النص المفهرس
صفحات 21-26
أحمد بن عقيل المكى، وعبدالله السقاف، والسند محمد بن علاء الدين المزجاجى ، وسليمان يحيى ، وابن الطيب ، واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة وبالشيخ عبد الله ميرغنى الطائفى في سنة ثلاث وستين ونزل بالطائف بعد ذهابه إلى اليمن ورجوعه فى سنة ست وستين ، فقرأ على الشيخ عبدالله فى الفقه ، وكثيرا من مؤلفاته ، وأجازه ، وقرأ على الشيخ عبد الرحمن العيدروس مختصر السعد ، ولازمه ملازمة كلية ، وألبسه الخرقة ، وأجازه بمروياته ومسموعاته ، قال : وهو الذى شوّقتى إلى دخول مصر بما وصفه لى من علمائها وأمرائها وأدبائها ، وما فيها من المشاهد الكرام ، فاشتاقت نفسى لرؤياها ، وحضرت مع الركب ، وكان الذى کان .. )) ثم ورد إلى مصر في تاسع صفر ، سنة سبع وستين ومائة وألف ، وسكن بخان الصاغة، وأول من عاشره وأخذ عنه السيد على المقدسى الحنفى من علماء مصر ، وحضر دروس أشياخ الوقت ، كالشيخ أحمد الملوى ، والجوهرى، والحفنى ، والبليدى ، والصعيدى ، والمدابغى ، وغيرهم . ولم يكتف الزبيدى بشيوخ القاهرة بل رحل إلى العلماء فى الصعيد والوجه البحرى ، كما رحل إلى فلسطين . فهو يقول فى رسالة له إلى أحد شيوخه ، وهى مثبتة فى كتاب أبجد العلوم . (( ثم الذى أخبركم مما مَنَّ اللّه تعالى به عَلَىَّ أنى حين وصولى إلى مصر افترصت المدة، وانتهزت القعدة، فأكبيت على تحصيل العلوم ، وتكميل منطوقها والمفهوم ، وتشرفت بالسماع الصحيح على مسنديها الموجودين ، ورحلت إلى بيت المقدس، فحطت بها جماعة مسندين، وفى الرملة، وثغرياوا (( يافا)» ودمياط ورشيد ، والمحلة، وسهنود ((لعلّها سمنود))، والمنصورة، وأبوصير، ودمنهور، وعدة من قرى مصر سمعت بها. الحديث .... ورحلت إلى أسيوط وجرجا ((كتبت جرجان)) وفرشوط، وسمعت فى كل منها .. وأدركت من شيوخ المغاربة جماعة مسندين بمصر وغيرها )) . ولقد اتجهت الأنظار إلى الزبيدى ، واشتاقت إلى سماعه النفوس ، لما حواه من علم غزير ، واطلاع واسع ، فأذن له فى التدريس بالقاهرة ، يقول فى رسالته إلى أحد شيوخه ((ثم أذن لى بالقاهرة فى درس الحديث ، فشرعت فى إقراء صحيح البخارى فى مسجد شيخون بالصليبة )) . (۔ وسعى إلى استماع دروسه كثير من رجالات الأزهر ، وصار يملى على المستمعين بعد قراءة شىء من الصحيح حديثاً من المسلسلات أو فضائل الأعمال ، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه ، ويتبعه بأبيات من الشعر ، فيتعجبون من ذلك . وكان انتقل إلى منزل بسويقة اللالا في أوائل سنة ١١٨٩ فأقبل عليه الأكابر والأعيان ، ورغبوا فى معاشرته ، إذا كان لطيف الشكل والذات ، حسن الصفات ، بشوشا بسوما وقورا محتشما ، مستحضرا للنوادر والمناسبات، ذكيا فطنا ، واسع الحفظ ، عارفا باللغة الفارسية والتركية . وازدادت شهرته ، وأقبل الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته، ، ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم ، وعملوا من أجله ولائم فاخرة ، فيذهب إليهم، مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملى وكاتب الأسماء ، فيقرأ لهم شيئا من الأجزاء الحديثية ، كثلاثيات البخارى أو الدارمى ، أو بعض المسلسلات ، بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده ، وبناته ونساؤه من خلف الستارة ، وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة ، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبى صلى اللّه عليه وسلم ، على النسق المعتاد، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين ، حتى النساء والصبيان والبنات، واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك: ((صحيحٌ ذلك)) وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق » . : ( طى) وطار ذكره في الآ فاق ، وكاتبه ملوك النواحى وحكامها من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر وغيرها . وكثرت عليه الوفود من كل ناحية يستجيزونه فيجيزهم )» وأتته الهدايا والتحف من شتى الأنجاء ، وكان بدوره يرسل الطرف من هدايا كل إقليم إلى الإقليم الذى لا توجد فيه ، فيأتيه في مقابلها أضعافُها . ١ وبلغ من علمه وتقواه أن اعتقد فيه كثيرون الولاية ، ومنهم من كان يعتقد فيه القطبانية العظمى. . : ويقول الجبرتى عن دروسه « كنت مشاهدا وحاضرا في غالب هذه المجالس والدروس، ومجالس أُخر خاصة بمنزله ، وبسكنه القديم بخان الصاغة ، وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق، وأماكن أخر كنا نذهب إليها للنزهة، مثل غيط المعدية والأزبكية وغير ذلك فكنا نشغل غالب الأوقات بسرد الأجزاء الحديثة وغيرها . ، - زواجه يقول الدكتور الشيال في كتابه : ((ولم يذكر هو ولم يذكر من ترجموا له شيئا عن الأسرة التى تزوج منها، أو عن تاريخ زواجه «ورجَّح الدكتور الشيال أن هذا الزواج تَمَّ حوالى سنة ١١٧٤ هـ مستنبطاً أن تأليف تاج العروس ما كان يستطيع أن يتم عمله الشاق إلا إذا كان يحيا حياة هادئة مستقرة ، أى بعد زواجه . ولم يعرف الدكتور الشيال عن زوجه إلا أن اسمها زبيدة ، وذلك لا شك من شعره الذی رثاها به . أما تاريخ زواجه فالجبرتى يقول : وكناه سيدنا السيد أبو الأنوار بن وفا بأبى الفيض ، وذلك يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة ١١٨٢ ... ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال ، مع بقاء سكنه بوكالة الصاغة . وإذا رجعنا إلى أواخر المواد فى تاج العروس نجد أن آخر حرف الذال كان فى ربيع الأول سنة ١١٨٢ بجان الصاغة . أما حرف الراء فكان فى رمضان سنة ١١٨٣ بمنزله في عطفة الغسال . وآخر حرف الصاد كان فى جمادى الأولى ١١٨٤ بمنزله فى عطفة الغسال . وآخر حرف الضاد فى جمادى الآخرة ١١٨٤ بمنزله فى عطفة الغسال . وآخر حرف الطاء فى رجب سنة ١١٨٤ بمنزله فى عطفة الغسال . وآخر حرف الظاء فى شعبان سنة ١١٨٤ بمنزله فى عطفة الغسال . وآخر حرف الغين فى ذى الحجة سنة ١١٨٤ بمنزله فى عطفة الغسال. وآخر حرف الكاف فى ذى الحجة سنة ١١٨٥ بمنزله فى عطفة الغسال . وآخر حرف اللام فى شعبان ١١٨٦ بمنزله فى عطفة الغسال . وآخر حرف الهاء فى جمادى سنة ١١٨٧ ولم يذكر سكنه ، ولا شك أنه فى عطفة الغسال وآخر الكتاب فى رجب سنة ١١٨٨ بمنزله فى عطفة الغسال . وإذن فزواجه فى أواخر سنة ١١٨٢ بعد إنجاز حرف الذال فى ربيع الأول سنة ١١٨٢ بخان الصاغة ، وبعد ( ٥ ) تكنيته في شعبان سنة ١١٨٢ . وبعد طوافه فى أرجاء مصر بالصعيد والوجه البحرى ، وإثبات أن كل المواد بعد حرف الذال كان فى عطفة الغسال يقطع بأن ما قاله الجبرتى ((وكناه سيدنا السيد أبو الأنوار بن وفا بأبى الفيض ... شعبان سنة ١١٨٢ ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال إنما كان تحديداً تقريباً لعام زواجه . والرجل كان متجها قبل ذلك كل الاتجاه إلى التنقل وتحصيل العلم . واستقرار منهج تاج العروس الذى استغرق أوله منه زمنا كبيرا . فلما اطمأن ، واشتهر ، وظفر بالتقدير، تزوج فى أواخر سنة ١١٨٢ هجرية. ولعلى لا أكون مخطئا إن شاء الله فى هذا الاستنتاج . أما زوجه فوجدت فى أبجد العلوم شيئا عنها وهو أن اسمها زبيدة وأبوها ذو الفقار الدمياطى . كما كان له من الخدم فى حبشى اسمه بلال ، وفتاتان حبشيتان اسمهما سعاد ورحمة . ولقد كان الزبيدى يحب هذه الزوجة حبا شديدا ، ولما توفيت فى سنة ١١٩٦ هجرية حزن عليها حزنا كثيرا ودفنها عند مشهد السيدة رقية . وبنى على قبرها مقاما ومقصورة ، وزوده بالستائر والفرش والقناديل ، ولازم قبرها أياماً طويلة ، يجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون ، ويعمل لهم الأطعمة الطيبة ، ثم اشترى قطعة أرض مجاورة للقبر، وبنى عليها منزلا صغيراً ، وأثثه وأسكن به أمها ، وكان يبيت به أحيانا . ورثاها كثير من الشعراء ، فكان يجيرهم بالمال الوفير ، ورثاها هو بقصائد ومقطعات ، أورد منها الجبرتى فى تاريخه عدة قصائد منها : وما لِفؤادِى لا يزالُ مُرَوَّعَاً خَلِيلَىَّ ما لِلأُنْسِ أضحى مُقَطَّعَا أَلَمَّ بِرَحْلِى أُمْ تَذكَّرْتُ مَصْرَعا زُبِيدَةَ ذاتِ الحُسْنِ والفَضلِ أجمعًا تَفَرُّ بها عيناى فانقَطَعَاً معما كما شَرِبَتْ لم يُجدِ عن ذاك مَدْفَعًا بَكَيْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِعَبْنَىَّ مَدْمَعَا أَمِنْ غِيَرِ الدَّهْرِ الْمُشِتُّ وحَادِثٍ وإلاَّ فِراقٌ مِن ألِيفةٍ مُهْجَتى مَضَتْ فمضَتْ عَنى بها كل تَدَّةٍ لَقَدْ شَرِبتْ كأساً سَنَشْرِبُ كُلُّنَا فمَنْ مُبِلِغٌ صَحْبِى بِمَكَّةَ أننى ومنها : زُبِيدَةُ شُدَّتْ للرَّحِيلِ مَطِيُّهَا وطافَتْ بِها الأَمْلاكُ مِنْ كُلُ وُجْهَةٍ تَمِيسُ كَمَا مَاسَتْعَرَوسٌ بِدَلَّها سأَبْكِ عليها ما حَيِيتُ وإِنْ أُمُتْ ولَسْتُ بها مُسْتَبْقِياً فَيْضَ عَبْرَةٍ غداةَ الثُّلاَثَا فِى غَلائِلها الحُضْرِ ودُقَّ لَا طَبْلُ السماءِ بِلاَ نُكْرٍ وتَخْطِرُ تِيهاً في البَرانِسِ والأُزْرِ سَتَّبَكِى عِظامٍِ والأضالِعُ في القَبْرِ ولا طَالباً بالصَّبْرِ عاقِيةَ الصَّبْرِ على أنه لم يخلف من هذه الزوجة أولاداً . ولا شك أن حياة النعيم والسعة ، وحياة مثله ممن يعنون بالعلم ويلزمون التقوى والعمل ، والرغبة فى أن تكون له ذرية ترث كل هذه الثروة الضخمة من مال وتحف وكتب . كل هذا دعاه إلى الزواج مرة أخرى . ومع ذلك لم يرزق من الثانية أولاداً . ومات عنها ، فاستولت مع أقاربها على معظم ما خلفه . ( ١ك ) ففى عام ١٢٠٥ هجرية انتشر الطاعون ، فأصيب به بعد صلاة الجمعة ، فى مسجد الكردى المواجه لداره، ودخل البيت، واعتقل لسانه تلك الليلة. وتوفى يوم الأحد فى شعبان سنة ١٢٠٥ هـ. وكتمت زوجه نبأ وفاته فى يومه ، وشغل أقاربها فى نقل ما خفّ حمله وغلا ثمنه ، بل كثيرا من أملاكه المنقولة ، حتى لا يستولى على أغلبه بيت المال . ولها قريب فى خدمة الحكام المماليك إذ ذاك ، ثم أعلنت موته يوم الاثنين ، فخرجوانجنازته، وصلَّوْا عليه ، ودفن بقبرٍ أعدَّه لنفسه بجانب زوجه الأولى بالمشهد المعروف بالسيدة رقية . ولم يعلم بموته أهل الأزهر ذلك اليوم. ولم يرثه أحد من الشعراء ، لاشتغال الناس بأمر الطاعون ، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها . ٠٠٠ ومن أهم ما شرحه الزبيدى كتاب الإحياء للغزالى ، شرع فيه سنة ١١٩٠ هجرية وانتهى منه فى سنة ١٢٠١ . وقد قال فى ختام الجزء الأول منه إنه أنهاه فى يوم الجمعة بعد الصلاة ، لخمس بقين من محرم الحرام، افتتاح سنة ثلاث وتسعين ومائه وألف ، على يد مؤلفه أبى الفيض محمد مرتضى الحسينى . وقال فى ختامه (وكانت مدة إملائه مع شواغل الدهر وإبلائه أحد عشر عاما إلا أياما ، آخرها فى الخامسة من نهار الأحد خامس جمادى الثانية، من شهور سنة إحدى بعد المائتين وألف من هجرة من له العز والشرف ، وذلك بمنزلى فى سويقة لالا، بمدينة مصر ، حرسها الله تعالى وسائر بلاد الإسلام)). وهذا الشرح طبع في المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٣١١ هـ. فى عشر مجلدات كبيرة وجعل عنوانه «إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين )) . ويبدو أنه بعد أن قطع مرحلة كبيرة في شرحه لكتاب الإحياء وانشغاله به ، جعله ذلك يزهد فى الدنيا ، وينقطع عن الناس ، على أن سلطان المغرب في وقته لم يكن من أنصار الاشتغال بكتب التصوف .. يقول الجبرتى عن الزبيدى : (( ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة، وبُعْدِ الصيت، وعظم القدر، والجاه عند الخاص والعام ، وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار ، وأقبلت عليه الدنيا بحذا فيرها من كل ناحية ، لزم داره ، واحتجب عن أصحابه الذين كان يُلِمُّ بهم قبل ذلك إلاّ فى النادر لغرض من الأغراض، وترك الدروس والإقراء ، واعتكف بداخل الحريم ، وأغلق الباب ، ورد الهدايا التى تأتيه من أكابر المصريين ظاهرة .... واتفق أن مولاى محمد سلطان المغرب ، رحمه اللّه، وصله بصلات قبل انجماعه الأخير وتزهده، وهو يقبلها ويقابلها بالحمد والثناء والدعاء، فأرسل له فى سنة إحدى ومائتين صلة لها قدر ، فردَّها وتورَّع عن قبولها، وضاعت ولم ترجع إلى السلطان، وعلم السلطان ذلك من جوابه ، فأرسل إليه مكتوبا قرأته وكان عندى ثم ضاع فى الأوراق ، ومضمونه العتاب والتوبيخ فى ردّ الصلة، ويقول له إنك رددت الصلة التى أرسلناها إليك من بيت مال المسلمين، وليتك حيث تورّعت عنها كنتَ فرَّقتها على الفقراء والمحتاجين ، فيكون لنا ولك أجر ذلك ، إلا أنك رددتها وضاعت . ويلومه أيضاً على شرحه كتاب الإحياء ويقول له : كان ينبغى أن تشغل وقتك بشئ نافع غير ذلك . ويذكر وجه لومه له فى ذلك وما قاله العلماء، وكلاما معجبا مختصرا مفيدا، رحمه الله تعالى)). أما صفة الزبيدى فيقول عنها الجبرتى : ((و كانت صفته رَبْعة، نحيف البدن ، ذهبىّ اللون، متناسب الأعضاء ، معتدل اللحية ، قد وخطه الشيب ( بك) فى أكثرها. مترفها فى ملبسه. ويعْتَمّ مثل أهل مكة عمامة منحرفة بشاش أبيض، ولها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكة وشراريب حرير ، طولها قريب من فتر، وطرفها الآخر داخل على العمامة وبعض أطرافه ظاهر) , ولا يفوتنى أن أقول إن الكتانى فى كتابه فهرس الفهارس قال عن الزبيدى (وقد ترجمه ترجمة طنانة تلميذه الجبرتى فى تاريخه ، لكنه ما سلم من حسده )) . والحق أن الجبرتى ما أساء إلى شيخه الزبيدى وما حسده ، ومقدمته فى ترجمته حافلة بالمديح والتقدير . إذ يقول : مات شيخنا علم الأعلام ، والساحر اللاعب بالأفهام ، الذى جاب فى اللغة والحديث كل فَجّ ، وخاض من العلم كل لُجّ ، المذلل له سبل الكلام ، الشاهد له الورق والأقلام ، ذو المعرفة والمعروف ، وهو العلم الموصوف، العمدة الفهامة ، والرحلة النسابة ، الفقيه المحدث ، اللغوى النحوى الأصولى الناظم الناثر الشيخ أبو الفيض ..... )) وفى كل مناسبة فى تراجمه للرجال يذكره ويثنى عليه ويقول : قال شيخنا . ولكن الجبرتى مؤرخ ، ويقتضيه واجب الإنصاف أن يذكر ما للإنسان وما عليه . وموضع شبهة الكتانى فى هذا الحسد أن الجبرتى أشار إلى اعتقاد الناس فى الزبيدى القطبانية، ولمح إلى بعض أسبابها عندما ذكر المغاربة الذين كانوا يحجون ويزورونه ، وأشار الجبرتى إلى أن الزبيدى ذكر فى مكتوب لأحمد بك الجزار أنه المهدى المنتظر ، كما نقل بعض لوم سلطان المغرب للزبيدى على شرحه لكتاب الإحياء . ويبدو أن هذا كله أو بعضه هو الذى جعل الكتانى تأخذه الحَميَّة فقال ما قال . وهذا نص الجبرتى الخاص باعتقاد القطبانية . ((وربما اعتقدوا فيه القطبانية العظمى، حتى إن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجا ولم يزره ولم يصله بشىء لا يكون حجُّهُ كاملاً، فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن أسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده ، وحفظ ذلك أو كتبه. ويستخبر من هذا عن ذلك بلطف ورقة ، فإذا ورد عليه قادمٌ مِن قابل سأله عن اسمه وبلده ، فيقول : فلان من بلدة كذا . فلا يخلو إما أنه يكون عرفه من غيره سابقا أو عرف جاره أو قريبه، فيقول له : فلان طيب ؟ فيقول : نعم سيدى ، ثم يسأله عن أخيه فلان، وولده فلان ، وزوجته وابنته ، ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها ، فيقوم ذلك المغربى ويقعد ، ويقبل الأرض تارة ، ويسجد تارة ، ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح ، فتراهم فى أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب ، وكل من دخل منهم قدم بين يدى نجواه شيئا ، إما موزنات فضة ، أو تمرا ، أو شمعا ، على قدر فقره وغناه ، وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها ، ويلتمسون منه الأجوبة ، فمن ظفر منهم بقطعة ورق ولو بمقدار الأنملة فكأنما ظفر بحسن الخاتمة ، وحفظها معه كالتميمة ، ويرى أنه قد قُبل حجُّه ، وإلا فقد باء بالخيبة والندامة ، وتوجَّه عليه اللوم من أهل بلاده ، ودامت حسرته إلى يوم ميعاده ، وقس على ذلك ما لم يقل )) إن الجبرتى يحلّل النفسيات ، ويشير إلى أسباب المعتقدات ، ولا لوم على الزبيدى فى أنه كان ذكيا ألمعيا مُتُحبّباً إلى الناس ، حريصا على ألفتهم ، حافظاً لأسمائهم . بقى بعد هذا أن أقول : إن الكتانى فى كتابه فهرس الفهارس عنى كل العناية بالزبيدى ومؤلفاته وشيوخه ، وأثبت لنا كثيرا من النصوص النادرة ، فجزاه الله أحسن الجزاء . وأنقل عنه ما يأتى : كان نقش خاتم المرتضى الذى كان يطبع به إجازاته ومكاتبه بيت شعر نصه : مُحَمَّدُ المُرْتَضَى يَرْجُو الأَمَانَ غَدًا بِجَدَّه وهْوَ أَوْفَى الْخَلْقِ بِالذِّمَمِ ( جك ) - ) رجاء وإنا لنرجو من كل عالم باللغة والتراث العربى أن يوافينا بما يبدو له . فلعلنا نكون قد نسينا أو أخطأنا، والكتاب أجزاء متتابعة، فما كان توجيهه صواباً ألحقناه فيما يتلوه، وما كان رأيا شخصياً أحللناه محلّه من الاعتبار، مع الشكر في الحالين . والله الموفق للخير، والهادي إلى الصراط المستقيم : ١٣٨٥ هجرية ١٩٦٥ ميلادية عبد الستار أحمد فراج رئيس التحرير بمجمع اللغة العربية أمسـ --- ( ٥ ك )