النص المفهرس

صفحات 1-20

عَوَ التراث العَربيّ
حَكَاةُ الجَيَوَانُ الْكَرِى
لِكَمَالِالدِّينِ محَد بن مُوسَى الدُّميري
٧٤٢ - ٨٠٨ هـ
وَيَلَيْه
الجائب الحَيَوَانِ مِن كِتاب عجائب المخلوقات وَغرائب الموجودات
للعَلامَة: زكريا بن محمّد بن محمُود القزويني
٦٠٠ - ٦٨٢ هـ
تهذيبُ وَتصنيف
أسعَد الفارس

حَاةُ الجَيَوَازِ الْكَرِى
لِكَمال الدّينِ محَّد بن مُوسى النميري
٧٤٢ - ٨٠٨هـ
وَيَليْه
عجائب الحَيَوَابِ مِن كِتاب عجائب المخلوقات وَغرائب الموجودات
للعَلَامَة: زكريا بن محمّدبن محمُود القزويني
٦٠٠ - ٦٨٢ هـ

الي
الدرا
وَالتَرَجَمـ
دمشق - أوتوستراد المزة
هاتف
٢٤٤١٢٦_٢٤٣٩٥١_٢١٣٨٢١
تلكس : ٤١٢٠٥٠
ص. ب : ١٦٠٣٥
العنوان البرقي
طلاسدار
TLASDAR
ربع الدار مخصص
لصالح مدارس أبناء الشهداء في القطر العربي السوري

جميع الحقوق محفوظة
لدار طلاس للدراسات والترجمة والنشر
طبعة ١٩٩٢

فى التراث العَربيّ
حَيَاةُ الجَوَانُ العَزِين
لِكَمال الدّينِ محَّد بن مُوسى الدُّميري
٧٤٢ - ٨٠٨ هـ
وَيَليْه
عجائب الحيَوَانِ مِن كِتاب عجائب المخلوقات وَغرائب الموجودات
للعَلَامَة: زكريا بن محمّدبن محمُود القزويني
٦٠٠ - ٦٨٢ هـ
تھذیب رَتصنیف
أسعَد الفارس

الآراء الواردة في كتب الدار تعبر عن فكر مؤلفيها
ولا تعبر بالضرورة عن رأي الدار

بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
إلى محبي العلم والثقافة في كل بقاع العالم،
إلى النبلاء الذين سهروا على ضوء السراج والفانوس
وهدهم التعب لكي يحفظوا تراث هذه الأمة أمثال
الدميري وغيره، أهدي ماهذبت
- أسعد فارس -
٧

علم الحيوان عند العرب بين الماضي والحاضر(١)
يرشدنا تاريخ العلوم إلى التطور الحضاري لشعوب العالم، ونهتدي به إلى عظمة
الأمم، من مقارنة جهودها القديمة بالحديثة، وبالتالي التعرف على دورها في تطوير الفكر
والحياة. فالحضارة هي كل إنتاج مصدره العقل. فهي تشمل جميع ألوان النشاط
البشري في ميادين العلوم والفنون والاجتماع والسياسة . والإِنسان بفطرته يحب الاستطلاع
وكشف المجهول من أسرار هذا الكون وغرائبه . ولعل علم الحيوان من العلوم التي واكبت
تطور الفكر العربي قبل الإسلام وبعد الإِسلام. ففي العصر الجاهلي نجد أن الحيوان
يحتل مساحة واسعة في الشعر الجاهلي، ويستأثر بقسم من القصص الشعبية والأمثال
العربية، ولا سيما تلك الحيوانات التي عاشت في البيئة الصحراوية، كالخيل والجمال
وبقر الوحش والغزلان والوعول والطير وغيرها . وسنختار على سبيل المثال طائر القطا من
أحياء البيئة العربية ، فالنابغة الذبياني یشیر إلى أن اسمه جاء من صوته حين يقول :
یا صدقها حين تدعوها فتنتسب
تدعو قطا وبه تدعی إذا نسبت
وقالت العرب في الأمثال: فلان أهدى من القطا، ومرد ذلك إلى أن القطا
يهتدي إلى أعشاشه حتى وإن قصدها ليلاً. ويؤيد هذا القول هجاء الشاعر لبني تميم
حين يقول :
(١) بحث أعددته في مطلع عام ١٩٨٦ ليذاع من البرنامج الثقافي في إذاعة لندن بتاريخ ٢٥ - ٨ - ١٩٨٦
الساعة الخامسة والنصف بتوقيت غرينتش .
٩

ولو سلكت سبل المكارم ضلت
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا
وقد یناجي الشاعر الجاهلي الحيوان، ویشرکه في أفراحه وأحزانه، كما فعل مجنون
لیلی إذ يقول :
فقلت ومثلي بالبكاء جدير
بکیت علی سرب القطا إذ مررن بي
لعلي إلى من قد هويت أطير
أسرب القطا هل من يعير جناحه
أما شعر وصف الحيوان فأكثر من أن يحصى، فعن منقار القطا الذي اتخذناه
مثالاً يقول الشاعر :
مميز حاذق الكفين باريها
منقارها كنواة القسب قلمها
وعن مشیه یقول :
حذار قوم إلى ستر يواريها
تمشي كمشي فتاة الحي مسرعة
وعن طريقة إروائها للصغار يقول :
مثل القوارير شدت من أعاليها
تسقي الفراخ بأفواه مرتبة
كل هذا ولم نعثر في تلك الفترة على أية كتب مخصصة لدراسة علم الحيوان
حتى صدر الإِسلام، حيث قام علماء اللغة بتبويب أسماء الحيوان في معاجمهم اللغوية .
على أن هذه كلها أبواب من اللغة، لا على أنها أوجه من العلم الطبيعي، ومن هؤلاء
الأصمعي في كتبه الكثيرة عن خلق الإنسان، وكتاب الوحوش وغيرها، وككتب
الخيل لابن الأعرابي، وأبي عبيدة، وابن الكلبي، وكتب الإبل للسجستاني والأصمعيِّ
نفسه. ولم يكن هناك كتاب ينحو نحو العلم الطبيعي للحيوان قبل كتاب (الحيوان)
لأبي عثمان الجاحظ في القرن التاسع الميلادي. وكتاب الحيوان هذا أول مؤلف في
العربية يتناول حياة الحيوان وسلوكه وطباعه، لذلك أطلق المستشرفون على الجاحظ
لقب (عالم البصرة الموسوعي). والجاحظ صاحب رحلة بين البصرة وبغداد ودمشق
وأنطاكية. أكسبه الترحال وتنوع البيئة عمقاً في التجربة ، ودقة في ملاحظة الحيوان ؛ إذ
درس بنيته، وأحواله، وعاداته من القرآن الكريم، ومن الحديث النبوي الشريف، ومن
الشعر العربي وكتب اللغة، وذلك بأسلوب فقهي علمي أدبي. وللجاحظ تجارب في
١٠

إخصاء الحيوان من أجل تسمينه، إذ أوصى بإخصاء خيول الغزو حتى لا تصهل
فيستدل العدو علی مکان وجودها .
تأثر الجاحظ بكتاب (الحيوان لأرسطو) ولكنه رد منه الشيء الكثير الذي
وجده لا يتناسب مع روح العصر، وتأثر كذلك ببعض الآراء الطبية لجالينوس وغيره .
استمر الحال هكذا حتى القرن العاشر الميلادي حين ظهر إخوان الصفا
بأسلوبهم الجدلي المعروف، واتخذوا من الحيوان رموزاً لآرائهم السياسية، وقسموا الوجود
إلى أربع مراتب: المعادن، والنبات، والحيوان، والإِنسان، واعتبروا أن لكل مرتبة من
هذه المراتب بداية تتصل بما قبلها، ونهاية تتصل بما بعدها، وفي ذلك إشارة واضحة إلى
مبدأ النشوء والارتقاء الذي كثر الجدل حوله في العصور الحديثة. وذهب ابن طُفيل في
القرن الثاني عشر الميلادي إلى ما ذهب إليه إخوان الصفا، وقال: " إن الحياة نشأت
نشوءاً طبيعياً في جزيرة استوائية وإن الحياة في طورها الأول تحتاج إلى الماء والحرارة " .
وهكذا مهد الجاحظ ومن جاء بعده الطريق لظهور مؤلفات عربية تذكر الحيوان
في القرن الثالث عشر الميلادي ومنها كتاب عجائب المخلوقات للعلامة زكريا بن محمد
بن محمود القزويني، ونخبة الدهر في عجائب البر والبحر لمحمد بن طالب الأنصاري
الدمشقي المعروف ( بشيخ الربوة) وغيرها من الكتب المفيدة. وعلى هامش هذه
الكتب نذكر الأبحاث والمؤلفات العربية التي اهتمت بفن الطرد والصيد عند العرب،
حتى أن لوناً من الشعر العربي عرف بشعر الطرد عند العرب، ومن هذه المؤلفات
كتاب (المصايد والمطارد) لأبي الفتح محمود المعروف بكشاجم، وكتاب (الاعتبار)
للأمير أسامة بن منقذ صاحب شيزر، وعقد الجمان لعبيد اللّه بن جبريل، وجلها
كتب جعلت أكبر همها دراسة حيوان الصيد وسبل مطاردته، وما قيل فيه من شعر
وأدب .
ومن الجدير بالذكر أن علم الحيوان عند العرب في الماضي قد توج بكتاب
(حياة الحيوان الكبرى) لكمال الدين محمد بن موسى الدميري في القرن الرابع عشر
الميلادي - المؤلف توفي في أوائل القرن الخامس عشر - وسار المؤلف فيه على منهج
رتب فيه أسماء الحيوان حسب حروف الهجاء، وجمع في أبحاثه بين العلم والأدب
والحقائق والأوهام والقصص والتاريخ والأدب والفقه الإسلامي. ومما لا ريب فيه أن كتب
١١

الجاحظ والدميري وغيرها، تكون قد فقدت أهميتها العلمية إذا ما قورنت بكتب علم
الحيوان في العصور الحديثة، ولكنها بقيت تخدم غرضين أساسيين أولهما : معرفة صورة
الحيوان في الذهن العربي في الماضي، والتي يجب توظيفها لصياغة مصطلحات علم
الحيوان الحديثة لفظاً واشتقاقاً، وهذا هو السبب الذي دفعني لإخراج كتاب حياة
الحيوان للدميري في ثوبه الجديد. وثانيهما: نلمس فيه ولأول مرة طريقة الملاحظة
المباشرة، والدراسة العربية الهادفة في ميدان علم الحيوان .
أما في العصور الحديثة، فقد انتقل مشعل الحضارة إلى البلاد الغربية بعد أن
كان بيدنا. وربح الأوربيون الرهان في شتى ميادين العلوم، وتخلف العرب عن ركب
الحضارة فترة من الزمن. وما إن نهضوا من كبوتهم حتى أخذوا يجارون العصر
بانفتاحهم على الحضارة الغربية في عهد النهضة، فنشطت عمليات التأليف والترجمة .
ومنها في مجال علم الحيوان، ترجمة الشيخ أحمد فارس في مصر لكتاب طبائع الحيوان
من الإنكليزية إلى العربية عام ١٨٤١م ووضع أسماءً حديثة لكثير من الحيوانات، والتي
لا تزال شائعة في المؤلفات العربية حتى يومنا هذا، وتلاه أحمد ندى عام ١٨٦٧م في
كتابه (الحجج البينات في علم الحيوانات)، الذي وضع فيه كثيراً من مصطلحات
علوم الحيوان الحديثة. إننا نكبر في هؤلاء الباحثين صبرهم وجلدهم وهم يربطون
المصطلحات العلمية اللاتينية بمسمياتها العربية في كتب التراث العربي. وكم من مرة
يحتدم فيها النقاش ويطول حول مصطلح يخص حيواناً معيناً تعددت مسمياته العربية ،
ولكن العمل الدؤوب للباحثين العرب قد ذلل مختلف الصعاب؛ فظهرت على أيديهم
مفاهيم علم الحيوان الحديث، ونذكر من هؤلاء الأجلاء الذين لا ينكر فضلهم، أمين
المعلوف، الذي اشتغل بالبحث عن أسماء الحيوانات ووضعها في معجم الحيوان عام
١٩٣٢، ذكر في مؤلفه الاسم الإنكليزي والفرنسي واللاتيني لنفس الحيوان، مع
وصف يوجز فيه ويسهب حسب مقتضى الحال. ويعقوب صروف صاحب مجلة
المقتطف، الذي وضع فصولاً من التاريخ الطبيعي، والأب أنستاس الكرملي العراقي،
ومحمود حلمي السماع، مفتش الحدائق في مصر زمن الانتداب الإنكليزي عليها،
وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم. ولكن لن ننسى فضل طلاب العالم (ليناوس)
الذين جابوا مصر والجزيرة العربية، بحثاً عن حيوانات بلاد العرب؛ فمات أكثرهم
بالطاعون، ولم يعد منهم إلى الدانمارك إلا (نيبور) الذي نشر كتاب زميله
١٢
-

(فورسكال) الذي مات في اليمن عام ١٧٦٣ . ويعتبر هذا الكتاب أفضل ما كتب في
تلك الفترة عن حيوانات بلادنا العربية. وأخيراً نهضت الجامعات العربية وقامت على
أقدامها، وفتحت الأقسام المختلفة التي تدرس علم الحيوان وفقاً لأحدث النظم العالمية،
ولكننا لا زلنا ننتظر من العاملين فيها المزيد من البحث في مجال علم الحيوان في البيئة
العربية ومن اللَّه التوفيق.
منهج التهذيب
قال أحد الكتاب العرب المعاصرين: "إنني أتعامل مع التراث لا لكي أفرض
عليه معاصرتي، بل كي أراه كما هو في ضوء فكري المعاصر ". وينطبق هذا القول على
طريقة تعاملي مع كتاب ( حياة الحيوان). فما من مرة أعددت فيها بحثاً عن حيوان
ما في البيئة العربية، وإلا وكان كتاب الدميري الروضة الأولى التي أرتادها للتعرف على
اسم الحيوان وطريقة نطقه، وما قد قيل فيه في الماضي قبل التعامل مع المصادر الحديثة،
التي تضع الحيوان في صفه ورتبته وفصيلته وجنسه، في صفحات زينت بصوره الملونة .
وما من مرة نستمع فيها لمحاضر عن الحيوان في البيئة العربية إلا ونجد اللحن
الواضح في نطق الأسماء، وهذا ما دفعني لتهذيب كتاب (حياة الحيوان)، وتقديمه
للقراء الهواة، والمختصين والعاملين في حقل التعليم في وطننا العربي، ليستفاد منه في
ميدان علم الحيوان، وتعريب المصطلح الحيوي (البيولوجي) الحديث. وقد حافظت
ما استطعت على سلامة النصوص بعد أن انتزعت منها الفقرات التي لم تعد تناسب
العصر، أو التي هي بالأساس ليست من صلب علم الحيوان، فإن كانت بيئة
الدميري العلمية في القرن الخامس عشر الميلادي تسمح للباحث في الموضوع
الواحد، التعرض لأكثر من فن ثقافي، فبيئة القرن العشرين العلمية تعيب على الباحث
إن هو خرج عن موضوع بحثه، فجاء النص مترابطاً يتناسب مع روح العصر،
وجعلت تصنيفاً مقتضباً للحيوانات المدروسة، ربطت فيه اسم الحيوان في كتب
١٣

التراث بمصطلحاته اللاتينية الحديثة، ولم أوغل في التصنيف خشية الإطالة والتعقيد،
واعتمدت في التصنيف معجم الحيوان لأمين المعلوف، لأنه أقرب معاجم علم الحيوان
لمضمون كتب التراث المهتمة بعلم الحيوان .
وقد لا ترضى كتب التصنيف الحديثة عن بعض طروحات المعلوف؛ لأنه نشر
أبحاثه في الثلاثينيات من القرن العشرين، وجدّ بعده الكثير، وبالرغم من جودة
المعجم تدخلت في أكثر من موضع لتصحيح بعض الهفوات، واستبدالها بما وجدته في
المعاجم الحديثة، عملاً برأي الزميل الدكتور محمود كروم - عميد كلية العلوم بجامعة
حلب -.
هذا هو الجهد ، والله من وراء القصد.
البوكمال ـ سورية
أسعد الفارس
بکالوریوس في العلوم
١٤

ترجمة مؤلف حياة الحيوان
هو محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدَّمِيري، أبو البقاء، كمال الدين
باحث وأديب وعالم بالحيوان .
ولد في إحدى قرى مصر، قرية دَمِيرة عام ٧٤٢هـ - ١٣٤١م، نشأ
بالقاهرة، فتكسب بالخياطة، ثم أقبل على العلم، فقرأ على التقي السبكيّ وأبي الفضل
التُّويري، والجمال الأسنويّ، وابن الملقن، والبلقيني. وأخذ الأدب عن القيراطي،
والعربية وغيرها عن البهاء بن عقيل، واطلع على علوم عصره، وبرع في التفسير،
والحديث والفقه وأصوله، والعربية، والأدب، وغير ذلك، وصنف مصنفات جيدة،
منها :
( حياة الحيوان) وهو أول مؤلف من نوعه باللغة العربية، ترجم إلى الإنكليزية
وطبع في لندن عام ١٩٠٦، وله أيضاً (حاوي الحسان من حياة الحيوان) توفي
بالقاهرة عام ٨٠٨هـ - ١٤٠٥م رحمه الله.
ومن نظمه :
بمكارم الأخلاق كن متخلّقاً
ليفوح نأُّ ثنائك العَطِرِ الشَّذِي
وادفع عذّوك بالتي «فإذا الذي)»
واصدق صديقك إن صدقت صداقة
١٥

مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي شرف نوع الإِنسان، بالأصغرين القلب واللسان، وفضله على سائر الحيوان
بنعمتي المنطق والبيان، ورجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان، فأقام على
وحدانيته البرهان . أحمده حمداً يمدنا بمواد الإحسان .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يدرك كنه ذاته بالحدود والرسوم ذور الأذهان .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان، صلى الله عليه وسلم
وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً يدومان ما دام الملوان ، ويبقيان في كل زمان وأوان .
وبعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، ولا كلفت القريحة تأليفه، وإنما دعاني إلى ذلك
أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخباً فيها لعطر بعد عروس(١): ذكر مالك الحزين والذيخ (٢)
المنحوس، فحصل ما يشبه في ذلك حرب البسوس(٣)، ومزج الصحيح بالسقيم، ولم يفرق بين
نسر (٤) وظليم، وتحككت العقرب بالأفعى واستنت الفصال حتى القرعى(٥)؛ وصيروا الأروى مع
لا مخبأ لعطر بعد عروس مثل قالته امرأة مات عنها زوج اسمه عروس.
(١)
(٢)
الذيخ: ذكر الضباع الكثير الشعر .
البسوس : اسم امرأة، وهي خالة جساس بن مُرّة الشيباني بسبب ناقتها هاجت حرب بكر وتغلب ابني وائل أربعين
(٣)
سنة حتى ضربت بها العرب المثل في الشؤم.
نسر وظليم : يضرب المثل للشيئين المتباينين، والظليم ذكر النعام.
(٤)
استنت الفصال حتى القرعى: يضرب المثل للذي يتكلم مع الذي لا ينبغي له أن يتكلم بين يديه لجلالة قدره .
(٥)
والفصيل: ولد الناقة إذ فصل عن رضاع أمه .
١٧

النعام ترعى (٦)، وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعاً (٢)، واتخذ كل أخلاق الضبع طبعاً، وليس جلد
النمر أهل الإمامة، وتقلدها الجميع طوق الحمامة :
وقيل في شأنهم اشتدي زيم(٨)
والقوم إخوان وشتى في الشيم
وظن الكبير أنه أصدق من (٩) القطا، وأن الصغير كالفاختة (١٠)، غلطاً وصار الشيخ الأفيق
كذات النحيين(١١)، والمعيد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين، والمفيد كالأشقر تحيرا، والطالب
كالحبارى تحسراً (١٢)، والمستمع يقول كل الصيد في جوف الفرا(١٣)، والنقيب كصافر(١٤) يكرر
طرق كرا، فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم؛ وبإعطاء القوس باريها تتبين الحكم، وفي الرهان
سابق الخيل يرى، وعند الصباح يحمد القوم السرى .
واستخرت الله تعالى وهو الكريم المعان، في وضع كتاب في هذا الشان، وسميته (حياة
الحيوان) جعله الله موجباً للفوز في دار الجنان، ونفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن، ورتبته على
حروف المعجم، ليسهل من الأسماء ما استعجم .
الأروى مع النعام ترعى: يضرب للشيئين المختلفين ؛ لأن النعام من حيوان السهل والأروى من حيوان الجبل .
(٦)
وكذلك الحوت والضب لا يجتمعان .
(٧)
اشتدي زيم: مثل ورد في خطبة الحجاج " هذا أوان الحرب فاشتدي زيم "، وزيم: اسم ناقة أو فرس يأمرها الفارس
(٨)
بالعدو .
(٩) أصدق من القطا: مثل عربي يضرب في الصدق؛ لأن القطا ينطق باسمه (قطا ــ قطا).
(١٠) الصغير كالفاختة غلطاً: تصف العرب الفاختة بالكذب؛ لأن صوتها عندهم على وزن " هذا أوان الرطب"، وتقول
ذلك والنخل لم تطلع .
(١١) كذات النحيين، وأشغل من ذات النحيين: مثل قيل بحق امرأة من تيم اللّه بن ثعلبة، وكانت تبيع السمن في
الجاهلية، فأتى حَوّات بن جُبَيْر يبتاع منها سمناً فساومها، فحخلت نِحْياً مملوءاً، فقال: أمسكيه حتى أنظر
غيره، ثم حل آخر وقال لها: أمسكيه، فلما شغل يديها ساورها حتى قضى ما أراد وهرب. والنحي الزق، وقيل
مكان للسمن خاصة .
(١٢) كالحبارى تحسرا: الحبارى تموت كمداً إن نتف ريشها.
(١٣) كل الصيد في جوفر الفرا.
الفرا: حمار الوحش، وذلك أنه ليس فيما يصيده الناس أعظم من حمار الوحش.
(١٤) الصافر : طائر معروف من أنواع العصافير .
١٨

باب الهمزة
الأسد(١): من السباع، معروف، وجمعه أسود، وأُسُد، وآسُد وأُسْدَان، والأنثى أسدة، وفي حديث أم
زرع زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد. وله أسماء كثيرة قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم
وصفة، وزاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة وثلاثين اسماً فمن أشهرها: أسامة، والبيهس،
والنَّأَج، والجُخْدُب، والحَرِث والحارث، وحيدرة، والدواس، والرئبال، وزفر، والسبع، والصعب،
والضرغام، والضيغم، والطيثار، والعنبس، والغضنفر، والفرافصة، والقسورة، وكهمس، والليث،
والمتأنس، والمتهيب، والهرماس، والورد، وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ومن كناه أبو الأبطال، وأبو
حفص، وأبو الأخياف، وأبو الزعفران، وأبو الشبل، وأبو العباس، وأبو الحارث؛ وإنما ابتدأنا به لأنه
أشرف الحيوان المتوحش إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب لقوته وشجاعته وقساوته وشهامته وشراسة خلقه؛
ولذلك يضرب به المثل في القوة والنجدة والبسالة وشدة الإقدام والجراءة والصولة ومنه قيل لحمزة بن عبد
المطلب رضي الله عنه: أسد الله. وهو أنواع كثيرة، وأما السبع المعروف فإن أصحاب الكلام في (طبائع
الحيوان) يقولون: "إن الأنثى لا تضع إلا جرواً واحداً تضعه لحمة ليس فيه حس ولا حركة فتحرسه
كذلك ثلاثة أيام، ثم تأتي أمه فترضعه، ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام من تخلقه. فإذا مضت بعد
ذلك ستة أشهر كلف الاكتساب لنفسه بالتعليم والتدريب"(٢). قالوا، وللأسد من الصبر على الجوع
. Panthera-Leo من الثدييات اللاحمة، ومن فصيلية السنوريات. ويسمى كذلك .Felis leo
(١)
(٢)
تلد أنثى الأسد من شبلين إلى خمسة أشبال في البطن الواحد، والأشبال تولد عمياً، ذات فروة مرقطة، ثم تفتح
عيونها في اليوم السادس من عمرها، وتفطم عن الرضاع في الشهر الثالث، وتلعب في الأسبوع الرابع، وتصطاد في
الشهر السادس، وتبلغ أشدها في الرابعة من عمرها، وقليل منها فقط يعمر أكثر من عشر سنوات، وتعمر في حدائق
الحيوان من ثلاثين إلى خمسين سنة .
١٩

وقلة الحاجة إلى الماء ما ليس لغيره من السباع، ومن شرف نفسه أنه لا يأكل من فريسة غيره، فإذا شبع من
فريسته تركها ولم يعد إليها، وإذا جاع ساءت أخلاقه، وإذا امتلأ من الطعام ارتاض ولا يشرب من ماء ولغ
فيه كلب وقد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله :
وذاك لكثرة الشركاء فيه
وأترك حبها من غير بغض
رفعت يدي ونفسي تشتهيه
إذا وقع الذباب على طعام
إذا كان الكلاب ولغن فيه
وتجتنب الأسود ورود ماء
وإذا أكل نهش من غير مضغ، وريقه قليل جداً، ولذلك يوصف بالبخر، ويوصف بالشجاعة
والجبن، فمن جبنه أنه يفزع من صوت الديك، ونقر الطست، ومن السنور، ويتحير عند رؤية النار،
ويعمر كثيراً وعلامة كبره سقوط أسنانه .
الحكم: قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداوود والجمهور: يحرم أكل الأسد لما روي مسلم في
صحيحه أن النبي عَّم قال: (( كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)). قال أصحابنا المراد بذي الناب:
ما يتقوى بنابه ويصطاد. وقال الشافعي: إنه ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالباً غير مطلوب فكان
عدوه بأنيابه علة تحريمه .
الإِبل(٣): بكسر الباء الموحدة وقد تسكن للتخفيف. الجمال: وهو اسم واحد يقع على الجمع وليس
بجمع ولا اسم جمع، إنما هو دال على الجنس كذا قاله ابن سيدة، وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها
وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث بها لازم، وإذا
صغرتها أدخلت عليها الهاء، فقلت: أبيلة وغنيمة ونحو ذلك. وربما قالوا للإبل إِبل بإسكان الباء كما تقدم
والجمع أبال، والنسبة إبلي بفتح الباء. روى ابن ماجة عن عروة البارقي رضي اللّه عنه أن النبي عَّم قال:
((الإِبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة)). ويقال للإبل: بنات الليل،
ويقال للذكر والأنثى منها بعير إذا أجذع ويجمع على أبعرة وبعران، والشارف الناقة المسنة وجمعها شرف،
والعوامل الإِبل ذوات السنامين. والإبل من الحيوانات العجيبة وإن كان عجبها سقط من أعين الناس
لكثرة رؤيتهم لها؛ وهو أنها حيوان عظيم الجسم سريع الانقياد ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به وتأخذ زمامه
فأرة، فتذهب به إلى حيث شاءت، وقد جعلها الله تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال. وربما تصبر الإِبل
عن الماء عشرة أيام .
(٣) تجمل: Camelus، من فصيلة الإِبل Camelidae، والإبل من الثدييات المجترة. ومن أنواع: الجمل العربي، أو الجمل
ذو السنام الواحد C.dromedarius، والجمل ذو السنامين C.bactrianus وموطنه أواسط آسية .
٢٠