النص المفهرس

صفحات 461-480

لا
فَقَد كانَ يَخْطُرُ لِي أَنّه يَجُوزُ، لكِن
لَمْ أَرَ سِيْبَوَيْهِ وَلَا غَيْرَه مِنَ النُّحاةِ
عَدّ ((لا)) مِنْ حُرُوفِ الاسْتِثْنَاءِ،
فَاسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى الامْتِنَاعِ، إِلَّا إِذَا
أُرِيدَ بِالنّاسِ غَيْرُ زَيْدٍ، وَلَا يَمْنَعُ
إِطْلاقُ ذَلِكَ حَمْلًا عَلَى المَعْنَى
المَذْكُورِ بِدلالةِ قَرِينَةِ العَطْفِ،
ويُحْتَمَلُ أَنْ يُقالَ: يَمْتَنِعُ كَمَا امْتَنَعَ
الإِطْلاقُ في: قامَ رَجُلٌ لَا زَيْدٌ،
فَإِنّ احتمالَ إِرادَةِ الخُصوصِ جائزٌ
في المَوْضِعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُسَوِّغًا
جازَ فِيهِما، وَإِلَّ امْتَنَعَ فِيهِما، ولَا
فَرْقَ بَيْنَهُما إِلَّا إِرادَةُ مَعْنَى الاسْتِثْنَاءِ
مِنْ ((لا))، وَلَمْ يَذْكُرْهِ النِّحاةُ، فَإِنْ
صَحَّ أَنْ يُرادَ بِها ذلك افْتَرَقَا؛ لأَنَّ
الاسْتِثْنَاءَ مِنَ العامٌّ جائِزٌ، وَمِنَ
المُطْلَقِ غَيْرُ جَائِزٍ. وفي ذِهْنِي مِنْ
كَلامِ بَعْضِ النُّحاةِ في: قامَ النّاسُ
لَيْسَ زَيْدًا، أَنْه جَعَلَهَا بِمَعْنَى ((لا))،
فَإِنْ جُعِلَتْ للاسْتِثْناء صَحَّ ذلِكَ،
وَظَهَرَ الفَرْقُ، وَإِلَّا فَهُما سَوَاءٌ في
الامْتِناع عِنْدَ العَطْفِ وإِرادَةٍ
لا
العُمُومِ، بِلَا شَكُ، وَكَذا عِنْدَ
الإِطْلاقِ حَمْلًا عَلَى الظّاهِرِ حَتَّى
تَأْتِيَ قَرِيئَةٌ تَدُلُّ عَلَى إِرادَةِ
الخُصوصِ، وَأَمّا: قامَ النّاسُ وَزَيْدٌ
فَجَوازُه ظاهِرٌ مِمَّا قَدَّمْناهُ مِنْ أَنَّ
العَطْفَ يُفِيدُ المُغايَرَةَ، فَإِفَادَةُ إِرادَةِ
الخُصُوصِ. بالأَوْلى، أَوْ إِرَادَةٍ
تَأْكِيدِ نِسْبَةِ القِيامِ إِلَى زَيْدٍ،
والإِخْبارِ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ بِالعُمُومِ
والخُصُوصِ، وهذا المَعْنَى لَا يَأْتِيَ
في العطْفِ بِ((لا)).
وأَمَّا قَوْلُك: ولأَيِّ شَيْءٍ يَمْتَنِعُ
العَطْفُ بـ ((لا)) في نَحْوِ: مَا قامَ إِلَّا
زَيْدُ لَا عَمْرٌو، وهُو عَطْفٌ عَلَى
مُوجَبٍ، فَلِما تَقَدَّم أَنَّ لَا عُطِفَ
بها ما اقْتَضَى مَفْهُومَ الخِطابِ فيهِ
لِيَدُنَّ عَلَيْه صَرِيحًا وَتَأْكِيدًا المَفْهُومُ
والمَنْطُوقُ في الأَوَّل الثُّبوتُ،
والمُسْتَثْنَى عَكْسُ ذلِك؛ لأَنَّ
الثُّبوتَ فيه بالمَفْهُومِ لَا بالمَنْطُوقِ،
ولَا يُمْكِنُ عَطْفُها عَلَى المَنْفِيّ لِمَا
قِيلَ إِنّه يَلْزم نَفْيُهُ مَرَّتَيْنِ، وَقَوْلُك:
٤٦١

لا
إِنَّ النَّفْيَ الأَوَّلَ عَامٌّ، والثّانِيَ خاصُّ
صَحِيحٌ، لكنه ليس مِثْلَ: جَاءَ زَيْدٌ
لَا عَمْرٌو؛ لِمَا ذَكَرْنا أَنَّ النَّفْيَ في
غَيْرِ زَيْدٍ مَفْهومٌ، وفي غَمْرٍو
مَنْطُوقٌ، وفي النّاسِ المُسْتَثْنَى منه
مَنْطُوقٌ، فخالف ذلك الباب.
وقَوْلُك: فَأَسْوَأُ دَرَجَاتِهِ أَنْ يكونَ
مِثْلَ: ما قامَ النَّاسُ ولَا زَيْدٌ،
مَمْنوعٌ، وَلَيْسَ مِثْلَه؛ لأَنّ الْعَطْفَ
في ((ولا زَيْدٌ)) ليس بـ ((لا))، بَلْ
بالواوٍ، وللعَطْفِ بـ ((لا)) حُكْمٌ
يَخُصُّه لَيْس لِلْوَاو، وَلَيْسَ في
قَوْلنا: مَا قامَ النّاسُ ولَا زَيْدٌ، أَكْثَرَ
مِن خاصِّ بَعْدَ عامٌ .
هذا ما قَدَّرَه اللهُ لِي مِن كِتابَتِي
جَوابًا للوَلَدِ، بَارَكَ اللهُ فيهِ، واللهُ
أَعْلَمُ.
قُلتُ: هذا خُلاصة السُّؤَالِ
والجَوابِ، نَقَلْتُهُما من نُسْخَةٍ
سَقِيمَةٍ فَلْيَكُنِ النّاظِرُ فيما ذَكَرْتُ
عَلَى أُهْبَةِ التَّأَمُّلِ في سياقِ الأَلْفَاظِ،
لا
فَعَسَى أَنْ يَجِدَ فيه نَقْصًا أَو مُخالَفَةً .
ثُمّ قالَ المُصَنَّفُ(١): (وَتَكُونُ
جَوَابًا مُنَاقِضًا لِنَعَمْ) وبَلَى، ونَصُ
الجَوْهَرِيِّ: وَقَد تَكُونُ ضِدًّا لِبَلَى
ونَعَمْ، (وتُحْذَفُ الجُمَلُ بَعْدَها
كَثِيرًا، وتُعْرَضُ(٢) بين الخافِض
والمَخْفُوضِ، نحوُ: جِئْتُ بِلّا
زَادٍ، وغَضِبْتُ مِنْ لَا شَيْءٍ)،
وحِينَئِذٍ تَكُونُ بِمَعْنَى: ((غَيْرِ))؛ لأَنّ
المَعْنَى : جِثْتُ بِغَيْرِ زادٍ، وَبِغَيْرِ شَيْء
يُغْضَبُ منه، كَمَا في المِصْباحِ،
وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهِم قَوْلَه تَعالَى:
وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣) عَلَى بَحْثٍ فيه.
وقالَ المُبَرِّدُ: إِنَّمَا جَازَ أَنْ تَقَعَ
﴿ وَلَ الضَّالِينَ﴾(٣)
(لا)» في قَوْله:
(١) [قلت: هذه عبارة ابن هشام. انظر مغني اللبيب
٣٠٤/٣. ع].
(٢) [قلت: كذا ضبطه المحقّق، ولعل صوابه:
تَعْرِض، على البناء للفاعل، أي تعترض . ع].
(٣) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
[قلت: يؤيد تفسير ((لا)) بغير قراءة عمر، وعلي،
وأبي بكر، وعلقمة، والأسود، وعبدالله بن
الزبير. فقد قرأوا: وغير الضالين. انظر كتابي
معجم القراءات ١/ ٢٤ : ع]:
٤٦٢

لا
لأَنْ مَعْنَى ((غَيْرِ)) مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى
النّفْي، فجاءَت ((لا)) تُشَدِّدُ(١) مِنْ
هذا النَّفْي الّذِي تَضَمَّنَه ((غَيْرِ))؛
لأَنّها تُقارِبُ الدَّاخِلَةَ، أَّا تَرَى
أَنَّكَ تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو،
فَيَقُولُ السّامِعُ: ما جاءَكَ زَيْدٌ
وعَمْرٌو، فجَازَ أَنْ يكونَ جاءَه
أَحَدُهما، فَإِذا قالَ: ما جَاءَنِي زَيْدٌ
وَلَا عَمْرٌو، فَقَد بَيِّنَ أَنَّه لَمْ يَأْتِهِ (٢)
واحِدُ منهما. انْتَهَى. وإِذا جَعَلَ
((غَيْرَ)) بِمَعْنَى: ((سِوَى)) في الآيَةِ
كانَتْ ((لا)) صِلَةً في الكَلامِ كَمَا
ذَهَبَ إِليهِ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَتَأَمَّلْ.
(و) الرَّابعُ: أَنْ (تَكُونَ مَوْضُوعَةٌ
لِطَلَبِ التَّرْكِ). قَالَ شَيْخُنا: هذا
من عَدَمِ مَعْرِفَةِ الإِصْطِلاحِ(٣)، فَإِنّ
مُرادَه ((لا)) النّاهِيَة. انْتَهَى.
(١) في مطبوع التاج ومخطوطه ((تسدد)) والمثبت من
اللسان .
(٢) لفظ اللسان ((تبين أنه لم يأت)).
(٣) [قلت: ما ذكره الفيروزآبادي هو عبارة ابن
هشام في مغني اللبيب، وليس جهلًا
بالمصطلح. انظر مغني اللبيب ٣٢٠/٣. ع].
لا
قُلْتُ: يَبْعُد هذا الظَّنُّ عَلَى
المُصَنِّفِ، وَكَأَنَّه أَرَاد الثَّفَنُّنَ في
التَّعْبِيرِ، وفي الصِّحاح: وَقَدْ تَكُونُ
للنَّهْي، كَقَوْلِكَ: لَا تَقُمْ، ولَا يَقُمْ
زَيْدٌ، يُنْهَى بِهِ كُلُّ مَنْهِيٍّ مِنْ غَائِبٍ
وَحَاضِرٍ، (وتَخْتَصُ بِالدُّخُولِ عَلَى
المُضَارِعِ وَتَقْتَضِي جَزْمَه
وأَسْتِقْبالَه)، نَحوُ قَوْلِهِ تَعالَى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى
وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾(١). قالَ صاحِبُ
المِصْبَاحِ: ((لا)): تكونُ للَّهي عَلَى
مُقابَلَةِ الأَمْرِ؛ لأَنَّه يُقالُ: اضْرِبْ
زَيْدًا، فَتَقُولُ: لَا تَضْرِبْهُ. ويُقالُ:
اضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا، فَتَقُولَ: لَا
تَضْرِبْ زيدًا ولَا عَمْرًا، بِتَكْرِيرِها؛
لأَنَّه جَوابٌ عَن اثْنَيْنٍ، فَكَانَ
مُطابِقًا لِمَا بُنِيَ عَلَيهِ مِنْ حُكُمٍ
الكَلَامِ السّابِقِ، فَإِنَّ قَوْلَكَ:
اضْرِبْ زَيْدًا وعَمْرًا، جُمْلَتانِ في
الأَصْلِ. قالَ ابنُ السَّرَّاج: لَوْ قُلْتَ
(١) سورة الممتحنة، الآية: ١.
٤٦٣

لا
لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا، لَمْ يَكُنْ
هذا نَهْيًا عَنِ الاثْنَيْنُ عَلَى
الحَقِيقَةِ؛ لأَنَّه لَوْ ضَرَبَ أَحَدَهُما
لَمْ يَكُنْ مُخالِفًا؛ لأَنَّ النَّهْيَ لا(١)
يَشْمَلُهُمَا، فَإِذا أَرَدْتَ الإِنْتِهَاءَ
عَنْهُما جَمِيعًا فَنَهْيُ ذِلِكَ: لَا
تَضْرِبْ زَيْدًا ولَا عَمْرًا، فَمَّجِيثُها
هُنا لانْتِظَامِ الشَّهْي بِأَسْرِهِ،
وخُرُوجُها إِخْلاَلٌ به. انْتَهَى(٢) .
قالَ صاحِبُ المِصْباحِ: وَوَجْهُ
ذلِك أَنَّ الأَصْلَ لَا تَضْرِبْ زَيْدًا،
وَلَا تَضْرِبْ عَمْرًا، للكِنَّهمِ حَذَفُوا
الفِعْلَ الثّانِي اتَّساعًا لِدَلالَةِ المَعْنَى
عَلَيْه؛ لأَنَّ ((لا)) النّاهِيَةَ لَا تَدْخُلُ إِلَّا
عَلَى فِعْلِ، فَالجُمْلَةُ الثّانِيةُ مُسْتَقِلَّةٌ
بِنَفْسِها مَقْصُودَةٌ بِالنَّهْي، كالجُمْلَةِ
الأُولَى. وَقَدْ يَظْهَرُ الفِعْلُ،
وتُحْذَفُ ((لا)) لِفَهْم المُعْنَى أَيْضًا،
(١) في المصباح ((لم)).
(٢) أي: انتهى كلام ابن السراج، الذي نقله
الفيومي.
[قلت: في المصباح ((هذا لفظه)) بعد قوله:
إخلالٌ به. ع).
لا
نَحْوُ: لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وتَشْتِمْ
عَمْرًا، وَمِنْهُ(١): لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ
وتَشْرَبِ اللََّنَ، أَيْ: لَا تَفْعَلْ
واحِدًا مِنْهُما، وهذا بِخِلافٍ: لَا
تَضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا؛ حَيْثُ كَانَ
الظّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ لَا يَشْمَلُهُمَا؛
لِجَوازِ إِرَادَةِ الجَمْعِ بَيْنَهُما،
وبالجُمْلَةِ، فالفَرْقُ غَامِضٌ، وَهُو
أَنَّ العامِلَ في: ((لَا تَأْكُلِ السَّمَكَ
وتَشْرَبِ اللََّنَ)) مُتَعَيِّنْ، وهو (لا))،
وَقَدِ يَجُوزُ حَذْفُ العامِلِ لِقَرِيئَةٍ.
والعامِلُ في: لَا تَضْرِبْ زَيْدًا
وَعَمْرًا غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ؛ إِذْ يَجُوزُ أَنْ
تَكُونَ الوَاوُ بِمَعْنَى ((مَعْ)) فَوَجَبَ
إِثْباتُ ((لا)) رَفْعًا لِلَّبْسِ.
وقالَ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ : يَجُوزُ في
الشّعْرِ: ((لَا تَضْرِبْ زَيْدًا وَعَمْرًا))،
عَلَى إِرادَةِ ((وَلَا عَمْرًا)) ..
قالَ: وَتَكُونُ لِنَفْيَ (٢) الفِعْلِ، فَإِذا
(١) في المصباح ((ومِثْلُه)) مكان ((ومنه)) ...
(٢) على هامش المطبوع: دخلت على اسم نفت
متعلقه، لا ذاته؛ لأنّ الذوات لا تُنْقَى، فقولُكَ:
لا رَجُلَ في الدّار، أَيْ: لا وجود رجلٍ في الدّار.
٤٦٤

لا
دَخَلَتْ عَلَى المُسْتَقْبَلِ عَمَّتْ جَمِيعَ
الأَزْمِنَةِ إِلَّا إِذَا خُصَّ بِقَيْدٍ وَنَحْوِهِ،
نَحْوُ: واللهِ لَا أَقُومُ.
وإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الماضِي نَحْوُ:
واللهِ لَا قُمْتُ، قَلَبَتْ مَعْنَاهُ إِلى
الإِسْتِقْبالِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ(١): واللهِ
لَا أَقومُ، فَإِنْ أُرِيدَ الماضِي قِيلَ:
واللهِ ما قُمْتُ، وهذا كَمَا تَقْلِبُ
((لم)) مَعْنَى المُسْتَقْبَلِ إِلَى المَاضِي،
نَحْوُ: لَمْ أَقُمْ، والمَعْنَى: مَا قُمْتُ.
(و) الخَامِسُ: أَنْ (تَكُونَ زَائِدَةً)
لِلْتَأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ
رَأَيْنَهُمْ ضَلُوَأْ : أَلَّا تَنَّعَنٍّ﴾(٢)،
أَيْ: أَنْ تَتَّبِعَنِي. وقالَ الفَرَّاءُ:
العَرَبُ تَّقُولُ: ((لا)): صِلَةٌ في كُلِّ
كَلامِ دَخَلَ في أَوَّلِهِ جَخْدٌ، أَوْ في
آخِرِهِ جَحْدٌ غَيْرُ مُصَرَّح، فالجَحْدُ
السَّابِقُ الّذِي لَمْ يُصَرَّحْ به، كَقَوْلِه
تَعالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾(٣)،
(١) [قلت: في المصباح: وصار المعنى. ع].
(٢) سورة طه، الآيتان: ٩٢، ٩٣.
(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٢.
لا
أَيْ: أَنْ تَسْجُدَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ :
أَيْ من السُّجُودِ؛ إِذْ لَوْ كَانَتِ غَيْرَ
زائِدَةٍ لَكَانَ التَّقْدِيرُ: مَا مَنَعَكَ مِنْ
عَدَمِ السُّجُودِ، فَيَقْتَضِي أَنّه سَجَدَ،
والأَمْرُ بِخِلافِهِ، وَقَوْلُه تَعالَى:
﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا
يُؤْمِنُونَ﴾(١)، أَيْ: يُؤْمِنُونَ. ومِثَالُ
مَا دَخَلَ الجَحْدُ آخِرَه قَوْلُهُ تَعالَى:
﴿إِثَلَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى
شَىْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾(٢). قالَ: وأَمَّا
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ
أَهْلَكْنَهَآ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾(٣)،
فَلأَنَّ في الحَرَامِ مَعْنَى جَحْدٍ
وَمَنْعِ، قالَ: وفي قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وَمَا يُشْعِرَّكُمْ﴾ مِثْلُه؛ فلذلِكَ
جُعِلَتْ بَعْدَه صِلةٌ مَعْنَاها السُّقُوطُ
مِنَ الكَلامِ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ
تَكُون ((لا)) لَغْوًا، وَأَنْشَدَ للعَجَّاجِ :
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٠٩.
(٢) سورة الحديد، الآية: ٢٩.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٩٥.
٤٦٥

لا
لا
في بِثْرِ لَا حُورٍ سَرَى وَمَا شَعَرْ ﴾
بِإِفْكِهِ حَتَّى رَأَى الصُّبْحَ جَشَرُ(١) *
وقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِن ((غَيْرِ)) في قَوْلِه
تَعالَى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾(٢)،
بِمَعْنَى: سِوَى، وَإِنَّ ((لا)) في ﴿ وَلَا
الضَّالِّينَ﴾ صِلَةٌ، واحْتَجَّ بِقَوْلٍ
العَجَّاج هذا. قالَ الفَرَّاءُ: وهذا
[غَيْرُ](٣) جائِزٍ؛ لأَنَّ المَعْنَى وَقَعَ
فِيما لَا يَتَبَيَّنُ فيهِ عَمَلَه، فَهُوَ جَحْدٌ
مَخْضٌ؛ لأَنَّه أَرَاد: في بِثْرِ ماءٍ (٤)
لَا يُحِيرُ عَلَيه شَيْئًا، كَأَنَّكَ قُلْتَ
إِلَى غَيْرِ رُشْدٍ تَوَجَّهَ(٥) وَمَا يَدْرِي.
قالَ: وغَيْرٌ في الآيةِ بِمَعْنَّى لَا ،
ولذلكَ رُدَّتْ(٦) عَلَيْها كَمَا تَقُولُ:
(١) ديوانه ١٤، ١٥، واللسان، والتهذيب ١٥/
٤١٨، والأول في الصحاح، وتفسير الطبري
(شاكر) ١/ ١٩٨٠، وغير معزو في معاني
القرآن للفرّاء ٨/١.
(٢) سورة الفاتحة، الآية: ٧.
(٣) زيادة من معاني القرآن للفرّاء ٨/١، ولم ترد
باللسان، وتهذيب اللغة ٤١٨/١٥ .
(٤) في اللسان ((بئرها)) والمثبت يتفق وما في معاني
القرآن ٨/١.
(٥) في مطبوع التاج ومخطوطه ((بوجه)) والتصويب
من اللسان، ومعاني القرآن ٨/١.
(٦) في اللسان ((زِدْتَ)) والمثبت يتّفق وما في معاني
القرآن ٨/١.
فُلانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلِ، فَإِذا
كَانَتْ غَيْرٌ بِمَعْنَى سِوَى لَمْ يَجُزْ أَنْ
يُكَرَّ عَلَيه [لا](١)، أَلَا تَّرَى أَنَّه لَا
يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: عِنْدِي سِوَى
عَبْدِ الله وَلَا زَيْدِ؟ وَرَوَى ثَعْلَبْ أَنَّه
سَمِعَ ابنَ الأَعْرابِيِّ يَقُولُ فِي قَوْلِ
العَجَّاج: أَرَادَ: حُؤُورٍ، أَيْ:
رُجُوع، المَعْنَى: أَنَّه وَقَعَ في بِثْرِ
هَلَكَةٍ لَا رُجُوعَ فيها، وَمَا شَعَرَ
بِذلِكَ .
وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى
اُلْحَسَنَةُ وَلَ السَِّئَةُ﴾ (٢)، قَالَ
المُبَرِّدُ: لَا: صِلَةٌ، أَيْ: والسَيِّئَةُ،
وَقَوْلُ الشّاعِرِ، أَنْشَدَهِ الفَرَّاءُ:
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ دِينَهُمُ
والأَطْيَبانِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ (٣)
(١) زيادة من معاني القرآن ٨/١، وفيه (أن تُكَرَّ عليها
لا»، ولم ترد كلمة ((لا)) في اللسان.
(٢) سورة فُصِّلَت، الآية: ٣٤.
(٣) اللسان، والتهذيب ٥/ ٤١٧، ومعاني القرآن
للفرّاء ٨/١، وعزاه المحققان لجرير، وهو
في نقائض جرير والأخطل ١٧٤ .
٤٦٦

لا
قَالَ: أَرَاد: وعُمَرُ(١)، و((لا))
صِلَةٌ، وَقَد اتَّصَلَتْ بِجَحْدٍ قَبْلَها.
وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ للشَّمَّاخِ :
أَعائِشُ مَا لِأَهْلِكِ لَا أَرَاهُم
يُضِيعُونَ الهِجَانَ مَعَ المُضِيعِ(٢)
قَالَ: ((لا)) صِلَةٌ، والمَعْنَى: أَرَاهُم
يُضِيعُونَ السَّوامَ، وقد غَلَّطُوه في
ذلِكَ؛ لأَنّه ظَنَّ أَنَّه أَنْكَرَ عَلَيْهِم
فَسادَ المالِ، ولَيْسَ الأَمْرُ كَما ظَنَّ؛
لأَنَّ امْرَأَتَهُ قالَتْ: لِمَ تُشَدِّدُ عَلَى
نَفْسِكَ فِي العَيْشِ وتُكْرِمُ الإِبِلَ؟،
فقالَ لَها: مَا لِي أَرَى أَهْلَكِ
يَتَعَهَّدُونَ أَمْوالَهُم ولَا يُضِيعُونَها
وَأَنْتِ تَأْمُرِينِي بِإِضاعَةِ المالِ؟،
وقالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَنْشَدَ الأَصْمَعِيُّ
لِسَاعِدَةَ الْهُذَلِيِّ:
(١) في اللسان، والتهذيب ٤١٧/١٥، أراد:
والطَّيبان ((أبو بكر وعمر)).
(٢) ديواته ٢١٩، ومادة (ضيع) في اللسان
والعباب، والمعاني الكبير ٤٢٩/١، وسبق
في (ضيع).
لا
أَفَعَنْكِ لَا بَرْقٌ كَأَنَّ وَمِيضَهُ
غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثْقَبُ(١)
قَالَ يُرِيدُ: أَعَنكِ بَرْقٌ، و((لا)):
صِلَةٌ. وقالَ الأَزْهَرِيُّ: وهذا
يُخالِفُ مَا قَالَه الفَرَّاءُ: إِنّ ((لا)) لَا
تَكُونُ صِلَةً إِلَّا مَع حَرْفٍ نَفْي تَقَدَّمَهُ.
[] وَمِمَّا يُسْتَذْرَكُ عَلَيه:
قَدْ تَأْتِي ((لا)) جَوَابًا للاسْتِفْهامِ،
يُقالُ: هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: لَا.
وتكونُ عاطِفَةً بَعْدَ الأَمْرِ
والدُّعَاءِ (٢)، نَحْو: أَكْرِمْ زَيْدًا لَا
عَمْرًا، واللُّهُمَّ اغْفِرْ لِزَيْدِ لَا عَمْرٍو،
ولَا يَجُوزُ ظُهورُ فِعْلِ ماضٍ بَعْدَها
لِقَلَّا يَلْتَبِسَ بِالدُّعَاءِ، فَلَا يُقالُ: قامَ
زَيْدٌ لَا قَامَ عَمْرٌو.
وتَكُونُ عِوَضًا من حَرْفِ البَيَانِ
(١) شرح أشعار الهذليين ١١٠٣، وفيه (تَشْيَّمَه))
مکان «تسنمه))، واللسان وكذلك (شیم)،
والتهذيب ١ذ/٤١٨، والأساس (شيم)،
وسبق في (شيم).
(٢) في المغني ٢٦٦/١، (ط. دمشق)، ((أن
يتقدمها إثبات ... أو أمر ... أو نداء)).
٤٦٧

لا
:
والقِصَّةِ، ومن إِحْدَى النُّونَيْنِ في
((أَنْ)) إِذا خُفِّف نحو قوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا ﴾(١).
وتَكُونُ للدُّعاءِ، نحو: لا
سَلِمَ، ومنه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْرًا﴾(٢)، وتَجْزِمُ الفِعْلَ في
الدُّعاءِ جَزْمَه في الثَّهي.
وتكونُ مُهَيِّئَةً، نَحْوُ: لَوْلَا زَيْدٌ
لَكَان كَذا؛ لأَنَّ («لَو)» کَانَتْ تَلِي
الفِعْلِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ ((لا)) مَعَها
غَيَّرَتْ مَعْنَاهَا، وَوَلِيَتِ الاسْمَ .
وتَجِيءُ بِمَعْنَى غَيْرِ، كَقَوْلِهِ تَعالَى:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾(٣)، فَإِنَّه في
مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الحَالِ، المَعْنَى
مَا لَكُمْ غَيْرَ مُتَناصِرِينٍ. قَالَه
الزَّجَّاجُ(٤) .
وَقَد تُزَادُ فيها التَّاءُ، فَيُقالُ: لَاتَ،
وَقَد مَرَّ للمُصَنِّفِ فِي التَّاءِ، قَالَ أَبُو
(١) سورة طة، الآية: ٨٩.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.
(٣) سورة الصّافات، الآية: ٢٥.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ٣٠٢/٤.
لا
زَيْدٍ: التَّاءُ فيها صِلَةٌ، وَالعَرَبُ
تَصِلُ هذه التَّاءَ في كَلَامِها
وتَنْزِعُها، والأَصْلُ فيها ((لا))،
والمَعْنَى: لَيْسَ، وَيَقُولُونَ: مَا
أَسْتَطِيعُ وَمَا أَسْطِيعُ، ويَقُولُون:
ثُمَّتَ في مَوْضِعٍ ثُمَّ، ورُبَّتَ: في
مَوْضِعِ رُبَّ، ويَا وَيْلَتَنَا وَيَا وَيْلَنَا.
وذَكَرَ أَبُو الهَيْئَم عن نَصِيرٍ(١)
الرَّازِيِّ أَنَّه قَالَ في قَوْلِهِمْ: لَاتَّ
هَنَّا، أَيْ: لَيْسَ حِينَ ذلك: وَإِنَّمَا
هُوَ لَا هَنَّا، فَأَنَّثَ (لَا)) فَقِيلَ: لاهْ،
ثُمَّ أُضِيفَ فَتَحَوَّلَتِ الهَاءُ تاءً، كَمَا
أَنَّثُوا رُبَّ رُبَّتَ، وثُمَّ ثُمَّتَ. قالَ:
وهذا قَوْلُ الكِسائِيِّ.
ويُنْصَبُ بها لأَنَّهَا فِي مَعْنَى لَيْسَ،
وأَنْشَدَ الفَرَّاءُ :
: تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاتَّ حِينًا (٢) ؛
قالَ: ومِنَ العَرَبِ مَنْ يَخْفِضُ
بلَاتَ، وأَنْشَدَ :
(١) في اللسان (لات)، والتهذيب (لات) ١٥/
٤٢١ ((نصر)).
(٢) اللسان (لات).
٤٦٨

لا
طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أَوَانٍ
فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءٍ (١)
ونَقَلَ شَمِرُ الإِجْمَاعَ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ
والكُوفِيِينَ أَنَّ هُذه التَّاءَ هَاءٌ وُصِلَتْ
بـ ((لا)) لغَيْرِ مَعْنَی حادِثٍ.
وتَأْتِي ((لا)) بِمَعْنَى لَيْسَ، وَمِنْهُ
حَدِيثُ العَزْلِ عَنِ النِّساءِ فَقَالَ: ((لَا
عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا))، أَيْ: لَيْسَ
عَلَيكم.
وقالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ: لاوَى فلانٌ
فُلانًا: إِذا خَالَفَه .
وقالَ الفَرَّاءُ: لَاوَيْتُ، قُلْتُ: لَا،
قالَ ابنُ الأَعْرَابِيِّ: يُقالُ: لَوَلَيْتُ،
بهذا المَعْنَى.
(١) شرح شواهد المغني ٦٤١ معزوًا إلى أبي زبيد
الطائي .
[قلت: انظر مغني اللبيب ٣/ ٣٦٤، وشرح
الشواهد للبغدادي ٢٩/٥، والخزانة ٢/
٥١٢، و١٤٩/٣، وشرح المفصل ٣٢/٩،
وهمع الهوامع ٢/ ١٢٤، والجنى الداني/
٤٩٠، وشرح الكافية ٢٧١/١، والارتشاف/
١٢١٢ ... وانظر الحديث في تعليقي على
البيت في مغني اللبيب حاشية (١). ع].
لا
قُلْتُ: ومنه قَوْلُ العامَّةِ: إِنّ اللهَ لَا
يُحِبُّ العَبْدَ اللَّاوِي، أَيْ: الّذي يُكْثِرُ
قَوْلَ (لَا)) في كَلامِهِ.
قَالَ اللَّيْثُ: وَقَدْ يُرْدَفُ أَلَّا بِلَا
فَيُقَالُ: أَلَا لا، وأَنْشَدَ :
فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْها بِسَيْفِهِ
وَقَالَ: أَلَا لَا مِنْ سَبِيلٍ إِلى مِنْدِ(١)
ويُقالُ للرَّجُلِ: هَلْ كانَ كَذا
وَكَذَا؟ فَيُقَالُ: أَلَا لَا، جَعَلَ أَلَا
تَشْبِيهَا، ولَا نَفْيًا.
وأَمَّا قَوْلُ الكُمَيْتِ :
كَلَا وَكَذَا تَغْمِيضِةً ثُمَّ هِجْتُمُ
لَدَى حِينَ أَنْ كَانُوا إِلَى النَّوْمِ أَفْقَرًا(٢)
فَيَقُولُ: كَانَ نَوْمُهُمْ في القِلَّةِ كَقَوْلٍ
القائِلِ: لَا وذَا، والعَرَبُ إِذا أَرَادُوا
تَقْلِيلَ مُدَّةٍ فِعْلٍ أَوْ ظُهُورٍ شَيْءٍ
خَفِيَ قالُوا: كَانَ فِعْلُه كَلَا، ورُبَّمَا
كَرَّرُوا فقالوا: كَلَا ولا. ومِنَ
(١) اللسان.
(٢) اللسان، والصحاح، وتكملة القاموس.
٤٦٩

لا
:
لا
الأَوَّلِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ :
أَصَابَ خَصَاصَةً فَبَدا كَلِيلًا
كَلَا وانْغَلَّ سائرُهُ أَنْغِلَالَا(١)
ومِنَ الثَّانِي قَوْلُ الآخَرِ:
** يَكُونُ نُزُولُ القَوْم فيها كَلَا وَلَا(٢) ◌ِ
ومن سَجَعَاتِ الحَرِيريّ: فَلَم يَكُنْ
إِلَّا كَلَا ولا ، إشارَةً إِلَى تَقْلِيلِ المُدَّةِ،
ومنها في الحِمْصِيّة(٣): بُورِكَ فيكَ
من طَلَّا كَمَا بُورِكَ في لا ولًا،
إِشارةً إِلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ
وَلَا غَرِبِيَّةٍ﴾(٤)، ويَقُولُون: إِمَّا نَعَمْ
مُرِيحَةٌ وَإِمّا لَا مُرِيحَةٌ، ويَقُولُونِ:
لَا إِحْدَى الرّاحَتَيْنِ، وفي قولِ
الأَبُوصِيرِيّ يَمْدَحُ النبيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيهِ وسَلَّم :
(١) ديوانه ٤٣٤، واللسان، وتكملة القاموس، وفي
مطبوع التاج ((وانفل سائره انفلالا)) بالفاء بدل
الغين في اللفظين.
(٢) اللسان، وتكملة القاموس.
(٣) [قلت: وجدتها عند الحريري باسم المقامة
الحلبية. وورد ذكر حمص في ثناياها. انظر
المقامات / ٠٤٠٤ ع].
(٤) سورة النور، الآية: ٣٥.
نَبِيُّنا الآمِرُ النّاهِي فَلَا أَحَدٌ
أَبَرَّ في قَوْلِ لَا مِنْهُ وَلَا نَعَمِ (١)
وقالَ آخَرُ:
* لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُه نَعَمِ (٢)
فَمَدّها .
مُهِمَّةٌ(٣) :
اخْتُلِفَ في ((لا)) في مَوَاضِعَ مِنَّ
التَّنْزِيلِ هَلْ هِي نَافِيَةٌ أَو زائِدَةٌ .
الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ يَوْمِ
اٌلْقِيَمَةِ﴾(٤). قال اللَّيْثُ: تَأْتِي ((لا))
زائِدَةً مع اليَمِينِ، كَقَوْلِكَ: لَا
أَقْسِمُ بالله. وقال الزَّجَّاجُ: لا
اخْتِلافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ
(١) بردة المديح ١٠.
وفي هامش مطبوع التاج: ((قوله: وفي قول
الأبوصيري إلخ، كذا بخطه، ولعلّ أصل
العبارة: وفي قول الأبوصيري إلخ. المراد
لفظها أو نحو ذلك)).
(٢) عزي للفرزدق.
(٣) [قلت: ما جاء في هذه المهمة منقول من مغني
اللبيب. ٣٣٦/٣، وما بعدها .. . ع).
(٤) سورة القيامة، الآية: ١ .:
٤٧٠

لا
تَعَالَى: ﴿لَآ أُقِْمُ بِيَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾(١).
وأَشْكالِه في القُرآن مَعْنَاه: أَقْسِمُ.
واخْتَلَفُوا في تَفْسيرِ ((لا))، فقالَ
بَعْضٌ: ((لا)) لَغْوٌ، وَإِنْ كانَت في
أَوَّلِ السُّورَةِ؛ لأَنَّ القُرآنَ كُلَّه
كالسُّورةِ الواحِدَةِ؛ لأَنْه مُثَصِلٌ
بَعْضٌ بِبَعْضٍ(٢)، وقالَ الفَرَّاءُ(٣):
((لا)) رَدِّ لِكَلام تَقَدَّمَ، كَأَنَّه قِيلَ لَيْسَ
الأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ، فَجَعَلَها نافِيَةً،
وكَانَ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّها
صِلَةٌ، وكانَ يَقُولُ: لَا يُبْتَدَأُ
بِجَحْدٍ، ثُمّ يُجْعَلُ صِلَةً يُرادُ به
الطَّرْحُ؛ لأَنَّ هذا لَوْ جَازَ لَمْ يُعْرَفْ
خَبَرٌ فيه جَخْدٌ من خَبَرٍ لَا جَحْدَ
فِيهِ، وللكِنّ القُرآنَ نَزَلَ بالرَّدِّ عَلَى
الَّذين أَنْكَرُوا الْبَعْثَ والجَنَّةَ والنَّارَ،
فَجاءَ الإِقْسامُ بالرَّدِّ عَلَيْهِم في کَثِيرِ
من الكَلامِ المُبْتَدَأ مِنْه، وغَيْرٍ
(١) سورة القيامة، الآية: ١.
(٢) معاني القرآن للزجّاج ٢٥١/٥.
(٣) [قلت: انظر معاني القرآن للفرّاء ٢٠٧/٣.
ع ].
لا
المُبْتَدأ، كَقَوْلِكَ في الكَلَام: لا
واللهِ لَا أَفْعَلُ ذلك، جَعَلُوا ((لا))،
وَإِنْ رَأَيْتَها مُبْتَدَأَةٌ، رَدَّا لِكَلَام قَدْ
مَضَى، فَلَو أَلْغَيْتَ ((لا)) مِمّا يُنْوَى
بِهِ الجَوَابُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ اليَمِينِ الَّتي
تَكُونُ جَوَابًا واليَمِينِ الَّتِي تُسْتَأْنَفُ
فَرْقٌ. انْتَهَى(١) .
وَقَال التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ فِي رِسالَتِهِ
المَذْكُورةِ عِندَ قَوْلِ الأُبَّذِيّ(٢): إِنّ
((لا)) لَا تَدْخُل إِلَّا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ،
مُعْتَذِرًا عَنْهُ في هذه المَقَالَةِ بِمَا
نَصُه: ولَعَلَّ مُرَادَه أَنَّها لَا تَدْخُل
في أَثْناء الكَلامِ إِلَّا لِلنَّفْئِ المُؤَكَّدِ
بِخِلافٍ مَا إِذا جَاءَتْ في أَوَّلِ
الكَلَام، قد يُرادُ بِها أَصْلُ النَّفْي،
كَقَوْله: ﴿لَآ أُقِيمُ﴾(٣) وَمَا أَشْبَهَه.
انْتَهَى. فهذا مَيْلٌ مِنْه إِلَى مَا ذَهَبَ
(١) معاني القرآن ٢٠٧/٣.
(٢) [قلت: يأتي في المطبوع دائمًا بالدّال المُهملة،
وصوابه ما أثبته بالذّال المعجمة. ع].
(٣) سورة القيامة، الآية: ١، وسورة البلد، الآية:
١.
٤٧١

لا
إليه الفَرَّاءُ. ومنهم (١) من قالَ: إِنَّها
المُجَرَّدِ التَّوْكِيدِ وتَقْوِيَةِ الكَلَام.
فَتَأْمَّلْ.
الثَّانِي: قَوْلُه تَعالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوَأْ
أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمَّ أَلَّا
تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئاً﴾(٢). فَقِيلَ(٣): لَا:
نافِيَةٌ، وَقِيلَ: ناهِيَةٌ، وقِيلَ: زَائِدَةٌ.
والجَمْعُ مُخْتَمِلٌ. و((ما)) خَبَرِيَّةٌ
بِمَعْنَى الّذِي مَنْصوبةٌ بـ((أَتْلُ))
و ((حَرَّمَ رَبُّكُمْ)) صِلَةٌ، و((عليكم))
مُتَعَلِّقْ بـ (خَرَّمَ)).
الثالثُ: قولُه تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِزَّكُمْ
أَنَّهَا إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤)، فيمن
فَتَحَ الهَمْزَةَ(٥)، فقالَ الخَلِيلُ
والفارِسِيُّ: لا زائِدَةٌ، وَإِلَّا لكان
(١) [قلت: هذا رأي الجمهور. انظر البحر المحيط
٤٠٢١٣/٨].
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥١.
(٣) [قلت: هذا التعليق لابن هشام في مغني اللبيب
انظر ٣٤٠/٣ - ٣٤١. ع].
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٠٩.
(٥) قرأ بفتح الهمزة من العشرة نافع وابن عامر
وحمزة والكسائي وعاصم (برواية حفص)
وأبو جعفر (المبسوط ١٧٣).
=
لا
عُذْرًا لَهُم، أَي: للكُفَّارِ . وَرَدّه
الزَّجَّاجُ، وقالَ: إِنَّها نَافِيَةٌ في قِراءةٍ
الكَسْرِ(١)، فَيَجِبُ ذلك في قِراءَةِ
الفَتْحِ. وقِيلَ: نَافِيَةٌ وَحُذِفَ
المَعْطُوفُ، أَي: أَوْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ،
وقالَ الخَلِيلُ(٢) مَرَّةً: ((أَنَّ) بِمَعْنَى:
لَعَلَّ، وهي لُغَةٌ فيه .
الرّابِعُ: قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَحَرَامُ
عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا
يَرْجِعُونَ﴾(٣)، قِيلَ: زائِدَةٌ،
والمَعْنَى: مُمْتَنِعْ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ
[قلت: وهي قراءة الأعمش وأبي جعفر وشيبة
وأبي بكر في رواية وبها قرأ الأخفش. انظر
كتابي: معجم القراءات. ومغني اللبيب ٣/
٣٤٤ - الحاشية/ ٠٤ ٤].
(١) انظر معاني القرآن للزجاج ٢٨٣/٢
[قلت: قراءة الكسر عن ابن كثير وأبي عمرو
والعليمي، والأعشى عن أبي بكر عن
عاصم، وداود الإيادي ... وانظر كتابي
معجم القراءات، ومغني اللبيب ٣/ ٣٤٤ -
٣٤٥، الحاشية/ ٤. ع].
(٢) [قلت: انظر قول الخليل والخلاف فيه في مغني
اللبيب ٣٤٥/٣ - ٠٣٤٦ ع].
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ٩٥.
[قلت: نص المصنّف منقول من مغني اللبيب
انظر: ٣٤٨/٣. ع].
٤٧٢

لا
قَدَّرْنا إِهْلاكَهُم لِكُفْرِهم أَنَّهم
يَرْجِعُونَ عَنِ الكُفْرِ إِلَى القِيامَةِ.
وهذا قَرِيبٌ من تَقْرِيرِ الفَرَّاءِ الّذي
تَقَدَّمِ. وقِيلَ: نَافِيَةٌ، والمَعْنَى:
مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِمْ أَنَّهُم لَا يَرْجِعُونَ إِلَى
الآخِرةِ.
الخامِسُ: قَوْلُه تَعالَى: ﴿وَلَا
يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْلَئِكَةَ وَالنَّبِيْنَ
أَرْبَابً﴾(١)، قُرِئ في السَّبْعِ بِرَفْع
(يأُمركم)) ونَصْبِه(٢). فَمَنْ رَفَعَه
قَطَعَه عَمَّا قَبْله، وفاعِلُه ضَمِيرُه
تَعالَى، أَو ضَمِيرُ الرَسُولِ و((لا))
عَلَى هُذه نَافِيَّةٌ لَا غَيْرُ. وَمَنْ نَصَبَه
فَهُو مَعْطُوفٌ عَلَى: ﴿يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
(١) سورة آل عمران، الآية: ٨٠.
(٢) قرأه بالرّفع من العشرة أبو جعفر ونافع وابن كثير
وأبو عمرو والكسائي وعاصم برواية الأعشى
والبرجمي عن أبي بكر، وقرأ بالنصب ابن
عامر وحمزة ويعقوب وخلف وعاصم برواية
حفص وحماد ويحيى عن أبي بكر (المبسوط
١٤٥، ١٤٦) ..
[قلت: انظر مغني اللبيب ٣٥٠/٣ - ٣٥١.
وانظر فيه الحاشية/١ ففيها بسط القراءتين.
وانظر كتابي: معجم القراءات فالتفصيل فيه
أوفی۔ ع].
لا
اَلْكِتَبَ﴾(١)، وعَلَى هذا ((لا))
زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنَى النَّفْي.
السّادِسُ: قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿فَلَا أَقْنَحَمَ
اٌلْعَقَبَةَ﴾ (٢)، قِيلَ: ((لا)) بِمَعْنَى لَمْ،
ومِثْلُه في: ﴿فَلَ صَلَّقَ وَلَ صَلَى﴾(٣)،
إِلَّا أَنّ ((لا)) بهذا المَعْنَى إِذا كُرِّرَتْ
أَسْوَغُ وَأَفْصَحُ مِنْها إِذا لَمْ تُكَرَّرْ،
وقَدْ قالَ الشّاعِرُ :
* وأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا؟(٤) *
وقالَ بَعْضُهم ((لا)) في الآيَةِ بِمَعْنَى
((ما))، وقِيلَ: فَلَا بِمَعْنَى فَهَلَا،
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧٩.
[قلت: انظر بقية الحديث مما تركه المصنّف
في مغني اللبيب ٣٥٢/٣، فإنّه أحسن بيانًا.
ع].
(٢) سورة البلد، الآية: ١١.
(٣) سورة القيامة، الآية: ٣١.
(٤) اللسان.
[قلت: هما بيتان لأمية بن أبي الصلت، وقد
تمثّل بهما أبو خراش الهذلي وهو يطوف
بالبيت. انظر مغني اللبيب ٣١٠/٣ - ٣١١،
وشرح الشواهد للبغدادي ٣٩٧/٤، والخزانة
٣٥٨/١، وانظر بقية المراجع والحديث
في البيت في تعليقي على مغني اللبيب
الحاشية / ٤.٥].
٤٧٣

لا
لا
ورَجَّحَ الزَّجَّاجُ الأَوَّلَ(١).
مُهِمَّةٌ وفِيها فَوَائِدُ:
الأُولى: قَوْلُ الشَّاعِرِ :
أَبَى جُودُه لَا الْبُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ نَعَمْ
بِهِ مِنْ فَتّى لَا يَمْنَعُ الجُوعَ قَاتِلُهُ(٢)
ذَكَرَ يُونُسُ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بِنِ
العَلاءِ(٣) كانَ يَجُرُّ البُخْلَ، ويَجْعَلُ
((لا)) مُضَافَةً إِليه، لأَنَّ ((لا)) قد
تَكُونُ للجُودِ وللبُخْلِ، أَلَّا تَرَى أَنَّه
لَو قِيلَ له: امْنَع الحَقَّ. فقالَ: لا،
كانَ (٤) جُودًا منه؟ فَأَمَّا إِنْ جَعَلْتَها
(١) انظر معاني القرآن ٣٢٩/٥.
[قلت: انظر بسط الحديث عن الآية في مغني
اللبيب ٣١١/٣ وما بعدها.
(٢) اللسان، والصحاح، والتهذيب ٢٤٨/١٥،
والمغني ٢٤٨، وشرح شواهد المغني ٦٣٤ ،
ومعاني القرآن وإعرابه للزَّجْاج ٣٢٣/٢.
[قلت: انظر تعليقي على البيت في مغني اللبيب
٣٣٣/٣ الحاشية/ ٢، وانظر أمالي الشجري
٢/ ٠٢٣٢ ٤].
(٣) [قلت: انظر الحجة للفارسي ٦٩/١ ,٣/
٣٨١، وكتاب الشعر له/ ٠١١٧ ع]
(٤) [قلت: كذا ورد النص في مطبوع التاج. ولعلّه
أراد: كان جواباً منه. أي: لا أمنع الحق، وقد
يصح المعنى على ما أثبته المصنّف غير أنه خلط
بين المثال وما ورد في البيت.
=
لَغْوًا نَصَبْتَ البُخْلَ بِالفِعْلِ. وإِنْ
شِئْتَ نَصَبْتَه عَلَى البَدَلِ، قَالَ أَبُو
عَمْرِو: أَرَادَ أَبَى جُودُه لَّا الَّتِي تُبَخُلُ
الإِنْسانَ، كَأَنَّه إذا قِيلَ: لَا تُسْرِفْ
وَلَا تُبَذّرْ أَبَى جُودُه قَوْلَ (لا)) هُذه،
واسْتَعْجَلَتْ بِهِ: نَعَمْ. فقالَ: نَعَمْ
أَفْعَلُ، وَلَا أَتْرُكُ الجُودَ.
قالَ الزَّجَّاجُ: وفيه قَوْلانِ
آخَرَانِ(١) عَلَى رِوَايَةٍ مَنْ رَوَى:
(أَبَى جُودُه لَا البُخْلَ)) بِنَصْبِ اللَّامِ:
أَحَدُهُما: مَعْناهُ أَبَى جُودُه البُخْلَ،
وتَجْعَلُ ((لا)) صِلَةً.
والثَّانِي أَنْ تَكُونَ ((لا)) غَيْرَ لَغْوِ،
ويَكُونَ البُخْلُ مَنْصُوبًا بَدَلًا مِنْ ((لا))،
المَعْنَى: أَبَى جُودُه لَا الَّتِي هِي
للبُخْلِ، فَكَأَنَّكَ قُلْتَ: أَبَىّ جُودُه
البُخْلَ، وعَجَّلَتْ بِهِ نَعَمْ.
وقالَ ابنُ بَرِّيّ: مَنْ خَفَضَ البُخْلَ
والتقدير: لو قال: ((لا)) للبخل كان جُودًا منه،
=
أي: نعم للکرم. ع].
(١) الذي في معاني القرآن ٣٢٣/٢، وأرى فيه
وجهًا آخر وهو «وذكر الرأي الثاني».
٤٧٤

لا
فَعَلَى الإضافَةِ، وَمَنْ نَصَبَ جَعَلَه
نَعْتًا لِلَا، و((لا)) في البَيْتِ اسْمٌ،
وهو مَفْعُولٌ لِأَبى، وَإِنَّمَا أَضَافَ
((لا)) إِلَى البُخْلِ لأَنَّ ((لا)) قَدْ تَكُونُ
للجُودِ.
قالَ: وقَوْلُه: وَإِنْ شِئْتَ نَصَبْتَه
عَلَى البَدَلِ، قالَ: يَعْنِي البُخْلَ،
تَنْصِبُهُ عَلَى البَدَلِ من ((لا))؛ لأَنَّ
((لا)) هي البُخْلُ في المَعْنَى، فَلَا
تَكُونُ لَغْوًا عَلَى هذا القَوْلِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ اللَّيْثُ: العَرَبُ تَطْرَحُ
((لا)) وَهِيَ مَنْوِيَّةٌ، كَقَوْلِكَ: واللهِ
أَضْرِبُكَ، تُريد: والله لَا أَضْرِبُكَ،
وَأَنْشَدَ :
وَآَلَيْتُ آَسَى عَلَى هَالِكِ
وَأَسْأَلُ نَائِحَةٌ مَا لَهَا(١)
أَرَادَ: لَا آَسَى وَلَا أَسْأَلُ.
(١) اللسان، والتهذيب ٤١٦/١٥، وعزي في
العين ٣٤٩/٨، والتكملة للخنساء، وهو في
ديوانها ٨٠ (باختلاف في رواية الصدر،
وانظر الحاشية، وبها عدة روايات منها
الواردة هنا بالتاج).
لا
قالَ الأَزْهَرِيُّ: وَأَفَادَ ابْنُ المُنْذرِيِّ
عَنْ اليَزِيدِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ في
قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ
تَضِلُّواْ﴾(١). قالَ: مَخَافَةَ أَنْ
تَضِلُّوا، وحِذَارَ أَنْ تَضِلُّوا، ولَوْ
كانَ أَلَّا تَضِلُّوا لَكَان صَوَابًا. قالَ
الأَزْهَرِيُّ: وكَذلِكَ أَلَّا تَضِلَّ، وَأَنْ
تَضِلَّ بِمَعْنَى واحِدٍ، قَالَ: وَمِمَّا
جَاءَ في القُرْآنِ من هذا ﴿أَنْ
تَزُولًا﴾(٢) يُرِيدُ أَلَّا تَزُولًا، وَكَذلِكَ
قَوْلُهُ تَعالَى: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ
وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُونَ﴾(٣)، أَي: أَلَّ
تَحْبَطَ، وَقَوْلُهُ تَعالَى: ﴿أَنْ تَقُولُوَأْ
إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن
قَبْلِنَا﴾(٤)، مَعْنَاهُ: أَلَّا تَقُولُوا.
الثَّالِثَةُ: أَنّ ((لا)) إِذا كانَتْ لِنَفْي
الجِنْسِ جازَ حَذْفُ الاسْم لِقَرِينَةٍ،
نَحْو: لَا عَلَيْكَ، أَي: لَا بَأْسَ
(١) سورة النساء، الآية: ١٧٦.
(٢) سورة فاطر، الآية: ٤١ .
(٣) سورة الحجرات، الآية: ٢.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٦.
٤٧٥

لا
عَلَيْكَ. وقد(١) يُحْذَفُ الخَبَرُ إِذا كَانَ
مَعْلُومًا نَحْو: لَا بَأْسَ.
الرّابِعَةُ: أَنْشَدَ الباهِلِيُّ للشَّمَّاخِ:
إِذَا مَا أَدْلَجَتْ وَصَفَتْ يَدَاهَا
لَهَا الإِثْلَاجُ لَيْلَةَ لَا هُجُوعٍ(٢)
أَيْ: عَمِلَتْ يَداها عَمَلَ اللَّيْلَةِ الَّتي
لَا تَهْجَعُ فيها، يَعْنِي النّاقَّةً، ونَفَى
بِ ((لَا)) الهُجُوعَ، وَلَمْ يُعْمِلْ، وَتَرَكَ
هُجُوعَ مَجْرُورًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْه
مِنَ الإِضَافَةِ. ومِثْلُه قَوْلُ رُؤْيَةَ:
* لَقَدْ عَرَفْتُ حِينَ لَا أَعْتِرافٍ(٣) *
٦
نَفَى بـ ((لا))، وتَرَكَه مَجْرُورًا،
ومِثْلُه :
* أَمْسَى بِبَلْدَةٍ لَا عَمِّ وَلَا خَالٍ (٤) *.
(١) [قوله: قد يحذف، يدل على التقليل، مع أن
حذف الخبر في هذا الباب كثير. انظر مغني
اللبيب ٠٢٩١/٣ ع].
(٢) ديوانه ٢٢٦، وفيه ((لها إدلاج))، واللسان ومادة
(وصف) في اللسان والصحاح والأنباس، وفي
مطبوع التاج كاللسان في هذه المادة (وضعت)
تحریف .
(٣) ديوانه ١٠٠، واللسان، والتهذيب ٤١٨/١٥.
(٤) اللسان، والتهذيب ٤١٨/١٥ .
.لا
الخَامِسَةُ: قَدْ تُخْذَفُ أَلِفُ ((لا))
تَخْفِيفًا، كَقِراءَةٍ مَنْ قَرَأَ: ﴿وَأَتَّقُواْ
فِتْنَةً لَتُصِيبَنّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾(١) خُرِّجَ
عَلَى (٢) حَذْفِ أَلِفِ ((لا))، والقِرَاءَةُ
العامَّة ﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾، وهذا كَمَا
قالُوا: أَمَ واللهِ، في: أَمَا واللهِ.
السّادِسَةُ: المَنْفِيُّ بِلَا قَدْ يَكُونُ
وجودُ الاسْم(٣) نحوُ: لا إِلهَ إِلَّا
اللهُ، والمَعْنَى: لَا إِلَهَ مَوْجُودٌ أَوْ
مَعْلُومٌ إِلَّ اللهُ.
وقَدْ يَكُونُ النَّفْيُّ بـ ((لا)) نَفْيَ
الصِّحَّةِ، وعَلَيه حَمَلَ الفُقَهَاءُ: ((لَا
نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ)» (٤).
(١) سورة الأنفال، الآية: ٢٥، وقرأ ﴿لَتُصِيبَّ﴾
ابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو العالية
(مختصر في شواذ القرآن ٤٩).
[قلت: جاءت في المطبوع لا تصيبن، وليسٍ
بصواب بل هي بلام من غير ألف كما أثبتُها،
وهي قراءة الباقر محمد بن علي وأُبَّ والربيع
ابن أنس وابن جمّاز، والزُّبَيْرِ بن العوام. انظر
كتابي معجم القراءات ٢٨٢/٣. ع].
(٢) [قلت: هذا التخريج لابن جني. انظر
المحتسب ٠٣٧٧/١ ع].
(٣) في المصباح ((لوجود)).
(٤) [قلت: هو حديث صحيح انظر الجامع
الصغير / ٠٥٨٦ ع].
٤٧٦

لا
لا
وقَدْ يكونُ لِنَفْيِ الفائِدَةِ والانْتِفاعِ
والشَّبَهِ وَنَحْوِهِ، نَحْوُ: لَا وَلَدَ لِي
وَلَا مَالَ، أَيْ: لَا وَلَدَ يُشْبِهُني في
خُلُقٍ أَوْ كَرَمٍ، وَلَا مَالَ أَنْتَفِعُ بهِ.
وقَدْ يَكونُ لِنَفْيِ الكَمالِ، وَمِنْهُ:
((لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ الله)) .
وَمَا يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ،
فالوَجْهُ تَقْدِيرُ نَفْىِ الصِّحَّةِ؛ لأَنَّ
نَفْيَها أَقْرَبُ إِلَى الحَقِيقَةِ، وَهِي
نَفْيُ الوُجُودِ، وَلأَنَّ في العَمَلِ به
وفاءً بالعَمَلِ بِالمَعْنَى الآخَرِ دُونَ
عَكْسٍ.
السّابعةُ: قالَ ابنُ بُزُرْجَ: ((لَا
صَلَاةَ لَا رُكُوعَ فِيها»، جَاءَ
بالتَّبْرِئَةِ مَرَّتَيْن، وإِذا أَعَدْتَ (لا))
كَقَوْلِهِ: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا
شَفَعَةٌ﴾(١)، فَأَنْتَ بالخِيارِ، إِنْ
شِئْتَ نَصَبْتَ بِلَا تَنْوِينِ، وَإِنْ شِئْتَ
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٤.
رَفَعْتَ وَنَوَّنْتَ(١)، وفيها لُغاتٌ
كَثِيرَةٌ سِوَى مَا ذَكَرْنا.
الثَّامِنَةُ: يَقُولُونَ: إِلْقَ زَيْدًا وَإِلَّا،
فـ ((لا))(٢)، مَعْناهُ: وَإِلَّا تَلْقَ زَيْدًا
فَدَعْ. قالَ الشّاعِر :
فَطَلْقْهَا فَلَسْتَ لَهَا بُكُفْءٍ
وَإِلَّا يَعْلُ مَفْرِقَكَ الحُسامُ(٣)
فَأَضْمَرَ فِيه: وَإِلَّا تُطَلِّقْها يَعْلُ.
وغَيْرُ البَيَان أَحْسَنُ، وَسَيَأْتِي
قَوْلُهم: إِمَّا لَا فافْعَلْ، قَرِيبًا في
بَحْثٍ ((ما)).
[ ] وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ :
(١) قرأ بالنصب ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، وقرأ
الباقون من العشرة بالرّفع (المبسوط ١٣٣).
[قلت: قراءة النصب عن ابن محيصن أيضًا
والحسن واليزيدي. انظر كتابي: معجم
القراءات ٣٥٩/١. ٤].
(٢) [قلت: كذا ورد، ولعلّ صوابه فإلا. ع].
(٣) فتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل ٢٤٧،
وكذلك شرح الشيخ الجرجاوي ٢٤٧،
ونسباه للأحوص وهو في ديوانه ١٩١ .
[قلت: انظر مغني اللبيب/ الباب الخامس.
حذف جملة الشرط، وشرح الشواهد للبغدادي
٥٤/٦، ٥/٨، والإنصاف / ٧٢، والمقرب
٢٧٦/١، وشذور الذهب/ ٣٤٣. ع].
٤٧٧

لي
لو
[ لي ]
(لي)، بالْكَسْرِ، قالَ اللَّيْثُ: هُمَا
حَرْفانٍ مُتَبابِنانِ(١) قُرِنَا، واللَّامُ لَامُ
المِلْكِ، والياءُ ياءُ الإِضافَةِ.
قُلْتُ: وَكَذلِكَ القَوْلُ فِي لَنَا وَلَّهَا
وَلَهُ، فَإِنَّ اللََّّمَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنْها
لَامُ المِلْكِ، والنُّونُ والأَلِفُ والهاءُ
ضَمائِرُ للمُتَكَلِّم مَعَ الغَيْرِ والْمُؤَنِّثِ
الغائِبِ والمُذَكَّرِ. وهذا، وَإِنْ كَانَ
مَشْهُورًا، فَإِنَّه واجِبُ الذِّكْرِ في
هذا المَوْضِعِ .
[لو ] *
(لَوْ): (حَرْفٌ يَقْتَضِي في الماضِي
امْتِناعَ مَا يَلِيه واسْتِلْزَامَهُ لِتَالِهِ)، ثُمّ
يَنْتَفِي الثَّانِي إِنْ نَاسَبَ، وَلَمْ يَخْلُفِ
المُقَدَّمَ غَيْرُه، نَحْو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ
ءَاِهَةُ إِلَّا أَنَّهُ لَفَسَدَنَا﴾(٢)، لَا إِنّ
اللهَ خَلَفَهُ نَحْو: لَوْ كَانَ إِنْسَانًا لَكَانَ
حَيَوانًا. ويَثْبتُ إِنْ لَمْ يُنافِ،
(١) [قلت: النص في التهذيب ٤٢٨/١٥، وليس
فیہ قوله: متباینان. ع].
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ٢٢.
ونَاسَبَ بِالأَوْلَى كـ ((لَوْ(١) لَمْ يَخَفِ
اللهَ لَمْ يَعْصِه))، والمُساواة كـ
(لَوْ (٢) لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتَهِ مَا حَلَّتِ
للرّضاع)»، أَو الأَدْوَنِ كَقَوْلَك: لَو
انْتَفَتَ أُخُوَّةُ النَّسَبِ لَمَا حَلَّتْ
للرّضاع، وهذا القَوْلُ هُو الصَّحِيحُ
مِنَ الأَقْوالِ. وقالَ(٣). (سِيْبَوَيْهِ:
لَوْ: حَرْفٌ لِمَا كَانَ سَيَقَعُ لِوُقوع
غَيرِهِ). وقالَ غَيْره: هُو حَرْفُ
شَرْطِ للماضِي، ويَقِلُّ في
المُسْتَقْبَلِ. وقِيلَ: لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ.
وقالَ المُبَرّدُ: لَوْ: تُوجِبُ الشَّيْءَ
مِنْ أَجْلِ وُقوعٍ غَيْرِهِ.
(١) [قلت: النص: نِعْمَ العبدُ صُهَيْبٍ لوٍ لم يَخْفِ
اللّهَ لَم يَعْصِهِ، وهو قول لعُمر بن الخطاب رضي
الله عنه. انظر مغني اللبيب ٣٧٢/٣، ومراجعه
كثيرة. انظر في تعليقاتي على مغني اللبيب
الحاشية / ٤. ع].
(٢) [قلت: هذا أصل حديث عن رسول الله ﴾
ونصّه: «إِنّها لو لم تکن ربیتي في حجري ما
حَلّت لي، إِنّها لابنة أخي من الرضاعة. انظر
تعليقي على الحديث في مغني اللبيب ٣/
٣٨٤، الحاشية/ ٥، وفتح الباري ٩/ ١٢١ -
١٢٤. ع].
(٣) [قلت: انظر الكتاب ٣٠٧/٢. ع].
٤٧٨

لو
لو
وفي اللُّبابِ: لَوْ: للشَّرْطِ في
الماضِي عَلَى أَنَّ الثّانيَ مُنْتَفٍ،
فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الأَوَّلِ. هذا أَضْلُها.
وقد تُسْتَعْمَلُ فيما كَانَ الثّاني مُثْبَتًا،
ولِطَلَبِها الفِعْلَ امْتَنَعَ فِي خَبَرٍ أَنَّ
الواقِعَةِ بَعْدَها أَنْ يَكُونَ اسْمًا مُشْتَقًّا
لإِمْكَانِ الفِعْلِ بِخِلافِ مَا إِذا كانَ
جامِدًا، نَحوُ: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ اَلْأَرْضِ
مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾(١). انتهى.
(وَقَوْلُ المُتَأَخِّرِينَ) مِنَ النَّحْوِيِّينَ:
إِنّه (حَرْفُ امْتِناعٍ لامْتِناعٍ)، أَيْ:
امْتِناعُ الشَّيءٍ لامْتِناعِ غَيْرِهِ، كَمَا هُو
نَصُّ المُحْكَمِ، أَوَ لامْتِناعِ الثَّانِي
لِأَجْلِ امْتِناعِ الأَوَّل، كَمَا هُو نَصُ
الصِّحاحِ (خَلْفٌ)، أَي: مُخالَفْ
فيه .
قالَ المُصَنَّفُ في البَصائِرِ(٢): وَقَدْ
أَكْثَرَ الخائِضُون القَوْلَ في (لَوْ))
الامْتِناعِيَّةِ، وعِبارَةُ سِيْبَوَيْهِ مُقْتَضِيَةٌ
(١) سورة لقمان، الآية: ٢٧.
(٢) [قلت: انظر البصائر ٤٤٨/٤. ع].
أَنَّ التّالِيَ فِيهَا كَانَ بِتَقْدِيرٍ وُقُوع
المُقَدَّم قَريبَ الوُقوعِ، لإِتیانِهِ
بالسِّينِ في قَوْله: سَيَقَعُ. وَأَمَّا
عِبارةُ المُعْرِبِينَ: أَنَّها حَرْفُ امْتِناعِ
لامْتِناعِ، فَقَد رَدَّها جَمَاعَةٌ مِنْ
مَشابِخِنا المُحَقِّقِينَ، قَالُوا: دَغْوَى
دِلالَتِها عَلَى الامْتِنَاعِ مَنْقُوضَةٌ بِمَا لَا
قِبَلَ بِهِ، ثُمّ نَقَضُوا بِمِثْلِ قَوْلِهِ
تَعالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِنْ
شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ
بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ
اللَّهِ﴾(١). قالُوا: فَلَوْ كَانَت حَرْفَ
امْتِناعِ لامْتِناعِ لَزِمَ نَفادُ الكَلِماتِ
مَعَ عَدَم كَوْنٍ كُلِّ مَا فِي الأَرْضِ
مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامًا(٢) تَكْتُبُ
الكَلِماتِ، وَكَوْنِ البَحْرِ الأَعْظَم
بِمَنْزِلَةِ الدَّوَاةِ، وَكَوْنِ السّبعةِ
(١) سورة لقمان، الآية: ٢٧.
(٢) في مطبوع التاج ومخطوطه ((أقلام)) والتصحيح
من البصائر ٤٤٩/٤.
[قلت: هذه عبارة ابن هشام أخذها
الفيروزآبادي. انظر مغني اللبيب ٣٧٣/٣.
ع].
٤٧٩

لو
لو
الأَبْحُرِ مَمْلوءَةً مِدَادًا، وهي تَمُدُّ
ذلِكَ البَحْرَ. وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ: ((نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ
يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِه)). قالُوا: فَيَلْزَمُ
ثُبُوتُ المَعْصِيَةِ مَعَ ثُبُوتِ الخَوْفِ،
وَهُوَ عَكْسُ المُراد.
قالَ: ثُمّ اضْطَرَبَتْ عباراتُهم،
وكَانَ أَقْرَبَها إِلَى التَّحْقِيقِ قَوْلُ
شَيْخِنا أَبِي الحَسَنِ عَلِيٍّ بنِ
عَبْدِ الكافِي السُّبْكِيِّ؛ فَإِنَّهِ قالَ:
تَتَبَّعْتُ مَوَاقِعَ (لَو)) مِنَ الكِتاب
العَزِيزِ والكَلامِ الفَصِيحِ، فَوَجَدْتُ
المُسْتَمِرَّ فِيها انْتِفَاءَ الأَوَّلِ، وَكَوْنَ
وُجُودِه لَوْ فُرِضَ مُسْتَلْزِمًا لِوُجودِ
الثّانِي. وَأَمّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ
بَيْنَه وَبَيْنَ الأَوَّلِ مُناسِبًا، وَلَمْ
يَخْلُفِ الأَوَّلَ غَيْرُه، فَالثّانِي
مُنْتَفٍ في هذه الصُّورَةِ، كَقَوْلِه
تَعالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّ اللَّهُ
لَفَسَدَنَا﴾(١)، وَكَقَوْلِ القَائِلِ: لَوْ
(١) سورة الأنبياء، الآية: ٢٢.
جِثْتَنِي لِأَكْرَمْتُكَ، لكِنِ المَقْصُودُ
الأَعْظَمُ في المِثالِ الأَوَّلِ نَفْيُ
الشَّرْطِ رَدَّا عَلى مَن ادْعَاهِ، وَفي
المِثالِ الثّاني أَنّ المُؤْجِب لانْتِفاء
الثّاني هُو انْتِفَاءُ الأَوَّلِ لَا غَيْرُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الأَوَّلِ
والثَّانِي مُناسِبًا لَمْ يَدُلَّ عَلَى انْتِفَاءِ
الثّانِي، بَلْ عَلَی وُجُودِهِ مِنْ بابِ
الأَوْلَى، مِثل(١): ((نِعْمَ العَبْدُ
صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ
يَعْصِهِ))، فَإِنَّ المَعْصِيَةَ مَنْفِيَّةٌ عِنْدَ
عَدَمِ الخَوْفِ. فَعِنْدَ الخَوْفِ أَوْلَى،
وَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ مُناسِبًا، وَلَكِنّ
الأَوَّلَ عِنْدَ انْتِفَائِهِ شَيْءٌ آخَرُ يَخْلُفُه
بِمَا يَقْتَضِي وُجُودَ الثَّانِيِ، كَقَوْلِنا:
لَوْ كَانَ إِنْسانَا لَكَانَ حَيَوانًا، فَإِنَّهُ
عِنْدَ انْتِفاءِ الإِنْسانِيّةِ قَدْ يَخْلُفُها
غَيْرُها مِمَّا يَقْتَضِي وُجُودَ
الحَيَوانِيَّةِ، وهذا كَمِيزانٍ(٢) مُسْتَقِيم
مُطَّرِدٍ حَيْثُ وَرَدَتْ لَوْ وَفِيهَا مَعْنَى
(١) [قلت: القول لعمر، وقد تقدّم. ع].
(٢) [قلت: النصَّ في البصائر ٤/ ٤٥٠ ميزان ..
ع].
٤٨٠