النص المفهرس
صفحات 741-760
٦٨١ الحضيض وقال في حاشية شرح الشمسية الحصر الجعلي استقرائي في الحقيقة إلاّ أنَّ لجعل الجاعل مدخلاً فيه انتهى. ومثال العقلي قولنا العدد إمّا زوج أو فرد، فإنّا إذا لاحظنا مفهوم الزوج والفرد جزمنا بأنّ العدد لا يخرج عنهما . وحصر الكلمة في الأقسام الثلاثة قيل عقلي وقيل استقرائي. ثم الحصر عند المنطقيين عبارة عن كون القضية محصورة وتسمّى مسورة أيضًا سواء كانت حملية أو شرطية، إلاّ أنّ الحكم في الحَمْلية على أفراد الموضوع إمّا جميعها نحو كل إنسان حيوان، وتسمّى محصورة كلية، أو بعضها نحو بعض الحيوان إنسان وتسمّى محصورة جزئية، ويجيء في لفظ الحملية. وفي الشرطية باعتبار تقادير المقدَّم إمّا جميعها أو بعضها كما يجيء في لفظ الشرطية. ثم المحصورة تنقسم إلى حقيقية وخارجية وذهنية ويجيء ذكر كل منها في موضعه. حَصْرُ الكُلّي: Determination of the universal - Détermination de l'universel في جزئياته هو الذي يصح إطلاق إسم الكلّي على كلّ واحد من جزئياته، كحصر المقدمة على ماهية المنطق وبيان الحاجة إليه وموضوعه، وكحصر المقسم في الأقسام، وحصر الكل في أجزائه هو الذي لا يصح إطلاق اسم الكل على أجزائه. منها حصر الرسالة على الأشياء الخمسة لأنه لا يطلق الرسالة على كل واحد من الخمسة، وكحصر النوع في الجنس والفصل كذا في السيّد الجرجاني. الحَصَف : Dry scabies - Gale seche بفتح الحاء والصاد المهملة هو الجَرَب اليابس، وهو بثور صغار شوكية كالزيرة - حب الكمون - ينفرش في ظاهر الجلد كما في شرح القانونچه. ومثله في الوافية حيث قال: حصف: بثور صغيرة جدًّا وحمراء ومحرِقة تظهرُ في الصَّيْف خاصةً عندما يشتدُّ العرق بالناس(١) . الحَضَانة : - Education, custody Education, garde بالكسر وبالضاد المعجمة لغةً مصدر حضن الصبي أي ربّاه كما في القاموس. وشرعًا تربية الأم أو غيرها الصغير أو الصغيرة كذا في جامع الرموز. الحضيض : Low earth, perigee - Terre basse, périgée بالضاد المعجمة كالكريم وبالفارسية : (يَسْتی زمين): الأرضُ المنخفضة. و(دامن كوه): حضْن الجبل كما في المنتخب(٢). وعند أهل الهيئة هو نقطة مقابلة للأوج وهي نقطة مشتَرَكة بين ملتقي السطحين المقعّرين من الفلكين أحدهما سطح الخارج المركز والآخر سطح الفلك الذي هو في ثخنه. والحَضِيض الممثلي وحَضِيض المدير هو النقطة المشتركة بين مقعّري ممثل العطارد والمدير. والحَضِيض المديري والحضيض الحامل هو النقطة المشتركة بين مقعّري المدير والحامل. ووجه تسميتها مرّت الإشارة إليه في لفظ الأوج. وأمّا وجه التسمية بالحَضِيض مطلقًا فظاهر لأنّ هذه النقطة أقرب إلينا بالنسبة إلى نقطة الأوج فتكون أسفل منها. ويُطلق الحَضِيض أيضًا على نقطة مقابلة للذروة المرئية ويسمّى الحضِيض المرئي والبُعد الأقرب المقوّم، وعلى نقطة مقابلة للذروة الوسطى ويسمّى بالحضيض المستوي والأوسط والوسطي والبُعد الأقرب الوسط. (١) حَصَف بثرها بود بغايت خرد وسرخ وسوزاننده اندر تابستان بديد آيد خاصة وقتيكه مردم عرق كنند. (٢) پستي زمين ودامن كوه. ٦٨٢ الخَطاط الخطاط : Spots, pimples - Boutons sur le visage بالفتح هو بثرة تخرج في الوجه كذا في بحر الجواهر. خُظوظ الكوكب: ,Astrological house sign of the zodiac, horoscope - Signe zodiacal, horoscope, maison de l'astre كما ذُكِرَ في لفظ الإتصال وهي بيت الكوكب ثم شرفه ثم المثلة ثم الحَدّ ثم الوجه . خُظوظ النفس : - Fortunes of the soul Fortunes de l'âme عند الصوفية ما زاد في الحقوق. الحَفْصِية : -Al-Hafsiyya (sect) - Al Hafsiyya (secte) بالفاء هي فرقة من الإباضية أصحاب أبي حفص بن أبي مقدام (١) وقد سبق. وفي اصطلاحات السيّد الجرجاني الحَفْصية هو أبو حفص بن أبي المقدام زادوا على الإباضية أنّ بين الإيمان والشرك معرفة الله فإنها خصلة متوسطة بينهما . حِفْظُ العَهْد: Observation of the divine law - Observation stricte de la loi divine هو الوقوف عند ما حَدّه الله تعالى لعباده، فلا يفقد حيث ما أمر، ولا يوجد حيث ما نهي، كذا في اصطلاحات الصوفية لكمال الدين أبي الغنائم. حِفْظُ عَهْد الرَّبوبية: Theodicy, attribution of every perfection to God and every misdeed to man. - Théodicée, attribution de toute perfection à Dieu et de tout mal à l'homme والعبودية هو أنْ لا ينسب كمالًا إلا إلى الربّ ولا نقصانًا إلاّ إلى العبد، كذا في الاصطلاحات الصوفية. الحَقّ : - Truth, reality, right, certainty Vérité, réalité, droit, certitude بالفتح ومعناه في اللغة الفارسية: (الثَّابت، واللأَّثق والصحيح، والصّدق والواجب والأَمْر المتحقّق وقوعه، والحقيقة، واسمٌ من أسماء الله تعالى وقول الصدق، والوفاء بالوعد كذا في المنتخب. وهو عند الصوفية عبارة عن الوجود المطلق غير المقيَّد بأيّ قيد في كشف اللغات. إذن: الحقّ عندهم هو ذات الله ويجي في لفظ الحقيقة . (٢) وفي البرجندي شرح مختصر الوقاية في الخطبة الحق في اللغة مصدر حَق الشيء يحِقّ بالكسر أي ثبت. وقد جاء بمعنى الثابت أيضًا . وفي العرف هو مطابقة الواقع للإعتقاد كما أنّ الصدق مطابقة الإعتقاد للواقع انتهى. ويطلق أيضًا على المطابق بالفتح كما أنّ الصدق يطلق على المطابِق بالكسر. وكذا قال المحقّق التفتازاني في شرح العقائد: الحق هو الحكم المطابق للواقع يُطلق على العقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك، ويقابله الباطل. وأمّا الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله الكذب انتهى. وتحقيقه ما ذكر (١) هو حفص بن أبي المقدام. من زعماء الإباضية. رأس الفرقة الحفصية له آراء خالف فيها الإباضية وله كذلك بدع وضلالات. التبصير ٥٨، الفرق ١٠٤، الملل ١٣٥، المقالات ١٧٠/١. (٢) ثابت وسزاوار ودرست وراست وواجب وکاري که البته واقع شود وراستي ونامیست از نامهاي خدا يتعالى وراست كردن سخن ودرست كردن وعده كذا في المنتخب. ونزد صوفيه عبارت از وجود مطلق است يعني غير مقيد بهيج قيد كما في كشف اللغات يس حق نزد شان عبارتست از ذات الله ويجيء في لفظ الحقيقة. الحَقّ ٦٨٣ السيّد السّند في حاشية شرح المطالع من أنّ الحَقّ والصدق متشاركان في المورد إذْ [قد](١) يوصف بكل منهما القول المطابق للواقع والعقد المطابق للواقع، والفرق بينهما أنّ المطابقة بين شيئين تقتضي نسبة كل منهما إلى الآخر بالمطابقة كما في باب المفاعلة. فإذا طابق الإعتقاد الواقع فإن نسب الواقع إلى الإعتقاد كان الواقع مطابقًا بكسر الباء والاعتقاد مطابقًا بفتحها، فهذه المطابقية القائمة بالإعتقاد تسمّى حقًّا بالمعنى المصدري. ويقال هذا اعتقاد حَقّ على أنّه صفة مشبهة، وإنّما سمّيت بذلك لأنّ المنظور إليه أولاً في هذا الاعتبار هو الواقع الموصوف بكونه حقًّا أي ثابتًا متحقّقًا، وإنْ نسب الاعتقاد إلى الواقع كان الإعتقاد مطابقًا بكسر الباء والواقع مطابقًا بفتحها، فهذه المطابقية القائمة بالإعتقاد تسمّى صِدْقًا. ويقال هذا اعتقاد صدق أي صادق. وإنّما سمّيت بذلك تمييزًا لها عن أختها انتهى. وقيل في توضيحه إنّ الصدق كون الخبر مطابِقًا للواقع بالكسر والحق بالمعنى المصدري كونه مطابقًا له بالفتح والصادق هو الخبر المطابِق بالكسر والحق على أنّه صفة الناطِق صفة مشبَّهة هو الخبر المطابق له بالفتح ويقابل الصدق الكذبُ، والحقّ بالمعنى المصدري البطلانُ، ويقابل الصادقُ الكاذبَ والحقّ على أنّه صفة الناطق. فالكذب هو عدم كون الخبر مطابقًا للواقع بالكسر والبُطلان عدم كونه مطابَقًا له بالفتح، والكاذب هو الخبر الغير المطابق بالكسر والباطل هو الخبر الغير المطابق بالفتح، كذا قال أبو القاسم في حاشية المطول. فائدة : إعلمْ أنّ الخطأ والصواب يستعملان في المجتهدات والحَقّ والباطل يستعملان في المعتقدات، حتى إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع يجب علينا أنْ نجيب بأنّ مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب. وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا في المعتقدات يجبُ علينا أنْ نقول الحقّ ما نحن عليه والباطل ما هو خصومنا عليه، هكذا نقل عن المشايخ كذا في الحمادية(٢) في كتاب الكراهة. إعلمْ أنّ الحق على مذهب النَّظَام بمعنى مطابقة الحكم للإعتقاد والباطل عدم مطابقته للإعتقاد هكذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي في بيان الفرق بين مذهب العنادية والعندية. واعلمْ أنّ الأصوليين قد يقولون هذا حَقّ الله وهذا حَقّ العبد. فحَقّ العبد عبارة عمّا يسقط بإسقاط العبد كالقصاص وحَقّ الله ما لا يسقط بإسقاط العبد كالصلوة والصوم والجهاد والحج وحُرمة القتال في الأشهر الحرم والإنفاق في سبيل الله، وحرمة الجماع بالحيض، وحرمة القربان بالإيلاء وعدة الطلاق ونحو ذلك. ولهذا دَونَّوا مسائِل الطلاق والإيمان والإيلاء في العبادات دون المعاملات كذا في بحر المعاني في تفسير قوله تعالى ﴿حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى﴾(٣). وقال الفاضل الجلبي في حاشية التلويح في باب المحكوم به: المراد بحق الله في قولهم ما يتعلّق به النفع العام للعباد ولا يختص به أحد كحرمة الزنا، فإنّه يتعلّق به عموم النفع من سلامة الأنساب عن الإشتباه وصيانة الأولاد عن الضياع. وإنّما نُسب إلى الله تعالى تعظيمًا لأنّه يتعالى عن التضرر والانتفاع، فلا يكون حقًّا له بهذا الوجه. والمراد بحَقّ (١) [قد] (+ م، ع). (٢) الفتاوى الحمادية: للشيخ أبي الفتح ركن بن حسام الناكوري. معجم المطبوعات العربية والمعرّبة، ص ١٨٣٦. (٣) البقرة/ ٢٣٨. ٦٨٤ الحِقّة العبد ما يتعلّق به مصلحة خاصة كحرمة مال الغير، ولذا يُباح بإباحة المالك ولا يباح الزنا بإباحة الزوج إلاّ ما رُوي عن عطاء ابن أبي رباح(١) أنّه قال: يباح وطيء الأمة بإذن سيدها . وفيه أنّ حرمة مال الغير أيضًا مما يتعلّق به النفع العام وهو صيانة أموال الناس. واعترض على الأول أيضًا بأنّ الصلوة والصوم والحج حقوق الله تعالى وليس منفعتها عامة. وأجيب بأنّها إنّما شرعت لتحصيل الثواب ورفع الكفران، وهذا منفعة عامة لكل مَن له أهلية التكليف بخلاف حرمة مال الغير. الحِقّة : - Three or four years camel Chamelle de trois ou quatre ans بالكسر لغةً ما أتى عليه أربع سنين من الإبل وشريعةً ثلاث سنين، كذا في بعض كتب الفقه. لكن في عامة كتب اللغة والفقه أنّ الحِقّة هي فصيلة ثلاث سنين إلى تمام أربع لأنّها استحقت الركوب والحمل. ثم الحِقّة مؤنّث الحِقّ بالكسر، والجمع حِقَاق، كذا في جامع الرموز في كتاب الزكوة. حَقّ اليقين: ,Union with God apodicticity - Fusion avec Dieu, apodicticité عبارة عن فناء العبد في الحق والبقاء به علمًا وشهودًا وحالاً لا علمًا فقط، فعلم كل عاقل الموت علم اليقين. وقيل علم اليقين ظاهر الشريعة وعين اليقين الإخلاص فيها، وحقّ اليقين المشاهدة فيها، هكذا في تعريفات السيّد الجرجاني. إعلمْ أنّ اليقين عبارة عن الإعتقاد الجازم الراسخ الثابت وذلك على ثلاث مراتب. الأولى ما يحصل من الدلائل القطعية من البرهان أو الخبر المتواتر ونحوهما وهو علم اليقين. والثانية ما يحصل من المشاهدة وهو عين اليقين. والثالثة ما يحصل بالشيء بعد اتصاف العالم بذلك الشيء وهو حَقّ اليقين هكذا في حواشي كتب المنطق. حُقوق النفس : - Rights of the spirit Droits de l'âme عند الصوفية ما يتوقّف عليه حيواتها وبقاؤها وما زاد فهو حظوظ كما يذكر في لفظ الخطرة . الحَقيقة: ,Truth, true meaning - Verite sens propre بالفتح تطلق بالاشتراك في عرف العلماء على معان. منها قسم من الإستعارة ويقابلها المجاز وهذا اصطلاح أهل الفرس. ومنها ما هو مصطلح أهل الشرع والبيانيين من أهل العرب، قالوا كلّ من الحقيقة والمجاز تطلق بالإشتراك على نوعين لأنّ كلاَّ منهما إمّا في المفرد ويسمّيان بالحقيقة والمجاز اللغويين، وإمّا في الجملة ويسمّيان بالحقيقة والمجاز العقليين، وسيأتي في لفظ المجاز. قال الأصوليون الحقيقة الشرعية واقعة خلافًا للقاضي أبي بكر وهي اللفظ المستعمَل فيما وُضِعَ له في عرف الشرع أي وضعه الشارع لمعنى بحيث يدلّ عليه بلا قرينة، سواء كان ذلك لمناسبة بينه وبين المعنى اللغوي فيكون منقولاً أوْ لا فيكون موضوعًا مبتدأ. وأثبت المعتزلة الحقيقة الدينيّة أيضًا وقالوا بوقوعها، وهي إسم لنوع خاص من الحقيقة الشرعية، وهو ما وضعه الشارع لمعناه ابتداءً بأنْ لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه أو كليهما، وزعموا أنّ (١) هو عطاء بن أسلم بن صفوان. ولد بجند (اليمن) عام ٢٧ هـ/ ٦٤٧م. وتوفي بمكة عام ١١٤ هـ/ ٧٣٢م. تابعي من أجلاء الفقهاء. محدّث. الاعلام ٢٣٥/٤، تذكرة الحفاظ ٩٢/١، صفة الصفوة ١١٩/٢، ميزان الاعتدال ٢/ ١٩٧، حلية الأولياء ٣١٠/٣. ٦٨٥ الحَقیقة أسماء الذوات أي ما هي من أصول الدين أو ما يتعلّق بالقلب كالمؤمن والكافر والإيمان والكفر من قبيل الدينيّة دون أسماء الأفعال أي ما هي من فروع الدين، أو ما يتعلّق بالجوارح كالمصلّ والمزكّي والصلوة والزكُوة. والظاهر أنّ الواقع هو القسم الثاني من الحقيقة الدينيّة فقط أعني ما لم يعرف أهل اللغة معناه. ولانزاع في أنّ الألفاظ المتداوَلة على لسان أهل الشرع المستعملة في غير معانيها اللغوية قد صارت حقائق فيها، بل النزاع في أنّ ذلك بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدلّ على تلك المعاني بلا قرينة لتكون حقائق شرعية كما هو مذهبنا، أو بغلبتها في تلك المعاني في لسان أهل الشرع. والشارع إنّما استعملها فيها مجازًا بمعونة القرائن فتكون حقائق عُرفية خاصَّة لا شرعية كما هو مذهب القاضي. فإذا وقعت مجرّدة عن القرائن في كلام أهل الكلام والفقه والأصول ومَن يُخاطب باصطلاحهم تحمل على المعاني الشرعية وِفاقًا . وأمَّا في كلام الشارع فعندنا تُحْمَل عليها إذْ الظاهر أنْ يتكلّم باصطلاحه، وهذه المعاني هي الحقائق بالقياس إليه. وعند القاضي تُحْمَل على معانيها اللغوية لأنّها غير موضوعة من جهة الشارع، فهو يتكلّم على قانون اللغة، فإنّ القاضي ينفي كونها حقائق شرعية زاعمًا أنّها مجازات لغوية. والحق أنّه لا ثالث لهما فإنّه ليس النزاع في أنّها هل هي بوضعٍ من الشارع على أحد الوجهين وهو مذهب المعتزلة والفقهاء أوْ لا فيكون مجازات لغوية، وهو مذهب القاضي فلا ثالث لها حينئذ. ومنهم مَن زعم أنّ مذهب القاضي أنّها مبقاة على حقائقها اللغوية فتصير المذاهب ثلاثة، كونها حقائق لغوية وكونها مجازات لغوية وكونها حقائق شرعية. وإنْ شئت الزيادة على هذا القدر فارجع إلى العضدي وحواشيه. ومنها المفهوم المستقل الملحوظ بالذات كمفهوم الإسم وهذا المعنى من اصطلاحات أهل العربية أيضًا. قال السيّد السّند قد تستعمل الحقيقة بهذا المعنى في بعض استعمالاتهم كذا في الأطول في بحث الاستعارة التبعية. ومنها الماهية بمعنى ما به الشيء هو هو وتسمّى بالذات أيضًا. والحقيقة بهذا المعنى أعمّ من الكلية والجزئية والموجودة والمعدومة. وأيضًا إنّ الباء في به للسببية والضميران للشيء، فالمعنى الأمر الذي بسببه الشيء ذلك الشيء، ولو قيل ما به الشيء هو لكان أخصر. إنْ قلت هذا صادق على العلّة الفاعلية فإنّ الإنسان مثلاً إنّما يصير إنسانًا متمايزًا عمّا عداه بسبب الفاعل وإيجاده ضرورة أنّ المعدوم لا يكون إنسانًا بل لا يكون ممتازًا عن غيره. قلت الفاعل ما بسببه الشيء موجود في الخارج لا ما به الشيء ذلك الشيء، فإنّ أثرَ الفاعل إمّا نفس ماهية ذلك الشيء مستتبعًا له استتباع الضوء للشمس، والعقل ينتزع عنها(١) الوجود ويصفها به على ما قال الإشراقيون وغيرهم القائلون بأنّ الماهية مجعولة، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الماهية هي الأثر المترتّب على تأثير الفاعل. ومعنى التأثير الإستتباع ثم العقل ينتزع منها الوجود ويصفها به. مثلاً ماهية زيد يستتبعها الفاعل في الخارجٍ ثم يصفها العقل بالوجود والوجود ليس إلاّ اعتباريًا عقليًّا انتزاعيًّا، كما أنّه يحصل من الشمس أثر في مقابلتها من الضوء المخصوص، وليس ههنا ضوء منفرد في نفسه يجعل متصفًا بالوجود، لكن العقل يعتبر الوجود ويصفه به فيقال وجد الضوء بسبب الشمس. (١) منها (م). ٦٨٦ الحَقيقة وأمّا الماهية باعتبار الوجود لا من حيث نفسها ولا من حيث كونها تلك الماهية على ما ذهب إليه المشّائيون وغيرهم القائلون بأنّ الماهية ليست مجعولة، فإنّهم قالوا أثر الفاعل ثبوت الماهية في الخارج ووجودها فيه بمعنى أنّه يجعل الماهية متصفةً به في الخارج، وأمّا الماهية فهي أثّرٌ له باعتبار الوجود لا من حيث هي، بأن يكون نفس الماهية صادرة عنه، ولا من حيث كونها تلك الماهية ماهية. فعلى كلا التقديرين أثرُ الفاعل الشيء الموجود في الخارج إمّا بنفسه وإمّا باعتبار الوجود لا كون الشيء ذلك الشيء ضرورة أنّه لا مغايرةً بين الشيء ونفسه. فإن قلت الشيء بمعنى الموجود فيرد الإشكال المذكور. قلت لا نسلم ذلك بل هو بالمعنى اللغوي، أعني ما يصحّ أنْ يعلم ويخبر عنه ولو مجازًا. وإنْ سلَّمنا بناءً على أنّ الأصل في التعريفات الحقيقة والاحتراز عن المجاز وإنْ كان مشهورًا ففرق بين ما به الموجود موجود فإنّه فاعل وبين ما به الموجود ذلك الموجود فإنه الماهية، إذْ لا مدخل للفاعل في كون هذا الموجود الممتاز بهذا الموجود الممتاز، بل تأثيره إمّا في نفسه أو في اتصافه بالوجود على ما عرفت. فإن قلت لا مغايرة بين الشيء وماهيته حتى يتصوّر بينهما سببية. قلت هذا من ضيق العبارة والمقصود أنه لا يحتاج الشيء في كونه ذلك الشيء إلى غيرها. وهذا كما قالوا الجوهر ما يقوم بنفسه إذْ لا مغايرة بين الشيء ونفسه حتى يتصوّر القيام بينهما. وقد يجعل الضمير الثاني للموصول فالمعنى الأمر الذي بسببه الشيء هو ذلك الأمر بمعنى أنّه لا يحتاج في ثبوت ذلك الأمر له إلى غير ذلك الأمر، فلا يرد الإشكال بالفاعل، لكن ينتقض ظاهر التعريف بالعَرَضي، إذْ الضاحِكُ ما به الإنسان ضاحك. لكن لما كان مآل التعريف على ما قلنا هو أنْ لا يحتاج في كونه ذلك الأمر إلى غير ذلك الأمر فلا نقض بالحقيقة، لكن بقي الانتقاض بالذاتي بمعنى الجزء ظاهرًا وباطنًا لأنّ الإنسان في كونه ناطقًا لا يحتاج إلى أمرٍ غير الناطق، لأنّ ثبوته له غير معلّل بشيء. ويمكن أنْ يُقال المقصود تعريف الماهية بحيث يمتاز عن العرضي. ولذا ذكر بعض الفضلاء من (١) أنه جرت عادة القوم في ابتداء مبحث الأمور العامّة ببيان الفرق بين الماهية وعوارضها دون ذاتياتها، لأنه قد تشتبه الماهية بالعوارض فيما إذا عرض الشيء لنفسه كالكلّي للكلّي، بخلاف الذاتيات فإنه لا اشتباه بين الكلّ والجزء فتدبر. هذا كله خلاصة ما حققه المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي. وقال المولوي عصام الدين في حاشية شرح العقائد إنّ الضمير الأول ضمير فصل لإفادة أنّ ما به الشيء ليس إلّ الشيء وليس راجعًا إلى الشيء. فالمعنى ما به الشيء هو الشيء أعني أمر باعتباره مع الشيء يكون الشيء هو الشيء ولا يثبت بإثباته للشيء إلاّ نفسه بخلاف الجزء والعارض، فإنّه باعتباره مع الشيء وإثباته للشيء يكون الشيء غيره، فإنّك إذا اعتبرت مع الإنسان الإنسان (٢) لا يكون الإنسان إلاّ إنسانًا، ولو اعتبرت معه الناطق يكون الإنسان الناطق، ولو اعتبرت معه الضاحك يكون الإنسان الضاحك. وبهذا التحقيق سهل عليك ما صعب على كل ناظرٍ فيه من التمييز بين ماهية الشيء وعلّته بهذا التعريف ونجوت عن(٣) تكلفات. واندفع أيضًا أنّ أحد الضميرين زائد، ويكفي ما به الشيء هو، وأنه (١) من (- م). (٢) الانسان (- م). (٣) من (م). ٦٨٧ الحقيقة يرد بالذاتي، وأنّ كلمة الباء الدالة على السببية تقتضي الإثنينية، انتهى وهذا حسن جدًّا. إعلمْ أنّ الحقيقة بهذا المعنى يستعملها الحكماء والمتكلمون والصوفية. التقسيم قال المولوي عبد الرحمن الجامي في شرح الفصوص في الفص الأول: إنّ الحقائق عند الصوفية ثلاث. الأولى حقيقة مطلقة فعّالة واحدة عالية واجبة وجودها بذاتها وهي حقيقة الله سبحانه. والثانية حقيقة مقيّدة منفعلة سافِلة قابلة للوجود من الحقيقة الواجبة بالفيض والتجلّي وهي حقيقة العالم. والثالثة حقيقة أحدية جامعة بين الإطلاق والتقييد والفعل والانفعال والتأثير والتأثر فهي مطلقة من وجه مقيدة من آخر، فعّالة من جهة منفعلة من أخرى. وهذه الحقيقة أحدية جمع الحقيقتين، ولها مرتبة الأولية والآخرية، وذلك لأنّ الحقيقة الفعّالة المطلقة في مقابلة الحقيقة المنفعلة المقيّدة، وكل متفرقتين(١) فلا بد لهما من أصل هما فيه واحد وهو فيهما متعدد مفصل. وظاهرية هذه الحقيقة هي المسماة بالطبيعة الكلية الفعّالة من وجه والمنفعلة من آخر، فإنّها تتأثّر من الأسماء الإلهية وتؤثّر في موادها. وكلّ واحد من هذه الحقائق الثلاث حقيقة الحقائق التي تحتها انتهى. وللحقيقة بهذا المعنى تقسيمات أُخَر تجيء في لفظ الماهية. وبعض ما يتعلّق بهذا المقام يجيء في لفظ الذات أيضًا. ومنها الماهية باعتبار الوجود فعلى هذا لا تتناول المعدوم، وإطلاق الحقيقة بهذا المعنى أكثر من إطلاقها بمعنى الماهية مطلقًا. قال شارح الطوالع وشارح التجريد إنّ الحقيقة والذات تطلقان غالبًا على الماهية مع اعتبار الوجود الخارجي كلية كانت أو جزئية انتهى. فعلى هذا لا يُقال ذات العنقاء وحقيقتها كذا بل ماهيتها كذا. ومنها ما هو مصطلح الصوفية في كشف اللغات الحقيقة: عند الصوفية ظهورُ ذات الحقّ بدون حجاب التعيُّنات ومحو الكثرة الموهومة في نور الذات. انتهى كلامه(٢). وفي مجمع السلوك أمّا الحق والحقيقة في اصطلاح مشايخ الصوفية فالحق هو الذات والحقيقة هي الصفات. فالحق إسم الذات والحقيقة إسم الصفات. ثم إنّهم إذا أطلقوا ذلك أرادوا به ذات الله تعالى وصفاته خاصة، وذلك لأنّ المريد إذا ترك الدنيا وتجاوز عن حدود النفس والهوى ودخل في عالم الإحسان يقولون دخل في عالم الحقيقة ووصل إلى مقام الحقائق، وإنْ كان بَعُد عن عالم الصفات والأسماء، فإذا وصل إلى نور الذات يقولون وصل إلى الحق وصار شيخًا لائقًا للاقتداء به، وقلّما يستعملون ذلك في ذوات أخر وفي صفاتهم لأن مقصودهم الكلّي هو التوحيد. وقال الديلمي الحقيقة عند مشايخ الصوفية عبارة عن صفات الله تعالى والحق ذات الله تعالى. وقد يريدون بالحقيقة كل ما عدا عالم الملكوت وهو عالم الجبروت. والملكوت عندهم عبارة من(٣) فوق العرش إلى تحت الثرى وما بين ذلك من الأجسام والمعاني والأعراض. والجبروت ما عدا الملكوت. وقال بعضهم الكبار وأما عالم الملكوت فالعبد له اختيار فيه ما دام في هذا العالم، فإذا دخل في عالم الجبروت صار مجبورًا على أنْ يختار ما يختار الحق وأن يريد ما يريده، لا يمكنه مخالفته أصلاً انتهى. وقيل الحقيقة هي التوحيد وقيل (١) متفرقة (م، ع). (٢) حقيقت نزد صوفيه ظهور ذات حق است بي حجاب تعينات ومحو كثرات موهومه در نور ذات انتهى. (٣) عن (م). ٦٨٨ حَقِيقة الحَقائق هي مشاهدة الربوبية ويجيء في لفظ الطريقة ما یزید على هذا. حَقِيقة الحقائق: Truth of truthes, unique and universal self - vérité des vérités, le soi unique et universel عند الصوفية هي الجمع. وعن الشيخ عبد الرزاق الكاشي: إنّ حقيقة الحقائق هي الذّات الأَحَدية الجامعة لجميع الحقائق، وتلك التي تدعي حضرة الجمع وحضرة الوجود (١). الحَقِيقة القاصِرة : - Figurative meaning Sens figuré هي عند أهل العربية استعمالُ اللفظ في جُزء معناه كما في التجريد. والأكثرون على أنها مجاز، كذا ذكر المولوي عبد الحكيم في حواشي الخيالي في شرح قول الشارح المتوحِّد بجلال الذات في شرح الخطبة. كما أنّ الأمر حقيقة في الوجوب، والوجوب عبارة عن جواز الفعل مع حرمة الترك. فإذا استُعمل في معنى النَّذْب وهو عبارة عن جواز الفعل مع رجحانه، أو استُعمل في معنى الإباحة وهو جواز الفعل مع جواز الترك، فهو عند البعض حقيقةٌ قاصِرة لأَنّ كلاً منهما مستعمَل في بعض معنى الوجوب. والأكثرون على أنه مجاز لأنّه جاوَزَ أصله وهو الوجوب، لأنّ الوجوب جواز الفعل مع حرمة الترك، والإباحة جواز الفعل والترك، والنَّذْبُ رُجحانُ الفعل مع جواز الترك، فكان لكلّ واحد منها معانٍ متبانية هكذا في كتب الأصول. الحَقِيقي : ,Real, effective, true - Reel effectif, véritable يطلق على معان. منها الصفة الثابتة للشيء مع قطع النظر عن غيره موجودة كانت أو معدومة، ويقابله الإضافي بمعنى الأمر النسبي للشيء بالقياس إلى غيره. ومنها الصفة الموجودة ويقابله الإعتباري الذي لا تحقَّقَ له، سواء كان معقولاً بالقياس إلى غيره أو مع قطع النظر عن الأغيار. وأما ما ذكره السَّكّاكي حيث جعل الحقيقي مقابلاً لما هو اعتباري ونِسْبي فضعيف، لأنّ الحقيقي ليس له معنى يقابل الإعتباري والنسبي بمعنى ما لا يكون اعتباريًا ولا نسبيًا، كذا في الأطول في بحث التشبيه في تقسيم وجه التشبيه إلى الحقيقي والإضافي. ومنها ما هو قِسْمٌ من القضية الشرطية المنفصلة. قال المنطقيون الشرطية المنفصلة التي اعتُبِرَ فيها التنافي في الصدق والكذب أي في التحقق والإنتفاء معًا تسمّى حقيقية، كقولنا إمّا أنْ يكون هذا العدد زوجًا وإمّا أن يكون فردًا. ومنها قضية يكون الحكم فيها على الأفراد الخارجية المحقّقة والمقدَّرة موجِبةً كانت أو سالبةً، كليةً كانت أو جزئيةً. وإنّما سمّيت حقيقية لأنها حقيقة القضية، أي وهي المتبادَر عن مفهوم القضيّة عند الإطلاق فكأنّها هي حقيقة القضية. قال المنطقيون فالحكم في الحقيقية ليس على الأفراد الموجودة في الخارج فقط، بل على كل ما قدّر وجوده من الأفراد الممكنة، سواء كانت موجودةٌ في الخارج أو معدومةً فيه، فخرج الأفراد الممتنعة. فمعنى قولنا كل ج ب، كل ما لو وجد كان ج من الأفراد الممكنة، فهو بحيث لو وجد كان ب، هكذا ذكر المتأخّرون. ولما اعتبر في هذا التفسير في عقد الوضع الإتصال وكذا في عقد الحمل فسَّره صاحب الكشف ومَنْ تَبِعَه، فقالوا معنى قولنا كلّ ما لو وجد كان ج فهو بحيث لو وجد كان ب أنّ كلّ ما هو ملزوم لج فهو ملزوم لب. وقال الشيخ: معناه كل ما (١) واز شيخ عبد الرزاق كاشي منقول است كه حقيقة الحقائق ذات احديت است كه جامع جميع حقائق است وآن را حضرت جمع وحضرت وجود میخوانند. ٦٨٩ الحَقِيقي يمكن أنْ يصدُقَ ج عليه بحسب نفس الأمر بالفعل فهو ب بحسب نفس الأمر. ثم تعميم [الأفراد](١) الخارجية بالمحقّقة للاحتراز عن [القضية](٢) الخارجية، وهي قضية يكون الحكم فيها على الأفراد الخارجية المحقّقة فقط، فيكون معنى قولنا كل ج ب على هذا التقدير كل ج موجود في الخارج ب في الخارج. وصدقها يستلزم وجود الموضوع في الخارج محققًا بخلاف الحقيقية، فإنّها تستلزم وجوده في الخارج محققًا أو مقدَّرًا. فإنّ قولَنا كلّ عنقاء طائر ليس الحكم فيها مقصورًا على أفراده الموجودة في الخارج محققًا بل عليها وعلى أفراده المقدّرة الوجود أيضًا. واعتبار إمكان(٣) الأفراد للاحتراز عن الذهنية وهي قضية يحكم فيها على الأفراد الموجودة في الذهن فقط. فمعنى كل ج ب على هذا التقدير كل ج في الذهن فهو ب في الذهن فقد انقسمت القضايا إلى ثلاثة أقسام. والمشهور تقسيمها إلى الحقيقية والخارجية باعتبار أنّهما أكثر استعمالاً في مباحث العلوم لا باعتبار الحصر فيهما. قيل الأولى أن تجعل الحقيقية(٤) شاملةً للأفراد الذهنية والخارجية المحقّقة والمقدّرة ولا تختصّ بالأفراد الخارجية المحقّقة والمقدّرة لتشتمل القضايا الهندسية والحسابية، فإنّ الحكم فيها شاملٌ للأفراد الذهنية أيضًا . فنقول أحوال الأشياء على ثلاثة أقسام. قسم يتناول الأفراد الذهنية والخارجية المحقّقة والمقدّرة. وهذا القسم يُسمّى بلوازم الماهيات كالزوجية للأربعة والفردية للثلاثة وتساوي الزوايا الثلاث في المثلث للقائمتين. وقسم يختصّ بالموجود في الذهن كالكلّية والجزئية والذاتية والعرضية ونحوها. وقسم يختصّ بالموجود الخارجي كالحركة والسكون، فينبغي أن تعتبر ثلاث قضايا، إحداها ما يكون الحكمُ فيها على جميع أفراد الموضوع ذهنيًا كان أو خارجيًا محققًا أو مقدرًا كالقضايا الهندسية والحسابية، وتسمّى هذه حقيقية. وثانيتها ما يكون الحكمُ فيها مخصوصًا بالأفراد الخارجية مطلقًا محققًا أو مقدرًا كقضايا الحكمة الطبيعية وتسمّى هذه القضية قضيةً خارجية. وثالثتها أنْ يكون الحكمُ فيها مخصوصًا بالأفراد الذهنية وتسمّى هذه قضية ذهنية كالقضايا المستعملة في المنطق. وههنا أبحاث تركناها حذرًا من الإطناب، فمن أراد الإطلاع عليها فليرجع إلى شرح الشمسية وحواشيه وشرح المطالع. وأما القضية التي يحكم فيها مخصوصًا بالأفراد الخارجية الموجودة المحقّقة فقط دون المقدّرة فليست معتبرةً في العلوم، ولا يبحث عنها فيها، لأنّ البحثَ عنها يرجع إلى البحث عن الجزئيات، والجزئياتُ لا يُبْحَثُ عنها في العلوم لوجهين. الأول أنها غير متناهية بمعنى أنّها لا يمكن ضبطها وإحاطتها، ولا يتصوّر حصرها لأنها توجد واحدة بعد واحدة وكذا تعدم. والثاني أنها متغيّرة متجدّدة لتوالي أسباب التغيّر عليها فلا يمكن ضبط أحوالها، هكذا في حواشي السلم. ومنها مقابل المجازي يقال هذا المعنى حقيقي وذاك مجازي. ومنها ما هو غير ذلك كما يقال: كلٌّ من المذكر والمؤنَّث حقيقيٍ ولفظي، والتعريف إمّا حقيقي أو لفظي، وكلَّ من الشهر والسنة حقيقي ووسطي واصطلاحي ونحو ذلك. (١) [الافراد] (م، ع). (٢) [القضية] + (م، ع). (٣) خارجية (م، ع). (٤) الحقيقة (م). ٦٩٠ الحَقِيقة العقلية الحَقِيقة العقلية (١) : - Rational truth Vérité rationnelle إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلّم في الظاهر، كذا قال الخطيب في التلخيص، فالمراد بالإسناد النسبة سواء كانت تامةً أوْ لا كما يدل عليه قوله أو معناه، فإنّ المراد بمعنى الفعل إسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبّهة والمصدر واسم التفضيل والظرف. ولا شكَّ أنّ إسناد بعضها لا يلزم أنْ يكون تامة. والأولى أن يقال أو ما في معناه لأنّ معنى الفعل في الإصطلاح يقابل شبه الفعل، وهو ما يفيد معنى الفعل، ولا يشاركه في التركيب. ولا يبعد أن يجعل المنسوب نحو أتميمي أبوه داخلاً في معنى الفعل. واحترز به عما ليس المُسند فيه فعلاً أو معناه نحو الحيوان جسم فإنّه ليس بحقيقة ولا مجاز. وقوله إلى ما هو له أي إلى شيء هو أي الفعل أو معناه له أي لذلك الشيء. وإفراد ضمير هو باعتبار أحد الأمرين وذلك الشيء أعمّ من أنْ يكون الفعل أو معناه صادرًا عنه، كما في ضرب زيد عمروًا أوْ لا، كما في انقطع الحبل، وسُلِك الجبل على صيغة المجهول، ولذا لم يقل ما هو عنه. ومعنى كونه له أنّ حقه أنْ يُسنَد إليه في مقام الإسناد سواء كانت النسبة للنفي أو للإثبات، لا أنْ يكون قائمًا به كما قال المحقّق التفتازاني حتى لا يَشْكُل بقولنا ما قام زيد، لأنّ القيام حقه أنْ يُسنَد إلى زيد في مقام نفيه عنه، بخلاف ما صام نهاري فإنّ الصوم حقه أنْ يُسند إلى المتكلّم في مقام نفيه عنه لا إلى نهاره فهو مجاز عقلي، نعم حقه أنْ يُسندَ إلى النهار في مقام قصد النفي عنه أي عن النهار، وحينئذٍ ذلك الإسناد حقيقة فاحفظه فإنّه من الدقائق. ويمكن أن يجعل ضمير هو إلى ما وضمير له إلى الفعل أو معناه. وكون الشيء للفعل أو معناه بمعنى أنّ حق الشيء أنْ يُسنَد الفعل أو معناه إليه، لكن جعل الفعل وما في معناه للذات أعذب من العكس. ولما كان المتبادَر ما هو له في الواقع وحينئذ يخرج عن التعريف قول الجاهل أنبت الربيعُ البقلَ قيده بقوله عند المتكلّم، فيشتمل التعريف ما هو له في الواقع والإعتقاد جميعًا كقول المؤمن أنبتَ الله البقلَ، وما هو له في اعتقاد المتكلّم فقط كقول الجاهل أنبتَ الربيعُ البقلَ، لكنه بعدُ يتبادر منه ما هو له في اعتقاد المتكلّم في الواقع، فيخرج منه قول المعتزلي خلق الله الأفعال كلها مخفيًا مذهبه. فقيّده ثانيًا بقوله في الظاهر، أي فيما يفهم من ظاهر كلامه ليشمله أيضًا. ومن أمثلة الحقيقة العقلية قولك جاء زيد حال كونك عالمًا بعدم مجيئه. ومما ينبغي أنْ يعلم أنّ المراد بالإسناد إلى ما هو له الإسناد إلى ما هو له من حيث أنه ما هو له إذْ قد يكون الشيء ما هو له باعتبار غير ما هو له باعتبار آخر. أمّا في النفي فقد عرفت في قولنا ما صام نهاري. وأما في الإثبات فكما في قول الخنساء(٢) تصف ناقة: فإنما هي إقبال وإدبار إذْ معناه على ما قال الشيخ عبد القاهر أنّ الناقة لكثرة إقبالها وإدبارها كأنّها تجسمت منهما، فالمجاز في إسناد الإقبال لأنّه وإنْ كان لها من (١) تتبع هذه الفقرة بحسب تقسيمات التهانوي عنوان وموضوع المجاز، وهي تفصيل له، وأفردت مفصولة ضمن عنوان الحقيقة العقلية . (٢) هي تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد الرياحية السلمية. توفيت عام ٢٤ هـ/ ٦٤٥م. أشهر شواعر العرب. من أهل نجد. مخضرمة بين الجاهلية والاسلام. وأسلمت ومات بنوها الأربعة في معركة القادسية. لها ديوان شعر مطبوع. الا علام ٨٦/٢، معاهد التنصيص ٣٤٨/١، الشعر والشعراء ١٢٣، الدر المنثور ١٠٩، اعلام النساء ٣٠٥/١، خزانة البغدادي ١/ ٢٠٨. ٦٩١ والحَقِيقَة اللّغوية حيث القيام بها لكنه ليس لها من حيث الحمل والإتحاد، فأقبلت الناقة حقيقة وهي إقبال مجاز. ولو قيل الإقبال بمعنى مقبل حتى يكون المجاز في الكلمة، أو جعل التقدير ذات إقبال حتى يكون مجاز الحذف لكان مغسولاً من الفصاحة هذا، لكن هذا المثال عند المصنّف أعني الخطيب من قبيل الواسطة بين الحقيقة والمجاز لأنّ المراد بما في قوله ما هو الملابس على ما صرَّح به، وهذا إسناد إلى المبتدأ، والمبتدأ ليس بملابس. الحَقِيقَة اللّغوية(١): ,Linguistic truth linguistic justness - Vérité linguistique, justesse linguistique هي اللفظ المستعمَل فيما وُضِعَ له في وضع به التخاطب وهي قسمان: مفردة وهي الكلمة المستعملة فيما وضعت له الخ، ومركّبة وهي المركّب المستعمل فيما وضع له الخ. وقولنا في وضع به التخاطب متعلّق بوُضِع أو بالمستعمَل بعد تقييده بقولنا فيما وضع له. ومعنى الظرفية اعتبار الوضع الذي به التخاطب أي المستعمَل فيما وُضِعَ له باعتبار وضع به التخاطب ونظر إليه. والوضع أعمّ من اللغوي والشرعي والعرفي الخاص والعام. فهذا أوْلى مما قيل في اصطلاح به التخاطب، إذْ لا يُطلق الإصطلاح في الاصطلاح على الشرع والعرف واللغة بل هو العرف الخاص. فاحترز بقيد المستعمَل عن اللفظ قبل الاستعمال فإنّه لا يسمّى حقيقةً ولا مجازًا. وبقولنا فيما وُضِعَ له على ما قال الخطيب عن شيئين: أحدِهما ما استعمل في غير ما وضع له غلطًا كقولك خذ هذا الفرس مشيرًا به إلى كتاب بين يديك، فإنّ لفظ الفرس ههنا قد استُعمِلَ في غير ما وضع له وليس بحقيقة، كما أنّه ليس بمجاز. والثاني المجاز الذي لم يستعمل فيما وضع له لا في وضع به التخاطب ولا في غيره كالأسد في الرجل الشجاع. وقيل معنى استعمال اللفظ في الموضوع له أو غيره طلب دلالته عليه وإرادته منه، فمجرد الذكر لا يكون استعمالاً، إذْ لا اعتداد بالإستعمال من غير شعور، فخرج الغلط مطلقًا من قيد المستعمل. وبقولنا في وضع به التخاطب خرج القسم الآخر من المجاز وهو ما استُعمِلَ فيما وضع له لا في وضع به التخاطب كلفظ الصلوة يستعمله المخاطَب بعرف الشرع في الدعاء مجازًا إذْ لم يوضع في هذا العرف للدعاء بل في اللغة. ثم المراد بالوضع تعيين اللفظ للدلالة على معنى بنفسه فخرج المجاز، إذْ فيه تعيين للدلالة عل معنى بالقرينة كما يجيء في محله. ولا يخرج المشترك إذْ تعيينه لكلٍّ من معانيه للدلالة عليه بنفسه والقرينة إنّما احتيج إليها لمعرفة المراد. وكذا لا يخرج الحرف فإنّه إمّا موضوع لجزئيات مخصوصة باعتبار اندراجها تحت أمْرٍ كلّ كما هو مذهب المتأخرين، أو موضوع لمفهوم لا يستعمل أبدًا إلاّ في جزئي من جزئياته كما هو المستفيض، كذا قال صاحب الأطول. ثم نقول كما لابد للنحوي من ضبط ما يجري في الأصوات المشارِكة للكلمات في كثرة الدوران على الألسنة في المحاورات حتى نزَّلوها منزلةَ الأسماء المبنية وضبطوها فيما بينها، كذلك لابد لصاحب البيان من الإلتفات إلى دقائق وسرائر تتعلّق بها، فإنّ البلغاء أيضًا يتداولونها تداول المجازات الدقيقة، فيقال للمرائي لفعله المعجَب به وهو في غاية الدناءة وي تعجبًا تهكمًا، ويخاطبون بالنازل عن درجة العقلاء الملحق بالحيوانات بأصواتٍ يخاطَب بها الحيوان تنزيلاً [له] (٢) منزلة الحيوان، فيجب أنْ (١) تتبع هذه الفقرة بحسب تقسيمات التهانوي عنوان وموضوع المجاز، وهي تفصيل له، وأفردت مفصولة ضمن عنوان الحقيقة اللغوية . (٢) له (+ م، ع). ٦٩٢ الحِگایة يجعل تعريف الحقيقة والمجاز شاملاً لها حتى أكاد اجترئ على أنْ أقول المراد بالكلمة أعمّ من الكلمة حقيقة أو حكمًا، وكذا بما وُضِعَ له وغیر ما وُضِعَ له انتھی. إعلمْ أنّهم اختلفوا في كون المركّبات موضوعة. فمَنْ قال بأنها ليست موضوعة قال إنّ الحقيقة لا تُطلقُ على المجموع المركّب. ومَنْ قال بوضعها قال بإطلاقها عليه، هكذا يستفاد من بعض حواشي المطول واختار صاحب الأطول القول الأخير حيث قال ثم نقول كثيرًا ما تستعمل الهيئة في غير ما وُضِعت له فتخصيص الحقيقة والمجاز بالكلمة يفوت البحث عن سرائر تتعلّق بالهيئات، فينبغي تقسيم الحقيقة إلى المفرد والمركّب، وتعريف المفرد منها بالكلمة المستعملة فيما وُضِعَت له الخ على طبق تقسيم المجاز. وستعرف لذلك زيادة توضيح في بيان المجاز المركّب. الحكاية : - .Narrative, tale, narration Récit, conte, narration, anecdote بالكسر في اللغة باز گفتن از چيزي - اعادة الكلام عن شيء - كما في الصراح. ومعنى حكاية الحال الماضية في عرف العلماء أنْ يفرض أنّ ما كان في الزمان الماضي واقع في هذا الزمان. فقد يعبّر عنه بلفظ المضارع، وقد يعبّر عنه بلفظ إسم الفاعل، وليس معناها أنّ اللفظ الذي في ذلك الزمان يحكى الآن على ما يلفظ به، كما في قولهم دعني من تمرتان على ما زعمه السيّد الشريف في حواشي شرح المفتاح، بل المقصود حكاية المعنى. وإنّما يفعل هذا في الفعل الماضي المستغرب كأنك تحضره للمخاطب وتصوّره ليتعجب عنه كما تقول رأيت الأسد فآخذ السيف فأقتله وهذا المعنى أخذه المحقّق التفتازاني من كلام الكشاف حيث قال ومعنى حكاية الحال الماضية أنْ يقدّر أنْ ذلك الماضي واقع في حال التكلّم كما في قوله تعالى: ﴿قل فِلِمَ تقتلون أنبياءَ الله من قبل﴾(١) وقد استحسنه الرضي. وذكر الأندلسي أنّ معناها أنْ تقدّر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان، أو تقدّر ذلك الزمان كأنّه موجود الآن. هذا كلّه خلاصة ما ذكره الفاضل الچلبي في حواشي المطول في بحث الحال. أقول إعلمْ أنّ العدول من الماضي إلى المضارع لإفادة استحضار صورة ما مضى لأنّ المضارع ممّا يدلّ على الحال الذي من شأنه أنْ يشاهد، فكأنّه تستحضر بلفظ المضارع تلك الصورة الماضية العجيبة ليشاهدها الحاضرون، ولا يفعل ذلك إلاّ في أمرٍ يهتم بمشاهدته لغرابة أو فظاعة أو تنبيه أو تحسين أو تقبيح أو تهويل أو تعظيم أو إهانة أو غيرها كما في قوله تعالى: ﴿فتثير سحابًا﴾(٢) بعد قوله تعالى ﴿والله الذي أرسل الرياح﴾(٣) استحضارًا لتلك الصورة البديعة الدَّالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة، يعني صورة السَّحاب مسخَّرًا بين السماء والأرض على الكيفية المخصوصة والإنقلابات المتفاوتة هكذا في المطول في بحث لو. الحِكّة: Itching - Demangeaison بالكسر كلّ ما يحك كالجرب ونحوه. وحِكّة الأنف هو أنْ يجدَ الإنسان في أنفه عند استنشاق الهواء البارد حرقةً لذاعة تبلغ إلى دماغه وتدمع منها عيناه، وربّما وجدها من غير استنشاق الهواء البارد كذا في بحر الجواهر. وفي الاقسرائي وشرح القانونجة الفرق بين (١) البقرة/ ٩١. (٢) الروم / ٤٨ . (٣) فاطر / ٩. ٦٩٣ الحُكْم الحِكّة والجرب أنّ الجرب بثور صغار بعضها وكبار بعضها، مختلفة في الرطوبة واليبوسة والتقيّح وغيره مع حِكّة شديدة، والحِكّة لا بثر معها . الحُكْم : ,Verdict, judgement gouvernment, power - Verdict, jugement, gouvernement, pouvoir بالضم وسكون الكاف يُطلق بالإشتراك أو الحقيقة والمجاز على معان. منها إسناد أمرٍ إلى آخر إيجابًا أو سلبًا. وهذا المعنى عرفي، وحاصله أنّ الحكم نفس النسبة الخبرية التي إدراكها تصديق إيجابيةً كانت أو سلبيةً، وقد يعبّر عن هذا المعنى بوقوع النسبة ولا وقوعها، وقد يعبّر عنه بقولنا إنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة، وهذا المعنى من المعلومات فليس بتصوّر ولا تصديق لأنهما نوعان مندرجان تحت العلم. فالإسناد بمعنى مطلق النسبة والإيجاب الوقوع. والسلب اللاوقوع. واحترز بهما عمّا سوى النسبة الخبرية. وتوضيحه أنّه قد حقَّق أنّ الواقع بين زيد والقائم هو الوقوع نفسه أو اللاوقوع كذلك، وليس هناك نسبة أخرى مورد الإيجاب والسلب، وأنّه قد يتصوّر هذه النسبة في نفسها من غير اعتبار حصولها أوْ لا حصولها في نفس الأمر، بل باعتبار أنّها تعلّق بين الطرفين تعلّق الثبوت أو الإنتفاء، وتسمّى نسبةً حكميةً، ومورد الإيجاب والسلب ونسبة ثبوتية أيضًا نسبة العام إلى الخاص أعني الثبوت لأنّه المتصوّر أولاً، وقد تسمّى سلبية أيضًا إذا اعتبر انتفاء الثبوت. وقد يتصوّر باعتبار حصولها أوْ لا حصولها في نفس الأمر، فإنْ تردّد فهو الشك وإنْ أذعن بحصولها أوْ لا حصولها فهو التصديق. فالنسبة الثبوتية تتعلّق بها علوم ثلاثة إثنان تصوّريان أحدهما لا يحتمل النقيض وهو تصوّرها في نفسها من غير اعتبار حصولها ولا حصولها. وثانيهما يحتمله. والثالث تصديقي فقد ظهر أنّ المعنى المذكور للحكم ليس أمرًا مغايرًا للوقوع واللاوقوع. وأنّ معنى قولنا نسبة أمر بأمر وإسناد أمرٍ إلى أمر تعلّق أمرٍ بأمر وقوعًا كان أوْ لا وقوعًا إنْ كان الإيجاب والسلب بمعنى الوقوع واللاوقوع، وإنْ أريد بالإيجاب والسّلب إدراك أنّ النسبة واقعة أوْ ليست بواقعة. فمعناه تعلّق أمرٍ بأمرٍ سواء كان موردًا للإيجاب أو موردًا للسلب، فإنّ الإيجاب والسَّلب يُطلق على كلا هذين المعنيين، كما صرَّح بذلك المحقق التفتازاني في حاشية العضدي. وأنّ معنى قولنا إدراك أنّ النسبة واقعة أوْ ليست بواقعة ادراك أنّ النسبة الثبوتية واقعة في نفس الأمر أوْ ليست بواقعة فيها. ثم هذا التقرير على مذهب مَنْ يقول إنّ الحكم ليس من مقولة الفعل. وأما مَنْ يقول بأنّ الحكم من مقولة الفعل كالإمام الرازي والمتأخرين من المنطقيين فالمناسب عندهم في تفسير الحكم بإسناد أمر إلى آخر إيجابًا أو سلبًا أنْ يقال إنّ الإسناد لغةً بمعنی تکیه دادن چيزي بچيزي، - إضافة شيء إلى شيء - وفي العرف ضم أمرٍ إلى آخر، بحيث يفيد فائدة تامّة. وقد يطلق بمعنى مطلق النسبة. فعلى الأوَل قولنا إيجابًا أو سلبًا بيان لنوعه، وعلى الثاني يفيد لإخراج ما سوى النسبة الخبرية، والإيجاب لازم كردن والسلب ربودن كما في الصراح. وبالجملة فالمناسب على هذا أنْ يفسِّر الإسناد والإيجاب والسلب بمعانٍ منبئة عن كون الحكم فعلاً. ولا يُراد بالضم وبالنسبة التعلّق بين الطرفين وبالإيجاب والسلب الوقوع [فعلاً](١) واللاوقوع، إذْ لو أريد ذلك لم يبق الحكم فعلاً، وعلى هذا القياس قولنا الحكم هو الإيجاب والسّلب أو الإيقاع والانتزاع أو النفي والإثبات فإنها مفسّرة (١) [فعلاً] (+ م). ٦٩٤ الحُكْم بالمعاني اللغوية المنِئَة عن كون الحكم فعلاً . فالحكم على هذا إمّا جزء من التصديق كما ذهب إليه الإمام أو شرط له كما هو مذهب المتأخرين من المنطقيين، ويجيء في لفظ التصديق زيادة تحقيق لهذا. ومنها نفس النسبة الحكمية على ما صرّح به الجلبي في حاشية الخيالي بعد التصريح بالمعنى الأول. وهذا المعنى إنّما يكون مغايرًا للأول عند المتأخرين الذاهبين إلى أنّ أَجزاء القضية أربعة: المحكوم عليه وبه ونسبة تقييدية مسمّاة بالنسبة الحكمية ووقوع تلك النسبة أوْلا وقوعها الذي إدراكه هو المسمّى بالتصديق. وأما عند المتقدمين الذاهبين إلى أنّ أجزاء القضية ثلاثة: المحكوم عليه وبه والنسبة التامة الخبرية التي إدراكها تصديق فلا يكون مغايرًا للمعنى الأول، لما عرفت من أنّ النسبة الحكمية ليست أمراً مغايرًا للنسبة الخبرية. ومنها إدراك تلك النسبة الحكمية ومنها إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها المُسمَّى بالتصديق، وهذا مصطلح المنطقيين والحكماء وقد صرّح بكلا هذين المعنيين الجلبي أيضًا في حاشية الخيالي. والتغاير بين هذين المعنيين أيضًا إنما يتصوّر على مذهب المتأخرين. قالوا الفرق بين إدراك النسبة الحكمية وإدراك وقوعها أوْلاً وقوعها المسمّى بالحكم هو أنّه ربّما يحصل إدراك النسبة الحكمية بدون الحكم، فإنّ المتشكّك في النسبة الحكمية متردّد بين وقوعها ولا وقوعها، فقد حصل له إدراك النسبة قطعًا ولم يحصل له إدراك الوقوع واللاوقوع المسمّى بالحكم فهما متغايران قطعًا. وأجيب بأنّ التردّد لا يتقوم حقيقة ما لم يتعلّق بالوقوع أو اللاوقوع فالمدرك في الصورتين واحد والتفاوت في الإدراك بأنّه إذعاني أو تردّدي. وبالجملة فيتعلّق بهذا المدرك علمان علم تصوّري من حيث إنّه نسبة بينهما وعلم تصديقي باعتبار مطابقته للنسبة التي بينهما في نفس الأمر، وعدم مطابقته إياها على ما مَرّت الإشارة إليه في المعنى الأول. وأما على مذهب القدماء فلا فرق بين العبارتين إلاّ بالتعبير. فمعنى قولنا إدراك النسبة وإدراك الوقوع واللاوقوع على مذهبهم واحد إذْ ليس نسبة سوى الوقوع واللاوقوع، وهي النسبة التامة الخبرية. وأمّا النسبة التقييدية الحكمية المغايرة لها فمِمّا لا ثبوت له كما عرفت. فعلى هذا إضافة الوقوع واللاوقوع إلى النسبة بيانية. لكنّ هذا الإدراك نوعان: إذعاني وهو المسمّى عندهم بالحكم المرادِف للتصديق وغير إذعاني وتسميته بالحكم عندهم محتمل غير معلوم، ويؤيد هذا ما ذكر السيّد السّند والمولوي عبد الحكيم في حواشي شرح الشمسية. وحاصله أنّ معنى قولنا إدراك وقوع النسبة أولا وقوعها ليس أنْ يدرك معنى الوقوع أو اللاوقوع مضافًا إلى النسبة، فإنّ إدراكهما بهذا المعنى ليس حكمًا بل هو إدراك مركّب تقييدي من قبيل الإضافة، بل معناه أنْ يدرك أنّ النسبة واقعة ويسمّى هذا الإدراك حكمًا إيجابيًا، أوْ أنْ يدرك أنّ النسبة ليست بواقعة ويسمّى هذا الإدراك حكمًا سلبيًا، أعني معناه أنْ يدرك أنّ النسبة المدركة بين الطرفين أي المحكوم عليه والمحكوم به واقعة بينهما في حَدّ ذاتها مع قطع النظر عن إدراكنا إيّاها أو ليست بواقعة كذلك، وهو الإذعان بمطابقة النسبة الذهنية لما في نفس الأمر أو في الخارج، أعني للنسبة مع قطع النظر عن إدراك المدرك بل من حيث إنها مستفادة من البداهة أو الحسّ أو النظر. فمآل قولنا إنّ النسبة واقعة أو ليست بواقعة. وقولنا إنّها مطابقة واحدة والمراد به الحالة الإجمالية التي يقال لها الإذعان والتسليم المعبّر عنه بالفارسية بكرويدن لا إدراك هذه القضية، فإنّه تصوّر تعلّق بما يتعلّق به التصديق يوجد في ٦٩٥ الحُكْم صورة التخييل والوهم ضرورة أنّ المدرك في جانب الوهم هو الوقوع واللاوقوع، إلاّ أنّها ليست على وجه الإذعان والتسليم فظهر فساد ما توهّمه البعض من أنّ الشكّ والوهم من أنواع التصديق، ولا التفصيل المستفاد من ظاهر اللفظ لأنّه خلاف الوجدان، ولاستلزامه ترتّب تصديقات غير متناهية. فقد ظهر أنّ الحكم إدراك متعلّق بالنسبة التامة الخبرية فإنّها لمّا كانت مُشْعِرة بنسبة خارجيةٍ كان إدراكها على وجهين من حيث إنّها متعلّقة بالطرفين رابطة بينهما كما في صورة الشَكّ مثلاً. ومن حيث إنّها كذلك في نفس الأمر كما في صورة الإذعان. وهذا هو الحكم والتصديق. وإنما قيل كون الحكم بمعنى إدراك وقوع النسبة أوْلا وقوعها يُشعِرُ بأنّ المراد بالنسبة النسبة الحكمية لا النسبة التامة الخبرية لأنّ الحكم على تقدير كونها تامة هو إدراك نفسها ليس بشيء عند التحقيق، وإنّ أجزاء القضية ثلاثة المحكوم عليه وبه والنسبة التامة الخبرية وهي نسبة واحدة هي اتحاد المحمول بالموضوع، أو عدم اتحاده به، وهو الحقّ عند المحققين، لا كما ذهب إليه المتأخرون من أنّ أجزاءها أربعة: المحكوم عليه وبه والنسبة الحكمية ووقوعها أوْلا وقوعها وأنّ الاختلاف بين التصوّر والتصديق بحسب الذات والمتعلّق، فإنّ التصوّر لا يتعلّق عندهم به التصديق، فالتصديق عندهم إدراك متعلّق بوقوع النسبة أوْلا وقوعها والتصوّر إدراكُ متعلّق بغير ذلك. والحق عند المحققين أنّ التصوّر يتعلّق بما يتعلّق به التصديق أيضًا، فلا امتياز بين التصور والتصديق إلاّ بحسب الذات واللوازم كاحتمال الصدق والكذب دون المتعلق. واعلم أنّه ذكر السّيد الشريف أنّه يجوز أنْ يفسّر الحكم بالتصديق فقط وأن يفسّر بالتصديق والتكذيب، وهذا بناءً على أنّ إذْعان أنّ النسبة ليست بواقعة إذعان بأنّ النسبة السلبية واقعة. فعلى هذا يجوز أن يعرف الحكم بإدراك الوقوع فقط وأنْ يعرف بإدراك الوقوع واللاوقوع معا . التقسيم الحكم سواء أخذ بمعنى التصديق أو بمعنى النسبة الخبرية ينقسم إلى شرعي وغير شرعي. فالشرعي ما يؤخذ من الشرع بشرط أنْ لا يخالف القطعيات بالنسبة إلى فهم الآخذ سواء كان مما يتوقف على الشرع بأنْ لا يدرك لولا خطاب الشارع كوجوب الصلوة، أو لم يكن كوجوده تعالى وتوحيده، وهو ينقسم إلى ما لا يتعلّق بكيفية عمل ويسمّى أصليًا واعتقاديًا وإلى ما يتعلّق بها ويسمّى عمليًا وفرعيًا، وغير الشرعي ما لا يؤخذ من الشرع كالأحكام العقلية المأخوذة من مجرّد العقل، والاصطلاحية المأخوذة من الإصطلاح. وأكثر ما ذكرنا هو خلاصة ما ذكره المولوي عبد الحكيم في حاشية الخيالي في الخطبة وحاشية شرح الشمسية. ومنها المحكوم عليه. ومنها المحكوم به. قال الجلبي في حاشية المطول في بحث التأكيد: إطلاق الحكم على المحكوم به متعارف عند النحاة كإطلاقه على المحكوم عليه انتهى. وهكذا ذكر السيّد الشريف في حاشية المطول. ومنها نفس القضية على ما ذكر الجلبي أيضًا في حاشية الخيالي، وهذا كما يطلق التصديق على القضية. ومنها القضاء كما يجيئ في لفظ الديانة. وما ذكره الغزالي حيث قال: الحكم والقضاء والقدر: هو توجُّه الأسباب لجانب المسبّبات هو الحكم المطلق. وهو سبحانه وتعالى مسببٌ لجميع الأسباب المجمَل منه والمفضَّل، وعن الحكم يتفرع القضاء والقدر. فإذن: التدبير ٦٩٦ الحُكْم الإلَّهي هو أصلٌ لوضع الأسباب لكي تتوجه نحو مسبَّات وهو الحكم الإلّهي. وقيام الأسباب الكلية وظهورها مثل الأرض والسَّماء والكواكب والحركات المتناسبة لها وغير ذلك مما لا يتغيَّر ولا يتبدَّل حتى يحين وقتها فذلك هو القضاء. ثم توجّه الأسباب هذه للأحوال والحركات المتناسبة والمحدودة والمقدَّرة لجانب الأسباب، وحددت ذلك لحظة بلحظة فهو القدر. إذن فالحكم: هو التدبير الأزلي كله وأَمْرُه كلمح البصر. والقضاء: وضع كلّ الأسباب الكلية الدائمة. والقدر: هو توجيه هذه الأسباب الكلية لمسبباتها المعدودة بعدد معين فلا تزيد ولا تنقص (١). وكذا ذكر المولوي عبد الحق المحدّث في ترجمة المشكاة في باب الإيمان بالقدر . ومنها خطاب الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين. هكذا نُقِل عن الأشعري. وهذا المعنى مصطلحات الأصوليين. والخطاب في اللغة توجيه الكلام نحو الغير ثم نقل إلى الكلام الذي يقع به التخاطب، وبإضافته إلى الله تعالى خرج خطاب مَنْ سواه إذْ لا حكم إلاّ حكمه ووجوب طاعة النبي عليه السلام وأولي الأمر والسيّد إنّما هو بإيجاب الله تعالى إياها . والمراد بالخطاب ههنا ليس المعنى اللغوي، اللّهم إلاّ أنْ يُراد بالحكم المعنى المصدري، بل المراد به المعنى المنقول من الكلام المذكور لكن لا مطلقًا بل الكلام النفسي، لأنّ اللفظي ليس بحكم بل دال عليه سواء أريد بالكلام الذي يقع به التخاطب الكلام الذي من شأنه التخاطب فيكون الكلام خطابًا به أزليًا كما هو رأي الأشعري مِنْ قِدَم الحكم والخطاب بناءً على أزلية تعلّقات الكلام وتنوعه في الأزل أمرًا أو نهيًا أو غيرهما، أو أريد به معناه الظاهر المتبادَر أي الكلام الذي يقع به التخاطب بالفعل، وهو الكلام الذي قصد منه إفهام مَنْ هو متهيئ لفهمه كما ذهب إليه إبن القَطَّان (٢) من أنّ الحكم والخطاب حادثان بناءً على حدوث تعلّقات الكلام وعدم تنوّعه في الأزل، وهذا معنى ما قال إنّ الحكم والخطاب حادثان بل جميع أقسام الكلام مع قدمه فهو لا يسمّى الكلام في الأزل خطابًا. ومعنى تعلقه بأفعال المكلّفين تعلّقه بفعل من أفعالهم لا بجميع أفعالهم على ما يوهم إضافة الجمع من الاستغراق، وإلّ لم يوجد حكم أصلاً إذْ لا خطاب يتعلّق بجميع الأفعال فيشمل خواص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا كإباحة ما فوق الأربع من النساء. لا يقال إذا كان المراد بالخطاب الكلام النفسي ولا شكّ أنّه صفة واحدة فيتحقّق خطاب واحد متعلّق بجميع الأفعال لأنّا نقول الكلام وإنْ كانت صفة واحدة لكن ليس خطابًا إلاّ (١) حكم است وقضا است وقدر است متوجه كردن اسباب بجانب مسببات حكم مطلق است ووي سبحانه تعالى مسبب همه اسباب است مجمل ومفصل واز حکم منشعب ومتفرع میگردد قضا وقدرپس تدبير الهي اصل وضع اسباب راتا متوجه گردد جانب مسببات حكم اوست وقائم کردن اسباب كليه وپيدا كردن آن مثل زمين وآسمان وكواكب وحركات متناسبة آن وجز آن که متغیر ومتبدل نمیشود ومنعدم نمیگردد تا وقتیکه اجل آن دررسد قضا است ومتوجه گردانیدن این اسباب باحوال وحركات متناسبة محدوده ومقدرة محسوبه بجانب مسببات وحادث گشتن آن لحظه بلحظه قدر است پس حكم تدبير اولي كل وامر اوست كلمح البصر وقضا وضع كل مر اسباب كلية دائمة را وقدر توجيه اين اسباب كليه بمسببات معدوده بعدد معين كه زياده ونقصان نگردد. ازینجا است که هیچ چیز از قضا وقدر وي تعالی بیرون نرود وزیادت ونقصان نه پذيرد. (٢) هو علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسي، أبو الحسن ابن القطان. ولد عام ٥٦٢هـ / ١١٦٧ م وتوفي عام ١٢٣٠م. من حفاظ الحديث ونقدته. مناظر جيد. له عدة مؤلفات هامة. الاعلام ٣٣١/٤، جذوة الاقتباس ٢٩٨، شذرات الذهب ١٢٨/٥، معجم المطبوعات ٢١٥. ٦٩٧ الحُكْم باعتبار تعلّقه، وهو متعدّد بحسب المتعلّقات، فلا يكون خطاب واحد متعلقًا بالجميع، وخرج بقوله المتعلّق بأفعال المكلّفين الخطابات المتعلّقة بأحوال ذاته وصفاته وتنزيهاته وغير ذلك ممّا ليس بفعل المكلّف كالقصص. واعترض على الحَدّ بأنه غير مانع إذْ يدخل فيه القصص المبينة لأفعال المكلّفين وأحوالهم والأخبار المتعلّقة بأعمالهم كقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾(١) مع أنّها ليست أحكامًا. وأجيب بأنّ الحيثية معتبرة في الحدود، فالمعنى الحكم خطاب الله متعلّق بفعل المكلّفين من حيث هو فعل المكلّف وليس تعلّق الخطاب بالأفعال في صور النقض من حيث إنّها أفعال المكلّفين هذا لكن اعتبار حيثية التكليف فيما يتعلّق به خطاب الإباحة بل الندب والكراهة موضع تأمّل. ولذا أراد البعض في الحَدّ قولنا بالاقتضاء أو التخيير للإحتراز عن الأمور المذكورة وكلمة أو لتقسيم المحدود دون الحَدّ. ومعنى الإقتضاء الطلب. وهو إمّا طلب الفعل مع المنع عن الترك وهو الإيجاب، أو طلب الترك مع المنع عن الفعل وهو التحريم، أو طلب الفعل بدون المنع عن الترك وهو الندب، أو طلب الترك بدون المنع عن الفعل وهو الكراهة. ومعنى التخيير عدم طلب الفعل والترك وهو الإباحة. إِنْ قيل إذا كان الخطاب متعلّقًا بأفعال المكلّفين في الأزل كما هو رأي الأشعري يلزم طلب الفعل والترك من المعدوم وهو سفه. قلت السفه إنّما هو طلب الفعل أو الترك عن المعدوم حال عدمه. وأمّا طلبه منه على تقدير وجوده فلا، كما إذا قدّر الرجل إبنّا فأمره بطلب العلم حين الوجود لكن بقي أنّه يلزم خروج الخطاب الوضعي من الحَدّ، مع أنّه حكم فإنّ الخطاب نوعان: تكليفي وهو المتعلّق بأفعال المكلفين بالاقتضاء، والتخيير، ووضعي وهو الخطاب باختصاص شيء بشيء وذلك على ثلاثة أقسام: سببي كالخطاب بأنّ هذا سبب لذلك كالدلوك الصلوة، وشرطي كالخطاب بأنّ هذا شرط لذلك كالطهارة للصلوة، ومانعي أي هذا مانع لذلك كالنجاسة للصلوة. فأجاب البعض عنه بأنّ خطاب الوضع ليس بحكم، وإنْ جعلها غيرنا حكمًا إذْ لا مشاحة في الاصطلاح ولو سلّم أنّه حكم فلا نسلّم خروجه عن الحَدّ إذْ المراد من الاقتضاء والتخيير أعمّ من التصريحي والضمني، والخطاب الوضعي من قبيل الضمني إذْ معنى سببية الدلوك وجوب الصلوة عند الدلوك. ومعنى شرطية الطهارة وجوبها في الصلوة أو حرمة الصلوة بدونها. ومعنى مانعية النجاسة حرمة الصلوة معها أو وجوب إزالتها حالة الصلوة، وكذا في جميع الأسباب والشروط والموانع. وبعضهم زاد قيدًا في التعريف ليشتمله، فقال بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، أي وضع الشارع وجعله. فإنْ قلت الحكم يتناول القياس المحتمل للخطأ فكيف ينسب إلى الله تعالى؟ قلت الحاكم في المسئلة الاجتهادية هو الله تعالى إلاَّ أنه لم يحكم إلاّ بالصواب. فالحكم المنسوب إليه هو الحق الذي لا يحوم حوله الباطل، وما وقع من الخطأ للمجتهد فليس بحكم حقيقة بل ظاهرًا وهو معذور في ذلك . قال صدر الشريعة بعضهم عَرّف الحكم الشرعي بهذا التعريف المذكور، فإذا كان هذا التعريف للحكم فمعنى الشرعي ما يتوقّف على الشرع فيكون قيدًا مخرِجًا لوجوب الإيمان ونحوه. وإذا كان تعريفًا للحكم الشرعي فمعنى الشرعي ما ورد به خطاب الشارع لا ما يتوقّف (١) الصافات / ٩٦. ٦٩٨ الحُكْم على الشرع، وإلّ لكان الحَدّ أعمّ من المحدود لتناوله مثل وجوب الإيمان. ومعنى الحكم في قولنا الحكم الشرعي على هذا إسناد أمرٍ إلى آخر، وإلاّ لزم تكرار قيد الشرعي. وقال الآمدي الحكم خطاب الشارع لفائدة شرعية. قيل إنْ فَسَّر الآمدي الفائدة الشرعية بمتعلّق الحكم فدور، ولو سَلّم أنْ لا دور فلا دليل عليه في اللفظ. وإنْ فَسّرها بما لا تكون حِسّية ولا عقلية على ما يُشعر به كلامه حيث قال: هذا القيد احتراز عن خطابه بما لا يفيد فائدة شرعية كالإخبار عن المحسوسات والمعقولات، وَردّ على طرد الحَدّ إخبار الشارع بالمغيبات كقوله تعالى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾(١) فزيد قيد يختصّ به ليخرج ما أورد عليه إذْ لا تحصل تلك الفائدة إلاّ بالاطلاع على الخطاب لأنّ فائدة الإخبار عن المغيّبات قد يُطَلَعُ عليها لا من خطاب الشرع، إذْ لكل خبر مدلول خارجي قد يُعلَمُ وقوعه بطريق آخر كالإحساس في المحسوسات والضرورة، والاستدلال في المعقولات والإلهام، مثلاً في المغيبات فإن للخبر لفظًا ومعنى ثابتًا في نفس المتكلم يدلّ عليه اللفظ فيرتسم في نفس السامع، هو مفهوم الطرفين والحكم، ومتعلقًا لذلك المعنى هو النسبة المتحققة في نفس الأمر بين الطرفين يشعر اللفظ بوقوعه في الخارج. لكن الإشعار بوقوعه لا يستلزم وقوعه بل قد يكون واقعًا فيكون الخبر صادقًا وقد لا يكون فيكون كاذبًا، بخلاف الحكم بالمعنى المذكور فإنّه إنشاء والإنشاء له لفظ ومعنى يدلّ عليه لكن ليس لمعناه متعلّق يقصد الإشعار والإعلام به، بل إنّما يقصد به الإشعار بنفس ذلك المعنى الثابت في النفس كالطّلب مثلاً في الإنشاءات الطلبية. ومثل هذا المعنى لا يُعلم إلّ باللفظ توقيفًا، أي بطريق جعل السامع واقفًا على ثبوته في النفس، فيختصّ بالخطاب الدال عليه. فمثل قوله تعالى ﴿كتب عليكم الصيام﴾(٢) إنْ قُصِدَ به الإعلام بنسبة واقعة سابقة كان خبرًا فلا يكون حُكمًا بالمعنى المذكور، وإنْ قُصِدَ به الإعلام بالطلب القائم بالنفس كان إنشاءً فيكون حكمًا. قيل ههنا دور إذْ معرفة الخطاب المفيدةُ فائِدة مختصّة به موقوفة على تصوّر الفائدة المختصّة ضرورة توقّف الكلام على تصوّر أجزائه، وهي متوقّفة على الخطاب فيلزم الدور. قيل جوابه أنّ المتوقّف على الخطاب حصول الفائدة، وما توقّف عليه الخطاب تصوّرها وحصول الشيء غير تصوّره فلا دور. قيل لا حاجة إلى زيادة القيد بل الحَدّ مطرد ومنعكس لا غبار عليه وذلك بأنْ تفسَّر الفائدة الشرعية بتحصيل ما هو حصولها بخطاب الشارع دون ما هو حاصل في نفسه ولو في المستقبل، وَرَدَ به خطاب الشرعِ أمْ لا، لكنه يعلم بخطابه كالمغيّبات، فإنّ الإخبار عنها لا يحصلها بل يفيد العلمُ بها. لكن بقي بعد شيء وهو أنّ مثل قوله تعالى ﴿فتعم الماهدون﴾(٣) و﴿نعم العبد﴾(٤) يدخل في الحَدّ وليس بحكم. ومنها الأثر الثابت بالشيء كما وقع في الهادية حاشية الكافية في بحث المعرب. وفي العارفية حاشية شرح الوقاية(٥) في بيان الوضوء (١) الروم / ٣. (٢) البقرة/ ١٨٣ . (٣) الذاريات/ ٤٨ . (٤) ص / ٣٠. (٥) الفوائد العارفية: السيد مهدي الحنفي من القرن الثاني عشر الهجري بالهند. وهذا الكتاب من شروح الوقاية لصدر الشريعة الأول عبد الله بن محمود بن محمد المحبوبي من القرن السابع للهجرة. بروکلمان، ج ٦، ص ٣٢٥. ٦٩٩ الحُكْم كون الحكم بمعنى الأثر الثابت بالشيء إنما هو من أوضاع الفقهاء واصطلاحات المتأخرين انتهى. وفي التوضيح يطلقون الحكم على ما ثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة مجازًا بطريق إطلاق إسم المصدر على المفعول كالخلق على المخلوق. لكن لما شاع فيه صار منقولاً اصطلاحيًا وهو حقيقة اصطلاحية انتهى. وحاصل هذا أنّ الحكم عند الفقهاء هو أثر خطاب الشارع. ومنها الأثر المترتّب على العقود والفسوخ كملك الرقبة أو المتعة أو المنفعة المترتّب على فعل المكلّف وهو الشراء. وفي التلويح في باب الحكم إطلاق الحكم في الشرع على خطاب الشارع وعلى الأثر المترتّب على العقود والفسوخ إنّما هو بطريق الإشتراك انتهى. فعلم من هذا أنّ إطلاق الحكم على الأثر الثابت بالشيء ليس من أوضاع الفقهاء كما ذكره صاحب العارفية، اللهم إلاّ أنْ يُراد بالشيء خطاب الشارع أو العقود والفسوخ. نعم إطلاقه بهذا المعنى شائع في عرفهم وعرف غيرهم. قال المولوي عصام الدين في حاشية الفوائد الضيائية: تفسير الحكم بالأثر المترتّب على الشيء مما أتى به أقوام بعد أقوام وإنْ لم أعثر على مأخذه في أفانين الكلام انتهى. ومنها الخاصة كما وقع في الحاشية الهندية في بحث المعرب. قال في الهادية هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأنّ حكم الشيء أي أثره لا يكون إلاّ مختصًا به ضرورة استحالة توارد المؤثّرين على أثر واحد. تقسیم ما يُطلق عليه لفظ الحكم شرعًا على ما اختاره صدر الشريعة في التوضيح هو ما حاصله أنّ الحكم إمّا حكم بتعلّق شيء بشيء أوْ لا. فإنْ لم يكن فالحكم إمّا صفة لفعل المكلّف أو أثر له. فإنْ كان أثرًا كالملك فلا بحث ههنا عنه، وإنْ كان صفةً فالمعتبَر فيه اعتبارًا أوليًا إمّا المقاصد الدنيوية أو الأخروية. فالأول ينقسم الفعل بالنظر إليه تارةً إلى صحيح وباطل وفاسد وتارة إلى منعقد وغير منعقد، وتارةً إلى نافذ وغير نافذ، وتارة إلى لازم وغير لازم، والثاني إمّا أصلي أو غير أصلي. فالأصلي إمّا أنْ يكون الفعل أولى من الترك أو الترك أولى من الفعل، أو لا يكون أحدهما أولى. فالأوّل إنْ كان مع منع الترك بدليل قطعي ففرض أو بظني فواجب، وإلاّ فإنْ كان الفعل طريقة مسلوكة في الدين فسنة، وإلاّ فندب. والثاني إنْ كان مع منع الفعل فحرام وإلاّ فمكروه. والثالث مباح وغير الأصلي رخصة. وإنْ كان حكمًا بتعلّق شيء بشيء فالمتعلّق إنْ كان داخلاً فركن، وإلاّ فإنْ كان مؤثّرًا فيه فعلّة، وإلاّ فإنْ كان موصِلاً إليه في الجملة فسبّب، وإلاّ فإنْ توقّف الشيء عليه فشرط، وإلاّ فعلامة. وإنّما قلنا هذا تقسيم ما يُطلق عليه لفظ الحكم شرعًا إذْ لو أريد بالحكم خطاب الشارع أو أثره لا يشمل الحكم نحو الملك لأنّ الملك إنّما ثبت بفعل المكلّف لا الخطاب. فالمقصود ههنا بيان أقسام ما يُطلق عليه لفظ الحكم في الشرع. فإنّ التحقيق أَنَّ إطلاق الحكم على خطاب الشرع وعلى أثره وعلى الأثر المترتّب على العقود والفسوخ إنّما هو بطريق الإشتراك، هكذا ذكر في التلويح في باب الحكم. ومثل هذا تقسيمهم العلّة إلى سبعة أقسام كما يجي في محله. إعلمْ أنّ أفعال المكلَّف اثنا عشر قسمًا لأنّ ما يأتي به المكلّف إنْ تساوى فعله وتركه فمباح، وإلاّ فإنْ كان فعله أولى فمع المنع عن الترك واجب وبدونه مندوب. وإنْ كان تركه أولى فمع المنع عن الفعل بدليل قطعي حرام وبدليل ظنّي مكروه كراهةَ التحريم، وبدون المنع ٧٠٠ الحُكْم عن الفعل مكروه كراهة التنزيه، هذا على رأي محمد. وأمّا على رأيهما فهو أنّ ما يكون تركه أولى من فعله فهو مع المنع عن الفعل حرام، وبدونه مكروه كراهة التنزيه إنْ كان إلى الحِلّ أقرب، بمعنى أنّه لا يعاقَب فاعله لكن يُئاب تاركه أدنى ثواب، ومكروه كراهة التحريم إنْ كان إلى الحرام أقرب، بمعنى أنّ فاعله يستحق محذورًا دون العقوبة بالنار. ثم المراد بالواجب ما يشمل الفرض أيضًا لأنّ استعماله بهذا المعنى شائع عندهم كقولهم الزكوة واجبة والحج واجب، بخلاف إطلاق الحرام على المكروه تحريماً فإنه ليس بشائع. والمراد بالمندوب ما يشمل السّنة الغير المؤكدّة والنفل. وأمّا السّنة المؤكّدة فهي داخلة في الواجب على الأصح، فصارت الأقسام ستة، ولكلٍّ منها طرفان، فعل أي الإيقاع، وترك أي عدم الفعل، فيصير اثنا عشر قسمًا، هكذا في التلويح وحواشيه . خاتمة قد عرفت أنّ الحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الله تعالى. فالإيجاب هو نفس معنى قوله إفعل وهو قائم بذاته سبحانه، وليس للفعل من الإيجاب المتعلّق به صفة حقيقية قائمة به تسمّى وجوبًا. فإنّ القول لفظيًا كان أو نفسيًا ليس لمتعلّقه منه صفة حقيقية، أي لا يحصل لما يتعلّق به القول بسبب تعلّقه به صفة موجودة لأنّ القول يتعلّق بالمعدوم كما يتعلّق بالموجود. فلو اقتضى تعلّقه تلك الصفة لكان المعدوم متصفًا بصفة حقيقية، وهو أي معنى قوله إفعلْ إذ أُنسِبَ إلى الحاكم تعالى لقيامه به يسمّى إيجابًا، وإذا نُسِبَ إلى ما فيه الحكم وهو الفعل لتعلّقه به يسمّى وجوبًا، فالإيجاب والوجوب متّحدان بالذات لأنّهما ذلك المعنى القائم بذاته تعالى المتعلّق بالفعل مختلفان بالاعتبار لأنّه باعتبار القيام إيجاب وباعتبار التعلّق وجوب، وكذا الحال في التحريم والحرمة وترتّب الوجوب على الإيجاب بأنْ يقال أوجب الفعل، فوجب مبني على التغاير الاعتباري، فلا ينافي الإتّحاد الذاتي. وهذا كما قيل التعليم والتعلّم واحد بالذات واثنان بالاعتبار لأنّ شيئًا واحدًا وهو إسباق مّا إلى اكتساب مجهول بمعلوم يسمّى بالقياس إلى الذي يحصل فيه تعلّمًا، وبالقياس إلى الذي يحصل منه تعليمًا، كالتّحرّك والتّحريك. فلذلك الإتحاد ترى الأصوليين يجعلون أقسام الحكم الوجوب والحرمة تارةً والإيجاب والتحريم أخرى ومرة الوجوب والتحريم. قيل ما ذكرتم إنما يدلّ على أنّ الفعل من حيث تعلّق به القول لم يتصف بصفة حقيقية يسمّى وجوبًا، لكن لِمَ لا يجوز أنْ يكون صفةً اعتباريةً هي المُسمّاة بالوجوب، أعني كونه حيث تعلّق به الإيجاب، بل هذا هو الظاهر، فيكون كلٌّ من الموجِب والواجب متصفًا بما هو قائم به. ولا شكَّ أنّ القائم بالفعل ما ذكرناه لا نفس القول، وإنْ كانت هناك نسبة قيام باعتبار التعلّق. ولو ثبت أنّ الوجوب صفة حقيقية لَتَمَّ المراد إذْ ليس هناك صفة حقيقية سوى ما ذكر إلاّ أنّ الكلام في ذلك. واعلمْ أنّ النزاع لفظي إذْ لا شكَّ في خطابٍ نفساني قائم بذاته تعالى متعلّق بالفعل يسمّى إيجابًا مثلاً، وفي أنّ الفعل بحيث يتعلّق به ذلك الخطاب الإيجابي يسمّى وجوبًا. فلفظ الوجوب إنْ أطلق على ذلك الخطاب من حيث تعلقه بالفعل كان الأمر على ما سبق، ولا يلزم المسامحة في وصف الفعل حينئذ بالوجوب، وإنْ أطلق على كون الفعل تعلّق به ذلك الخطاب لم يتحدا بالذات، وتلزم المسامحة في عباراتهم حيث أطلق أحدهما على الآخر. هذا كله خلاصة ما في العضدي وحواشيه.