النص المفهرس
صفحات 221-240
١٦١ الإسْتِعارة عقليان . الخامس استعارة معقول لمحسوس والجامع عقلي نحو: ﴿إِنّا لمّا طَفَى الماءُ﴾(١) المستعار منه التكبّر وهو عقلي والمستعار له كثرةُ الماء وهو حسّي، والجامع الاستعلاء وهو عقلي أيضًا. هذا هو الموافق لما ذكره السكاكي، وزاد الخطيب قسمًا سادسًا وهو استعارة محسوس لمحسوس والجامع مختلف بعضه حسّي وبعضه عقلي، كقولك رأيت شمسًا وأنت تريد إنسانًا كالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن، فحسن الطلعة حسّي ونباهة الشأن عقلية ومعنى الحسّي والعقلي قد مَرّ في التشبيه الرابع باعتبار اللفظ إلى قسمين لأن اللفظ المستعار إنْ كان اسم جنس فاستعارة أصلية كأسدٍ وقتلٍ للشجاعِ والضربِ الشديدِ، وإلّ فاستعارة تبعية كالفعل والمشتقّات وسائر الحروف. والمراد باسم الجنس ما دَلَّ على نفس الذّات الصالحة لأنْ تصدق على كثيرين من غير اعتبار وصف من الأوصاف، والمراد بالذات ما يستقلّ بالمفهومية. وقولنا من غير اعتبار وصف أي من غير اعتبار وصف متعلّق بهذا الذات فلا يتوهّم الإشكال بأنّ الفعل وصف وهو ملحوظ فدخل علم الجنس في حدّ اسم الجنس، وخرج العَلَم الشخصي والصفات وأسماء الزمان والمكان والآلة. ثم المراد باسم الجنس أعمّ من الحقيقي، والحكمي أي المتأوّل باسم الجنس نحو حاتم فإن الاستعارة فيه أصلية، وفيه نظر لأن الحاتم مأوّل بالمتناهي في الجود فيكون متأوّلاً بصفة، وقد استعير من مفهوم المتناهي في الجود لمن له كمال جودٍ فيكون مُلحقًا بالتبعية دون الأصلية. وأجيب بأنّ مفهوم الحاتم وإن تضمّن نوع وصفية لكنه لم يصر به كليًا بل اشتهر ذاته المشخصة بوصف من الأوصاف خارج عن مدلوله كاشتهار الأجناس بأوصافها الخارجة عن مفهوماتها بخلاف الأسماء المشتقّة فإن المعاني المصدرية المعتبرة فيها داخلة في مفهوماتها الأصلية فلذلك كانت الأعلام المشتهرة بنوع وصفية ملحقة بأسماء الأجناس دون الصفات. والحاصل أنّ اسم الجنس يدلّ على ذاتٍ صالحة للموصوفية مشتهرَة بمعنى يصلح أنْ يكون وجه الشبه، وكذا العَلَم إذا اشتهر بمعنى، فالإستعارة فيهما أصلية والأفعال والحروف لا تصلح للموصوفية وكذا المشتقات. وإنما كانت استعارة الفعل وما يُشتق منه والحرف تبعية لأنّ الفعل والمشتقات موضوعة بوضعين: وضع المادة والهيأة فإذا كان في استعاراتها لا تتغير معاني الهيئات فلا وجه لاستعارة الهيئة، فالاستعارة فيها إنما هي باعتبار موادّها، فيستعار مصدرها ليستعار موادّها تبعية استعارة المصدر، وكذا إذا استُعير الفعل باعتبار الزمان كما يعبر عن المستقبل بالماضي تكون تبعيةً لتشبيه الضَّرْب في المستقبل مثلاً بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع، فيستعار له ضرب، فاستعارة الهيئة ليست بتبعية استعارة المصدر، بل اللفظ بتمامه مستعار بتبعية استعارة الجزء، وكذا الحروف، فإن الاستعارة فيها تجري أولاً في متعلق معناها وهو ههنا ما يُعبّر عنها به عند تفسير معانيها، كقولنا: مِنْ معناه الابتداء وإلى معناه الانتهاء نحو: ﴿فَالْتَقَطِه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا﴾(٢) شبّه ترتّب العداوة والحزن على الالتقاط بترتّب علته الغائية عليه، ثم استُعير في المشبه اللّم الموضوعة (١) الحاقة/ ١١ . (٢) القصص / ٨. ١٦٢ الإسْتِعارَة للمشبّه به فيكون الاستعارة في اللّم تبعًا للاستعارة في المجرور. ثم إعلمْ أنّ الاستعارة في الفعل على قسمين: أحدهما أن يشبّه الضرب الشديد مثلاً بالقتل ويستعار له إسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربًا شديدًا، والثاني أن يشبّه الضرب في المستقبل بالضرب في الماضي مثلاً في تحقق الوقوع فيستعمل فيه ضرب فيكون المعنى المصدري أعني الضرب موجودًا في كلِّ من المشبّه والمشبّه به، لكنه قيّد في كل واحد منهما بقيد مغايرٍ للآخر فصحَّ التشبيه لذلك، كذا أفاده المحقق الشريف (١). لكن ذكر العلامة عضد الملة(٢) والدين في الفوائد الغيائية (٣) أنّ الفعل يدلّ على النسبة ويستدعي حدثًا وزمانًا، والاستعارة متصوّرة في كلّ واحد من الثلاثة، ففي النسبة كهَزَم الأمير الجندَ، وفي الزمان كنادى أصحاب الجنّة، وفي الحدث نحو فبشّرهم بعذاب أليم، انتهى؛ وذلك لأن الفعل قد يوضع للنسبة الإنشائية نحو اضرب وهي مشتهرة بصفات تصلح لأن يشبه بها كالوجوب، وقد يوضع للنسبة الإخبارية وهي مشتهرة بالمطابقة واللامطابقة، ويستعار الفعل من أحدهما للآخر كاستعارة رحمه الله لا رحمه، واستعارة فليتبوّء في قوله عليه السلام ((مَنْ تَبَوّأ عليَّ الكذب فليتبوّأ مقعده على النار))(٤) للنسبة الاستقبالية الخبرية فإنه بمعنى يتبوّأ مقعده من النار، صرّح به في شرح الحديث، وردّه صاحب الأطول بأنّ النسبة جزء معنى الفعل فلا يُستعار عنها، بخلاف المصدر فإنه لا يُستعار من معناه الفعل بل يُستعار من معناه نفس المصدر ويشتق منه الفعل، ولا يمكن مثله في النسبة، فالحقّ عدم جريانها في النسبة كما قاله السيد السنّد . فائدة : قال الفاضل الجلبي: القوم إنما تعرّضوا للاستعارة التبعية المصرّحة، والظاهر تحقق الاستعارة التبعية المَكْنِيّة كما في قولك: أعجبني الضارب دم زيد، ولعلهم لم يتعرضوا لها لعدم وجدانهم إياها في كلام البُلغاء. فائدة : لم يقسموا المجاز المرسل إلى الأصلي والتبعي على قياس الإستعارة لكن ربما يُشعر بذلك كلامهم. قال في المفتاح: ومن أمثلة المجاز قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاسْتَعِذْ بالله﴾(٥) استعمل قرأت مكان أردت القراءة لكون القراءة مُسَيّة من إرادتها استعمالاً مجازيًا، يعني استعمال المشتقّ بتبعية المشتقّ منه، كذا في شرح بعض رسائل الاستعارة. الخامس باعتبار المقارنة بما يلائم شيئًا (١) الجرجاني: هو علي بن محمد بن علي، المعروف بالشريف الجرجاني. ولد قرب استراباد عام ٧٤٠هـ/ ١٣٤٠م. ومات بشيراز عام ٨١٦هـ/ ١٤١٣م. فيلسوف، من كبار علماء العربية. له أكثر من خمسين مصنّفًا. الأعلام ٧/٥، الفوائد البهية ١٢٥، مفتاح السعادة ١٦٧/١، دائرة المعارف الإسلامية ٣٣٣/٦، الضوء اللامع ٣٢٨/٥، آداب اللغة ٢٣٥/٣. (٢) عضد الدين الإيجي: هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل، عضد الدين الإيجي. توفي عام ٧٥٦هـ/ ١٣٥٥م. مسجونًا بقلعة كرمان. عالم بالأصول والمعاني والعربية والكلام. له تصانيف هامة. الاعلام ٢٩٥/٣، بغية الوعاة ٢٩٦، مفتاح السعادة ١٦٩/١، الدرر الكامنة ٢/ ٣٢٢، طبقات السبكي ١٠٨/٦. (٣) الفوائد الغيائية (معاني وبيان) لعضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي (- ٧٥٦هـ) كشف الظنون ١٢٩٩/٢. أسماء الكتب ٢٢٩. (٤) أخرجه مسلم في الصحيح، ١٠/١، عن أبي هريرة، المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله ﴿ (٢)، حديث رقم ٣/٣، بلفظ: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)). (٥) النحل / ٩٨. ١٦٣ الإسْتِعارَة من الطرفين وعدمها إلى ثلاثة أقسام: أحدها المطلقة وهي ما لم يقترن بصفة ولا تفريع مما يلائم المستعار له أو المستعار منه، نحو عندي أسد، والمراد بالإقتران بما يلائم الإقترانُ بما يلائم مما سوى القرينة، وإلاّ فالقرينة مما يلائم المستعار له، فلا يوجد استعارة مطلقة، والمراد بالصفة المعنويّةُ لا النعت النحوي، والمراد بالتفريع ما يكون إيراده فرع الاستعارة سواء ذكر على صورة التفريع وهو تصديره بالفاء أوْ لا، وثانيها المجرّدة وهي ما قُرن بما يلائم المستعار له، وينبغي أن يقيّد ما يلائم المستعار له بأن لا يكون فيه تبعيد الكلام عن الاستعارة وتزييف لدعوى الاتحاد إذْ ذكروا أنّ في التجريد كثرة المبالغة في التشبيه كقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَها الله لباسَ الجوعِ والخوف﴾(١) فإنّ الإذاقة تجريد اللباس المستعار الشدائد الجوع والخوف بعلاقة العموم لجميع البدن عموم اللباس، ولذا اختاره على طعم الجوع الذي هو أنسب بالإذاقة. وإنما كانت الإذاقة من ملائمات المستعار له مع أنه ليس الجوع والخوف من المطعومات لأنه شاعت الإذاقة في البلايا والشدائد وجرت مجرى الحقيقة في إصابتها، فيقولون ذاق فلان البؤس والضرّ، وأذاقه العذاب، شبّه ما يُدرك من أثر الضرّ والألم بما يُدرك من طعم المُرّ والبَشِع، واختار التجريد على الترشيح، ولم يقلْ فكساها الله لباس الجوع والخوف لأن الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس من غير عكس، فكان في الإذاقة إشعارٌ بشدة الإصابة ليست في الكسوة. وثالثها المرشّحة وتُسمّى الترشيحية أيضًا وهي ما قُرن بما يلائم المستعار منه نحو: ﴿أولئك الذين اشتَرَوْا الضلالَة بالهدى فما ربحتْ تجارتهم﴾(٢) فإنه استعار الاشتراء للاستبدال والاختيار، ثم فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من (١) النحل / ١١٢. (٢) البقرة/ ١٦ . فَوْت الرّبح واعتبار التجارة. ثم أنهم لم يلتفتوا إلى ما يقرن بما يلائم المستعار له في الاستعارة بالكناية مع أنه أيضًا ترشيح لأنه ليس هناك لفظ يُسمّى استعارة، بل تشبيه محض، وكلامهم في الاستعارة المرشّحة التي هي قسم من المجاز لا في ترشيح يشتمل ترشيح الاستعارة والتشبيه المضمر في النفس. وأما عدم التفات السكّاكي فيوهِم ما ليس عنده وهو أنّ المرشّحة من أقسام الاستعارة المصرّحة، إذْ التحقيق أنّ الاستعارة بالكناية إذا زيد فيها على المَكْنِيّة ما يلائمها تَصِيرُ مرشّحة عنده، كذا في الاطول. فائدة : قال أبو القاسم: تقسيمهم الاستعارة المصرّحة إلى المجردة والمرشحة يُشعر بأنّ الترشيح والتجريد إنما يجريان في الاستعارة المصرّح بها دون المَكْنيّ عنها، والصواب أنّ ما زاد في المَكْنية على قرينتها أعني إثبات لازم واحد يُعدّ ترشيحًا لها؛ ثم التجريد والترشيح إنما يكونان بعد تمام الاستعارة، فلا يُعَدّ قرينة المصرح بها تجريدًا ولا قرينة المَكْني عنها ترشیحًا، انتهى. فائدة : قال صاحب الأطول: إذا اجتمع ملائمان للمستعار له فهل يتعيّن أحدٌ للقرينة أو الاختيار إلى السامع يجعل أيهما شاء قرينة والآخر تجريدًا؟ قال بعض الأفاضل: ما هو أقوى دلالة على الإرادة للقرينة والآخر للتجريد. ونحن نقول أيهما سبق في الدلالة على المراد قرينة والآخر تجريد، كيف لا والقرينة ما نُصِبَ للدّلالة على المراد، وقد سبق أحد الأمرين في الدلالة، فلا معنى لنصب اللاحق، والاوجه أنّ كلاًّ من الملائمين المجتمعين إنْ صَلُح قرينةً فقرينة، ومع ١٦٤ الإسْتِعارة ذلك الاستعارة مجرّدة، ولا تقابل بين المجرّدة ومتعددة القرينة، بل كل متعددة القرينة مجرّدة. فائدة : قد يجتمع التجريد والترشيح كقول زهير (١) : لدى أسد شاكي السلاح مقذَّف له لبد أظفاره لم تقَلَّمِ ووجه اجتماعهما صرف دعوى الاتحاد إلى المشبّه المقارن بالصفة والتفريع والمشبّه به حتى يستدعى الدعوى ثبوت الملائم للمشبه به أيضًا . فائدة : الترشيح أبلغ من التجريد والإطلاق ومن جمع الترشيح والتجريد لاشتماله على تحقيق المبالغة في ظهور العينية التي هي توجب كمال المُبالغة في التشبيه، فيكون أكثر مبالغة وأتمّ مناسبة بالاستعارة، وكذا الإطلاق أبلغ من التجريد. ومبنى الترشيحية على أن المستعار له عين المستعار منه لا شيءَ شبيهٌ به. فائدة : في شرح بعض رسائل الإستعارة الترشيح يجوز أن يكون باقيًا على حقيقته تابعًا في الذِّكْر للتعبير عن الشيء بلفظ الإستعارة ولا يقصد به إلاّ تقويتها، كأَنّه نقل لفظ المشبه به مع رديفه إلى المشبّه، ويجوز أنْ يكون مستعارًا من ملائم المستعار منه لملائِم المستعار له، ويكون ترشيح الإستعارة بمجرد أنه عبّر عن ملائم المستعار له بلفظِ موضوع لملائِم المستعار منه. هذا ولا يخفى أنَّ هَذا لا يُخَصّ بكون لفظِ ملائم المستعار منه مستعارًا، بل يتحقّق الترشيح بذلك التعبير على وجه الاستعارة كان أو على وجه المجاز المرسل، إمّا للملائم المذكور أو للقدر المشترك بين المشبّه والمشبّه به، وأنّه يحتمل مثلَ ذلك في التجريد أيضًا، ويحتمل تلك الوجوه قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ (٢) حيث استعير الحبل للعهد في أن يكون وسيلة لربط شيء لشيء، وذكر الاعتصام وهو التمسك بالحبل ترشيحًا إما باقيًا على معناه للوثوق بالعهد أو مجازًا مرسلاً في الوثوق بالعهد، لعلاقة الإطلاق والتقييد فيكون مجازًا مرسلاً بمرتبتين، أو في الوثوق، كأنه قيل ثِقوا بعهد الله، وحينئذ كلّ من الترشيح والاستعارة ترشيح للآخر. السادس باعتبار أمرٍ آخر إلى أربعة أقسام: تصريحية ومَكْنية وتحقيقية وتخييلية. فالتصريحية وتُسمّى بالمصرّحة أيضًا هي التي ذُكر فيها المشبّه به. والمَكْنية ما يقابلها وتُسمّى الاستعارة بالكناية أيضًا. إعلم أنه اتفقت كلمة القوم على أنه إذا لم يُذْكر من أركان تشبيه شيء بشيء سوى المشبّه وذُكر معه ما يخصّ المشبّه به كان هناك إستعارة بالكناية واستعارة تخييلية، كقولنا : أظفار المنيّة أي الموت نَشِبَتْ بفلانٍ، لكن اضطربت أقوالهم في تشخيص المعنيين اللذين يطلق عليهما هذان اللفظان. ومحصّل ذلك يرجع إلى ثلاثة أقوال: أحدها ما ذهب إليه القدماء وهو أنّ المستعار بالكناية لفظ المشبه به المستعار للمشبه في النفس المرموز إليه بذكر لازمه من غير تقدير في نظم الكلام، وذِكْر اللازم قرينة على قصده من غرض وإثبات ذلك (١) زهير بن أبي سلمى: هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني المضري. توفي عام ١٣ ق. هـ / ٦٠٩م. من حكماء العرب في الجاهلية وشعرائهم. له شعر جيد ومنه المعلقة المعروفة. ابنه كعب واخته سُلمى. وقد طبع له ديوان. الاعلام ٥٢/٣، الأغاني ٨٨/١٠، شرح شواهد المغني ٤٨، جمهرة الانساب ٢٥، معاهد التنصيص ٣٢٧/١، آداب اللغة ١٠٥/١، الشعر والشعراء ٤٤ . (٢) آل عمران/ ١٠٣. ١٦٥ الإسْتِعارة اللازم للمشبّه إستعارة تخييلية. ففي المثال المذكور الاستعارة بالكناية السبع المستعار للمنيّة الذي لم يُذْكر اعتمادًا على أنّ إضافة الأظفار إلى المنّة تدل على أن السبع مستعار لها . والاستعارة التخييلية إثبات الأظفار للمنية، فحينئذ وجهُ تسميتها بالمَكْنِية وبالاستعارة بالكناية ظاهر لأنها استعارة بالمعنى المصطلح ومتلبسة بالكناية بالمعنى اللغوي، أي الخفاء، وكذا تسميتها بالتخييلية لاستلزامها إستعارة لازم المشبه به للمشبّه، وتخييل أنّ المشبّه من جنس المشبّه به. وثانيها ما ذهب إليه السكّاكي صريحًا حيث قال: الاستعارة بالكناية لفظ المشبّه المستعمل في المشبّه به ادعاءً أي بادعاء أنه عينه بقرينة استعارة لفظٍ هو من لوازم المشبّه به بصورة متوهّمة متخيّلة شبيهة به أثبتت للمشبّه، فالمراد بالمنيّة عنده هو السبع بادعاء السبعية لها وإنكار أنْ تكون شيئًا غير السبع بقرينة إضافة الأظفار التي من خواص السبع إليها. ولا خفاء في أن تسميتها بالاستعارة بالكناية أو المكنية غير ظاهر حينئذ، وفي جعله إياها قسمًا من الإستعارة التي هي قسم من المجاز، وجعلٌ إضافةِ الأظفار قرينةُ الاستعارة نظرًا لأنّ لفظ المشبه فيها هو المستعمَل في ما وضع له تحقيقًا، والاستعارة ليست كذلك. واختار السكّاكي رَدّ التبعية إلى المَكْني عنها بجعل قرينتها إستعارة بالكناية وجعلها أي التبعية قرينةً لها، على عكس ما ذكره القومِ في مثل نطقت الحال من أنّ نطقت استعارة لِدَلَّتْ والحال قرينة لها. هذا ولكن في كون ذلك مختار السكاكي نظرًا لأنه قال في آخر بحث الاستعارة التبعية: هذا ما أمكن من تلخيص كلام الأصحاب في هذا الفصل، ولو أنهم جعلوا قسم الاستعارة التبعية من قسم الاستعارة بالكناية بأن قلبوا، فجعلوا في قولهم نَطَقَتِ الحالُ هكذا الحالُ التي ذكرها عندهم قرينة الاستعارة بالتصريح استعارة بالكناية عن المتكلّم بواسطة المبالغة في التشبيه على مقتضى المقام، وجعلوا نسبة النطق إليه قرينة الاستعارة، كما تراهم في قولهم: وإذا المنيّة انشبت أظفارها، يجعلون المنيّة إستعارة بالكناية عن السبع ويجعلون إثبات الأظفار لها قرينة الاستعارة لكان أقرب إلى الضبط فتدبر، انتهى كلامه. وهو صريح في أنه رَدّ التبعية إلى المَكْنية على قاعدة القوم، فحينئذ لا حاجة له إلى استعارة قرينة المَكْنية لشيء حتى تبقى التبعية مع ذلك بحالها، ولا يتقلّل الأقسام بهذا أيضًا. فإن قلت لم يجعل السلف المَكْنية المشبّه المستعمل في المشبّه به كما اعتبره في هذا الرّدّ، فكيف يتأتى لك توجيه كلامه بأنّ رَدّه على قاعدة السلف من غير أنْ يكون مختارًا له؟ قلت: لا شبهة فيما ذكرنا والعهدة عليه في قوله، كما تراهم في قولهم: وإذا المنية أنشبت أظفارها، يجعلون المنية استعارة بالكناية، ولا يضرّنا فيما ذكرنا من توجيه كلامه. وأما التخييلية عند السكاكي فما سيأتي. وثالثها ما ذهب إليه الخطيب وهي التشبيه المضمر في النفس الذي لم يذكر شيء من أركانه سوى المشبّه ودل عليه أي على ذلك التشبيه بأن يثبت للمشبه أمر مختصّ بالمشبه به من غير أن يكون هناك أمرُ متحقق حسًّا وعقلاً يجري عليه اسم ذلك الأمر، ويُسمّى إثبات ذلك الأمر استعارة تخييلية، والمراد بالتشبيه التشبيه اللغوي لا الاصطلاحي، فلا يُرَدّ أَنْ ذِكْر المشبّه به واجب ألبتة في التشبيه، وإنما قيل: ودلّ عليه الخ ليشتمل زيدًا في جواب من يشبه الأسد؛ وعلى هذا التسمية بالاستعارة غير ظاهر وإنْ كان كونها كناية غير مخفي. وبالجملة ففي المَكْنية ثلاثة أقوال، وفي التخييلية قولان: أحدهما قول السكاكي كما يجيء، والآخر قول غيره. وعلى هذا المذهب الثالث كلٌّ من لفظي الأظفار والمنّة في المثال المذكور حقيقتان مستعملتان ١٦٦ الإسْتِعارَة في المعنى الموضوع له، وليس في الكلام مجاز لغوي، وإنما المجاز هو إثبات شيء لشيء ليس هو له، وعلى هذا هو عقلي كإثبات الإنبات للربيع. والاستعارة بالكناية والتخييلية أمران معنويان، وهما فعلا المتكلم، ويتلازمان في الكلام لأن التخييلية يجب أن تكون قرينةً للمَكْنية ألبتة، وهي يجب أنْ تكون قرينة للتخيلية ألبتة . فائدة : قال صاحب الأطول: ومن غرائب السوائح وعجائب اللوائح أن الاستعارة بالكناية فيما بين الاستعارات معلومة مبنية على التشبيه المقلوب لكمال المبالغة في التشبيه، فهو أبلغ من المصرّحة، فكما أنّ قولنا السبع كالمنّة تشبيهٌ مقلوب يعود الغرض منه إلى المشبّه به، كذلك أنْشَبَتْ المنية أظفارها استعارة مقلوبة استُعير بعد تشبيه السبع بالمنية المنيةَ للسبع الادعائي، وأريد بالمنية معناها بعد جعلها سبعًا تنبيهًا على أنّ المنيّة بلغت في الاغتيال مرتبة ينبغي أن يُستعار للسبع عنها اسمها دون العكس، فالمنية وُضِعَتْ موضع السبع، لكن هذا على ما جرى عليه السكاكي. والتحقيقية هي ما يكون المشبّه متحققًا حسًّا أو عقلاً نحو: رأيت أسدًا يرمي، فإنّ الأسد مستعار للرجل الشجاع وهو أمر متحقق حسًّا، ونحو: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾(١) أي الدين الحقّ وهو أمر متحقق عقلاً لا حسًّا. أما التخييلية فعند غير السكّاكي ما مَرّ، وأما عند السكّاكي فهي استعارة لا تَحقُّقَ لمعناها حِسًّا ولا عقلاً، بل معناها صورة وهمية محضة. ولما كان عدم تحقّق المعنى لا حِسًّا ولا عقلاً شاملاً لِمَا لم يتعلّق به توهّم أيضًا أَضْرَبَ عنه بقوله بل معناها إلخ، والمراد بالصورة ذو الصورة فإن الصورة جاءت بهذا المعنى أيضًا . والمراد بالوهمية ما يخترعه المتخيلة بأعمال الوهم إياه فإن للإنسان قوةً لها تركيب المتفرّقات وتفريق المركّبات إذا استعملها العقلُ تُسمّى مفكرة وإذا استعملها الوهْم تسمّى متخيّلة. ولما كان حصول هذا المعنى المستعار له بأعمال الوهم سُمّيت استعارة تخييلية، ومَنْ لم يَعْرِفه قال المناسب حينئذ أن تُسمّى توهمية، وعدّ التسمية بتخييلية من أمارات تعسّف السكّاكي وتفسيره، وإنما وصف الوهمية بقوله محضة أي لا يشوبها شيء من التحقق الحسّي والعقليّ للفرق بينه وبين اعتبار السلف، فإن أظفار المنية عندهم أمر متحقق شابه توهّم الثبوت للمنية، وهناك اختلاط توهّم وتحقق بخلاف ما اعتبره فإنه أمر وهميّ محض لا تحقّق له لا باعتبار ذاته ولا باعتبار ثبوته، فتعريفه هذا صادق على لفظ مستعمل في صورة وهمية محضة من غير أن تجعل قرينة الاستعارة، بخلاف تفسير السلف والخطيب فإنها لا تنفك عندهم عن الاستعارة بالكناية. وقد صرّح به حيث مثّل للتخييلية بأظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانًا، والسلف والخطيب إمّا أن ينكروا المثال ويجعلوه مصنوعًا أو يجعلوا الأظفار ترشيحًا لتشبيه لا استعارة تخييلية. ورُدَّ ما ذكره بأنه يقتضي أن يكون الترشيح استعارة تخييلية للزوم مثل ما ذكره فيه مع أنّ الترشيح ليس من المجاز والاستعارة، وأجيب بأن الأمر الذي هو من خَواصّ المشبّه به لَمّا قُرِن في التخييلية بالمشبّه كالمنّة مثلاً حملناه على المجاز وجعلناه عبارة عن أمر متوهّم يمكن إثباته للمشبّه، وفي الترشيح لمّا قرن بلفظ المشبّه به لم يحتج إلى ذلك لأنه جعل المشبّه به هو هذا المعنى مع لوازمه. فإذا قلنا: رأيت أسدًا يفترس أقرانه ورأيت بحرًا يتلاطم أمواجه، فالمشبه به هو (١) الفاتحة/ ٦. ١٦٧ الإسْتِعارَة الأسد الموصوف بالافتراس الحقيقي والبحر الموصوف بالتلاطم الحقيقي، بخلاف أظفار المنّة فإنها مجاز عن الصورة الوهمية ليصحّ إضافتها إلى الوهمية ليصح إضافتها إلى المنّة. ومحصّله أنّ حفظ ظاهر إثبات لوازم المشبه به للمشبه يدعو إلى جعل الدالّ على اللازم استعارةً لِمَا يصحّ إثباته للمشبّه ولا يحتاج إلى تجوّز في ذلك الإثبات، وليس هذا الداعي في الترشيح لأنه أثبت للمشبّه به فلا وجه لجعله مجازًا، ولا يلزم عدم خروج الترشيح عن الاستعارة وعدم زيادته عليها لأنه فرّق بين المقيد والمجموع والمشبّه به هو الموصوف والصفة خارجة عنه لا المجموع المركب منهما، وأيضًا معنى زيادته أن الاستعارة تامة بدونه. ويُرَدّ على هذا أنّ الترشيح كما يكون في المصرّحة يكون في المكنية أيضًا ففي المكنية لم يُقْرن المشبّه به فلا تفرقة هناك، ويمكن أن يَفرّق بأن التخييلية لو حُملت على حقيقتها لا يثبت الحكم المقصود في الكلام للمكْني عنها كما عرفت بخلاف المصرّحة فإن قولنا جاءني أسد له لبدٌ، لو أثبت فيه اللبد الحقيقي للأسد المستعمل في الرجل الشجاع مجازًا لم يمنع عن إثبات المجيء للأسد، فإن مآله جاءني رجل شجاع لما شبّهه به لبدٌ، لكنه لا يتم في قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا﴾(١) فإنه لو أريد الأمر بالاعتصام الحقيقي لفات ما قَصدَ بيانه للعهد، فلا بُدّ من جعل الاعتصام استعارة لما يثبت العهد. فائدة : التصريحية تعمّ التحقيقية والتخييلية، والكلّ مجاز لغوي ومتباين، هذا عند السكّاكي. والمَكْنية داخلةٌ في التحقيقية عند السلف لأنّ اللفظ المستعار المضمَر في النفس وهو محقق المعنى. والتصريحية عند الخطيب تُرادف التحقيقية وتُباين التخييلية لأنها عنده ليست لفظًا، فلا تكون محقق المعنى، وكذا تُباين المَكْنية لأنها عنده نفس التشبيه المضمَر في النفس فلا تكون محقق المعنى. فائدة : في تحقيق قرينة الاستعارة بالكناية ذهب السلف سوى صاحب الكشاف إلى أنّ الأمر الذي أثبت للمشبه من خواصّ المشبه به مستعملٌ في معناه الحقيقي، وإنما المجاز في الإثبات ويحكمون بعدم انفكاك المَكْني عنده عنها، وإليه ذهب الخطيب أيضًا، وجوَّز صاحب الكشاف كون قرينتها استعارةً تحقيقية وكذا السكاكي، ووجه الفرق بين ما يُجعل قرينة للمكنية ويَجعل نفسه تخييلاً أو استعارةً تحقيقية أو إثباته تخييلاً وبين ما يُجعل زائدًا عليها وترشيحًا قوّةُ الاختصاص بالمشبه به، فأيّهما أقوى اختصاصًا وتعلّقًا به فهو القرينة وما سواه ترشيح، وكذا الحال بين القرينة والترشيح في الاستعارة المصرّحة، والأظهر أنّ ما يحضر السامع أولاً فهو القرينة وما سواه ترشيح، ذلك أن تجعل الجميع قرينة في مقام شدة الاهتمام بالإيضاح، هكذا في شرح بعض رسائل الإستعارة. فائدة : في الإتقان أنكر قوم الاستعارة بناءً على إنكارهم المجاز، وقوم إطلاقها في القرآن لأن فيها إيهامًا للحاجة، ولأنه لم يَرِدْ في ذلك إذنُ الشارع، وعليه القاضي عبد الوهاب المالكي (٢)، انتھی. (١) آل عمران/ ١٠٣. (٢) القاضي عبد الوهاب المالكي: هو عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي، أبو محمد. ولد ببغداد عام ٣٦٢هـ/ = ١٦٨ الإستعارة خاتمة إذا جرى في الكلام لفظة ذات قرينة دالّة على تشبيه شيء بمعناه فهو على وجهين: أحدهما أنْ لا يكون المشبّه مذكورًا ولا مقدَّرًا كقولك: لقيت في الحمام أسدًا أي رجلاً شجاعًا، ولا خلاف في أنّ هذا استعارة لا تشبيه. وثانيهما أنْ يكون المشبّه مذكورًا أو مقدَّرًا وحينئذ فاسم المشبّه به إنْ كان خبرًا عن المشبّه أو في حكم الخبر كخبر باب كان وإنَّ والمفعول الثاني لباب علمت والحال والنعت، فالأصح أنه يُسمّى تشبيهًا لا استعارة، لأن اسم المشبّه به إذا وقع هذه المواقع كان الكلام مصوغًا لإثبات معناه لما أجري عليه أو نفيه عنه، فإذا قلت زيد أسد فصوغ الكلام لاثبات الأسدية لزيد وهو ممتنع حقيقة، فيحمل على أنه لإثبات شبه من الأسد له، فيكون الإتيان بالأسد لإثبات التشبيه فيكون خليقًا بأن يُسمّى تشبيهًا لأن المشبه به إنما جيء به لإفادة التشبيه بخلاف نحو لقيت أسدًا، فإنّ الإتيان بالمشبه به ليس لإثبات معناه لشيء بل صوغ الكلام لإثبات الفعل واقعًا على الأسد، فلا يكون لإثبات التشبيه، فيكون قصد التشبيه مكنونًا في الضمير لا يُعرف إلاّ بعد نظر وتأمّل. هذا خلاصة كلام الشيخ في أسرار البلاغة، وعليه جميع المحققين. ومن الناس من ذهب إلى أن الثاني أيضًا أعني زيد أسد استعارة لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه، والخلاف لفظي مبني على جعل الاستعارة إسمًا لذكر المشبّه به مع خلوّ الكلام عن المشبّه على وجه يُنْبِئ عن التشبيه أو إسمًا لذكر المشبّه به لإجرائه على المشبّه مع حذف كلمة التشبيه. ثم إنه نُقل عن أسرار البلاغة أنّ إطلاق الاستعارة في زيد الأسد لا يَحْسُن لأنه يَحْسُن دخول أدوات التشبيه من تغييرٍ بصورة الكلام، فيقال: زيد كالأسد، بخلاف ما إذا كان المشبّه به نكرة نحو زيد أسد، فإنه لا يَحْسُن زيد كأسد، وإلاّ لكان من قبيل قياس حال زيد إلى المجهول وهو أسد ما؛ ولهذا يَحْسُن كأنّ زيدًا أسد لأن المراد بالخبر العموم فالتشبيه بالنوع لا بفرد، فليس كالتشبيه بالمجهول، وإنما يحسن دخول الكاف بتغيير صورته وجعله معرفة بأن يُقال زيد كالأسد، فإطلاق إسم الاستعارة ههنا لا يبعد، ويقرب الإطلاق مزيد قرب أن يكون النكرة موصوفة بصفة لا تلائم المشبه به نحو فلان بدر يسكن الأرض فإن تقدير أداة التشبيه فيه يحتاج إلى كثرة التغيير، كأن يُقال هو كالبدر إلاّ أنه يسكن الأرض، وقد يكون في الصلات والصفات التي تجيء في هذا القبيل ما يَحُولُ تقدير أداة التشبيه فيه فيشتد استحقاقه لاسم الاستعارة ويزيد قربه منها، كقوله أسد دم الأسد الهزبر خضابه، فإنه لا سبيل إلى أنْ يُقال المعنى إنه كالأسد للتناقض لأن تشبيهه بجنس السبع المعروف دليل على أنه دونه أو مثله، وجعل دم الهزبرالذي هو أقوى الجنس خضابَ يده دليلٌ على أنه فوقه فليس الكلام مصوغًا لإثبات التشبيه بينهما، بل لإثبات تلك الصفة، فالكلام فيه مبني على أنّ كون الممدوح أسدًا أمر تقرّر وثبت، وإنما العمل في إثبات الصفة الغريبة. فمحصول هذا النوع من الكلام أنك تدعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور إلاّ أنه اختص بصفة عجيبة لم يتوهّم جوازها، فلم يكن لتقدير التشبيه فيه معنى. ولقد ضعّف هذا الكلام صاحب الأطول والمطول وقالا الحقّ أن = ٩٧٣م. وتوفي بمصر عام ٤٢٢ هـ / ١٠٣١م. قاض، فقيه مالكي، له نظم ومعرفة بالأدب. كذلك له كتب كثيرة وهامة. الاعلام ١٨٤/٤، فوات الوفيات ٢١/٢، البداية والنهاية ٣٢/١٢، وفيات الأعيان ٣٠٤/١، شذرات الذهب ٢٢٣/٣، تبيين كذب المفتري ٢٤٩، قضاة الأندلس ٤٠. ١٦٩ الإستعداد امثال زيد أسد تشبيه مطلقًا، هذا إذا كان إسم المشبّه به خبرًا عن إسم المشبّه أو في حكم الخبر وإن لم يكن كذلك نحو لقيت من زيد أسدًا ولقيني منه أسد فلا يُسمّى استعارة بالاتفاق، لأنه لم يجر اسم المشبه به على المشبه لا باستعماله فيه كما في لقيت أسدًا ولا بإثبات معناه له كما في زيد أسد على اختلاف المذهبين، ولا يُسمّى تشبيهًا أيضًا لأن الإتيان باسم المشبّه به ليس لإثبات التشبيه إذْ لم يقصد الدلالة على المشاركة، وإنما التشبيه مكنون في الضمير، لا يظهر إلّ بعد تأمّل خلافًا للسكّاكي فإنه يسمّي مثل ذلك تشبيهًا، وهذا النزاع أيضًا لفظي راجع إلى تفسير التشبيه؛ فمَنْ أطلق الدلالة المذكورة في تعريف التشبيه عن كونها لا على وجه التجريد والاستعارة وعن كونها على وجه التصريح سَمَّاه تشبيهًا، ومَنْ قيّده لا. قال صاحب الأطول ونحن نقول في لقيت من زيد أسدًا تجريد أسد من زيد بجعل زيد أسدًا وهذا الجعل يتضمّن تشبيه زيد بالأسد حتى صار أسدًا بالغًا غاية الجنس حتى تجرّد عنه أسد، لكن هذا التشبيه مكنون في الضمير خفيّ لأن دعوى أسديته مفروغ عنها منزلة منزلة أمر متقرّر لا يشوبه شائبة خفاء، ولا يجعل السكّاكي هذا من التشبيه المصطلح، وكذلك يتضمّن التشبيه تجريد الأسد الحقيقي عنه إذْ لا يخفى أن المجرد عنه لا يكون إلاّ شِبْه أسد، فينصرف الكلام إلى تجريد الشّبه فهو في إفادة التشبيه بحكم رَدّ العقل إلى التشبيه بمنزلة حمل الأسد على المشبّه فهو الذي سمّاه السكّاكي تشبيهًا، ولا ينبغي أنْ يُنازَع فيه معه؛ وكيف لا وهو أيضًا في تقدير المشبّه والأداة كأنه قيل لقيت من زيد رجلاً كالأسد، ولا تفاوت في ذلك بينه وبين زيد أسد، انتهى. وههنا أبحاث تركناها خوفًا من الإطناب. الإستعانة : Borrowing a verse from another poct - Emprunt d'un vers à un autre pocie هي عند أهل البديع تضمين البيت لغيره أو ما زاد عليه ليستعين به على إتمام مراده. الإستعداد: Disposition - Disposition هو الذي يحصل للشيء بتحقق بعض الأسباب والشرائط وارتفاع بعض الموانع، كما ذكر العلمي في حاشية شرح هداية الحكمة (١) في تعريف موضوع الحكمة. وفي شرح القانونجة (٢) النطفة إنسان بالقوة، يعني أن من شأنها أن يحصل فيها صورة الإنسان، فبحسب ارتفاع الموانع وحصول الشرائط يحصل فيها كيفية مهيّئة لتلك الصورة، فتلك الكيفية تسمّى إستعدادًا، والقبول اللازم لها إمكانًا استعداديًا وقوة أيضًا انتهى. ويُسمّى أيضًا بالقبول وإمكان الاستعداد، والاستعداد كما يجيء في لفظ الإمكان؛ فالاستعداد على هذا معنيان: الكيفية المهيّئة والقبول اللازم لها المقابل للفعل، ويجيء أيضًا في لفظ القبول ولفظ القوة. قال شارح المواقف: الكيفيات الاستعدادية إمّا استعداد نحو القبول والانفعال ويُسمّى ضعفًا ولا قوة كالمِمْراضية، وإمّا استعداد نحو الدفع واللاقبول ويُسمّى قوة ولا ضعفًا كالمِصْحاحية. وأَمّا قوة الفعْل كالقوة على المصارعة فليست (١) حاشية شرح هداية الحكمة، لعلي بن محمد الشريف الجرجاني (- ٨١٦هـ) وهداية الحكمة لأثير الدين مفضل بن عمر الأبهري (- ٦٦٣ هـ). الضوء اللامع ٣٢٨/٥، كشف الظنون ٢/ ٢٠٢٨ - ٢٠٢٩، معجم المؤلفين ٦٣/٤. (٢) شرح القانونچة للحسن بن محمد بن علي الاستر آبادي المعروف بشايد، والقانونجه كتاب في الطب لمحمود بن عمر الجغميني (- ٧٤٥هـ) اختصر فيه القانون في الطب لابن سينا (- ٤٢٨هـ). فهرست نسخ خطي كتابخانه ملي، طهران، ١٣٥٧، نهم ٩/ ١٥٧ - ١٥٨. وعن القانونجه أنظر كشف الظنون ١٣١١/٢. ١٧٠ الإستعلاء منها وإنْ ظنّه قوم، وجعلوا أقسامها ثلاثة، فإنّ المصارعة مثلاً تتعلّق بعلم هذه الصناعة وصلابة الأعضاء لئلا يتأثر بسرعة، ولا يمكن عطفها بسهولة وتتعلّق بالقدرة على هذا الفعل، وشيء من هذه الثلاثة التي تُعلّق بها المصارعة ليس من الكيفيات الاستعدادية لأن العلم والقدرة من من الكيفيات النفسانية، وصلابة الأعضاء الملموسات. الإستعلاء : - Preeminence, height elevation - Préeminence, hauteur, élévation لغة عَدّ النفس عاليًا كما سيأتي في لفظ الأمر. وعند المنجمين وأهل الهيئة يُطلق على ازدياد بعد الكوكب على بعده الأوسط، ويقابله الانخفاض، وهو انتقاص بعده عنه، أي عن بعده الأوسط، وهذا هو المشهور. وقد يُسمّيان بالصعود والهبوط أيضًا ويجيء في لفظ الصعود. وقد يُطلق الاستعلاء على قرب أحد الكوكبين المتقاربين من أوجُهٍ، أو ذروة تدويره أكبر من قرب الآخَر من أوجه، أو ذروة تدويره أيضًا، وعلى كون الكوكب فوق الأرض، وعلى كونه في عاشر الطالع أو حادي عشره، وعلى كونه في عاشر كوكب آخر أو حادي عشره، ويُطلق الانخفاض على مقابلات هذه المعاني الأربعة، كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح التذكرة(١) في بحث النظائر. الاستعمال: Use - Emploi قيل مُرادف العادة وقيل لا، وسيأتي في تعريف الحقيقة اللغوية. وأما الماء المستعمل فعند الفقهاء كل ماء أُزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القُرْبة كما وقع في كتب الفقه. الاستِغْراق: ,Meditation - Recueillement abandon بالراء هو عند الصوفية أنْ لا يلتفت قلب الذاكر إلى الذكر في أثناء الذكر ولا إلى القلب، ويعبّر العارفون عن هذه الحالة عن الفناء، كذا في مجمع السلوك. وتعريف الاستغراق سيأتي في لفظ المعرفة . الإستِفتاء : - Consultation, appreciation Consultation, appréciation هو عند الأصوليين والفقهاء مقابل الاجتهاد، والمستفتي خلاف المفتي، والمفتي هو الفقيه، فإنْ لم نقل بتجزئ الاجتهاد وهو كونه مجتهدًا في بعض المسائل دون بعض فكل مَنْ ليس مجتهدًا في الكلّ فهو مستفتٍ في الكل، وإنْ قلنا بتجزئ الاجتهاد فالأمر واضح أيضًا فإنه مستفتٍ فيما ليس مجتهدًا فيه مُفْتٍ فيما هو مجتهد. وبالجملة فالمفتي والمستفتي إنما يكونان متقابلين ممتنعي الاجتماع عند اتحاد متعلّقهما. وأمّا إذا اعتبر كونه مفتيًا في حكم مستفتيًا في حكم آخر فلا، والاستفتاء في المسائل العقلية على القول الصحيح كوجوب العلم بها بالنظر والاستدلال، هكذا في العضدي وبعض حواشيه. والمفتي الماجن هو الذي لا يُبالي أنْ يحرّم حلالاً أو بالعكس فيُعَلِّم الناس حِيلاً باطلة كتعليم الرجل والمرأة أنْ يرتدّ فيسقط عنه الزكوة أو تبين من زوجها، كما في الذخيرة (٢)، فكل حيلة تؤدي إلى الضرر لم تجُزْ في الديانة وإن جاز في الفتوى، كذا في جامع الرموز في كتاب الحجر. (١) شرح التذكرة النصيرية في الهيئة لعبد العلي البرجندي شرح فيها تذكرة نصير الدين محمد بن محمد الطوسي (- ٦٧٢ هـ) في الهيئة. كشف الظنون ١/ ٣٩١ - ٣٩٢. (٢) ذخيرة الفتاوى المشهورة بالذخيرة البرهانية لبرهان الدين محمود بن عبد العزيز البخاري (- ٦١٦ هـ) وهي مختصر لكتاب المؤلف المعروف بالمحيط البرهاني. كشف الظنون ٨٢٣/١. ١٧١ الإستقامة الإستفراغ: Vomitting - Vomissement بالراء المهملة عند الأطباء هو انتقاص المواد من البدن والاستفراغ الكُلّ قد يعنى به ما يكون من البدن كله فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ من عضوٍ مخصوص كالسعوطات والعطوسات المستفرغة من الرأس وحده، وقد يعنى به ما يستفرغ الأخلاط كلها فيكون الاستفراغ الجزئي ما يستفرغ خلطًا خاصًا، كما يكون بالإسهال والقي، كذا في بحر الجواهر. الإستفسار : - Explication, information Explication, renseignement لغة طلبُ الفَسْر، وعند أهل المناظرة طلب بيان معنى اللفظ، وإنما يسمع إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة وإلاّ فهو تعنّت مفَوِّت لفائدة المناظرة إذْ يأتي في كلّ ما يفسّر به لفظ ويتسلسل، هكذا في العضدي في بيان الاعتراضات. الإستِفْهام: Interrogation - Interrogation هو عند أهل العربية من أنواع الطلب الذي هو من أقسام الانشاء، وهو كلام يدلّ على طلب فهم ما اتصل به أداة الطلب، فلا يصدق على إِفْهِمْ، فإنّ المطلوب ليس فهم ما اتصلت به لأن أداة الطلب صيغة الأمر وقد اتصلت بالفهم، وليس المطلوب به طلب فهم الفهم، بخلاف أزيد قائم فإن المطلوب به طلب فهم مضمون زيد قائم؛ وسُمّي استفهامًا لذلك. وهذا الطلب على خلاف طلب سائر الآثار من الفواعل فإنّ العلم في عَلّمني مطلوب المتكلّم وهو أثر المعلّم، لكن يطلب فعله الذي هو التعليم ليترتب عليه الأثر، وكذا في إضرب زيدًا المطلوب مضروبية زيد، ويطلب من الفاعل التأثير ليترتب عليه الأثر، وفي أزيد قائم يطلب نفس حصول قيام زيد في العقل لأن الأداة إنما اتصلت بقيام زيد بخلاف علمني، فإن الأداة فيه متّصلة بالتعليم، كذا في الأطول وفي الاتقان. ولكون الاستفهام طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهنِ لزم أنْ لا يكون حقيقة إلاّ إذا صدر عن شاكٌ يصدق بإمكان الإعلام فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل، وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت فائدة الاستفهام. قال بعض الأئمة: وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب على معنى أنّ المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل، انتهى. الإستِقَامة: ,Probity, integrity - Droiture honnêteté, probité هي عند أهل السلوك أن تجمع بين أداء الطاعة واجتناب المعاصي. وقال السّري (١): الاستقامة أنْ لا تختار على الله شيئًا؛ وقيل هي الخوف من العزيز الجبّار والحب للنبي المختار؛ وقيل: حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلاّ الأنبياء وأكابر الأولياء لأن الاستقامة الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام في أمر الله بالنوافل والمكتوبات. وقال يحيى بن معاذ(٢): هي على ثلاثة أضرب: استقامة اللسان (١) السّريّ: هو سريّ بن المغلس السقطي، أبو الحسن. ولد ومات ببغداد عام ٢٥٣هـ/ ٨٦٧م. من كبار المتصوّفة، خال الجنيد. له أقوال في الزهد والحكمة والتصوّف والنصيحة. الاعلام ٣/ ٨٢، طبقات الصوفية ٤٨، وفيات الأعيان ١/ ٢٠٠، تهذيب ابن عساكر ٧١/٦، صفة الصفوة ٢٠٩/٢، حلية الأولياء ١١٦/١٠، لسان الميزان ١٣/٣، طبقات الشعراني ٦٣/١، تاريخ بغداد ٩/ ١٨٧. (٢) يحيى بن معاذ: هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، أبو زكريا. ولد بالري ومات بنيسابور عام ٢٥٨هـ/ ٨٧٢م. واعظ، زاهد. لم يكن له نظير في وقته. له أقوال في الزهد والنصيحة والأخلاق. الاعلام ٨/ ١٧٢، طبقات الصوفية ١٠٧، صفة الصفوة ٧١/٤، العروس على شرح الرسالة القشيرية ١١٩/١. ١٧٢ الإستقبال على كلمة الشهادة، واستقامة الجنان على صدق الإرادة، واستقامة الأركان على الجهد في العبادة، كذا في خلاصة السلوك. وعند أهل الهيئة والنجوم حركة الكوكب إلى التوالي. وعند المحاسبين كون الخط مستقيمًا. والمستقيم كما يُطلق على الكوكب المتحرك إلى التوالي وعلى الخط كذلك يستعمل في القياس، فيُقال القياس مستقيم وغير مستقيم مسمّى بالخُلْف. الاستقبال : Future - Avenir هو في العرف اسم للزمان الآتي، ومنه الفعل المستقبل، وهو الفعل الدالّ على الزمان الآتي. وعند المنجمين مقابلة الشمس والقمر، والجزء الذي يقع فيه القمر وقت الاستقبال يسمّى جزء الاستقبال إنْ كان الاستقبال واقعًا في الليل، وإنْ كان واقعًا في النهار فموضع الشمس يسمّى بجزء الاستقبال وإنْ كان الاستقبال في أحد طرفي الليل فالجزء الذي يكون أقرب إلى الأفق الشرقي يُسمّى بجزء الاستقبال. وسيأتي في لفظ الجزء. الإستقراء: Induction - Induction لغة التتبّع من استقريت الشيء إذا تتبعته . وعند المنطقيين قول مؤلف من قضايا تشتمل على الحكم على الجزئيات لإثبات الحكم الكلّي. وقولهم الاستقراء هو الحكم على كلّ لوجوده في أكثر جزئياته، وكذا قولهم هو تصفّح الجزئيات لإثبات حكم كلّي لا يخلو عن التسامح لأن الاستقراء قسم من الدليل فيكون مركّبًا من مقدمات تشتمل على ذلك الحكم والتصفّح، فالأول تعريف بالغاية المترتبة عليه، والثاني تعريف بالسبب، والمراد بالجزئي الجزئي الإضافي. ثم الاستقراء قسمان: تام ويسمّى قياسًا مقسِّمًا بتشديد السين المكسورة، وهو أن يستدل بجميع الجزئيات ويحكم على الكل وهو قليل الاستعمال، كما يقال كل جسم إمّا حيوان أو نبات أو جماد وكلّ واحد منها متحيّز ينتج كل جسم متحيّز، وهو يفيد اليقين. وناقص وهو أن يُستدل بأكثر الجزئيات فقط ويحكم على الكلّ وهو قسيم القياس. ولذا عدّوه من لواحق القياس وتوابعه، وهو يفيد الظن كقولنا كل حيوان يتحرك فكّه الأسفل عند المضغ لأن الإنسان والفرس والحمار والبقر وغير ذلك مما تتبعناه كذلك، فإنه يفيد الظن لجواز التخلّف كما في التمساح. قال السيّد السنّد في حاشية شرح التجريد(١) لا بد في الاستقراء من حصر الكلّي في جزئياته ثم إجراء حكم واحد على تلك الجزئيات ليتعدّى ذلك الحكم إلى ذلك الكلّي، فإن كان ذلك الحصر قطعيًا بأن يتحقق أنْ ليس له جزئي آخَر كان ذلك الاستقراء تامًا وقياسًا مقسِّمًا، فإنْ كان ثبوت ذلك الحكم لتلك الجزئيات قطعيًا أيضًا أفاد الجزم بالقضية الكلية، وإنْ كان ظنيًا أفاد الظنّ بها، وإن كان ذلك الحصر ادّعائيًا بأن يكون هناك جزئي آخَر لم يُذْكر ولم يُستَقْرأ حاله لكنه ادعى بحسب الظاهر أن جزئياته ما ذُكر فقط أفاد ظنًا بالقضية الكلّية، لأن الفرد الواحد مُلحق بالأعمّ للأغلب في غالب الظن، ولم يفد يقينًا لجواز المخالفة، انتھی. قال المولوي عبد الحكيم: هذا تحقيق نفيس يفيد الفرق الجلي بين القياس المقسِّم والاستقراء الناقص والشّكّ الذي عرض لبعض الناظرين من أنه لا يجب ادّعاء الحصر في الاستقراء الناقص كما يشهد به الرجوع إلى (١) حاشية شرح تجريد الكلام لعلي بن محمد الجرجاني (- ٨١٦هـ) علّق فيها على شرح شمس الدين محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني (- ٧٤٦هـ) المسمّى بتشييد القواعد في شرح تجريد العقائد. وتجريد الكلام لنصير الدين الطوسي (- ٦٧٢ هـ). وتعرف حاشية الجرجاني بحاشية التجريد. كشف الظنون ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣. ١٧٣ الإسْتِناد الوجدان فمدفوع بأنه إنْ أراد به عدم التصريح به فُمُسَلّم، وإن أراد عدمه صريحًا وضمنًا فممنوع فإنه كيف يتعدى الحكم إلى الكلّي بدون الحصر . الاستِقْصاء : Investigation - Investigation بالصاد المهملة عند أهل المعاني هو من أنواع إطناب الزيادة، وهو أن يتناول المتكلّم معنى فيستقصيه فيأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالاً. قال إبن أبي الإصبع: والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل أن التتميم يَرِدُ على المعنى الناقص فيتمّمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه، والاستقصاء يرد المعنى التام فيستقصي لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه حتى يستوعب جميع ما تقع الخواطر عليه، فلا يبقى لأحد فيه مساغ، مثاله قوله تعالى: ﴿أَيوة أحدكم أن تكون له جنة﴾(١) الآية، فإنه لو اقتصر على جنة لكفى، ولم يقتصر حتى قال في تفسيرها من نخيل وأعناب، فإن مصاب صاحبها بها أعظم، ثم زاد تجري من تحتها الأنهار متمّمًا لوصفها بذلك، ثم كمّل وصفها بعد التتميمين فقال، له فيها من كل الثمرات، فأتى بكل ما يكون في الجنان، ثم قال في وصف صاحبها: وأصابه الكبر، ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب بقوله بعد وصفه بالكبر: وله ذرية، ولم يقتصر حتى وصفها بالضّعفاء، ثم ذكر استئصال الجنة التي ليس بهذا المصاب غيرها بالهلاك في أسرع وقت حيث قال: فأصابها إعصار، ولم يقتصر على ذكره للعلم بأنه لا يحصل به سرعة الهلاك فقال: فيه نار، ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا يفي احتراقها لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله: فاحترقت. فهذا أحسن استقصاء وقع في القرآن وأتمّه وأكمله، كذا في الاتقان في نوع الإطناب. الإسْتِناد : - Reference, support Référence, appui عند الأصوليين هو أن يثبت الحكم في الزمان المتأخر ويرجع القهقرى حتى يحكم بثبوته في الزمان المتقدم، كالمغصوب فإنه يملكه الغاصب بأداء الضمان مستندًا إلى وقت الغصب حتى إذا استولد الغاصب المغصوبة فهلكت فأدّى الضمان يثبت النسب من الغاصب، كذا في التوضيح في فصل المأمور به المطلق والمؤقت . إعلم أن الأحكام تثبت بطرق أربعة: الأول الاقتصار وهو أن يثبت الحكم عند حدوث علّة الحكم لا قبله ولا بعده كما في تنجيز الطلاق [والعتاق](٢)، والطلاق بأن قال أنت طالق. والثاني الانقلاب وهو صيرورة ما ليس بعّة علّة كما في تعليق الطلاق بالشرط بأن قال: إنْ دخلت فأنت طالق، فعند حدوث الشرط ينقلب ما ليس بعّة علّة، يعني أن قوله. أنتِ طالق في صورة التعليق ليس بعّة قبل وجود الشرط وهو دخول الدار وإنما يتّصف بالعلية عند الدخول. والثالث الاستناد وهو أن يثبت الحكم في الحال بوجود الشرط في الحال ثم يستند الحكم في الماضي بوجود السبب في الماضي، وذلك كالحكم في المضمونات فإنها تملك عند أداء الضمان مستندًا إلى وقت وجود سبب الضمان وهو الغصب، وكالحكم في النصاب فإنه تجب الزكوة عند تمام الحول (١) البقرة/ ٢٦٦. (٢) والعتاق (+ م، ع). ١٧٤ الإسْتِنطاق بوجود الشرط عنده مستندًا إلى وقت وجود سبب الزكوة وهو ملك النصاب. والرابع التبيين وهو أن يظهر في الحال أنّ الحكم كان ثابتًا من قبل في الماضي بوجود علّة الحكم والشرط كليهما في الماضي، مثل أنْ يقول في يوم الجمعة: إنْ كان زيد في الدار فأنت طالق ثم تبيّن يوم السبت وجوده فيها يوم الجمعة فوقع الطلاق في يوم الجمعة ويعتبر ابتداء العدّة منه، لكن ظهر هذا الحكم يوم السبت، هكذا في الأشباه وحاشية الحموي. الإسْتِنْطاق: ,Fortune telling with letters Onomancy - Onomancie مصدر من باب الاستفعال وهو لدى أهلٍ الجَفْر عبارةٌ عن صُنْعِ الحروفِ من عَدَدِ حرفٍ لفظي(١). وسيأتي في لفظ البسط. الإسْتِيفاء : - Exhaustion of the subject Epuisement du sujet هو عند البُلغاءِ أَنْ يسعى الشاعرُ أقصى جهده في المدح والوصف حتى يَبْلُغَ الغاية التي ليس وراءها غاية. وهذا عينُ البلاغة. ونظائره مثل نظائر البلاغة. أَمّا في الصنائع فقد أورِدَ الإسمُ للضرورة. كذا في جامع الصنائع(٢). الإستيلاء : - Zodiacal superiority Superiorité Zodiacale عند المنجّمين هو كون الكوكب مستوليًا والمستولي على جزء من أجزاء فلك البروج عندهم كوكب يتّصل بذلك الجزء بالنظر أو التناظر ويكون له في ذلك الجزء حظ بأن يكون ذلك الجزء في بيته وفي شرفه، أو في مثلثته الأولى أو الثانية أو الثالثة أو في حدّه أو في وجهه، ويكفي في النظر اتصال البرجية، وفي التناظر يشترط اتصال الجزئية، وعند البعض يكفي اتصال البرجية فيه أيضًا، وعند البعض يشترط في النظر أيضًا اتصال الجزئية كما في التناظر، والبعض لا يشترط الاتصال أصلاً لكن الأكثرين على اشتراط الاتصال فإن الساقط الذي له حظ في جزء لا يُسمّى مستوليًا على ذلك الجزء، والكوكب الذي يكون حظه أقوى مقدم على الذي يكون حظه أضعف، والكوكب الذي له حظ في ذلك الجزء إنْ وقع في حظه يكون قوته مضاعفة. هذا خلاصة ما ذكره عبد العلي البرجندي في شرح زيج الغ بيكي(٣) وغيره. الإسْتِيلاد: Requirement of having a baby - Exigence d'enfantement لغة طلب الولد مطلقًا، وشرعًا جعل الأمة أم الولد وهو بشيئين: ادعاء الولد وتملّك الأمة، كذا في جامع الرموز في فصل التدبير. الإسْتئناف : - Renewal of a prohibition Renouvellement d'une proscription هو في اللغة الإبتداء على ما في الصراح. وعند الفقهاء تجديد التحريمة بعد إبطال التحريمة الأولى، وبهذا المعنى وقع في قولهم: المصلي إذا سبقه الحدث يتوضأ ثم يُتم ما بقي من الصلوة مع ركن وقع فيه الحدث أو يستأنف، والإستئناف أفضل، وذلك الإتمام يسمّى بالبناء. وإن شئت الزيادة فارجع إلى البرجندي وجامع الرموز. وعند أهل المعاني يطلق بالإشتراك على (١) وان نزد أهل جفر عبارت است از ساختن حروف از عدد حرف لفظي. (٢) الاستيفاء: نزد بلغا انست که شاعر در مدح وصفت هرچیزي بنهایت کوشد چنانكه زيادة ازين نتواند کرد واين عين بلاغت است ونظائر أو نظائر بلاغت أما در صنائع نام اوردة بضرورت گفته شد كذا في جامع الصنائع. (٣) شرح زيج الغ بيك، لعبد العلي بن محمد بن الحسين البرجندي وهذا الزيج من وضع ألوغ بك محمد بن شاه رخ بن تيمور (- ٨٥٣هـ)، وعليه شروح كثيرة 298 ,GALS,II. ١٧٥ الإسجال معنيين. أحدهما فصل جملة عن جملة سابقة لكون تلك الجملة جوابًا لسؤال إقتضته الجملة السابقة. وثانيهما تلك الجملة المفصولة وتسمّى مستأنفة أيضًا. وبالجملة فالإستئناف يطلق على معنيين والمستأنفة على المعنى الأخير فقط. والنحاة يطلقون المستأنفة على الإبتدائية ويجيء في لفظ الجملة. ثم الإستئناف بالمعنى الأول ثلاثة أضرب لأن السؤال إما عن سبب الحكم مطلقًا أي لا عن خصوص سبب، فيُجاب بأي سبب كان، سواء كان سببًا بحسب التصوّر كالتأديب للضرب أو بحسب الخارج نحو: قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل. سهر دائم وحزن طويل. أي ما سبب علتك أو ما بالك عليلاً لأن العادة أنه إذا قيل فلان عليل أن يسأل عن سبب علته وموجب مرضه، لا أن يقال هل سبب علته كذا وكذا. وإما عن سبب خاص للحكم نحو و﴿ما أبْرِّي نفسي إنّ النفسَ الأمّارة بالسؤ﴾(١) فكأنه قيل هل النفس أمّارة بالسؤ؟ فقيل نعم إن النفس الأمّارة بالسؤ. والضرب الأول يقتضي عدم التأكيد والثاني يقتضي التأكيد. وإما عن غيرهما أي عن غير السبب المطلق والسبب الخاص نحو قوله تعالى ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾(٢) أي فماذا قال إبراهيم في جواب سؤالهم فقيل قال سلام. وقول الشاعر: زعم العواذل أنني في غمرة. صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي. ففصل قوله صدقوا عما قبله لكونه إستئنافًا جوابًا للسؤال عن غير السبب، كأنه قيل أصَدَقوا في هذا الزعم أمْ كذبوا فقيل صدقوا. ثم (١) يوسف/ ٥٣. (٢) هود/ ٦٩ . (٣) النور / ٣٦ - ٣٧. (٤) آل عمران/ ١٩٤. (٥) غافر/ ٨. السؤال عن غير السبب إمّا أنْ يكون على إطلاقه كما في أول هذين المثالين ولا يقتضي التأكيد، وإمّا أنْ يشتمل على خصوصية كما في آخرهما . فإن العلم حاصل بواحد من الصدق والكذب؛ وإنما السؤال عن تعيينه وهذا يقتضي التأكيد. والإستئناف باب واسع متكاثر المحاسن. ومن الإستئناف ما يأتي بإعادة إسم ما إستؤنف عنه أي أوقع عنه الإستئناف نحو: أحسنت أنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان. ومنه ما يُبنَى على صفته أي على صفة ما إستؤنف عنه دون إسمه أي يكون المسند إليه في الجملة الإستئنافية من صفات من قصد الحديث عنه نحو أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك. والسؤال المقدّر فيهما لماذا أحسن إليه؟ أو هل هو حقيق بالإحسان؟ وهذا أبلغ من الأول. وقد يُحذف صدر الإستئناف نحو: ﴿يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال، رجال﴾(٣) كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل رجال أي يسبحه رجال. هذا كله خلاصة ما في الأطول والمطول في بحث الفصل والوصل. الإسجال : ,Dialectics - Dialectique polémique بالجيم في علم الجدل هو الإتيان بألفاظ يسجل على المخاطب وقوع ما خوطب به نحو ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾(٤) وهوربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾(٥) فإن في ذلك أسجالاً بالإتيان والإدخال حيث وصفا بالوعد من الله الذي لا يخلف وعده، كذا في الإتقان في نوع جدل القرآن. ١٧٦ الإسحاقية الإسحاقية : -Al-Is'haquiyya (sect) - Al Is'haquiyya (secte) هم النصيرية فرقة من غلاة الشيعة قالوا حلَّ الله في علي رضي الله عنه. الإشراف: Excess, surplus - Exces هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس. وقيل الإسراف صرف شيء فيما ينبغي زيادة على ما ينبغي بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي، كذا في الجرجاني. أسطرلاب: Astrolabe - Astrolabe بالسين المهملة في أصل اللغة، وبعضهم يبدّلها بالصاد. ومعناه ميزان الشمس. ومن هنا ظنّ بعضهم أن أصله في اللغة اليونانية أسترلابوه، ومعناها: مرآة الكواكب. ويقول بعضهم أسطر: معناها تصنيف، ولاب إسم إبن هرمس الحكيم الذي إخترع الأسطرلاب. ويقول بعضهم: لما كان لاب قد رسم الدوائر الفلكية على سطح مستو سأله هرمس: من سطّر هذا فقال في جوابه: سطّره لاب. ولهذا السبب يقال له: أسطرلاب. كذا ذكر عبد العلي البرجندي في شرح العشرين بابًا . ويقول في كشف اللغات: أسطرلاب بضم الهمزة والطاء: آلة بها يوضح الحكماء والمنجمون أسرار الفلك. ومعناه ميزان الشمس. لأن في اليونانية أسطر = ميزان. ولاب = الشمس . وقيل إبن أرسطو لاب. وقيل: إبن إدريس عليه وعلى نبينا السلام. والصحيح أن واضعه أرسطو طاليس. إنتهى. إذن علم الأسطرلاب من أقسام علم الأرغنوة الذي هو فرع من الرياضيات. وعلم الأرغنوة هو علم إتخاذ الآلات الغريبة كما مرّ في المقدمة (١) . أسطقس : Element - Element هو لفظ يوناني بمعنى الأصل، وتسمّى العناصر الأربع التي هي الماء والأرض والهواء والنار أسطفسات لأنها أصول المركبات التي هي الحيوانات والنباتات والمعادن، كذا في تعريفات السيد الجرجاني. الأسطوانة: Cylinder - Cylindre بضم الهمزة في اللغة ستون وهي أفعوالة مثل أقحوانة، ونونه أصلية لأنه يقال أساطين مسطنة كذا في الصراح. وعند المهندسين يطلق على معان. منها الأسطوانة المستديرة وهي جسم تعليمي أحاطت به دائرتان متوازيتان متساويتان وسطح مستدير وأصل بينهما بحيث لو أدير خط مستقيم واصل بين محيطيهما من جهة واحدة على محيطيهما لماسّه في كل الدورة. وقولهم على محيطيهما متعلق بأدير، وقولهم (١) اسطرلاب: بسين مهملة است در اصل لغت وبعضى انرا بصاد بدل كنند ومعني او ترازوي افتاب است وازينجا بعضى كمان برده اند که اصل او در لغت یونان استرلابون است ومعني او اثينة كواكب وبعضي گویند که استطر تصنيف است ولاب اسم پسر هرمس حکیم است که اسطرلاب اختراع اوست. وبعضی گویند كه چون لاب دوائر فلكي رادر سطح مستوي مرتسم ساخت هرمس ازان سؤال کرد که من سطر هذا او در جواب گفت سطره لاب وبدین سبب انرا اسطرلاب گویند کذا ذکر عبد العلي البرجندي في شرح بيست باب ودركشف اللغات ميكويد اسطرلاب بضم همزة وطا التي است مر حكماء ومنجمانرا که بدان راز فلکي روشن مي شود ومعنى ان ترازوي افتاب است چه بيوناني اسطر ترازو را گويند ولاب افتاب را وبعضي گویند لاب نام حکیمی دیگراست که به تدبیر سكندر اسطرلاب را ساخته بود وقيل پسر ارسطو است وقيل نام پسر ادريس است على نبينا وعليه السلام وصحيح انست كه واضعش ارسطاطاليس است انتهى بس علم اسطرلاب از اقسام علم ارغنوه كه از فروع رياضي است وعلم الارغنوة هو علم إتخاذ الآلات الغربية كما مر في المقدمة. ١٧٧ الإسْكافية لماسّه جواب لو أي ماسّ ذلك الخط المستقيم ذلك السطح الواصل، وهو إحتراز عن كرة قطعت من طرفيها قطعتان متساويتان متوازيتان بدائرتين كذلك. وما قيل إن الأسطوانة المستديرة شكل يحدث من وصل خط من جهة بين محيطي دائرتين متوازيتين متساويتين كل منهما على سطح وإدارة ذلك الخط عليهما، أي على محيطيهما إلى أن يعود إلى وضعه الأول، ففيه أنه يحدث من حركة الخط شكل مسطح لا مجسّم. ثم الإسطوانة المستديرة إنْ كانت مجوَّفة متساوية الثّخن وقطر قاعدة تجويفها الذي هو أيضًا على شكل الأسطوانة المستديرة أكبر من نصف قطر قاعدة الأسطوانة بحيث يكون ثخنها أقل من سمكها، أي من ثخن تجويفها فتسمّى بالذّوقية. والدائرتان قاعدتان للأسطوانة والخط الواصل بين مركزي الدائرتين سهم الأسطوانة ومحورها. فإن كان ذلك الخط عمودًا على القاعدة فالأسطوانة قائمة وهي جسم يتوهّم حدوثه من إدارة ذي أربعة أضلاع قائم الزوايا على أحد أضلاعه المفروض ثابتًا حتى يعود إلى وضعه الأول، وإلاّ فمائلة وهي جسم يتوهّم حدوثه من إدارة ذي أربعة أضلاع غير قائم الزوايا على أحد أضلاعه المفروض ثابتًا إلى أن يعود إلى وضعه الأول. ومنها الأسطوانة المضلّعة وهي جسم تعليمي أحاط به سطحان مستويان متوازيان كثير الأضلاع، أضلاع(١) كل من السطحين موازية الأضلاع السطح الآخر وأحاطت به أيضًا سطوح ذوات أضلاع أربعة متوازية بأن يكون كل ضلعين منها متوازيين، عدة تلك السطوح عدة أضلاع إحدى القاعدتين، وقاعدتاهما السطحان المتوازيان، فإن كانت تلك السطوح التي هي ذوات الأربعة الأضلاع قائمة الزوايا فالأسطوانة قائمة وإلاّ فمائلة. ومنها الأسطوانة التي تكون مشابهة للمستديرة أو المضلّعة بأن لا تكون قاعدتها شكلاً مستقيم الأضلاع ولا دائرة بل سطحًا يحيط به خط واحد ليس بدائرة كالسطح البيضي. ومنها أسطوانة تكون سطحًا تحيط به خطوط بعضها مستدير وبعضها مستقيم. هكذا يستفاد من ضابطة قواعد الحساب وغيره، والحكم في أن إطلاقها على تلك المعاني بالإشتراك اللفظي أو المعنوي كالحكم في المخروط. إسفندار مذماه: Isfindar Madhmah (Persian month) - Isfindar Madhmah (mois perse) إسم شهر في تاريخ الفرس، ويقال له اليوم إسفندماه، وهو الشهر الأخير من السنة والثالث من أشهر الشتاء(٢) . إسقاط الإضافات وإسقاط الإعتبارات : Annihilation of all relations and considerations - Annulation des relations, et des considérations هو إعتبار أحدية الذات في كل الذوات، وهو التوحيد الحقيقي كما قال بعضهم: بیت : الخير تقول والخير قال بالذات إن التوحيد هو إسقاط الإضافات(٣) كذا في الإصطلاحات الصوفية. الإسكافية : -Al-Iskafiyya (sect) - Al Iskafiyya (secte) (١) اضلاع (- م، ع). (٢) اسفندارمذ ماه: اسم ماهيست در تاريخ فرس. (٣) نكو گونی نكو گفته است بالذات. كه التوحيد إسقاط الإضافات. ١٧٨ الإسلام فرقة من المعتزلة أصحاب أبي جعفر إسكاف(١) قالوا: الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء بخلاف ظلم الصبيان والمجانين فإنه يقدر عليه، كذا في شرح المواقف(٢). الإسلام: Islam - L'Islam هو لغةً الطاعة والإنقياد، ويطلق في الشرع على الإنقياد إلى الأعمال الظاهرة، كما بين ذلك النبيّ وَله بقوله: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلّ الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلوة وتؤتى الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت)»(٣). وحاصل ذلك أن الإسلام شرعًا هو الأعمال الظاهرة من التلفظ بكلمتي الشهادة والإتيان بالواجبات والإنتهاء عن المنهيات. وعلى هذا المعنى، هو يغاير الإيمان وينفك عنه، إذ قد يوجد التصديق مع إنقياد الباطن بدون الأعمال، وقد يطلق على الأعمال المشروعة، ومنه قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (٤) وخبر أحمد(٥): ((أيّ الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان))(٦)، وخبر ابن ماجة (٧) ((قلت ما الإسلام قال تشهد أن لا إله إلاّ الله وتشهد أنّ محمدًا رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها حلوها ومرّها))(٨)، وعلى هذا هو يغاير الإيمان ولا ينفك عنه، أي عن الإيمان لإشتراطه لصحتها وهي لا تشترط لصحته خلافًا للمعتزلة . وأما الإسلام المأخوذ بالمعنى اللغوي الذي قد يستعمله به أهل الشرع أيضًا فبينه وبين الإيمان تلازم في المفهوم، فلا يوجد شرعًا إيمان بلا إسلام ولا عكسه وهو الظاهر. وقيل بينهما ترادف لأن الإسلام هو الخضوع والإنقياد للأحكام بمعنى قبولها والإذعان بها، وذلك حقيقة التصديق، فيترادفان. فالإسلام يطلق على ثلاثة معان والإيمان أيضًا يطلق شرعًا على كلٍّ من تلك (١) أبو جعفر الإسكافي: هو محمد بن عبد الله، أبو جعفر الإسكافي. أصله من سمرقند، وتوفي في بغداد عام ٢٤٠ هـ/ ٨٥٤م. أحد أئمة المعتزلة. عالم بالكلام. له عدة مناظرات مع علماء الكلام. الأعلام ٢٢١/٦. خطط المقريزي ٣٤٦/٢. لسان الميزان ٢٢١/٥. (٢) سبقت الإشارة اليه. (٣) أخرجه مسلم في الصحيح، ١/ ٣٧ - ٣٨، عن عمر بن الخطاب، كتاب الإيمان (١)، باب بيان الإيمان والإسلام (١)، حديث رقم ٨/١. (٤) آل عمران/ ١٩ . (٥) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني الوائلي. ولد في بغداد عام ١٦٤ هـ/ ٧٨٠م وتوفي فيها عام ٢٤١ هـ/ ٨٥٥م. أحد الأئمة الأربعة في الفقه الإسلامي، وإمام المذهب الحنبلي أصولي، متكلم، كثير الأسفار، له عدة مؤلفات هامة. الأعلام ٢٠٣/١، ابن عساكر ٢٨/٢، حلية الأولياء، ١٦١/٩، صفة الصفوة ١٩٠/٢، وفيات الأعيان ١٧/١، تاريخ بغداد ٤١٢/٤، البداية والنهاية ٣٢٥/١٠، دائرة المعارف الإسلامية ٤٩١/١، معجم المفسرين ١/ ٥٧. (٦) أخرجه أحمد بن حنبل في المسند، ٣٧٢/٣، عن جابر بن عبد الله بلفظ: ((أي الإسلام أفضل؟ قال أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك». (٧) ابن ماجة: هو محمد بن يزيد الربعي القزويني، أبو عبد الله ابن ماجة. ولد بقزوين عام ٢٠٩هـ/ ٨٢٤م. وتوفي عام ٢٧٣ هـ/ ٨٨٧م. أحد الأئمة في علم الحديث. تنقل في البلاد. وله عدة مؤلفات. الأعلام ٧/ ١٤٤، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٤، تهذيب التهذيب ٩/ ٥٣٠، تذكرة الحفاظ ١٨٩/٢، المنتظم ٩٠/٥، سنن ابن ماجة ١٥٢٠/٢، كشف الظنون ٣٠٠، معجم المفسرين ٦٣٩/٢. (٨) أخرجه ابن ماجة في سننه، ٣٤/١، عن عدي بن حاتم، المقدمة، باب في القدر (١٠) الحديث رقم ٨٧، قال عدي: أتيت النبي ◌َ ﴿ فقال: يا عدي بن حاتم! أسلم تسلم. قلت وما الإسلام؟ فقال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها، خيرها وشرها، حلوها ومرها . ١٧٩ الإسلام المعاني الثلاثة، وإذا تقرر ذلك فحيث ورد ما يدلّ على تغايرهما كما في قوله تعالى ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾(١) الآية، وكما في بعض الأحاديث، فهو باعتبار أصل مفهوميهما، فإنّ الإيمان عبارة عن تصديق قلبي، والإسلام عبارة عن طاعة وإنقياد ظاهر كما صرّح بذلك في شروح صحيح البخاري. فصحَّ ما قاله إبن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أنهم لم يكونوا منافقين بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن تطيعوا الله ورسوله﴾(٢) الآية، الدالّ على أن معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم، وحينئذ يؤخذ من الآية أنه يجوز نفي الإيمان عن ناقصه. ومما يصرح به قوله عليه الصلوة والسلام: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)» (٣) وفيه قولان لأهل السنة، أحدهما هذا، والثاني لا ينفى عنه إسم الإيمان من أصله ولا يطلق عليه مؤمن لإيهامه كمال إيمانه، بل يُقيّد فيقال: مؤمن ناقص الإيمان، وهذا بخلاف إسم الإسلام فإنه لا ينتفي بإنتفاء ركن من أركانه ولا بانتفاء جميعها ما عدا الشهادتين. وكأنَّ الفرق أنَّ نفيه يتبادر منه إثبات الكفر مبادرة ظاهرة بخلاف نفي الإيمان. وحيث ورد ما يدلّ على إتحادهما كقوله تعالى ﴿فاخرجْنا مَنْ كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾(٤) فهو باعتبار تلازم المفهومين أو ترادفهما. ومن لههنا قال كثيرون إنهما على وزان الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ودلّ بإنفراده على ما يدل عليه الآخر بإنفراده، وإن قرن بينهما تغايرًا كما في خبر أحمد «الإسلام علانية والإيمان في القلب)»(٥)، وحيث فسّر الإيمان بالأعمال فهو بإعتبار إطلاقه على متعلقاته لما تقرر أنه تصديق بأمور مخصوصة، ومنه: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾(٦)، وإتفقوا على أنّ المراد (٧) به هنا الصلوة ومنه حديث وفد عبد القيس: ((هل تدرون ما الإيمان شهادة أن لا إله إلّ الله وأنّ محمدًا رسول الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة وأنْ تؤدوا خُمسًا من المغْنَم))(٨). ففسَّر فيه الإيمان بما فسر في حديث جبرائيل الإسلامُ، فإستفيد منهما إطلاق الإيمان والإسلام على الأعمال شرعًا بإعتبار أنها متعلقة مفهوميهما المتلازمين وهما التصديق والإنقياد، فتأمَّلْ ذلك حق التأمّل لتندفع به عنك الشكوك الواردة لههنا. ومما أطلق فيه الإيمان على (١) الحجرات/ ١٤. (٢) الحجرات/ ١٤ . (٣) أخرجه البخاري في الصحيح، ٢٩٣/٨، عن أبي هريرة، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة، باب إثم الزناة، حديث رقم ٩/ ٦٨١٠، بلفظ قال النبي 18 *: ((لا يزني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، والتوبة معروضة. (٤) الذاريات/ ٣٥ - ٣٦. (٥) أخرجه أحمد في مسنده، ١٣٤/٣، عن أنس، وتمامه: ((والإيمان في القلب، قال ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، قال: ثم يقول: التقوى ههنا، التقوى ههنا))، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، ٥٢/١، باب الإسلام والإيمان، عن أنس، وقال عقبه: رواه أحمد وأبو يعلي بتمامه، والبزار بإختصار، ورجاله رجال الصحيح. (٦) البقرة/ ١٤٣. (٧) المقصود (م، ع). (٨) حديث وفد عبد القيس حديث طويل ورد بصيغ متعددة وروايات كثيرة، وقد أخرجه الشيخان ومن إستخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريقٍ رواية أبي جمرة. بينما يذكره أحمد بن حنيل في مسنده من طريق رواية أبان العطار عن قتادة. ذكر كل هذه الروايات وعلّق عليها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري، في كتاب الإيمان ١/ ١٢٩ - ١٣٥. ١٨٠ أسلوب الحكيم الأعمال المشروعة ما روي ((الإيمان إعتقاد بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان))(١). هذا كله خلاصة ما ذكر إبن الحجر في شرح الأربعين للنووي في شرح الحديث الثاني. أسلوب الحكيم: The method of the wise (pun) - La méthode du sage (calembour) عند أهل المعاني هو تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيهًا له على أنه هو الأولى بالقصد، وهو من خلاف (٣) مقتضى الظاهر، كقول القبعثرى(٢) للحجاج" حين قال الحجاج له مخوّفًا إيّاه: لأحملنّك على الأدهم، يعني به القيد، مِثْلُ الأمير يُحْمَلَ على الأدهم والاشهب. فأبرز القبعترى وعيد الحجاج في معرض الوعد وتلقاه بغير ما يترقب بأن حمل لفظ الادهم الذي في كلام الحجاج على الفرس الأدهم، أي الذي غلب سواده حتى ذهب البياض الذي فيه، وضم إليه الأشهب أي الذي غلب بياضه حتى ذهب ما فيه من السواد قرينةً على تعيين مراد القبعثرىُّ ودفعًا لمراد الحجاج، فإن مراد الحجاج إنما هو القيد، فنّه على أنّ الحمل على الفرس الأدهم هو الأولى بأن يقصده الأمير، اي من كان مثل الأمير في السلطنة وبسط اليد فجدير بأن يقصد بأن يعطى المال لا أن يقصد بأن يقيد ويعذب بالنكال. ثم قال الحجاج له ثانيًا: أردت به الحديد، فقال القبعثرى: الحديد خير من البليد، فحمل الحديد أيضًا على خلاف مراد الحجاج أي الجلد الماضي في الأمور. وأصل القصة أن القبعثرى الشاعر كان جالسًا في بستان مع جملة الأدباء، وكان الزمان زمان الحصرم فجرى ذكر الحجاج في ذلك المجلس فقال القبعثرى تعريضًا على الحجاج: اللهم سوِّدْ وجهه واقطع عنقه واسقني من دمه، فأخبر الحجاج بذلك فأحضر القبعثرى وهدّده، فقال القبعثرى أردت بذلك الحصرم. فقال له الحجاج لأحملنك إلى آخر القصة. فانظر إلى ذكاوة القبعثرى فقد سخر الحجاج بهذا الأسلوب حتى تجاوز عن جريمته وأحسن إليه وأنعم عليه، هكذا في المطول وحاشية الجلبي في آخر الباب الثاني. ولفظ الأسلوب بضم الهمزة وسكون السين بمعني روشن وراه، - المنير والطريق - ووجه التسمية ظاهر. وفي إصطلاحات الجرجاني أسلوب الحكيم هو عبارة عن ذكر الأهمّ تعريضًا للمتكلم على تركه الأهم كما قال الخضر عليه السلام حين سلّم عليه موسى عليه السلام إنكارًا لسلامه لأن السلام لم يكن معهودًا في تلك الأرض بقوله: إنّى بأرضك السلام. فقال موسى عليه السلام: في جوابه أنا موسى، كأنه قال أجبت عن اللائق بك وهو أن تستفهم عني لا عن سلامي بأرضي، فقول موسى هو أسلوب الحکیم إنتهى. وفي المطول ويلقى السائل بغير ما يترقب (٤) تنزيل سؤاله منزلةً غيره تنبيهًا على أنّ (١) أخرجه الطبراني بلفظ: ((الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان))، برواية علي بن أبي طالب. كنز العمال، ٢٣/١. (٢) هو الغضبان بن القبعثري الشيباني، كان حيًا في نهاية القرن الأول الهجري. وهو من الذين هجوا الحجاج. أنساب الأشراف/ ١١٤ - ١٢٤. (٣) الحجاج: هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد. ولد بالطائف عام ٤٠هـ/ ٦٦٠م. وتوفي بواسط عام ٩٥ هـ/ ٧١٤م. قائد، داهية، خطيب. ومن ولاة الأمويين الشداد. فتك بالثورات وأخمد الفتن. وهو الذي بنى مدينة واسط بين الكوفة والبصرة، وكتب عنه الكثيرون. الأعلام ١٦٨/٢، معجم البلدان ٣٨٢/٨، وفيات الأعيان ١٢٣/١، تاريخ المسعودي ١٠٣/٢، تهذيب التهذيب ٢١٠/٢، ابن الأثير ٢٢٢/٤، البدء والتاريخ ٢٨/٦. (٤) يتطلب (ع) يتطلب غيره (م).