريف وأجمع الجمهور على
أنَّ الروحِ معنّى يحيى به الجسد. وفي الأصل
الصغار أنَّ النفس جسم كثيف والروح فيه جسم
لطيف والعقل فيه جوهر نوراني. وقيل النفس
ريح حارة تكون منها الحركات والشهوات،
والروح نسيم طيِّب تكون به الحيوة. وقيل
النفس لطيفة مودّعة في القلب منها الأخلاق
والصفات المذمومة كما أنَّ الروح لطيف مودَع
في القلب منه الأخلاق والصفات المحمودة.
وقيل النفس موضع نظر الخلق والقلب موضع
نظر الخالق، فإنّ له سبحانه تعالى في قلوب
(١) [ما] (+ م، ع).

٨٧٨
الرُّوح
العباد في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستين نظرة.
وأما الروح الخفي ويسمِّيه السالكون بالأخفى
فهو نور ألطف من السِّر والروح وهو أقرب إلى
عالم الحقيقة. وثَمَّةَ روح آخر ألطف من هذه
الأرواح كلّها ولا يكون هذا لكل واحد بل هو
للخواص انتهى. ويجيء توضيح هذا في لفظ
السِّر وبعض هذه المعاني قد سبق في لفظ
الإنسان أيضًا.
والقائلون بتجرّد الروح يقولون الروح
بالبدن تَعلَّق التَّذْبير
جوهر مجرَّد متعلِّق
والتصرُّف، وإليه ذهب أكثر أهل الرياضات
وقدماء المعتزلة وبعض الشيعة وأكثر الحكماء
كما عرفت في لفظ الإنسان، وهي النفس
الناطقة، ويجيء تحقيقه.
وقال شيخ الشيوخ: الروح الإنساني
السماوي من عالم الأمر أي لا يدخل تحت
المساحة والمقدار، والروح الحيواني البشري من
عالم الخَلْق أي يدخل تحت المساحة والمقدار،
وهو محل الروح العلوي. والروح الحيواني
جسماني لطيف حامِل لقوة الحسّ والحركة
ومحلُّه القلب، كذا في مجمع السلوك.
قال في الإنسان الكامل في باب الوهم:
إعلم أنّ الروح في الأصل بدخولها في الجسد
وحلولها فيه لا تفارق مكانها ومحلَّها، ولكن
تكون في محلّها، وهي ناظرة إلى الجسد.
وعادة الأرواح أنّها تحلّ موضع نظرها فأي
محلّ وقع فيه نظرها تحلّه من غير مفارقة
لمركزها الأصلي، هذا أمْرٌ يستحيله العقل ولا
يُعْرَفُ إلاّ بالكشف. ثم إنّه لما نظرت إلى
الجسم نظر الإتحاد وحلّت فيه حُلول الشيء في
هويته اكتسبَتْ التصوير الجَسَدي بهذا الحلول في
(١)
آدمي زاده طرفه معجونى است
کرکندمیل این شود بد ازین
أوَّل وهلة، ثم لا تزال تكتسب منه. أمّا
الأخلاق الرِّضِيَّة الإلهية فتصعد وتنمو به في
عِلِّيين. وأما الأخلاق البهيمية الحيوانية الأرضية
فتهبط بتلك الأخلاق إلى سِجِّين. وصعودُها هو
تمكّنُها من العالَم الملكوتي حال تصوُّرِها بهذه
الصورة الإنسانية لأنَّ هذه الصورة تكتسب
الأرواح ثقلها وحكمها، فإذا تصوَّر بصورة
الجسد اكتسب حكمه من الثَّقل والحَصْر والعجز
ونحوها، فيفارق الروح بما كان له من الخِفَّة
والسَّرَيان لا مفارقة انفصال ولكن مفارَقة اتصال
لأنّها تكون مُتَّصِفة بجميع أوصافها الأصلية،
ولكنها غير متمكِّنة من إتيان الأمور الفعلية،
فتكون أوصافها فيها بالقوة لا بالفعل. ولذا قلنا
مفارقة اتصال لا إنفصال، فإنْ كان صاحب
الجسم يستعمل الأخلاق المَلَكية فإنّ الروح
تتقوَّى ويُرْفَعُ حكم الثقل عن نفسها حتى لا
تزال كذلك إلى أنْ يصيرَ الجسد في نفسه
كالروح، فيمشي على الماء ويطير في الهواء.
وإنْ كان يستعمل الأخلاق البشرية فإنّه يتقوَّى
على الروح حكم الرُّسوب والنقل فتنحصر في
سجنه فتحشر غدًا في السِّجِّين، كما قال قائل
بالفارسية :
الإنسان تُخفةٌ معجونةٌ
من أَضْلٍ ملائكي وآخَر حيواني
فإِنْ مالَ إلىَّ أصله الحيواني فهو أَدنى منه
وإنْ مالَ إلى أَضْلهِ الملائكي فهو أَعلى مقامًا منه(١).
ثم إنّها لما تعشَّقت بالجسم وتعشَّق الجسم
بها فهي ناظرة إليه مادام معتدلاً في صحته. فإذا
سَقِم وحصل فها الألم بسببه أخذت في رفعٍ
نظرها عنه إلى عالمها الروحي، إذْ تفريحها(٢)
فيه، ولو كانت تكره مفارقة الجسد فإنّها تأخذ
نظرها فترفعه من العالم الجسدي رفعًا ما إلى
از فرشته سرشته وز حيوان
ورکند میل آن شود په ازان.
(١) تفريجها (م).

٨٧٩
الرُّوح
العالم الروحي، كمن يهرب عن ضيق إلى سَعَة.
ولو كان له في المحل الذي يضيق فيه من ينجِّيه
فلا تحذير(١) من الفرار. ثم لا تزال الروح
كذلك إلى أنْ يصل الأجل المحتوم فيأتيها
عزرائيل عليه السلام على صورة مناسِبة بحالها
عند الله من الحَسَنة أو القبيحة، مثلاً يأتي إلى
الظالم من عُمَّال الدِّيوان على صفة من ينتقمُ منه
أو على صفة رُسُل المَلَك لكن في هيئة منْكَرَة،
كما أنّه يأتي إلى الصُّلَحاء في صورة أحبُّ
الناس إليهم. وقد يتصوَّر لهم بصورة النبي عليه
السلام. فإذا شهدوا تلك الصورة خرجت
أرواحهم. وتصوُّرُه بصورة النبي عليه السلام
وكذا لأمثاله من الملائكة المُقَرَّبين مُباح لأنهم
مخلوقون من قوى روحية، وهذا التصُور من
باب تصوُّر روح الشخص بجسده، فما تصوَّر
بصورة محمد عليه السلام إلاّ روحه، بخلاف
إبليس عليه اللعنة واتباعه المخلوقين من بشريته
لأنَّه عليه السلام ما تنبّأ إلّ دمًا (٢) فيه شيء من
البشرية للحديث: ((إنَّ الملك [أتاه و](٣) شَقَّ
قلبه فأخرج منه دمًا فطهّر قلبه))(٤)، فالدَّم هي
النفس البشرية وهي محلّ الشياطين، فلذا لم
يقدر أحد منهم أنْ يتمثَّل بصورته لعدم التناسب.
وكذا يأتي إلى الفرس بصورة الأسد ونحوه،
وإلى الطيور على صفة الذابح ونحوه. وبالجملة
فلابد له من مناسبة إلاَّ مَنْ يأتيه على غير صورة
مركبة بل في بسيط غير مرئي يهلك الشخص
بشمِّه. فقد تكون رائحة طيبة وقد تكون كريهة
وقد لا تعرف رائحته بل يمرّ عليه كما لا يعرفه.
ثم إنّ الروح بعد خروجه من الجسد أي
بعد ارتفاع نظره عنه، إذْ لا خروج ولا دخول
لهُهنا، لا يفارق الجسدية أبدًا، لكن يكون لها
زمان تكون فيه ساكنة كالنائم الذي ينام ولا يرى
شيئًا في نومه، ولا يعتدّ بمن يقول إنّ كل نائم
لا بد له أن يرى شيئًا. فمن الناس من يحفظ
ومنهم من ينساه. وهذا السكون الأول هو موت
الأرواح. الأ ترى إلى الملائكة كيف عبَّ لاَّ
عن موتهم بانقطاع الذِّكْر. ثم إذا فرغ عن مُدَّة
هذا السكون المُسمَّى بموت الأرواح تصير
الروح في البرزخ انتهى ما في الإنسان الكامل.
ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أنَّ
لكل نبي خمسة أرواح ولكل مؤمن ثلاثة أرواح
كذا في المواهب اللدنية(٥)، وفي مشكورة
الأنوار(٦) تصنيف الإمام حجة الإسلام الغزالي
الطوسي أنّ مراتب الأرواح البشرية النورانية
خمس. فالأولى منها الروح الحسَّاس وهو الذي
يتلقى ما يورِده الحواس الخمس وكأنه أصل
الروح الحيواني وأوله، إذ به يصير الحيوان
حيوانًا وهو موجود للصبي الرضيع. والثانية
الروح الخيالي وهو الذي يتشبَّث ما أورده
(١) من سجنه فلا يجد بدًا (م).
(٢) وما (م).
(٣) [أتاه و] (+ م).
(٤) سيرة ابن هشام. ج ١، ص ١٧٦ .
(٥) على الأرجح هو كتاب المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية للترمذي من تأليف إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري
المصري الشافعي (- ١٢٥٧ هـ) كشف الظنون، ٤ / ٦٠٣.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك كتاب المواهب اللدنية بالمنح المحمدية وهو في السيرة النبوية للشيخ الإمام شهاب الدين أبي
العباس أحمد بن محمد القسطلاني المصري (- ٩٢٣هـ). كذلك هناك شرح لكتاب القواعد الشرعية لسالكي الطريقة
المحمدية لشمس الدين محمد ابن عران (- ٩٣٣هـ) شرحه محمد بن إبراهيم الصفوي العراقي وسمّاه المواهب اللدنية.
كشف الظنون، ٢ / ١٣٥٨ - ١٨٩٦.
(٦) الغزالي، أبو حامد محمد (- ٥٠٥هـ) حققها وقدم لها أبو العلاء العفيفي ونشرها في القاهرة، الدار القومية، ١٩٦٤ .

٨٨٠
الرُّوح
الحواس ويحفظ (١) مخزونًا عنه(٢) ليعرضه على
الروح العقلي الذي فوقه عند الحاجة إليه، وهذا
لا يوجد للصبي الرضيع في بداية نشوئه، وذلك
يولع للشيء ليأخذه، فإذا غُيِّب عنه ينساه ولا
ينازعه نفسه إليه إلى أنْ يكبر قليلاً، فيصير
بحيث إذا غُيِّب عنه بكى وطلب لبقاء صورته
المحفوظة في خياله. وهذا قد يوجد في بعض
الحيوانات دون بعض، ولا يوجد للفَراش
المتهافِت على النار لأنه يقصد النار لشَغَفه
بضياء النار، فيظن أنّ السراج كُوَّة منفتوحة إلى
موضع الضياء فيلقي نفسه عليها فيتأذّى به،
ولكنه إذا جاوزه وحصل في الظلمة عادة مرة
أخرى. ولو كان له الروح الحافظ المتشبّث لِمَا
أدَّاه الحِسّ إليه من الألم لَمَا عاوده بعد
التضرّر. والكلب إذا ضرب مَرَّة بخشبة فإذا رأى
تلك الخشبة بعد ذلك يهرب. والثالثة الروح
العقلي الذي به يُدرك المعاني الخارجة عن
الحِسّ والخيال وهو الجوهر الإنْسي الخاص،
ولا يوجد للبهيمة ولا للصبي، ومدركاته
المعارف الضرورية الكلية. والرابعة الروح
الذِّكْري الفكري وهو الذي أخذ المصارف
العقلية فيوقع بينها تأليفاتٍ وازدواجات ويستنتجٍ
منها معاني شريفة. ثم إذا استفاد نتيجتين مثلاً
ألَّف بينهما نتيجة أخرى، ولا تزال تتزايد كذلك
إلى غير النهاية. والخامسة الروح القدسي النَّبَوي
الذي يختصّ به الأنبياء وبعض الأولياء وفيه
يتجلّ لوائح الغيب وأحكام الآخرة وجملةً من
معارف ملكوت السموات والأرض بل المعارف
الربانية التي يقصر دونها الروح العقلي
والفكري؛ ولا يبعد أيها المعتكِف في عالم
العقل أن يكون وراء العقل طور آخر يظهر فيه
ما لا يظهر في العقل، كما لا يبعد كون العقل
طورًا وراء التميُّز (٣) والإحساس ينكشف فيه
عوالم وعجائب يقصر عنها الإحساس
والتميُّز(٤)، ولا يجعل أقصى الكمالات وقفًا
على نفسك. ألا ترى كيف يختص بذوق الشِّعْر
قوم ويُحْرَمُ عنه بعض حتى لا يتميَّز عندهم
الألحان الموزونة عن غيرها انتهى.
إعلمْ أنّ كل شيء محسوس فله روح.
وفي تهذيب الكلام زعم الحكماء أنّ الملائكة
هم العقول المجرَّدة والنفوس الفلَكِية، والجِنُّ
أرواح مجرَّدة لها تصُّرفِ في العنصريات،
والشيطان هو القُوَّة المتخيِّلة. وإنَّ لكل فلكٍ
روحًا كليًا ينشعب منه أرواح كثيرة، والمدبِّر
لأمر العرش يُسمَّى بالنفس الكُلِّي. ولكلٍّ من
أنواع الكائنات روح يدبِّر أمره يُسمَّى بالطبائعِ
التامة(٥) انتهى. وفي الإنسان الكامل إعلمْ أنَّ
كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام
به صورته. والروح لذلك(٦) الصورة كالمعنى
للفظ. ثم إنّ لذلك الروح المخلوق روحًا إلّهيًا
قام به ذلك الروح، وذلك الروح الإلّهي هو
روح القدس المُسمَّى بروح الأرواح، وهو المُنَزَّه
عن الدخول تحت كلمة كُنْ، يعني أنّه غير
مخلوق لأنه وجه خاص من وجوه الحق قام به
الوجود، وهو المنفوخُ فِي آدَم. فروح آدم
مخلوق وروح الله غير مخلوق. فذلك الوجه في
كل شيء هو روح الله وهو روح القدس أي
المقدَّس عن النقائص الكونية. وروحُ الشيء
نفسُه والوجود قائِم بنفس الله، ونفسُه ذاته. فمن
نظر إلى روح القدس في إنسان رآها مخلوقةٌ
(١) ويحفظه (م).
(٢) عنده (م).
(٣) التمييز (م، ع).
(٤) التمييز (م، ع).
(٥) بالطباع التام (م، ع).
(٦) لتلك (م، ع).