النص المفهرس
صفحات 21-40
الصحيح (٢٥٦) وابنُ قُتَيْبةَ (٢٧٦)، والدَارِمِيُّ (٢٨٠) وغيرهم كثير . والتفت أُهْلُ السُّنَّةِ إلى الحديث يروونه ، ويجمعونه، وُيَنَقُّونَهُ مِمَّا دَسَّهُ أَهْلُ الأَهْوَاءِ . وَكَانَ الاشتغال بالحديث خَيْرَ رَدٍّ على تِلْكَ المِلَلِ والنحَل . وَكَانَ الحَرُّبِي مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ اشتغل بما اشتغلوا به وَأَرَّقَهُ تَجُّؤُ أصْحَابِ الهوى على دين الله ، فَعَظّم الأُوَّلِينَ وَجَالس مشايخهم ، وأخذ عنهم العلم وتلقاه، وهجر أصحاب الهَوَى، وحَّمَ الرِّواية عنهم ، بل أبعد ما رواه عنهم من كتبه ، ولم يشتغل بشىء من علومهم ، وترك الابتداع والكلام فى شىء لَمْ يَسْبِقْهُ إليه سَلَفْ صالح ، مِمَّا سَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بیانٍ وتوضيح . وسلك مسلك السلف في الزهد فى الدنيا وجاهِهَا ، والإِعراض عنها وعن لَذَّاتِها، فلم تَغُرَّهُ زَخْرَفَةُ بُنْيَانٍ وَلَا رَخَاءُ عَيْشٍ وَلَا جَاءٌ وَشَرَفٌ . فَمَا قيمة هذا كُلّهِ وِالإِنسان يَعِيشُ فى ضَلالٍ ؟ وَكَانَتْ هَذِه ميزةً وسمةً مِنْ سِمَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ . وشكر لمشايخه جميل صنعهم ، على تعليمِهِ حُبَّ السُّنَّةِ وحُبَّ حديثٍ رسول الله عَ ◌ِّ، وتَبْغِيضِهِ في الهَوَى وَأَهْلِهِ . هذه هِيَ أَوْضَحُ معالِمِ عصر الحَرْبِّ الَتِى أَثَرَتْ فيه ، وكان لها نصيبٌ في توجيهه وتسديده ، ونكتفى بهذا الإِيجاز عَنْ إطالةٍ لا يكون تَحْتَهَا طَائِلٌ . ٢١ نسبه : هو إبراهيم بنُ إسحاق بنِ إبراهيم بنِ بشيرِ بن عبدِ الله بنِ دَيْسمَ الحربي ، يكنى أبا إِسْحَاق . وذكر المسعوديُّ أَنّ اسْمَ أَبِيهِ ((محمد)). ولا أعرف غيره ذكر هذا الاسم . ونسبة ((الحربي)) إِلى مَحَلّةٍ ببغدادَ كبيرة مشهورة ، تقع في الجانب الغربى منها عند باب حرب ، قرب مقبرة بِشْرٍ الحافي وأحمد بن حنبل وغيرهما، تنسب إِلى حَرْب بنِ عبد الله البَلْخِي، ويعرف بـ ((الراوندى)) أَحَدٍ قُوَّادٍ أبي جعفر المنصور ، وكان يتولّى شُرْطَةً بغداد وَقَتَلَهُ الترك أيام المنصور سنة ( ١٤٧ ) حين دخلوا تَفْلِيسَ ، فقتلوه بها وخَّبوا جميع ما كان يجاور الحَرْبِيَّةَ من المَحَالِّ ، وبقيت وحدها كالبلدة المُفْرَدَةِ في وَسَط الصَّحْرَاء بينها وبين بغداد نحو ميلين)) معجم البلدان ٢ / ٢٣٧ ( الحربية ) . ويقول الشيخ حمد الجاسر : ((عندما أُنْشِئَتْ مدينة بغداد فى عهد الخليفة المنصور ، كان لأهل مَرْوَ قطيعةٌ واسعة حَلُّوها وسكنوا فيها وعُرِفَتْ بِهِمْ ومِنْهُمْ كثير من رجال الدولة فى ذلك العهد ، وكانت تقع في الجانب الغربى من بغداد بعد محلة الحربية )) مقدمة المناسك ص ١٥ . نشأته وحياته : ((ورث إبراهيم الحَرْبِيُّ عَنْ خَالِهِ عَقَاراً كثيراً، فَتَرَكَهُ))، ((وكان له قطائع في المراوزة يعنى فى الكابلية ، وقال عنها : كان لى فيها ٢٢ اثنتان وعشرون داراً وبستانٌ وكان يَصِفُ مَحَلَّةً مَحَلَّةً وداراً داراً ، قالَ : فِعْتَهَا وَأَنْفَقْتَها على الحديث )). وانصرف إلى طلب الحديث ، وأقبل على حلقات العلم منذ حداثة سِنِّهِ . فجلس في مجالس كبارٍ شيوخ الحديث فى عصره ، وهو ابنُ بِضْعَ عَشْرَةَ سنة ، فأخذ سماعاً مِنْ هَوْذَةَ بنِ خليفة المتوفى سنة ٢١٦، يقول الذهبى: ((وطلب العلم سنة بضع عشرة فسمع على هوذة بن خليفة ((وصَرَّحَ الحَرْبيَّ في كتابه))، ((غريب الحديث)) بالسَّمَاعِ من مشايخ توفوا قبل هذا التاريخ ، مثل الحسن بن موسى المتوفى سنة ٢١٠، وسُرَيْج بن النعمان المتوفى سنة ٢١٠ - أيضا - وأبى عبيدة معمر بن المثنى ( ٢١٠ ) وعبد الله بن صالح العجلى المتوفى سنة ٢١١، ومعاوية بن عمرو الأسدى المتوفى سنة ٢١٤ ، ومحمد بن عَبَّادٍ المُهَلَّبِيِّ المتوفّى سنة ٢١٤ ((قال مطين: مات سنة ٢٢٦)) (١) وانظر خبره معه في تاريخ بغداد ٢ / ٢٧٣ وميزان الاعتدل ٣ / ٥٨٩ ، وفي اللسان وروى عنه في كتابه (( إكرام الضيف)) وروى عن يوسف بن بهلول المتوفى ٢١٨ ، فَأَكْثَرَ وعن غيرٍ مِنْ ذُكِرَ كثير، مِمّن تُوُفِّي في هذه المُدَة مِنِ الزَمَانِ . وهذا دليل على اشتغاله بالعلم منذ سِنّ باكرةٍ ، ولا يأخذ الطالب عن مثل هؤلاء ويجالسهم ، ولا يأذنون ويرضون بتلك المجالسة إلَّا بعد أنْ يَكُونَ قد أمضى فترةً في تَعَلَّمِ مبادئ القراءةِ والكِتَابَة ، وحفظ القرآن وغيره ، فَأَحْسَنَ الأَحْذَ والتَلَقِّي . (١) لسان الميزان ٥ / ٢١٤ . ٢٣ ثُمَّ لازَمَ بعض شيوخ عصره وأئِمَّتَهُمْ وأكثر من الأخذ عنهم والتلقى منهم ، ومن هؤلاء الإِمام أحمد بن حنبل ( ٢٤١ ) صحبه وهو غُلَامٌ فتعلَّق بهَ وَأَحَبَّهُ، وأجَلَّهُ وعَظَّمَه، وعرف له فضله وإِمامته ((سُئِلَ إبراهيم الحربي : كَيْفَ سمِعْتَ أحمد يقول في القراءة خَلْف الإِمام . فقال : إِمّا أَلْفَ مَرَّة إِنْ لَمْ أَقُلْ، فَقَدْ سِمِعْتُهُ يِقَوُلُ : يَقْرَأُ فيما حَافَتَ ، ويُنْصِتُ فيما جَهَرَ . قلت ( القائل أبو حفص ) لإِبراهيم الحربيَّ فَأَيش ترى أَنْتَ ؟ قال أَنَّا ذَاَك عَلَّمَنِي ، وَعَنْهُ أُخذْتُ ، وصحبته وأنا غلام ، وَكُلَّ شَىْءٍ يلقيه إلينا أخذته عنه ، وتمسَّك به قلبى ، فَأَنا عَليه : أقرأ إذا لم أَسْمَع، وإذا جهر استمعت وَمَنْ خَلَفَنِي أَهْوَنْتُ بِهِ )) طبقات الحنابلة ١ / ٩٢ ، ٩٣ . ويقول عَنِ الإِمام أَحْمَدَ - أيضا -: ((هُوَ أَلْقَى في قلوبنا مُنْذُ كُنّا غِلمانا اتّباع حديث النبى معَ ◌ِّ، وأقاويلِ الصحابةِ، والاقتداءَ بالتابعين)) طبقات الحنابلة ١ / ٩٢ . ويقول عنه: (( ولقد صحبته عشرين سنة صيفا وشتاء وحرًّا وبرداً، وليلا ونهارا، فما لقيته لَقَاةً في يوم إلَّا وهو زَائِدٌ عليه بالأمس . ولقد كان يَقْدَمُ أَئْمَّةُ العلماء من كل بلدٍ ، وإِمَاُم كُلِّ مِصْرٍ ، فَهُمْ بِجَلَالَتِهِمْ، مَا دَامَ الرَّجُلُ مِنْهُم حَارِجاً عَنِ المَسْجِدِ، فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صار غُلَاماً مُتَعَلِّمًا)) طبقات الحنابلة ١ / ٩٢ ، ٩٣ . ويدل هذا النص على ملازمته للعلم وأهله ، ولقائه لكثير من شيوخ البلدان وأئمتِها حينَ يَقْدَمون على الإِمام أحمد للسماع والمشافهة . ٢٤ ولازم بعض علماء اللغة الثقات ، مِمَّنْ عَدَّلَهُمْ أُهْلُ الجرح والتعديل ، فحضر مجالسهم وكتب عنهم شهد له بذلك شيخه وقِرْنُهُ ثعلب. أحمد بن يحيى ( ٢٩١) بقوله: ((ما فقدت إبراهيمَ الحَرْبِيَّ من مجلس لُغَةٍ أَوْ نَحْوِ خمسين سنة)). وعاد عليه انصرافُهُ إلى العلم وانكبابه وحرصه عليه بفوائدَ جَمَّةٍ ، وخير كبيرٍ فتجمع له كُتُبٌ كثيرة ، وأجزاء وفيرة ، عَدَّها تِجَارَتَه الَّابِحَةَ، وذخيرتَّه الباقية، وإِرته الذى يَدَعُهُ لِمَنْ بَعْدَهُ، ((وقد سَيَّر إِليه المُعْتَضِدُ - وهو مريض - ألف دينار ، فلم يقبلها، وردّها فخاصمته بِنْتُهُ فقال لها : أتخشين إذا مت الفقر ؟ ! . فقالت : نعم ، قال لها : في تلك الزاوية اثنا عشر ألْفَ جُزْءٍ حديثية ولُغَوِيَّة ، وغير ذلك ، كتبتها بِخَطّي ، فبيعى منها كُلَّ يَوْمِ جُزْءًاً بدرهم ، ومن له آثنا عشر ألفَ درهم ليس بفقير)) إنباه الرواة ١ / ١٥٧ . وقد كانت هذه الثروة العلمية ثمرة جهد دائب ، وعمل موصول ، ومدارسة لا تنقطع ، وقد قال له رجل - وقد رأى كثرة كتبه فهالته - كيف قَويتَ على جمعها ؟ فغضب إبراهيم ، وقال : بلحمي ودمي ، بلحمى ودمى )) . وأعرض عن السلطان ، وأصحاب الجاه ، فلم يغش مجالسهم ، ولم يسامرهم أو ينادمهم ، ولم يؤكِلْهُمْ أو يشاربهم ، وما اشتغل بأموَالهم ، ولم يقبل هِبَاتِهم وأعطياتهم ، قُدْوَةً بشيخِه الإِمام أحمد ، واحتسابا لِجْرِ الله ، وما وَعَدَ به عبادَه المؤمنين . ٢٥ وقد ذكروا : أَنّ إسماعيل بن إسحاق القاضى (٢٨٢ ) كان يشتهى رؤية إبراهيم الحربى وكان لا يدخل عليه ، يقول : لا أدخل داراً عليها بواب فَأَخْبِرَ إسماعيل بذلك ، فقال : أنا أُدَعُ بابي كبابِ الجامع ، فجاء إِبراهيم إِليه فَلَمَّا دَخَلَ عليه خلَعَ نعليه، فأخذ أَبو عُمَرَ محمد بن يوسف القاضى نعليه وَلَفّهما في منديل دمشقى ، وجعله في كُمِّهِ ، وجرى بينهما علم كثير ، فلمّا قام إِبراهيم التمس نعليه ، فَخَّجَ أَبُو عُمَر النعل من كمه فقال له إبراهيم : غفر الله لك كما أكرمت العلم . فَلَمَّا مات أبُو عُمر القاضى ورُنى فى المنام فقيل له : ما فعل الله بك ؟ فقال : أجيبت فِّ دعوةُ إبراهيمَ الحربيّ)). وحدَّث عنه تلميذه أبو القاسم الخُتَّلِيُّ فقال : اعتل إبراهيم الحربى عِلَّةً حتى أشرف على الموت ، فدخلت إليه يوما فقال لى : يا أبا القاسم ، أنا فى أمرٍ عظيم مع ابنتى ، ثم قال لها : قُومِي آخرُجى إلى عمك ، فخرجت ، فألقت على وجهها خِمارها ، فقال إبراهيم : هذا عَمُّكِ كَلِّمِيهِ فقالت لي : يَا عَمُّ نحن في أمر عظيم ، لا فى الدنيا ولا في الآخرة ، الشَهْرَ والدَهْرَ مالنا طعام إلا كسر يابسة وملح ، وربما عِدِمنا الملح ، وبالأمس قد وجَّه إليه المعتضد مع بَدْرٍ ألف دينار فلم يأخذها ، ووجه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئاً وهو عليلٌ .. )) طبقات الحنابلة ١ / ٨٨،، والمنتظم ٦ / ٥، ٦. وقد أَبَى أَنْ يُوَزِّعَ صدقات المعتضد على من يعرفه من الفقراء ، وذوى الحاجة من جيرانه ، وعدَّ ذلك من المعتضد أذَّى يستَحِقُّ عليه أنْ ٢٦ يُفَارِقَ بَلْدتَهُ إلى مكانٍ لا يلحقه فيه ذلك الأذى. حَدَّث أبو عثمانَ الرَازِيُّ، قال : جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيمَ الحَرْبِّ بعشرة آلافٍ درهم مِنْ عِنْدِ المعتضد يسأله عن أمِيرِ المؤمنين تَفْرِقَةَ ذلك . فَرَدَّهُ وانصرف الرسول ثُمَّ عَادَ فقال له : إِنَّ أَمِيرَ المؤمنين يسألك أَنْ تُفَرِّقَهُ في جيرانِكَ ، فقال: عَافَاكَ الله ، هَذَا مالٌ لم نَشْغَلْ أنفسَنَا في جَمْعِهِ فلا نَشْغَلُها بتفريقهِ ، قُلْ لِأَميرِ المؤمنين: إن تركتنا وإِلَا تَحَوَّلْنَا مِنْ جِوَارِكَ)) طبقات الحنابلة ١ / ٨٨ والمنتظم ٦ / ٥. وقد عاش حياته زاهدا عفيفا معرضا عن المال والجاه ، مبتغيا ما عند الله من خير وأجر (( والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا)) وَتَقَّلَ آثارَ سَلَفِ الأُمَّة الصالح مِمَّنْ سَبَقُوه وشَقُّوا طَرِقَهُمْ إلى الأُخْرَى بهذا الزاد . وتعلَّمَ هذا الزهد مِنْ أَئِمَّتِهِ في عصرهِ وَقَدْ سأل أبو عبد الرحمن السُّلَمي الإِمام الدارقطنى عَنْ إبراهيم الحَرْبِيّ فقال : كان إِماما ، وكانَ يُقَاسُ بأحمد بن حنبل فى علمه وزهده وورعه)). وشهد لزهده محمد بن صالح القاضى فقال: (( لا نعلم أنّ بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي فى الأدب والحديث والفقه والزهد )) طبقات الحنابلة ١ / ٨٩ . ودفعه زهده إلى أن لا يأخذ على تعليمه أجرا أيَّ أَجْرٍ ، وقد قال : (( ما أخذت على علم قَطُّ أجرة إلّا (١) مرةً واحِدةً فَإِنِّي وَقَفْتُ على بابِ بَقَّالٍ فَوَزَنْتُ لَهُ قيراطاً إِلَّا فَلْساً فَسَأَلنى عن مسألة فأجبته . فقال للغلام : أَعْطِهِ بقيراطٍ ولا تَنْقُصْهُ شَيْئاً فزادنى فَلْساً)) طبقات الحنابلة ١ / ٨٩ . (١) فى الأصل ((ولا مَرَّة)). ٢٧ هذا على ما كان عليه من حاجة وفاقة وضائقة ، أَلَحَّتْ زوجُه وبنتُه في شكواها إليه وإلى أقرانه وتلاميذه مِنْ طُلَابِ الحَدِيثِ ((قال أحمد ابنُ سليمان القَطِيعِيّ: أضقت إضافةً فَمَضَيْتُ إلى إبراهيم الحَرْبِيِّ لاَ بُنَّهُ ما أنا فيه ، فقال لى : لا يَضِعْ صَدرك ، فإن الله من وراء المَعُونَةِ ، وإنى أُضِقْتُ مَرَّةَ حَتَّى انْتَهَى أَمْرِي فِي الإِضافة إلى أَنْ عِدِم ◌ِيَالِي قُوتَهُمْ . فقالَتْ لي الزوجة : هب أنِّي وإيّاك نَصْبِرُ فكيف نصنع بهاتين الصَّبِيَّتَيْنِ ؟ فَهَاتِ شَيْئاً مِنْ كُتُبِكَ حَتَّى نَبِيعَهُ أَوُ نَرْهَنَهُ فَضَئِنْتُ بِذَلِكَ ، وقلت اقْترِضِي لهما شيئاً ، وأنظرينى بَقِيَّةً اليوم والليلة ، وكان لى بيتٌ في دِهْليزِ دارى، فيه كتبى ، فَكُنُتُ أَجْلِسُ فيه للنَّسْخِ وللنَّظَرِ ، فلما كان فى تلك الليلة إذا داقٌّ يَدُقُّ الباب فقلت : من هذا ؟ فقال رجل من الجيرانِ ، فقلت : ادْخُل فقال : أطفِي السِّراجَ حتى أدخل ، فكبيت على السراج شيئا وقلت : ادْخُلْ فَدَخَلَ وترك إلى جانبي شَيْئاً وانْصَرَفَ فكشفت عن السِّرَاجِ ونظرت فإذا منديلٌ له قيمة وفيه أنواعٌ مِنَ الطعام ، وكَاغَدَ فيه خمسمائة درهم فدعوت الزوجة وقلت : أنْبِهِي الصِّبْيَانَ حَتَّى يَأْكُلُوا وَلَمَّا كان من الغد قضينا ديناً كانَ عَلَيْنَا من تلك الدراهم ، وكان وقت مجىء الحاج من خراسان ، فجلست على بابى من غد تلك الليلة فإذا جَمَّالْ يقود جملين عليهما حِمْلانِ وَرَقاً ، وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربيّ ، فانتهى إِلَّ فقلت أنا إبراهيم فَحَطَّ الحِمْلَيْنِ وقالَ : هذان الحِمْلانِ أَنْفَذَهُمَا لك رجل مِنْ خُرَاسَانَ فقلت : من هو ؟ فقال : قِدِ استحلفنى أنْ لَا أَقُولَ: من هو)) طبقات الحنابلة ١ / ٨٧، ٨٨ . ٢٨ وسبق ذكر شكاية بنته لأبي القاسمِ الخُتَّلِيِّ . واقتصد فى أكله وشربه ولباسه ، ورضى بما قسم له من رزق ، وما آتاه الله من فضل ، لا يتطلّع إلى زهرة الحياة الدنيا ، ولا يستشرف لِزِينَتِهِا، وهو أَمْرٌ جبل عليه الناس ((زُيِّنَ لِلنَّاس حُبُّ الشَّهَوَاتِ ... )) ولا يُزْهَدُ فيها إلا بعد جِهاد، ولا يُرْغَبُ عنها إلّا بَعْدَ مُعَانَاةٍ ويقينٍ . وهو أَمْرٌ يدُلُّ على أنَّ هذا الرجُلَ قد خَرَجَ مِنْ حَظَّ نَّفْسِهِ . وكان يقول : أجمع عُقَلَاءُ كُلِ أَمَّةٍ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَجْرِ مَعَ القَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بعيشِهِ ، كان يكون قميصى أنظفَ قميص ، وإزارى أوسخ إزار ، ما حَدَّثْتُ نفسى أَنَّهُمَا يستويان قطّ ، وفرد عَقِي مقطوع ، والآخر صحيح أمْشِي بهما ، وأدور بَعْدَادَ كُلَّهَا . هذا الجانب وذلك الجانب ، لا أحدث نفسى أنْ أَصْلِحَهَا وما شكوت إلى أُمِّى ولا إلى أخِي ولا إلى امْرَأْتِي وَلَا إلى بناتى حُمَّى وَجَدْتُهَا)) المنتظم ٦ / ٤. وكان يقول : الرجل هو الذى يدخل غَمَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ، ولا يُغِمُّ عِيالَهُ ((وكان بى شَقِيقَةٌ خمساً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ما أخبرت بها أحداً قطّ . ولى عشر سنين أُبصِرُ بفرد عين ما أَخْبَرْتُ بها أَحَداً ، وأَقْنَيْتُ مِنْ عُمُرى ثلاثين سنةً برغيفينٍ إن جاءَتِنِي بِهِما أُمِّي أَوْ أُخْتِى أَكَلْتُ وإلَّا بَقِيِتُ جائعاً عَطْشَانَ إِلَى اللَّيْلَةِ الثَانِيَةِ وأفنيت ثلاثينَ سنةً مِنْ عُمُرى برغيفٍ فى اليوم والليلة ، إن جاءتنى آمرأتى أوْ إحدى بناتى أكَلْتُ وإلّا بقيت جائعاً عَطْشَانَ إلى الليلة الأُخْرَىَ. والآن آكلُ نصف رغيف وأَرْبَعَ عَشْرَةَ تمرةٍ إن كان بَرْنِيّاً ونَيّفاً وعِشْرِينَ إِنْ كَانَتْ دَقَلاً ، ومرضتِ ابنتى فمضت ٢٩ امرأتى فَأْقَامَتْ عندها شهرا فقام إفطارى في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف ، ودخلت الحمام ، واشتريت لهم صابوناً بِدَانِقِينٍ فكانت نفقة رمضانَ كُلِّه بدرهم وأَرْبَعَةِ دَوَانِيقَ ونصف)) المنتظم ٦ / ٤، ٥. وهذا يؤكد قناعته باليسير ، ورضاه بالقليل ، وتَحَمُّلَه هموم نفسه وحده ، وصبرَه على أقدار الله، ورضاه بما قُسِمَ له مِنْ خَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وقيامه على خِدْمَةِ نَفْسِهِ ، دون أنْ يَشُقَّ على غَيْرِهِ - وإِنْ كانوا أقْرَبَ النَّاس إليه - فهم إن أتَّوْهُ بطعام أكله وإلَّا نام طاوياً ، ولم يطلبهم ذلك ، وقد قَصَّ علينا بهذا الخبر وغيره أُمْرَ طَعَامِهِ ، وشَأَنَهُ في أكله منذ كان شاباً وما استقر عليه آخِرَ عُمُرِهِ مِنَ الاكْتِفَاءِ بنصف رغيف وتمرات معدودة . وَقَدْ عاشَ هِذِهِ الحياة القاسية منذ مطلع حياته بما يُقِمُ أَوَدَهُ ، ويحفظ عليه حياتَهُ ويصف معيشته هذه بقوله: (( ما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئا ، كنت أجىء مِنْ عِشَاءٍ إلى عِشاءٍ وقد هَيَّأْتْ لي أمي باذِنْجَانَةً مَشْوِيَّةً أَوْ لَعْقَةَ بِنٌّ أَوْ بَاقَةَ فُجْلٍ)) المنتظم ٦ / ٥ (( وما تَرَوَّحَ بمروحة قط، ولا رُوِّحَ، ولا أكل من شىء واحدٍ في يومٍ مَرَّتَتْنِ)) (١) إنباه الرواة ١ / ١٥٦ . وكانت معيشته في صباه وشبابه إذا قورنت بمعيشته آخِرَ عُمُرِهِ معيشةً مُتْرَفَةً إِذِ اكتفى بأَيْسَرِ اليسير واستغنى عَنْ كَثِيرٍ من قليلِ أَكْلِهِ (١) فى طبقات الحنابلة ١ / ٨٧ ((ما تزوجت ولا زوجت)) بالجيم وهو تصحيف . ٣٠ وَقَدْ حَدَّثَ أَبُوَ عَلِىّ الخَرَّط قال: ((كنت جالسا يوماً مع إبراهيمَ الحربي على باب داره فلما أنْ أصبحنا قال لي : يا أبا على قُمْ إِلى شُغْلِكَ . فَإِنَّ عندى فُجْلَةً قد أكلت البارِحَةَ خَضِرَتَها ، أقوم أَتَّغَدَّى بِجَزَرتهاَ)) المنتظم ٦ / ٥ . وَأَيُّ أَكْلِ أَقَلَّ مِنْ هَذَا الأَكْلِ ، فجلة واحدة يتَعَشَّى بها وَيَتَغَدَّى! ورُزِقَ الحربيُّ من الذُرَّيِةِ بِنْتَيْنِ ، قد مَّ لهما ذكر في هذه الترجمة ، وغلاماً اخترمته المنون وهو صغير ، قال محمد بن خلف وكيعٌ : كانَ لِإِبراهيمَ الحَرْبِّ ابنٌ وَكان له إحدى عَشْرَةَ سنة قد حفظ القرآن وَلَقَّنَهُ مِنَ الفِقْهِ شَيْئاً كثيراً. قال: فمات فَجِئْتُ أُعَزِّيهِ قال : فقال لى : (( كُنْتُ أَشْتَهِي مَوْتَ ابْنِي هذا قال : قلت : يا أبا اسحاق أنت عالم الدنيا تقول هذا فى صبى قد أنجب ، ولقَّنْتَه الحديث والفقه !! . قال : نعم رأيت في النومِ كَأَنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَاَمتْ وَكَأَنَّ صِبيانا ، بِأَيْدِيهَمْ قِلالٌ فيها ماء ، يَسْقُونَ النَّاسَ، يَسْقُونَهُمْ، وَكَأَنَّ اليومَ يومٌ حارُّ شَدِيدٌ حَرُّهُ ، فقلتُ لِحدهِمُ اسْقِنِي من هذا الماءِ قالَ : فنظر إِلَّ وَقَال : لَسْتَ أَبِي فقلت : أَيش أَنْتُمْ ؟ فقال : نحن الصبيان الَّذِين مِثْنَا فى دار الدنيا فَخَلَّفْنا آباءنا، نستقبلهم فنسقيهم الماء . قال: فلهذا تَمَنَّيْتُ مَوْتَهُ)) طبقات الحنابلة ١ / ٨٩، ٩٠ . وهذا منتهى الرضا بقدر الله ، والتسليم له ، وحمد الله على كل حال ، رُضِيَ بها أُمْ كُرِهَتْ - شعار المؤمنين الصادقين ، الصابرين الشاكرين، عَجباً لأمرِ المؤمن إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ ٣١ فكان خيراً له ، وإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فكان خَيْراً لَهْ ((مِنْ أَجِلْ هَذَا لم يكنِ الحَرْبِيُّ لِيُعِيرَ هذه المصائب أيَّ اهتمامٍ وما كاد يلتفت إليها وإنَّما كَانَ يَعُدُّ المَصَائِبَ مصائبَ الِدِينِ ، وَيَعُدُّ الغَرِيِبَ الذى يكون بِنارٍ الغُرْبِةِ وَيَتَحَسَّي آلامَهَا هُوَ الَّذِي أَفْرَدَهُ إِخوانه ومضوا إلى آجالهم وتركوه، لا أنيسَ له ولا صاحب. قال لجماعة عنده : من تَعُدّون الغريب فى زمانكم هذا ؟ فقال واحد منهم : الغريب من نَأى عن وطنه . وقال آخر : الغريب من فارق أحبابه . وقال كل واحد منهم شيئاً ، فقال إبراهيم : الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين إِن أمر بالمعروف آزَرُوهُ وإِنْ تَهَيُ عَنِ المنكر أعانوه وإِن احتاجَ إِلَى سَبَبٍ من الدنيا مَانُوهُ، ثُمَّ ماتُوا وَتَرَكُوُه)) طبقات الحنابلة ١ / ٨٩. وعُمِّرَ الحربيّ طويلا حَتَّي دَبَّ الضَّعْفُ إِلى جسمه ، سَرَى في أعضائِه، وأخذ منه الهرم كُلَّ مَأْخَذٍ ، فَأَفْضَى بذلك إلى أَصْحَابِه وَعُوَّادِهِ ، وقد كان يبالغ في إخْفَاءِ آلامِهِ وهُمُومِهِ عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِليه عَنْ أُمِّهِ وَزَوْجِه وبنته حَتَّى لا يُدْخِلَ عَلَيَهِمْ غَمّاً ، ولا يَجْلِبُ لَهُمْ ضِيقاً ، فعينه تَذْهَبُ فيمضى عليها عَشْرُ سِنِيَن لا يعلم بها غيرُهُ ، هي آلته في الكتابة والقَراءَةِ - والشقيقة تصدع كَيانه وتُقِضُّ مَضْجَعَهُ وتؤرق نومه خمسا وأربعين سنة ما يعلَم بها أحد ، وتصيبه النوائب والجوائِحُ ، وتعتريه الفاقة والحاجَةُ ، لا يكاد يعلمها أحد في حينها ، وعلى الرغم من هذا المَسْلَكِ الحَمِيدِ ، والمِنْهَاجِ الراشد ، الذى ٣٢ انْتَهَجهُ يخبر عُوَّدَهُ بحاله وَيَبْتُّهم آلامه ، خبر الصابر المحتسب لا الشاكى الهَلِعِ ، قال على بن الحسن البَزَّار: سمعت إبراهيم الحربيّ يقول وقد دخل عليه قوم يعودونه فقالوا : كيف تجدك يا أبا اسحاق ؟ قال : أجدنى كما قال الشاعر : (١) وُرَانِي أَذُوبُ عُضْواً فُعُضْوا دَبَّ فِّ السَّقَامُ سُفْلًا وَعُلْواً فَتَذَكَّرتُ طاعةَ الله نِضْوا بَلِيتْ جِدَّتِي بِطَاعَةِ نَّفْسِي وقال عيسى بن محمد الطَّومارِيَّ: دخلت على إبراهيم الحربيِّ - وهو مريض - وقد كان يُحْمَلُ ماؤه إلى الطبيب وكان يجىء إليه ويعالجه فجاءتِ الجارية وَرَدَّتِ المَاءَ وَقَالَتْ: مَاتَ الطَبِيبُ فَبَكَي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ : فيوشك للمعالَج أَنْ يموتا إِذَا مَاتَ المُعَالِجُ مِنْ سَقامِ ثم انتقل إلى رحمة ربِّه وودَّعَ هذه الدنيا بأعمال جليلة طيبة لعلها تكون فى ميزان أعماله الصالحة ، وذلك يوم الاثنين لتسع (٢) بقين من ذي الحجة ، ودفن يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين منه ، سنة خمس وثمانين ومائتين وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضى في شارع باب الأنبار وشيَّعَه جمع غفير من محبيه وطلابه . وكانت الأرض وَحْلَةً أصابها فى اليوم السابق مطر، ودُفِنَ فى بَيْتِهِ ، رحمه الله وغفر له وأَدْخَلَهُ فسيح جناته وأوسع له قَبْرَهُ ، وحشره مع الَّذِين أنعم الله عليهم من النبيين والصّدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً . (١) أبو نواس . ديوانه ٦٩١ . (٢) فى بعض المصادر ((لسبع)) وهو خطأ بين. ٣٣ شيوخ الحربيِّ وتلاميذه : لا تعجب إذا كثرت مشايخ الحربي ، ومثله إمامٌ في عصر ازْدِهَارِ العُلُومِ عصر الرواية والتدوين والرحلة في طلب العلم ، وتطويف الآفَاقِ مِنْ أُجْلِ حديثٍ وَاحِدٍ ، ولسماع شيخ استأثرتْ به زاوية مِنْ زَوَايا هذه المعمورة ، لا يوصل إليه إلّا بشق الأنفس وإنضاَءِ الَمطِيِّ. ولا غرو إذا كثرت مشايخه ، لأنَّهُ عاشَ في بَعْدَاد ( دار السلام ) عاصمة الخلافة ، وَمَحِطٌ أنظار المسلمين ، ومُلْتَقَي رجال الدولة ومَهْوَى أَفْئِدِتِهِم ، إليها يَفِدَ الطلاب، وبها يَسْتَقُّ العُلَمَاءِ ، يلقون دروسهُمْ لِلِنَّاسِ ، وكانَ الحَرْبِيُّ إِذَا سَمِعَ بقدوم شيخ بادَر إليه ليسمع منه قال الخطيب في تاريخه ٢ / ٣٧١ : قال الحربي قَدِمَ علينا محمد بن عَبَّاد المُهَلَّبِيُّ ، فذهبنا إليه يوما فسمعنا منه كُلّ شَيء نُرِيدُ ، ولم يكن بصيراً بالحديث وحدَّثَ بحديثٍ فقال: إن النبي ◌َ ◌ّةٍ ضَخَّي بِهِرَّةٍ، وَغَلِطَ - إنّمَّا الْتَرَقَتِ البَاءُ بالقافِ ، ولم يكن بصيرا بالحديث ، وحدث بحديث عن عبد الرحمن بن جابر فكان يقول : عَنِ ابنِ جُدَير ، وإنَّما كانتِ الألف التى (١) فى جابر قَصِيَرَةً كَأَنَّهَا دال. فقال: جدير)). وَقَدْ كَانَ لِصِلَتِهِ بالإِمام أحمد بن حنبل أعظم أثَرٍ ، وأكبر سبب فى تلقيه عن كثير من الشيوخ إذ كان أحمد رحمه الله صاحبَ الشَّأْنِ الّذي يَشُدُّ طلاب العلم إليه رَحْلَهم ، ولرؤيته ، والسماع منه ، والتلقى عنه ، تُقْطَعُ المَفَاوِزُ والِفَار، وتُجَابُ الْسِهُوُلُ والجِبَالُ قال عنه تلميذه (١) فى الأصل ألف الّذي. ٣٤ إبراهيم الحَرْبِيُّ - وسبق - : (( ... ولقد كان يَقْدَمُ أَئِمَّةُ العلماءِ مِنْ كُلّ بِلٍ ، وإِمامُ كُلِّ مصر فهم بجلالِتِهِم ما دام الرجل منهم خارجاً عن المسجد فإذا دخل المسجد صار غلاماً متعلماً )) وقد حَرَص ألّا يفوتَهُ مجلسٌ من مجالس هذا العَلَم . فَلَازَمَهُ أَكْثَرَ من عشرين سنةً صيفاً وشتاءً وليلا نهارا يَأْخَذُ عنه ما يلقِي إليه وقال عنه: ((أَنَا ذَاكَ عَلَّمَنِي وعنه أَخَذْتُ وصحبته وَأَنَا غلام وَكُلُّ شَىْء يلقيه إلينا أخذته عنهَ وَتَمَّسكَ به قَلْبِي، فَأْنَا عَلَيْهِ أَقْرَأْ إِذَا لَمْ أَسْمَع ، وإذا جهر استمعت ومن خالفنى أَهْوِنْتُ بِهِ)). وَتَنَوَّعَتْ معارفُ الحَرْبِّ من حديث وفقه إلى لغة ونحو ، وغير ذلك من العلوم وأخذ عن شيوخ كل علم فَأخذ عن أهل العربية اللغة والنحو والغريب ، فلزم مجالسهم وشَهِد له شيوخه بهذا الحِرْصِ وقال عنه شيخه وقِرْنه ثعلب : (( ما فقدت إبراهيم الحربي مِنْ مجلس لغةٍ أَوْ نَحْوِ خَمْسِينَ عاماً )). وكان ذا رأي في الشيوخ ، يختار منهم ما ثبتت عدالته ، وسلمت عقيدته ، قال عن أهل العربية من أهل البصرة : كُلّهم أصحاب أهواء إلا أَرْبَعَة الخليل ويونس وأبو عمر والأصمعى، فَإِنَّهُمْ أَصحَابُ سُنَّةٍ)). وقد ترك الرواية عن رجال مشهود لهم بالعدالة لِأَمْرٍ رأى أنَّهُ يَجْرَح ◌ِلْكَ العَدَاَلَةِ. جاء فى التهذيب ٧ / ٣٥٤ - ٣٥٥)) عن إبراهيم الحربيِّ أنَّهُ قال : لقيت عَلِّ بنَ المَدِينِيِّ يوما وبيده نَعْلُهُ وثِيَابُهُ في فمه فقلت: إلى أين ؟ فقال : أَلْحَقُ الصلاة خَلْفَ أبي عبد الله وظننته يَعْنِي ٣٥ أحمدَ بنَ حَنْبَلٍ فقلت : مَنْ أبو عبدِ الله ؟ قال : ابن أبى دؤادٍ . فقلت : والله لا حدثت عنك بحرف واحد !! . وقيل لإِبراهيمَ الحربيِّ: أكان عَلِىُّ بن المدينيِّ يُتْهَمُ بالكَذِبِ ؟ فقال: لا ، إنمَّا كان يُحَدِّثُ بِحَديثٍ ، فزاد في خَبَرِهِ كَلِمَةً لِيُرْضِيَ بِهَا ابْنَ أَبِي دُؤاد، قيلَ : فهل كان يتكلم في أحمد ؟ قال لا ، إنَّما كان إذا رَأَى في كتابِهِ حديثاً عَنْ أَحمد قال : اضرب على هذا ليرضىَ ابنَ أبي دُؤادٍ )). وقد وجدت له روايةً عَن ابنِ المدينى فى ((المجلدة الخامسة)) من ((غريب الحديث)) فهو إِمَّا رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ أَوِ اقْتَصَرَ على ماَ حدَّثْهُ قبل تِلْكَ الحادِثَةِ . أَو لِنَّ حديثه عنه فيما لا يَمَسُّ أُصُولَ الدِّينِ أَوْ أَنَّ هَذَا الَقْولَ لا تَصِحُّ نِسْبَتُه إِليه . والله أَعلَمَ . وَمِمَّا يُمِيِّزُ عَصْرَهُ عَنْ غَيْره الرحلة فى طلب الحديث ، ولا يكاد يوجد محدث لا رِحْلَةَ لَّهُ في طلبه ، سعيا وراء الحديث وابتغاءَ مظَائِّهِ ، وحِرْصاً على عُلُوّ الإِسناد لدى كبار المحدثين ، غَيْرَ أَنَّنَا لم نجد شيئا من هذه الرحلات لإِمامنا الحربيِّ إلا ما دل عليه كتابه ((المناسك)) - على فرض صِحَّةِ النِّسْبَةِ - وهذا هُوَ سَبَبُ قِلَّةِ رِوَايَتِهِ عَنْ غَيرِ الْبَعْدَادِيّين - وكثرتها عَمَّن أقام فيها أُوْ أَتَاهَا لِمِاماً مِنَ الوَافِدينَ . وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر عددا كبيرا من شيوخه أهل الحديث فيحسن الرجوع لما كتبه فى موضعه . وسنذكر فى هذه الترجمة الموجزة بعض أشْيَاخِهِ ، وفي الحديث عن ((المجلدة الخامسة)) نذكر شيوخه من أهل اللغة. ٣٦ ومِنْ شيوخه المحَدِّثين : عبدالله بن صالح العجلى (٢١١ ) ومعاوية بن عمر الأزدي (٢١٤) وهوذة ابن خليفة (٢١٦ ) وسريج بن النعمان (٢١٧ ) وأبو نُعَيْم الفَضْلُ بن دُكَيْنٍ (٢١٨) وعفان بن مسلم (٢١٩) وسعيد بن داود الَّثْبَرِيّ (٢٢٠) وعاصم بن على (٢٢١) وموسى بن إسماعيل المِنْقَرِي التَّبُوذَكيّ (٢٢٣ ) وسليمان حَرْبٍ (٢٢٤ ) وَأَبُو عَمْروٍ عبد الله بن عمر المقعد (٢٢٤ ) وعمرو بن مرزوق (٢٢٤) وأبو عُبَيْدِ القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) وأبو عُمَرَ حفص بن عُمَرَ النمرى ، البصرى ( ٢٢٥ ) وسعيد بن سليمان الواسطى (سَعْدُويَه) (٢٢٥) ومحمد بن مُقات المروزى (٢٢٦) وأحمد بن يونُس (٢٢٧ ) وشُعَيْثُ بنُ مُحْرزٍ البصريّ (٢٢٧) وأبو جعفر محمد ابن الصباح البزاز الدولابى (٢٢٧ ) وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسى البصرى (٢٢٧ ) وعبيد الله بنُ مُحَمَّد ابن أبِي عَائِشَةَ (٢٢٨) ومُسَدّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ (٢٢٨) ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّانِي (٢٢٨) وأحمد بن شَبِيبٍ (٢٢٩) وخلف بن هشام (٢٢٩ ) وعَلِيُّ ابن الجعد (٢٣٠) والحكم بن موسي (٢٣٢) ومحمد بن عبد الله نمير (٢٣٤) وعبد الله بن محمد أبو بكر بن أبي شَيْبَة (٢٣٥) وعبيد الله ابن عمر القواريرى ( ٢٣٥) ومحمد بنُ بَکارِ بنِ الرَّيَّانِ (٢٣٨) وعثمان ابن محمد بن أبي شيبة ( ٢٣٩) وقتيبة بن سعيد (٢٤١ ) وعمر بن محمد ابن الحسن التَّيّ (٢٥٠ ) وبُنْدار محمد بن بَشَّارِ البصرى (٢٥٢) ومحمد بن عبد الرحمن بن حكيم بن سهم الأنطاكى ( ٢٤٣ ) . ٣٧ وانتهت الإمامة إلى الحربيّ بعد وفاة شيوخه ، ولعله امتاز عن كثير من المُحَدّثِينَ بعلُوّ الإِسناد ، وصِحَّةِ السَّمَاعِ ، وصِدْقِهِ في ذلك ، فَقَصَدهُ الطلاب من كل صَوْبٍ ، وشُدَّتْ إليه الرحال مِنْ كُلّ صُقّع ، واجتمع فى مجلسه ثلاثون ألف محبرة ، وكان مُقِلّاً وكان له مجلس في الجامع يوم الجمعة . وهاك أسماء بعض من سمِعوا منه وأخذوا عنه ، وتاريخ وفاتهم إن تَيَسّرَ ذَلِكَ . أبو بكر أحمد بن جعفر القَطِيعِىُّ (٣٦٨ ) أَبُوَ بْكرٍ أَحْمَدُ بنُ سَلْمَانَ النَّجَّاد (٣٤٨ ) أحمد بن سليمان القَطيعى ( - ) أحمد بن عبد الله بن خالد الحربي يعرف بابن أسد (-) أحمدُ بنُ كَامِلٍ (٣٥٠) أحمد بن مروان الدينوري ( ٣٣٣ ) إسماعيل بن إسحاق القاضى ( ١٩٩ - ٢٨٢) أبو القاسم إسماعيل بن يعقوب البخترى (٣٤٥) أبو بكر بن على الخَرَّاط ( -) أبو بكرٍ محمد بن عبد الله الشافعيّ (٣٥٤) أبو تَمَّامِ الزينى ( - ) جعفر بن محمد الخلدى (٣٤٨) الحسن بن زكريا العَدَوِيّ (-) أبو الحسن بن قُرْش (-) أبو الحسن العتكى (-) الحسين بن إسماعيلَ المحاملى (٣٣٠) الحسين بن فَهْمِ (٢٨٩) سليمان بنُ إسحاق بنِ الخليل الجَلَاب (٣٣٤ ) عبد الله بن الإِمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ (٢١٣ - ٢٩٠ ) أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث صاحب السنن (٢٣٠ - ٣١٦ ) ، عبد الرحمن بن العباس والد المُخَلِّصِ (٣٥٧) عبد الرحمن الزُّهْرِيُّ (-) أبو عَمْرٍو عثمانُ بنُ أَحْمَدَ بن عبد الله بن السَّمَّاكِ (٣٤٤) عثمان بن ٣٨ عبدويه بن عمرو الَزَّازِ الكَبْشِيُّ (٣٢٨) أَبُوُ عْمَانَ الَّازِي (- ) على بن الحسن الَبَّزُ (-) أَبُو القَاسِمِ عمر بن جعفر الخُتَّلِيّ (٣٥٦) أبو عمران الأشْيب ( - ) عيسى بن محمد الطَّومارِيّ (٢٦٢ - ٣٦٠) القاسم أَوْ أَبُو القَاسِمِ بنُ بُكَيرٍ ( - ) محمد بن أحمد بن القاسم الروُذبارى (٣٢٢) محمد بن إسحاق المقرى ( - ) محمد بن جعفر ابن بَيَانٍ البغداديّ ( - ) محمد بن جعفر بن محمد الأنباریّ ، راوی كتاب ((إكرام الضيف)) عنه (٢٦٧ - ٣٦٠ ) أبو بَحْرٍ محمد بن الحَسَنِ بنِ كَوْثَر البربهاريّ (٢٦٦ - ٣٦٢) محمد بن خَلَفٍ وَكِيمٌ (٣٠٦ ) محمد بن عبد الله الصفّار (٣٣٩) محمد بن عبد الله الكاتب ( - ) أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنبارى ( ٢٧١ - ٣٢٨) محمد بن مِخْلَدِ العَطَّار (٢٣٣ - ٣٣١) أَبُ عُمَرَ محمد بن يوسف القاضى (٢٤٣ - ٣٢٠) مقاتل بن حمد بن بنان العَتكَى (-) موسى بن هارون الحافظ (٢٩٤) أبو نعيم ، شيخ لأبى على الحداد ( - ) أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد (٣١٨). موقف الحربي من الرأى : تأثر الحربي خُطا شيخه الإِمام أحمد بن حنبل ، الَّذِى لَزِمَهُ عِشْرِينَ سنةً وتعلم منه حُبَّ السُّنَّةِ والعَمَلَ بها ، وتعظيمَ أهلها ، والتشنيع على أصحاب الرأى ، والتَّنْفِيرَ مِنْه ، وقد بَيَّنَ مذهبه هذا ببيانِ مَنْ يقصد بأهل الحديث ((كل شىء أقول لكم : هذا قول أصحاب الحديث فهو ٣٩ قول أحمد بن حنبل هو أُلقَى في قلوبنا مذ كنا غلمانا اتِّباع حديث رسول الله عَ لّه، وأقاويل الصحابة والاقتداءَ بالتابعين)). وحذَّرَ أَتَّمِةُ أُهْلِ الحَدِيث - في عَصْرِ وَفِي كُلِّ عَصْرٍ - مِنَ الاشْتِغَالِ بالرأى وعلم الكلام وَعَدُّوه خسراناً مبيناً في الدنيا والآخِرَةِ فَأَلْقَوْا إلى طلابهم بغض هذا المسلك وبينوا بعده ومخالفته لما كان عليه صدر الأَمَّةِ وَشَنَّعوا على طلابه ومعلميه ، فلم يؤاكلوهم ، ولم يجالسوهم ، ولم يتلقوا عنهم حديث رسول الله عَ لّه بل تعدى الأمر إلى مَسْجِ وطَّمْسٍ ما رَوَوْهُ عَنْهُمْ وَقَدْ كَانَ مِنْ هَؤلاءِ الإِمام محمد بن إسماعيل البخارى (٢٥٦ ) وابن قتيبة ( ٢٧٦ ) وإمام أهل الحديث أحمد ، وانظر مسائله ٢ / ١٦٤ لابن هانى (٢٧٥ ) ومنهم أبو يوسفَ القاضى شيخ الحربي الَّذِي رَوَي عنه التحذِيرَ من الرأي فقال: ((من أراد أَنْ يَتَعَلَّمَ الَرَأيَ فَلْيَأْكُلْ خُبْزاً رَتْناً ( في الأصل دبنا ) حَتَّي يُحْرِقَ كَبِدَهُ ولا يأكل التينَ والعِنَبَ)) (١). وروى عنه ((من نظر فى الرَّأَي وَلَمْ يَلِ القضاءَ فقد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين )) (٢). وكان شيخه أبو يوسف هذا يعظم أصْحَابَ الحديث ، ويرفع قدرهم ، ويعلى شَأْنَهُمْ ، ويبارك خُطَواتهم ، ويستَنْهِضُ هِمَمَهُمْ ، ويحسن (١) تاريخ بغداد ١٤ / ٢٤٩. والرَّئْنُ: خَلْطُ الشَحْمِ بالعَجِينِ. (٢) سير أعلام النبلاء ٩ / ١٦٨. ٤٠