النص المفهرس
صفحات 41-60
لِقَاءهُمْ ، روى الحربي عنه أَنَّهُ خَرَجَ يَوْماً - وأَصْحَابُ الحَدِيثِ على الباب فقال : ما على الأُرْضِ خَيْرٌ مِنْكُمُ ، قِدْ جِئْتُمْ أَوْ بَكَرْتُمْ تَسْمَعُونَ حديثَ رسولِ اللهِ عَلٍّ)). (١) وسار الحربي سِيرَةَ شيوخِهِ ، وحذا حَذْوَهُمْ ، واستنَّ سَنَنَهُمْ ، ونَقَلَ إلى طَلَّابِهِ ما تعلَّمَهُ مِنْ شُيُوخِهِ، قال محمد بن مخلد العَطَّر : سمعت إبراهيم الحربيَّ يقول : لا أعلم عصابةً خيراً مِنْ أصحاب الحديث إِنَّما يَغْدُو أَحَدُهُمْ وَمَعَهُ مِحْبَةٍ فيقول: كيف فعل النبي عَّةٍ ؟ وكيف صلّى ؟ إيّاكم أنْ تجلسوا إلى أهل البِدَعِ فَإِنَّ الرَجُلَ إِذَا أَقْبَلَ بِبِدْعَهٍ لَيْسَ يُفْلِحُ )) (١). ولم يكتف الحربي بهذا بل كان قائما على نفسه بالعَمَلِ بالسُّنَّةِ وقائماً على طُلَابِه يأمرهم به ويحسنه لهم. روى أبو أيوبَ سليمان إِسْحَاقَ الجَلَّاب قال لى إبراهيم الحربي : ينبغى للرجل إذا سَمِع شيئا مِنْ أدب رسول الله عَ لِّ أن يتمسَّكَ به (١). وكان ذا موقف صارم من أصحاب الأهواء والبدع ، وطلاب الرّيٍ وعلم الكلام يترك الأخذ عنهم إلى أهل السنة أصحاب الحديث الذين يقتدون بالسلفِ ويَقْتَفُونَ آثَارَهُمْ ((قال أبو ذَرِّ الهَرَويُّ: حكى لى بَعْضُ أصْحابِنَا بِبغدادَ : أَنّ إِبْراهِيمَ الحربيَّ كانَ سَمِع مسائلَ أبي القاسم على الحارثِ بنِ مِسْكِينٍ وَحَصَلَ سماعه مع رجل ثم مال إلى طريقة الكلام ، (١) سير أعلام النبلاء ٩ / ١٦٨. ٤١ فلم يستعرها منه إبراهيم ورجع فسمعها مِنَ الحسن بن عبد العزيز الجروى ، عَنِ ابن أبي الغمر عَن أبي القاسم )) (سير أعلام النبلاء ٩ / ١٧٠ ) وقد مر بنا أنّه ترك الرواية - عن علّ بن المدينىِّ وحَلَفَ أَلَّا يُحدّثَ عنه بحرف ، وهو جبل فى عِلَلِ الحديث وإِمام مِنْ أَئِمَّةً أهل السنة ، وعلم من أعلامها وكان الحربيُّ لا يَتَّهِمُهُ بِكَذبٍ . وكان لا يتكلّم في شىء من مسائل العلم إلا إذا كان له سلف يُحْتَذَي، وقدوة تُتَبَعُ من أصحاب رسول الله عَ ◌ّهِ وَمَنِ اثْتَثَرَهُم مِنْ عُلَمَاءِ شُهِرُوا بالسُّنَّةِ واتِّبَاعِ الأَثَرِ ، وترك ما أعرضوا عَنْه وضرب صفحاً عن هذه المسائل المُحْدَثة ، والآراء المخترعة والأمورِ المبتدعة ، وقد أمسك عنِ الكلام في مَسأَلَةِ الاسم والمسمى (١) قال أبو طاهر المُخَلِّصِ : ((سمعت إبراهيم الحربي وكان وعدنا أَن يُمِلَّ عَلَينا مسألة في الاسم والمسمَّى وكان يجتمع فى مجلسه ثلاثون ألفَ مَخْبرةٍ وكان إبراهيم مُقلّاً وكانت له غرفة يصعَد فيشرف منها على الناس فيها كُوَّةٌ إلى الشارع فَلَمَّا اجتمع الناس أشرف عليهم . فقال لهم : قَدْ كُنْتُ وعدتكم أنْ أُمْليَ عليكم في الاسم والمسمَّى ، ثُمْ نظرت فإذا لم يتقدَّمْنى في الكلام فيها إمام يُقْتَدى بهِ ، فرأيت الكلامَ فيها بدعة فقامَ الناسُ وانْصَرَفُوا فَلَمَّا كان يوم الجُمُعَةِ أَتَاهُ رَجُلٌ وكان إبراهيمُ لا يقعد إِلَّ وَحْدَه . فسأله عَنْ هَذِهِ المَسأَلِةِ فَقَال: أَلَمْ تَحْضُرْ مَجْلسَنَا بالأمسِ ؟ قال : بلى . فقال : (١) انظرها موجزة فى بدائع الفوائد لابن القيم ١ / ١٧ . ٤٢ أتعرفُ العلم كُلِّه ؟ قال: لا . قال: فاجعل هذا مِمَّا لَمْ تَعْرِفْ)) ( سير أعلام النبلاء ٩ / ١٧٠ ) . وروى عنه محمد بن جعفر بن بيان البغدادى فقال : سمعت إبراهيم الحربي ولم يكن في وقتِهِ مِثْلُهُ يقول وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الاسْمِ والمُسَمَّي : لِى مُذْ أُجَالِسُ أَهْلَ العِلْمِ سبعون سنة ما سمعت أحداً منهم يتكلّمُ في الاسمِ والمسمَّي)) (سير أعلام النبلاء ٩ / ١٧٩ ). وروى الحربي عن أشياخه نقد أهل الرأى ، حكى الخطيب في تاريخ بغداد ١٣ / ٤١٦ أنَّ الحربي قال: سمعت أحمد بن حنبل وسُئِلَ عن مالك فقال: حديث صحيح ورأىٌ ضَعِيفٌ . وسُئِلَ عَنِ الأوزاعيّ فقال : حديث ضعيف ، وَرْأىٌ ضعِيف، وسُئِلَ عَنْ أَبِي حَنِيَفَةَ فقال : لا رَأَىَ وَلَا حَدِيثَ وَسُئِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ، فَقَالَ حديث صحيح ورأى صحيح . وقال إبراهيم الحربي رحمه الله تعالى : قِدِمَ الشافعيّ بغداد وفي المسجد عشرون حلقة لأصحاب الرأي : فلما كان في الجمعة الثانية ، لم يثبت منها إلا ثلاثُ حلق أو أربع)). (مناقب الشافعي ١ / ٢٢٥). وقد أخذ علي أَهْلِ الرَّأي مسلكهم ، وخَطَأْ مذهبهم ، دُونَما تَجْرِيجٍ ولا تَشْنِيجِ . وفي تاريخ بغداد ١٣ / ٣٣٢ ((قال الحربىُّ: كَانَ أَبو حنيفة طلب النحو في أولِ أُمْرِهِ فذهب يقيسُ فَلَمْ يَجِئْ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أُسْتَاذَاً فَقَالَ : قَلْب وَقُلُوب وَكَلْب وَكُلُوب !! فِقِيلَ لَهُ : كُلْب وكِلاب فتركه ، ووقع فى الفقه فكان يقيس . ولم يكن له عِلْمٌ بالنحو فسأله رجل بمكّةً فقال له : رجل شج رجلاً بحجر فقال هذا خطأ ليس عليه شىء لو أنهً حتى يرميه بأبا قبيْسٍ ، لم يكن عليه شىء . ٤٣ وأقبل على أهل الحديث ، وصاحبهم ، وتَقَيِّلَهُمْ، وعَظَّمَهُمْ وأَخَذَ بِرَأْيِهِمْ وَلَازَمَ شَيْخَهُ وإِمَاَمَهُ أَحْمَدَ، حتى غدا اسم ((أصحاب الحديث)) عنده إنَّما يعني به الإِمام أحمد - كما مر - وَعَدَّه أستاذه بقوله عَنِ الشافَعِيِّ: ((أستاذ الأُسْتَاذِينَ فقالوا: من هو ؟ قال : الشافِعِيّ : أليس هُوَ أُسْتَاذَ أحمدَ بنِ حَنْبَل)) ( تاريخ بغداد ٢ / ٦٦ ). وقد بلغ من تعظيمه للإِمام أحمد أَنْ طَرَدَّ طَلَبَةَ الحديث من عنده ؛ لِأَنَّهُمْ رَفَعُوا مَنْزِلَتَهُ فوق الإِمام أحمد قال الذهبى : قال ابن بشكوال في أخبار إبراهيم الحربيِّ : نقلت من كتاب ابن عتاب (١) : كَانَ إبراهيم الحربي رجلا صالحا من أهل العلم ، بَلَغَهُ أَنَّ قوماً من الذين يجالسونه يُفَضِّلونه على أحمد بن حنبل ، فَوَقَفَهُمْ على ذلك فَأَقُرُّوا به فقال : ظَلَمْتُمونِي بتفضيلكم لي على رَجُلٍ لا أشْبِهُهُ ولا اُلْحَقُ بِهِ في حالٍ مِنْ أَحْوَالِهِ ، فَأُقْسِمُ بالله لا أُسْمِعِكُمْ شيئاً من العلم أبداً ، فلا تأتونى بعد يومكم)) ( سير أعلام النبلاء ٩ / ١٧٢ ). وقد تابع شيخه في المسائل الفقهية متابعة قامت على موافقه الحق وعلى الدليل الشرعى ، وَقَدْ سُئِلَ إبراهيم كيف سَمِعْتَ أحمد يقول في القراءة خَلْف الإِمام ؟ فقال : إمّا أَلْفَ مَرَّةٍ إِنْ لَمْ أَقُلْ فَقَدْ سَمِعتُه يقول : يَقْرأ فيما خافَتَ ويُنْصِتُ فِيِما جَهَرَ، قلتُ لإِبراهيم فَأيش ترى (١) عبد الرحمن بن محمد بن عتاب توفي سنة ٥٢٠هـ. ترجمته في الإلماع ١٤، والصلة ١ / ٣٣٢، أزهار الرياض ٣ / ١٦٠ . ٤٤ أنت ؟ قال: أنا ذاك عَلّمَنى، وعنه أخذْتُ وصَحِبْتُه وأُنا غُلامٌ وكل شىء يلقيه إلينا أخذته عنه ، وتمسَّكَ بِهِ قَلْبِي فَأَنَا عَلَيْهِ : أَقْرُأُ إِذا لَمْ أُسْمَعْ وإذا جهر استمعت ومن خالفنى أُهْونْتُ به )). ويظهر موقفه في عرضه للمسائل الفقهية الّتِي نلمس الأدب فيها ويضرب صفحا عَنْ آراء أهل الرَّى فَلَا يَذْكُرُها أَوْ يُشِيرُ إليْهَا . وقد كان لموقفه هذا مع أهل الرأى أثر في اسْتِكْتَارِهِ مِنَ الرِّواية عَنْ أَهلِ اللُّغَةِ مِمّنْ لَهُمْ صلة بالحديث والسنة وأهلها كالأصمعى وأبى عمرو وثعلب ، وإقْلَالِهِ مِنَ الرّواية عَمَّنْ ظَهَرَتْ عليه أُمارات البدعة والمَيْلُ إليها . ٤٥ مصنفات الحربي : ذكر المترجمون للحربى مصنفاتٍ يفهم من عناوين أكثرها أنَّها على نمط كتب أهل الحديث ، والحربى منهم، قال الخطيب: ((صَنَّفَ غريبَ الحَدِيثِ وكتباً كثيرة)) وقد وصلت بعض تلك الكتب إلى الذهبى وأخبر عن ذلك بقوله في تذكرة الحُفّاظِ ٥٨٥ : ((وقد وَقَعَ لَنَا عِدَّةٌ تآليف لإِبراهيمَ الحَرْبِّ)) ضاعت أو فقدت في جملة ما أضاعته الأَمَّةُ من تراثٍ ، ولا نعلم كثيراً عَنْ كُتُبِه إلّا أسماء وَعَنَاوِينَ ، وَرَدَتَ في كتب التراجم وعدُّوا مِنْهَا : ١ - اتِّبَاع الأموات . ٢ - كتاب الأدب. ٣ - كتاب إكرام الضيف ((مطبوع)). ٤ - كتاب بّ الوالدين ، ذكره ابن حجر في المعجم سس المفهرس ٢ / ٢٢٢ وروى جزءاً منه عن شيخه عمر بن محمد البالسي مشافهة ، انظر عمدة القارىء / ١٩٨ ٥ - كتاب التفسير، ذكره ابن حجر فى التهذيب ١٠ / ١٨١ ترجمة مقاتل بن سليمان المتوفى سنة ١٥٠، قال إبراهيم الحربي : وإنما جمع مقاتل تفسير الناس ، وفسَّر عليه من غير سماع . قال إبراهيم : لم أدخل في تفسيرى منه شيئا)). ٦ - كتاب التَّيَمُّم . ٧ - كتاب الحَمّام وآدابُه . ٤٦ ٨ - دلائل النبوة. ٩ - ذَمُّ الغِيبة. ١٠ - كتاب سجود القرآن . رواه عنه محمد بن الحسن البربهاريّ . ١١ - كتاب العلل، ذكره ابن حجر في التهذيب ٧ / ٢٠٧ ترجمة عطاء بن السائب ، فقال : وقال الحربي في العلل : بلغني أنّ شعبة قال: ((إذا حدّث عن رجل واحد فهو ثقة، وإذا جمع بين اثنين فَاتَّقِهْ)) و ١١ / ١٩٣ ترجمة يحيى بن جعدة، ونقل عنه في ٢ / ٢٠ ترجمة إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجليّ و ٥ / ٣٥٢ ترجمة عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى الأنصارى . وذكره الشيخ حمد الجاسر في مقدمته للمناسك ٢٢٧ وجمع له أقوالاً كثيرة في الجرح والتعديل من تاريخ بغداد ومن التهذيب ، فلعلها مأخوذة من هذا الكتاب . ١٢ - غريب الحديث وسيأتى الحديث عنه مفصلا . ١٣ - مسائل الإِمام أحمد قال ابنُ أبي يَعْلَي : نقل عَنْ إِمامِنَا مَسَائِلَ سَمِعْناها ، ونحن نسوق ما تَيَسَّرَ مِنْهَا . فَذَكر بعض المسائل . ١٤ - كتاب المغازى . ١٥ - كتاب مناسك الحج ، وَقَدْ نَشَرَ حمد الجاسر كتابا وجده مخروما فركب عليه هذا الاسم وأخرجه منسوباً للحربى . وأنا على وَجَلٍ من هذه النسبة ولم يَسْتَقِمْ لها عندى أمر . وليس هذا مقام البسط ٤٧ في هذا الشأنِ فله موضع خاص به . وفي قراءتى لـ ((فتح الباري)) وجدت نَصَّيْنٍ وطلبتهما فى هذا الكتاب فلم يَقعَا لِي : أولهما في ٥ / ٥١٣ قال في حديث ابنِ عمر: ((وكان ابن عمر رضى الله عنهما إذا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مع الإِمَامِ جمع بينهما)) قال ابنُ حَجَر : وصله إبراهيم الحربي في المناسك له ، قال : حدثنا الحَوْضِىُّ عَنْ هَمَّام أنَّ نَافِعاً حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عمر كان إِذَا لَمْ يُدْرِكِ الإِمَامَ يَوْمَ عَرِفَةَ جَمَعَ بَيَنْ الظُّهرِ والعَصْرِ في منزِلِهِ)). وثانيهما فى ٥ / ٥٥٣ قال ابن حجر فى شرحه لقول البخارى : (( حدثنا عبد الله بن مسلمة ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن يونس ، عن زياد بن جُبير قال: ((رأيت ابنَ عمر رضى الله عنهما أتى على رَجُلٍ قَدْ أناخَ بدنته ينحرها قال: ابعثها قِياما مقيدةً سُنَّةَ محمد عَّمه)) قال: قوله ((سنة محمد)) بنصب سنة، بعامل مضمر كالاختصاص . أو التقدير مُتَّبِعاً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ، قلت : ويجوز الرفع ويدل عليه رواية الحربيِّ في ((المناسك)) بلفظ ((فقال له: انحرها قائمة فإنها سنة محمد)). وفى ٥٥٤ ((وقد نَسَبَ مُغْلَطَاي ومن تبعه تعليق شعبة المذكور لتخريج إبراهيم الحربي عن عمرو بن مرزوق عَنْ شُعْبَةَ ، فراجعته ، فوجدته فيه عن يونس ، عن زياد بالعنعنة وليس فى ذلك وفاء بمقصود البُخَارِىّ )). ثُم إِنّ ما ذكره الشيخ حمد الجاسر أدلة يشترك فيها الحربى وغيره ، ولا تكفى لإِثْباتِ هذه التسمية ، وهذه النسبة ، وأرجو أنْ يُوَفَّقَنِي الله لِبَسْطِ هِذِهِ القَضِيَّةِ في مَوْضِعٍ آخر. والله ولُ التوفيق. ٤٨ ١٦ - النَّهْيُ عن الكذب ، وروى الجزء الأول منه ابن حجر عن شيخه أبي إسحاق التنوخي مشافهة ( المعجم المفهرس ٢ / ٢٢٢ ) . ١٧ - الهدية والسُّنَّةُ فيها. وفي معجم الأدباء ((الهَدَايا والسنة فيها)) وذكر ابن حجر فى المعجم المفهرس روايته فقال: ((كتاب الهدايا للحربي أخبرنا به أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن عبد الحميد المقدسيّ في كتابه ، وقرأته على أم الحسن فاطمة بنت محمد بن المنجى)) ( ٢٠ / ١٧١ ) . هذه هى كتب الحربى ولم يصل إلينا منها إلّا ((المجلّدة الخامسة)) من ((غريب الحديث)) وإلا كتاب (( إكرام الضيف)) وقد طبع طبعتين ، الأولى فى مطبعة المنار بالقاهرة سنة ١٣٤٩ . والثانية في القاهرة سنة ١٤٠٠ ووقع فيهما كثير من التصحيف والتحريف . من كلام الحربى : عن مقاتل بن محمد بن بَنَانِ العَتَكِّ قال : حضرت مع أبى وأخى عِنْدَ أبي إسحاق يعنى إبراهيم الحربيَّ. فقال إبراهيم لأبى: هؤلاء أولادك؟ قال : نعم ، قال : احذر لا يرونك حيث نهاك الله فتسقُطَ من أعينهم)) صفة الصفوة ٢ / ٤٠٩ . وروى ابن الجوزى - أيضا - في كتاب (( ذم الهوى)) ص ١١٦ أنه قال : جنبوا أولادكم قرناء السوء قبل أنْ تَصْبِغُوهُمْ فِي الَبَلاءِ . وقال : أُوَّلُ فَسَادِ الصِّبْيانِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ . وروى فى كتابه - مناقب الإمام أحمد ٥٠٩ - ((اجتمع إبراهيم الحربى وأحمد بن يَحْبِى ثعلبٌ فقال تَعْلَبٌ لِإِبْرَاهِيمَ: مَتَىَ يَسْتَغْنِىِ الْرَجُلُ عَنْ ٤٩ (٤) مُلاقاةِ العلماء فقال له إبراهيم : إذا عَلِمَ ما قَالُوا وَإلى أىِّ شَىْءٍ ذَهَبُوا فيمَا قَالُوا)). قال أحمد بن مروان الدينوري : أتينا إبراهيم الحربي - وهو جالس على باب داره - فسلّمْنا عليه ، وجلسنا ، فجعل يُقْبِلُ علينا فَلَمّا أكثرنا عليه حدثنا حديثين ثم قال لنا : مثل أصحاب الحديث مثل الصَّاد الذى يلقى شبكته فى الماء فيجتهد فإن أخرج سمكة وإلّا أخرج صخرة )) ( سير أعلام النبلاء ٩ / ١٧١ ) . وقال لجماعة عنده : من تعدون الغريب في زمانكم هذا ؟ فقال واحد منهم : الغريب من نَأَى عَنْ وَطَنِهِ ، وقال آخَرُ : الغَرِيبُ مَنْ فَارَقَ أَحْبَابَهُ، وقال كل واحد منهم شيئاً . فَقَال إِبْرَاهِيمُ : الغَرِيبُ فِي زَمَانِنَا رجل صالح عاش بين قوم صالحين، إنْ أَمَرَ بالمعروف آزروه ، وَإِنْ نَهَى عَنِ المُكَرِ أَعَانُوه ، وإِنٍ احتاج إلى سبب من الدنيا ماتُوه ، ثُم ماتوا وترکوه )) . قال أبو الحَسَنِ بن قريش : حضرت إبراهيم الحربيَّ وجاءه يوسف القاضى ومعه ابنه أُبُو عُمَرَ ، فقال له : يا أبا إِسْحَاقَ لَوْ جِئِناَكَ عَلَى مِقْدارٍ وَاجِبٍ حَقِّكَ لكانت أوقاتنا كلها عندك ، فقال : ليس كل غيبة جَفْوةً، ولا كل لقاء مودة، وإنَّما هو تَقَارُبُ القلوب)) (سير أعلام النبلاء ٩ / ١٦٨ ) . وقال إبراهيم : الناسُ عَلَى أربع طبقات: مَلِيج يتملح وَمَلِيچٍ يَتَبَغَّضُ. (وبغيض يَتَملَّحُ ) وبغيض يتبغَّضُ فالأول هو المنى والثاني ٥٠ يُحْتَمِلُ، وَأَمَّا بغيض يتملح فإني أرحمه وَأُمَّا البغيض الَّذِي يَتَبَغَّضُ فَأَفُرُ مِنْهُ)). (سير أعلام النبلاء ٩ / ١٧٢ ) وقد مَرَّ في ترجمته كلمات جامعة ، لَمْ أَرَ إِعَادَتَهَا فِي هَذَا المَوْضِعِ . ٥١ الفصل الثانى تعريف بالكتاب والمجلّدة غريب الحديث للحربي : يجمع المؤرخون الذين ترجموا للحربيِّ، على أن له كتاباً فى غريب الحديث ، وذكروا أنه لم يؤلف مثله فى بابه ، وقد وصفه ابن الأثير فقال : ( جمع كتابه المشهور في غريب الحديث ، وهو کتاب کبیر ، ذو مجلدات عِدَّةٍ ، جمع فيه وبسط القول ، وشرح ، واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها ، وأطاله بذكر متونها وألفاظها ، وإن لم يكن فيه إلا كلمة واحدة غريبة ، فطال لذلك كتابه ، وبسبب طوله ترك وهجر ، وإن كان كثير الفوائد جمَّ المنافع ، فإن الرجل كان إماما حافظًا متُقِناً ، عارفاً بالفقهِ، والحديث ، واللّغَةِ، وَالأدبِ، رحمة الله عليه)) (النهاية ١ / ٦). وقال عنه : « لم یکن فيها ( أی كُتب غريب الحديث ) كتاب صنف مُرَتَّبًا ومقفّى ، يرجع الإِنسان عند طلب الحديث إليه إلا كتاب الحربيِّ ، وهو على طوله وعسر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد تعب وعناء)). وقد نعت المؤرخون كتابه ، فاختلفوا فى بعض أوصافه ، واتفقوا فى غالبها ، قال ابن النديم في ترجمته ص ٢٨٧: (( ... له من الكتب كتاب غريب الحديث ، والذى خرج منه مسند أبي بكر ، مسند عمر ، مسند ٥٢ عثمان ، مسند على ، مسند الزبير ، مسند طلحة ، مسند سعد بن أبى وقاص ، مسند عبد الرحمن بن عوف ، مسند العبّاس ، مسند شَيْبة بن عثمان ، مسند عبد الله بن جعفر ، مسند المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ الزُّهْرِي ، مسند المُطَّلبِ بنِ ربيعةً ، مسند السائب المخزومى ، مسند خالد بن الوليد ، مسند أبى عبيدة بن الجَرَّح ، مسند معاوية وغيره ، مسند عمرو ابن العاص ، مسند عبد الله بن العباس ، مسند عبد الله بن عمر بن الخطّاب، مسند الموالى، وهو آخر ما عمل)). وجاء نعته في معجم الأدباء ١ / ١٢٨ - ١٢٩، والوافى بالوفيات ٥ / ٣٢٣، وفوات الوفيات ١ / ١٦ - ١٧ مختلفا بعض اختلاف عمّا هنا ، إذ ذكروا أنَّ الّذِي خرج من تفسيره لغريب الحديث : مسند أبي بكر رضى الله عنه ، ومسند عمر رضى الله عنه ، ومسند عثمان رضى الله عنه ، ومسند سعد بن أبى وقّاصٍ رضى الله عنه ، ومسند عبد الرحمن بن عوف ، ومسند العبّاس رضى الله عنه ، ومسند شيبة بن عثمان رضى الله عنه ، ومسند عبد الله بن جعفر ، ومسند المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ ، ومسند المطلب بن ربيعة ، ومسند السائب ، ومسند خالد بن الوليد ، ومسند أبي عبيدة بنِ الجَرَّاح ، ومسند ما رُوِي عن معاوية ، ومسند ما رُوِي عن عاصم بن عمر ، ومسند صفوانَ بنِ أُمَّيَّةً ، ومسند جَبَلَةَ بن هُبَيْرَةَ ، ومسند عمرو بن العاص ، ومسند عِمْرانَ بن حصين ، ومسند حكيم بن حزام ، ومسند عبد الله بن زَمْعَةَ ، ومسند عبد الرحمن بن سَمُرَةَ ، ومسند عبد الله بن عمرو ، ومسند عبد الله بن عُمَرَ )). ۵٣ ٠ وَأصل هذا الوصف لياقوت ، ونقله عنه الصفدى وابنُ شاكرٍ ، وَأخلّا ببعض المسانيد وبالمقارنة بين الوصفين نجد أنّ وَصْفَ الفهرست ورد فيه ((مسند معاويةً وغيرِهِ )) ولعلَّ كَلِمَةَ ((غيرِهِ)) جاءت بغيةً الاخْتِصَارِ ، ولو جَعَلْنا الزيادة التى وردت في (معجم الأدَبَاءِ ) تفسيراً لها لاسْتَقَامَ الوصف، وَلَزَالَ ما نتوهَّمُهُ فْرِقاً في هذا الموضع ، ولعله اكتفى بـ ( غيره ) لصغر مسانيد هؤلاء ، كما وضع المؤلف مسند الموالى جميعا ، وقد أورد فيه ثَلاثَةَ عَشَرَ مُسْنَداً . ووصف المعجم يزيد على وصف الفهرست بـ ((مسند ما روى عن عاصم بن عمر ومسند صفوان بن أمية ، ومسند جَبَلَةَ بنِ هُبَيْرةَ ))، و ((مسند عمران بن حصين ، ومسند حَكِيم بن حزامٍ ، ومسند عبد الله ابن زَمْعَةَ ، ومسند عبد الرحمن بن سَمُرَةَ ، ومسند عبد الله بن عمرو )). وينفرد الفهرست بِعَدِّهِ ((مسند الموالى)) وقوله بَعدَهُ: وهو آخِرُ ما عَمِلَ وهى كلمة لها وزنها ومدلولها . ثم يَتَّفِقُ الوَصْفَانِ في الترتيب إذا حذفنا الزوائد ، ولم نَعُدَّها . ولعلَّ مردّ اختلاف الوصفين هو اختلاف نسخ الكتاب ، إِذْ كان الحَرْبِيُّ - رحمه الله - يخرج الكتاب للناس مسنداً مسنداً ، كلما فرغ من مسند أظهره ، وقد مات ولم يُتِمّهُ كما جاء في فهرست ابنِ خيرٍ ص ١٩٤ : (( ذكر أبو يعقوب يوسُفُ بن أحمدَ بن الدَّخِيلِ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ شيخه محمد بن إسحاقَ المُقْرِىء : أَنَّ أَبا إِسْحَاقَ الحَرْبِيَّ ماتَ وَلِمْ ٥٤ يُثِمَّ الدِّيوانَ ، وإِنَّ الَّذِي انتهى إليه بالتأليفِ حديثٌ لابنٍ عُمَرَ ، سنده ومتنه ((حدثنا سليمانُ بن حَرْبٍ ، قال: أخبرنا مُبَارك بن فَضَالَة عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ نافعٍ قال : كُنْتُ أسمع ابنَ عُمَرَ كثيراً يقول : ليت ( شعرى من ) هذا الأُشَجُّ مِنْ وَلَدِ عمر الّذِى في وجهه علامةٌ يَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلاً، وَفَسَّرَهُ، وَذَكَرَ الشِّجَاجَ، وَصَنَّفَهَا. وَمَّ الدِّيوانُ)). وهذا الحديث فى ص ٣١ من المجلدة الخامسة ، وينتهى حديثه عن الشجاج فى ص ٤١ وبنهايته ينتهى شرح غريب حديث ابنٍ عُمَرَ ، وقد شرح فيه أربعة وأربعين حديثا ، في المجلّدة التى وصلت إلينا خَمْسة أحاديث وبعض السادس ( لعله لم يكن منه فى المجلدة الرابعة إِلّ باب سرج ) . نحن - إزاء هذا النص - لا بد أن نذكر بعض أشياء ، منها أنّ هذا النصَّ ◌َدُلُّ على اختلاف نُسَخ الكِتَابِ زيادةً وَنَقْصاً، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ جُمْلةً واحدة، ولِمَا جاء في آخر المخطوطة مِنْ ذكر أنّ ((هذه النسخة أُنْتسِخَتْ عَنْ أَتَجِّ النُسَخِ )) مِمَّا يَدُلُّ على تَعَدُّدِهاَ واخْتِلَافِهَا . وَنَصُّ ابنٍ خير يَدُلُّ على أنّ النُسَخَ التَّي دَخَلَتْ بلاد الأندلس وتداوَلَهَا النَّاسُ هناك قراءةً وسماعاً ورواية كانَتْ نَاقِصةً . وقد ذكر ابنُ خَيْرٍ لِشَيْخِهِ الفقيه أبي الحسن يونس بن محمد (ت ٥٣٢ ) الَّذِي حَدَّثَهُ بالكتاب ثَلاثَ طرقِ، رَوَى بِهَا هَذَا الدِّيوانَ . فالأُولى والثّانِيَةُ: ((حَدَّثَني ( القائل ابنُ خَيْرٍ) شيخُنَا الفقيه أَبُو الحَسَنِ يونس بن محمد بنِ مُغيثٍ - رحمه الله - قالَ : حَدَّثَنِي به ٥٥ جَدّي مُغِيثُ بنُ محمد بنٍ يُؤُنُسَ ، عن جَدِّهِ القاضى يونُسَ بنِ عبدِ الله ابن مُغيث . قال شيخنا يونس بن محمد : وحدَّثنى به - أيضا - محمد بن يحيى قالا : حدثنا أحمد بن مُحَمَّدٍ بن يحيى بنِ الحَذّاءِ التَمِيمَيّ ، عن أبيه محمد بن يحيى قالا : حدثنا به أبو يعقوب يوسف بنُ أحمد بنِ الدخيل الشَّيْبَانِي ، قال : أخبرنا محمد بنُ إِسْحَاقَ المُقْرِىء، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الحَرْبِّ مُؤْلِفِهِ - رحمه الله - )). والطريقان يلتقيان عِنْدَ أبي يعقوب مِمَّا يَجْعَلُهُمَا طَرِيقاً واحدة . والثالثة: ((قال شيخنا يونس بن محمد: وَحَدَّثَنِي به أيضاً - أبو عبد الله محمد بنُ محمد بنِ بشير قال : أخبرنا أبو الوليد هِشامُ بنُ عبد الرحمن الصابونى قال : أخبرنا أبو القاسم على بن إبراهيم بن محمد التَّمِيمِىِّ ، الدَّهْلِيُّ، البَغْدَادِيُّ بِمِصْرَ ، قال : أخبرنا أبي رحمه الله ، قال: أخبرنا أبو إسْحَاقَ الخَرْبِيُّ)). وكلام ابنٍ خيرٍ على ما يفيدنا مِنْ تَوْتِيقِ نسبة المجلَّدةِ الخامسة مِنْهُ لِلِحَرْبِّ إذ ذكر نصًّا قد ورد فيها ، وهذا توثيق جيد . أقول إن كلام ابنٍ خَيْرٍ هَذَا يَقِفُنَا أَمَامَ تَسَاؤلٍ هَلْ تَثْبُتُ هَذِه الزِّيادَةُ التى وردت في نسخَتِنَا ، ويحِقُّ لنا أنْ نَعُدَّها مِنْ كِتَابِ الحَرْبِّ في غريب الحديث ؟ فنقول : نعم تثبت ، وقد جاء فيما نقله المؤلفون عنه بعده . ٥٦ وسنورد فى الصفحات الآتية بعض ما عَثَّرْنَا عليه من نصوص نقلت من كتاب الحربي ( غريب الحديث ) أُوْ آراءٍ نُسِبَتْ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ ناقِلُوهَا بِأَنَّها مِنْ كِتَاب ((الغَريب)) وأوردناها لغلبة الظن أنها منه . وَإِنَّ هَذِهِ النصوص الّتِي سنوردها تُوَتَّقُ لَنَا نِسْبَةَ هَذِهِ المُجَلَّدَةِ إليه ، وتجعلنا على يقين من أمرها ، إذْ نَذْكُرُ النَصَّ المَنْقُولَ، أَوْ نُشِيرُ إِلَيْهِ ، إِن لم يكن فيها . والّذين نقلوا عَنِ الَحْرِبِيِّ كثير ، واجتزأت بهذه النقول اليَسِيرةِ ، لِأَنَّ جمعها بحثٌ مستقِلَّ بِذَاتِهِ ، ويحتاجُ إلى وقت طويلٍ وعَمَلِ دَائِبٍ ، واستقراءٍ مُسْتَقْصٍ . وإِنَّهَا لَتُؤْرُِّ للكِتَابِ ، إذْ تُبَيِّنُ مَنِ اسْتَفَاد مِنْهُ مِنَ العُلَمَاءِ ، وتُبَيِّنُ ما لديه مِنْ آراء ، وما حِظِى به من تقدير وتبجيل ، وما لَقِيَهُ مِنْ عناية ودراسة ، وقد مر بنا أنّ ابنَ خَيْرِ رَوَى غَالِب الكِتَابِ . وَعَلِمِنْاَ أنَّ الخطيبَ البغدادى قد ملك نسخة مِنْهُ في عَشْرَةِ أَجْزَاءٍ . وهذه النقول تصور الكتاب تصويرا جَلِيًّا حين يَتَّضِحُ لنا من هذه الآراء أن الكتاب قَدْ مُلِى عِلْماً، وحُشِيَ بمسائل العَرَبيَّةِ والنَحْوِ ، وآراءِ الفُقَهاءِ والمُفَسِّرِينَ ، وَلَهَجَاتِ العَرَبِ ولُغاتِهاَ ، وقِراءةِ القُرّاءِ وشُدُوذِهَا ، وما ورد عن النبى عٍَّ من آثارٍ وأخبار ، وعن العرب مِنْ أَقوالٍ وَأَمْتَالٍ ، وعَنِ الأَحْبَارِّينَ من قصص وحكايات ، وعن المشتغلين بالغَرائِب من طريف ونَادِرة ، وعن الشعراء والرُّجَّاز مِنْ أراجيز وأشعار ، وعن المواضع والبلدان والدِّيار والأمصار والمياه والجبال ، والشعاب والوديان والهضاب ٥٧ والتِّلَالِ، مِنْ تَحْدْيِدٍ وَضَبْطٍ ، وعن القبائل من أنساب وأخبار ، ومن ذكر فَصَائِلِهِا وعَشَائِها، وغير هذا مِمَّا جَرَتْ عادة أهل اللغة على بَحْثِهِ وشرحه وترتيبه وتَبْویبه . وسنذكر في الصفحات الآتِيَّةِ بعض من نقلوا عنه وما نقلوه ما تيسََّ ذَلِك ، وسنفرد المؤلفين فى غريب الحديث بمقالةٍ خَاصَّةٍ تلى هذه المقالة . من نقلوا عن غريب الحديث للحربى : أولا: أبو بكر محمد بن القاسم الأنْبَارِيّ ( ٣٢٨). نقل أُبُو بَكْرٍ عَنِ الحَرْبِيِّ فِي كَتِابِهِ ( الزاهر فى معاني كلمات الناس ) وَأَفَاد من شرحه لغريب الحديث ، وإليك هذه النصوص التى يغلب على الظّنّ أَنَّ أكثرها أخذها من ( غريب الحديث ) : (١) فى ١ / ٣٧٢ ((قال أنشدنا أبو العباس وإبراهيم الحربى: وَتَرْفَضُّ عِنْدَ المُحْفِظَاتِ الْكَنَائِفُ أخوك الذى لا تَملِكُ الحِسَّ نَفْسُهُ (٢) فى ١ / ٤٧٣ - ٤٧٥ ((قال أبو بكر: الجَاسُوسُ معناه في كلام العرب المُتَجَسِّسُ الباحِثُ عَنْ أُمورِ الناس، يُقَالُ: قَدْـ تَجَسَّسَ الرجل وتَحَسَّسَ بمعنىَّ واحد ، هَذَا إِجماع أَهْلِ اللُّغَةِ . وقد فرق بين التَجَسُّسِ والتَحَسُّسِ يَحْيَى بنُ أبي كَثِرٍ ، فقال: التَحَسُّسُ: البَحْثُ عَنْ عَوْراتِ الناسِ ، والتَجَسُّسُ : الاستماع لِأحاديثِ الناس ، قال أبو بكرٍ : سمعت إبراهيم الحَرْبِّ يحكى هذا الإِجْمَاعَ عن محمدِ بنِ الصَّبَاحِ ، عن الوليدِ، عَنِ الأُوْزَاعِىِّ، عن يحيى، قال: وسمعت إبراهيم يقول: أخبرنا الأثرم، ٥٨ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة أُنَّهُ قَالَ: التَّجَسُّسُ وَاحِدٌ، يُقَالُ: رَجُلٌ جاسوسٌ وَناموسٌ بِمعنىً)). قال إبراهيم : قولُ أبي عُبَيْدَةَ جاسوس وناموس بمعنىَّ، لا أعرفه . قال : والناموسُ عندى صاحِبُ سِرّ المَلِكِ، يُقَالُ: قَدْ نَمَسَ يَنْمُسُ نَمْساً، وَنَامَسْتُهُ مُنَامَسَةً . قالَ أبو بكرٍ : وحدَّثنا إبراهيمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْبُهْلُولِ ، عَنِ ابنِ إِذْرِيسَ ، عَنِ إسْحَاقَ ، عن يزيدَ بنِ أبِي حَبيب ، عن راشد مولى حبيب بن أوس ، عن حبيب عن عمرو بن العاص ، قال : قلت لِلنَّجَاشِيِّ: أَعْطِنِي رَسُولَ محمد أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَالَ: أَتَسْألُنِي أُنْ أُعطِيَكَ رسولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يأْتِي مُؤُسى. قال إبراهيم: وكان أكثر القراء يقرأون ((ولا تَجَسَّسَوا)) بالجيم. وحدثنا إبراهيم قال: حدَّثنا يحيى بن خَلَفٍ، عنِ المُعْتَمِرِ ، عَنْ أبيه قال : قرأ الحَسَنُ ( إنَّ بَعْضَ الظَّنِ إِثْمٌ، وَلَا تَحَسَّسُوا ) بالحاء . حدَّثنا إبراهيم ، قال : حّدثَنَا إِبراهيم بن محمد ، عَنْ أبي عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبي نَجِيجٍ ، عن مجاهد في قوله ( ولا تَجَسَّسُوا ) بالجيم . قال: (( خُذُوا ما ظَهَرَ، ودَعُوا ما سَتَر الله)). (٣) في ١ / ٥٠١ - ٥٠٣ قال أبو بكر: قال بعض أهل اللغة : الحَكَمَةُ القَدْرُ والمَنْزَلَةُ، واحْتَجَّ بحديثٍ عُمَرَ ، حَدَّثَنَاهُ إِبراهيمُ قَالَ: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ الصَّبَاحِ ، قال : حدَّثنا سفيان ، عنِ ابنٍ ٥٩ عَجْلانَ ، عَنْ بُكَيْرِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ الأَشَجّ، عَنْ مَعْمَر بنٍ أَبِي حَبِيبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَدِيّ بنِ الخِيارِ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنَّ العَبْدَ إِذَا تَوَاضَعَ لله رَفَعَ الله حَكَمَتُهُ، وقالْ له : انْتَعِشْ نَعَشَكَ الله، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ حقيرٌ ، وفي أَعْيُنِ الناسِ كَبِيرٌ، وإِذَا تَكَبَّرَ وَعَتَا ، وَهَصهُ الله إلى الأرض ، وقالَ له : احْسَأَ خسأك الله ، فَهُوَ في نفسِهِ كبير ، وفي أعْيْنِ الناسِ حَقِير ، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُمْ أُحْقَرَ مِنَ الخِنْزِيرِ )). حدّثنا إبراهيم الحربي قال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخارىُّ ، قال : حدَّثَنَا عَلِيُّ بِنُ الحَكَمِ الأَنْصَارِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سلامٌ أبو المُنْذِرٍ ، عن علّ بن زيد ، عن يوسُفَ بنِ مِهْرانَ ، عنِ ابن عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِّ عَلِ قال: ((ما مِنْ آدَمِيِّ إِلَّ وفي رَأسِهِ حَكَمَةٌ بِيَد مَلَكِ فَإِذا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: آرْفَعْ حَكَمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَك الذى يليه: ضَعْ حَكَمَتَهُ . قال إبراهيمُ: فمعنى قوله عَّله: ((فِي رَأْسِهِ حَكَمَةٌ)) مَثْلٌ. قالَ: والحَكَمَة حَدِيدَةٌ في اللِّجَامِ مُسْتِدِيرةٌ عَلَى الحَنَكِ تَمْنَعُ الفَرَسَ مِنَ الْفَسَادِ وَالجَرْي. قال إبراهيم: وَحدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ الْبُهْلُولِ عَنِ ابنِ إِذْرِيسَ، عن ابن إسحاق ، عن الزُّهْريّ ، عن كَثِيرٍ بن العباس، عن أبيه العبّاسِ قال: ((إنىّ لَمَعَ رسولِ الله عَِّ يَوْمَ حُنَيْنٍ آَخِذٌ بِحَكَمَةٍ فَرَسِهِ )). قال إبراهيم : فَلَمَّا كَانِتِ الحَكَمَةُ تَأْخُذُ بِفَمِ الدَابّةِ ، وَكانَ ٦٠